Полный текст (8 298 стр.). Показаны 4446–4485 · переход к 4451.
стр. 4446
يصيب) فعل مضارع (كل رجل) بنصب كل على المفعولية (بعيران هذان بعيران فأقبلهما عني) بفتح الموحدة (ولا تصبر) بفتح أوله وضم ثالثه وقد تكسر، ولأبي ذر: ولا تصبر بضم أوّله وكسر ثالثه (يميني حيث تصبر الأيمان) بضم أوّله وفتح ثالثه مبنيًا للمفعول وبكسر الموحدة مبنيًّا للفاعل (فقبلهما وجاء ثمانية وأربعون) رجلاً (فحلفوا) زاد ابن الكلبي عند الركن أن خداشًا بريء من دم المقتول.
(قال ابن عباس) ﵄ بالسند المذكور: (فوالذي نفسي بيده ما حال) ولأبى ذر عن الكشميهني: ما جاء (الحول) من يوم حلفهم (ومن الثمانية وأربعين) الذين حلفوا وللأصيلي وابن عساكر: والأربعين (عين تطرف) بكسر الراء أي تتحرك زاد ابن الكلبي وصارت رباع الجميع لحويطب، فلذا كان أكثر من بمكة رباعًا.
استشكل قول ابن عباس ﵄ فوالذي نفسي بيده إلى آخره مع كونه حين ذاك لم يولد. وأجيب: باحتمال أن الذي أخبره بذلك جماعة اطمأنت نفسه إلى صدقهم حتى وسعه أن يحلف على ذلك قاله السفاقسي. وقال في الفتح: ويحتمل أن يكون الذي أخبره بذلك هو النبي ﷺ قال: وهو أمكن في دخول هذا الحديث في الصحيح. وقال في الكواكب: فيه ردع للظالمين وسلوة للمظلومين، ووجه الحكمة في هلاكهم كلهم أن يتمانعوا من الظلم إذ لم يكن فيهم إذ ذاك نبي ولا كتاب ولا كانوا يؤمنون بالبعث، فلو تركوا مع ذلك هملاً لأكل القوي الضعيف ولاقتضم الظالم المظلوم. وروى الفاكهي كما ذكره في الفتح من طريق ابن أبي نجيح عن أبيه قال: حلف ناس عند البيت قسامة على باطل ثم خرجوا فنزلوا تحت صخرة فانهدمت عليهم.
وهذا الحديث أخرجه النسائي في القسامة، ومباحث القسامة تأتي إن شاء الله تعالى في محلها بعون الله وقوّته.
٣٨٤٦ - حَدَّثَنِي عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "كَانَ يَوْمُ بُعَاثٍ يَوْمًا قَدَّمَهُ اللَّهُ لِرَسُولِهِ ﷺ ، فَقَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَدِ افْتَرَقَ مَلَؤُهُمْ، وَقُتِّلَتْ سَرَوَاتُهُمْ وَجُرِّحُوا، قَدَّمَهُ اللَّهُ لِرَسُولِهِ ﷺ فِي دُخُولِهِمْ فِي الإِسْلَامِ".
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد (عبيد بن إسماعيل) بضم العين مصغرًا غير مضاف لشيء وكان اسمه عبد الله وكنيته أبو محمد الهباري القرشي الكوفي قال: (حدّثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة (عن هشام عن أبيه) عروة بن الزبير بن العوّام (عن عائشة ﵂) أنها (قالت: كان يوم بعاث) بضم الموحدة آخره مثلثة غير منصرف لأبي ذر للتأنيث والعلمية اسم بقعة ولغيره بالصرف اسم موضع وقع فيه حرب بين الأوس والخزرج (يومًا قدمه الله لرسوله ﷺ ¬) قبل قدومه المدينة بخمس سنين قتل فيه كثير من أشرافهم إذ لو كانوا أحياء لاستكبروا عن متابعته وسقطت التصلية لأبي ذر (فقدم رسول الله ﷺ وقد افترق ملؤهم) جماعتهم (وقتلت): بتشديد الفوقية الأولى في
стр. 4447
اليونينية وبتخفيفها في غيرها (سرواتهم) بفتح المهملتين أشرافهم (وجرحوا) بضم الجيم وتشديد الراء (قدمه الله لرسوله ﷺ في) أي لأجل (دخولهم في) دين (الإسلام).
وسبق هذا الحديث في مناقب الأنصار.
٣٨٤٧ - وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنَا عَمْرٌو عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الأَشَجِّ أَنَّ كُرَيْبًا مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ حَدَّثَهُ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: "لَيْسَ السَّعْيُ بِبَطْنِ الْوَادِي بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ سُنَّةً، إِنَّمَا كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَسْعَوْنَهَا وَيَقُولُونَ: لَا نُجِيزُ الْبَطْحَاءَ إِلاَّ شَدًّا".
وبه قال: (وقال ابن وهب): عبد الله فيما وصله أبو نعيم في مستخرجه (أخبرنا عمرو) بفتح العين ابن الحرث المصري (عن بكير بن الأشج) بضم الموحدة مصغرًا والأشج بهمزة وشين معجمة مفتوحتين فجيم نسبة لجدّه واسم أبيه عبد الله مولى بني مخزوم (أن كريبًا) بضم الكاف وفتح الراء وسكون التحتية بعدها موحدة (مولى ابن عباس حدثه أن ابن عباس) ﵄ (قال: ليس السعي) المشي الشديد (ببطن الوادي بين الصفا والمروة سنّة) ولأبي ذر عن الكشميهني بسنّة (إنما كان أهل الجاهلية يسعونها) يمشونها مشيًا شديدًا (ويقولون لا نجيز البطحاء) بضم النون وكسر الجيم وبعد التحتية الساكنة زاي أي لا نقطع مسيل الوادي (إلا) إجازة (شدّا) بقوّة وعدو شديد، ولم ينف ابن عباس سنية السعي المجرد بل شدة المشي إذ أصل السعي طريقة الرسول ﷺ بل واجب ركن في الحج والعمرة. نعم قال الجمهور باستحباب العدو في بطن المسيل، وخالفهم ابن عباس ﵄.
٣٨٤٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجُعْفِيُّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ أَخْبَرَنَا مُطَرِّفٌ سَمِعْتُ أَبَا السَّفَرِ يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ يَقُولُ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا مِنِّي مَا أَقُولُ لَكُمْ، وَأَسْمِعُونِي مَا تَقُولُونَ، وَلَا تَذْهَبُوا فَتَقُولُوا: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، مَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ فَلْيَطُفْ مِنْ وَرَاءِ الْحِجْرِ، وَلَا تَقُولُوا الْحَطِيمُ، فَإِنَّ الرَّجُلَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ كَانَ يَحْلِفُ فَيُلْقِي سَوْطَهُ أَوْ نَعْلَهُ أَوْ قَوْسَهُ".
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدّثني بالإفراد (عبيد الله بن محمد) بضم العين في الفرع وفي اليونينية وغيرها بفتحها وهو المعروف (الجعفي) بضم الجيم وسكون العين المهملة المسندي قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة قال: (أخبرنا مطرف) بضم الميم وفتح المهملة وكسر الراء المشددة ابن عبد الله الحرشي بمهملتين ثم معجمة البصري (قال: سمعت أبا السفر) بفتح المهملة والفاء سعيد بن يحمد بضم التحتية وسكون الحاء المهملة وكسر الميم بعدها دال مهملة الهمداني الثوري الكوفي (يقول: سمعت ابن عباس ﵄ يقول: يا أيها الناس اسمعوا مني ما أقول لكم) سماع ضبط واتقان (وأسمعوني) بهمزة قطع أي أعيدوا عليّ (ما تقولون) إنكم حفظتموه مني فكأنه خشي أن لا يفهموا مراده (ولا تذهبوا فتقولوا قال ابن عباس) كذا (قال ابن عباس) كذا من
стр. 4448
قبل أن تضبطوا ما أقول لكم (من طاف بالبيت فليطف من وراء الحجر) بكسر الحاء وسكون الجيم وهو المحوّط الذي تحت الميزاب وأكثر الروايات كما نبه عليه في شفاء الغرام أن فيه من البيت نحو سبعة أذرع كما في الصحيحين (ولا تقولوا الحطيم) أي لا تسموه بالحطيم (فإن الرجل في الجاهلية كان يحلف) عنده (فيلقي) فيه (سوطه أو نعله أو قوسه) بعد أن يحلف علامة لعقد حلفه فسموه بالحطيم لذلك لكونه يحطم أمتعتهم فعيل بمعنى فاعل، وقيل ما ذكره في شفاء الغرام لأنهم كانوا يطرحون فيه ما طافوا به من الثياب فيبقى حتى ينحطم من طول الزمان، وقيل لأنهم كانوا يحطمون بالإيمان فقلّ من حلف هناك آثمًا إلا عجلت له العقوبة، وقيل الحطيم ما بين الحجر الأسود والمقام وزمزم والحجر، لكن قال في الفتح: إن حديث ابن عباس المذكور حجة في ردّ هذا وشبهه.
٣٨٤٩ - حَدَّثَنَا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ عَنْ حُصَيْنٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ قَالَ: "رَأَيْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ قِرْدَةً اجْتَمَعَ عَلَيْهَا قِرَدَةٌ قَدْ زَنَتْ فَرَجَمُوهَا، فَرَجَمْتُهَا مَعَهُمْ".
وبه قال: (حدّثنا نعيم بن حماد) بتشديد الميم ابن معاوية بن الحرث الخزاعي أبو عبد الله الرفاء بالفاء المروزي نزيل مصر صدوق يخطئ كثيرًا فقيه عارف بالفرائض وقد تتبع ابن عدي ما أخطأ فيه وقال باقي حديثه مستقيم ووثقه أحمد قال: (حدّثنا هشيم) بضم الهاء وفتح الشين المعجمة مصغرًا ابن بشير بفتح الموحدة بوزن عظيم ابن معاوية بن خازم بمعجمتين الواسطي (عن حصين) بمهملتين مصغرًا ابن عبد الرحمن الكوفي (عن عمرو بن ميمون) بفتح العين الأودي أبي عبد الله المخضرم المشهور أسلم في زمنه ﷺ ولم يره أنه (قال: رأيت في الجاهلية قردة) بكسر القاف وسكون الراء أنثى الحيوان المعروف (اجتمع عليها قردة) بكسر القاف وفتح الراء جمع قرد ويجمع أيضًا على قرود حال كونها (قد زنت فرجموها فرجمتا معهم).
وهذا الحديث ثابت في جميع أصول البخاري التي رأيتها قال في الفتح وكفى بإيراد أبي ذر الحافظ له عن شيوخه الثلاثة الأئمة المتقنين عن الفربري وأبي مسعود له في الأطراف حجة لكنه سقط من رواية النسفيّ، وكذا الحديث الذي بعده ولا يلزم من ذلك أن لا يكون في رواية الفربري فإن روايته تزيد على رواية النسفيّ عدة أحاديث.
ورواه الإسماعيلي من وجه آخر من طريق عبد الملك بن مسلم عن عيسى بن حطان عن عمرو بن ميمون قال: كنت في اليمن في غنم لأهلي وأنا على شرف فجاء قرد مع قردة فتوسد يدها فجاء قرد أصغر منها فغمزها فسلت يدها من تحت رأس القرد الأوّل سلاً رفيقًا وتبعته فوقع عليها وأنا أنظر، ثم رجعت فجعلت تدخل يدها تحت خد القرد الأول برفق فاستيقظ فزعًا فشمها فصاح فاجتمعت القرود فجعل يصيح ويومئ إليها بيده فذهب القرود يمنة ويسرة فجاؤوا بذلك القرد أعرفه فحفروا لهما حفرة فرجموهما فلقد رأيت الرجم في غير بني آدم.
стр. 4449
ورواه البخاري أيضًا في تاريخه الكبير فقال: قال لي نعيم بن حماد: أخبرنا هشيم عن أبي المليح وحصين عن عمرو بن ميمون قال: رأيت في الجاهلية قردة اجتمع عليها قردة فرجموها ورجمتها معهم وليس فيه قد زنت، وقول ابن الأثير في أسد الغابة كابن عبد البر أن القصة بطولها يعني المروية عند الإسماعيلي المذكورة تدور على عبد الملك بن مسلم عن عيسى بن حطان وليسا ممن يحتج بهما، وهذا عند جماعة من أهل العلم منكر لإضافة الزنا إلى غير مكلف وإقامة الحدود على البهائم، ولو صح ذلك لكان من الجن لأن العبادات والتكليفات في الجن والإنس دون غيرهما. أجيب عنه: بأنه لا يلزم من كون عبد الملك وابن حطان مطعونًا فيهما ضعف رواية البخاري للقصة عن غيرهما بل مقوّية وعاضدة لرواية الإسماعيلي المذكورة، وبأنه لا يلزم من كون صورة الواقعة صورة الزنا أن يكون ذلك زنا حقيقة ولا حدًّا، وإنما أطلق ذلك عليه لشبهه به فلا يستلزم ذلك إيقاع التكليف على الحيوان.
٣٨٥٠ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: "خِلَالٌ مِنْ خِلَالِ الْجَاهِلِيَّةِ: الطَّعْنُ فِي الأَنْسَابِ، وَالنِّيَاحَةُ -وَنَسِيَ الثَّالِثَةَ- قَالَ سُفْيَانُ: وَيَقُولُونَ إِنَّهَا الاِسْتِسْقَاءُ بِالأَنْوَاءِ".
وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (عن عبيد الله) بضم العين مصغرًا ابن أبي يزيد. المكي مولى آل قارظ بن شيبة الكناني وثقه ابن المديني أنه (سمع ابن عباس ﵄ قال: خلال من خلال الجاهلية) بالخاء المعجمة فيهما أي خصال من خصال الجاهلية (الطعن في الأنساب) أي القدح فيها بغير علم (والنياحة) بكسر النون على الميت (ونسي) عبيد الله الراوي الخلة (الثالثة. قال سفيان) بن عيينة (ويقولون إنها) أي الثالثة (الاستسقاء بالأنواء) جمع نوء وهو منزل القمر كانوا يقولون مطرنا بنوء كذا وسقينا بنوء كذا.
٢٨ - باب مَبْعَثِ النَّبِيِّ ﷺ -
مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيِّ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ مُدْرِكَةَ بْنِ إِلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ بْنِ نِزَارِ بْنِ مَعَدِّ بْنِ عَدْنَانَ.
(باب مبعث النبي ﷺ ¬) مصدر ميمي من البعث وهو الإرسال هو (محمد بن عبد الله) الذي تكاملت فيه الخصال المحمودة وهو اسم مفعول من الصفة على سبيل التفاؤل أنه سيكثر حمده، وسائر أسماء أوصافه ﵊ راجعة إليه، وتوفي أبوه بعد شهرين من حمله أو وهو في المهد أو وهو ابن شهرين والأوّل أشهر (ابن عبد المطلب) اسمه شيبة الحمد لأنه ولد وفي رأسه شيبة، ولقب بعبد المطلب لأن عمه المطلب جاء به إلى مكة رديفه وهو بهيئة بذة فكان يسأل عنه فيقول: هو عبدي حياء من أن يقول: ابن أخي وعاش مائة وأربعين سنة (ابن هاشم بن
стр. 4450
عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة) واسم هاشم عمرو، وقيل له هاشم لأنه هشم الثريد بمكة لقومه في زمن المجاعة، ومناف بفتح الميم وتخفيف النون، وقصي بضم القاف تصغير قصى أي بعد لأنه بعد عن عشيرته في بلاد قضاعة حين احتملته أمه، وصغر على فعيل لأنهم كرهوا اجتماع ياءات فحذفوا إحداهن وهي الثانية التي تكون في فعيل فبقي على وزن فعيل مثل فليس واسمه مجمع، وقال الشافعي ﵀: يزيد وكلاب بكسر الكاف وتخفيف اللام ولقب به لمحبته الصيد وكان أكثر صيده بالكلاب قاله المهلب وغيره واسمه حكيم أو عروة، ومرّة منقول من اسم الحنظلة قاله السهيلي (ابن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر) وكعب أول من جمع يوم العروبة وكان فصيحًا خطيبًا، قيل وسمي كعبًا لستره على قومه ولين جانبه لهم منقول من كعب القدم، وقيل لارتفاعه على قومه وشرفه فيهم، ولؤي بالهمزة في الأكثر تصغير اللأي وهو الثور الوحشي، وغالب بالمعجمة وكسر اللام وفهر بكسر الفاء وسكون الهاء وهو من الحجارة الطويل والأملس، قيل واسمه قريش وهو قريش فمن لم يكن من ولده فليس بقرشي، وقال آخرون: أصل قريش النضر محتجين بحديث الأشعث بن قيس الكندي قال: قدمت على رسول الله ﷺ في وفد كندة فقلت: ألستم منا يا رسول الله؟ قال: "لا نحن بنو النضر بن كنانة لا نقفو أمنا ولا ننتفي من أبينا" ذكره أبو عمر، وزاد في رواية أبي نعيم في الرياضة قال أشعث: والله لا أسمع أحدًا نفى قريشًا من النضر بن كنانة إلا جلدته، وقيل فهر اسمه وقريش لقبه، ونقل الزبير عن الزهري أن أمه سمته قريشًا وسماه أبوه فهرًا، والنضر بفتح النون وسكون الضاد المعجمة وسمي به لوضاءته وجماله وإشراق وجهه (ابن كنانة) بلفظ وعاء السهام (ابن خزيمة) بضم الخاء وفتح الزاي المعجمتين مصغرًا (ابن مدركة) بضم الميم وسكون الدال المهملة وكسر الراء (ابن إلياس بن مضر) بكسر الهمزة وسكون اللام أفعال من قولهم ليس للشجاع الذي لا يفر قاله ابن الأنباري.
وقال غيره: هو بهمزة وصل وهو ضد الرجاء ومضر بضم الميم وفتح الضاد المعجمة قيل وسمي به لأنه كان يحب شرب اللبن الماضر وهو الحامض أو لأنه كان يمضر القلوب بحسنه وجماله (ابن نزار بن معد بن عدنان) بكسر النون وفتح الزاي وبعد الألف راء من النزر وهو القليل. وقال أبو الفرج الأصبهاني: لأنه كان فريد قومه ومعدّ بفتح الميم والعين وتشديد الدال المهملتين وعدنان بوزن فعلان من العدن.
وقد روى أبو جعفر بن حبيب في تاريخه المحبر من حديث ابن عباس قال: كان عدنان ومعدّ وربيعة ومضر وخزيمة وأسد على ملة إبراهيم فلا تذكروهم إلا بخير، وروى الزبير بن بكار من وجه آخر قوي مرفوعا "لا تسبوا مضر ولا ربيعة فإنهما كانا مسلمين" وله شاهد عند ابن حبيب من مرسل سعيد بن المسيب، وقد اقتصر البخاري من هذا النسب الشريف على عدنان لما وقع من الاختلاف فيمن بين عدنان وبين إبراهيم الخليل، وفيمن بين إبراهيم وآدم، وأخرج ابن سعد عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ كان إذا انتسب لم يجاوز في نسبه معدّ بن عدنان. وقالت عائشة ﵂: ما وجدنا من يعرف ما وراء عدنان إلى ما وراء قحطان.
стр. 4451
وقال ابن جريج عن القاسم بن أبي مرة عن عكرمة: أضلت نزار نسبها من عدنان.
٣٨٥١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي رَجَاءٍ حَدَّثَنَا النَّضْرُ عَنْ هِشَامٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: "أُنْزِلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهْوَ ابْنُ أَرْبَعِينَ، فَمَكَثَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً؛ ثُمَّ أُمِرَ بِالْهِجْرَةِ، فَهَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَمَكَثَ بِهَا عَشْرَ سِنِينَ، ثُمَّ تُوُفِّيَ ﷺ ".
[الحديث ٣٨٥١ - أطرافه في: ٣٩٠٢، ٣٩٠٣، ٤٤٦٥، ٤٩٧٩].
وبه قال: (حدّثنا أحمد بن أبي رجاء) الهروي الجعفي قال: (حدّثنا النضر) بفتح النون وسكون الضاد المعجمة ابن شميل أبو الحسن المازني (عن هشام) هو ابن حسان البصري (عن عكرمة) مولى ابن عباس ﵄ (عن ابن عباس ﵄) أنه (قال):
(أنزل على رسول الله ﷺ ¬) الوحي (وهو ابن أربعين) سنة (فمكث ثلاث) وللكشميهني فمكث بمكة ثلاث (عشرة سنة) بعد الوحي منها مدة الفترة والرؤيا الصالحة في النوم (ثم أمر) بضم الهمزة مبنيًّا للمفعول (بالهجرة فهاجر إلى المدينة فمكث عشر سنين ثم توفي ﷺ ¬) عن ثلاث وستين سنة.
٢٩ - باب مَا لَقِيَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ بِمَكَّةَ
(باب ما لقي النبي ﷺ وأصحابه) ﵃ (من المشركين) أي من أذاهم حال كونهم (بمكة).
٣٨٥٢ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا بَيَانٌ وَإِسْمَاعِيلُ قَالَا: سَمِعْنَا قَيْسًا يَقُولُ: سَمِعْتُ خَبَّابًا يَقُولُ: «أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَهْوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً وَهْوَ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ -وَقَدْ لَقِينَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ شِدَّةً- فَقُلْتُ: يا رسول الله، أَلَا تَدْعُو اللَّهَ لَنَا؟ فَقَعَدَ وَهْوَ مُحْمَرٌّ وَجْهُهُ فَقَالَ: لَقَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ لَيُمْشَطُ بِمِشَاطِ الْحَدِيدِ، مَا دُونَ عِظَامِهِ مِنْ لَحْمٍ أَوْ عَصَبٍ، مَا يَصْرِفُهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَيُوضَعُ الْمِنْشَارُ عَلَى مَفْرِقِ رَأْسِهِ فَيُشَقُّ بِاثْنَيْنِ، مَا يَصْرِفُهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ. وَلَيُتِمَّنَّ اللَّهُ هَذَا الأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ مَا يَخَافُ إِلاَّ اللَّهَ».
زَادَ بَيَانٌ "وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ".
وبه قال: (حدّثنا الحميدي) عبد الله بن الزبير المكي قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة قال: (حدّثنا بيان) بفتح الموحدة وتخفيف التحتية ابن بشر الأحمسي المعلم الكوفي (وإسماعيل) بن أبي خالد (قالا: سمعنا قيسًا) هو ابن أبي حازم البجلي التابعي الكبير (يقول: سمعت خبابًا) بفتح الخاء المعجمة وتشديد الموحدة الأولى ابن الأرت بفتح الهمزة والراء وتشديد الفوقية (يقول: أتيت النبي ﷺ وهو) أي والحال أنه (متوسد بردة) بتاء التأنيث، ولأبي ذر عن الكشميهني: بردة بالهاء
стр. 4452
(وهو) أي والحال أنه (في ظل الكعبة و) الحال أنا (قد لقينا من المشركين شدة فقلت: ألا) ولأبي ذر عن الكشميهني يا رسول الله ألا (تدعو الله؟) تعالى (فقعد وهو) أي والحال أنه (محمرّ وجهه) من الغضب (فقال) ﵊:
(لقد كان من) بفتح الميم (قبلكم) من الأنبياء (ليمشط) بضم التحتية وسكون الميم وفتح المعجمة مبنيًّا للمفعول (بمشاط الحديد) بكسر الميم جمع مشط كرماح جمع رمح قاله الصغاني في شوارد اللغات، ولأبي ذر عن الكشميهني: بأمشاط الحديد (ما دون عظامه من لحم أو عصب ما) كان (يصرفه) بالهاء، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: يصرف (ذلك) المشط (عن دينه ويوضع المنشار) بكسر الميم وسكون النون بالمعجمة التي ينشر بها الخشب (على مفرق رأسه) بفتح الميم وسكون الفاء وكسر الراء (فيشق باثنين) بضم التحتية وفتح الشين المعجمة (ما يصرفه ذلك) الوضع على مفرق رأسه (عن دينه وليتمن الله) (هذا الأمر) بفتح اللام وضم التحتية وكسر الفوقية وتشديد الميم المفتوحة والنون من الإتمام والكمال واللام للتأكيد أي أمر الإسلام (حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت) بفتح الميم (ما يخاف) أحدًا (إلا الله) (زاد بيان) المذكور في السند بروايته (والذئب على غنمه) بنصب الذئب عطفًا على المستثنى منه لا المستثنى قاله في الكواكب، وجوزه في الفتح وقال: إن التقدير ولا يخاف إلا الذئب على غنمه لأن سياق الحديث إنما هو للأمن من عدوان بعض الناس على بعض كما كانوا في الجاهلية لا للأمن من عدوان الذئب فإن ذلك إنما يكون عند نزول عيسى اهـ.
وتعقبه في العمدة بأن سياق الحديث أعم من عدوان الناس وعدوان الذئب ونحوه لأن قوله: الراكب أعم من أن يكون معه غنم أو غيره وعدم خوفه يكون من الناس والحيوان، وبأن ذلك غير مختص بزمان عيسى ﵊، وإنما وقع هذا في زمن عمر بن عبد العزيز ﵁ فإن الرعاة كانوا آمنين من الذئاب في أيامه ولم يعرفوا موته إلا بعدوان الذئب على الغنم.
وهذا الحديث قد سبق في باب علامات النبوة.
٣٨٥٣ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ الأَسْوَدِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: "قَرَأَ النَّبِيُّ ﷺ النَّجْمَ فَسَجَدَ، فَمَا بَقِيَ أَحَدٌ إِلاَّ سَجَدَ، إِلاَّ رَجُلٌ رَأَيْتُهُ أَخَذَ كَفًّا مِنْ حَصىً فَرَفَعَهُ، فَسَجَدَ عَلَيْهِ وَقَالَ: هَذَا يَكْفِينِي. فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ بَعْدُ قُتِلَ كَافِرًا بِاللَّهِ".
وبه قال: (حدّثنا سليمان بن حرب) الواشحي قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن أبي إسحاق) عمرو السبيعي (عن الأسود) بن يزيد النخعي (عن عبد الله) بن مسعود (﵁) أنه (قال: قرأ النبي ﷺ النجم) في رمضان سنة خمس من البعثة كما قال الواقدي (فسجد) بعد فراغه من قراءتها (فما بقي أحد) من المسلمين والمشركين (إلا سجد) معه المسلمون لله وغيرهم
стр. 4453
لآلهتهم لأنها أول سجدة نزلت فأرادوا معارضة المسلمين بالسجود لآلهتهم (إلاّ رجل) وهو أمية بن خلف كما في سورة النجم عند المؤلّف فلم يسجد (رأيته أخذ كفًا من حصا فرفعه) إلى وجهه (فسجد عليه وقال: هذا يكفيني فلقد رأيته بعد) بالبناء على الضم أي بعد ذلك (قتل كافرًا بالله) تعالى يوم بدر.
ومطابقة الحديث للترجمة في عدم سجود هذا المذكور إذ في مخالفته نوع أذى على ما لا يخفى.
وهذا الحديث سبق في أبواب السجود ويأتي إن شاء الله تعالى في التفسير.
٣٨٥٤ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: «بَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ سَاجِدٌ وَحَوْلَهُ نَاسٌ مِنْ قُرَيْشٍ جَاءَ عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ بِسَلَى جَزُورٍ فَقَذَفَهُ عَلَى ظَهْرِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَلَمْ يَرْفَعْ رَأْسَهُ، فَجَاءَتْ فَاطِمَةُ ﵍ فَأَخَذَتْهُ مِنْ ظَهْرِهِ وَدَعَتْ عَلَى مَنْ صَنَعَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : اللَّهُمَّ عَلَيْكَ الْمَلأَ مِنْ قُرَيْشٍ: أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ وَعُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ وَشَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ وَأُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ -أَوْ أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ، شُعْبَةُ الشَّاكُّ- فَرَأَيْتُهُمْ قُتِلُوا يَوْمَ بَدْرٍ، فَأُلْقُوا فِي بِئْرٍ، غَيْرَ أُمَيَّةَ بن خلف أَوْ أُبَيٍّ تَقَطَّعَتْ أَوْصَالُهُ فَلَمْ يُلْقَ فِي الْبِئْرِ».
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد، ولأبي ذر: حدّثنا (محمد بن بشار) بندار العبدي قال: (حدّثنا غندر) محمد بن جعفر قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن أبي إسحاق) عمرو السبيعي (عن عمرو بن ميمون) بفتح العين الأودي المخضرم (عن عبد الله) بن مسعود (﵁) أنه (قال: بينا النبي ﷺ ¬) بغير ميم في بينا (ساجد) عند الكعبة (وحوله ناس من قريش) وهم السبعة المدعوّ عليهم بعد (جاء عقبة بن أبي معيط) أشقاهم (بسلا جزور) بفتح السين المهملة (فقذفه على ظهر النبي ﷺ فلم يرفع رأسه فجاءت فاطمة) ابنته ﵍ فأخذته من ظهره) الشريف (ودعت على من صنع) ذلك وفي رواية إسرائيل فأقبلت تسبهم (فقال النبي ﷺ ¬) لما رفع رأسه من السجود وفرغ من الصلاة:
(اللهم عليك الملأ من قريش) أي الزم جماعتهم وأشرافهم أي أهلكهم (أبا جهل بن هشام) واسمه عمرو فرعون هذه الأمة (وعتبة بن ربيعة) بضم العين وسكون الفوقية وفي اليونينية الرفع والنصب بتقدير أعني ونحوه (وشيبة بن ربيعة) أخا عتبة (وأمية بن خلف أو أبي بن خلف شعبة) بن الحجاج هو (الشاك) في ذلك، والصحيح أنه أمية كما في كتاب الصلاة لأن أبيا قتله النبي ﷺ يوم أُحد قال ابن مسعود ﵁: (فرأيتهم قتلوا يوم بدر فألقوا) بضم الهمزة (في بئر) هناك تحقيرًا لشأنهم ولئلا يتأذى بريحهم (غير أمية) ولأبي ذر: زيادة ابن خلف (أو أبي) بالشك (تقطعت أوصاله فلم يلق في البئر).
стр. 4454
وهذا الحديث سبق في أواخر الوضوء.
٣٨٥٥ - حَدَّثَنِي عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ -أَوْ قَالَ: حَدَّثَنِي الْحَكَمُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ- قَالَ: "أَمَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبْزَى قَالَ: سَلِ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ هَاتَيْنِ الآيَتَيْنِ مَا أَمْرُهُمَا؟ [الأنعام: ١٥١، الإسراء: ٣٣] ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ﴾، [النساء: ٩٣]: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ فَسَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ: فَقَالَ: لَمَّا أُنْزِلَتِ الَّتِي فِي الْفُرْقَانِ [٦٨] قَالَ مُشْرِكُو أَهْلِ مَكَّةَ: فَقَدْ قَتَلْنَا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ، وَدَعَوْنَا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ، وَقَدْ أَتَيْنَا الْفَوَاحِشَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ﴾ [الفرقان: ٧٠] الآيَةَ، فَهَذِهِ لأُولَئِكَ، وَأَمَّا الَّتِي فِي النِّسَاءِ [٩٣] الرَّجُلُ إِذَا عَرَفَ الإِسْلَامَ وَشَرَائِعَهُ ثُمَّ قَتَلَ فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ، فَذَكَرْتُهُ لِمُجَاهِدٍ فَقَالَ: إِلاَّ مَنْ نَدِمَ".
[الحديث ٣٨٥٥ - أطرافه في: ٤٥٩٠، ٤٧٦٢، ٤٧٦٣، ٤٧٦٥، ٤٧٦٦].
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدَّثني بالإفراد (عثمان بن أبي شيبة) أخو أبي بكر قال: (حدّثنا جرير) هو ابن عبد الحميد (عن منصور) هو ابن المعتمر أنه قال: (حدّثني) بالإفراد، ولأبي ذر: حدّثنا (سعيد بن جبير أو قال) منصور: (حدّثني) بالإفراد الحكم بن عتيبة بضم العين وفتح الفوقية وسكون التحتية وفتح الموحدة الكندي الكوفي (عن سعيد بن جبير) أنه (قال: أمرني عبد الرحمن بن أبزى) بفتح الهمزة وسكون الموحدة وفتح الزاي مقصور الخزاعي مولاهم صحابي صغير (قال: سل ابن عباس) ﵄ بفتح السين من غير همز وفي الناصرية قال: اسأل ابن عباس ﵄ (عن هاتين الآيتين ما أمرهما) أي ما التوفيق بينهما وهما قوله تعالى في سورة الفرقان: (﴿ولا تقتلوا النفس التي حرم الله﴾) [الأنعام: ١٥١] كذا في الرواية. ولفظ التلاوة: ﴿ولا يقتلون﴾ بثبوت النون زاد أبو ذر: إلاّ بالحق (﴿ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا﴾) [النساء: ٩٣] أي حيث دلت الأولى العفو عند التوبة، والثانية على وجوب الجزاء مطلقًا (فسألت ابن عباس) ﵄ عن ذلك (فقال: لما أنزلت التي في الفرقان قال مشركو أهل مكة: فقد قتلنا النفس التي حرم الله ودعونا مع الله إلها آخر وقد أتينا الفواحش) فما يغني عنا الإسلام، وقد فعلنا ذلك كله وسقط قوله وقد لأبي ذر (فأنزل الله) (﴿إلا من تاب وآمن﴾) [الفرقان: ٧٠] (الآية) التي في سورة الفرقان (فهذه لأولئك) الكفار (وأما التي في) سورة (النساء) ففي (الرجل) المسلم (إذا عرف الإسلام وشرائعه ثم قتل فجزاؤه جهنم خالدًا فيها) سقط قوله خالدًا فيها من اليونينية فلا تقبل توبته وقال زيد بن ثابت: لما نزلت التي في الفرقان: ﴿والذين لا يدعون مع الله إلهًا آخر﴾ [الفرقان: ٦٨] عجبنا من لينها فمكثنا سبعة أشهر ثم نزلت الغليظة بعد اللينة فنسخت اللينة، وأراد بالغليظة آية النساء، وباللينة آية الفرقان، وقد ذهب أهل السُّنّة إلى أن توبة قاتل المسلم عمدًا مقبولة لآية ﴿وإني لغفار لمن تاب﴾ [طه: ٨٢] و ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ [النساء: ٤٨] وما روي عن ابن عباس - رضي الله
стр. 4455
عنهما - فهو تشديد ومبالغة في الزجر عن القتل، وليس في الآية متمسك لمن قال: بالتخليد في النار بارتكاب الكبائر لأن الآية نزلت في قاتل هو كافر وهو مقيس بن ضبابة، وقيل: إنه وعيد لمن قتل مؤمنًا مستحلاًّ لقتله بسبب إيمانه، ومن استحل قتل أهل الإيمان لإيمانهم كان كافرًا مخلدًا في النار، وذكر أن عمرو بن عبيد جاء إلى أبي عمرو بن العلاء فقال: هل يخلف الله وعده؟ فقال: لا. فقال: أليس قد قال الله تعالى: ﴿ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم خالدًا فيها﴾ [النساء: ٩٣] فقال أبو عمرو: من المعجمة أتيت يا أبا عثمان إن العرب تعدّ الإخلاف في الوعيد خلفًا وإنما تعدّ إخلاف الوعد خلفًا، وأنشد:
وإني وإن أوعدته أو وعدته … لمخلف إيعادي ومنجز موعدي
قال عبد الرحمن بن أبزى: (فذكرته) أي قول ابن عباس ﵄ (لمجاهد) هو ابن جبر (فقال: إلا من ندم) أي الآية الثانية مقيدة بقوله: ﴿إلا من تاب﴾ [الفرقان: ٧٥] حملاً للمطلق على المقيد.
وهذا الحديث أخرجه المؤلّف أيضًا في التفسير وأبو داود في الفتن والنسائي في المحاربة والتفسير.
٣٨٥٦ - حَدَّثَنَا عَيَّاشُ بْنُ الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ حَدَّثَنِي الأَوْزَاعِيُّ حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: أَخْبِرْنِي بِأَشَدِّ شَىْءٍ صَنَعَهُ الْمُشْرِكُونَ بِالنَّبِيِّ ﷺ . قَالَ: "بَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي فِي حِجْرِ الْكَعْبَةِ، إِذْ أَقْبَلَ عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ فَوَضَعَ ثَوْبَهُ فِي عُنُقِهِ فَخَنَقَهُ خَنْقًا شَدِيدًا، فَأَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ حَتَّى أَخَذَ بِمَنْكِبِهِ وَدَفَعَهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ الآيَةَ [غافر: ٢٨]. تَابَعَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عُرْوَةَ عَنْ عُرْوَةَ: قُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: وَقَالَ عَبْدَةُ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ: قِيلَ لِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ أَبِي سَلَمَةَ: حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ".
وبه قال: (حدّثنا عياش بن الوليد) بالتحتية وبعد الألف شين معجمة الرقام البصري قال: (حدّثنا الوليد بن مسلم) أبو العباس الدمشقي قال: (حدّثني) بالإفراد (الأوزاعي) عبد الرحمن قال: (حدّثني) بالإفراد أيضًا (يحيى بن أبي كثير) بالمثلثة الطائي مولاهم اليماني (عن محمد بن إبراهيم التيمي) أبي عبد الله المدني أنه قال: (حدّثني) بالإفراد (عروة بن الزبير) بن العوّام (قال: سألت) عبد الله (بن عمرو بن العاص) ﵄ (قلت أخبرني) بكسر الموحدة وسكون الراء وسقط لفظ قلت من اليونينية (بأشد شيء صنعه المشركون بالنبي ﷺ قال):
(بينا) بغير ميم ولأبي ذر: بينما (النبي ﷺ في حجر الكعبة) بكسر الحاء المهملة وسكون الجيم (إذ أقبل عقبة بن أبي معيط) المقتول كافرًا بعد بدر (فوضع ثوبه) أي ثوب النبي ﷺ (في
стр. 4456
عنقه) المكرم (فخنقه) به (خنقًا) بسكون النون (شديدًا فأقبل أبو بكر) الصديق ﵁ (حتى أخذ بمنكبه) بفتح الميم وكسر الكاف أي بمنكب عقبة (ودفعه عن النبي ﷺ قال: ﴿أتقتلون رجلاً﴾ كراهية (﴿أن يقول ربي الله﴾ [غافر: ٢٨] الآية) أي لأن يقول: "وقال الزمخشري في آية المؤمن: ولك أن تقدر مضافًا محذوفًا أي وقت أن يقول، والمعنى أتقتلونه ساعة سمعتم منه هذا القول من غير روية ولا فكر، وهذا رده أبو حيان بأن تقدير هذا الوقت لا يجوز إلا مع المصدر المصرح به. تقول: جئتك صياح الديك أي وقت صياحه، ولو قلت أجيئك إن صاح الديك أو أن يصيح لم يصح نص عليه النحويون. وهذا الاستفهام على سبيل الإنكار وفي هذا الكلام ما يدل على حسن هذا الإنكار لأنه ما زاد على أن قال: ﴿ربي الله وقد جاءكم بالبينات﴾ [غافر: ٢٨] وذلك لا يوجب القتل البتة.
(تابعه) أي تابع عياش بن الوليد (ابن إسحاق) محمد فقال: (حدّثني) بالإفراد (يحيى بن عروة عن) أبيه (عروة) بن الزبير أنه قال: (قلت لعبد الله بن عمرو) بفتح العين وهذه المتابعة وصلها أحمد والبزار.
(وقال عبدة) بفتح العين وسكون الموحدة ابن سليمان فيما وصله النسائي (عن هشام عن أبيه) عروة بن الزبير (قيل لعمرو بن العاص) فخالف هشام أخاه يحيى بن عروة في اسم الصحابي فقال يحيى: عبد الله بن عمرو، وقال هشام: عمرو بن العاص فيرجح رواية يحيى موافقة محمد بن إبراهيم التيمي.
(وقال محمد بن عمرو) بفتح العين ابن علقمة الليثي المدني فيما وصله المؤلّف في خلق أفعال العباد (عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف أنه قال: (حدّثني) بالإفراد (عمرو بن العاص) وهذا كله مع ما سبق من حديث عائشة ﵂ أنه ﷺ قال لها: وكان أشد ما لقيت من قومك فذكر قصته بالطائف مع ثقيف يدل على تعدد ذلك فلا تعارض على ما لا يخفى.
وحديث الباب سبق في مناقب أبي بكر الصديق ﵁.
٣٠ - باب إِسْلَامُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ -
(باب إسلام أبي بكر الصديق ﵁) سقط لفظ باب لأبي ذر فتاليه رفع والصديق فعيل مبالغة في الصدق وهو الكثير الصدق، وقيل الذي لم يكذب قط، وقد قال أبو الحسن الأشعري -رحمه الله تعالى-: لم يزل أبو بكر ﵁ بعين الرضا منه فاختلف الناس في مراده بهذا الكلام فقيل: لم يزل مؤمنًا قبل البعثة وبعدها وهو الصحيح المرتضى، وقيل بل أراد أنه لم يزل بحالة غير مغضوب فيها عليه لعلم الله تعالى بأنه سيؤمن ويصير من خلاصة الأبرار.
قال الشيخ تقي الدين السبكي ﵀: لو كان هذا مراده لاستوى الصديق وسائر
стр. 4457
الصحابة في ذلك، وهذه العبارة التي قالها الأشعري في حق الصديق ﵁ لم تحفظ عنه في حق غيره، فالصواب أن يقال إن الصديق ﵁ لم يثبت عنه حالة كفر بالله كما ثبتت عن غيره ممن آمن وهو الذي سمعناه من أشياخنا ومن يقتدى به وهو الصواب إن شاء الله تعالى.
ونقل ابن ظفر في أنباء نجباء الأبناء أن القاضي أبا الحسين أحمد بن محمد الزبيدي روى بإسناده في كتابه المسمى معالي الفرش إلى عوالي العرش أن أبا هريرة ﵁ قال: اجتمع المهاجرون والأنصار عند رسول الله ﷺ فقال أبو بكر ﵁: وعيشك يا رسول الله إني لم أسجد لصنم قط، فغضب عمر بن الخطاب ﵁ وقال: تقول وعيشك يا رسول الله إني لم أسجد لصنم قط وقد كنت في الجاهلية كذا وكذا سنة. فقال أبو بكر ﵁: إن أبا قحافة أخذ بيدي فانطلق بي إلى مخدع فيه الأصنام فقال لي: هذه آلهتك الشم العلا فاسجد لها وخلاني ومضى فدنوت من الصنم وقلت: إني جائع فأطعمني، فلم يجبني فقلت: إني عار فاكسني فلم يجبني، فأخذت صخرة فقلت إني ملق عليك هذه الصخرة فإن كنت إلهًا فامنع نفسك فلم يجبني، فألقيت عليه الصخرة فخر لوجهه وأقبل أبي فقال: ما هذا يا بني؟ فقلت هو الذي ترى فانطلق بي إلى أمي فأخبرها فقالت: دعه فهو الذي ناجاني الله تعالى به. فقلت: يا أماه ما الذي ناجاك به؟ قالت: ليلة أصابني المخاض لم يكن عندي أحد فسمعت هاتفًا يقول: يا أمة الله على التحقيق أبشري بالولد العتيق اسمه في السماء الصديق لمحمد صاحب رفيق. قال أبو هريرة ﵁: فلما انقضى كلام أبي بكر ﵁ نزل جبريل على رسول الله ﷺ وقال: صدق أبو بكر وصدقه ثلاث مرات اهـ.
٣٨٥٧ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَمَّادٍ الآمُلِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُجَالِدٍ عَنْ بَيَانٍ عَنْ وَبَرَةَ عَنْ هَمَّامِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: "قَالَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَمَا مَعَهُ إِلاَّ خَمْسَةُ أَعْبُدٍ وَامْرَأَتَانِ وَأَبُو بَكْرٍ".
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد، (عبد الله بن محمد الآملي) بمدّ الهمزة وضم الميم المخففة وسقط لأبي ذر: الآملي، وثبت في الفرع ابن محمد وكذا في رواية أبي عليّ بن السكن عن الفربري ووقع في اليونينية وغيرها ابن حماد بدل قوله ابن محمد وبذلك نسبه أبو زيد المروزي وجزم به أبو نصر الكلاباذي وغيره، وفي كثير من الأصول حدّثني عبد الله غير منسوب وهو تلميذ البخاري وورّاقه فهو من رواية الأكابر عن الأصاغر (قال: حدّثني) بالإفراد (يحيى بن معين) بفتح الميم وكسر العين المهملة البغدادي قال: (حدّثنا إسماعيل بن مجالد) بضم الميم وفتح الجيم الهمداني أبو عمر الكوفي نزيل بغداد (عن بيان) الأحمسي (عن وبرة) بالموحدة وفتحات ابن عبد الرحمن (عن همام بن الحرث) النخعي الكوفي أنه (قال: قال عمار بن ياسر) العنسي أحد السابقين البدريين.
(رأيت رسول الله ﷺ وما معه إلا خمسة أعبد) بلال وزيد بن حارثة وعامر بن فهيرة وأبو فكيهة وعبيد بن زيد الحبشي (وامرأتان) خديجة أم المؤمنين وأم أيمن أو سمية (وأبو بكر) الصديق
стр. 4458
﵁، وهو أول من أسلم من الأحرار البالغين.
وسبق هذا الحديث في مناقب أبي بكر ﵁.
٣١ - باب إِسْلَامُ سَعْدٍ بْنِ أَبِي وَقَاص ﵁ -
(باب إسلام سعد) ولأبي ذر زيادة ابن أبي وقاص واسمه مالك بن وهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب الزهري فارس الإسلام واحد العشرة (﵁) وسقط لأبي ذر باب فالتالي رفع.
٣٨٥٨ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ أَخْبَرَنَا أَبُو أُسَامَةَ حَدَّثَنَا هَاشِمٌ قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا إِسْحَاقَ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ يَقُولُ: "مَا أَسْلَمَ أَحَدٌ إِلاَّ فِي الْيَوْمِ الَّذِي أَسْلَمْتُ فِيهِ، وَلَقَدْ مَكَثْتُ سَبْعَةَ أَيَّامٍ وَإِنِّي لَثُلُثُ الإِسْلَامِ".
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد، ولأبي ذر: حدّثنا (إسحاق) بن إبراهيم بن نصر أبو إبراهيم السعدي المروزي قال: (أخبرنا) ولأبي ذر حدّثنا (أبو أسامة) حماد بن أسامة قال: (حدّثنا هاشم) هو ابن هاشم بن عتبة بالعين المضمومة وسكون الفوقية ابن أبي وقاص (قال: سمعت سعيد بن المسيب) بفتح التحتية وكسرها (قال: سمعت أبا إسحاق سعد بن أبي وقاص) ﵁ وهو آخر العشرة وفاة سنة خمس وخمسين ﵁ (يقول: ما أسلم أحد إلا في اليوم الذي أسلمت فيه) قاله بحسب ما علمه وإلاّ فقد أسلم قبله خديجة وعلي وأبو بكر وزيد ونحوهم.
وقال الكرماني: لعلهم أسلموا أول النهار وهو آخره (ولقد مكثت) بفتح الكاف وضمها (سبعة أيام وإني لثلث الإسلام) أي بالنسبة للرجال البالغين أو بحسب ما اطلع عليه لأن من أسلم إذ ذاك كان يخفي إسلامه.
وهذا الحديث سبق في مناقبه.
٣٢ - باب ذِكْرُ الْجِنِّ وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَىَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الجن: ١]
(باب ذكر الجن وقول الله تعالى: ﴿قل أوحي إليّ﴾) أي قل يا محمد لأمتك أوحي إليّ على لسان جبريل (﴿إنه استمع نفر﴾) جماعة من الثلاثة إلى العشرة (﴿من الجن﴾) [الجن: ١] والقائم مقام الفاعل أنه استمع لأنه المفعول الصريح، وجوز الكوفيون والأخفش أن يكون القائم مقام الفاعل الجار والمجرور فيكون هذا باقيًا على نصبه، والتقدير أوحى إلي استماع نفر، و: من الجن صفة لنفر وهل رآهم النبي ﷺ ، وظاهر القرآن أنه لم يرهم واختلف فيهم من هم قال ابن الخطيب: فروى عاصم عن زر قدم رهط زوبعة وأصحابه على النبي ﷺ ، وقيل كانوا الشيصبان
стр. 4459
وهم أكثر الجن عددًا وعامة جنود إبليس منهم وقيل كانوا سبعة ثلاثة من أرض حران وأربعة من أرض نصيبين قرية باليمن غير التي بالعراق، وقيل إن الذين أتوه بمكة جن نصيبين والذين أتوه بنخلة جن نينوى. وقال عكرمة: كانوا اثني عشر ألفًا من جزيرة الموصل وسقط الباب لأبي ذر.
٣٨٥٩ - حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ بن أُسَامَةَ حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ عَنْ مَعْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي قَالَ: "سَأَلْتُ مَسْرُوقًا: مَنْ آذَنَ النَّبِيَّ ﷺ بِالْجِنِّ لَيْلَةَ اسْتَمَعُوا الْقُرْآنَ؟ فَقَالَ: حَدَّثَنِي أَبُوكَ -يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ- أَنَّهُ آذَنَتْ بِهِمْ شَجَرَةٌ".
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد (عبيد الله) بضم العين (ابن سعيد) بكسر العين أبو قدامة السرخسي قال: (حدّثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة قال: (حدّثنا مسعر) بكسر الميم وسكون السين وفتح العين المهملتين ابن كدام الهلالي الكوفي أحد الأعلام (عن معن بن عبد الرحمن) أنه (قال: سمعت أبي) عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود ﵁ (قال: سألت مسروقًا) أي ابن الأجدع (من آذن) أي من أعلم (النبي ﷺ بالجن ليلة استمعوا القرآن؟ فقال): مسروق (حدّثني) بالإفراد بذلك (أبوك يعني عبد الله) بن مسعود (إنه) بفتح الهمزة (آذنت) بالمد أعلمت (بهم شجرة) وفي مسند إسحاق بن راهويه سمرة بدل قوله شجرة.
٣٨٦٠ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي جَدِّي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: «أَنَّهُ كَانَ يَحْمِلُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إِدَاوَةً لِوَضُوئِهِ وَحَاجَتِهِ. فَبَيْنَمَا هُوَ يَتْبَعُهُ بِهَا فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: أَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ. فَقَالَ: ابْغِنِي أَحْجَارًا أَسْتَنْفِضْ بِهَا، وَلَا تَأْتِنِي بِعَظْمٍ وَلَا بِرَوْثَةٍ. فَأَتَيْتُهُ بِأَحْجَارٍ أَحْمِلُهَا فِي طَرَفِ ثَوْبِي حَتَّى وَضَعْتُ إِلَى جَنْبِهِ، ثُمَّ انْصَرَفْتُ، حَتَّى إِذَا فَرَغَ مَشَيْتُ مَعَهُ فَقُلْتُ: مَا بَالُ الْعَظْمِ وَالرَّوْثَةِ؟ قَالَ: هُمَا مِنْ طَعَامِ الْجِنِّ، وَإِنَّهُ أَتَانِي وَفْدُ جِنِّ نَصِيبِينَ -وَنِعْمَ الْجِنُّ- فَسَأَلُونِي الزَّادَ، فَدَعَوْتُ اللَّهَ لَهُمْ أَنْ لَا يَمُرُّوا بِعَظْمٍ وَلَا بِرَوْثَةٍ إِلاَّ وَجَدُوا عَلَيْهَا طَعَامًا».
وبه قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) المنقري التبوذكي قال: (حدّثنا عمرو بن يحيى بن سعيد) بفتح العين في الأول وكسرها في الثالث (قال: أخبرني) بالتوحيد (جدي) سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص (عن أبي هريرة ﵁ أنه كان يحمل مع النبي ﷺ إداوة) بكسر الهمزة إناء صغير من جلد يتخذ للماء ولأبي ذر الأداوة (لوضوئه وحاجته فبينما) بالميم (هو يتبعه بها فقال) ﵊:
(من هذا؟ فقال أنا أبو هريرة. فقال ابغني) بهمزة وصل من الثلاثي ولأبي ذر بقطع أي اطلب لي (أحجارًا أستنفض) بكسر الفاء والجزم جوابًا للأمر أستنج (بها ولا تأتني بعظم ولا بروثة فأتيته بأحجار أحملها في طرف ثوبي حتى وضعت) بحذف المفعول ولأبي ذر عن الكشميهني وضعتها (إلى جنبه ثم انصرفت حتى إذا فرغ) من حاجته (مشيت معه) (فقلت) له يا رسول الله (ما
стр. 4460
بال العظم والروثة قال) ﵊: (هما من طعام الجن وأنه أتاني وفد جن نصيبين) بفتح النون وكسر الصاد المهملة بعدها تحتيتان ساكنتان بينهما موحدة مكسورة آخره نون بلدة مشهورة بالجزيرة. وقال السفاقسي: بالشام قال في الفتح: وفيه تجوّز فإن الجزيرة بين الشام والعراق (ونعم الجن فسألوني الزاد) يحتمل أن يكون وقع في هذه الليلة أو فيما مضى (فدعوت الله لهم أن لا يمروا بعظم ولا روثة إلا وجدوا عليها طعامًا) ولأبي ذر عن المستملي والكشميهني طعمًا بضم الطاء وسكون العين من غير ألف، والذي تحصل من الأخبار أن وفادة الجن عليه ﷺ مرات ببطن نخلة وهو يقرأ القرآن، فلما حضروه قالوا أنصتوا وكانوا سبعة: أحدهم زوبعة وبالحجون وأخرى ببقيع الغرقد، وفي هذه الليالي حضر ابن مسعود وخطّ عليه وخارج المدينة وحضرها الزبير بن العوّام وفي بعض أسفاره حضرها بلال بن الحرث.
٣٣ - باب إِسْلَامُ أَبِي ذَرٍّ الغِفارِيُّ ﵁ -
(باب إسلام أبي ذر) جندب بن جنادة (الغفاري ﵁) وسقط الباب لأبي ذر.
٣٨٦١ - حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ عَبَّاسٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى عَنْ أَبِي جَمْرَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «لَمَّا بَلَغَ أَبَا ذَرٍّ مَبْعَثُ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ لأَخِيهِ: ارْكَبْ إِلَى هَذَا الْوَادِي فَاعْلَمْ لِي عِلْمَ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ يَأْتِيهِ الْخَبَرُ مِنَ السَّمَاءِ، وَاسْمَعْ مِنْ قَوْلِهِ ثُمَّ ائْتِنِي. فَانْطَلَقَ الأَخُ حَتَّى قَدِمَهُ وَسَمِعَ مِنْ قَوْلِهِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى أَبِي ذَرٍّ فَقَالَ لَهُ: رَأَيْتُهُ يَأْمُرُ بِمَكَارِمِ الأَخْلَاقِ، وَكَلَامًا مَا هُوَ بِالشِّعْرِ. فَقَالَ: مَا شَفَيْتَنِي مِمَّا أَرَدْتُ. فَتَزَوَّدَ وَحَمَلَ شَنَّةً لَهُ فِيهَا مَاءٌ حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ، فَأَتَى الْمَسْجِدَ، فَالْتَمَسَ النَّبِيَّ ﷺ وَلَا يَعْرِفُهُ، وَكَرِهَ أَنْ يَسْأَلَ عَنْهُ، حَتَّى أَدْرَكَهُ بَعْضُ اللَّيْلِ، فَرَآهُ عَلِيٌّ فَعَرَفَ أَنَّهُ غَرِيبٌ، فَلَمَّا رَآهُ تَبِعَهُ، فَلَمْ يَسْأَلْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ عَنْ شَىْءٍ حَتَّى أَصْبَحَ، ثُمَّ احْتَمَلَ قِرْبَتَهُ وَزَادَهُ إِلَى الْمَسْجِدِ، وَظَلَّ ذَلِكَ الْيَوْمَ وَلَا يَرَاهُ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى أَمْسَى فَعَادَ إِلَى مَضْجَعِهِ، فَمَرَّ بِهِ عَلِيٌّ فَقَالَ: أَمَا نَالَ لِلرَّجُلِ أَنْ يَعْلَمَ مَنْزِلَهُ؟ فَأَقَامَهُ، فَذَهَبَ بِهِ مَعَهُ، لَا يَسْأَلُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ عَنْ شَىْءٍ، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمَ الثَّالِثِ فَعَادَ عَلِيٌّ مِثْلَ ذَلِكَ، فَأَقَامَ مَعَهُ ثُمَّ قَالَ: أَلَا تُحَدِّثُنِي مَا الَّذِي أَقْدَمَكَ؟ قَالَ: إِنْ أَعْطَيْتَنِي عَهْدًا وَمِيثَاقًا لَتُرْشِدَنَّنِي فَعَلْتُ. فَفَعَلَ، فَأَخْبَرَهُ، قَالَ: فَإِنَّهُ حَقٌّ، وَهُوَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَإِذَا أَصْبَحْتَ فَاتْبَعْنِي، فَإِنِّي إِنْ رَأَيْتُ شَيْئًا أَخَافُ عَلَيْكَ قُمْتُ كَأَنِّي أُرِيقُ الْمَاءَ، فَإِنْ مَضَيْتُ فَاتْبَعْنِي حَتَّى تَدْخُلَ مَدْخَلِي، فَفَعَلَ، فَانْطَلَقَ يَقْفُوهُ، حَتَّى دَخَلَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَدَخَلَ مَعَهُ فَسَمِعَ مِنْ قَوْلِهِ وَأَسْلَمَ مَكَانَهُ. فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : ارْجِعْ إِلَى قَوْمِكَ فَأَخْبِرْهُمْ حَتَّى يَأْتِيَكَ أَمْرِي. قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لأَصْرُخَنَّ بِهَا بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ. فَخَرَجَ حَتَّى أَتَى الْمَسْجِدَ، فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. ثُمَّ قَامَ الْقَوْمُ فَضَرَبُوهُ حَتَّى أَوْجَعُوهُ. وَأَتَى الْعَبَّاسُ فَأَكَبَّ عَلَيْهِ قَالَ: وَيْلَكُمْ، أَلَسْتُمْ
стр. 4461
تَعْلَمُونَ أَنَّهُ مِنْ غِفَارٍ، وَأَنَّ طَرِيقَ تِجَارِكُمْ إِلَى الشَّامِ؟ فَأَنْقَذَهُ مِنْهُمْ. ثُمَّ عَادَ مِنَ الْغَدِ لِمِثْلِهَا فَضَرَبُوهُ وَثَارُوا إِلَيْهِ، فَأَكَبَّ الْعَبَّاسُ عَلَيْهِ».
وبه قال: (حدّثني) بالتوحيد (عمرو بن عباس) بفتح العين أبو عثمان البصري قال: (حدّثنا عبد الرحمن بن مهدي) الحافظ أبو سعيد البصري اللؤلؤي قال: (حدّثنا المثنى) بضم الميم وفتح المثلثة والنون المشدّدة ابن عمران الضبعي (عن أبي جمرة) بالجيم والراء نصر بن عمران (عن ابن عباس ﵄) أنه (قال):
(لما بلغ أبا ذر مبعث النبي ﷺ قال لأخيه) أنيس بضم الهمزة مصغرًا (اركب) وسر (إلى هذا الوادي) وادي مكة (فاعلم) بهمزة وصل (لي علم) بكسر العين وسكون اللام (هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي يأتيه الخبر من السماء واسمع من قوله ثم ائتني فانطلق الأخ) أنيس المذكور ولأبي ذر عن الكشميهني فانطلق الآخر بفتح الخاء المعجمة بدل قوله الأخ (حتى قدمه) أي وادي مكة (وسمع من قوله) الذي يسلب الأرواح ﷺ (ثم رجع إلى) أخيه (أبي ذر فقال له: رأيته يأمر بمكارم الأخلاق وكلامًا) نصب بتقدير وسمعته يقول: كلامًا أو عطفًا على ضمير رأيته من باب قوله.
علفتها تبنًا وماءً باردًا
أو ضمن الرؤية معنى الأخذ أي أخذت منه كلامًا (ما هو بالشعر) زاد مسلم ولقد وضعت قوله على أقراء الشعر فلم يلتئم عليها والله أنه لصادق (فقال) له أبو ذر: (ما شفيتني) بالشين المعجمة والفاء (مما أردت فتزوّد وحمل شنة) بفتح المعجمة والنون المشددة قربة خلقة (له فيها ماء) وسار (حتى قدم مكة فأتى المسجد فالتمس النبي ﷺ ¬) أي طلبه (ولا يعرفه وكره أن يسأل عنه) قريشًا فيؤذونه (حتى أدركه بعض الليل فرآه) ولأبي ذر اضطجع وللأصيلي وابن عساكر وأبي الوقت فاضطجع فرآه (علي) ﵁ (فعرف أنه غريب) وفي رواية أبي قتيبة السابقة في قصة زمزم فقال: كأن الرجل غريب قلت نعم (فلما رآه تبعه) ولأبي قتيبة قال علي له: انطلق إلى المنزل قال: فانطلقت معه (فلم يسأل واحد منهما صاحبه عن شيء حتى أصبح ثم احتمل) أبو ذر (قربته وزاده إلى المسجد وظل ذلك اليوم) فيه (ولا يراه النبي ﷺ حتى أمسى فعاد إلى مضجعه) بكسر الجيم ولأبي ذر مضجعه بفتحها (فمر به علي فقال: أما نال) بالنون أي ما آن (للرجل أن يعلم منزله) أي أن يكون له منزل معين يسكنه أو أراد دعوته إلى منزله وأضاف المنزل إليه بملابسة إضافته له فيه (فأقامه) من مضجعه (فذهب به معه لا يسأل واحد منهما صاحبه عن شيء حتى إذا كان يوم الثالث فعاد) ولأبي ذر عن الكشميهني: فغدا، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: قعد (عليّ على مثل ذلك) الفعل من أخذه إلى منزله (فأقام معه) وسقط من اليونينية وغيرها قوله على التي بعد عليّ (ثم قال) له عليّ (ألا تحدثني) بالرفع (ما الذي أقدمك) هنا (قال) أبو ذر: (إن أعطيتني عهدًا وميثاقًا لترشدنني) إلى مقصودي ولأبي ذر عن الكشميهني لترشدني بنون واحدة مشددة (فعلت
стр. 4462
ففعل) عليّ ما ذكره له من العهد والميثاق (فأخبره) أبو ذر عن مقصده ولأبي ذر فأخبرته بتاء المتكلم قبل الضمير وفيه التفات (قال) له عليّ (فإنه حق وهو رسول الله ﷺ ¬) سقطت التصلية لأبي ذر (فإذا أصبحت فاتبعني) بتشديد الفوقية لأبي ذر وبتخفيفها ساكنة لغيره (فإني إن رأيت شيئًا أخاف عليك قمت كأني أريق الماء) ولأبي قتيبة: قمت إلى الحائط كأني أصلح نعلي ولعله قالهما جميعًا (فإن مضيت فاتبعني) بتشديد الفوقية لأبي ذر وبتخفيفها لغيره (حتى تدخل مدخلي ففعل) أبو ذر ذلك (فانطلق يقفوه) أي يتبعه (حتى دخل على النبي ﷺ ودخل) أبو ذر (معه فسمع من قوله) ﷺ (وأسلم مكانه فقال له النبي ﷺ ¬):
(ارجع إلى قومك) غفار (فأخبرهم) بشأني لعل الله أن ينفعهم بك (حتى يأتيك أمري) ولأبي قتيبة قال لي: يا أبا ذر اكتم هذا الأمر وارجع إلى بلدك فإذا بلغك ظهورنا فأقبل وإنما أمره بالكتمان خوفًا عليه من قريش (قال) أبو ذر (والذي نفسي بيده لأصرخن بها) لأرفعن بكلمة التوحيد صوتي (بين ظهرانيهم) بفتح النون أي في جمعهم (فخرج حتى أتى المسجد) الحرام (فنادى بأعلى صوته: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ثم قام القوم) قريش (فضربوه حتى أضجعوه) على الأرض (وأتى العباس) بن عبد المطلب ﵁ (فأكب عليه قال) ولأبي ذر: ثم قال: (ويلكم ألستم تعلمون أنه من غفار وأن طريق تجاركم إلى الشام) عليهم (فأنقذه منهم) بالقاف والذال المعجمة أي خلصه من المشركين (ثم عاد من الغد لمثلها فضربوه وثاروا إليه) بالمثلثة (فأكبّ العباس عليه) فأنقذه منهم ورجع إلى قومه فأسلم أخوه أنيس وأمه وكثير من قومه.
وهذا الحديث قد مرّ في قصة زمزم في مناقب قريش.
٣٤ - باب إِسْلَامُ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ ﵁ -
هذا (باب إسلام سعيد بن زيد) بكسر العين ابن عمرو بفتح العين ابن نفيل بضم النون وفتح الفاء أحد العشرة المبشرة بالجنة وهو ابن عم عمر بن الخطاب ﵁ وزوج أخته أم جميل فاطمة بنت الخطاب، وكان أبوه زيد يطلب دين الحنيفية دين إبراهيم قبل المبعث فكان يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا ويصلّي إلى الكعبة حتى مات على ذلك (﵁).
٣٨٦٢ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ إِسْمَاعِيلَ عَنْ قَيْسٍ قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ فِي مَسْجِدِ الْكُوفَةِ يَقُولُ: "وَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُنِي وَإِنَّ عُمَرَ لَمُوثِقِي عَلَى الإِسْلَامِ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ عُمَرُ، وَلَوْ أَنَّ أُحُدًا ارْفَضَّ لِلَّذِي صَنَعْتُمْ بِعُثْمَانَ لَكَانَ مَحْقُوقًا أَنْ يَرْفَضَّ".
[الحديث ٣٨٦٢ - طرفاه في: ٣٨٦٧، ٦٩٤٢].
وبه قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) الثقفي قال: (حدّثنا سفيان) الثوري (عن إسماعيل) بن أبي خالد (عن قيس) هو ابن أبي حازم (قال: سمعت سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل في مسجد الكوفة يقول: والله لقد رأيتني) بضم التاء الفوقية أي لقد رأيت نفسي (و) الحال (أن عمر) بن
стр. 4463
الخطاب ﵁ (لموثقي على الإسلام) بالمثلثة بحبل أوقد كالأسير تضييقًا وإهانة. وفي حديث أنس ﵁ عند صاحب الصفوة أن عمر ﵁ لما بلغه إسلام أخته وزوجها سعيد بن زيد وثب عليه فوطئه وطأً شديدًا فجاءت أخته فدفعته عن زوجها فنفحها بيده فدمى وجهها وهذا يرد ما قاله البرماوي كالكرماني حيث فسر قوله لموثقي أي على الثبات على الإسلام ويشددني ويثبتني عليه (قبل أن يسلم عمر) ﵁، وكان سبب إسلامه إسلامهما وما سمعه في بيتهما من القرآن كما سيأتي إن شاء الله تعالى، ولذا أخر المؤلّف ذكر إسلام عمر ﵁ عن إسلام سعيد (ولو أن أُحدًا) الجبل المعروف (ارفض) بهمزة وصل وسكون الراء وفتح الفاء وتشديد الضاد المعجمة أي زال من مكانه (للذي) أي لأجل الذي (صنعتم بعثمان) بن عفان ﵁ من القتل (لكان محقوقًا أن يرفض) أي حقيقًا بالإرفضاض، وهذا منه على سبيل التمثيل وكان سعيد بن زيد من المهاجرين الأولين، وشهد المشاهد كلها إلا بدرًا وضرب له رسول الله ﷺ فيها بسهمه وأجره وكان مجاب الدعوة.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في اسلام عمرو في الإكراه أيضًا.
٣٥ - باب إِسْلَامِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ -
(باب إسلام عمر بن الخطاب ﵁) سقط لفظ باب لأبي ذر فالتالي رفع.
٣٨٦٣ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: "مَا زِلْنَا أَعِزَّةً مُنْذُ أَسْلَمَ عُمَرُ".
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد، ولأبي ذر: حدّثنا (محمد بن كثير) بالمثلثة أبو عبد الله العبدي البصري قال: (أخبرنا سفيان) الثوري (عن إسماعيل بن أبي خالد) الكوفي الحافظ (عن قيس بن أبي حازم) التابعي الكبير البجلي (عن عبد الله بن مسعود ﵁) أنه (قال: ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر).
٣٨٦٤ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: فَأَخْبَرَنِي جَدِّي زَيْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: "بَيْنَمَا هُوَ فِي الدَّارِ خَائِفًا إِذْ جَاءَهُ الْعَاصِ بْنُ وَائِلٍ السَّهْمِيُّ أَبُو عَمْرٍو عَلَيْهِ حُلَّةُ حِبَرٍ وَقَمِيصٌ مَكْفُوفٌ بِحَرِيرٍ -وَهُوَ مِنْ بَنِي سَهْمٍ وَهُمْ حُلَفَاؤُنَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ- فَقَالَ: مَا بَالُكَ؟ قَالَ: زَعَمَ قَوْمُكَ أَنَّهُمْ سَيَقْتُلُونِي إِنْ أَسْلَمْتُ. قَالَ: لَا سَبِيلَ إِلَيْكَ. بَعْدَ أَنْ قَالَهَا أَمِنْتُ. فَخَرَجَ الْعَاصِ فَلَقِيَ النَّاسَ قَدْ سَالَ بِهِمُ الْوَادِي، فَقَالَ: أَيْنَ تُرِيدُونَ؟ فَقَالُوا: نُرِيدُ هَذَا ابْنَ الْخَطَّابِ الَّذِي صَبَا. قَالَ لَا سَبِيلَ إِلَيْهِ. فَكَرَّ النَّاسُ".
[الحديث ٣٨٦٤ - طرفه في: ٣٨٦٥].
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن سليمان) الجعفي الكوفي سكن مصر (قال: حدّثني) بالإفراد (ابن
стр. 4464
وهب) عبد الله المصري أيضًا (قال: حدّثني) بالتوحيد (عمر بن محمد) بضم العين (قال: فأخبرني) بالإفراد (جدي زيد بن عبد الله بن عمر) بفاء العطف على شيء مقدر كأنه قال: قال: كذا فأخبرني بكذا (عن أبيه) عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵁ أنه (قال: بينما) بالميم (هو) أي عمر بن الخطاب (في الدار) حال كونه (خائفًا) من قريش لما أسلم (إذ جاءه العاص) بكسر الصاد مصححًا عليها في الفرع كأصله لأنها من الناقص لأن أصله العاصي بالياء كالقاضي فخفف بترك الياء وبضم الصاد إذا قلنا أنه من الأجوف أي ألفه مبدلة عن واو وأصله العوص (ابن وائل) بالمد (السهمي) بفتح السين المهملة وسكون الهاء (أبو عمرو) والعاص جاهلي أدرك الإسلام ولم يسلم وهو ابن هاشم بن سعيد بن سهم (عليه حلة حبرة) بكسر الحاء المهملة وفتح الموحدة جر بإضافة حلة إليها برد مخطط، ولأبي ذر: حبر إسقاط الهاء (وقميص مكفوف) مخيط (بحرير وهو) أي العاص (من بني سهم وهم حلفاؤنا في الجاهلية) بالحاء المهملة جمع حليف من الحلف وهو المعاقدة والمعاهدة على التعاضد والتساعد (فقال له) العاص (ما بالك؟) بضم اللام ما شأنك (قال: زعم قومك) بنو سهم (أنهم سيقتلونني) ولأبي ذر: سيقتلوني بنون واحدة (أن أسلمت) أي لأجل إسلامي بفتح همزة أن وفي الناصرية بكسرها كالفرع ولم يضبطها في اليونينية (قال) له العاص (لا سبيل) لهم (إليك) فقال: عمر ﵁ (بعد أن قالها) أي كلمة لا سبيل إليك (أمنت) بهمزة مفتوحة وميم مكسورة ونون ساكنة وفوقية مضمومة من الأمان أي زال خوفي لقول: العاص لأنه كان مطاعًا في قومه (فخرج العاص فلقي الناس قد سال) بغير همز أي امتلأ (بهم الوادي) وادي مكة (فقال) العاص: (أين تريدون؟ فقالوا: نريد هذا ابن الخطاب) عمر ﵁ (الذي صبا) أي خرج عن دين آبائه (قال) العاص: (لا سبيل) لكم (إليه فكرّ الناس) بتشديد الراء أي رجعوا.
٣٨٦٥ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ سَمِعْتُهُ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ﵄: "لَمَّا أَسْلَمَ عُمَرُ، اجْتَمَعَ النَّاسُ عِنْدَ دَارِهِ وَقَالُوا: صَبَأ عُمَرُ -وَأَنَا غُلَامٌ فَوْقَ ظَهْرِ بَيْتِي- فَجَاءَ رَجُلٌ عَلَيْهِ قَبَاءٌ مِنْ دِيبَاجٍ فَقَالَ: قَدْ صَبَأ عُمَرُ، فَمَا ذَاكَ؟ فَأَنَا لَهُ جَارٌ. قَالَ: فَرَأَيْتُ النَّاسَ تَصَدَّعُوا عَنْهُ. فَقُلْتُ مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: الْعَاصِ بْنُ وَائِلٍ".
وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (قال عمرو بن دينار): قال سفيان (سمعته) أي عمرو بن دينار (قال: قال عبد الله بن عمر) بن الخطاب (﵄ لما أسلم عمر اجتمع الناس عند داره) ولأبي ذر عن الكشميهني إليه عند داره (وقالوا: صبأ عمر) بغير همز خرج عن دينه إلى دين آخر قال ابنه (وأنا غلام فوق ظهر بيتي فجاء رجل عليه قباء من ديباج) من إبريسم وقد تفتح داله (فقال: قد صبا عمر) سقط لفظ قد من اليونينية (فما ذاك) الاجتماع فلا يعرض له أحد (فأنا) أي والحال أنا (له جار) بالجيم وتخفيف الراء أي أجرته من أن يظلمه أحد (قال) ابن عمر ﵁ (فرأيت الناس تصدعوا) بالصاد والدال المشدّدة المفتوحتين المهملتين أي تفرقوا (عنه فقلت) لأبي (من هذا الرجل؟) الذي تفرق الناس
стр. 4465
بسببه (قال): بالإفراد وفي اليونينية قالوا: هو (العاص بن وائل).
٣٨٦٦ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عُمَرُ أَنَّ سَالِمًا حَدَّثَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: "مَا سَمِعْتُ عُمَرَ لِشَىْءٍ قَطُّ يَقُولُ إِنِّي لأَظُنُّهُ كَذَا إِلاَّ كَانَ كَمَا يَظُنُّ. بَيْنَمَا عُمَرُ جَالِسٌ إِذْ مَرَّ بِهِ رَجُلٌ جَمِيلٌ فَقَالَ عُمَرُ: لَقَدْ أَخْطَأَ ظَنِّي، أَوْ إِنَّ هَذَا عَلَى دِينِهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، أَوْ لَقَدْ كَانَ كَاهِنَهُمْ، عَلَىَّ الرَّجُلَ. فَدُعِيَ لَهُ، فَقَالَ لَهُ ذَلِكَ. فَقَالَ: مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ اسْتُقْبِلَ بِهِ رَجُلٌ مُسْلِمٌ. قَالَ: فَإِنِّي أَعْزِمُ عَلَيْكَ إِلاَّ مَا أَخْبَرْتَنِي. قَالَ: كُنْتُ كَاهِنَهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ. قَالَ: فَمَا أَعْجَبُ مَا جَاءَتْكَ بِهِ جِنِّيَّتُكَ؟ قَالَ: بَيْنَمَا أَنَا يَوْمًا فِي السُّوقِ، جَاءَتْنِي أَعْرِفُ فِيهَا الْفَزَعَ فَقَالَت: أَلَمْ تَرَ الْجِنَّ وَإِبْلَاسَهَا، وَيَأْسَهَا مِنْ بَعْدِ إِنْكَاسِهَا، وَلُحُوقَهَا بِالْقِلَاصِ وَأَحْلَاسِهَا. قَالَ عُمَرُ: صَدَقَ، بَيْنَمَا أَنَا نائمٌ عِنْدَ آلِهَتِهِمْ، إِذْ جَاءَ رَجُلٌ بِعِجْلٍ فَذَبَحَهُ، فَصَرَخَ بِهِ صَارِخٌ لَمْ أَسْمَعْ صَارِخًا قَطُّ أَشَدَّ صَوْتًا مِنْهُ يَقُولُ: يَا جَلِيحْ، أَمْرٌ نَجِيحْ، رَجُلٌ فَصِيحْ، يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ. فَوَثَبَ الْقَوْمُ. قُلْتُ: لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَعْلَمَ مَا وَرَاءَ هَذَا. ثُمَّ نَادَى: يَا جَلِيحْ، أَمْرٌ نَجِيحْ، رَجُلٌ فَصِيحْ، يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ. فَقُمْتُ، فَمَا نَشِبْنَا أَنْ قِيلَ: هَذَا نَبِيٌّ".
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن سليمان) الجعفي (قال: حدّثني) بالتوحيد (ابن وهب) عبد الله قال: (حدّثني) بالإفراد أيضًا (عمر) بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵁ (أن سالمًا حدّثه عن) أبيه (عبد الله بن عمر) أنه (قال: ما سمعت عمر لشيء قط) بفتح القاف وتشديد الطاء لأجل شيء أو عن شيء قط (يقول: أني أظنه كذا إلاّ كان كما يظن) لأنه كان من المحدثين بفتح الدال (بينما) بالميم (عمر) ﵁ (جالس) وجواب بينما قوله (إذ مرّ به رجل جميل) قال البيهقي: يشبه أن يكون هو سواد بن قارب بفتح السين وتخفيف الواو وقارب بالقاف والراء المكسورة بعدها موحدة (فقال عمر: لقد أخطأ ظني) في كونه في الجاهلية بأن صار مسلمًا (أو) قال: (إن هذا) سواد بن قارب مستمر (على دينه في الجاهلية) على عبادة الأوثان (أو لقد) بالهمزة والواو الساكنة في اليونينية وغيرها وفي الفرع ولقد (كان كاهنهم) بكسر الهاء أي كاهن قومه (عليّ) بتشديد الياء أي أحضروا (الرجل) أو قربوه مني (فدعي) بضم الدال مبنيًّا للمفعول (له) أي لأجل عمر (فقال): ولأبي ذر قال: (له) عمر (ذلك) الذي قاله في غيبته من التردّد وقال أبو عمر كان يتكهن في الجاهلية فأسلم وداعبه عمر يومًا وقال: ما فعلت كهانتك يا سواد؟ فغضب وقال: ما كنا عليه نحن وأنت يا عمر من جاهليتنا وكفرنا من الكهانة فما لك تعيرني بشيء تبت منه وأرجو من الله العفو عنه (فقال) سواد (ما رأيت) شيئًا (كاليوم) أي مثل ما رأيت اليوم أي حيث (استقبل) بضم الفوقية مبنيًا للمفعول (به) أي فيه (رجل) نائب عن الفاعل (مسلم) صفة له، وللأربعة استقبل بفتح الفوقية مبنيًّا للفاعل به أي بالكلام رجلاً مفعول لرأيت ومسلمًا صفته كذا أعرّبه الكرماني وتبعه البرماوي.
стр. 4466
وقال: العيني: فيه شيء إن كان مراده رأيت المصرح به في الحديث، فإن قدر لفظ رأيت آخر يكون موجهًا تقديره ما رأيت يومًا مثل هذا اليوم رأيت استقبل به أي بالكلام المذكور رجلاً مسلمًا، فقوله: استقبل به جملة معترضة بين الفاعل والمفعول وحاصل المعنى ما رأيت كاليوم رأيت فيه رجلاً استقبل فيه أي في اليوم اهـ. وعند البيهقي في رواية مرسلة: قد جاء الله بالإسلام فما لنا وذكر الجاهلية.
(قال) عمر ﵁ له: (فإني أعزم عليك) أي ألزمك (إلا ما أخبرتني) أي ما أطلب منك إلا الإخبار (قال) سواد: (كنت كاهنهم) أي أخبرهم بالمغيبات في الجاهلية (قال) له عمر: (فما أعجب) بالضم وما استفهامية (ما جاءتك به جنيتك) من أخبار الغيب (قال: بينما) بالميم (أنا يومًا في السوق جاءتني) الجنية (أعرف فيها الفزع) بفتح الفاء والزاي والمهملة أي الخوف (فقالت) لي ولأبي ذر وقالت: (ألم تر الجن وإبلاسها) بكسر الهمزة وسكون الموحدة والنصب عطفًا على سابقه أي وخوفها (وبأسها) من اليأس ضد الرجاء (من بعد إنكاسها) بكسر الهمزة وسكون النون أي من بعد انقلابها على رأسها. قال ابن فارس: معناه يئست من استراق السمع بعد أن كانت ألفته فانقلبت عن الاستراق وقد أيست من السمع (ولحوقها) بالنصب عطفًا على إبلاسها أو بالجر عطفًا على إنكاسها أي ولحوق الجن (بالقلاص) بالقاف المكسورة آخره صاد مهملة جمع قلوص الناقة الشابة (وأحلاسها) بفتح الهمزة وسكون الحاء المهملة بعدها لام ألف فسين مهملة جمع حلس بكسر أوّله، وهو كساء يجعل تحت رحل الإبل على ظهورها تلازمه، ومنه قيل فلان حلس بيته أي ملازمه. قال في الكواكب: والمراد بيان ظهور النبي العربي ﷺ ومتابعة الجن للعرب ولحوقهم بهم في الدين إذ هو رسول الثقلين، وهذا الشعر من الرجز، لكن وقع الأخير غير موزون. نعم روي ورحلها العيس بأحلاسها وهذا موزون والعيس بكسر العين الإبل، وعند البيهقي موصولاً من حديث البراء بن عازب في دلائل النبوة له بعد قوله وأحلاسها:
تهوي إلى مكة تبغي الهدى … ما مؤمنوها مثل أرجاسها
فانهض إلى الصفوة من هاشم … واسم بعينيك إلى راسها
قال: ثم نبهني فأفزعني وقال: يا سواد إن الله بعث نبيًّا فانهض إليه تسعد وترشد، فلما كان في الليلة الثانية أتاني فنبهني ثم قال:
عجبت للجن وتطلابها … وشدّها العيس بأقتابها
تهوي إلى مكة تبغي الهدى … وليس قدماها كأذنابها
فانهض إلى الصفوة من هاشم … واسم بعينيك إلى قابها
فلما كان في الليلة الثالثة أتاني فنبهني فقال:
стр. 4467
عجبت للجن وتنفارها … وشدّها العيس بأكوارها
تهوي إلى مكة تبغي الهدى … ليس ذوو الشر كأخيارها
فانهض إلى الصفوة من هاشم … ما مؤمنو الجن ككفارها
قال: فوقع في قلبي الإسلام وأتيت المدينة، فلما رآني رسول الله ﷺ قال: "مرحبًا بك يا سواد بن قارب قد علمنا ما جاء بك" قال: قد قلت شعرًا فاسمعه مني فقلت:
أتاني رئيي بعد ليل وهجعة … ولم أك فيما قد بليت بكاذب
ثلاث ليال قوله كل ليلة … أتاك نبيّ من لؤي بن غالب
فشمرت عن ساقي الإزار ووسطت … بي الذعلب الوجناء عند السباسب
فأشهد أن الله لا رب غيره … وأنك مأمون على كل غائب
وأنك أدنى المرسلين شفاعة … إلى الله يا ابن الأكرمين الأطايب
فمرنا بما يأتيك يا خير مرسل … وإن كان فيما جاء شيب الذوائب
فكن لي شفيعًا يوم لا ذو شفاعة … سواك بمغن عن سواد بن قارب
قال: فضحك النبي ﷺ حتى بدت نواجذه (قال عمر) ﵁: (صدق) سواد (بينما) بالميم (أنا عند آلهتهم) ولأبي ذر والأصيلي وابن عساكر: بينما أنا نائم عند آلهتهم أي أصنامهم (إذ جاء رجل) لم يعرف الحافظ ابن حجر اسمه وعند أحمد من وجه آخر أنه ابن عبس شيخ أدرك الجاهلية (بعجل فذبحه فصرخ به صارخ لم أسمع صارخًا قط أشد صوتًا منه يقول: يا جليح) بفتح الجيم وبعد اللام المكسورة تحتية ساكنة فحاء مهملة أي يا وقح ومعناه المكافح والمكاشف بالعداوة، ويحتمل أن يكون نادى رجلاً بعينه أو من كان متصفًا بذلك (أمر نجيح) بنون مفتوحة فجيم مكسورة آخره حاء مهملة من النجاح وهو الظفر بالبغية (رجل فصيح) بالفاء من الفصاحة ولأبي ذر عن الكشميهني يصيح بتحتية مفتوحة بدل الفاء من الصياح (يقول: لا إله إلا أنت) ولأبي ذر عن الكشميهني: لا إله إلا الله (فوثب القوم) بالثاء المثلثة أي قاموا قال عمر: فلما رأيت ذلك (قلت لا أبرح حتى أعلم ما وراء هذا، ثم نادى يا جليح أمر نجيح رجل فصيح) ولأبي ذر عن الكشميهني يصيح (يقول: لا إله إلا الله لإقمت فما نشبنا) بفتح النون وكسر الشين المعجمة وسكون الموحدة أي ما مكثنا وتعلقنا بشيء (أن قيل هذا نبي) قد ظهر.
وعند أبي نعيم في دلائله أن أبا جهل جعل لمن يقتل محمدًا ﷺ مائة ناقة. قال عمر ﵁: فقلت له يا أبا الحكم الضمان صحيح؟ قال: نعم. قال: فتقلدت سيفي أريده فمررت على عجل وعم يريدون أن يذبحوه فقمت أنظر إليهم فإذا صائح يصيح من جوف العجل يا آل
стр. 4468
ذريح أمر بجيح رجل يصيح بلسان فصيح. قال عمر ﵁: فقلت في نفسي إن هذا الأمر ما يراد به إلا أنا. قال: فدخلت على أختي فإذا عندها سعيد بن زيد فذكر القصة في سبب إسلامه بطولها.
وفي حديث أسامة بن زيد عن أبيه عن جده أسلم قال: قال لنا عمر بن الخطاب ﵁: تحبون أن أعلمكم كيف كان بدء إسلامي؟ قلنا: نعم. قال: كنت من أشد الناس على رسول الله ﷺ فبينا أنا في: يوم حار بالهاجرة لقيني رجل من قريش اسمه نعيم بن عبد الله النحام وكان مخفيًّا إسلامه ﵁ فقال: أين تذهب يا ابن الخطاب إنك تزعم أنك هكذا وقد دخل عليك هذا الأمر في بيتك أختك قد صبت فرجعت مغضبًا فدخلت عليها فقلت: يا عدوة نفسها بلغني أنك قد صبأت وأرفع شيئًا في يدي فأضربها به فسال الدم فبكت ثم قالت: يا ابن الخطاب ما كنت فاعلاً فافعل فقد أسلمت، فنظرت فإذا بكتاب في ناحية البيت فقلت لها أعطينه فقالت: لا أعطيكه لست من أهله إنك لا تغتسل من الجنابة ولا تتطهر، وهذا لا يمسه إلا المطهرون فلم أزل بها حتى أعطتنيه فإذا فيه: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ فلما مررت بالرحمن الرحيم ذعرت ورميت بالكتاب من يدي ثم رجعت إلى نفسي فأخذته فإذا فيه: ﴿سبح لله ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم﴾ [الحديد: ١] فكلما مررت بالاسم من أسماء الله تعالى ذعرت ثم رجعت إلى نفسي حتى بلغت: (آمنوا بالله ورسوله﴾ [الحديد: ٧] إلى قوله: ﴿إن كنتم مؤمنين﴾ [الحديد: ٨] فقلت أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله، فخرج القوم يتبادرون بالتكبير استبشارًا بما سمعوه مني، فلما دخلت على رسول الله ﷺ أخذ بمجامع قميصي فجذبني إليه ثم قال: أسلم يا ابن الخطاب اللهم اهده. فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله فكبّر المسلمون تكبيرة سمعت بطرفي مكة ثم قال: ثم خرجت فقرعت باب خالي فقلت له: أشعرت أني صبوت فأجاف الباب دوني وتركني، فلما اجتمع الناس جئت إلى رجل لا يكتم السر فذكرت له فيما بيني وبينه أني قد صبوت ليشيع ذلك ليصيبني ما أصاب المسلمين من أذى قريش قال: فرفع الرجل صوته بأعلاه ألا أن ابن الخطاب قد صبأ. قال: فما زال الناس يضربوني وأضربهم قال فقال خالي: ما هذا؟ فقيل له ابن الخطاب فقام على الحجر فأشار بكمه فقال: ألا أني قد أجرت ابن أختي. قال: فانكشف الناس عني قال: وكنت لا أشأ أن أرى أحدًا من المسلمين يضرب إلا رأيته وأنا لا أضرب فقلت: ما هذا بشيء حتى يصيبني ما يصيب المسلمين. قال: فأمهلت حتى إذا جلس الناس في الحجر وصلت إلى خالي فقلت له جوارك رد عليك فما زلت أضرب وأضرب حتى أعز الله الإسلام. وهذا الخبر رواه ابن إسحاق وأن الذي كان في الصحيفة سورة طه.
٣٨٦٧ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا يَحْيَى حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ حَدَّثَنَا قَيْسٌ قَالَ: "سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ زَيْدٍ يَقُولُ لِلْقَوْمِ: لَوْ رَأَيْتُنِي مُوثِقِي عُمَرُ عَلَى الإِسْلَامِ أَنَا وَأُخْتُهُ، وَمَا أَسْلَمَ، وَلَوْ أَنَّ أُحُدًا انْقَضَّ لِمَا صَنَعْتُمْ بِعُثْمَانَ لَكَانَ مَحْقُوقًا أَنْ يَنْقَضَّ".
стр. 4469
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد (محمد بن المثنى) العنزي قال: (حدّثنا يحيى) بن سعيد القطان قال: (حدّثنا إسماعيل) بن أبي خالد قال: (حدّثنا قيس) هو ابن أبي حازم قال: (سمعت سعيد بن زيد) أي ابن عمرو بن نفيل ﵁ (يقول للقوم): في مسجد الكوفة (لو رأيتني) بضم التاء وسقط لو لأبي ذر أي لو رأيت نفسي (موثقي عمر على الإسلام) بضم الميم وسكون الواو وكسر المثلثة إهانة لي وتضييقًا عليّ لكوني أسلمت (أنا وأخته) زوجتي فاطمة بنت الخطاب (وما) كان عمر (أسلم ولو أن أُحدًا) الجبل المعروف بالمدينة (انقض) بالنون والقاف والضاد المعجمة المشددة انكسر وانهدم ولأبي ذر عن الكشميهني انفض بالفاء أي تفرق (لما صنعتم بعثمان) بن عفان ﵁ يوم الدار (لكان محقوقًا) بفتح الميم وسكون المهملة وقافين بينهما واو ساكنة أي واجبًا (أن ينقض) أي أن ينهدم، وللكشميهني: أن ينفض بالفاء أي أن يتفرق والمعنى لو تحركت القبائل لطلب ثأر عثمان لفعلوا واجبًا.
وهذا الحديث سبق في الباب الذي قبل هذا والله الموفق.
٣٦ - باب انْشِقَاقِ الْقَمَرِ
(باب انشقاق القمر) في زمنه ﷺ معجزة له وسقط لفظ باب لأبي ذر فالتالي رفع على ما لا يخفى.
٣٨٦٨ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: "أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُرِيَهُمْ آيَةً، فَأَرَاهُمُ الْقَمَرَ شِقَّتَيْنِ، حَتَّى رَأَوْا حِرَاءً بَيْنَهُمَا".
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد، ولأبي ذرة حدّثنا (عبد الله بن عبد الوهاب) الحجبي البصري قال: (حدّثنا بشر بن المفضل) بكسر الموحدة وسكون الشين المعجمة والمفضل بضم الميم وفتح الفاء والضاد المعجمة المشدّدة ابن لاحق الرقاشي بقاف ومعجمة أبو إسماعيل البصري قال: (حدّثنا سعيد بن أبي عروبة) مهران اليشكري مولاهم أحد الأعلام (عن قتادة) بن دعامة (عن أنس بن مالك ﵁):
(أن أهل مكة) كفار قريش وفي دلائل النبوّة لأبي نعيم عن ابن عباس ﵄ أنهم الوليد بن المغيرة وأبو جهل والعاص بن وائل والعاص بن هشام والأسود بن عبد يغوث والأسود بن المطلب وابنه زمعة والنضر بن الحرث (سألوا رسول الله ﷺ أن يريهم آية) أي معجزة تشهد لما ادّعاه من نبوّته (فأراهم القمر شقتين) بفتح الشين في الفرع مصححًا عليه وضبطها في الفتح والمصابيح واليونينية والناصرية بكسرها أي نصفين (حتى رأوا حرًّا) بالتنوين الجبل المعروف (بينهما) بين الشقتين. وهذا من مراسيل الصحابة لأن أنسًا لم يشاهد هذه القصة، وفي حديث مسلم فأراهم القمر مرتين، وكذا هو بلفظ مرتين في مصنف عبد الرزاق عن معمر، وكذا أخرجه
стр. 4470
أحمد وإسحاق في مسنديهما، ولعل المراد فرقتين جمعًا بين الروايات كما نبه عليه في الفتح.
٣٨٦٩ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: «انْشَقَّ الْقَمَرُ وَنَحْنُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِمِنًى فَقَالَ: اشْهَدُوا، وَذَهَبَتْ فِرْقَةٌ نَحْوَ الْجَبَلِ».
وَقَالَ أَبُو الضُّحَى عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ: "انْشَقَّ بِمَكَّةَ".
وَتَابَعَهُ مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ.
وبه قال: (حدّثنا عبدان) اسمه عبد الله بن عثمان بن جبلة المروزي (عن أبي حمزة) بالحاء المهملة والزاي محمد بن ميمون السكري (عن الأعمش) سليمان (عن إبراهيم) النخعي (عن أبي معمر) عبد الله بن سخبرة (عن عبد الله) بن مسعود (﵁) أنه (قال): (انشق القمر ونحن مع النبي ﷺ بمنى فقال): يخاطب أبا سلمة بن عبد الأسد والأرقم بن أبي الأرقم وابن مسعود (اشهدوا) ولأبي ذر فقال النبي ﷺ : اشهدوا أي اضبطوا ذلك بالمشاهدة (وذهبت فرقة) من القمر (نحو الجبل) المعروف بحرًا وبقيت الأخرى مكانه حتى صار حرًّا بينهما، وقوله: ونحن مع النبي ﷺ يرد على من قال: إن قوله في الآية ﴿وانشق القمر﴾ [القمر: ١] بمعنى انشق يوم القيامة فأوقع الماضي موقع المستقبل لتحققه وهو خلاف الإجماع، وكذا قول الآخر انشق بمعنى انفلق عنه الظلام عند طلوع الشمس كما يسمى الصبح فلقًا.
(وقال أبو الضحى): مسلم بن صبيح الكوفي (عن مسروق) هو ابن الأجدع (عن عبد الله) بن مسعود ﵁ (انشق بمكة) وهذا وصله أبو داود الطيالسي (وتابعه) أي وتابع إبراهيم النخعي في روايته عن أبي معمر (محمد بن مسلم) الطائفي (عن ابن أبي نجيح) يسار (عن مجاهد) هو ابن جبر (عن أبي معمر) عبد الله بن سخبرة (عن عبد الله) بن مسعود ﵁ وهذه المتابعة وصلها عبد الرزاق في مصنفه ولا معارضة بين قوله بمكة. وقوله بمنى إذ المراد أن ذلك وقع قبل الهجرة ومنى من جملة مكة.
٣٨٧٠ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ صَالِحٍ حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ مُضَرَ قَالَ: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄: "أَنَّ الْقَمَرَ انْشَقَّ عَلَى زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ".
وبه قال: (حدَّثنا عثمان بن صالح) السهمي المصري قال: (حدّثنا بكر بن مضر) بفتح الموحدة وسكون الكاف ومضر بضم الميم وفتح الضاد المعجمة ابن محمد بن حكيم المصري قال: (حدّثني) بالإفراد (جعفر بن ربيعة) بن شرحبيل المصري (عن عراك بن مالك) بكسر العين المهملة وتخفيف الراء الغفاري المدني (عن عبيد الله) بضم العين (ابن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن
стр. 4471
عبد الله بن عباس ﵄) (إن القمر انشق على) ولأبي ذر عن الكشميهني في (زمان رسول الله ﷺ ¬) بمكة قبل الهجرة. وهذا مرسل لأن ابن عباس ﵄ لم يدرك ذلك لأنه كان ابن سنتين أو ثلاث.
٣٨٧١ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: "انْشَقَّ الْقَمَرُ".
وبه قال: (حدّثنا عمر بن حفص) بضم العين النخعي الكوفي قال: (حدّثنا أبي) حفص بن غياث قال: (حدّثنا الأعمش) سليمان قال: (حدّثنا إبراهيم) النخعي (عن أبي معمر) عبد الله (عن عبد الله) بن مسعود (﵁) أنه (قال: انشق القمر) كذا أورده مختصرًا وهو ثابت في رواية الحموي والكشميهني، وقول بعضهم: لو انشق لما خفي على أهل الأقطار ولو ظهر عندهم لنقلوه متواترًا لأن الطباع مجبولة على نشر العجائب مردود بأنه يجوز أن يحجبه الله عنهم بغيم، لا سيما وأكثر الناس نيام والأبواب مغلقة وقل من يترصد السماء، ولعله كان في قدر اللحظة التي هي مدرك البصر. وقد روى أبو الضحى عن مسروق عن عبد الله أنهم سألوا السفار هل انشق قالوا: قد رأيناه.
٣٧ - باب هِجْرَةِ الْحَبَشَةِ
وَقَالَتْ عَائِشَةُ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «أُرِيتُ دَارَ هِجْرَتِكُمْ ذَاتَ نَخْلٍ بَيْنَ لَابَتَيْنِ».
فَهَاجَرَ مَنْ هَاجَرَ قِبَلَ الْمَدِينَةِ، وَرَجَعَ عَامَّةُ مَنْ كَانَ هَاجَرَ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ.
فِيهِ عَنْ أَبِي مُوسَى وَأَسْمَاءَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
(باب هجرة) المسلمين من مكة إلى أرض (الحبشة) بإشارته ﷺ لما أقبل كفار قريش على من آمن يعذبونهم ويؤذونهم ليردوهم عن دينهم وكانت الهجرة مرتين الأولى في رجب سنة خمس من المبعث وكان عدد من هاجر اثني عشر رجلاً وأربع نسوة خرجوا مشاة إلى البحر فاستأجروا سفينة بنصف دينار.
وذكر ابن إسحاق أن السبب في ذلك أن النبي ﷺ قال لأصحابه لما رأى المشركين يؤذونهم ولا يستطيع أن يكفهم أن بالحبشة ملكًا لا يظلم عنده أحد فلو خرجتم إليه حتى يجعل الله لكم فرجًا. قال: فكان أوّل من خرج منهم عثمان بن عفان ومعه زوجته رقية بنت رسول الله.
وأخرج يعقوب بن سفيان بسند موصول إلى أنس قال: أبطأ على رسول الله خبرهما فقدمت امرأة فقالت له: قد رأيتهما وقد حمل عثمان امرأته على حمار فقال: صحبهم الله إن عثمان لأوّل من هاجر بأهله بعد لوط.
стр. 4472
قلت: وبهذا تظهر النكتة في تصدير البخاري الباب بحديث عثمان، وقد سرد ابن إسحاق أسماءهم. فأما الرجال فهم: عثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف، والزبير بن العوّام، وأبو حذيفة بن عتبة، ومصعب بن عمير، وأبو سلمة بن عبد الأسد، وعثمان بن مظعون، وعامر بن ربيعة، وسهيل ابن بيضاء، وأبو سبرة، وأبو رهم العامري. قال: ويقال بدله حاطب بن عمرو العامري. وأما النسوة فهي: رقية بنت النبي، وسهلة بنت سهيل امرأة أبي حذيفة، وأم سلمة بنت أبي أمية امرأة أبي سلمة، وليلة بنت أبي حثمة امرأة عامر بن ربيعة. ووافقه الواقدي في سردهم وزاد اثنين: عبد الله بن مسعود، وحاطب بن عمرو مع أنه ذكر في أول كلامه أنهم كانوا أحد عشر رجلاً، فالصواب ما قال ابن إسحاق بأنه إنما كان في الهجرة الثانية.
ويؤيده ما روى أحمد بإسناد حسن عن ابن مسعود قال: بعثنا النبي ﵇ إلى النجاشي ونحن نحو من ثمانين رجلاً فيهم: عبد الله بن مسعود، وجعفر بن أبي طالب، وعبد الله بن عرفطة، وعثمان بن مظعون، وأبو موسى فذكر الحديث انظر الفتح. ثم رجعوا عندما بلغهم عن المشركين سجودهم معه ﷺ عند قراءة سورة النجم فلقوا من المشركين أشد مما عهدوا فهاجروا ثانية، وكانوا ثلاثة وثمانين رجلاً إن كان فيهم عمار وثماني عشره امرأة وسقط باب لأبي ذر.
(وقالت عائشة) ﵂ مما وصله المؤلّف مطوّلاً في باب الهجرة إلى المدينة (قال النبي ﷺ أريت) بضم الهمزة (دار هجرتكم ذات نخل بين لابتين) تثنية لابة وهي الحرة ذات الحجارة السود وهذه طابة (فهاجر من هاجر) من المسلمين (قبل المدينة) بكسر القاف وفتح الموحدة أي جهتها (ورجع عامة من كان هاجر بأرض الحبشة إلى المدينة) وهذا وقع بعد الهجرة الثانية إلى الحبشة (فيه) أي في هذا الباب (عن أبي موسى) عبد الله بن قيس الأشعري مما يأتي آخر الباب إن شاء الله تعالى موصولاً (و) عن (أسماء) بنت عميس الخثعمية وهي أخت أم المؤمنين ميمونة لأمها كما سيأتي في غزوة حنين إن شاء الله تعالى (عن النبي ﷺ ¬).
٣٨٧٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجُعْفِيُّ حَدَّثَنَا هِشَامٌ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ حَدَّثَنَا عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ "أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ أَخْبَرَهُ أَنَّ الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ قَالَا لَهُ: مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تُكَلِّمَ خَالَكَ عُثْمَانَ فِي أَخِيهِ الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ، وَكَانَ أَكْثَرَ النَّاسُ فِيمَا فَعَلَ بِهِ. قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: فَانْتَصَبْتُ لِعُثْمَانَ حِينَ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً، وَهْيَ نَصِيحَةٌ. فَقَالَ: أَيُّهَا الْمَرْءُ، أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ. فَانْصَرَفْتُ. فَلَمَّا قَضَيْتُ الصَّلَاةَ جَلَسْتُ إِلَى الْمِسْوَرِ وَإِلَى ابْنِ عَبْدِ يَغُوثَ فَحَدَّثْتُهُمَا بِالَّذِي قُلْتُ لِعُثْمَانَ وَقَالَ لِي. فَقَالَا: قَدْ قَضَيْتَ الَّذِي كَانَ عَلَيْكَ. فَبَيْنَمَا أَنَا جَالِسٌ مَعَهُمَا إِذْ جَاءَنِي رَسُولُ عُثْمَانَ، فَقَالَا لِي: قَدِ ابْتَلَاكَ اللَّهُ. فَانْطَلَقْتُ حَتَّى دَخَلْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَا نَصِيحَتُكَ الَّتِي ذَكَرْتَ آنِفًا؟ قَالَ: فَتَشَهَّدْتُ ثُمَّ قُلْتُ: إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا ﷺ وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ، وَكُنْتَ مِمَّنِ اسْتَجَابَ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ﷺ وَآمَنْتَ بِهِ،
стр. 4473
وَهَاجَرْتَ الْهِجْرَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ، وَصَحِبْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَرَأَيْتَ هَدْيَهُ. وَقَدْ أَكْثَرَ النَّاسُ فِي شَأْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ، فَحَقٌّ عَلَيْكَ أَنْ تُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدَّ. فَقَالَ لِي: يَا ابْنَ أَخِي، أَدْرَكْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: قُلْتُ: لَا، وَلَكِنْ قَدْ خَلَصَ إِلَىَّ مِنْ عِلْمِهِ مَا خَلَصَ إِلَى الْعَذْرَاءِ فِي سِتْرِهَا. قَالَ: فَتَشَهَّدَ عُثْمَانُ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ مُحَمَّدًا ﷺ بِالْحَقِّ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ، وَكُنْتُ مِمَّنِ اسْتَجَابَ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، وَآمَنْتُ بِمَا بُعِثَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ ، وَهَاجَرْتُ الْهِجْرَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ -كَمَا قُلْتَ- وَصَحِبْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَبَايَعْتُهُ. وَاللَّهِ مَا عَصَيْتُهُ، وَلَا غَشَشْتُهُ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ. ثُمَّ اسْتَخْلَفَ اللَّهُ أَبَا بَكْرٍ، فَوَاللَّهِ مَا عَصَيْتُهُ وَلَا غَشَشْتُهُ. ثُمَّ اسْتُخْلِفَ عُمَرُ، فَوَاللَّهِ مَا عَصَيْتُهُ وَلَا غَشَشْتُهُ. ثُمَّ اسْتُخْلِفْتُ، أَفَلَيْسَ لِي عَلَيْكُمْ مِثْلُ الَّذِي كَانَ لَهُمْ عَلَيَّ؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ: فَمَا هَذِهِ الأَحَادِيثُ الَّتِي تَبْلُغُنِي عَنْكُمْ؟ فَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ شَأْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ فَسَنَأْخُذُ فِيهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِالْحَقِّ. قَالَ: فَجَلَدَ الْوَلِيدَ أَرْبَعِينَ جَلْدَةً، وَأَمَرَ عَلِيًّا أَنْ يَجْلِدَهُ، وَكَانَ هُوَ يَجْلِدُهُ".
وَقَالَ يُونُسُ وَابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ عَنِ الزُّهْرِيِّ: "أَفَلَيْسَ لِي عَلَيْكُمْ مِنَ الْحَقِّ مِثْلُ الَّذِي كَانَ لَهُمْ".
قَالَ أَبُو عَبد الله: ﴿بَلاءٌ من رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ٤٩] مَا ابتُلِيتُم به من شدَّة. وفي موضع: البلاءُ الابتلاء والتمحيص، من بَلَوتهُ ومحَّصتهُ أي استخرجتُ ما عندَه. يبلو: يختبر، مُبتليكم: مُختبِرُكم. وأما قوله: "بلاء عظيم" النعم، وهي مِن أبلَيْتُه، وتلك من ابتليته.
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن محمد الجعفي) المسندي قال: (حدّثنا هشام) هو ابن يوسف الصنعاني قال: (أخبرنا معمر) هو ابن راشد عالم اليمن (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب أنه قال: (حدّثنا) وفي نسخة أخبرني بالإفراد (عروة بن الزبير أن عبيد الله) بضم العين وفتح الموحدة (ابن عدي بن الخيار) بكسر الخاء المعجمة وتخفيف التحتية (أخبره أن المسور بن مخرمة) بن نوفل الزهري الصحابي الصغير (وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث) بالغين المعجمة المضمومة والمثلثة الزهري من صلحاء التابعين وأشرافهم (قالا له): أي لعبيد الله بن عدي بن الخيار (ما يمنعك أن تكلم خالك عثمان) بن عفان ليست أمه أختًا له بل من رهطه (في أخيه) لأمه (الوليد بن عقبة) بضم العين وسكون القاف ابن أبي معيط وكان عثمان ولاه الكوفة بعد عزل سعد بن أبي وقاص ﵁ (كان أكثر) ولأبي ذر عن الكشميهني أكبر بالموحدة بدل المثلثة (الناس فيما فعل) عثمان (به) بالوليد من تقويته في الأمور وإهماله حدّ شربه المسكر (قال عبيد الله) بن عدي (فانتصبت لعثمان حين خرج إلى الصلاة فقلت له: إن لي إليك حاجة وهي نصيحة) لك (فقال: أيها المرء أعوذ بالله منك) قال ذلك لأنه فهم أنه يكلمه بما فيه إنكار عليه فيضيق صدره لذلك. قال عبيد الله (فانصرفت فلما قضيت الصلاة) نصب مفعول (جلست إلى
стр. 4474
المسور وإلى ابن عبد يغوث فحدّثتهما بالذي قلت لعثمان و) الذي (قال لي) عثمان (فقالا: قد قضيت الذي كان عليك، فبينما) بالميم (أنا جالس معهما إذ جاءني رسول عثمان) لم يسم (فقالا): المسور وابن عبد يغوث (لي قد ابتلاك الله) يأتي تفسيره بعد إن شاء الله تعالى من قول المصنف (فانطلقت حتى دخلت عليه فقال: ما نصيحتك التي ذكرت آنفًا؟) بمدّ الهمزة (قال: فتشهدت) وسقط لفظ قال: في الفرع وثبت في الأصل (ثم قلت إن الله بعث محمدًا ﷺ ¬) سقطت التصلية لأبي ذر (وأنزل عليه الكتاب وكنت ممن استجاب لله ورسوله ﷺ ¬) وسقطت التصلية في رواية أبي ذر ولأبي ذر عن الكشميهني ممن استجاب لله ورسوله وآمن (وآمنت به وهاجرت الهجرتين الأوليين) بضم الهمزة وسكون الواو وفتح اللام والتحتية الأولى وتسكين الثانية تثنية أولى على التغليب بالنسبة إلى هجرة الحبشة فإنها كانت أولى وثانية أما إلى المدينة فلم تكن إلا واحدة، وهذا هو المراد من هذا الحديث في هذا الباب كما لا يخفى.
(وصحبت رسول الله ﷺ ورأيت هديه) طريقه (وقد أكثر الناس) الكلام (في شأن الوليد بن عقبة) بسبب شربه الخمر وسوء سيرته (فحق عليك أن تقيم عليه الحدّ فقال لى): أي على عادة العرب (يا ابن أخي) ولأبي ذر أختي قال الكرماني: هي الصواب لأنه كان خاله (أدركت) بتاء الخطأ (رسول الله ﷺ ؟ قال: قلت لا). أي لم أدركه من يعي عنه وليس مراده نفي الإدراك بالسن لأنه ولد في حياته ﵊ (ولكن قد خلص) أي وصل (إليّ من علمه ما خلص) ما وصل (إلى العذراء) بالذال المعجمة والمد البكر (في سترها) بكسر السين أي من شرعه الشائع الذائع الذي ليس يخفى على أحد (قال: فتشهد عثمان فقال: إن الله قد بعث محمدًا ﷺ بالحق) سقط لفظ قد والتصلية لأبي ذر (وأنزل عليه الكتاب وكنت ممن استجاب لله ورسوله ﷺ ¬) سقطت التصلية لأبي ذر (وآمنت) ولأبي ذر عن الكشميهني ممن استجاب الله ورسوله وآمن (بما بعث به محمد ﷺ ¬) سقطت التصلية لأبي ذر (وهاجرت الهجرتين الأوليين) الحبشة والمدينة (كما قلت) بتاء الخطاب لعبيد الله (وصحبت رسول الله ﷺ وبايعته) من المبايعة ولأبي ذر وتابعته بالفوقية بدل الموحدة من المتابعة (والله) بالواو ولأبي ذر عن الكشميهني فوالله بالفاء (ما عصيته ولا غششته حتى توفاه الله، ثم استخلف الله أبا بكر فوالله ما عصيته ولا غششته، ثم استخلف) بضم الفوقية مبنيًا للمفعول (عمر) ﵁ (فوالله ما عصيته ولا غششته) زاد أبو ذر حتى توفاه الله (ثم استخلفت) بضم الفوقية مبنيًا للمفعول (أفليس لي عليكم) بهمزة الاستفهام (مثل) ولأبي ذر من الحق مثل (الذي كان لهم عليّ) بتشديد الياء وسقطت من الفرع وثبتت في أصله (قال) عبيد الله: (بلى. قال) عثمان: (فما هذه الأحاديث التي تبلغني عنكم) بسبب تأخير الحد عن الوليد (فأما ما ذكرت من شأن الوليد بن عقبة) سقط ابن عقبة لأبي ذر (فسنأخذ فيه إن شاء الله بالحق. قال) عبيد الله (فجلد الوليد أربعين جلدة) بعد أن شهد عليه حمران والصعب بن جثامة أنه قد شرب الخمر (وأمر عليًّا أن يجلده وكان هو) أي عليّ (يجلده) ولا تنافي بين قوله هنا أربعين، وقوله في مناقب عثمان ثمانين لأن التخصيص بالعدد لا ينفي الزائد أو كان الجلد بسوط له طرفان.
стр. 4475
(وقال يونس) بن يزيد الأيلي مما وصله في مناقب عثمان (وابن أخي الزهري) محمد بن عبد الله بن مسلم مما وصله ابن عبد البر في تمهيده (عن الزهري) محمد بن مسلم (أفليس لي عليكم من الحق مثل الذي كان لهم؟) وهذا التعليق عن يونس وابن أخي الزهري ثابت في رواية المستملي فقط.
(قال أبو عبد الله) البخاري في قوله ابتلاك الله (﴿بلاء من ربكم﴾) [البقرة: ٤٩] أي (ما ابتليتم به من شدّة. وفي موضع) آخر (البلاء) هو (الابتلاء والتمحيص) بالحاء والصاد المهملتين (من بلوته) بالواو (ومحصته أي استخرجت ما عنده) ويشهد له قوله (يبلو) أي (يختبر) و (مبتليكم) أي (مختبركم) ثم استطرد فقال: (وأما قوله بلاء) من ربكم (عظيم) فالمراد به (النعم) بكسر النون (وهي من أبليته) إذا أنعمت عليه (وتلك) أي الأولى (من ابتليته) وهذا كله ثابت في رواية المستملي وحده.
٣٨٧٣ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ هِشَامٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ عَائِشَةَ ﵂-: «أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ وَأُمَّ سَلَمَةَ ذَكَرَتَا كَنِيسَةً رَأَيْنَهَا بِالْحَبَشَةِ فِيهَا تَصَاوِيرُ، فَذَكَرَتَا لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: إِنَّ أُولَئِكَ إِذَا كَانَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ فَمَاتَ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِيكَ الصُّوَرَ، أُولَئِكَ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
وبه قال: (حدّثني) بالتوحيد (محمد بن المثنى) العنزي الزمن قال: (حدّثنا يحيى) بن سعيد القطان (عن هشام) أنه (قال: حدّثني) بالإفراد (أبي) عروة بن الزبير (عن عائشة ﵂ أن أم حبيبة) رملة بنت أبي سفيان (وأم سلمة) هند ولأبي ذر تقديم أم سلمة على أم حبيبة (ذكرتا كنيسة رأينها بالحبشة) بنون الجمع على أن أقل الجمع اثنان أو معهما غيرهما من النسوة. وكانت أم سلمة هاجرت الأولى مع زوجها أبي سلمة بن عبد الأسد، وأم حبيبة الثانية مع زوجها عبيد الله بن جحش فمات هناك (فيها تصاوير فذكرتا) ذلك (للنبي ﷺ فقال):
(إن أولئك) بكسر الكاف (إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي فبنوا (على قبره مسجدًا وصوّروا فيه تيك) بفوقية مكسورة فتحتية ساكنة ولأبي ذر عن الحموي والمستملي تلك (الصور) باللام بدل التحتية (أولئك) بكسر الكاف (شرار الخلق عند الله يوم القيامة).
وهذا الحديث سبق في الجنائز في باب بناء المساجد على القبر.
٣٨٧٤ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سَعِيدٍ السَّعِيدِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أُمِّ خَالِدٍ بِنْتِ خَالِدٍ قَالَتْ: «قَدِمْتُ مِنْ أَرْضِ الْحَبَشَةِ وَأَنَا جُوَيْرِيَةٌ، فَكَسَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَمِيصَةً لَهَا أَعْلَامٌ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَمْسَحُ الأَعْلَامَ بِيَدِهِ وَيَقُولُ: سَنَاهْ سَنَاهْ. قَالَ الْحُمَيْدِيُّ: يَعْنِي حَسَنٌ حَسَنٌ».
стр. 4476
وبه قال: (حدّثنا الحميدي) عبد الله بن الزبير المكي قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة قال: (حدّثنا إسحاق بن سعيد السعيدي) بكسر العين (عن أبيه) سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص (عن أم خالد) اسمها أمة بفتح الهمزة والميم المخففة وبالهاء وخالد هو ابن الزبير بن العوّام (بنت خالد) أي ابن سعيد بن العاص أنها (قالت: قدمت من أرض الحبشة وأنا جويرية فكساني رسول الله ﷺ خميصة) بفتح الخاء المعجمة وبالصاد المهملة كساء من خز (لها أعلام فجعل رسول الله ﷺ يمسح الأعلام بيده) الكريمة (ويقول): (سناه سناه) مرتين بفتح السين والنون وبعد الألف هاء ساكنة فيهما (قال: الحميدي) عبد الله الراوي (يعني) هو أي الثوب (حسن حسن).
٣٨٧٥ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ سُلَيْمَانَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: «كُنَّا نُسَلِّمُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهْوَ يُصَلِّي فَيَرُدُّ عَلَيْنَا، فَلَمَّا رَجَعْنَا مِنْ عِنْدِ النَّجَاشِيِّ سَلَّمْنَا عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْنَا، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا كُنَّا نُسَلِّمُ عَلَيْكَ فَتَرُدُّ عَلَيْنَا، قَالَ: إِنَّ فِي الصَّلَاةِ شُغْلاً. فَقُلْتُ لإِبْرَاهِيمَ: كَيْفَ تَصْنَعُ أَنْتَ؟ قَالَ: أَرُدُّ فِي نَفْسِي».
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن حماد) الشيباني مولاهم البصري ختن أبي عوانة قال: (حدّثنا أبو عوانة) الوضاح اليشكري (عن سليمان) بن مهران الأعمش (عن إبراهيم) النخعي (عن علقمة) بن قيس النخعي (عن عبد الله) بن مسعود (﵁) أنه (قال: كنا نسلم على النبي ﷺ وهو يصلّي فيرد علينا) السلام (فلما رجعنا من عند النجاشي) ملك الحبشة من الهجرة الثانية إلى المدينة والنبي ﷺ يتجهز إلى بدر (سلمنا عليه) وهو في الصلاة (فلم يردّ علينا) السلام (فقلنا: يا رسول الله إنا كنا نسلم عليك) وأنت في الصلاة (فترد علينا) السلام (قال):
(إن في الصلاة شغلاً) بالله لا يمكن معه غيره. قال سليمان الأعمش (فقلت لإبراهيم) النخعي (كيف تصنع أنت) إذا سلم عليك إنسان وأنت في الصلاة (قال: أردّ) عليه (في نفسي).
وهذا الحديث قد سبق في أواخر الصلاة في باب لا يرد السلام في الصلاة.
٣٨٧٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ حَدَّثَنَا بُرَيْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁: «بَلَغَنَا مَخْرَجُ النَّبِيِّ ﷺ وَنَحْنُ بِالْيَمَنِ، فَرَكِبْنَا سَفِينَةً، فَأَلْقَتْنَا سَفِينَتُنَا إِلَى النَّجَاشِيِّ بِالْحَبَشَةِ، فَوَافَقْنَا جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، فَأَقَمْنَا مَعَهُ حَتَّى قَدِمْنَا، فَوَافَقْنَا النَّبِيَّ ﷺ حِينَ افْتَتَحَ خَيْبَرَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَكُمْ أَنْتُمْ يَا أَهْلَ السَّفِينَةِ هِجْرَتَانِ».
وبه قال: (حدّثنا محمد بن العلاء) بفتح العين المهملة والمدّ أبو كريب الهمداني الكوفي قال: (حدّثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة قال: (حدّثنا بريد بن عبد الله) بضم الموحدة وفتح الراء مصغرًا (عن) جدّه (أبي بردة) بضم الموحدة وسكون الراء عامر (عن) أبيه (أبي موسى) عبد الله بن قيس الأشعري (﵁) أنه (قال: بلغنا مخرج النبي) مصدر ميمي أي خروج
стр. 4477
النبي (¬ ﷺ ¬) أي مبعثه أو خروجه إلى المدينة (ونحن باليمن فركبنا سفينة) لنصل إلى مكة (فألقتنا سفينتنا) بسبب هيجان البحر والريح (إلى النجاشي بالحبشة فوافقنا جعفر بن أبي طالب) ﵁ (فأقمنا معه) بالحبشة (حتى قدمنا) المدينة (فوافقنا النبي ﷺ حين افتتح خيبر) سنة ست أو سبع (فقال النبي ﷺ ¬):
(لكم أنتم يا أهل السفينة هجرتان) هجرة من مكة إلى الحبشة، وهجرة من الحبشة إلى المدينة. وفي رواية مسلم فأسهم لنا وما قسم لأحد غاب عن خيبر منها شيئًا إلا أصحاب سفينتنا مع جعفر وأصحابه، وسقطت أداة النداء من قوله يا أهل السفينة.
وحديث الباب أخرجه المؤلّف مقطعًا في الخمس والمغازي ومسلم في الفضائل.
٣٨ - باب مَوْتُ النَّجَاشِيِّ
(باب موت النجاشي) بفتح النون وحكى ابن دحية كسرها وهو لقب كل من ملك الحبشة ولقبه الآن الحطي بفتح الحاء وكسر الطاء الخفيفة المهملتين آخره تحتية خفيفة وسقط لفظ باب لأبي ذر.
٣٨٧٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرٍ ﵁: «قَالَ النَّبِيُّ ﷺ حِينَ مَاتَ النَّجَاشِيُّ: مَاتَ الْيَوْمَ رَجُلٌ صَالِحٌ، فَقُومُوا فَصَلُّوا عَلَى أَخِي كُمْ أَصْحَمَةَ».
وبه قال: (حدّثنا أبو الربيع) سليمان بن داود العتكي الزهراني المقري البصري قال: (حدّثنا ابن عيينة) سفيان (عن ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز (عن عطاء) هو ابن أبي رباح (عن جابر) هو ابن عبد الله الأنصاري (﵁) عن أبيه أنه قال: (قال النبي ﷺ حين مات النجاشي) سنة تسع أو ثمان قبل فتح مكة:
(مات اليوم رجل صالح فقوموا فصلوا) أي صلاة الغيبة (على أخيكم) في الإسلام (أصحمة) بهمزة وصاد وحاء مهملتين وميم مفتوحات آخره هاء تأنيث قيل: هو لقبه واسمه عطية.
٣٨٧٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ حَدَّثَنَا سَعِيدٌ حَدَّثَنَا قَتَادَةُ أَنَّ عَطَاءً حَدَّثَهُمْ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيِّ ﵄ "أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ صَلَّى عَلَى النَّجَاشِيِّ، فَصَفَّنَا وَرَاءَهُ، فَكُنْتُ فِي الصَّفِّ الثَّانِي أَوِ الثَّالِثِ".
وبه قال: (حدّثنا عبد الأعلى بن حماد) الباهلي مولاهم البصري النرسي بفتح النون وسكون الراء وبالسين المهملة قال: (حدّثنا يزيد بن زريع) بتقديم الزاي على الراء مصغرًا أبو معاوية البصري قال: (حدّثنا سعيد) بكسر العين ابن أبي عروبة قال: (حدّثنا قتادة) بن دعامة السدوسي
стр. 4478
(أن عطاء حدثهم عن جابر بن عبد الله الأنصاري ﵄) (أن نبي الله ﷺ صلّى على النجاشي) بتشديد التحتية وتخفيفها ولأبي ذر عن الكشميهني صلّى على أصحمة النجاشي (فصفنا) بتشديد الفاء (وراءه فكنت في الصف الثاني أو الثالث).
ومطابقته للترجمة من جهة صلاته عليه بعد إعلامه بموته.
٣٨٧٩ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ عَنْ سَلِيمِ بْنِ حَيَّانَ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مِينَاءَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى عَلَى أَصْحَمَةَ النَّجَاشِيِّ فَكَبَّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعًا".
تَابَعَهُ عَبْدُ الصَّمَدِ.
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد (عبد الله بن أبي شيبة) قال: (حدّثنا يزيد بن هارون) بن زاذان السلمي مولاهم أبو خالد الواسطي، وسقط ابن هارون لغير أبي ذر (عن سليم بن حيان) بفتح السين مصححًا عليها في الفرع أصله وكسر اللام وحيان بفتح الحاء المهملة والتحتية المشددة الهذلي البصري قال: (حدّثنا سعيد بن ميناء) بكسر الميم ممدودًا (عن جابر بن عبد الله) الأنصاري (﵄) (أن النبي ﷺ صلّى على أصحمة النجاشي) صلاة الغيبة (فكبّر عليه أربعًا) واستنبط منه الصلاة على الغائب لكنها لا تسقط الفرض. (تابعه) أي تابع يزيد بن هارون (عبد الصمد) بن عبد الوارث في روايته إياه عن سليم بن حيان.
٣٨٨٠ - حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِحٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَابْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ أَخْبَرَهُمَا «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَعَى لَهُمُ النَّجَاشِيَّ صَاحِبَ الْحَبَشَةِ فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، وَقَالَ: اسْتَغْفِرُوا لأَخِيكُمْ».
وبه قال: (حدّثنا زهير بن حرب) بضم الزاي مصغرًا أبو خيثمة الحافظ قال: (حدّثنا يعقوب بن إبراهيم) قال: (حدّثنا أبي) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري (عن صالح) هو ابن كيسان (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري أنه (قال: حدّثني) بالإفراد (أبو سلمة بن عبد الرحمن) بن عوف (وابن المسيب) سعيد (أن أبا هريرة ﵁ أخبرهما أن رسول الله ﷺ نعى لهم النجاشي صاحب الحبشة) أي أخبر أصحابه بموته (في اليوم الذي مات فيه) وهو علم من أعلام نبوّته ﷺ (وقال) لهم:
(استغفروا لأخيكم) في الإسلام النجاشي.
٣٨٨١ - وَعَنْ صَالِحٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ أَخْبَرَهُمْ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَفَّ بِهِمْ فِي الْمُصَلَّى فَصَلَّى عَلَيْهِ وَكَبَّرَ أَرْبَعًا".
стр. 4479
(وعن صالح) أي ابن كيسان بالسند السابق (عن ابن شهاب) الزهري أنه (قال: حدّثني) بالإفراد (سعيد بن المسيب) وسقط لأبي ذر ابن المسيب وثبت له عن الكشميهني حدّثني بالإفراد أبو سلمة بن عبد الرحمن وسعيد (إن أبا هريرة ﵁ أخبرهم أن رسول الله ﷺ صف بهم في المصلى) خارج المدينة (فصلى عليه) على النجاشي (وكبر أربعًا) ولأبي ذر وكبر عليه أربعًا وهذا النجاشي هو الذي هاجر إليه المسلمون، وكتب له ﷺ كتابًا يدعوه فيه إلى الإسلام مع عمرو بن أمية سنة ست من الهجرة وأسلم على يد جعفر بن أبي طالب، وأما النجاشي الذي ولي بعده الحبشة فكان كافرًا لم يعرف له إسلام ولا اسم.
٣٩ - باب تَقَاسُمُ الْمُشْرِكِينَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ -
(باب تقاسم المشركين) أي تحالفهم (على النبي ﷺ ¬) وسقط لفظ باب لأبي ذر.
٣٨٨٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ أَرَادَ حُنَيْنًا: مَنْزِلُنَا غَدًا -إِنْ شَاءَ اللَّهُ- بِخَيْفِ بَنِي كِنَانَةَ حَيْثُ تَقَاسَمُوا عَلَى الْكُفْرِ».
وبه قال: (حدّثنا عبد العزيز بن عبد الله) الأويسي (قال: حدّثني) بالإفراد (إبراهيم بن سعد) بسكون العين القرشي (عن ابن شهاب) الزهري (عن أبي سلمة بن عبد الرحمن) بن عوف (عن أبي هريرة ﵁) أنه (قال: قال رسول الله ﷺ حين أراد حنينًا) أي غزوتها:
(منزلنا غدًا إن شاء الله) اعتراض بين المبتدأ وهو قوله منزلنا وخبره وهو قوله: (بخيف بني كنانة) بفتح الخاء المعجمة ما انحدر من غلظ الجبل وارتفع عن مسيل الماء وهو المحصب (حيث تقاسموا) تحالفوا (على الكفر). زاد في الحج من طريق الأوزاعي عن الزهري، وذلك أن قريشًا وكنانة تحالفت على بني هاشم وبني عبد المطلب أو بني المطلب أن لا يناكحوهم ولا يبايعوهم حتى يسلموا إليهم النبي ﷺ .
وفي السيرة: وكتبوا بذلك كتابًا بخط بغيض بن عامر بن هاشم وعلقوه في جوف الكعبة وتمادوا على العمل بما فيه من ذلك ثلاث سنين، فاشتد البلاء على بني هاشم في شعبهم وعلى كل من معهم، فلما كان رأس ثلاث سنين تلاوم قوم من قصي ممن ولدتهم بنو هاشم ومن سواهم فأجمعوا أمرهم على نقض ما تعاهدوا عليه من الغدر والبراءة، وبعث الله على صحيفتهم الأرضة فأكلت ولحست ما فيها من ميثاق وعهد وبقي ما كان فيها من ذكر الله ، وأطلع الله تعالى نبيه على ذلك فأخبر عمه أبا طالب بذلك فقال: أريك أخبرك بذلك؟ قال: نعم. فقال أبو طالب: لا والثواقب ما كذبتني، ثم خرج أبو طالب فقال: يا معشر قريش إن ابن أخي أخبرني أن الله قد سلّط على صحيفتكم الأرضة فإن كان كما يقول: فوالله لا نسلمه حتى نموت من عند آخرنا، وإن كان الذي يقول باطلاً دفعنا إليكم صاحبنا قتلتم أو استحييتم فقالوا: قد
стр. 4480
رضينا بالذي تقول، ففتحوا الصحيفة فوجدوها كما أخبر فقالوا: هذا سحر ابن أخيك وزادهم ذلك بغيًا وعدوانًا.
ويأتي إن شاء الله تعالى ما في حديث الباب من المباحث في الفتح بعون الله وقوته.
٤٠ - باب قِصَّةُ أَبِي طَالِبٍ
(باب قصة أبي طالب) عبد مناف عم النبي ﷺ شقيق عبد الله وكافله بعد موت عبد المطلب، وتوفي أبو طالب بعد خروجهم من الشعب سنة عشر من المبعث وسقط لفظ باب لأبي ذر.
٣٨٨٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ سُفْيَانَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ﵁: «قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : مَا أَغْنَيْتَ عَنْ عَمِّكَ، فَإِنَّهُ كَانَ يَحُوطُكَ وَيَغْضَبُ لَكَ، قَالَ: هُوَ فِي ضَحْضَاحٍ مِنْ نَارٍ، وَلَوْلَا أَنَا لَكَانَ فِي الدَّرَكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ».
[الحديث ٣٨٨٣ - طرفاه في: ٦٢٠٨، ٦٥٧٢].
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا يحيى) بن سعيد القطان (عن سفيان) الثوري أنه قال: (حدّثنا عبد الملك بن عمير) بضم العين مصغرًا قال: (حدّثنا عبد الله بن الحرث) بن نوفل بن الحرث بن عبد المطلب قال: (حدّثنا العباس بن عبد المطلب ﵁) أنه (قال للنبي ﷺ ما أغنيت عن عمك) أبي طالب أي أيّ شيء دفعته عنه (فوالله) كذا في الفرع وغيره، والذي في اليونينية والناصرية (فإنه كان يحوطك) يصونك ويحفظك ويذب عنك (ويغضب لك قال) ﵊:
(هو في ضحضاح) بفتح الضادين المعجمتين وحاءين مهملتين أولاهما ساكنة يبلغ كعبه (من نار) وأصله مارق من الماء على وجه الأرض إلى نحو الكعبين فاستعير للنار (ولولا أنا) شفعت فيه (لكان في الدرك الأسفل من النار) أي أقصى قعرها. وقال ابن مسعود ﵁: الدرك الأسفل توابيت من حديد مقفلة في النار. وقال أبو هريرة ﵁: بيت يقفل عليهم تتوقد فيه النار من فوقهم ومن تحتهم.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الأدب ومسلم في الإيمان.
٣٨٨٤ - حَدَّثَنَا مَحْمُودٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ أَبَا طَالِبٍ لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ دَخَلَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ -وَعِنْدَهُ أَبُو جَهْلٍ- فَقَالَ: أَيْ عَمِّ، قُلْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ. فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ: يَا أَبَا طَالِبٍ، تَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؟ فَلَمْ يَزَالَا يُكَلِّمَانِهِ حَتَّى قَالَ آخِرَ شَىْءٍ كَلَّمَهُمْ بِهِ: عَلَى مِلَّةِ
стр. 4481
عَبْدِ الْمُطَّلِبِ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ، مَا لَمْ أُنْهَ عَنْهُ، فَنَزَلَتْ ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة: ١١٣]، وَنَزَلَتْ: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦]».
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدّثني بالإفراد (محمود) هو ابن غيلان العدوي مولاهم المروزي قال: (حدّثنا عبد الرزاق) بن همام نافع الحميري مولاهم أبو بكر الصنعاني (قال: أخبرنا معمر) هو ابن راشد الأزدي الأسدي مولاهم البصري (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (عن ابن المسيب) سعيد (عن أبيه) المسيب بن حزن بفتح المهملة وسكون الزاي ابن أبي وهب المخزومي له ولأبيه صحبة (أن أبا طالب لما حضرته الوفاة) قبل أن يدخل في الغرغرة (دخل عليه النبي ﷺ وعنده أبو جهل) عمرو بن هشام بن المغيرة عدوّ الله فرعون هذه الأمة (فقال) ﵊ له:
(أي عم قل لا إله إلا الله كلمة) نصب بدلاً من مقول القول وهو لا إله إلا الله (أحاج) بضم الهمزة بعدها حاء مهملة وبعد الألف جيم مشددة وفي الجنائز أشهد (لك بها عند الله) (فقال: أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية) بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم وقد أسلم عبد الله هذا يوم الفتح واستشهد في غزوة حنين (يا أبا طالب ترغب) ولأبي ذر أترغب بهمزة الاستفهام (عن ملة عبد المطلب فلم يزالا يكلمانه حتى قال آخر شيء كلمهم به): أنا (على ملة عبد المطلب فقال) له (النبي ﷺ ¬): (لأستغفرن لك) كما استغفر إبراهيم لأبيه، ولأبي ذر عن الكشميهني: لأستغفرن له بالهاء بدل الكاف (ما لم أنه) بضم الهمزة وسكون النون مبنيًا للمفعول (عنه) أي ما لم ينهني الله عن الاستغفار له (فنزلت ﴿ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى﴾) [التوبة: ١١٣] أي ما صح الاستغفار في حكم الله وحكمته (﴿من بعدما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم﴾) [التوبة: ١١٣] من بعد ما ظهر لهم أنهم ماتوا على الشرك فهو كالعلة للمنع من الاستغفار لهم وسقط لأبي ذر من قوله: ﴿ولو كانوا أولي قربى﴾ الخ وقال: قوله: ﴿للمشركين﴾ إلى ﴿أصحاب الجحيم﴾ (ونزلت): في أبي طالب وفي نسخة ونزل: (﴿إنك لا تهدي من أحببت﴾) [القصص: ٥٦] أي أحببت هدايته أو أحببته لقرابته أي ليس ذلك إليك إنما عليك البلاغ والله يهدي من يشاء وله الحكمة المبالغة والحجة الدامغة، وقد كان أبو طالب يحوطه ﵊ وينصره ويحبه حبًّا طبيعيًا لا شرعيًّا فسبق القدر فيه واستمر على كفره ولله الحجة السامية، ولا ننافي بين هذه الآية وبين قوله: ﴿وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم﴾ [الشورى: ٥٢] لأن الذي أثبته وأضافه إليه الدعوة والذي نفى عنه هداية التوفيق وشرح الصدر، ويأتي مزيد لما ذكر هنا في تفسير سورة براءة بعون الله.
٣٨٨٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ حَدَّثَني ابْنُ الْهَادِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَبَّابٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁: «أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ -وَذُكِرَ عِنْدَهُ عَمُّهُ- فَقَالَ: لَعَلَّهُ تَنْفَعُهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُجْعَلُ فِي ضَحْضَاحٍ مِنَ النَّارِ، يَبْلُغُ كَعْبَيْهِ، يَغْلِي مِنْهُ دِمَاغُهُ».
стр. 4482
[الحديث ٣٨٨٥ - طرفه في: ٦٥٦٤].
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (حدّثنا) بالجمع ولأبي ذر حدّثني (الليث) بن سعد قال: (حدّثنا) بالجمع ولأبي ذر حدّثني (ابن الهاد) هو يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد الليثي (عن عبد الله بن خباب) بفتح المعجمة والموحدة المشددة الأولى الأنصاري التابعي (عن أبي سعيد) سعد بن مالك بن سنان (الخدري) بالدال المهملة ﵁ (أنه سمع النبي ﷺ وذكر) بضم الذال المعجمة وكسر الكاف (عنده عمه) أبو طالب (فقال):
(لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة فيجعل في ضحضاح من النار) بضادين معجمتين مفتوحتين بينهما حاء مهملة وهو ما رق من الماء على وجه الأرض إلى نحو الكعبين ثم استعير للنار (يبلغ كعبيه يغلي منه دماغه) بفتح التحتية وسكون الغين المعجمة وكسر اللام.
وبه قال: (حدّثنا إبراهيم بن حمزة) بالحاء المهملة والزاي الزبيري الأسدي المدني قال: (حدّثنا ابن أبي حازم) سلمة بن دينار (والدراوردي) بفتح الدال المهملة الأولى والراء وبعد الألف واو مفتوحة وسكون الراء بعدها دال مهملة فتحتية عبد العزيز بن محمد (عن يزيد) بن الهاد (بهذا) الحديث المذكور (وقال): (تغلي منه أم دماغه) أي أصله، وفي رواية يونس عن ابن إسحاق فقال: يغلي منها دماغه حتى يسيل على قدميه. قال السهيلي: من باب النظر في حكمة الله ومشاكلة الجزاء للعمل أن أبا طالب كان معه ﷺ بجملته متحزبًا له إلا أنه كان مثبتًا لقدمه على ملة عبد المطلب حتى قال عند الموت: أنا على ملة عبد المطلب فسلط العذاب على قدميه خاصة لتثبيته إياهما على ملة آبائه.
٤١ - باب حَدِيثِ الإِسْرَاءِ، وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى﴾ [الإسراء: ١]
(باب حديث الإسراء) سقط التبويب لأبي ذر (وقول الله تعالى: ﴿سبحان﴾) تنزيه لله تعالى عن السوء وهو علم للتسبيح كعثمان للرجل. قال الراغب: السبح المرّ السريع في الماء أو في الهواء. يقال: سبح سبحًا وسباحة وأستعير لمرّ النجوم في الفلك كقوله تعالى: ﴿كل في فلك يسبحون﴾ [الأنبياء: ٣٣] ولجري الفرس: ﴿والسابحات سبحًا﴾ [النازعات: ٣] ولسرعة الذهاب في العمل ﴿إن لك في النهار سبحًا طويلاً﴾ [المزمل: ٧] والتسبيح أصله التنزيه للباري جل وعلا، والمرّ السريع في عبادته ، وجعل ذلك في فعل الخير كما جعل الإبعاد في الشر، وقيل أبعده الله ثم جعل التسبيح عامًا في العبادات قولاً كانت أو فعلاً أو نيّة قال تعالى: ﴿فلولا أنه كان من المسبحين﴾ [الصافات: ١٤٣] وقال : ﴿ونحن نسبح بحمدك﴾ [البقرة: ٣٠] وسبحان أصله مصدر كغفران. قال أبو البقاء: سبحان اسم واقع موقع المصدر، وقد اشتق منه سبحت والتسبيح ولا يكاد يستعمل إلا مضافًا لأن الإضافة تبين من المعظم، فإذا أفرد عن الإضافة
стр. 4483
كان اسمًا علمًا للتسبيح لا ينصرف للتعريف والألف والنون في آخره مثل عثمان. وقال ابن الحاجب: والدليل على أن سبحان علم التسبيح قول الشاعر:
قد قلت لما جاءني فخره … سبحان من علقمة الفاخر
ولولا أنه علم لوجب صرفه لأن الألف والنون في غير الصفات إنما تمنع مع العلمية ولا يستعمل علمًا إلا شاذًا وأكثر استعماله مضافًا وليس بعلم لأن الأعلام لا تضاف (﴿الذي أسرى بعبده﴾) [الإسراء: ١] سيدنا محمد ﷺ وأسرى وسرى واحد، لكن قال السهيلي: تسامح اللغويون في سرى وأسرى وجعلوهما بمعنى واحد، واتفقت الرواة على تسمية الإسراء به ﵇ إسراء ولم يسمه أحد منهم سرى، فدلّ على أنهم لم يحققوا فيه العبارة ولذلك لم يختلف في تلاوة أسرى دون سرى. وقال: ﴿والليل إذا يسر﴾ [الفجر: ٤] فدلّ على أن السرى من سريت إذا سرت ليلاً وهي مؤنثة تقول طالت سراك الليلة والإسراء متعد في المعنى لكن حذف مفعوله كثيرًا حتى ظن أنهما بمعنى لما رأوهما غير متعديين في اللفظ إلى مفعول، وإنما أسرى بعبده أي جعل البراق يسري به وحذف المفعول للدلالة عليه إذ المقصود بالخبر ذكره لما ذكر الدابة التي سرت به اهـ.
(﴿ليلاً﴾) [الإسراء: ١] نصب على الظرفية وقيده بالليل والإسراء لا يكون إلا بالليل للتأكيد أو ليدل بلفظ التنكير على تقليل مدة الإسراء أو أنه أسرى به في بعض الليل من مكة إلى الشام مدة أربعين ليلة (﴿من المسجد الحرام﴾) [الإسراء: ١] روي أنه من بيت أم هانئ، فالمراد بالمسجد الحرام المحرم كله لإحاطته بالمسجد والتباسه به، وكان الإسراء به يقظة إذ لا فضيلة للحالم ولا مزية للنائم (﴿إلى المسجد الأقصى﴾) [الإسراء: ١] هو بيت المقدس لأنه لم يكن حينئذٍ وراءه مسجد وهو معدن الأنبياء من لدن الخليل، ولذا جمعوا له هنالك كلهم فأمهم في محلتهم ودارهم ليدل ذلك على أنه الرئيس المقدم، والإمام الأعظم ﷺ وشرف وكرم وسقط قوله من المسجد الحرام إلخ لأبي ذر.
٣٨٨٦ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: «سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: لَمَّا كَذَّبَنِي قُرَيْشٌ قُمْتُ فِي الْحِجْرِ فَجَلى اللَّهُ لِي بَيْتَ الْمَقْدِسِ، فَطَفِقْتُ أُخْبِرُهُمْ عَنْ آيَاتِهِ، وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ».
[الحديث ٣٨٨٦ - طرفه في: ٤٧١٠].
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) هو يحيى بن عبد الله بن بكير المخزومي مولاهم المصري قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (عن عقيل) بضم العين وفتح القاف ابن خالد الأيلي (عن ابن شهاب) الزهري أنه قال: (حدّثني) بالإفراد (أبو سلمة بن عبد الرحمن) بن عوف قال: (سمعت جابر بن عبد الله) الأنصاري (﵄ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول):
(لما كذبني) بتشديد الذال المعجمة، ولأبي ذر عن الكشميهني: كذبتني بتاء التأنيث. بعد الموحدة (قريش) أي إذ أخبرهم أنه جاء بيت المقدس في ليلة واحدة رجع (قمت في الحجر) بكسر
стр. 4484
الحاء المهملة وسكون الجيم (فجلا الله) بالجيم وتخفيف اللام، ولأبي ذر عن الكشميهني: فجلى الله بتشديدها كشف (لي بيت المقدس) بأن أزال الحجاب بيني وبينه (فطلّقت) بكسر الفاء وسكون القاف (أخبرهم عن آياته) علاماته (وأنا أنظر إليه).
وفي حديث ابن عباس ﵄: "فجيء بالمسجد وأنا أنظر إليه حتى وضع عند دار عقيل فنعته وأنا أنظر إليه" رواه البزار.
وفي الدلائل للبيهقي من طريق صالح بن كيسان عن الزهري عن أبي سلمة قال: افتتن ناس يعني عقب الإسراء فجاء ناس إلى أبي بكر ﵁ فذكروا له فقال: أشهد أنه صادق.
فقالوا: أوتصدقه أنه أتى الشام في ليلة واحدة ثم رجع إلى مكة؟ قال: نعم أصدقه بأبعد من ذلك أصدقه بخبر السماء قال: فسمي بذلك الصديق.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في التفسير، ومسلم في الإيمان، والترمذي والنسائي في التفسير.
٤٢ - باب الْمِعْرَاجِ
(باب المعراج) بكسر الميم. قال في النهاية: مفعال من العروج وهو الصعود كأنه آلة له.
وقال في الصحاح: عرج في الدرجة والسلم يعرج عروجًا أي ارتقى والمعراج السلم ومنه ليلة المعراج والجمع معارج ومعاريج مثل مفاتح ومفاتيح. قال الأخفش: إن شئت جعلت الواحد معرج ومعرج مثل مرقاة ومرقاة والمعارج والمصاعد اهـ.
وسميت بليلة المعراج لصعود النبي ﷺ فيها. وظاهر صنيع البخاري هنا أن ليلة الإسراء كانت غير ليلة المعراج حيث أفرد كل واحدة منهما بترجمة، لكن قوله في أول الصلاة باب كيف فرضت الصلاة ليلة الإسراء يدل على اتحادهما فإن الصلاة إنما فرضت في المعراج، وإنما أفرد كلاً منهما بترجمة لأن كلاًّ منهما يشتمل على قصة منفردة وإن كانا وقعا معًا، والجمهور على أن وقوعهما معًا، في ليلة واحدة في اليقظة. بجسده المكرّم ﷺ ، وقيل وقع ذلك مرتين مرة في المنام توطئة وتمهيدًا ومرة في اليقظة. وذهب الأكثرون إلى أنه كان في ربيع الأول قبل الهجرة بسنة وقيل كان في رجب، وعن الزهري أنه كان بعد المبعث بخمس سنين، ورجحه القرطبي والنووي. وعند ابن أبي شيبة من حديث جابر وابن عباس ﵄ قالا: ولد رسول الله ﷺ يوم الاثنين وفيه بعث وفيه عرج به إلى السماء وفيه مات.
٣٨٨٧ - حَدَّثَنَا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ حَدَّثَنَا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ ﵁: «أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ حَدَّثَهُمْ عَنْ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ قَالَ: بَيْنَمَا أَنَا فِي الْحَطِيمِ -وَرُبَّمَا قَالَ فِي الْحِجْرِ- مُضْطَجِعًا، إِذْ أَتَانِي آتٍ فَقَدَّ - قَالَ: وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: فَشَقَّ -مَا
стр. 4485
بَيْنَ هَذِهِ إِلَى هَذِهِ. فَقُلْتُ لِلْجَارُودِ وَهْوَ إِلَى جَنْبِي: مَا يَعْنِي بِهِ؟ قَالَ: مِنْ ثُغْرَةِ نَحْرِهِ إِلَى شِعْرَتِهِ -وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ مِنْ قَصِّهِ إِلَى شِعْرَتِهِ- فَاسْتَخْرَجَ قَلْبِي، ثُمَّ أُتِيتُ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مَمْلُوءَةٍ إِيمَانًا، فَغُسِلَ قَلْبِي، ثُمَّ حُشِيَ، ثُمَّ أُعِيدَ، ثُمَّ أُتِيتُ بِدَابَّةٍ دُونَ الْبَغْلِ وَفَوْقَ الْحِمَارِ أَبْيَضَ. -فَقَالَ لَهُ الْجَارُودُ: هُوَ الْبُرَاقُ يَا أَبَا حَمْزَةَ؟ قَالَ أَنَسٌ: نَعَمْ- يَضَعُ خَطْوَهُ عِنْدَ أَقْصَى طَرْفِهِ، فَحُمِلْتُ عَلَيْهِ، فَانْطَلَقَ بِي جِبْرِيلُ حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ الدُّنْيَا فَاسْتَفْتَحَ، فَقِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ، فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ. فَفَتَحَ. فَلَمَّا خَلَصْتُ فَإِذَا فِيهَا آدَمُ، فَقَالَ: هَذَا أَبُوكَ آدَمُ، فَسَلِّمْ عَلَيْهِ. فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَرَدَّ السَّلَامَ ثُمَّ قَالَ: مَرْحَبًا بِالاِبْنِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ. ثُمَّ صَعِدَ بي حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ الثَّانِيَةَ فَاسْتَفْتَحَ. فَقِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ، فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ. فَفَتَحَ، فَلَمَّا خَلَصْتُ إِذَا يَحْيَى وَعِيسَى وَهُمَا ابْنَا خَالَةِ. قَالَ: هَذَا يَحْيَى وَعِيسَى فَسَلِّمْ عَلَيْهِمَا، فَسَلَّمْتُ، فَرَدَّا، ثُمَّ قَالَا: مَرْحَبًا بِالأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ. ثُمَّ صَعِدَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ فَاسْتَفْتَحَ، فَقِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ، فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ. فَفُتِحَ، فَلَمَّا خَلَصْتُ إِذَا يُوسُفُ. قَالَ: هَذَا يُوسُفُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَرَدَّ ثُمَّ قَالَ: مَرْحَبًا بِالأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ. ثُمَّ صَعِدَ بِي حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ الرَّابِعَةَ فَاسْتَفْتَحَ، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: أوَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ. فَفُتِحَ، فَلَمَّا خَلَصْتُ إِلَى إِدْرِيسَ، قَالَ: هَذَا إِدْرِيسُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَرَدَّ ثُمَّ قَالَ: مَرْحَبًا بِالأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ. ثُمَّ صَعِدَ بِي حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ الْخَامِسَةَ فَاسْتَفْتَحَ، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ ﷺ . قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ. فَلَمَّا خَلَصْتُ فَإِذَا هَارُونُ. قَالَ: هَذَا هَارُونُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ. فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَرَدَّ ثُمَّ قَالَ: مَرْحَبًا بِالأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ. ثُمَّ صَعِدَ بِي حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ السَّادِسَةَ فَاسْتَفْتَحَ، فَقِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: مَرْحَبًا بِهِ، فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ. فَلَمَّا خَلَصْتُ فَإِذَا مُوسَى قَالَ: هَذَا مُوسَى فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَرَدَّ ثُمَّ قَالَ: مَرْحَبًا بِالأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ. فَلَمَّا تَجَاوَزْتُ بَكَى، قِيلَ لَهُ: مَا يُبْكِيكَ؟ قَالَ: أَبْكِي لأَنَّ غُلَامًا بُعِثَ بَعْدِي يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِهِ أَكْثَرُ ممَنْ يَدْخُلُهَا مِنْ أُمَّتِي. ثُمَّ صَعِدَ بِي إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: مَرْحَبًا بِهِ، ونِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ. فَلَمَّا خَلَصْتُ فَإِذَا إِبْرَاهِيمُ، قَالَ: هَذَا أَبُوكَ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ. قَالَ:
следующие страницы →