← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21716

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط العلمية

القسطلاني

Полный текст (8 298 стр.). Показаны 5286–5325 · переход к 5291.

стр. 5286

يَقْدِرُ، وَقَالَ غَيْرُهُ: سَخَّرَ: ذَلَّلَ، ﴿مُتَجَاوِرَاتٌ﴾: مُتَدَانِيَاتٌ ﴿الْمَثُلَاتُ﴾: وَاحِدُهَا مَثُلَةٌ، وَهْيَ الأَشْبَاهُ وَالأَمْثَالُ. وَقَالَ: ﴿إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا﴾ [يونس: ١٠٢] بِمِقْدَارٍ: بِقَدَرٍ ﴿مُعَقِّبَاتٌ﴾: مَلَائِكَةٌ حَفَظَةٌ تُعَقِّبُ الأُولَى مِنْهَا الأُخْرَى وَمِنْهُ قِيلَ الْعَقِيبُ يُقَالُ: عَقَّبْتُ فِي إِثْرِهِ. ﴿الْمِحَالُ﴾: الْعُقُوبَةُ. ﴿كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ﴾: لِيَقْبِضَ عَلَى الْمَاءِ. ﴿رَابِيًا﴾: مِنْ رَبَا يَرْبُو. ﴿أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ﴾: مِثْلُهُ الْمَتَاعُ، مَا تَمَتَّعْتَ بِهِ. ﴿جُفَاءً﴾: أَجْفَأَتِ الْقِدْرُ: إِذَا غَلَتْ فَعَلَاهَا الزَّبَدُ ثُمَّ تَسْكُنُ فَيَذْهَبُ الزَّبَدُ بِلَا مَنْفَعَةٍ فَكَذَلِكَ يُمَيِّزُ الْحَقَّ مِنَ الْبَاطِلِ. ﴿الْمِهَادُ﴾: الْفِرَاشُ. ﴿يَدْرَءُونَ﴾: يَدْفَعُونَ دَرَأْتُهُ دَفَعْتُهُ. ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾: أَيْ يَقُولُونَ: سَلَامٌ عَلَيْكُمْ. ﴿وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾: تَوْبَتِى. ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسْ﴾: لَمْ يَتَبَيَّنْ. ﴿قَارِعَةٌ﴾: دَاهِيَةٌ. ﴿فَأَمْلَيْتُ﴾: أَطَلْتُ مِنَ الْمَلِيِّ وَالْمُلَاوَةُ وَمِنْهُ. ﴿مَلِيًّا﴾: وَيُقَالُ لِلْوَاسِعِ الطَّوِيلِ مِنَ الأَرْضِ مَلًى مِنَ الأَرْضِ. ﴿أَشَقُّ﴾: أَشَدُّ مِنَ الْمَشَقَّةِ. ﴿مُعَقِّبَ﴾: مُغَيِّرٌ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿مُتَجَاوِرَاتٌ﴾: طَيِّبُهَا وَخَبِيثُهَا السِّبَاخُ. ﴿صِنْوَانٌ﴾: النَّخْلَتَانِ، أَوْ أَكْثَرُ فِي أَصْلٍ وَاحِدٍ. ﴿وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾: وَحْدَهَا. ﴿بِمَاءٍ وَاحِدٍ﴾: كَصَالِحِ بَنِي آدَمَ وَخَبِيثِهِمْ أَبُوهُمْ وَاحِدٌ. ﴿السَّحَابُ الثِّقَالُ﴾: الَّذِي فِيهِ الْمَاءُ. ﴿كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ﴾: يَدْعُو الْمَاءَ بِلِسَانِهِ وَيُشِيرُ إِلَيْهِ فَلَا يَأْتِيهِ أَبَدًا. ﴿سَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾: تَمْلأُ بَطْنَ وَادٍ. ﴿زَبَدًا رَابِيًا﴾: زَبَدُ السَّيْلِ خَبَثُ الْحَدِيدِ وَالْحِلْيَةِ. ([١٣] سورة الرعد) مكية في قول ابن عباس ومجاهد وابن جبير مدنية في قول قتادة إلا ﴿ولا يزال الذين كفروا﴾ وعنه من أولها إلى ﴿ولو أن قرآنًا﴾ وهي خمس وأربعون آية. (بسم الله الرحمن الرحيم). (قال ابن عباس): سقطت البسملة لغير أبي ذر وزاد واوًا قبل قال ابن عباس: (﴿كباسط كفيه﴾) يريد قوله تعالى: ﴿له دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه﴾ [الرعد: ١٤] أي (مثل المشرك الذي عبد مع الله إلهًا غيره) ولأبي ذر إلهًا آخر غيره (كمثل العطشان الذي ينظر إلى خياله) ولأبي ذر: إلى ظل خياله (في الماء من بعيد وهو يريد أن يتناوله ولا يقدر) أي عليه وهذا وصله ابن أبي حاتم وابن جرير من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ويجوز أن يراد بالموصول في قوله والذين يدعون المشركون فالواو في يدعون عائده ومفعوله محذوف وهو الأصنام والواو في لا يستجيبون عائد على مفعول يدعون المحذوف وعاد عليه الضمير كالعقلاء لمعاملتهم إياه معاملتهم، والتقدير والمشركون الذين يدعون الأصنام لا تستجيب لهم الأصنام إلا استجابة كاستجابة الماء من بسط كفيه إليه يطلب منه أن يبلغ فاه والماء جماد لا يشعر ببسط كفيه ولا بعطشه ولا يقدر أن يجيبه ويبلغ فاه فوجه التشبيه عدم قدره المدعو على تحصيل مراده بل عدم العلم بحال الداعي أو شبهوه في عدم فائدة دعائهم بمن بلغه العطش حتى كربه الموت وكفاه في الماء قد وضعهما لا يبلغان فاه رواه

стр. 5287

الطبري من طريق العوفي عن ابن عباس أو كطالب الماء من البئر بلا دلو ولا رشاء يمدّ يده إليها ليرتفع الماء إليه. رواه الطبري أيضًا من طريق أبي أيوب عن علي. (وقال غيره) أي غير ابن عباس في قوله تعالى: (﴿سخر﴾) أي (ذلل) الشمس والقمر لما يقصد منهما كتذليل المركوب للراكب أو لنيل منافعهما، وسقط هذا لأبي ذر، وفي اليونينية سخر ذلك بكاف بعد اللام وهي مصلحة في الفرع لامًا هو الذي رأيته في النسخ المعتمدة كنسخة آل ملك. (﴿متجاورات﴾) ومراده قوله تعالى: ﴿وفي الأرض قطع متجاورات﴾ [الرعد: ٤] أي (متدانيات) في الأوضاع مختلفة باعتبار كونها طيبة وسبخة رخوة وصلبة صالحة للزرع والشجر أو لأحدهما وغير صالحة لشيء مع أن تأثير الشمس وسائر الكواكب فيها على السواء فلم يكن ذلك بسبب الاتصالات الفلكية والحركات الكوكبية وكذلك أشجارها وزروعها مختلفة جنسًا ونوعًا وطعمًا مع أنها تسقى بماء واحد فلا بد من مخصص يخصص كلاًّ منها بخاصية دون أخرى وما ذلك إلا إرادة الفاعل المختار وفي نسخة هنا وقال مجاهد متجاورات طيبها عذبها وخبيثها السباخ هذا وصله أبو بكر بن المنذر من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. (﴿المثلات﴾) في قوله: ﴿وقد خلت من قبلهم المثلات﴾ [الرعد: ٦] ولأبي ذر وقال غيره المثلات (واحدها مثلة) بفتح الميم وضم المثلثة كسمرة وسمرات (وهي الأشباه والأمثال) قال أبو عبيدة وعند الطبري من طريق معمر عن قتادة قال: المثلات العقوبات. وقال ابن عباس: العقوبات المستأصلات كمثلة قطع الأذن والأنف ونحوهما وسميت بذلك لما بين العقاب والمعاقب من المماثلة كقوله: ﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها﴾ [الشورى: ٤٠] (وقال) تعالى: (﴿إلا مثل أيام الذين خلوا﴾) [يونس: ١٠٢]. وقوله تعالى: ﴿وكل شيء عنده﴾ (﴿بمقدار﴾) [الرعد: ٨] أي (بقدر) لا يجاوزه ولا ينقص عنه والعندية يحتمل أن يكون المراد بها أنه تعالى خصص كل حادث بوقت معين وحالة معينة بمشيئته الأزلية وإرادته السردية وعند حكماء الإسلام أنه تعالى وضع أشياء كلية وأودع فيها قوى وخواص وحرّكها بحيث يلزم من حركاتها المقدرة بالمقادير المخصوصة أحوال جزئية متعينة ومناسبات مخصوصة متقدرة ويدخل في هذه الآية أفعال العباد وأحوالهم وخواطرهم وهي من أدل الدلائل على بطلان قول المعتزلة. وقوله: له (﴿معقبات﴾) ولأبي ذر يقال معقبات أي (ملائكة حفظة) يحفظونه في نومه ويقظته من الجن والإنس والهوام من بين يديه ومن خلفه ليلاً ونهارًا (تعقب) في حفظه (الأولى منها الأخرى) فإذا صعدت ملائكة النهار عقبتها ملائكة الليل وبالعكس. وأخرج الطبري من طريق كنانة العدوي أن عثمان سأل النبي ﷺ عن عدد الملائكة الموكلين بالآدمي فقال: لكل آدمي عشرة بالليل وعشرة بالنهار واحد عن يمينه وآخر عن شماله واثنان من بين يديه ومن خلفه واثنان على جبينه وآخر قابض على ناصيته فإن تواضع رفعه وإن تكبر وضعه واثنان على شفتيه ليس يحفظان عليه إلا الصلاة على محمد ﷺ والعاشر يحرسه من الحية أن تدخل فاه يعني إذا نام.

стр. 5288

(ومنه) أي ومن أصل المعقبات (قيل العقيب) للذي يأتي في أثر الشيء (يقال عقبت) ولأبي ذر قيل العقيب أي عقبت (في أثره) بتشديد القاف في الفرع كأصله وضبطه الدمياطي. قال الزمخشري: وأصل معقبات متعقبات فأدغمت التاء في القاف كقوله وجاء المعذرون أي المعتذرون ويجوز معقبات بكسر العين وتعقبه أبو حيان فقال هذا وهم فاحش فإن التاء لا تدعم في القاف ولا القاف في التاء لا من كلمة ولا من كلمتين وقد نص التصريفيون على أن القاف والكاف كل منهما يدغم في القاف ولا يدغمان في غيرها ولا يدغم غيرهما فيهما، وأما تشبيهه بقوله تعالى: ﴿وجاء المعذرون﴾ [التوبة: ٩٠] فلا يتعين أن يكون أصله المعتذرون، وأما قوله ويجوز معقبات بكسر العين فهذا لا يجوز لأنه بناه على أن أصله معتقبات فأدغمت التاء في القاف، وقد بينا أن ذلك وهم فاحش والضمير في له يعود على المكررة أي لمن أسر القول ولمن جهر به ولمن استخفى ولمن سرب جماعة من الملائكة يعقب بعضهم بعضًا أو يعود على من الأخيرة وهو قول ابن عباس. قال ابن عطية: فالمعقبات على هذا حرس الرجل الذين يحفظونه. قالوا: والآية على هذا في الرؤساء الكفار، واختاره الطبري في آخرين إلا أن الماوردي ذكر على هذا التأويل أن الكلام نفي والتقدير لا يحفظونه، وهذا ينبغي أن لا يسمع البتة كيف يبرز كلام موجب ويراد به نفي وحذف لا إنما يجوز إذا كان المنفي مضارعًا في جواب قسم نحو تالله تفتأ وقد تقدم تحريره وإنما معنى الكلام كما قال المهدوي يحفظونه من أمر الله في زعمه وظنه اهـ. ومن إما للسبب أي بسبب أمر الله أو على بابها. قال أبو البقاء: من أمر الله من الجن والإنس وذكر الفراء أنه على التقديم والتأخير أي له معقبات من أمر الله يحفظونه لكن قال في الدر: والأصل عدم ذلك مع الاستغناء عنه وأخرج الطبري من طريق سعيد بن جبير قال حفظهم إياه من أمر الله. (﴿المحال﴾) يريد قوله: ﴿وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال﴾ [الرعد: ١٣] هو (العقوبة) قاله أبو عبيدة. (وقوله تعالى: ﴿كباسط كفيه على الماء﴾ [الرعد: ١٤] ليقبض على الماء) فلا يحصل منه على شيء قال: فأصبحت مما كان بيني وبينها … من الودّ مثل القابض الماء باليد والمعنى أن الذي يبسط يده إلى الماء ليقبضه كما لا ينتفع به كذلك المشركون الذين يعبدون مع الله آلهة غيره لا ينتفعون بها أبدًا وقد مر قريبًا مزيد لهذا. وقوله تعالى: ﴿فاحتمل السيل زبدًا﴾ (﴿رابيًا﴾) [الرعد: ١٧] (من ربا يربو) أي إذا زاد وقال الزجاج: طافيًا فوق الماء والزبد وضر الغليان وخبثه أو ما يحمله السيل من غثاء ونحوه. (﴿أو متاع زبد﴾ مثله المتاع ما تمتعت به) كالأواني وآلات الحرث والحرب.

стр. 5289

(﴿جفاء﴾) قال أبو عمرو بن العلاء (أجفأت القدر) ولأبي ذر يقال أجفأت القدر (إذا غلت فعلاها الزبد ثم تسكن فيذهب الزبد بلا منفعة فكذلك يميز الحق من الباطل) وذلك أن هذا الكلام ضربه للحق وأهله الشامل للقرآن وغيره والباطل وحزبه فقوله: ﴿أنزل من السماء ماء﴾ مثل للقرآن والأودية مثل للقولب أي أنزل القرآن فاحتملت منه القلوب على قدر اليقين فالقلب الذي يأخذ منه ما ينتفع به فيحفظه ويتدبره تظهر عليه ثمرته ولا يخفى أن بين القلوب في ذلك تفاوتًا عظيمًا وقوله: ﴿وأما الزبد﴾ فهو مثل الباطل في قلة نفعه وسرعة زواله. (﴿المهاد﴾) في قوله: ﴿ومأواهم جهنم وبئس المهاد﴾ [الرعد: ١٨] هو (الفراش) وهذا ساقط لأبي ذر ثابت لغيره. (يدرؤون) في قوله: (﴿ويدرؤون﴾) [الرعد: ٢٢] أي (يدفعون) السيئة بمقابلتها بالحسنة وهذا وصف سيدنا رسول الله ﷺ في التوراة فيندرج تحته الدفع بالحسن من الكلام والوصل في مقابلة قطع الأرحام وغيرهما من أخلاق الكرام وتغيير منكرات أفعال اللئام (درأته عني) أي (دفعته) وسقط لغير أبي ذر عني. (﴿سلام عليكم﴾) يريد قوله تعالى: ﴿والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم﴾ [الرعد: ٢٣] (أي يقولون سلام عليكم) فأضمر القول ها هنا لأن في الكلام دليلاً عليه والقول المضمر حال من فاعل يدخلون أي يدخلون قائلين سلام عليكم بشارة بدوام السلامة. (﴿وإليه متاب﴾) [الرعد: ٣٥] أي (توبتي). ومرجعي فيثيبني على المشاق أو إليه أتوب عن سالف خطيئتي ولأبي ذر والمتاب إليه توبتي. وقوله: (﴿أفلم ييأس﴾) [الرعد: ٣١] أي (لم) ولأبي ذر فلم (يتبين) وبها قرأ عليّ وابن عباس وغيرهما وردّه الفرّاء بأنه لم يسمع يئست بمعنى علمت وأجيب: بأن من حفظ حجة على من لم يحفظ ويدل على ذلك قراءة عليّ وغيره كما مر وقد قال القاسم بن معن وهو من ثقات الكوفيين: هي لغة هوازن وقال ابن الكلبي: هي لغة حيّ من النخع ومنه قول رباح بن عدي: ألم ييأس الأقوام أني أنا ابنه … وإن كنت عن أرض العشيرة نائيا وقول سحيم الرياحي: أقول لهم بالشعب إذ يأسرونني … ألم تيأسوا أني ابن فارس زهدم والمعنى أفلم يعلم المؤمنون أنه لو تعلقت مشيئة الله تعالى على وجه الإلجاء بإيمان الناس جميعًا لآمنوا. (﴿قارعة﴾) أي (داهية) تقرعهم وتقلقلهم. (﴿فأمليت﴾) أي (أطلت) للذين كفروا المدة بتأخير العقوبة (من الملي) بفتح الميم وكسر اللام

стр. 5290

وتشديد التحتية قال في الصحاح الهويّ من الدهر يقال أقام مليًا من الدهر قال تعالى: ﴿واهجرني مليًا﴾ [مريم: ٤٦] أي طويلاً ومضى مليّ من النهار أي ساعة طويلة (والملاوة) بكسر الميم ولأبي ذر والملاوة بضمها يقال أقمت عنده ملاوة من الدهر أي حينًا وبرهة (ومنه ﴿مليًّا﴾) كما مر (ويقال للواسع الطويل من الأرض): وهو الصحراء (ملى) بفتح الميم مقصورًا كما في اليونينية وفرعها لأبي ذر وفي أصل اليونينية ملى كذا (من الأرض) وسقط لأبي ذر من الأرض الثاني. (﴿أشق﴾) أي (أشد من المشقّة) قاله أبو عبيدة. (﴿معقب﴾ مغير) يريد قوله: ﴿لا معقب لحكمه﴾ [الرعد: ٤١] أي لا مغير لإرادته ولا يعقبه أحد بالرد والإبطال. (وقال مجاهد) فيما وصله الفريابي في قوله تعالى: (﴿متجاورات﴾ طيبها وخبيثها السباخ) وهذا قد ثبت في نسخة قبل قوله المثلات كما مر. (﴿صنوان﴾) جمع صنو كقنوان جمع قنو (النخلتان أو أكثر في أصل واحد) وفي الحديث "عم الرجل صنو أبيه" أي يجمعهما أصل واحد (﴿وغير صنوان﴾) النخلة (وحدها ﴿بماء واحد﴾ كصالح بني آدم وخبيثهم) قال الحسن: هذا مثل ضربه الله لقلوب بني آدم فقلب يرق فيخشع ويخضع وقلب يسهو ويلهو والكل (أبوهم واحد). وقوله: (﴿السحاب الثقال﴾) يريد قوله تعالى: ﴿وينشئ السحاب الثقال﴾ [الرعد: ١٢] أي (الذي فيه الماء) قال: والسحاب اسم جنس والواحد سحابة والثقال جمع ثقيلة لأنك تقول سحابة ثقيلة وسحاب ثقال كما تقول امرأة كريمة ونساء كرام وقال عليّ: السحاب غربال الماء. وقوله تعالى: (﴿كباسط كفيه﴾) زاد أبو ذر إلى الماء أي (يدعو الماء بلسانه ويشير إليه بيده فلا يأتيه أبدًا) إذ لا إشعار له به وهذا وصله الفريابي والطبري من طرق عن مجاهد وهو مثل الذين يدعون آلهة غير الله وسبق هذا في موضعين من هذه السورة (﴿سالت﴾) ولأبي ذر: فسالت (﴿أودية بقدرها﴾ تملأ بطن واد) ولأبي ذر كل واد بحسبه فهذا كبير يسع كثيرًا من الماء وهذا صغير يسع بقدره (﴿زبدًا رابيًا﴾ زبد السيل): ولأبي ذر الزبد زبد السيل ولأبي ذر زبد مثله أي ومما توقدون عليه من الذهب والفضة والحديد وغيرهما زبد مثل زبد الماء هو (خبث الحديد والحلية) وقوله زبد مثله ثابت لأبي ذر وسبق ما في ذلك من البحث قريبًا. ١ - باب قَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ﴾ [الرعد: ٨] غِيضَ نُقِصَ (باب قوله ﴿الله يعلم ما تحمل كل أنثى﴾) أي الذي تحمله أو حملها فعلى الموصولية فالمعنى أنه تعالى يعلم ما تحمله من الولد أهو ذكر أم أنثى وتام أم ناقص وحسن أم قبيح وطويل أم قصير

стр. 5291

أو غير ذلك من الأحوال (﴿وما تغيض الأرحام﴾) [الرعد: ٨] (غيض) أي (نقص) بضم النون وكسر القاف سواء كان لازمًا أو متعديًا يقال غاض الماء وغضته أنا والمعنى وما تغيضه الأرحام وما تزداد أي تأخذه زائدًا، والمعنى يعلم ما تنقصه وما تزداده في الجثة والمدة والعدد فإن الرحم قد تشتمل على واحد وعلى اثنين وعلى ثلاثة وأربعة يروى أن شريكًا كان رابع أربعة في بطن أمه، وعن الشافعي أن شيخًا باليمن أخبره أن امرأة ولدت بطونًا في كل بطن خمسة. وعن العوفي عن ابن عباس مما ذكره ابن كثير (وما تغيض الأرحام) يعني السقط وما تزداد يقول وما زاد الرحم في الحمل على ما غاضت حتى ولدته تمامًا، وذلك أن من النساء من تحمل عشرة أشهر ومن تحمل تسعة أشهر ومنهن من تزيد في الحمل ومنهن من تنقص، وأقصى مدة الحمل أربع سنين عندنا وخمس عند مالك وسنتان عند أبي حنيفة. وقال الضحاك: وضعتني أن في بطنها سنتين وولدتني وقد نبتت ثنيتي انتهى. وأقول في سنة ثمان وثمانين وثمانمائة غرة يوم السبت مستهل جمادى الأولى ولدت ابنتي زينب وفقها الله تعالى لكل خير وأحسن عواقبها وجعل لها الذرية الصالحة لتسعة أشهر من ابتداء حملها وقد نبتت ثنيتها ثم سقطت بعد نحو سبعة أشهر. وقال مكحول: الجنين في بطن أمه لا يطلب ولا يحزن ولا يغتم وإنما يأتيه رزقه في بطن أمه من دم حيضها فمن ثم لا تحيض الحامل، فإذا وقع إلى الأرض استهل واستهلاله استنكار لمكانه فإذا قطعت سرته حوّل الله رزقه إلى ثدي أمه حتى لا يطلب ولا يحزن ولا يغتم ثم يصير طفلاً يتناول الشيء بكفّه فيأكل فإذا بلغ قال هو الموت أو القتل أنى لي بالرزق؟ يقول مكحول: يا ويحك غذاك وأنت في بطن أمك وأنت طفل صغير حتى إذا اشتددت وعقلت قلت هو الموت أو القتل أنى لي بالرزق؟ ثم قرأ مكحول ﴿يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد﴾ [الرعد: ٨] انتهى. والإسناد إلى الرحم لا يخفى أنه مجازي إذ الفاعل حقيقة هو الله تعالى وكل كائن بقدر معين عند الله تعالى لا يجاوز ولا ينقص عنه. ٤٦٩٧ - حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا مَعْنٌ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَفَاتِيحُ الْغَيْبِ خَمْسٌ، لَا يَعْلَمُهَا إِلاَّ اللَّهُ لَا يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ إِلاَّ اللَّهُ، وَلَا يَعْلَمُ مَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ إِلاَّ اللَّهُ، وَلَا يَعْلَمُ مَتَى يَأْتِي الْمَطَرُ أَحَدٌ إِلاَّ اللَّهُ، وَلَا تَدْرِى نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ. وَلَا يَعْلَمُ مَتَى تَقُومُ السَّاعَةُ إِلاَّ اللَّهُ». وبه قال: (حدّثني) بالإفراد (إبراهيم بن المنذر) الحزامي بالحاء المهملة والزاي المعجمة قال: (حدّثنا معن) بفتح الميم وسكون العين آخره نون ابن عيسى القزاز بالقاف والزاي المشددة وبعد

стр. 5292

الألف زاي أخرى (قال حدّثني) بالإفراد (مالك) الإمام (عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما) قال أبو مسعود: تفرد به إبراهيم بن المنذر وهو غريب عن مالك. قال في الفتح: قد أخرجه الدارقطني من رواية عبد الله بن إبراهيم بن المنذر وهو غريب عن مالك. قال في الفتح: قد أخرجه الدارقطني من رواية عبد الله بن جعفر البرمكي عن معن ورواه أيضًا من طريق القعنبي عن مالك لكنه اختصره وكذا أخرجه الإسماعيلي من طريق ابن القاسم عن مالك، قال الدارقطني: ورواه أحمد بن أبي طيبة عن مالك عن نافع عن ابن عمر فوهم فيه إسنادًا ومتنًا (أن رسول الله ﷺ قال): (مفاتيح الغرب) بوزن مصابيح ولأبي ذر مفاتح بوزن مساجد جمع مفتح بفتح الميم أي خزائن الغيب (خمس لا يعلمها إلا الله) ذكر خمسًا لأن كان الغيب لا يتناهى لأن العدد لا ينفي الزائد أو لأنهم كانوا يعتقدون معرفتها (لا يعلم ما في غد إلا الله ولا يعلم ما تغيض الأرحام) أي ما تنقصه (إلا الله ولا يعلم متى يأتي المطر أحد إلا الله) أي إلا عند أمر الله به فيعلم حينئذٍ كالسابق إذا أمر تعالى به (ولا تدري نفس بأي أرض تموت) أي في بلدها أم في غيرها كما لا تدري في أي وقت تموت (ولا يعلم متى تقوم الساعة) أحد (إلا الله) إلا من ارتضى من رسول فإنه يطلعه على ما يشاء من غيبه والولي التابع له يأخذ عنه. وقد سبق شيء من فوائد هذا الحديث في سورة الأنعام، فالتفت إليه كالاستسقاء ويأتي الإلمام بشيء منه إن شاء الله تعالى في آخر سورة لقمان وبالله المستعان. [١٤]- سُورَةُ إِبْرَاهِيمَ ﵊ (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ). قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ هَادٍ: دَاعٍ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ صَدِيدٌ: قَيْحٌ وَدَمٌ. وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ أَيَادِيَ اللَّهِ عِنْدَكُمْ وَأَيَّامَهُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ رَغِبْتُمْ إِلَيْهِ فِيهِ، يَبْغُونَهَا عِوَجًا: يَلْتَمِسُونَ لَهَا عِوَجًا. وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ: أَعْلَمَكُمْ آذَنَكُمْ. رَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ هَذَا مَثَلٌ كَفُّوا عَمَّا أُمِرُوا بِهِ. مَقَامِي حَيْثُ يُقِيمُهُ اللَّهُ بَيْنَ يَدَيْهِ. مِنْ وَرَائِهِ: قُدَّامِهِ. لَكُمْ تَبَعًا وَاحِدُهَا تَابِعٌ مِثْلُ غَيَبٍ وَغَائِبٍ. بِمُصْرِخِكُمْ: اسْتَصْرَخَنِي اسْتَغَاثَنِي يَسْتَصْرِخُهُ مِنَ الصُّرَاخِ. وَلَا خِلَالَ مَصْدَرُ خَالَلْتُهُ خِلَالاً وَيَجُوزُ أَيْضًا جَمْعُ خُلَّةٍ وَخِلَالٍ. اجْتُثَّتْ: اسْتُؤْصِلَتْ. [١٤]- سُورَةُ إِبْرَاهِيمَ ﵊ مكية وهي إحدى وخمسون آية. (بسم الله الرحمن الرحيم). (باب) وسقطت البسملة لغير أبي ذر وكذا باب.

стр. 5293

(قال ابن عباس) ﵄ في قوله تعالى في سورة الرعد: (ولكل قوم (﴿هاد﴾) [الرعد: ٧] أي (داع) يدعوهم إلى الصواب ويهديهم إلى الحق والمراد نبي مخصوص بمعجزات من جنس ما هو الغالب عليهم، والظاهر أن وقوع ذلك هنا من ناسخ. (وقال مجاهد) فيما وصله الفريابي (﴿صديد﴾) من قوله تعالى: ﴿ويسقى من ماء صديد﴾ [إبراهيم: ١٦] هو (قيح ودم) وقال قتادة هو ما يسيل من لحمه وجلده وفي رواية عنه ما يخرج من جوف الكافر قد خالط القيح والدم وقيل ما يخرج من فروج الزناة وهل الصديد نعت أم لا؟ فقيل نعت لماء وفيه تأويلان: أحدهما: أنه على حذف أداة التشبيه أي ماء مثل صديد وعلى هذا فليس الماء الذي يشربونه صديدًا بل مثله في النتن والغلظ والقذارة كقوله: ﴿وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل﴾ [الكهف: ٢٩] والثاني: إن الصديد لما كان يشبه الماء أطلق عليه ماء وليس هو بماء حقيقة وعلى هذا فيشربون نفس الصديد المشبه بالماء وإلى كونه صفة ذهب الحوفي وغيره وفيه نظر إذ ليس بمشتق إلا على قول من فسره بأنه صديد بمعنى مصدود أخذه من الصد وكأنه لكراهته مصدود عنه أي يمتنع عنه كل أحد يدل عليه يتجرعه أي يتكلف جرعه وكذا لا يكاد، وسقط وقال مجاهد الخ لأبي ذر. (وقال ابن عيينة) سفيان مما وصله في تفسيره والطبري أيضًا: (﴿اذكروا نعمة الله عليكم﴾) [المائدة: ٢٠] أي (أيادي الله عندكم وأيامه) أي بوقائعه التي وقعت على الأمم الدارجة. (وقال مجاهد) فيما وصله الفريابي في قوله تعالى: وآتاكم (﴿من كل ما سألتموه﴾) [إبراهيم: ٣٤] أي (رغبتم إليه فيه) وفي من قولان قيل زائدة في المفعول الثاني، وهذا إنما يأتي على قول الأخفش، وقيل تبعيضية أي آتاكم بعض جميع ما سألتموه نظرًا لكم ولمصالحكم وعلى هذا فالمفعول محذوف أي وآتاكم شيئًا من كل ما سألتموه وهو رأي سيبويه. (﴿يبغونها عوجًا) قال مجاهد فيما وصله عبد بن حميد (يلتمسون) ولأبي ذر تبعونها تلتمسون بالفوقية بدل التحتية فيهما (لها عوجًا) أي زيغًا ونكوبًا عن الحق ليقدحوا فيه وأشار بقوله لها إلى الأصل ولكنه حذف الجار وأوصل الفعل والإضلال يكون بالسعي في صدّ الغير وبإلقاء الشك والشبهات في المذهب الحقة ويحاول تقبيح الحق بكل ما يقدر عليه وهذا النهاية. (﴿وإذ تأذن ربكم﴾) أي (أعلمكم آذنكم) بمدّ الهمزة والمعنى آذن إيذانًا بليغًا لما في تفعل من التكلف وفي رواية أبي ذر كما في فتح الباري أعلمكم ربكم أي إن شكرتم نعمتي من الإنجاء وغيره بالإيمان وصالحات الأعمال لأزيدنكم النعم وإن جحدتموها فإن عذابي بسلبها في الدنيا والنار في العقبى في غاية الشدة. (﴿ردّوا﴾) يريد قوله تعالى: فردّوا (﴿أيديهم في أفواههم﴾) قال أبو عبيدة (هذا مثل) ومعناه (كفوا عما أمروا به) من الحق ولم يؤمنوا به قال في الفتح وقد تعقبوا كلام أبي عبيدة بأنه لم يسمع

стр. 5294

من العرب ردّ يده في فيه إذا ترك الشيء الذي كان يفعله اهـ. وهذا الذي قاله أبو عبيدة قاله أيضًا الأخفش وأنكره القتيبي ولفظه كما في اللباب لم يسمع أحد يقول ردّ يده إلى فيه إذا ترك ما أمر به. وأجيب: بأن المثبت مقدم على النافي قال في الدر: والضمائر الثلاثة يجوز أن تكون للكفار أي فرد الكفار أيديهم في أفواههم من الغيظ كقوله تعالى: ﴿عضوا عليكم الأنامل من الغيظ﴾ [آل عمران: ١١٩] ففي على بابها من الظرفية أو فردوا أيديهم على أفواههم ضحكًا واستهزاء ففي بمعنى على أو أشاروا بأيديهم إلى ألسنتهم وما نطقوا به من قولهم إنّا كفرنا ففي بمعنى إلى وأن يكون الأوّلان للكفار والأخير للرسل أي فرد الكفار أيديهم في أفواه الرسل أي أطبقوا أفواههم يشيرون إليهم بالسكوت. وقوله: ذلك لمن خاف (﴿مقامي﴾) [إبراهيم: ١٤] قال ابن عباس: (حيث يقيمه الله بين يديه) يوم القيامة للحساب. وقوله: (﴿من ورائه﴾) أي من (قدامه) ولأبي ذر قدامه جهنم بنصب ميم قدامه وهذا قول الأكثر وهو من الأضداد وعليه قوله: عسى الكرب الذي أمسيت فيه … يكون وراءه فرج قريب أي قدامه وقول الآخر: أليس ورائي إن تراخت منيتي … لزوم العصا تحنى عليها الأضالع وقيل: بعد موته. وقوله تعالى: (﴿إنا كنا لكم تبعًا﴾) قال أبو عبيدة: (واحدها تابع مثل غيب وغائب) وخدم وخادم أي يقول الضعفاء للذين استكبروا أي لرؤسائهم الذين استتبعوهم إنّا كنا لكم تبعًا في التكذيب للرسل والإعراض عنهم. وقوله تعالى: (﴿ما أنا بمصرخكم﴾) يقال: (استصرخني) أي (استغاثني) فكان همزته للسلب أي أزال صراخي (يستصرخه من الصراخ) والمعنى ما أنا بمغيثكم من العذاب وسقط لأبي ذر قوله: بمصرخكم الخ (﴿ولا خلال﴾ مصدر خاللته خلالاً﴾) قال طرفة: كل خليل كنت خاللته … لا ترك الله له واضحه (ويجوز أيضًا جمع خلة وخلال) كبرمة وبرام وهذا قاله الأخفش والجمهور على الأوّل والمخاللة المصاحبة. (﴿اجتثت﴾) من قوله تعالى: ﴿كشجرة: خبيثة اجتثت﴾ [إبراهيم: ٢٦] أي (استؤصلت) وأخذت جثتها بالكلية قال لقيط الأيادي: هذا الخلاء الذي يجتث أصلكم … فمن رأى مثل ذا آت ومن سمعا

стр. 5295

١ - باب قَوْلِهِ: ﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكْلَهَا كُلَّ حِينٍ﴾ [إبراهيم: ٢٤، ٢٥] (باب قوله) تعالى: (﴿كشجرة طيبة﴾) مثمرة طيبة الثمار كالنخلة وشجرة التين والعنب والرمان (﴿أصلها ثابت﴾) راسخ في الأرض ضارب بعروقه فيها آمن من الانقطاع والزوال (﴿وفرعها﴾) أعلاها (﴿في السماء﴾) لأن ارتفاع الأغصان يدل على ثبات الأصل ومتى ارتفعت كانت بعيدة عن عفونات الأرض فثمارها نقية طاهرة عن جميع الشوائب (﴿تؤتي أكلها﴾) تعطي ثمرها (﴿كل حين﴾) [إبراهيم: ٢٤، ٢٥] أقته الله تعالى لأثمارها. وقال الربيع بن أنس: كل حين أي غدوة وعشية لأن ثمر النخل يؤكل أبدًا ليلاً ونهارًا صيفًا وشتاءً إما تمرًا أو رطبًا أو بسرًا كذلك عمل المؤمن يصعد أوّل النهار وآخره وبركة إيمانه لا تنقطع أبدًا بل تتصل إليه في كل وقت والاستفهام في قوله: ﴿ألم تر كيف ضرب الله مثلاً﴾ [إبراهيم: ٢٤] للتقرير وفائدته الإيقاظ له أي ألم تعلم والكلمة الطيبة كلمة التوحيد أو كل كلمة حسنة كالحمد والاستغفار والتهليل. وعن ابن عباس هي شجرة في الجنة أصلها ثابت في الأرض وأعلاها في السماء كذلك أصل هذه الكلمة راسخ في قلب المؤمن بالمعرفة والتصديق فإذا تكلم بها عرجت ولا تحجب حتى تنتهي إلى الله تعالى قال : ﴿إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه﴾ [فاطر: ١٠] وسقط قوله: باب قوله لغير أبي ذر وله وفرعها الخ وقال بعد قوله ثابت الآية. ٤٦٩٨ - حَدَّثَنِي عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «أَخْبِرُونِي بِشَجَرَةٍ تُشْبِهُ أَوْ كَالرَّجُلِ الْمُسْلِمِ لَا يَتَحَاتُّ وَرَقُهَا وَلَا وَلَا وَلَا تُؤْتِي أُكْلَهَا كُلَّ حِينٍ» قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ وَرَأَيْتُ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ لَا يَتَكَلَّمَانِ فَكَرِهْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ فَلَمَّا لَمْ يَقُولُوا شَيْئًا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «هِيَ النَّخْلَةُ» فَلَمَّا قُمْنَا قُلْتُ لِعُمَرَ: يَا أَبَتَاهُ وَاللَّهِ لَقَدْ كَانَ وَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ. فَقَالَ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَكَلَّمَ؟ قَالَ: لَمْ أَرَكُمْ تَكَلَّمُونَ فَكَرِهْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ أَوْ أَقُولَ شَيْئًا. قَالَ عُمَرُ: لأَنْ تَكُونَ قُلْتَهَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كَذَا وَكَذَا. وبه قال: (حدّثني) بالإفراد ولأبي ذر حدّثنا (عبيد بن إسماعيل) القرشي الهباري اسمه عبد الله وعبيد لقب غلب عليه (عن أبي أسامة) حماد بن أسامة (عن عبيد الله) بضم العين مصغرًا ابن عمر العمري (عن نافع) مولى ابن عمر (عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما) أنه (قال: كنا عند رسول الله ﷺ فقال): (أخبروني بشجرة تشبه) ولأبي ذر: شبه (أو كالرجل المسلم) شك من الراوي (لا يتحات) بتشديد الفوقية آخره أي لا يتناثر (ورقها ولا ولا ولا) ذكر ثلاث صفات أخر للشجرة لم يبينها

стр. 5296

الراوي واكتفى بذكر كلمة لا ثلاثًا وقد ذكروا في تفسيره ولا ينقطع ثمرها ولا يعدم فيئها ولا يبطل نفعها (تؤتي أكلها كل حين) وقت (قال ابن عمر: فوقع في نفسي أنها النخلة ورأيت أبا بكر وعمر) رضي الله تعالى عنهما (لا يتكلمان فكرهت أن أتكلم) هيبة منهما وتوقيرًا (فلما لم يقولوا) أي الحاضرون، ولأبي ذر عن الكشميهني فلم يقولا أي العمران (شيئًا قال رسول الله ﷺ : هي النخلة) والحكمة في تمثيل الإسلام بالشجرة أن الشجرة لا تكون شجرة إلا بثلاثة أشياء عرق راسخ وأصل قائم وفرع عال، كذلك الإيمان لا يتم إلا بثلاثة أشياء تصديق بالقلب وقول باللسان وعمل بالأبدان (فلما قمنا قلت لعمر يا أبتاه) بسكون الهاء مصححًا عليها في الفرع وأصله وفي غيرهما بضمها (والله لقد كان وقع في نفسي أنها النخلة فقال) أي عمر (ما منعك أن تكلم) بحذف إحدى التاءين (قال) أي ابن عمر قلت: (لم أركم تكلمون) بحذف إحدى التاءين أيضًا (فكرهت أن أتكلم أو أقول شيئًا. قال عمر: لأن تكون قلتها أحب إليّ من كذا وكذا) أي من حمر النعم كما في الرواية الأخرى، وقد وضح أن المراد بالشجرة في الآية النخلة لا شجرة الجوز الهندي. نعم أخرج ابن مردويه من حديث ابن عباس بإسناد ضعيف في الآية قال: هي شجرة جوز الهند لا تتعطل من ثمرة تحمل كل شهر اهـ. ونفع النخلة موجود في جميع أجزائها مستمر في جميع أحوالها فمن حين تطلع إلى حين تيبس تؤكل أنواعًا ثم ينتفع بجميع أجزائها حتى النوى في علف الإبل والليف في الحبال وغير ذلك مما لا يخفى. وقد سبق هذا الحديث في كتاب العلم. ٢ - باب ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] هذا (باب) بالتنوين في قوله تعالى: (﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت﴾) [إبراهيم: ٢٧] كلمة التوحيد لا إله إلا الله لأنها رسخت في القلب بالدليل أي يديمهم الله عليها كما اطمأنت إليها نفوسهم في الدنيا والجمهور على أنها نزلت في سؤال المكلفين في القبر فيلقن الله المؤمن كلمة الحق عند السؤال فلا يزل وسقط باب لغير أبي ذر. ٤٦٩٩ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَلْقَمَةُ بْنُ مَرْثَدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ سَعْدَ بْنَ عُبَيْدَةَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «الْمُسْلِمُ إِذَا سُئِلَ فِي الْقَبْرِ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ» فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾. وبه قال: (حدّثنا أبو الوليد) هشام بن عبد الملك الطيالسي قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج

стр. 5297

(قال: أخبرني) بالإفراد (علقمة بن مرثد) بفتح الميم والمثلثة بينهما راء ساكنة الحضرمي أبو الحارث الكوفي (قال: سمعت سعد بن عبيدة) بسكون عين سعد وضمها في عبيدة مصغرًا غير مضاف (عن البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال): (المسلم إذا سئل في القبر) أي بعد إعادة روحه إلى جسده عن ربه ودينه ونبيه (يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ﷺ فذلك قوله) : (﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت﴾) الذي ثبت بالحجة عندهم (﴿في الحياة الدنيا﴾) قبل الموت كما ثبت في الذين فتنهم أصحاب الأخدود والذين نشروا بالمناشير (﴿وفي الآخرة﴾) في القبر بعد إعادة روحه في جسده وسؤال الملكين له، وإنما حصل لهم الثبات في القبر بسبب مواظبتهم في الدنيا على هذا القول، ولا يخفى أن كل شيء كانت المواظبة عليه أكثر كان رسوخه في القلب أتم ثبتنا الله بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة بمنه وكرمه وقيل في الحياة الدنيا في القبر عند السؤال وفي الآخرة عند البعث إذا سئلوا عن معتقدهم في الموقف فلا يتلعثمون ولا تدهشهم أهوال القيامة. وهذا الحديث قد سبق في باب ما جاء في عذاب القبر من الجنائز. ٣ - باب ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ [إبراهيم: ٢٨] أَلَمْ تَعْلَمْ كَقَوْلِهِ: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ﴾ ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا﴾ ﴿الْبَوَارُ﴾: الْهَلَاكُ بَارَ يَبُورُ بَوْرًا. ﴿قَوْمًا بُورًا﴾: هَالِكِينَ هذا (باب) بالتنوين وهو ساقط لغير أبي ذر في قوله: (﴿ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرًا﴾) [إبراهيم: ٢٨] قال أبو عبيدة: (ألم تعلم) ولأبي ذر: ألم تر (كقوله) تعالى: (﴿ألم تر كيف﴾ ﴿ألم تر إلى الذين خرجوا﴾) إذ الرؤية بالأبصار غير حاصلة إما لتعذرها أو لتعسرها عادة وفي الآية حذف مضاف أي غيروا شكر نعمة الله كفرًا بأن وضعوه مكانه وقول صاحب الأنوار كالكشاف أو بدلوا نفس النعمة كفرًا فإنهم لما كفروها سلبت منهم فصاروا تاركين لها محصلين الكفر بدلها تعقب بأنه ليس بقوي لأنه يقتضي حدوث الكفر حينئذٍ وهم قد كانوا كفارًا من قبل وهذا ظاهر لا خفاء فيه. (﴿البوار﴾) في قوله تعالى: ﴿وأحلوا قومهم دار البوار﴾ [إبراهيم: ٢٨] هو (الهلاك) قال: فلم أر مثلهم أبطال حرب … غداة الروع إذ خيف البوار وأصله من الكساد كما قيل: كسد حتى فسد، ولما كان الكساد يؤدي إلى الفساد والهلاك أطلق عليه البوار والفعل منه (بار يبور بورًا) بفتح الموحدة وسكون الواو (﴿قومًا بورً﴾) أي (هالكين) قاله أبو عبيدة وغيره،

стр. 5298

ويحتمل أن يكون بورًا مصدرًا وصف به الجمع وأن يكون جمع بائر في المعنى ومن وقوع البور على الواحد قوله: يا رسول المليك إن لساني … راتق ما فتقت إذ أنا بور وثبت قوله قومًا بورًا لأبي ذر. ٤٧٠٠ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ عَطَاءٍ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ [إبراهيم: ٢٨] قَالَ: هُمْ كُفَّارُ أَهْلِ مَكَّةَ. وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (عن عمرو) هو ابن دينار (عن عطاء) هو ابن أبي رباح أنه (سمع ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما يقول في قوله تعالى: (﴿ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرًا﴾ قال: هم كفار أهل مكة) وعند الطبري من طريق أخرى عن ابن عباس أنه سأل عمر عن هذه الآية فقال من هم؟ قال هم الأفجران من بني مخزوم وبني أمية أخوالي وأعمامك فأما أخوالي فاستأصلهم الله يوم بدر وأما أعمامك فأملى الله لهم إلى حين والمراد كما في الفتح بعض بني أمية وبني مخزوم فإن بني مخزوم لم يستأصلوا يوم بدر بل المراد بعضهم كأبي جهل من بني مخزوم وأبي سفيان من بني أمية وعنده أيضًا من وجه آخر ضعيف عن ابن عباس هم جبلة بن الأيهم والذين اتبعوه من العرب فلحقوا بالروم. قال الحافظ ابن كثير والمشهور الصحيح عن ابن عباس هو القول الأول وإن كان المعنى يعم جميع الكفار فإن الله تعالى بعث محمدًا ﷺ رحمة للعالمين ونعمة للناس. وهذا الحديث ذكره في غزوة بدر. [١٥]- سورة الْحِجْرِ وَقَالَ مُجَاهِدٌ: صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ الْحَقُّ يَرْجِعُ إِلَى اللَّهِ وَعَلَيْهِ طَرِيقُهُ. لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ عَلَى الطَّرِيقِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَعَمْرُكَ: لَعَيْشُكَ، قَوْمٌ مُنْكَرُونَ أَنْكَرَهُمْ لُوطٌ. وَقَالَ غَيْرُهُ: كِتَابٌ مَعْلُومٌ: أَجَلٌ. لَوْ مَا تَأْتِينَا: هَلاَّ تَأْتِينَا. شِيَعٌ: أُمَمٌ. وَلِلأَوْلِيَاءِ أَيْضًا شِيَعٌ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُهْرَعُونَ: مُسْرِعِينِ. لِلْمُتَوَسِّمِينَ: لِلنَّاظِرِينَ. سُكِّرَتْ: غُشِّيَتْ. بُرُوجًا: مَنَازِلَ لِلشَّمْسِ وَالْقَمَرِ. لَوَاقِحَ: مَلَاقِحَ مُلْقَحَةً. حَمَإٍ: جَمَاعَةُ حَمْأَةٍ وَهْوَ الطِّينُ الْمُتَغَيِّرُ. وَالْمَسْنُونُ: الْمَصْبُوبِ. تَوْجَلْ: تَخَفْ. دَابِرَ: آخِرَ. لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ: الإِمَامُ كُلُّ مَا ائْتَمَمْتَ وَاهْتَدَيْتَ بِهِ. الصَّيْحَةُ: الْهَلَكَةُ. [١٥]- سورة الْحِجْرِ ولأبي ذر عن المستملي تفسير سورة الحجر وهي مكية وآيها تسع وتسعون، وزاد أبو ذر: بسم الله الرحمن الرحيم.

стр. 5299

(وقال مجاهد) هو ابن جبر فيما وصله الطبري من طرق عنه في قوله تعالى: هذا (﴿صراط عليّ مستقيم﴾) [الحجر: ٤١] معناه (الحق يرجع إلى الله وعليه طريقه) لا يعرّج على شيء. وقال الأخفش: عليّ الدلالة علي الصراط المستقيم، وقال غيرهما أي من مر عليه مرّ علي أي على رضواني وكرامتي وقيل علي بمعنى إليّ وهذا إشارة إلى الإخلاص المفيض من المخلصين وقيل إلى انتفاء تزيينه وإغوائه. وقوله: وإنهما (﴿لبإمام مبين﴾) [الحجر: ٧٩] أي (على الطريق) الواضح والإمام اسم لما يؤتم به. قال الفراء والزجاج: إنما جعل الطريق إمامًا لأنه يؤم ويتبع. قال ابن قتيبة: لأن المسافر يأتم به حتى يصير إلى الموضع الذي يريده ومبين أي في نفسه أو مبين لغيره لأن الطريق يهدي إلى المقصد وضمير التثنية في وإنهما الأرجح أنه لقريتي قوم لوط وأصحاب الأيكة وهم قوم شعيب لتقدمهما ذكرًا وقوله (لبإمام مبين على الطريق) ثابت لأبي ذر عن المستملي. (وقال ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما فيما وصله ابن أبي حاتم في قوله (﴿لعمرك﴾) معناه (لعيشك) والعمر والعمر بفتح العين وضمها واحد وهما مدة الحياة ولا يستعمل في القسم إلا بالفتح. وفي هذه الآية شرف نبينا محمد ﷺ الله تعالى أقسم بحياته ولم يفعل ذلك لبشر سواه على ما نقل عن ابن عباس، أو الخطاب هنا للوط ﵊. قالت الملائكة له ذلك، والتقدير لعمرك قسمي والقسم بالعمر في القرآن وأشعار العرب وفصيح كلامها في غير موضع، وهو من الأسماء اللازمة للإضافة فلا يقطع عنها ويضاف لكل شيء، لكن منع بعض أصحاب المعاني فيما ذكره الزهراوي إضافته إلى الله لأنه لا يقال لله تعالى عمر، وإنما هو بقاء أزلي وقد سمع إضافته إلى الله تعالى قال: إذا رضيت عليّ بنو قشير … لعمر الله أعجبني رضاها ومنع بعضهم إضافته إلى ياء المتكلم قال لأنه حلف بحياة المقسم وقد ورد ذلك قال النابغة: لعمري وما عمري عليّ بهين … لقد نطقت بطلاً عليّ الأقارع (﴿قوم منكرون﴾ [الحجر: ٦٢] أنكرهم لوط) قيل لأنهم سلموا ولم يكن من عادتهم وقيل لأنهم كانوا على صورة الشباب المرد فخاف هجوم القوم فقال هذه الكلمة يعني تنكركم نفسي وتنفر عنكم فقالت الملائكة ما جئناك بما تنكر بل جئناك بما يسرك ويشفي لك من عدوّك وهو العذاب الذي توعدتهم به فيمترون فيه وسقط قوله لعمرك إلى هنا لأبي ذر إلا في رواية المستملي. (وقال غيره) غير ابن عباس في قوله تعالى: (﴿إلا ولها كتاب معلوم﴾) [الحجر: ٤] أي (أجل) أي أن الله تعالى لا يهلك أهل قرية إلا ولها أجل مقدر كتب في اللوح المحفوظ أو كتاب مختص به. (﴿لو ما تأتينا﴾) أي (هلا تأتينا) يا محمد بالملائكة لتصديق دعواك إن كنت صادقًا أو

стр. 5300

لتعذيبنا على تكذيبك كما جاءت الأمم السابقة فإنا نصدقك حينئذٍ فقال الله تعالى ما تنزل الملائكة إلا تنزيلاً ملتبسًا بالحق أي الوجه الذي قدرناه واقتضته حكمتنا ولا حكمة في إتيانكم فإنكم لا تزدادون إلا عنادًا وكذا لا حكمة في استئصالكم مع أنه سبقت كلمتنا بإيمان بعضكم أو أولادكم وسقط لفظ تأتينا لأبي ذر. (﴿شيع﴾) في قوله تعالى: ﴿ولقد أرسلنا من قبلك في شيع الأولين﴾ [الحجر: ١٠] معناه (أمم)، قاله أبو عبيدة (و) يقال (للأولياء أيضًا شيع). وقال: غيره: شيع جمع شيعة وهي الفرقة المتفقة على طريق ومذهب من شاعه إذا تبعه ومفعول أرسلنا في قوله (ولقد أرسلنا من قبلك) محذوف أي أرسلنا رسلاً من قبلك دل الإرسال عليهم وفيه تسلية للنبي ﷺ حيث نسبوه إلى الجنون أي عادة هؤلاء مع الرسل ذلك. (وقال ابن عباس) فيما وصله ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عنه في قوله تعالى في سورة هود: ﴿وجاءه قومه﴾ ﴿يهرعون﴾ [هود: ٧٨] أي (مسرعين) إليه. وقوله تعالى: ﴿إن في ذلك لآيات﴾ (﴿للمتوسمين﴾) [الحجر: ٧٥] أي (للناظرين) قال ثعلب الواسم الناظر إليك من قرنك إلى قدمك وفيه معنى التثبت الذي هو الأصل في التوسم وقال الزجاج: حقيقة المتوسمين في اللغة المتثبتين في نظرهم حتى يعرفوا سمة الشيء وعلامته وهو استقصاء وجوه التعرف قال: أوكلما وردت عكاظ قبيلة … بعثت إليّ عريفها يتوسم وقال مجاهد: معنى الآية للمتفرسين، وقال قتادة للمعتبرين، وقال مقاتل للمتفكّرين، والمراد صيحة العذاب الذي أخذ قوم لوط داخلين في شروق الشمس رفع جبريل ﵊ مدينتهم إلى السماء ثم قلبها وسقط قوله وقال ابن عباس إلى للناظرين لأبي ذر. وقوله تعالى: ﴿لقالوا إنما﴾ (﴿سكرت﴾) [الحجر: ١٥] بتشديد الكاف أي (غُشيت) بضم الغين وتشديد الشين المكسورة المعجمتين وقيل سدت يعني لو فتحنا على هؤلاء المقترحين بابًا من السماء فظلوا صاعدين إليها مشاهدين لعجائبها أو مشاهدين لصعود الملائكة وهو جواب لقوله: ﴿لو ما تأتينا بالملائكة﴾ لقولوا لشدة عنادهم إنما غشيت أو سدت أبصارنا بالسحر وسقط من قوله وقال مجاهد إلى هنا للحموي والكشميهني. وقوله: ﴿أرسلنا ولقد جعلنا في السماء﴾ (﴿بُروجًا﴾) [الحجر: ١٦] أي (منازل للشمس والقمر). قال عطية هي قصور في السماء عليها الحرس. وقوله: ﴿أرسلنا الرياح﴾ (﴿لواقح﴾) [الحجر: ٢٢] أي (ملاقح) و (ملقحة) بفتح القاف وكسرها جمعه لأنه من ألقح يلقح فهو ملقح فحقه ملاقح فحذفت الميم تخفيفًا وهذا قول أبي عبيدة قال الجوهري ولا يقال ملاقح وهو من النوادر وقيل لواقح جمع لاقح يقال لقحت الريح إذا حملت

стр. 5301

الماء وقال الأزهري حوامل السحاب كقولك ألقحت الناقة فلقحت إذا حملت الجنين في بطنها فشبهت الريح بها قال: إذا لقحت حرب عوان مضرة … ضروس تهرّ الناس أنيابها عصل قال ابن عباس: الرياح لواقح الشجر والسحاب. وقال عبيد بن عمير: يبعث الله الريح المبشرة فتقم الأرض قمًّا ثم يبعث المثيرة فتثير السحاب، ثم يبعث المؤلّفة فتؤلف السحاب بعضه إلى بعض فتجعله ركامًا ثم يبعث اللواقح فتلقح الشجر، وقال أبو بن بن عياش: لا تقطر قطرة من السماء إلا بعد أن تعمل الرياح الأربعة فيه فالصبا تهيجه والشمال تجمعه والجنوب تذره والدبور تفرقه. وقوله: من (﴿حمأ﴾) هو (جماعة حمأة) بفتح الحاء وسكون الميم (وهو الطين المتغير) الذي اسودّ من طول مجاورة الماء. (والمسنون) هو (المصبوب) لييبس كأنه أفرغ الحمأ فصور فيه تمثال إنسان أجوف فيبس حتى إذا نقر صلصل ثم غيره بعد ذلك طورًا بعد طور حتى سواه ونفخ فيه من روحه. لا (﴿توجل﴾) أي لا (تخف) وكان خوفه من توقع مكروه حيث دخلوا بغير إذن في غير وقت الدخول. (دابر) في قوله: ﴿وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء﴾ [الحجر: ٦٦] أي (آخر) هؤلاء مقطوع مستأصل يعني يستأصلون عن آخرهم حتى لا يبقى منهم أحد. (﴿لبإمام مبين﴾ [الحجر: ٧٩] قال أبو عبيدة (الإمام كل ما ائتممت واهتديت به) وسبق فيه زيادة حيث ذكر في هذه السورة فالتفت إليه وسقط قوله ﴿لبإمام﴾ إلى هنا للحموي والكشميهني. (الصيحة) أي أخذتهم (الهلكة) وزاد أبو ذر هنا باب قوله جل وعلا: ١ - باب ﴿إِلاَّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ﴾ [الحجر: ١٨] (﴿إِلا من استرق السمع﴾) [الحجر: ١٨] الاستثناء منقطع أي لكن من استرق السمع أو متصل، والمعنى أنها لم تحفظ منه ومحل الاستثناء على الوجهين نصب ويجوز أن يكون في محل جر بدلاً من كل شيطان أو رفع بالابتداء وخبره الجملة من قوله فاتبعه فيكون منقطعًا واستراقهم اختلاسهم سرًّا (﴿فأتبعه شهاب مبين﴾) شعلة من نار تظهر للناظر على شكل العمود وتطلق للكوكب والسنان لما فيهما من البريق. ٤٧٠١ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ

стр. 5302

يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا قَضَى اللَّهُ الأَمْرَ فِي السَّمَاءِ ضَرَبَتِ الْمَلَائِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا خُضْعَانًا لِقَوْلِهِ كَالسِّلْسِلَةِ عَلَى صَفْوَانٍ» قَالَ عَلِيٌّ: وَقَالَ غَيْرُهُ: صَفْوَانٍ يَنْفُذُهُمْ ذَلِكَ فَإِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا: مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ قَالُوا: لِلَّذِي قَالَ الْحَقَّ: وَهْوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ، فَيَسْمَعُهَا مُسْتَرِقُو السَّمْعِ: وَمُسْتَرِقُو السَّمْعِ هَكَذَا وَاحِدٌ فَوْقَ آخَرَ وَوَصَفَ سُفْيَانُ بِيَدِهِ وَفَرَّجَ بَيْنَ أَصَابِعِ يَدِهِ الْيُمْنَى نَصَبَهَا بَعْضَهَا فَوْقَ بَعْضٍ فَرُبَّمَا أَدْرَكَ الشِّهَابُ الْمُسْتَمِعَ قَبْلَ أَنْ يَرْمِيَ بِهَا إِلَى صَاحِبِهِ، فَيُحْرِقَهُ وَرُبَّمَا لَمْ يُدْرِكْهُ حَتَّى يَرْمِيَ بِهَا إِلَى الَّذِي يَلِيهِ إِلَى الَّذِي هُوَ أَسْفَلُ مِنْهُ حَتَّى يُلْقُوهَا إِلَى الأَرْضِ وَرُبَّمَا قَالَ سُفْيَانُ: حَتَّى تَنْتَهِىَ إِلَى الأَرْضِ فَتُلْقَى عَلَى فَمِ السَّاحِرِ فَيَكْذِبُ مَعَهَا مِائَةَ كَذْبَةٍ فَيَصْدُقُ فَيَقُولُونَ: أَلَمْ يُخْبِرْنَا يَوْمَ كَذَا وَكَذَا، يَكُونُ كَذَا وَكَذَا فَوَجَدْنَاهُ حَقًّا لِلْكَلِمَةِ الَّتِي سُمِعَتْ مِنَ السَّمَاءِ. وبه قال: (حدّثنا علي من عبد الله) المديني قال: (حدّثنا سفيان) هو ابن عيينة (عن عمرو) هو ابن دينار (عن عكرمة) مولى ابن عباس (عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه (يبلغ به النبي ﷺ ¬) لم يقل سمعت بدل يبلغ لاحتمال الواسطة أو نسي كيفية التحمل أنه (قال): (إذا قضى الله الأمر) أي إذا حكم الله بأمر من الأمور (في السماء) ولأبي ذر إذا قضي بضم القاف مبنيًا للمفعول الأمر رفع نائب عن الفاعل (ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانًا) بضم الخاء وسكون الضاد المعجمتين مصدر بمعنى خاضعين أي منقادين طائعين (لقوله) تعالى (﴿كالسلسلة﴾) أي القول المسموع يشبه صوت وقع السلسلة (على صفوان) بسكون الفاء وهو الحجر الأملس، ولأبي ذر وأبي الوقت والأصيلي وابن عساكر: كأنه سلسلة وللأصيلي أيضًا كأنها وفي حديث ابن مسعود مرفوعًا عند ابن مردويه: (إذا تكلم الله بالوحي يسمع أهل السماوات صلصلة كصلصلة السلسلة على الصوفان فيفزعون ويرون أنه من أمر الساعة). (قال علي) قال الكرماني هو ابن المديني شيخ المؤلّف (وقال غيره) أي غير سفيان بن عيينة ولم يعرف الحافظ ابن حجر هذا الغير (صفوان) بفتح الفاء (ينفذهم) بفتح التحتية وضم الفاء بعدها ذال معجمة (ذلك) القول ولا ضمير في ينفذهم إلى الملائكة أي ينفذ الله القول إليهم (فإذا فزع) أي أزيل الخوف (عن قلوبهم قالوا) أي الملائكة (ماذا قال ربكم: قالوا) أي المقربون من الملائكة كجبريل وميكائيل مجيبين (للذي قال) يسأل قال الله القول (الحق وهو العلي الكبير). وفي حديث النوّاس بن سمعان عند الطبراني مرفوعًا: "إذا تكلم الله بالوحي أخذت السماء رجفة شديدة من خوف الله فإذا سمع بذلك أهل السماء صعقوا وخروا سجدًا فيكون أوّلهم يرفع رأسه جبريل فيكلمه الله من وحيه بما أراد فينتهي به على الملائكة كلما مر بسماء سأله أهلها ماذا قال ربنا؟ قال الحق فينتهي به حيث أمر". (فيسمعها) أي تلك الكلمة وهي القول الذي قاله الله (مشرقو السمع) بحذف النون للإضافة (ومسترقو السمع) ولأبي ذر: ومسترق السمع بالإفراد مبتدأ خبره (هكذا واحد فوق آخر

стр. 5303

ووصف سفيان) بن عيينة كيفية المستمعين بركوب بعضهم على بعض (بيده وفرج) ولأبي ذر ففرّج بالفاء بدل الواو (بين أصابع يده اليمنى نصبها بعضها فوق بعض) والجملة اعتراض بين قوله فوق آخر وبين قوله (فربما أدرك الشهاب المستمع قبل أن يرمي بها) أي بالكلمة (إلى صاحبه) ولأبي ذر يرمى بالبناء للمجهول به بالتذكير (فيحرقه) بالنصب عطفًا على السابق ولأبي ذر فيحرقه بالرفع (وربما لم يدركه) الشهاب (حتى يرمي بها) ولأبي ذر حتى يرمى بها بضم الياء وفتح الميم مبنيًّا للمفعول (إلى الذي يليه إلى الذين هو أسفل) بالرفع (منه) ولأبي ذر: أسفل بالنصب على الظرفية وقوله إلى الذي هو أسفل بدل من سابقه (حتى يلقوها إلى الأرض، وربما قال سفيان) بن عيينة (حتى تنتهي إلى الأرض) جملة اعتراض (فتلقى) بضم التاء مبنيًّا للمفعول أي الكلمة (على فم الساحر) وهو المنجم (فيكذب معها) أي مع تلك الكلمة الملقاة (مائة كذبة) بفتح الكاف وسكون المعجمة (فيصدق) بفتح التحتية وسكون الصاد ولأبي ذر فيصدّق مبنيًا للمفعول الساحر في كذباته (فيقولون) أي السامعون منه: (ألم يخبرنا) الساحر ولأبي ذر عن الكشميهني: ألم يخبرونا أي السحرة فيكون لفظ المفرد في الأوّل للجنس (يوم كذا وكذا يكون كذا وكذا) كناية عن الخرافات التي أخبر بها الساحر (فوجدناه) أي الخبر الذي أخبر به (حقًّا للكلمة) أي لأجل الكلمة (التي سمعت من السماء). وهذا الحديث أخرجه المؤلّف في التفسير أيضًا وفي التوحيد، وأبو داود في الحروف، والترمذي في التفسير، وأخرجه ابن ماجه في السنّة. ٠٠٠٠ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا عَمْرٌو، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ إِذَا قَضَى اللَّهُ الأَمْرَ وَزَادَ الْكَاهِنِ، وَحَدَّثَنَا سُفْيَانُ فَقَالَ: قَالَ عَمْرٌو: سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: إِذَا قَضَى اللَّهُ الأَمْرَ وَقَالَ: عَلَى فَمِ السَّاحِرِ قُلْتُ لِسُفْيَانَ أأنت سمعت عمرًا قال سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ لِسُفْيَانَ: إِنَّ إِنْسَانًا رَوَى عَنْكَ عَنْ عَمْرٍو، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَيَرْفَعُهُ أَنَّهُ قَرَأَ فُزِّعَ قَالَ سُفْيَانُ: هَكَذَا قَرَأَ عَمْرٌو فَلَا أَدْرِي سَمِعَهُ هَكَذَا أَمْ لَا. قَالَ سُفْيَانُ: وَهْيَ قِرَاءَتُنَا. [الحديث ٤٧٠١ - طرفاه في: ٤٨٠٠، ٧٤٨١]. وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة قال: (حدّثنا عمرو) هو ابن دينار (عن عكرمة) مولى ابن عباس (عن أبي هريرة) ﵁ (إذا قضى الأمر، وزاد) على قوله فم الساحر (والكاهن) وسقط لغير أبي ذر الواو من قوله والكاهن. (حدثنا سفيان) بن عيينة، ولأبي ذر: حدّثنا علي بن عبد الله أي المديني قال: حدّثنا سفيان (فقال) في حديثه (قال عمرو) هو ابن دينار (سمعت عكرمة) يقول (حدّثنا أبو هريرة) رضي الله تعالى عنه (قال: إذا قضى الله الأمر وقال على فم الساحر) كالرواية السابقة لكنه في هذه صرح هنا بالتحديث والسماع قال علي بن عبد الله (قلت لسفيان) بن عيينة (أأنت سمعت عمرًا) ثبت لأبي

стр. 5304

ذر أأنت سمعت عمرًا وسقط لغيره (قال: سمعت عكرمة. قال: سمعت أبا هريرة) ﵁؟ (قال: نعم) قال علي بن المديني (قلت لسفيان: إن إنسانًا) لم أعرف اسمه (روى عنك عن عمرو عن عكرمة عن أبي هريرة ويرفعه) أي الحديث أبو هريرة إلى النبي ﷺ (أنه قرأ فزع) بالزاي والعين المهملة ولأبي ذر عن المستملي والكشميهني فرغ بالراء والغين المعجمة مبنيًّا للمفعول فيهما. (قال سفيان) بن عيينة (هكذا) بالراء والمعجمة أو بالعكس والظاهر الأول (قرأ عمرو) هو ابن دينار (فلا أدري سمعه هكذا) بالراء (أم لا؟ قال سفيان: وهي) بالراء (قراءتنا) وهي قراءة الحسن أيضًا أي حتى إذا أفنى الله الرجل انتفى بنفسه. ٢ - باب قَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الحجر: ٨٠] (باب قوله) : (﴿ولقد كذب أصحاب الحجر﴾) وادي ثمود بين المدينة والشأم (﴿المرسلين﴾) [الحجر: ٨٠] صالحًا ومن كذب واحدًا من المرسلين فكأنما كذب الجميع أو صالحًا ومن معه من المؤمنين وسقط قوله: باب قوله لغير أبي ذر. ٤٧٠٢ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا مَعْنٌ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لأَصْحَابِ الْحِجْرِ: «لَا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ إِلاَّ أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَلَا تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَهُمْ». وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر حدّثني بالإفراد (إبراهيم بن المنذر) الحزامي قال: (حدّثنا معن) بفتح الميم وبعد العين المهملة الساكنة نون ابن يحيى القزاز أبو عيسى المدني (قال: حدّثني) بالإفراد (مالك) الإمام (عن عبد الله بن دينار) العدوي مولاهم أبي عبد الرحمن المدني مولى ابن عمر (عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله ﷺ قال لأصحاب الحجر): أي لأصحابه ﵊ الذين قدموا الحجر لما مروا به معه في حال توجههم إلى تبوك: (لا تدخلوا على هؤلاء القوم) المعذبين في ديارهم (إلاّ أن تكونوا باكين) من الخوف (فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم أن يصيبكم) أي خشية أن يصيبكم (مثل ما أصابهم) من العذاب لأن من دخل عليهم ولم يبك اعتبارًا بأحوالهم فقد شابههم في الإهمال ودل على قساوة قلبه فلا يأمن أن يجرّه ذلك إلى العمل بمثل أعمالهم فيصيبه مثل ما أصابهم. وهذا الحديث قد مرّ في باب الصلاة في مواضع الخسف من كتاب الصلاة. ٣ - باب قَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر: ٨٧] (باب قوله) تعالى: (﴿ولقد آتيناك سبعًا من المثاني﴾) صيغة جمع واحدة مثناةٍ والمثناة كل شيء

стр. 5305

يثنى من قولك ثنيت الشيء ثنيًا أي عطفته وضممت إليه آخر والمراد سبع من الآيات أو من السور أو من الفوائد ليس في اللفظ ما يعين أحدها (﴿والقرآن العظيم﴾) [الحجر: ٨٧]. من عطف العام على الخاص إذ المراد بالسبع إما الفاتحة أو السور الطوال أو من عطف بعض الصفات على بعض أو الواو مقحمة. ٤٧٠٣ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى، قَالَ: مَرَّ بِيَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَنَا أُصَلِّي فَدَعَانِي فَلَمْ آتِهِ حَتَّى صَلَّيْتُ ثُمَّ أَتَيْتُ فَقَالَ: «مَا مَنَعَكَ أَنْ تَأْتِيَ؟» فَقُلْتُ: كُنْتُ أُصَلِّي فَقَالَ: «أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾» [الأنفال: ٢٤] ثُمَّ قَالَ: «أَلَا أُعَلِّمُكَ أَعْظَمَ سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ قَبْلَ أَنْ أَخْرُجَ مِنَ الْمَسْجِدِ؟» فَذَهَبَ النَّبِيُّ ﷺ لِيَخْرُجَ مِنَ الْمَسْجِدِ فَذَكَّرْتُهُ فَقَالَ: «﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾» هِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُهُ». وبه قال: (حدّثني) بالإفراد ولأبي ذر: حدّثنا (محمد بن بشار) بفتح الموحدة وتشديد المعجمة بندار العبدي البصري قال: (حدّثنا غندر) هو لقب محمد بن جعفر الهذلي البصري قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن خبيب بن عبد الرحمن) بضم الخاء المعجمة وفتح الموحدة الأولى مصغرًا الأنصاري المدني (عن حفص بن عاصم) هو ابن عمر بن الخطاب (عن أبي سعيد بن المعلى) بضم الميم وفتح العين واللام المشددة اسمه الحارث أو رافع أو أوس الأنصاري أنه (قال: مرّ بي النبي ﷺ ¬) أي في المسجد (وأنا أصلي فدعاني فلم آته) بمد الهمزة (حتى صليت ثم أتيت) بحذف ضمير النصب (فقال): (ما منعك أن تأتي) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: أن تأتيني (فقلت: كنت أصلي فقال: ألم يقل الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول﴾) [الأنفال: ٢٤] زاد أبو ذر هنا ﴿إذا دعاكم لما يحييكم﴾ فيه وجوب إجابته ﵊ ونص جماعة من الأصحاب على عدم بطلان الصلاة وفيه بحث سبق في البقرة فالتفت إليه (ثم قال) ﵊ وسقطا لأبي ذر (ألا أعلمك أعظم سورة في القرآن) فيه جواز تفضيل بعض القرآن على بعض. واستشكل، وأجيب: بأن التفضيل إنما هو من حيث المعاني لا من حيث الصفة فالمعنى أن ثواب بعضه أعظم من بعض (قبل أن أخرج من المسجد فذهب النبي ﷺ ليخرج) زاد غير أبي ذر من المسجد (فذكرته) بذلك بتشديد الكاف (فقال): هي (﴿الحمد لله رب العالمين﴾) يعني الفاتحة (هي السبع) لأنها سبع آيات بالبسملة (المثاني) لأنها تثنى كل ركعة أو غير ذلك مما مرّ بالبقرة (والقرآن العظيم الذي أوتيته) وسبق الحديث بالبقرة. ٤٧٠٤ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ الْمَقْبُرِيُّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أُمُّ الْقُرْآنِ هِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ».

стр. 5306

وبه قال: (حدّثنا آدم) بن أبي إياس قال: (حدّثنا ابن أبي ذئب) محمد بن عبد الرحمن قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدّثني بالإفراد (سعيد) هو ابن أبي سعيد كيسان (المقبري عن أبي هريرة ﵁) أنه (قال: قال رسول الله ﷺ ¬): (أم القرآن) مبتدأ خبره (هي السبع المثاني والقرآن العظيم) عطف على أم القرآن لا على السبع المثاني وإفراد الفاتحة بالذكر في الآية مع كونها جزءًا من القرآن يدل على مزيد اختصاصها بالفضيلة. وهذا الحديث أخرجه أبو داود في الصلاة والترمذي في التفسير. ٤ - باب قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ [الحجر: ٩١] ﴿الْمُقْتَسِمِينَ﴾: الَّذِينَ حَلَفُوا، وَمِنْهُ لَا أُقْسِمُ أَيْ أُقْسِمُ، وَتُقْرَأُ: لأُقْسِمُ، قَاسَمَهُمَا حَلَفَ لَهُمَا وَلَمْ يَحْلِفَا لَهُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ تَقَاسَمُوا: تَحَالَفُوا (قوله) ولأبي ذر باب قوله : (﴿الذين جعلوا القرآن عضين﴾) [الحجر: ٩١] نعت للمقتسمين أو بدل منه أو بيان (﴿المقتسمين﴾) أي (الذين حلفوا) جعله من القسم لا من القسمة أي مثل ما أنزلنا على الرهط الذين تقاسموا على أن يبيتوا صالحًا وذلك في قوله تعالى: ﴿قالوا تقاسموا بالله لنبيتنه﴾ [النمل: ٤٩] وأهله ثم لنقولن لوليه ما شهدنا مهلك أهله. قال في الكشاف: والاقتسام بمعنى التقاسم ولعل المؤلف اعتمد في هذا القول على ما رواه الطبري عن مجاهد أن المراد بقوله المقتسمين قوم صالح الذي تقاسموا على إهلاكه (ومنه) أي من معنى المقتسمين (﴿لا أقسم﴾ أي أقسم) فلا مقحمة (وتقرأ لأقسم) بغير مد وهي قراءة ابن كثير على أن اللام جواب لقسم مقدر تقديره لأنا أقسم أو والله لأنا أقسم. (﴿قاسمهما﴾) ولأبي ذر وقاسمهما أي (حلف لهما) أي حلف إبليس لآدم وحوّاء (ولم يحلفا له) فليس هو من باب المفاعلة. (وقال مجاهد): فيما أخرجه الفريابي (﴿تقاسموا﴾) بالله لنبيتنه أي (تحالفوا) وقد مرّ والجمهور على أنه من القسمة. ٤٧٠٥ - حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا أَبُو بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ قَالَ: هُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ، جَزَّءُوهُ أَجْزَاءً فَآمَنُوا بِبَعْضِهِ وَكَفَرُوا بِبَعْضِهِ. وبه قال: (حدّثنا) ولغير أبي ذر: حدّثني بالإفراد (يعقوب بن إبراهيم) الدورقي قال: (حدّثنا هشيم) بضم الهاء مصغرًا ابن بشير بضم الموحدة وفتح المعجمة الواسطي قال: (أخبرنا أبو

стр. 5307

بشر) بكسر الموحدة وسكون المعجمة جعفر بن أبي وحشية إياس اليشكري (عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما) في قوله تعالى: (﴿الذين جعلوا القرآن عضين﴾ قال: هم أهل الكتاب جزؤوه) وفي نسخة الذين جزؤوه (أجزاء فآمنوا ببعضه) مما وافق التوراة (وكفروا ببعضه) مما خالفها. ٤٧٠٦ - حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي ظَبْيَانَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ ﴿كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ﴾ قَالَ: آمَنُوا بِبَعْضٍ وَكَفَرُوا بِبَعْضٍ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى. وبه قال: (حدّثني) بالإفراد ولأبي ذر: حدّثنا (عبيد الله بن موسى) بضم العين وفتح الموحدة مصغرًا ابن باذام العبسي الكوفي (عن الأعمش) سليمان بن مهران الكوفي (عن أبي ظبيان) بفتح الظاء المعجمة وسكون الموحدة حصين بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين مصغرًا ابن جندب المذحجي بفتح الميم وإسكان المعجمة وكسر المهملة وبالجيم (عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما) في قوله تعالى: (﴿كما أنزلنا على المقتسمين﴾) [الحجر: ٩٠] (قال: آمنوا ببعض وكفروا ببعض) أي (اليهود والنصارى). وعن ابن عباس أيضًا المقتسمين الذين اقتسموا طرق مكة يصدّون الناس عن الإيمان برسول الله ﷺ قيل يقرب عددهم من أربعين، وقيل كانوا خمسة. الأسود بن عبد يغوث، والأسود بن المطلب، والعاص بن وائل؛ والحارث بن قيس، والوليد بن المغيرة وقيل غير ذلك. ٥ - باب قَوْلِهِ: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩] قَالَ سَالِمٌ الْيَقِينُ: الْمَوْتُ (باب قوله) تعالى: (﴿واعبد ربك حتى يأتيك اليقين﴾) [الحجر: ٩٩]. (قال سالم): هو ابن عبد الله بن عمر بن الخطاب مما وصله إسحاق بن إبراهيم البستي والفريابي وعبد بن حميد (اليقين) هو (الموت) لأنه أمر متيقن وهو مروي عن ابن عباس أيضًا. فإن قيل: ما الفائدة في هذا التوقيت مع أن كل واحد يعلم أنه إذا مات سقطت عنه العبادات؟ أجيب: بأن المراد واعبد ربك في جميع زمان حياتك ولا تخل لحظة من لحظات الحياة من العبادات. وروى جبير بن نفير مرسلاً أن النبي ﷺ قال: "ما أوحي إليّ أن أجمع المال وأكون من التاجرين ولكن أوحي إليّ أن سبّح بحمد ربك وكن من الساجدين واعبد ربك حتى يأتيك اليقين" رواه البغوي في شرح السنّة وسقط باب قوله لغير أبي ذر كقوله: اليقين من قوله اليقين الموت.

стр. 5308

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [١٦]- سورة النَّحْلِ رُوحُ الْقُدُسِ. جِبْرِيلُ. نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ. فِي ضَيْقٍ يُقَالُ: أَمْرٌ ضَيْقٌ، وَضَيِّقٌ مِثْلُ هَيْنٍ وَهَيِّنٍ، وَلَيْنٍ وَلَيِّنٍ، وَمَيْتٍ وَمَيِّتٍ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ: تَتَهَيَّأُ. سُبُلَ رَبِّكَ: ذُلُلاً لَا يَتَوَعَّرُ عَلَيْهَا مَكَانٌ سَلَكَتْهُ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ في تَقَلُّبِهِمْ: اخْتِلَافِهِمْ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ تَمِيدُ: تَكَفَّأُ. مُفْرَطُونَ: مَنْسِيُّونَ، وَقَالَ غَيْرُهُ: فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ هَذَا مُقَدَّمٌ وَمُؤَخَّرٌ وَذَلِكَ أَنَّ الاِسْتِعَاذَةَ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ وَمَعْنَاهَا الاِعْتِصَامُ بِاللَّهِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تَسِيمُونَ: تَرْعَوْنَ. شَاكِلَتِهِ: نَاحِيَتِهِ. قَصْدُ السَّبِيلِ: الْبَيَانُ. الدِّفْءُ: مَا اسْتَدْفَأْتَ، تُرِيحُونَ بِالْعَشِيِّ، وَتَسْرَحُونَ بِالْغَدَاةِ، بِشِقِّ: يَعْنِي الْمَشَقَّةَ، عَلَى تَخَوُّفٍ: تَنَقُّصٍ، الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً وَهْيَ تُؤَنَّثُ وَتُذَكَّرُ كَذَلِكَ النَّعَمُ لِلأَنْعَامِ: جَمَاعَةُ النَّعَمِ. أَكْنَانًا وَاحِدُهَا كِنٌّ. مِثْلُ حِمْلٍ وَأَحْمَالٍ، سَرَابِيلَ: قُمُصٌ، تَقِيكُمُ الْحَرَّ. وَأَمَّا سَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ. فَإِنَّهَا الدُّرُوعُ، دَخَلاً بَيْنَكُمْ كُلُّ شَيْءٍ لَمْ يَصِحَّ: فَهْوَ دَخَلٌ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: حَفَدَةً: مَنْ وَلَدَ الرَّجُلُ. السَّكَرُ مَا حُرِّمَ مِنْ ثَمَرَتِهَا، وَالرِّزْقُ الْحَسَنُ: مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ صَدَقَةَ: أَنْكَاثًا هِيَ خَرْقَاءُ كَانَتْ إِذَا أَبْرَمَتْ غَزْلَهَا نَقَضَتْهُ، وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ الأُمَّةُ: مُعَلِّمُ الْخَيْرِ. وَالْقَانِتُ: الْمُطِيعُ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ([١٦]- سورة النَّحْلِ) سقطت البسملة لغير أبي ذر. ولغير أبي ذر باب تفسير سورة النحل. (﴿روح القدس﴾) من ربك هو (جبريل) قاله ابن مسعود فيما رواه ابن أبي حاتم وأضيف جبريل إلى القدس وهو الطهر كما تقول: حاتم الجود وزيد الخير، والمراد الروح المقدس قاله الزمخشري، ثم استشهد المؤلّف لقوله روح القدس جبريل بقوله: (﴿نزل به الروح الأمين﴾) [الشعراء: ١٩٣] وهو يردّ ما رواه الضحاك أن ابن عباس فيما رواه ابن أبي حاتم بإسناد ضعيف قال: روح القدس الاسم الذي كان عيسى ﵊ يحيي به الموتى. وقوله: ﴿ولا تك﴾ (﴿في ضيق﴾) (النحل: ٢٧] (يقال أمر ضيق) بسكون التحتية (وضيق) بتشديدها (مثل هين وهين ولين ولين وميت وميت) لغتان وكسر الضاد ابن كثير وفتحها غيره فقيل هما بمعنى في هذا المصدر كالقول والقيل؛ وقيل المفتوح مخفف من ضيق كميت في ميت.

стр. 5309

قال في اللباب؛ هذا من الكلام المقلوب لأن الضيق صفة والصفة تكون حاصلة في الموصوف ولا يكون الموصوف حاصلًا في الصفة فكأن المعنى ولا يكون الضيق فيك إلا أن الفائدة في قوله: ﴿ولا تك في ضيق﴾ [النحل: ٢٧] هو أن الضيق إذا عظم وقوي صار كالشيء المحيط بالإنسان من كل الجوانب وصار كالقميص المحيط به فكانت الفائدة في ذكر هذا اللفظ هذا المعنى. (قال ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما في قوله تعالى: (﴿يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ﴾) [النحل: ٤٨] أي (تتهيأ) كذا نقل والصواب تتميل. وقوله تعالى: (﴿فاسلكي سبل ربك ذللًا﴾) (النحل: ٦٩] قال مجاهد فيما رواه الطبري (لا يتوعر) بالعين المهملة (عليها مكان سلكته) وذللًا جمع ذلول ويجوز أن يكون حالًا من السبل أي ذللها لها الله تعالى كقوله: ﴿جعل لكم الأرض ذلولًا﴾ [الملك: ١٥] وأن يكون حالًا من فاعل اسلكي أي مطيعة منقادة بمعنى أن أهلها ينقلونها من مكان إلى مكان ولها يعسوب إذا وقف وقفت وإذا سار سارت وانتصاب سبل مفعولًا به أي اسلكي في طلب تلك الثمرات سبل ربك الطرق التي أفهمك وعلمك في عمل العسل أو على الظرفية أي فاسلكي ما أكلت في سبل ربك أي في مسالكه التي تحيل فيها قدرته النور ونحوه عسلًا. (وقال ابن عباس): فيما وصله الطبري (﴿في تقلبهم﴾) أي (اختلافهم) وقال غيره في أسفارهم وقال ابن جريج في إقبالهم وإدبارهم. (وقال مجاهد): فيما وصله الفريابي (﴿تميد﴾) من قوله: ﴿وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم﴾ [النحل: ١٥] أي (تكفأ) بتشديد الفاء وتتحرك وتميل بما عليها من الحيوان فلا يهنأ لهم عيش بسبب ذلك. قال الحسن: فيما رواه عبد الرزاق لما خلقت الأرض كانت تميد فقالوا ما هذه بمقرة على ظهرها أحدًا فأصبحوا وقد خلقت الجبال فلم تدر الملائكة مم خلقت الجبال. وفي حديث أنس مرفوعًا عند الترمذي نحوه. (﴿مفرطون﴾) قال مجاهد: فيما وصله الطبري (منسيون) فيها. (وقال غيره): أي غير مجاهد في وقوله تعالى: (﴿فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله﴾) زاد أبو ذر: ﴿من الشيطان الرجيم﴾ [النحل: ٩٨]. (هذا مقدم ومؤخر وذلك أن الاستعاذة قبل القراءة). وهذا قاله أبو عبيدة. وقال ابن عطية: فإذا وصلة بين الكلامين والعرب تستعملها في مثل هذا وتقدير الآية فإذا أخذت في قراءة القرآن فاستعذ. وقال في الأنوار كالكشاف: أي فإذا أردت قراءة القرآن فأضمر الإرادة. قال الزمخشري: لأن الفعل يوجد عند القصد والإرادة من غير فاصل وعلى حسبه فكان منه بسبب قوي وملابسة ظاهرة، وهذا مذهب الجمهور من القراء وغيرهم.

стр. 5310

قال الشيخ بهاء الدين السبكي: في شرح التلخيص وعليه سؤال وهو أن الإرادة إن أخذت مطلقًا لزم استحباب الاستعاذة بمجرد ذلك وإن أخذت الإرادة بشرط اتصالها بالقراءة استحال تحقق العلم بوقوعها ويمتنع حينئذ استحباب الاستعاذة قبل القراءة. قال في المصابيح: بقي عليه قسم آخر باختياره يزول الإشكال وذلك أنا لا نأخذ الإرادة مطلقًا ولا نشترط اتصالها بالقراءة وإنما نأخذها مقيدة بأن لا يعن له صارف عن القراءة فلا يلزم حينئذ استحباب الاستعاذة بعد طروء العزم على عدم القراءة ولا يلزم أيضًا استحالة تحقق العلم بوقوعها فزال الإشكال ولله الحمد. (ومعناها) أي الاستعاذة (الاعتصام بالله) من وساوس الشيطان، والجمهور على أن الأمر بها للاستحباب والخطاب للرسول، والمراد منه الكل لأن الرسول إذا كان محتاجًا للاستعاذة عند القراءة فغيره أولى. (وقال ابن عباس): فيما وصله الطبري (﴿تسيمون﴾) أي (ترعون) من سامت الماشية أو أسامها صاحبها. (﴿شاكلته﴾) في سورة الإسراء أي على (ناحيته) ولأبي ذر عن الحموي نيته بدل ناحيته أي التي تشاكل حاله في الهدى والضلال وذكر هذا هنا لعله من ناسخ. وقوله: وعلى الله (﴿قصد السبيل﴾ البيان). [النحل: ٥] للطريق الموصل إلى الحق رحمة منه وفضلًا. (الدفء) في قوله تعالى: ﴿لكم فيها دفء﴾ [النحل: ٥] (ما استدفأت) به مما يقي البرد. (﴿تريحون﴾) تردّونها من مراعيها أو من مراحها. (بالعشي ﴿وتسرحون﴾) تخرجونها (بالغداة) إلى المرعى. (﴿بشق﴾) الأنفس (يعني المشقّة) والكلفة. (﴿على تخوف﴾) أي (تنقص) شيئًا بعد شيء في أنفسهم وأموالهم حتى يهلكوا من تخوّفته إذا تنقصته. وروي بإسناد فيه مجهول عن عمر أنه قال على المنبر: ما تقولون فيها؟ فسكتوا. فقام شيخ من هذيل فقال: هذه لغتنا التخوّف التنقص. فقال: هل تعرف العرب ذلك في أشعارها؟ قال: نعم. قال شاعرنا أبو كبير يصف ناقته: تخوّف الرحل منها تامكًا قردًّا … كما تخوّف عود النبعة السفن فقال عمر: أيها الناس عليكم بديوانكم لا تضلوا قالوا وما ديواننا؟ قال: شعر الجاهلية فإن فيه تفسير كتابكم.

стр. 5311

وقوله تعالى: ﴿وإن لكم في﴾ (﴿الأنعام لعبرة﴾) [النحل: ٦٦]. (وهي) أي الأنعام (تؤنث وتذكر وكذلك النعم) تذكر وتؤنث (الأنعام) هي (جماعة النعم) ولغير أبي ذر وكذلك النعم للأنعام بحرف الجر جماعة النعم ومعنى لعبرة أي دلالة يعبر بها من الجهل إلى العلم وذكر الضمير ووحده هنا في قوله: ﴿نسقيكم مما في بطونه﴾ [النحل: ٦٦] للفظ وأنثه في سورة المؤمنين للمعنى فإن الأنعام اسم جمع ولذلك عده سيبويه في المفردات المبنية على أفعال كأخلاق، ومن قال إنه جمع نعم جعل الضمير للبعض فإن اللبن لبعضها دون جميعها أو لواحده أو له على المعنى فإن المراد به الجنس قاله في الأنوار. (﴿أكنانًا﴾) يشير إلى قوله: ﴿وجعل لكم من الجبال أكنانًا﴾ [النحل: ٨١] (واحدها كن) بكسر الكاف (مثل حمل وأحمال) بكسر الحاء المهملة أي جعل مواضع تسكنون بها من الكهوف والبيوت المنحوتة فيها، وهذا ثابت لأبي ذر. (﴿سرابيل﴾) هي (قمص) بضم القاف والميم جمع قميص (﴿تقيكم الحر﴾) أي والبرد وخص الحر بالذكر اكتفاء بأحد الضدين عن الآخر أو لأن وقاية الحر كانت عندهم أهم ولأبي ذر هنا والقانت المطيع قاله ابن مسعود فيما رواه ابن مردويه وفي رواية أبي ذر في نسخة أخرى بعد قوله وقال ابن مسعود الأمة معلم الخير وهي الأولى (وأما ﴿سرابيل تقيكم بأسكم﴾ فإنها الدروع) [النحل: ٨١] والسربال يعم كل ما لبس من قميص أو درع أو جوشن أو غيره. (﴿دخلًا بينكم﴾) [النحل: ٩٢]. قال أبو عبيدة (كل شيء لم يصح فهو دخل) بفتح الخاء وقيل الدخل والدغل الغش والخيانة وقيل الدخل ما أدخل في الشيء على فساد وقيل أن يظهر الوفاء ويبطن الغدر والنقص. (قال) ولأبي ذر وقال: (ابن عباس) فيما وصله الطبري بإسناد صحيح في قوله تعالى: (﴿حفدة﴾ من ولد الرجل) أي ولد ولده أو بناته فإن الحافد هو المسرع في الخدمة والبنات يخدمن في البيوت أتم خدمة أو هم البنون أنفسهم والعطف لتغاير الوصفين أي جعل لكم بنين خدمًا وقيل الحفدة الأصهار قال: فلو أن نفسي طاوعتني لأصبحت … لها حفد مما يعدّ كثير لكنها نفس عليّ أبية … عيوف لأصهار اللئام قذور (﴿السكر﴾) في قوله تعالى: ﴿ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرًا﴾ [النحل: ٦٧] (ما حرم من ثمرتها) أي من ثمرات النخيل والأعناب أي من عصيرهما والسكر مصدر سمي به الخمر يقال: سكر يسكر سكرًا وسكرًا نحو: رشد يرشد رشدًا ورشدًا قال: وجاؤونا لهم سكر علينا … فأجلى اليوم والسكران صاحي

стр. 5312

(والرزق الحسن) في قوله تعالى: ﴿ورزقًا حسنًا﴾ (ما أحل الله) ولأبي ذر ما أحل بضم الهمزة مبنيًّا للمفعول وحذف الفاعل للعلم به وهو كالتمر والزبيب والدبس والخل والآية إن كانت سابقة على تحريم الخمر فدالة على كراهتها وإلا فجامعة بين العتاب والمنّة. (وقال ابن عيينة): سفيان مما وصله ابن أبي حاتم (عن صدقة) أبي الهذيل لا صدقة ابن الفضل المروزي أي عن السدي كما عند ابن أبي حاتم في قوله تعالى: (﴿أنكاثًا﴾) قال (هي) امرأة اسمها (خرقاء) كانت بمكة (كانت إذا أبرمت غزلها نفضته). وفي تفسير مقاتل أن اسمها ريطة بنت عمرو بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم وعند البلاذري أنها والدة أسد بن عبد العزى بن قصي وأنها بنت سعد بن تميم بن مرّة عند غيره؛ وكان بها وسوسة وأنها اتخذت مغزلًا بقدر ذراع وصنارة مثل الأصبع وفلكة عظيمة على قدرهما، وفي غرر التبيان أنها كان تتغزل هي وجواريها من الغداة إلى نصف النهار ثم تأمرهن بنقض ذلك كله، فهذا كان دأبها، والمعنى أنها لم تكف عن العمل ولا حين عملت كفت عن النقض فكذلك أنتم إذا نقضتم العهد لا كففتم عن العهد ولا حين عهدتم وفيتم به أنكاثًا نصب على الحال من غزلها أو مفعول ثان لنقضت فإنه بمعنى صيرت. (وقال ابن مسعود): فيما وصله الحاكم والفريابي (الأمة) من قوله تعالى: ﴿إن إبراهيم كان أمة﴾ [النحل: ١٢٠]. هو (معلم الخير) وفي الكشاف وغيره أنه بمعنى مأموم أي يؤمه الناس ليأخذوا منه الخير أو بمعنى مؤتم به قال في الأنوار: فإن الناس كانوا يؤمونه للاستفادة ويقتدون بسيرته لقوله: ﴿إني جاعلك للناس إمامًا﴾ [البقرة: ١٢٤] فهو رئيس الموحدين وقدوة المحققين. (والقانت) هو (المطيع) كما فسره به ابن مسعود أو هو القائم بأمر الله. وسبق ذكر هذا قريبًا وهذا ثابت لأبي ذر. ١ - باب قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾ [النحل: ٧٠] (باب قوله تعالى: ﴿ومنكم من يردّ إلى أرذل العمر﴾) [النحل: ٧٠] أي أردئه أو تسعون سنة أو ثمانون أو خمس وتسعون أو خمس وثمانون أو خمس وسبعون، وروى ابن مردويه من حديث أنس أنه مائة سنة. ٤٧٠٧ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مُوسَى أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الأَعْوَرُ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَدْعُو: «أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْبُخْلِ وَالْكَسَلِ وَأَرْذَلِ الْعُمُرِ، وَعَذَابِ الْقَبْرِ، وَفِتْنَةِ الدَّجَّالِ، وَفِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ». وبه قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) التبوذكي قال: (حدّثنا هارون بن موسى أبو عبد الله الأعور) النحوي البصري (عن شعيب) هو ابن الحبحاب بحاءين مهملتين مفتوحتين

стр. 5313

بينهما موحدة ساكنة وبعد الألف موحدة أخرى (عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يدعو): (أعوذ بك من البخل) أي في حقوق المال (و) من (الكسل) وهو التثاقل عما لا ينبغي التثاقل عنه ويكون لعدم انبعاث النفس للخير مع ظهور الاستطاعة (و) من (أرذل العمر) أي أخسّه وهو الهرم الذي يشابه الطفولية في نقصان القوّة والعقل وإنما استعاذ منه لأنه من الأدواء التي لا دواء لها. وروى ابن أبي حاتم من طريق السدي قال: أرذل العمر هو الخرف، والحاصل أن كبر السن ربما يورث نقص العقل وتخابط الرأي وغير ذلك مما يسوء به الحال (و) أعوذ بك من (عذاب القبر) الإضافة هنا إضافة المظروف إلى ظرفه فهو على تقدير في، أي من العذاب في القبر والأحاديث الصحيحة في إثباته متظاهرة فالإيمان به واجب (و) من (فتنة الدجال) في حديث أبي أمامة عند أبي داود وابن ماجة خطبنا رسول الله ﷺ فذكر الحديث وفيه: أنه لم تكن فتنة في الأرض منذ ذرأ الله ذرية آدم أعظم من فتنة الدجال (و) من (فتنة المحيا والممات) أي زمان الحياة والموت وهو من أوّل النزع وهلم جرا وأصل الفتنة الامتحان والاختبار، واستعملت في الشرع في اختبار كشف ما يكره يقال فتنت الذهب إذا أدخلته النار لتختبر جودته وفتنة المحيا هو ما يعرض للإنسان في مدّة حياته من الافتتان بالدنيا وشهواتها وأعظمها والعياذ بالله تعالى أمر الخاتمة عند الموت وفتنة الممات قيل كسؤال الملكين ونحو ذلك مما يقع في القبر، والمراد من شر سؤالهما وإلاّ فأصل السؤال واقع لا محالة فلا يدعى برفعه فيكون عذاب القبر مسببًا عن ذلك، والسبب غير المسبب. وقيل: المراد الفتنة قبيل الموت وأضيفت إليه لقربها منه، وكان ﷺ يتعوّذ من المذكورات دفعًا عن أمته وتشريعًا لهم ليبين لهم صفة المهم من الأدعية جزاه الله عنا ما هو أهله. وهذا الحديث أخرجه مسلم في الدعوات. [١٧]- سورة بَنِي إِسْرَائِيلَ [١٧]- سورة بَنِي إِسْرَائِيلَ مكية قيل إلا قوله: ﴿وإن كادوا ليفتنونك﴾ [الإسراء: ٧٣] إلى آخر ثمان آيات، وهي مائة وعشر آيات، وزاد أبو ذر: بسم الله الرحمن الرحيم وسقطت لغيره. ١ - باب ٤٧٠٨ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ وَالْكَهْفِ، وَمَرْيَمَ إِنَّهُنَّ مِنَ الْعِتَاقِ الأُوَلِ، وَهُنَّ مِنْ تِلَادِي ﴿فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيكَ رُؤُوسَهُمْ﴾ [الإسراء: ٥١] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَهُزُّونَ. وَقَالَ غَيْرُهُ نَغَضَتْ سِنُّكَ: أَيْ تَحَرَّكَتْ. [الحديث ٤٧٠٨ - أطرافه في: ٤٧٣٩، ٤٩٩٤].

стр. 5314

وبه قال: (حدّثنا آدم) بن أبي إياس قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن أبي إسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعي أنه (قال: سمعت عبد الرحمن بن يزيد) النخعي الكوفي (قال: سمعت ابن مسعود) عبد الله (﵁ قال): سورة (بني إسرائيل و) سورة (الكهف و) سورة (مريم) وزاد في سورة الأنبياء وفضائل القرآن وطه والأنبياء (إنهن من العتاق الأول) بكسر العين المهملة وتخفيف الفوقية جمع عتيق والعرب تجعل كل شيء بلغ الغاية في الجودة عتيقًا، والأول بضم الهمزة وفتح الواو المخففة والأولية باعتبار حفظها أو باعتبار نزولها لأنها مكيات ومراده تفضيل هذه السور لما يتضمن مفتتح كل منها بأمر غريب وقع في العالم خارق للعادة وهو الإسراء وقصة أصحاب الكهف وقصة مريم قاله الكرماني (وهن من تلادي) بكسر الفوقية وتخفيف اللام وبعد الألف دال مهملة فتحتية مما حفظته قديمًا ضد الطارف ومراده أنهن من أول ما تعلم من القرآن وأن لهن فضلًا لما فيهن من القصص وأخبار الأنبياء والأمم كما مرّ، وفي حديث عائشة عند الإمام أحمد كان رسول الله ﷺ يقرأ كل ليلة بني إسرائيل والزمر. (﴿فسينغضون إليك رؤوسهم﴾) [الإسراء: ٥١]. (قال ابن عباس): فيما وصله الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عنه معناه (يهزون) رؤوسهم ومن طريق العوفي عنه يحركونها استهزاء، ولغير أبي ذر قال ابن عباس فسينغضون يهزون. (وقال غيره): أي غير ابن عباس (نغضت سنك) بفتح الغين المعجمة ولأبي ذر: نغضت بكسرها (أي تحركت) قاله أبو عبيدة وزاد وارتفعت من أصلها. ٢ - باب ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الإسراء: ٤] أَخْبَرْنَاهُمْ أَنَّهُمْ سَيُفْسِدُونَ وَالْقَضَاءُ عَلَى وُجُوهٍ. وَقَضَى رَبُّكَ أَمَرَ رَبُّكَ، وَمِنْهُ الْحُكْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ. وَمِنْهُ الْخَلْقُ فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ. نَفِيرًا: مَنْ يَنْفِرُ مَعَهُ، مَيْسُورًا: لَيِّنًا. وَلِيُتَبِّرُوا. يُدَمِّرُوا مَا عَلَوْا، حَصِيرًا: مَحْبِسًا: مَحْصَرًا، حَقَّ: وَجَبَ، مَيْسُورًا: لَيِّنًا، خِطْأً إِثْمًا وَهْوَ اسْمٌ مِنْ خَطِئْتُ وَالْخَطَأُ مَفْتُوحٌ مَصْدَرُهُ مِنَ الإِثْمِ خَطِئْتُ بِمَعْنَى أَخْطَأْتُ. تَخْرِقَ: تَقْطَعَ، وَإِذْ هُمْ نَجْوَى مَصْدَرٌ مِنْ نَاجَيْتُ فَوَصَفَهُمْ بِهَا وَالْمَعْنَى يَتَنَاجَوْنَ. رُفَاتًا: حُطَامًا، وَاسْتَفْزِزْ: اسْتَخِفَّ بِخَيْلِكَ الْفُرْسَانِ، وَالرَّجْلُ الرَّجَّالَةُ وَاحِدُهَا رَاجِلٌ مِثْلُ صَاحِبٍ وَصَحْبٍ وَتَاجِرٍ: وَتَجْرٍ: حَاصِبًا: الرِّيحُ الْعَاصِفُ. وَالْحَاصِبُ أَيْضًا: مَا تَرْمِي بِهِ الرِّيحُ وَمِنْهُ حَصَبُ جَهَنَّمَ يُرْمَى بِهِ فِي جَهَنَّمَ وَهْوَ حَصَبُهَا، وَيُقَالُ: حَصَبَ فِي الأَرْضِ ذَهَبَ، وَالْحَصَبُ مُشْتَقٌّ مِنَ الْحَصْبَاءِ وَالْحِجَارَةِ. تَارَةً: مَرَّةً وَجَمَاعَتُهُ تِيَرَةٌ وَتَارَاتٌ. لأَحْتَنِكَنَّ: لأَسْتَأْصِلَنَّهُمْ يُقَالُ: احْتَنَكَ فُلَانٌ مَا عِنْدَ فُلَانٍ مِنْ عِلْمٍ اسْتَقْصَاهُ. طَائِرَهُ: حَظُّهُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كُلُّ سُلْطَانٍ فِي الْقُرْآنِ فَهُوَ حُجَّةٌ. وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ. لَمْ يُخالِفْ أَحَدًا.

стр. 5315

(﴿وقضينا إلى بني إسرائيل﴾) [الإسراء: ٤]. قال أبو عبيدة أي (أخبرناهم أنهم سيفسدون) والمرتين في الآية أولاهما قتل زكريا وحبس أرمياء حين أنذرهم سخط الله والآخرة قتل يحيى بن زكريا وقصد قتل عيسى ابن مريم (والقضاء) يأتي (على وجوه) كثيرة (﴿وقضى ربك﴾) [الإسراء: ٣] أي (أمر ربك) أمرًا مقطوعًا به، وسقط: ربك لأبي ذر (ومنه الحكم) كقوله تعالى: (﴿وإن ربك يقضي بينهم﴾) [يونس: ٩٣]. أي يحكم بينهم (ومنه الخلق) كقوله تعالى: (﴿فقضاهن سبع سماوات﴾) [فصلت: ١٢]. زاد أبو ذر: خلقهن. (﴿نفيرًا﴾) في قوله: ﴿وجعلناكم أكثر نفيرًا﴾ [الإسراء: ١٦] قال أبو عبيدة أصله (من ينفر معه) أي مع الرجل من قومه وعشيرته وقيل جمع نفر وهم المجتمعون للذهاب إلى العدوّ، وفاء ينفر بالكسر والضم. (﴿ميسورًا﴾) في قوله تعالى: ﴿فقل لهم قولًا ميسورًا [الإسراء: ٢٨] (ليّنًا) ابتغاء رحمة الله برحمتك عليهم وثبتت هذه هنا لأبي ذر وتأتي بعد إن شاء الله تعالى. (﴿وليتبروا﴾) أي (يدمروا ﴿ما علوا﴾) من التدمير وهو الإهلاك أي ليهلكوا ما غلبوه واستولوا عليه. (﴿حصيرًا﴾) في قوله: ﴿وجعلنا جهنم للكافرين حصيرًا﴾ [الإسراء: ٨] أي (محبسًا) بفتح الميم وكسر الموحدة لا يقدرون على الخروج منها أبد الآباد (محصرًا) بفتح الميم والصاد المهملة اسم لموضع الحصر. (﴿حق﴾) عليها القول أي (وجب) عليها كلمة العذاب السابقة (ميسورًا) أي (لينًا) وسبق قريبًا. (خطأ) من قوله: ﴿إن قتلهم كان خطأ﴾ [الإسراء: ٣١] أي (إثمًا وهو) أي الخطأ (اسم من خطئت والخطأ مفتوح مصدره من الإثم خطئت) بكسر الطاء (بمعنى أخطأت) كذا قاله أبو عبيدة وتبعه المؤلّف رحمهما الله وتعقب بأن جعله خطأ بكسر الخاء اسم مصدر ممنوع وإنما هو مصدر خطئ يخطأ كأثم يأثم إثمًا إذا تعمد الذنب وبأن دعواه أن خطأ المفتوح الخاء والطاء، وبها قرأ ابن ذكوان مصدر بمعنى الإثم ليس كذلك، وإنما هو اسم مصدر من أخطأ يخطئ إخطاء إذا لم يصب والمعنى فيه أن قتلهم كان غير صواب وبأن قوله خطئت بمعنى أخطأت خلاف قول أهل اللغة خطئ أثم وتعمد الذنب وأخطأ إذا لم يتعمد. (﴿تخرق﴾) في قوله: ﴿إنك لن تخرق الأرض﴾ [الإسراء: ١٣٧ أي لن (تقطع) الأرض لشدة وطأتك وسقط هذا لأبي ذر. (﴿وإذ هم نجوى﴾ مصدر من ناجيت فوصفهم بها) أي بالنجوى فيكون من إطلاق المصدر على العين مبالغة أو على حذف مضاف أي ذو نجوى ويجوز أن يكون جمع نجيٌّ كقتيل وقتلى. (والمعنى يتناجون).

стр. 5316

وقوله: (﴿رفاتًا﴾) يريد قوله تعالى: ﴿وقالوا أئذا كنا عظامًا ورفاتًا﴾ [الإسراء: ٤٩] أي (حطامًا). وقال الفراء هو التراب، ويؤيده أنه قد تكرر في القرآن ترابًا وعظامًا. (﴿واستفزز﴾) أي (استخف) الذي استطعت استفزازه منهم (﴿بخيلك﴾ الفرسان) بالجر فالخيل الخيالة ومنه قوله ﵊: "يا خيل الله اركبي" (﴿والرجل﴾) بفتح الراء وسكون الجيم يريد قوله تعالى: ﴿واجلب عليهم بخيلك ورجلك﴾ [الإسراء: ٦٤] ولأبي ذر والرجال بكسر الراء وتخفيف الجيم هو (الرجالة) بفتح الراء وتشديد الجيم (واحدها راجل) ضد الفارس (مثل صاحب وصحب وتاجر وتجر) قاله أبو عبيدة. (﴿حاصبًا﴾) في قوله تعالى: ﴿أو يرسل عليكم حاصبًا﴾ [الإسراء: ٦٨] هو (الريح العاصف) أي الشديد ولم يؤنثه لأنه مجازي (والحاصب أيضًا ما ترمي به الريح ومنه: ﴿حصب جهنم﴾) أي (يرمى به في جهنم) بضم الياء وفتح الميم مبنيًّا للمفعول (وهو) أي الشيء الذي يرمى به، ولأبي ذر وهم أي القوم الذين يرمون فيها (حصبها ويقال حصب في الأرض) أي (ذهب) فيها (والحصب) محركًا (مشتق من الحصباء الحجارة). قال العيني لم يرد بالاشتقاق الاشتقاق المصطلح عليه أعني الاشتقاق الصغير لعدم صدقه عليه وتفسير الحصباء بالحجارة هو من تفسير الخاص بالعام قالوا والحصب الرمي بالحصباء وهي الحجارة الصغار قال الفرزدق: مستقبلين شمال الشام تضربهم … حصباء مثل نديف القطن منثور ولغير أبي ذر الحصباء والحجارة بزيادة واو. (﴿تارة﴾) في قوله تعالى: ﴿أم أمنتم أن يعيدكم فيه تارة﴾ [الإسراء: ٦٩] أي (مرة) فهي مصدر (وجماعته) أي لفظ تارة (تيرة) بكسر الفوقية وفتح التحتية (وتارات) قال الشاعر: وإنسان عيني يحسر الماء تارة … فيبدو تارات يجم فيغرق وألفها يحتمل أن تكون عن واو أو ياء. قال الراغب: هو فيما قيل من تار الجرح بمعنى التأم. (﴿لأحتنكن﴾) في قوله: ﴿لأحتنكن ذريته﴾ [الإسراء: ٦٢] أي (لأستأصلنهم) أي بالإغواء وقيل لاستولين عليهم استيلاء من جعل في حنك الدابة حبلًا يقودها فلا تأبى ولا تشمس عليه (يقال احتنك فلان ما عند فلان من علم) أي (استقصاه) وعن مجاهد فيما رواه سعيد بن منصور لأحتنكن لأحتوين قال: يعني شبه الزناق، وقال ابن زيد لأضلنهم وكلها متقاربة. (﴿طائره﴾) في قوله تعالى: ﴿وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه﴾ [الإسراء: ١٣] هو (حظه) بالحاء المهملة والظاء المعجمة وقال ابن عباس خيره وشره مكتوب عليه لا يفارقه. وقال الحسن فيما رواه السمرقندي: عمله. زاد في الأنوار وما قدر له كأنه طير إليه من عش الغيب،

стр. 5317

والمعنى أن عمله لازم له لزوم القلادة أو الغل لا ينفك عنه وخص العنق حيث قال في عنقه من بين سائر الأعضاء لأن الذي عليه إما أن يكون خيرًا يزينه أو شرًّا يثينه وما يزين يكون كالطوق والحلي وما يشين يكون كالغل. (قال) ولأبي ذر وقال: (ابن عباس) ﵄ مما وصله ابن عيينة في تفسيره في قوله: ﴿واجعل لي من لدنك سلطانًا نصيرًا﴾ [الإسراء: ٨٢] وقوله: ﴿فقد جعلنا لوليه سلطانًا﴾ [الإسراء: ٣٣] (كل سلطان) ذكر (في القرآن فهو حجة) فمعنى سلطانًا نصيرًا حجة ينصرني على من خالفني، وجعلنا لوليه سلطانًا حجة يتسلط بها على المؤاخذة بمقتضى القتل. (﴿ولي من الذل﴾) أي (لم يحالف) بالحاء المهملة أي لم يوال (أحدًا) من أجل مذلة به ليدفعها بموالاته. ٣ - باب قَوْلِهِ: ﴿أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الإسراء: ١] (باب قوله) جل وعلا: (﴿أسرى بعبده﴾) محمد ﷺ بجسده وروحه يقظة (﴿ليلًا من المسجد الحرام﴾) [الإسراء: ١] مسجد مكة بعينه لحديث أنس المروي في الصحيحين، وسرى وأسرى بمعنى وقال (ليلًا) بلفظ التنكير. قال الزمخشري: ليفيد تقليل مدّة الإسراء وأنه أسري به في بعض الليل من مكة إلى الشام مسيرة أربعين ليلة فدلّ على أن التنكير دل على البعضية، ويشهد لذلك قراءة عبد الله وحذيفة من الليل أي بعضه كقوله: ﴿ومن الليل فتهجد به﴾ [الإسراء: ٧٩] اهـ. قال صاحب الدر: فيكون سرى وأسرى كسقى وأسقى والهمزة ليست للتعدية وإنما المعدي الباء في بعبده وقد تقرر أنها لا تقتضي مصاحبة الفاعل للمفعول عند الجمهور خلافًا للمبرد، وزعم ابن عطية أن مفعول أسرى محذوف وأن التعدية بالهمزة أي أسرى الملائكة بعبده لأنه يبعد أن يسند أسرى، وهو بمعنى سرى إلى الله تعالى إذ هو فعل يقتضي النقلة كمشى وانتقل فلا يحسن إسناد شيء من هذا مع وجود مندوحة عنه، فإذا وقع في الشريعة شيء من ذلك تأوّلناه نحو أتيته هرولة. قال شهاب الدين: وهذا كله إنما بناه اعتقادًا على أن التعدية بالباء تقتضي مصاحبة الفاعل للمفعول في ذلك وهذا شيء ذهب إليه المبرد، فإذا قلت: قمت بزيد لزم منه قيامك وقيام زيد عنده، وهذا ليس كذلك التبست عنده باء التعدية بباء الحال فباء الحال تلزم فيها المشاركة إذ المعنى قمت ملتبسًا بزيد وباء التعدية مرادفة للهمزة فقمت بزيد والباء للتعدية كقولك: أقمت زيدًا ولا يلزم من إقامتك هو أن تقوم أنت وأيضًا فموارد القرآن في فأسر بقطع الهمزة ووصلها تقتضي أنهما بمعنى واحد ألا ترى أن قوله: فاسر باهلك وأن أسر بعبادي قرئ بالقطع والوصل ويبعد

стр. 5318

مع القطع تقدير مفعول محذوف إذ لم يصرح به في موضع فيستدل بالمصرح على المحذوف قاله أبو حبان وقد تقدم الردّ على هذا المذهب. وقال صاحب فتوح الغيب: ويمكن أن يراد بالتنكير في ليلًا التعظيم والتفخيم والمقام يقتضيه. ألا ترى كيف افتتح السورة بالكلمة المنبئة عنه ثم وصف المسرى به بالعبودية ثم أردف تعظيم المكانين بالحرام وبالبركة لما حوله تعظيمًا للزمان، ثم تعظيم الآيات بإضافتها إلى صيغة التعظيم وجمعها ليشمل جميع أنواع الآيات وكل ذلك شاهد صدق على ما نحن بصدده والمعنى ما أعظم شأن من أسرى بمن حقق له مقام العبودية وصحح استئهاله للعناية السرمدية أي ليل له شأن جليل ليل دنا فيه الحبيب من المحبوب وفاز في مقام الشهود بالمطلوب فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى ما كذب الفؤاد ما رأى، فحينئذ ينطبق عليه التعليل بقوله: إنه هو السميع البصير أي السميع بأحوال ذلك العبد والبصير لأفعاله العالم بكونها مهذبة خالصة عن شوائب الهوى مقرونة بالصدق والصفاء مستأهلة للقرب، وسقط لفظ باب لغير أبي ذر. ٤٧٠٩ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ ح وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا عَنْبَسَةُ، حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةَ أُسْرِىَ بِهِ بِإِيلِيَاءَ بِقَدَحَيْنِ مِنْ خَمْرٍ وَلَبَنٍ فَنَظَرَ إِلَيْهِمَا فَأَخَذَ اللَّبَنَ قَالَ جِبْرِيلُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَاكَ لِلْفِطْرَةِ لَوْ أَخَذْتَ الْخَمْرَ غَوَتْ أُمَّتُكَ. وبه قال: (حدّثنا عبدان) لقب عبد الله بن عثمان المروزي قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: أخبرنا (عبد الله) بن المبارك المروزي قال: (أخبرنا) ولأبي ذر: حدّثنا (يونس) بن يزيد الأيلي (ح) مهملة لتحويل السند قال المؤلّف بالسند: (وحدّثنا أحمد بن صالح) أبو جعفر المصري قال: (حدّثنا عنبسة) بن خالد بن أبي النجاد الأيلي قال: (حدّثنا يونس) بن يزيد (عن ابن شهاب) الزهري (قال ابن المسيب) سعيد (قال أبو هريرة) ﵁ (أُتي) بضم الهمزة مبنيًا للمفعول (رسول الله ﷺ ليلة أسري به) من المسجد الحرام وهو (بإيلياء) بكسر الهمزة واللام بينهما تحتية ساكنة ممدودًا بيت المقدس (بقدحين) أحدهما (من خمر و) الآخر من (لبن فنظر) ﵊ (إليهما فأخذ اللبن﴾) وترك الخمر، وإسقاط إناء العسل المذكور في الروايات الأخرى اختصار من الراوي أو نسيان ولا تنافي في ذلك (قال): ولأبوي ذر والوقت فقال (جبريل الحمد لله الذي هداك للفطرة) الإسلامية (لو أخذت الخمر غوت أمتك) بحذف اللام من لغوت. قال ابن مالك فيما نقله عنه في المصابيح يظن بعض النحويين أن لام جواب لو في نحو لو فعلت لفعلت لازمة والصحيح جواز حذفها في أفصح الكلام نحو: ﴿لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي﴾ ﴿أنطعم من لو يشاء الله أطعمه﴾ [يس: ٤٧].

стр. 5319

وهذا الحديث أخرجه المؤلّف أيضًا في الأشربة وكذا مسلم والنسائي فيه. ٤٧١٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «لَمَّا كَذَّبَنِي قُرَيْشٌ قُمْتُ فِي الْحِجْرِ، فَجَلَّى اللَّهُ لِي بَيْتَ الْمَقْدِسِ فَطَفِقْتُ أُخْبِرُهُمْ عَنْ آيَاتِهِ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ». زَادَ يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَمِّهِ «لَمَّا كَذَّبَنِي قُرَيْشٌ حِينَ أُسْرِيَ بِي إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ» نَحْوَهُ قَاصِفًا: رِيحٌ تَقْصِفُ كُلَّ شَيْءٍ. وبه قال: (حدّثنا أحمد بن صالح) المصري قال: (حدّثنا ابن وهب) عبد الله المصري (قال: أخبرني) بالإفراد (يونس) بن يزيد (عن ابن شهاب) الزهري أنه قال: (قال أبو سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف (سمعت جابر بن عبد الله) الأنصاري (﵄ قال: سمعت النبي ﷺ يقول): (لما كذبني قريش) في خبر الإسراء كما سيأتي إن شاء الله قريبًا وللحموي والكشميهني كذبتني بتاء التأنيث (قمت في الحجر) بكسر الحاء وسكون الجيم الذي أكثره من الكعبة وكانوا سألوه أن ينعت لهم المسجد الأقصى وفيهم من رآه وعرفه (فجلّى الله) بالجيم وتشديد اللام أي كشف (لي بيت المقدس فطفقت) أي شرعت وأخذت (أخبرهم عن آياته) أي علاماته (وأنا أنظر إليه) زاد في حديث ابن عباس عند النسائي فقال القوم: أما النعت فقد أصاب. (زاد يعقوب بن إبراهيم) بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف فقال: (حدّثنا ابن أخي ابن شهاب) محمد بن عبد الله بن مسلم (عن عمه) محمد بن مسلم الزهري (لما كذبني) ولأبي ذر: كذبتني (قريش حين أُسري بي إلى بيت المقدس نحوه) أي نحو الحديث السابق. وهذه الرواية وصلها الذهلي في الزهريات عن يعقوب. (قاصفًا) من الريح هو (ريح تقصف كل شيء) تمرّ به من قصف متعديًا وهذه ساقطة لأبي ذر. ٤ - باب ﴿كَرَّمْنَا﴾ وَأَكْرَمْنَا وَاحِدٌ، ضِعْفَ الْحَيَاةِ: عَذَابَ الْحَيَاةِ وَعَذَابَ الْمَمَاتِ. خِلَافَكَ وَخَلْفَكَ: سَوَاءٌ، وَنَأَى: تَبَاعَدَ: شَاكِلَتِهِ: نَاحِيَتِهِ وَهْيَ مِنْ شَكْلِهِ. صَرَّفْنَا: وَجَّهْنَا، قَبِيلًا مُعَايَنَةً وَمُقَابَلَةً وَقِيلَ: الْقَابِلَةُ لأَنَّهَا مُقَابِلَتُهَا وَتَقْبَلُ وَلَدَهَا. خَشْيَةَ الإِنْفَاقِ: أَنْفَقَ الرَّجُلُ أَمْلَقَ وَنَفِقَ الشَّيْءُ ذَهَبَ. قَتُورًا: مُقَتِّرًا، لِلأَذْقَانِ مُجْتَمَعُ اللَّحْيَيْنِ، وَالْوَاحِدُ ذَقَنٌ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مَوْفُورًا: وَافِرًا. تَبِيعًا: ثَائِرًا، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: نَصِيرًا. خَبَتْ: طَفِئَتْ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا تُبَذِّرْ: لَا تُنْفِقْ فِي الْبَاطِلِ.

стр. 5320

ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ: رِزْقٍ مَثْبُورًا: مَلْعُونًا. لَا تَقْفُ: لَا تَقُلْ، فَجَاسُوا: تَيَمَّمُوا. يُزْجِي الْفُلْكَ: يُجْرِي الْفُلْكَ، يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ: لِلْوُجُوهِ. (﴿كرمنا﴾) ولأبي ذر باب قوله تعالى: ﴿ولقد كرمنا بني آدم﴾ [الإسراء: ٧٠] كرمنا (وأكرمنا واحد) وهو من كرم بالضم كشرف والمعنى جعلنا لهم كرمًا أي شرفًا وفضلًا وهذا كرم نفي النقصان لا كرم المال وتكريمهم كما قال في الأنوار بحسن الصورة والمزاج الأعدل واعتدال القامة والتمييز بالعقل والإفهام بالنطق والإشارة والخط والهدى إلى أسباب المعاش والمعاد والتسلط على ما في الأرض والتمكن من الصناعات إلى ما يعود عليهم بالمنافع إلى غير ذلك مما يقف الحصر دون إحصائه، واستدلّ بالآية على طهارة ميتة الآدمي لأن قضية تكريمه أن لا يحكم بنجاسته بالموت كما نص عليه في الأم ولأنه، ﷺ قبل عثمان بن مظعون بعد موته ودموعه تجري على خده فلو كان نجسًا لما قبّله مع ظهور رطوبته ولأنا تعبدنا بغسله والنجس لا يتعبد بغسله لأن غسله يزيد النجاسة وسواء المسلم والكافر، وأما قوله تعالى: ﴿إنما المشركون نجس﴾ [التوبة: ٢٨] فالمراد نجاسة الاعتقاد أو اجتنابهم كالنجس لا نجاسة الأبدان. (﴿ضعف الحياة﴾) في قوله تعالى: ﴿ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئًا قليلًا إذًا لأذقناك ضعف الحياة﴾ [الإسراء: ٧٤] أي لو قاربت تركن إليهم أدنى ركنة لأذقناك (عذاب الحياة) أي (وعذاب الممات) ولأبي ذر: وضعف الممات بدل وعذاب الممات أي ضعف ما يعذب به في الدارين بمثل هذا الفعل غيرك لأن خطأ الخطير أخطر. وكان أصل الكلام عذابًا ضعفًا في الحياة وعذابًا ضعفًا في الممات بمعنى مضاعفًا ثم حذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه، ثم أضيفت الصفة إضافة الموصوف فقيل ضعف الحياة وضعف الممات كما لو قيل: لأذقناك أليم الحياة وأليم الممات، في قوله: ﴿ولولا أن ثبتناك﴾ [الإسراء: ٧٤] تصريح بأنه ﷺ ما همّ بإجابتهم مع قوّة الداعي إليها وفيه تخويف لأمته لئلا يركن أحد من المسلمين إلى أحد من المشركين فافهم واعلم. (خلافك وخلفك) في قوله تعالى: ﴿وإذًا لا يلبثون خلافك إلا قليلًا﴾ [الإسراء: ٧٦] والأولى بكسر الخاء وفتح اللام وألف بعدها وهي قراءة ابن عامر وحفص وحمزة والكسائي والأخرى بفتح فسكون وهما (سواء) في المعنى أي لا يبقون بعد خروجك من مكة إلا زمنًا قليلًا وقد كان كذلك فإنهم أهلكوا ببدر بعد هجرته بسنة. (﴿ونأى﴾) في قوله تعالى: ﴿وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى﴾ [الإسراء: ٨٣] قال أبو عبيدة أي (تباعد) ومنه النؤي لحفرة حول الخباء تباعد الماء عنه وقرأ ابن ذكوان بتقديم الألف على الهمزة بوزن شاء من ناء ينوء إذا نهض وأظنها رواية غير أبي ذر في البخاري. (﴿شاكلته﴾) في قوله تعالى: ﴿قل كل يعمل على شاكلته﴾ [الإسراء: ٨٤] قال ابن عباس فيما وصله الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عنه أي على (ناحيته)، وزاد أبو عبيدة وخليقته

стр. 5321

(وهي) أي الشاكلة مشتقة (من شكله) بفتح الشين وهو المثل قال امرؤ القيس: حيّ المحمول بجانب العزل … إذ لا يلائم شكلها شكلي أي: لا يلائم مثلها مثلي، ولأبي ذر من شكلته إذا قيدته. قال في الدر: والشاكلة أحسن ما قيل فيها ما قاله في الكشاف إنها مذهبه الذي يشاكل حاله في الهدى والضلالة من قولهم: طريق ذو شواكل وهي الطرق التي تشعبت منه، والدليل عليه قوله: ﴿فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلًا﴾ [الإسراه: ٨٤] وقال الراغب: على شاكلته أي سجيته التي قيدته من شكلت الدابة وذلك أن سلطان السجية على الإنسان قاهر. (﴿صرّفنا﴾) للناس قال أبو عبيدة أي (وجهنا) وبيَّنَّا وفي مفعوله وجهان: أحدهما؛ أنه مذكور وفي مزيدة أي ولقد صرفنا هذا القرآن. والثاني؛ أنه محذوف أي ولقد صرفنا أمثاله ومواعظه وقصصه وأخباره وأوامره. (﴿قبيلًا﴾) في قوله تعالى: ﴿أو تأتي بالله والملائكة قبيلًا﴾ [الإسراه: ٩٢] قال أبو عبيدة أي (معاينة ومقابلة) أو معناه كفيلًا بما تدّعيه (وقيل القابلة) المرأة التي تتولى ولادة المرأة (لأنها مقابلتها وتقبل ولدها) أي تتلقاها عند الولادة. قال الأعشى: كصرخة حبلى بشرتها قبيلها أي قابلتها. (﴿خشية الإنفاق﴾) في قوله: ﴿إذًا لأمسكتم خشية الإنفاق﴾ [الإسراء: ١٠٠] يقال (أنفق الرجل) أي (أملق) والإملاق الفاقة (ونفق الشيء) بكسر الفاء مصححًا عليها في الفرع كأصله أي (ذهب) وفي حاشية موثوق بها في اليونينية نفق الشيء بفتح الفاء هي اللغة الفصحى ويقال بكسرها وليست بالعالية. وفي الصحاح أنفق الرجل أي افتقر وذهب ماله ومنه قوله تعالى: ﴿إذًا لأمسكتم خشية الإنفاق﴾. (﴿قتورًا﴾) في قوله تعالى: ﴿وكان الإنسان قتورًا﴾ [الإسراء: ١٠٢] قال أبو عبيدة أي (مقترًا) من الإقتار أي بخيلًا يريد أن في طبعه ومنتهى نظره أن الأشياء تتناهى وتفنى فهو لو ملك خزائن رحمة الله لأمسك خشية الفقر. (﴿للأذقان﴾) في قوله: ﴿ويخرّون للأذقان سُجدًا﴾ [الإسراء: ١٠٧] هي (مجتمع اللحيين) اسم مكان بضم الميم الأولى وفتح الثانية أي على اجتماع اللحيين بفتح اللام وقد تكسر تثنية لحي وهو العظم الذي عليه الأسنان (والواحد ذقن). بفتح المعجمة والقاف والمعنى يسقطون على وجوههم تعظيمًا لأمر الله وشكرًا لإنجاز وعده في تلك الكتب ببعثة محمد ﷺ على فترة من الرسل وإنزال القرآن عليه قاله القاضي وسقط واو والواحد لأبي ذر.

стр. 5322

(وقال مجاهد): فيما وصله الطبري من طريق ابن أبي نجيح عنه في قوله تعالى: ﴿فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفورًا﴾ [الإسراء: ٦٣] أي (وافرًا) مكملًا والمراد جزاؤك وجزاؤهم لكنه غلب المخاطب على الغائب. (﴿تبيعًا﴾) في قوله تعالى: ﴿ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعًا﴾ [الإسراء: ٦٩] أي (ثائرًا) أي طالبًا للثأر منتقمًا وهذا تفسير مجاهد وصله عنه الطبري من الطريق السابق. (وقال ابن عباس) ﵄ فيما وصله ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عنه في قوله تبيعًا أي (نصيرًا). وقوله تعالى: ﴿كلما﴾ (﴿خبت﴾) أي (طفئت) بفتح الطاء وكسر الفاء وفتح الهمزة قالوا خبت النار إذا سكن لهبها والجمر على حاله وخمدت إذا سكن الجمر وضعف وهمدت إذا طفئت جملة، والمعنى كلما أكلت النار جلودهم ولحومهم زدناهم سعيرًا أي توقدًا بأن تبدّل جلودهم ولحومهم فترجع ملتهبة مستعرة كأنهم لما كذبوا بالإعادة بعد الإفناء جزاهم الله بأن لا يزالوا على الإعادة والإفناء. (وقال ابن عباس): فيما وصله الطبري من طريق عطاء عنه في قوله تعالى: ﴿ولا تبذر﴾ أي (لا تنفق في الباطل) وأصل التبذير التفريق ومنه البذر لأنه يفرق في الأرض للزراعة قال: ترائب يستضيء الحلي فيها … كجمر النار بذر في الظلام ثم غلب في الإسراف فيها النفقة وسقط لأبي ذر قوله خبت طفئت. وقال ابن عباس: (﴿ابتغاء رحمة﴾) في قوله: (﴿وإما تعرضنّ عنهم ابتغاء رحمة﴾ [الإسراء: ٢٨] قال ابن عباس فيما رواه الطبري أي ابتغاء (رزق) من الله ترجوه أن يأتيك. (﴿مثبورًا﴾) في قوله تعالى: ﴿وإني لأظنك يا فرعون مثبورًا﴾ [الإسراء: ٣٦] قال ابن عباس أي (ملعونًا) وقال مجاهد هالكًا ولا ريب أن الملعون هالك. (﴿لا تقف﴾) في قوله تعالى: ﴿ولا تقف﴾ أي (لا تقل) ﴿ما ليس لك به علم﴾ [الإسراء: ٣٦] تقليدًا ورجمًا بالغيب وهذا ساقط لأبي ذر. (﴿فجاسوا﴾) في قوله تعالى: ﴿فجاسوا خلال الديار﴾ [الإسراء: ٥] أي (تيمموا) أي قصدوا وسطها للقتل والإغارة. (﴿يزجي الفلك﴾) في قوله تعالى: ﴿ربكم الذي يزجي لكم الفلك﴾ [الإسراء: ٦٦] أي (يجري الفلك) قاله ابن عباس فيما وصله الطبري. (﴿يخرون للأذقان﴾) قال ابن عباس فيما وصله الطبري أي (للوجوه) وعن معمر عن الحسن للحي وهذا موافق لما مرّ في تفسيره قريبًا.

стр. 5323

٠٠٠ - باب قَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾ [الإسراء: ١٦] (باب قوله) جل وعلا: (﴿وإذا أردنا أن نهلك قرية﴾) أي أهلها (﴿أمرنا مترفيها﴾) [الإسراء: ١٦] (الآية). واختلف في متعلق الأمر هنا فعن ابن عباس وغيره أنه أمرنا متنعميها بالطاعة أي على لسان رسول بعثناه إليهم ففسقوا ورده في الكشاف ردًّا شديدًا وأنكره إنكارًا بليغًا في كلام طويل حاصله أنه حذف ما لا دليل عليه وهو غير جائز وقدّر هو متعلق الأمر الفسق أي أمرناهم بالفسق ففعلوا والأمر مجاز لأن حقيقة أمرهم بالفسق أن يقول لهم افسقوا وهذا لا يكون فبقي أن يكون مجازًا، ووجه المجاز أنه صب عليهم النعمة صبًّا فجعلوها ذريعة إلى المعاصي واتّباع الشهوات فكأنهم مأمورون بذلك لتسبب إبلاء النعمة فيه وإنما قولهم إياها ليشكروا فآثروا الفسوق فلما فسقوا حق عليها القول وهي كلمة العذاب فدمرهم، وأجاب في البحر بأن قوله لأن حذف ما لا دليل عليه غير جائز تعليل لا يصح فيما نحن بسبيله، بل ثم ما يدل على حذفه لأن حذف الشيء تارة يكون لدلالة موافقه عليه ومنه ما مثل به هو في قوله في جملة هذا المبحث أمرته فقام وأمرته فقرأ وتارة يكون لدلالة خلافه أو ضده أو نقيضه فمن ذلك قوله تعالى: ﴿وله ما سكن في الليل والنهار﴾ [الأنعام: ١٣] أي ما سكن وما تحرّك. و ﴿سرابيل تقيكم الحر﴾ أي والبرد وتقول: أمرته فلم يحسن وهذه الآية من هذا القبيل يستدل على حذف النقيض بإثبات نقيضه ودلالة النقيض على النقيض كدلالة النظير على النظير وهذا الباب مع ما ذكره من قوله: وإذا أردنا الخ. ثابت عن أبي ذر بهامش الفرع هنا وبعد قوله السابق مثبورًا ملعونًا ونبّه محرره ومقابله العلاّمة محمد المزي أنه وجد كذا في الموضعين من اليونينية. ٤٧١١ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، أَخْبَرَنَا مَنْصُورٌ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كُنَّا نَقُولُ لِلْحَيِّ إِذَا كَثُرُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَمِرَ بَنُو فُلَانٍ. وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة قال: (أخبرنا منصور) هو ابن المعتمر (عن أبي وائل) شقيق بن سلمة (عن عبد الله) بن مسعود ﵁ أنه (قال: كنا نقول للحي) أي للقبيلة (إذا كثروا في الجاهلية أمر) بفتح الهمزة وكسر الميم (بنو فلان). ٠٠٠ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ وَقَالَ: أَمِرَ. وبه قال: (حدّثنا الحميدي) عبد الله بن الزبير المكي قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (وقال) أي الحميدي عن سفيان (أمر) بكسر الميم كالأول كذا في فرعين لليونينية كالأصل وقال الحافظ ابن حجر وغيره: إن الأولى بكسر الميم والثانية بفتحها وهما لغتان وبالفتح قرأ الجمهور الآية وقرأها ابن عباس بالكسر ويعقوب بمدّ الهمزة وفتح الميم ومجاهد بتشديد الميم من الإمارة والحاصل أن سياق المؤلّف لحديث ابن مسعود لينبه على أن معنى أمرنا في الآية كثرنا مترفيها

стр. 5324

وهي لغة حكاها أبو حاتم ونقلها الواحدي عن أهل اللغة وقال أبو عبيدة من أنكرها لم يلتفت إليه لثبوتها في اللغة. ٥ - باب: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ [الإسراء: ٣] (باب) قوله تعالى: (﴿ذرية من حملنا مع نوح﴾) بنصب ذرية على الاختصاص أو على البدل من وكيلًا أي لا تتخذوا من دوني وكيلًا ذرية من حملنا مع نوح (﴿إنه﴾) أي إن نوحًا (﴿كان عبدًا شكورًا﴾) [الإسراء: ٣] قال الحافظ ابن كثير: وقد ورد في الحديث والأثر عن السلف أن نوحًا ﵇ كان يحمد الله على طعامه وشرابه ولباسه وشأنه كله فلهذا سمي عبدًا شكورًا، وصحح ابن حبان من حديث سلمان كان نوح إذا طعم أو لبس حمد الله فسمي عبدًا شكورًا، وله شاهد عند ابن مردويه من حديث معاذ بن أنس وفيه تهييج على الشكر على النعم لا سيما نعمة الإسلام ومحمد ﷺ وسقط باب لغير أبي ذر. ٤٧١٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا أَبُو حَيَّانَ التَّيْمِيُّ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِلَحْمٍ فَرُفِعَ إِلَيْهِ الذِّرَاعُ وَكَانَتْ تُعْجِبُهُ فَنَهَسَ مِنْهَا نَهْسَةً، ثُمَّ قَالَ: «أَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَهَلْ تَدْرُونَ مِمَّ ذَلِكَ يُجْمَعُ النَّاسُ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ يُسْمِعُهُمُ الدَّاعِي وَيَنْفُذُهُمُ الْبَصَرُ وَتَدْنُو الشَّمْسُ فَيَبْلُغُ النَّاسَ مِنَ الْغَمِّ وَالْكَرْبِ مَا لَا يُطِيقُونَ وَلَا يَحْتَمِلُونَ فَيَقُولُ النَّاسُ: أَلَا تَرَوْنَ مَا قَدْ بَلَغَكُمْ أَلَا تَنْظُرُونَ مَنْ يَشْفَعُ لَكُمْ إِلَى رَبِّكُمْ؟ فَيَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ لِبَعْضٍ عَلَيْكُمْ بِآدَمَ، فَيَأْتُونَ آدَمَ ﵇ فَيَقُولُونَ لَهُ أَنْتَ أَبُو الْبَشَرِ خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ وَأَمَرَ الْمَلَائِكَةَ فَسَجَدُوا لَكَ اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ أَلَا تَرَى إِلَى مَا قَدْ بَلَغَنَا فَيَقُولُ آدَمُ: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ وَإِنَّهُ نَهَانِي عَنِ الشَّجَرَةِ فَعَصَيْتُهُ نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى نُوحٍ فَيَأْتُونَ نُوحًا فَيَقُولُونَ يَا نُوحُ إِنَّكَ أَنْتَ أَوَّلُ الرُّسُلِ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ وَقَدْ سَمَّاكَ اللَّهُ عَبْدًا شَكُورًا، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ فَيَقُولُ: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ وَإِنَّهُ قَدْ كَانَتْ لِي دَعْوَةٌ دَعَوْتُهَا عَلَى قَوْمِي نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى إِبْرَاهِيمَ فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ فَيَقُولُونَ: يَا إِبْرَاهِيمُ أَنْتَ نَبِيُّ اللَّهِ وَخَلِيلُهُ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ فَيَقُولُ لَهُمْ: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنِّي قَدْ كُنْتُ كَذَبْتُ ثَلَاثَ كَذَبَاتٍ" فَذَكَرَهُنَّ أَبُو حَيَّانَ فِي الْحَدِيثِ "نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى مُوسَى فَيَأْتُونَ مُوسَى فَيَقُولُونَ يَا مُوسَى أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ فَضَّلَكَ اللَّهُ بِرِسَالَتِهِ وَبِكَلَامِهِ عَلَى النَّاسِ اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟

стр. 5325

فَيَقُولُ: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنِّي قَدْ قَتَلْتُ نَفْسًا لَمْ أُومَرْ بِقَتْلِهَا نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي اذْهَبُوا إِلَى عِيسَى، فَيَأْتُونَ عِيسَى فَيَقُولُونَ: يَا عِيسَى أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ وَكَلَّمْتَ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا اشْفَعْ لَنَا أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ فَيَقُولُ عِيسَى: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ وَلَمْ يَذْكُرْ ذَنْبًا نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي اذْهَبُوا إِلَى مُحَمَّدٍ ﷺ فَيَأْتُونَ مُحَمَّدًا ﷺ فَيَقُولُونَ: يَا مُحَمَّدُ أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ وَخَاتَمُ الأَنْبِيَاءِ وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ فَأَنْطَلِقُ فَآتِي تَحْتَ الْعَرْشِ فَأَقَعُ سَاجِدًا لِرَبِّي ثُمَّ يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ مَحَامِدِهِ وَحُسْنِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ شَيْئًا لَمْ يَفْتَحْهُ عَلَى أَحَدٍ قَبْلِي، ثُمَّ يُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ سَلْ تُعْطَهْ وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَرْفَعُ رَأْسِي فَأَقُولُ: أُمَّتِي يَا رَبِّ أُمَّتِي يَا رَبِّ، فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ أَدْخِلْ مِنْ أُمَّتِكَ مَنْ لَا حِسَابَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْبَابِ الأَيْمَنِ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ وَهُمْ شُرَكَاءُ النَّاسِ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ الأَبْوَابِ، ثُمَّ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ مَا بَيْنَ الْمِصْرَاعَيْنِ مِنْ مَصَارِيعِ الْجَنَّةِ كَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَحِمْيَرَ أَوْ كَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَبُصْرَى». وبه قال: (حدّثنا محمد بن مقاتل) المروزي قال: (أخبرنا عبد الله) بن المبارك المروزي أيضًا قال: (أخبرنا أبو حيان) بفتح الحاء المهملة والتحتية المشدّدة يحيى بن سعيد بن حيان (التيمي) تيم الرباب الكوفي (عن أبي زرعة) هرم (بن عمرو بن جرير) البجلي الكوفي (عن أبي هريرة ﵁) أنه (قال: أُتي) بضم الهمزة مبنيًا للمفعول (رسول الله ﷺ ¬) ولأبي ذر عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ أُتي (بلحم فرفع إليه الذراع) قال السفاقسي: الصواب فرفعت إليه الذراع (وكانت تعجبه) لزيادة لذتها (فنهس منها نهسة) بالسين المهملة فيهما أي أخذ منها بأطراف أسنانه ولأبي ذر: فنهش منها نهشة بالمعجمة أي بأضراسه أو بجميع أسنانه (ثم قال): إعلامًا لأمته بقدره عند الله ليؤمنوا به كغيره مما جاء به من الواجبات: (أنا سيد الناس) آدم وجميع ولده (يوم القيامة) وتخصيصه بالقيامة يلزم منه ثبوت سيادته في الدنيا بطريق الأولوية، ونهيه عن التفضيل على طريق التواضع (وهل تدرون ممّ ذلك) ولأبي ذر: مم ذاك بالألف بدل اللام (يجمع الناس) بضم التحتية مبنيًّا للمفعول وللكشميهني والمستملي يجمع الله الناس (الأولين والآخرين في صعيد واحد) أرض واسعة مستوية (يسمعهم الداعي) بضم الياء من الإسماع (وينفذهم البصر) بفتح الياء وسكون النون والذال المعجمة أي يحيط بهم لا يخفى عليه منهم شيء لاستواء الأرض وعدم الحجاب (وتدنو الشمس). وفي الزهد لابن المبارك ومصنف ابن أبي شيبة واللفظ له بسند جيد عن سلمان قال: تعطي الشمس يوم القيامة حرّ عشر سنين، ثم تدنو من جماجم الناس حتى تكون قاب قوسين فيعرقون
следующие страницы →