Полный текст (8 298 стр.). Показаны 5356–5395 · переход к 5361.
стр. 5356
قد جعل طرفه تحت رجليه وطرفه) الآخر (تحت رأسه) وعند ابن أبي حاتم عن السدي فرأى الخضر وعليه جبة من صوف وكساء من صوف ومعه عصا قد ألقى عليها طعامه (فسلم عليه موسى فكشف) الثوب (عن وجهه) زاد مسلم في رواية أبي إسحاق وقال وعليكم السلام (وقال: هل بأرضي من سلام) لأنهم كانوا كفارًا أو كانت تحيتهم غير السلام ولأبي ذر عن الحموي والكشميهني هل بأرض بالتنوين ثم قال الخضر لموسى (من أنت؟ قال: أنا موسى قال) له: (أموسى بني إسرائيل؟ قال: نعم. قال: فما شأنك)؟ أي ما الذي تطلب (قال: جئت) إليك (لتعلمني مما علمت رشدًا) أي علمًا ذا رشد (قال) الخضر يا موسى (أما يكفيك أن التوراة بيديك) بالتثنية (وأن الوحي يأتيك) من الله على لسان جبريل وهذه الزيادة ليست في رواية سفيان فالظاهر أنها من رواية يعلى بن مسلم (يا موسى إن لي علمًا لا ينبغي لك أن تعلمه) أي كله (وإن لك علمًا لا ينبغي لي أن أعلمه) أي كله وتقدير هذا ونحوه متعين كما قال في الفتح لأن الخضر كان يعرف من الحكم الظاهر ما لا غنى للمكلف عنه وموسى كان يعرف من الحكم الباطن ما يأتيه بطريق الوحي. وقال البرماوي كالكرماني: وإنما قال لا ينبغي لي أن أعلمه لأنه إن كان نبيًا فلا يجب عليه تعلم شريعة نبي آخر وإن كان وليًا فلعله مأمور بمتابعة نبي غيره وقوله يا موسى ثابت لأبي ذر عن الحموي ساقط لغيره (فأخذ طائر) عصفور (بمنقاره من البحر) ماء (وقال) بالواو ولأبي ذر فقال أي الخضر: (والله ما علمي وما علمك في جنب علم الله إلا كما أخذ هذا الطائر بمنقاره من البحر).
وفي الرواية السابقة ما علمي وعلمك من علم الله إلا مثل ما نقص هذا العصفور من هذا البحر ولفظ النقص ليس على ظاهره، وإنما معناه أن علمي وعلمك بالنسبة إلى علم الله تعالى كنسبة ما أخذه العصفور بمنقاره إلى ماء البحر وهذا على التقريب إلى الإفهام وإلاّ فنسبة علمهما إلى علم الله أقل.
وروى النسائي من وجه آخر عن ابن عباس أن الخضر قال لموسى أتدري ما يقول هذا الطائر؟ قال: لا. قال: يقول ما علمكما الذي تعلمان في علم الله إلا مثل ما نقص منقاري من جميع هذا البحر وظاهر هذه الرواية كما في الفتح أن الطائر نقر في البحر عقب قول الخضر لموسى يا موسى إن لي علمًا. وفي رواية سفيان أن ذلك وقع بعد ما خرق السفينة فيجمع بأن قوله فأخذ طائر بمنقاره معقب بمحذوف وهو ركوبهما السفينة لتصريح سفيان بذكر السفينة.
(حتى إذا ركبا في السفينة وجدا معابر) بفتح الميم والعين المهملة وبعد الألف موحدة مكسورة فراء غير منصرف أي سفنًا (صغارًا) قال في الفتح وجدا معابر تفسير لقوله ركبا في السفينة لا جواب إذا لأن وجودهما المعابر كان قبل ركوبهما السفينة وقال ابن إسحاق بسنده إلى ابن عباس فيما ذكره ابن كثير في تفسيره فانطلقا يمشيان على ساحل البحر يتعرضان الناس يلتمسان من يحملهما حتى مرت بهما سفينة جديدة وثيقة لم يمر بهما من السفن شيء أحسن ولا أجمل ولا أوثق منها (تحمل أهل هذا الساحل إلى أهل هذا الساحل الآخر عرفوه) أي أهل السفينة عرفوا
стр. 5357
الخضر (فقالوا) هو (عبد الله الصالح قال): يحتمل أن يكون القائل يعلى بن مسلم (قلنا لسعيد) هو ابن جبير (خضر) أي هو خضر (قال: نعم) هو خضر (لا نحمله بأجر) أي بأجرة (فخرقها) بأن قلع لوحًا من ألواحها بالقدوم (ووتد فيها وتدًا) بتخفيف الفوقية الأولى مفتوحة وكسر الثانية مخففة ولأبي ذر وتد فيها بإسقاط الواو الأولى أي جعل فيها وتدًا مكان اللوح الذي قلعه (قال موسى) له: (أخرقتها لتغرق أهلها) اللام للعاقبة (لقد جئت شيئًا إمرًا).
(قال مجاهد) فيما رواه ابن جريج عنه في قوله إمرًا (منكرًا) ووصله عبد بن حميد من طريق ابن أبي نجيح عنه مثله قيل ولم يسمع ابن جريج من مجاهد (قال) الخضر: (﴿ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرًا﴾) أي لما ترى مني من الأفعال المخالفة لشريعتك لأني على علم من علم الله ما علمكه الله وأنت على علم من علم الله ما علمنيه الله فكل منا مكلف بأمور من الله دون صاحبه قاله ابن كثير (كانت الأولى) في رواية سفيان قال: قال رسول الله ﷺ وكانت بإثبات الواو (نسيانا) أي من موسى حيث قال لا تؤاخذني بما نسيت (والوسطى) حيث قال إن سألتك عن شيء بعدها (شرطًا، والثالثة) حيث قال لو شئت لاتخذت عليه أجرًا (عمدًا قال) موسى (لا تؤاخذني بما نسيت) أي تركت من وصيتك (ولا ترهقني من أمري عسرًا) أي لا تشدد علي (﴿لقيا غلامًا) في رواية سفيان السابقة فبينما هما يمشيان على الساحل إذ أبصر الخضر غلامًا (﴿فقتله﴾) الفاء للدلالة على أنه لما لقيه قتله من غير ترو واستكشاف حال فالقتل تعقب اللقاء.
(قال يعلى) بن مسلم بالإسناد السابق (قال سعيد) هو ابن جبير (وجد) أي الخضر (غلمانًا يلعبون فأخذ غلامًا) منهم (كافرًا ظريفًا) بالظاء المعجمة (فأضجعه ثم ذبحه بالسكين) بكسر المهملة (قال) موسى منكرًا عليه أشد من الأولى (أقتلت نفسًا زكية) بحذف الألف والتشديد وهي قراءة ابن عامر والكوفيين (بغير نفس لم تعمل بالحنث) بالحاء المهملة المكسورة والنون الساكنة لأنها لم تبلغ الحلم وهو تفسير لقوله زكية أي أقتلت نفسًا زكية لم تعمل الحنث بغير نفس ولأبي ذر لم تعمل الخبث بخاء معجمة وموحدة مفتوحتين.
(وكان ابن عباس) ولأبي ذر وابن عباس (قرأها زكية) بالتشديد (زاكية) بالتخفيف والمشددة أبلغ لأن فعيلًا المحوّل من فاعل يدل على المبالغة كما مر (زاكية) أي (مسلمة) بضم الميم وكسر اللام (كقولك غلامًا زكيًّا) بالتشديد وهذا تفسير من الراوي وأطلق ذلك موسى على حسب ظاهر حال الغلام لكن قال البرماوي وفي بعضها مسلمة بفتح المهملة واللام المشددة قال السفاقسي وهو أشبه لأنه كان كافرًا (فانطلقا فوجدا جدارًا يريد أن ينقض) أن يسقط والإرادة هنا على سبيل المجاز (فأقامه) الخضر (قال سعيد) من رواية ابن جريج عن عمرو بن دينار عنه (بيده) بالإفراد أي أقامه الخضر بيده (هكذا ورفع يده فاستقام. قال يعلى) بن مسلم (حسبت أن سعيدًا) يعني ابن جبير (قال فمسحه بيده) بالإفراد أيضًا ولأبي ذر عن الحموي والمستملي بيديه بالتثنية (فاستقام)، وقيل دعمه بدعامة تمنعه من السقوط أو هدمه وبل طينًا وأخذ في بنائه إلى أن كمل وعاد كما كان وكلها
стр. 5358
حكايات حال لا تثبت إلا بنقل صحيح والذي دل عليه القرآن الإقامة لا الكيفية وأحسن هذه الأقوال أنه مسحه أو دفعه بيده فاعتدل لأن ذلك أليق بحال الأنبياء وكرامات الأولياء إلا أن يصح عن الشارع أنه هدمه وبناه فيصار إليه (لو شئت) أي قال موسى للخضر: قوم أتيناهم فلم يطعمونا ولم يضيفونا كما في رواية سفيان لو شئت (لاتخذت) بتشديد التاء بعد وصل الهمزة (عليه) أي على تسوية الجدار (أجرًا قال سعيد أجرًا نأكله) أي جعلا نأكل به وإنما قال موسى: ذلك لأنه كان حصل له جهد كبير من فقد الطعام وخشى أن يختلط قوام البنية البشرية (وكان وراءهم) أي (وكان) ولأبي ذر وكان وراءهم ملك وكان (أمامهم قرأها ابن عباس أمامهم ملك) وهي قراءة شاذة مخالفة للمصحف لكنها مفسرة كقوله من ورائه جهنم وقول لبيد:
أليس ورائي إن تراخت منيتي … لزوم العصا تحنى عليها الأصابع
قال أبو عليّ: إنما جاز استعمال وراء بمعنى أمام على الاتساع لأنها جهة مقابلة لجهة وكانت كل واحدة من الجهتين وراء الأخرى إذا لم يرد معنى المواجهة والآية دالة على أن معنى وراء أمام لأنه لو كان بمعنى خلف كانوا قد جاوزوه فلا يأخذ سفينتهم قال ابن جريج: (يزعمون عن غير سعيد) يعني ابن جبير (أنه) أي الملك الذي كان يأخذ السفن غصبًا اسمه (هدد بن بدد) بضم الهاء وفتح الدال الأولى وبدد بضم الموحدة وفتح الدال الأولى أيضًا مصروف ولأبي ذر بدد غير مصروف. وحكى ابن الأثير فتح هاء هدد وباء بدد قال الحافظ ابن كثير: وهو مذكور في التوراة في ذرية العيص بن إسحاق وهو من الملوك المنصوص عليهم في التوراة (الغلام) بغير واو وفي اليونينية والغلام (المقتول اسمه يزعمون جيسور) بجيم مفتوحة فتحتية ساكنة فسين مهملة وبعد الواو الساكنة راء، ولأبي ذر عن الكشميهني حيسور بالحاء بدل الجيم وعند القابسي حنسور بنون بدل التحتية وعند عبدوس حيسون بنون بدل الراء (﴿ملك يأخذ كل سفينة غصبًا﴾) وفي قراءة أبي كل سفينة صالحة غصبًا رواه النسائي وكان ابن مسعود يقرأ كل سفينة صحيحة غصبًا (فأردت إذا هي مرّت به أن يدعها لعيبها فإذا جاوزوا) أي جاوزوا الملك (أصلحوها فانتفعوا بها) وبقيت لهم (ومنهم من يقول سدوها بقارورة ومنهم من يقول بالقار) وهو الزفت واستشكل التعبير بالقارورة إذ هي من الزجاج وكيف يمكن السد به فقيل يحتمل أن توضع قارورة بقدر الموضع المخروق فيه أو يسحق الزجاج ويخلط بشيء كالدقيق فيسد به وهذا قاله الكرماني. قال في الفتح: ولا يخفى بعده قال: وقد وجهت بأنها فاعولة من القار (كان أبواه) يعني الغلام المقتول (مؤمنين) بالتثنية للتغليب يريد أباه وأمه فغلب المذكر كالقمرين (وكان) هو (كافرًا) طبع على الكفر وهذا موافق لمصحف أبيّ وقوّة الكلام تشعر به لأنه لو لم يكن الولد كافرًا لم يكن لقوله وكان أبواه مؤمنين فائدة إذ لا مدخل لذلك في القصة لولا هذه الفائدة والمطبوع على الكفر الذي لا يرجى إيمانه كان قتله في تلك الشريعة واجبًا لأن أخذ الجزية لم يشرع إلا في شريعتنا وكان أبواه قد عطفا عليه.
(فخشينا أن يرهقهما) أي أن يغشاهما وعظم نفسه لأنه اختص من عند الله بموهبة لا يختص بها إلا من هو من خواص الحضرة وقال بعضهم لما ذكر العيب أضافه إلى نفسه وأضاف الرحمة في
стр. 5359
قوله أراد ربك إلى الله تعالى وعند القتل عظم نفسه تنبيهًا على أنه من العظماء في علوم الحكمة، ويجوز أن يكون فخشينا حكاية لقول الله تعالى، والمعنى أن الله تعالى أعلمه بحاله وأطلعه على سره وقال له اقتل الغلام لأنا نكره كراهية من خاف سوء العاقبة أن يغشى الغلام الوالدين المؤمنين (طغيانًا وكفرًا) قال ابن جريج عن يعلى بن مسلم عن سعيد بن جبير معناه (أن يحملهما حبه على أن يتابعاه على دينه) فإن حب الشيء يعمي ويصم، وقال أبو عبيدة في قوله يرهقهما أي يغشاهما.
وقال قتادة فرح به أبواه حين ولد وحزنا عليه حين قتل ولو بقي كان فيه هلاكهما فليرض المرء بقضاء الله فإن قضاء الله للمؤمن فيما يكره خير له من قضائه فيما يحب وصح في الحديث "لا يقضي الله للمؤمن قضاء إلا كان خيرًا له" (فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرًا منه) أي أن يرزقهما بدله ولذا خيرًا منه (زكاة) طهارة من الذنوب والأخلاق الرديئة (وأقرب رحمًا) وذكر هذا مناسبة (لقوله: ﴿أقتلت نفسًا زكية﴾) بالتشديد (وأقرب رحمًا) أي (هما) أي الأبوان (به) أي بالولد الذي سيرزقانه (أرحم منهما بالأول الذي قتل خضر). وقيل رحمة وعطفًا على والديه، وسقط لأبي ذر وأقرب رحمًا واقتصر على واحدة منهما. قال ابن جريج (وزعم غير سعيد) أي ابن جبير (أنهما أبدلا جارية) مكان المقتول فولدت نبيًّا من الأنبياء رواه النسائي ولابن أبي حاتم من طريق السدي قال: ولدت جارية فولدت نبيًّا وهو الذي كان بعد موسى فقالوا له ابعث لنا ملكًا نقاتل في سبيل الله واسم هذا النبي شمعون واسم أمه حنة. وفي تفسير ابن الكلبي فولدت جارية ولدت عدة أنبياء فهدى الله بهم أممًا وقيل عدة من جاء من ولدها من الأنبياء سبعون نبيًّا وعند ابن مردويه من حديث أبيّ بن كعب أنها ولدت غلامًا لكن إسناده ضعيف كما قاله في الفتح قال ابن جريج.
(وأما داود بن أبي عاصم) أي ابن عروة الثقفي التابعي الصغير (فقال: عن غير واحد أنها جارية) وهذا هو المشهور وروي مثله عن يعقوب أخي داود مما رواه الطبري، وقال ابن جريج لما قتله الخضر كانت أمه حاملًا بغلام مسلم ذكره ابن كثير وغيره ويستنبط من الحديث فوائد لا تخفى على متأمل فلا نطيل بها.
٤ - باب قَوْلِهِ: ﴿فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الحُوتَ﴾ [الكهف: ٦٢، ٦٣]
صُنْعًا: عَمَلًا، حِوَلًا: تَحَوُّلًا. قَالَ: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ [الكهف: ٦٤] إِمْرًا وَنُكْرًا دَاهِيَةً، يَنْقَضَّ يَنْقَاضُ كَمَا تَنْقَاضُ السِّنُّ. لَتَخِذْتَ وَاتَّخَذْتَ وَاحِدٌ. رُحْمًا مِنَ الرُّحْمِ وَهْيَ أَشَدُّ مُبَالَغَةً مِنَ الرَّحْمَةِ وَنَظُنُّ أَنَّهُ مِنَ الرَّحِيمِ وَتُدْعَى مَكَّةُ أُمَّ رُحْمٍ أَيِ الرَّحْمَةُ تَنْزِلُ بِهَا
هذا (باب) بالتنوين وهو ثابت في رواية أبي ذر ساقط لغيره (قوله: ﴿فلما جاوزا﴾) موسى
стр. 5360
وفتاه مجمع البحرين (﴿قال﴾) موسى (﴿لفتاه﴾) يوشع (﴿آتنا غداءنا﴾) ما نتغدى به (﴿لقد لقينا من سفرنا هذا نصبًا﴾) قيل لم يعن موسى في سفر غير ما ساره من مجمع البحرين ويؤيده التقييد باسم الإشارة (﴿قال﴾) يوشع (﴿أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة﴾) يعني الصخرة التي رقد عندها موسى (﴿فإني نسيت الحوت﴾) [الكهف: ٦٢، ٦٣] أي نسيت أن أخبرك بما رأيت منه وسقط قوله قال أرأيت لأبي ذر قال بعد نصبًا إلى قوله عجبًا.
(﴿صنعًا﴾) في قوله: ﴿وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا﴾ [الكهف: ١٠٤] أي (عملًا) وذلك لاعتقادهم أنهم على الحق (﴿حولًا﴾) في قوله: ﴿لا يبغون عنها حولًا﴾ أي (تحولًا) لأنهم لا يجدون أطيب منها أو المراد به تأكيد الخلود وسقط قول صنعًا الخ لأبي ذر (﴿قال﴾) أي موسى (﴿ذلك﴾) أي أمر الحوت (﴿ما كنا نبغ﴾) بغير تحتية بعد الغين أي نطلب لأنه علامة على المطلوب (﴿فارتدا على آثارهما قصصًا﴾) [الكهف: ٦٤] أي يتبعان آثار مسيرهما اتباعًا.
(﴿إمرًا﴾) في قوله: (﴿لقد جئت شيئًا إمرًا﴾) [الكهف: ٧١] و (﴿نكرًا﴾) في قوله: ﴿لقد جئت شيئًا نكرًا﴾ [الكهف: ٧٤] معناهما (داهية) وسقط قوله إمرًا وواو ونكرًا لأبي ذر وقال أبو عيدة إمرًا داهية ونكرًا أي عظيمًا ففرق بينهما.
(﴿ينقض﴾) بتشديد الضاد في قوله: ﴿فوجد فيها جدارًا يريد أن ينقض﴾ [الكهف: ٧٧] (ينقاض كما ينقاض السن) بألف بعد القاف مع تخفيف الضاد المعجمة فيهما حكاه الحافظ شرف الدين اليونيني عن أئمة اللغة قال: ونبهني عليه شيخنا الإمام جمال الدين بن مالك وقت قراءتي بين يديه وهو الذي في المشارق للإمام أبي الفضل ولأبي ذر كما قاله البرماوي والدماميني ينقاض بتشديد المعجمة فيهما. قال أبو البقاء. بوزن يحمار ومقتضى هذا التشبيه أن يكون وزنه يفعال والألف قراءة الزهري. قال الفارسي: هو من قولهم قضته فانقاض أي هدمته فانهدم. قال في الدر: فعلى هذا يكون وزنه ينفعل والأصل انقيض فأبدلت الياء ألفًا أي فصار بعد الإبدال انقاض والسن بالسين المهملة المكسورة والنون، ولأبي ذر عن الكشميهني الشيء بالشين المعجمة والتحتية الساكنة والهمزة بدل السن ومعنى ينقض ينكسر وينقاض ينقلع من أصله وعن علي أنه قرأ ينقاض بالصاد المهملة. قال ابن خالويه أي انشقت طولًا (﴿لتخذت﴾) بالتخفيف في قوله: ﴿لتخذت عليه أجرًا﴾ (واتخذت) بالتشديد (واحد) في المعنى.
(﴿رحمًا﴾) بضم الراء وسكون الحاء المهملة في قوله: ﴿وأقرب رحمًا﴾ [الكهف: ٨١] (من الرحم) بضم فسكون وهو الرحمة قال رؤبة:
يا منزل الرحم على إدريسًا … ومنزل اللعن على إبليسا
وفي نسخة من الرحم بفتح فكسر (وهي أشد مبالغة من الرحمة) المفتوحة الراء التي هي رقة القلب لأنها تستلزمها غالبًا من غير عكس (ويظن) بالنون المفتوحة وضم الظاء المعجمة وفي
стр. 5361
نسخة: ويظن بالتحتية المضمومة وفتح المعجمة مبنيًّا للمفعول (أنه) أي رحمًا مشتق (من الرحيم) المشتق من الرحمة (وتدعى مكة) المشرفة (أم) بنصب الميم (رحم) بضم فسكون (أي الرحمة تنزل بها) وفي حديث ابن عباس مرفوعًا "ينزل الله في كل يوم على حجاج بيته الحرام عشرين ومائة رحمة ستين للطائفين وأربعين للمصلين وعشرين للناظرين" رواه البيهقي بإسناد حسن.
٤٧٢٧ - حَدَّثَنِي قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنِي سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: قُلْتُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ نَوْفًا الْبَكَالِيَّ يَزْعُمُ أَنَّ مُوسَى نبي الله لَيْسَ بِمُوسَى الْخَضِرِ فَقَالَ: كَذَبَ عَدُوُّ اللَّهِ حَدَّثَنَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «قَامَ مُوسَى خَطِيبًا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ فَقِيلَ لَهُ أَيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ؟ قَالَ: أَنَا فَعَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ إِذْ لَمْ يَرُدَّ الْعِلْمَ إِلَيْهِ وَأَوْحَى إِلَيْهِ بَلَى عَبْدٌ مِنْ عِبَادِي بِمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ، قَالَ: أَيْ رَبِّ كَيْفَ السَّبِيلُ إِلَيْهِ؟ قَالَ: تَأْخُذُ حُوتًا فِي مِكْتَلٍ فَحَيْثُمَا فَقَدْتَ الْحُوتَ فَاتَّبِعْهُ قَالَ: فَخَرَجَ مُوسَى وَمَعَهُ فَتَاهُ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ وَمَعَهُمَا الْحُوتُ حَتَّى انْتَهَيَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَنَزَلَا عِنْدَهَا قَالَ فَوَضَعَ مُوسَى رَأْسَهُ فَنَامَ" -قَالَ سُفْيَانُ وَفِي حَدِيثِ غَيْرِ عَمْرٍو قَالَ: "وَفِي أَصْلِ الصَّخْرَةِ عَيْنٌ يُقَالُ لَهَا الْحَيَاةُ لَا يُصِيبُ مِنْ مَائِهَا شَيْءٌ إِلاَّ حَيِيَ فَأَصَابَ الْحُوتَ مِنْ مَاءِ تِلْكَ الْعَيْنِ قَالَ- فَتَحَرَّكَ وَانْسَلَّ مِنَ الْمِكْتَلِ فَدَخَلَ الْبَحْرَ فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ مُوسَى قَالَ لِفَتَاهُ: ﴿آتِنَا غَدَاءَنَا﴾ [الكهف: ٦٢] الآيَةَ قَالَ: وَلَمْ يَجِدِ النَّصَبَ حَتَّى جَاوَزَ مَا أُمِرَ بِهِ قَالَ لَهُ فَتَاهُ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ﴾ [الكهف: ٦٣] الآيَةَ قَالَ: فَرَجَعَا يَقُصَّانِ فِي آثَارِهِمَا فَوَجَدَا فِي الْبَحْرِ كَالطَّاقِ مَمَرَّ الْحُوتِ فَكَانَ لِفَتَاهُ عَجَبًا وَلِلْحُوتِ سَرَبًا قَالَ: فَلَمَّا انْتَهَيَا إِلَى الصَّخْرَةِ إِذْ هُمَا بِرَجُلٍ مُسَجًّى بِثَوْبٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ مُوسَى قَالَ: وَأَنَّى بِأَرْضِكَ السَّلَامُ؟ فَقَالَ: أَنَا مُوسَى. قَالَ: مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رَشَدًا؟ قَالَ لَهُ الْخَضِرُ: يَا مُوسَى إِنَّكَ عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ عَلَّمَكَهُ اللَّهُ لَا أَعْلَمُهُ وَأَنَا عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ عَلَّمَنِيهِ اللَّهُ لَا تَعْلَمُهُ قَالَ: بَلْ أَتَّبِعُكَ قَالَ: فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا فَانْطَلَقَا يَمْشِيَانِ عَلَى السَّاحِلِ فَمَرَّتْ بِهِمَا سَفِينَةٌ فَعُرِفَ الْخَضِرُ فَحَمَلُوهُمْ فِي سَفِينَتِهِمْ بِغَيْرِ نَوْلٍ" -يَقُولُ بِغَيْرِ أَجْرٍ- "فَرَكِبَا السَّفِينَةَ قَالَ: وَوَقَعَ عُصْفُورٌ عَلَى حَرْفِ السَّفِينَةِ فَغَمَسَ مِنْقَارَهُ الْبَحْرَ فَقَالَ الْخَضِرُ لِمُوسَى: مَا عِلْمُكَ وَعِلْمِي وَعِلْمُ الْخَلَائِقِ فِي عِلْمِ اللَّهِ إِلاَّ مِقْدَارُ مَا غَمَسَ هَذَا الْعُصْفُورُ مِنْقَارَهُ قَالَ: فَلَمْ يَفْجَأْ مُوسَى إِذْ عَمَدَ الْخَضِرُ إِلَى قَدُومٍ فَخَرَقَ السَّفِينَةَ فَقَالَ لَهُ مُوسَى قَوْمٌ حَمَلُونَا بِغَيْرِ نَوْلٍ عَمَدْتَ إِلَى سَفِينَتِهِمْ فَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ الآيَةَ فَانْطَلَقَا إِذَا هُمَا بِغُلَامٍ يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ فَأَخَذَ الْخَضِرُ بِرَأْسِهِ فَقَطَعَهُ قَالَ لَهُ مُوسَى: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا * قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٧٤ و ٧٥] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ فَقَالَ بِيَدِهِ
стр. 5362
هَكَذَا ﴿فَأَقَامَهُ﴾ [الكهف: ٧٧] فَقَالَ لَهُ مُوسَى: إِنَّا دَخَلْنَا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَلَمْ يُضَيِّفُونَا وَلَمْ يُطْعِمُونَا ﴿لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا (٧٧) قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٧٧، ٧٨] فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: «وَدِدْنَا أَنَّ مُوسَى صَبَرَ حَتَّى يُقَصَّ عَلَيْنَا مِنْ أَمْرِهِمَا». قَالَ: وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقْرَأُ وَكَانَ أَمَامَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صَالِحَةٍ غَصْبًا وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ كَافِرًا.
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد ولأبي ذر حدّثنا (قتيبة بن سعيد) الثقفي أبو رجاء البغلاني بفتح الموحدة وسكون المعجمة قال: (حدّثني) بالإفراد ولأبي ذر أيضًا حدّثنا (سفيان بن عيينة) بن أبي عمران ميمون الهلالي الكوفي ثم المكي الإمام الحافظ الحجة تغير حفظه بأخرة وربما دلس عن الثقات وهو من أثبت الناس في عمرو بن دينار (عن عمرو بن دينار) المكي الجمحي مولاهم (عن سعيد بن جبير) الأسدي مولاهم الكوفي أنه (قال: قلت لابن عباس أن نوفًا) كذا في اليونينية وفي الفرع نوف بغير ألف (البكالي) بكسر الموحدة نسبة إلى بني بكال بطن من حمير ونوف بغير صرف وصرفه أشهر كما مر ولأبي ذر البكالي بفتح الموحدة (يزعم أن موسى نبي الله) المرسل إلى بني إسرائيل كذا في الفرع موسى نبي الله والذي في اليونينية يزعم أن موسى نبي بني إسرائيل (ليس بموسى الخضر) بل موسى آخر (فقال) ابن عباس ﵄ (كذب عدوّ الله) يعني نوفًا وعبّر بذلك للزجر والتحذير لا قدحًا فيه (حدّثنا أبي بن كعب عن رسول الله ﷺ ¬) أنه (قال):
(قام موسى خطيبًا في بني إسرائيل) يذكرهم بنعم الله عليهم وعليه يذكر ما أكرمه الله به من رسالته وتكريمه وتفضيله (فقيل له: أي الناس أعلم) أي منهم (قال) ولأبي ذر فقال: (أنا) أي أعلم (فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه) كان يقول الله أعلم (وأوحى إليه) بفتح الهمزة والحاء (بلى عبد من عبادي) كائن (بمجمع البحرين هو أعلم منك) أي بشيء مخصوص والعالم بالعلم الخاص لا يلزم منه أن يكون أعلم من العالم بالعلم العام (قال: أي رب كيف السبيل إليه) أي إلى لقائه (قال: تأخد حوتًا في مكتل فحيثما فقدت الحوت) بفتح القاف (فاتبعه) بهمزة وصل وتشديد الفوقية وكسر الموحدة ولأبي ذر عن الكشميهني فاتبعه بسكون الفوقية وفتح الموحدة أي اتبع أثر الحوت فإنك ستلقى العبد الأعلم (قال: فخرج موسى ومعه فتاه يوشع بن نون) مجرور بالإضافة منصرف كنوح على الفصحى (ومعهما الحوت) المأمور به (حتى انتهيا إلى الصخرة) التي عند مجمع البحرين (فنزلا عندها قال فوضع موسى رأسه فنام قال سفيان) بن عيينة بالإسناد السابق (وفي حديث غير عمرو) لعل الغير المذكور كما قال في الفتح قتادة لما عند ابن أبي حاتم من طريقه (قال وفي أبي الصخرة عين يقال لها) ولأبي الوقت والأصيلي له (الحياة) بتاء التأنيث آخره (لا يصيب من مائها شيء) من الحيوان (إلا حيي) وعند ابن إسحاق من شرب منه خلد ولا يقاربه شيء ميت إلا حيي ولأبي ذر عن الكشميهني والمستملي لا تصيب بالفوقية أي العين شيئًا أي من الحيوان إلا حيي (فأصاب الحوت من) رشاش (ماء تلك العين قال فتحرك وانسل من المكتل فدخل البحر) ولعل هذه العين إن ثبت النقل فيها هي التي شرب منها الخضر فخلد كما قال به جماعة كما مر
стр. 5363
(فلما استيقظ موسى قال لفتاه: ﴿آتنا غداءنا﴾ الآية) أي بعد أن نسي الفتى أن يخبره بأن الحوت حيي وانطلاقهما سائرين بقية يومهما وليلتهما حتى كان من الغد قال له إذ ذاك آتنا غداءنا (قال ولم يجد النصب حتى جاوز ما أمر به) فألقى الله عليه الجوع والنصب (قال له فتاه يوشع بن نون ﴿أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت) أي أن أخبرك بخبره (الآية) إلى قوله: ﴿ذلك ما كنا نبغ﴾ [الكهف: ٦٤] (قال فرجعا يقصّان في آثارهما) حتى انتهيا إلى الصخرة (فوجدا في البحر كالطاق ممر الحوت) مفعول وجدا (فكان لفتاه عجبًا) إذ هو أمر خارق (وللحوت سربًا) مسلكًا وروى ابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس قال: رجع موسى فوجد الحوت فجعل موسى يقدم عصاه يفرج بها عنه الماء ويتبع الحوت وجعل الحوت لا يمس شيئًا من البحر إلا يبس حتى يصير صخرة (قال: فلما انتهيا إلى الصخرة إذا) والذي في اليونينية إذ (هما برجل مسجى) مغطى (بثوب) وفي رواية الربيع عن أنس عند ابن أبي حاتم قال انجاب الماء عن مسلك الحوت فصارت كوّة فدخلها موسى على أثر الحوت فإذا هو بالخضر (فسلم عليه موسى قال) الخضر بعد أن رد السلام عليه وكشف الثوب عن وجهه (وأنى) بهمزة نون مشددة مفتوحتين أي وكيف (بأرضك السلام) وأهلها كفار أو لم يكن السلام تحيتهم (فقال) موسى بعد أن قال له الخضر من أنت: (أنا موسى قال) الخضر (موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم. قال) له موسى: (﴿هل أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشدًا﴾) أي علمًا ذا رشد أسترشد به (قال) ولأبي ذر فقال (له الخضر: يا موسى إنك على علم من علم الله علمكه الله لا أعلمه وأنا على علم من علم الله علمنيه الله لا تعلمه) فكل منا مكلف بأمور من الله دون صاحبه (قال) موسى (بل أتبعك) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي هل والأولى أوضح (﴿قال﴾) الخضر: (﴿فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء﴾) تنكره ابتداء (﴿حتى أحدث لك منه ذكرًا﴾) حتى أبداك ببيانه (فانطلقا يمشيان على الساحل فمرت بهما سفينة) ولأبي ذر: بهم أي بموسى ويوشع والخضر (فعرف الخضر فحملوهم في سفينتهم بغير نول) بفتح النون وسكون الواو (يقول بغير أجر) أي أجرة (فركبا السفينة) ولم يذكر يوشع لأنه تابع غير مقصود بالأصالة ولأبي ذر عن الحموي والمستملي فركبا في السفينة (قال: ووقع عصفور) بضم العين (على حرف السفينة فغمس منقاره البحر) بنصبهما ولأبي ذر في البحر (فقال الخضر لموسى) ولأبي ذر: يا موسى (ما علمك وعلمي وعلم الخلائق في علم الله إلا مقدار) بالرفع (ما غمس هذا العصفور منقاره) وفي رواية ما نقص علمي وعلمك من علم الله والعلم يطلق ويراد به المعلوم وعلم الله لا يدخله نقص ونقص العصفور لا تأثير له فكأنه لم يأخذ شيئًا فهو كقوله:
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم … بهن فلول من قراع الكتائب
أي لا عيب فيهم.
(قال: فلم يفجأ موسى) بالهمزة (إذ عمد الخضر) بفتح الميم (إلى قدوم) بفتح القاف وتخفيف الدال أي الآلة المعروفة (فخرق السفينة فقال له موسى: قوم حملونا بغير نول عمدت) بفتح الميم
стр. 5364
أيضًا (إلى سفينتهم فخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت الآية). وسقط لأبي ذر لقد جئت والآية (فانطلقا) بعد أن خرجا من السفينة (إذ هما بغلام يلعب مع الغلمان فأخذ الخضر برأسه) ولأبي ذر عن الحموي والكشميهني فأخذ الخضر رأسه بحذف الجار والنصب مفعول أخذ (فقطعه قال) ولأبي الوقت فقال الله موسى: ﴿أقتلت نفسًا زكية﴾ بالتشديد طاهرة (﴿بغير نفس﴾) قيل وكان القتل في أبلة بضم الهمزة والموحدة وتشديد اللام المفتوحة مدينة قرب بصرة وعبادان (﴿لقد جئت شيئًا نكرًا﴾) منكرًا (﴿قال﴾) الخضر: (﴿ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرًا﴾) وأتى بلك مع نكرًا بخلاف أمرًا قيل لأن النكر أبلغ لأن معه القتل الحتم بخلاف خرق السفينة فإنه يمكن تداركه (إلى قوله: ﴿فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارًا يريد أن ينقض﴾) أن يسقط (فقال) الخضر (بيده هكذا ﴿فأقامه﴾ فقال له موسى: إنّا دخلنا هذه القربة فلم يضيفونا ولم يطعمونا ﴿لو شئت لاتخذت عليه أجرًا قال هذا فراق بيني وبينك﴾) قال في الأنوار: الإشارة إلى الفراق الموعود بقوله فلا تصاحبني أو إلى الاعتراض الثالث أو الوقت أي هذا الاعتراض سبب فراقنا أو هذا الوقت وقته (﴿سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرًا﴾) لكونه منكرًا من حيث الظاهر وقد كانت أحكام موسى كغيره من الأنبياء مبنيّة على الظواهر ولذا أنكر خرق السفينة وقتل الغلام إذ التصرف في أموال الناس وأرواحهم بغير حق حرام في الشرع الذي شرعه لأنبيائه ﵈ إذ لم يكلفنا إلى الكشف عن البواطن لما في ذلك من الحرج وأما وقوع ذلك من الخضر فالظاهر أنه قد شرع له أن يعمل بما كشف له من بواطن الأسرار واطلع عليه من حقائق الأستار فلما علم الخضر علمًا يقينًا أنه إن لم يعب السفينة بالخرق غصبها الملك وجب عليه ذلك دفعًا للضرر عن ملاكها إذ لو تركها ولم يعبها فاتت بالكلية عليهم بأخذ الملك لها وكذا قتل الغلام فإنه علم بالوحي أنه إن لم يقتله تبعه أبواه على الكفر لمزيد محبتهما له فكانت المضرة بقتله أيسر من إبقائه لا سيما والمطبوع على الكفر الذي لا يرجى إيمانه كان قتله في شريعتهم واجبًا لأن أخذ الجزية لم يكن سائغًا لهم وقد رزقهما الله خيرًا منه كما مرّ ولو ترك الجدار حتى يسقط ضاع مال أولئك الأيتام فكانت المصلحة التامة في إقامته ولعل ذلك كان واجبًا عليه.
(فقال رسول الله ﷺ : وددنا) بكسر الدال الأولى وسكون الثانية (إن موسى صبر حتى يقص) بضم أوله وفتح آخره مبنيًّا للمفعول (علينا من أمرهما قال وكان ابن عباس يقرأ وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة) غير معيبة (غصبًا وأما الغلام فكان كافرًا) وقد سبق أن أمام يستعمل موضع وراء فهي مفسّرة للآية كما مرّ وقوله تعالى: ﴿وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين﴾ [الكهف: ٨٠] فيه إشعار بأن الغلام كان كافرًا كما في هذه القراءة لكنها كقراءة أمامهم وصالحة من الشواذ المخالفة لمصحف عثمان والله الموفق.
٥ - باب قَوْلِهِ: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾ [الكهف: ١٠٣]
(باب) بالتنوين (قوله: ﴿قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالًا﴾) [الكهف: ١٠٣] زاد أبو ذر
стр. 5365
الآية أي هل نخبركم بالأخسرين ثم فسرهم بقوله ﴿الذين ضل سعيهم﴾ أي عملوا أعمالًا باطلة على غير شريعة مشروعة وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا أي يعتقدون أنهم على هدى فضل سعيهم وأعمالًا نصب على التمييز وجمع لأنه من أسماء الفاعلين أو لتنوّع أعمالهم فليسوا مشتركين في عمل واحد وفي قوله تعالى: ﴿وهم يحسبون أنهم يحسنون﴾ تجنيس التصحيف وهو أن يكون النقط فرقًا بين الكلمتين وقوله هل ننبئكم استفهام تقريري، وفي قوله: (﴿الأخسرين أعمالًا﴾ [الكهف: ١٠٣] الاستعارة استعارة الخسران الذي هو حقيقة في ضدّ الربح لكون أعمالهم الصالحة نفدت أجورها واستعار الضلال الذي هو حقيقة في التيه عن الطريق المستقيم لإسقاط أعمالهم وإذهابها، وفي قوله: قل هل ننبئكم الحذف أي قل هل ننبئكم بما يحل بالأخسرين وسقط لفظ باب لغير أبي ذر.
٤٧٢٨ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ مُصْعَبٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبِي ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾ هُمُ الْحَرُورِيَّةُ قَالَ: لَا هُمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى أَمَّا الْيَهُودُ فَكَذَّبُوا مُحَمَّدًا ﷺ وَأَمَّا النَّصَارَى كَفَرُوا بِالْجَنَّةِ، وَقَالُوا: لَا طَعَامَ فِيهَا وَلَا شَرَابَ وَالْحَرُورِيَّةُ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَكَانَ سَعْدٌ يُسَمِّيهِمُ الْفَاسِقِينَ.
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد، ولأبي ذر: حدّثنا (محمد بن بشار) بموحدة فمعجمة مشددة الملقب ببندار قال: (حدّثنا محمد بن جعفر) الهذلى البصري المعروف بغندر قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن عمرو) بفتح العين ولأبي ذر زيادة ابن مرة بضم الميم وتشديد الراء ابن عبد الله المرادي الأعمى الكوفي (عن مصعب) بضم الميم وفتح العين بينهما مهملة ساكنة وآخره موحدة، ولأبي ذر: ابن سعد بسكون العين ابن أبي وقاص أنه (قال: سألت أبي) سعد بن أبي وقاص عن قوله تعالى: ﴿قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالًا﴾ هم الحرورية)؟ بفتح الحاء المهملة وضم الراء الأولى وكسر الثانية بينهما واو ساكنة والمثناة التحتية مشددة بعدها تاء تأنيث نسبة إلى حروراء قرية بقرب الكوفة كان ابتداء خروج الخوارج على عليّ منها ولعل سبب سؤال مصعب أباه عن ذلك ما روى ابن مردويه من طريق القاسم بن أبي بزة عن أبي الطفيل في هذه الآية قال: أظن أن بعضهم الحرورية. وعند الحاكم من وجه آخر عن أبي الطفيل قال: قال علي: منهم أصحاب النهروان، وذلك قبل أن يخرجوا وأصله عند عبد الرزاق بلفظ قام ابن الكوّاء إلى علي فقال: ما الأخسرين أعمالًا؟ قال: ويلك منهم أهل حروريا.
(قال) أي سعد بن أبي وقاص: (لا) ليس هم الحرورية (هم اليهود والنصارى) وللحاكم قال لا أولئك أصحاب الصوامع ولابن أبي حاتم من طريق أبي خميصة بفتح الخاء المعجمة والصاد المهملة واسمه عبيد الله بن قيس قال هم الرهبان الذين حبسوا أنفسهم في السواري (أما اليهود فكذبوا محمدًا ﷺ ، وأما النصارى كفروا) ولأبي ذر فكفروا (بالجنة وقالوا لا طعام فيها ولا شراب والحرورية الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه وكان سعد) هو ابن أبي وقاص (يسميهم الفاسقين) والصواب الخاسرين، ووقع على الصواب كذلك عند الحاكم لقوله: (﴿قل هل ننبئكم
стр. 5366
بالأخسرين﴾) [الكهف: ١٠٣] ووجه خسرانهم أنهم تعبّدوا على غير أصل فابتدعوا فخسروا الأعمار والأعمال وعن علي أنهم كفرة أهل الكتاب كان أوائلهم على حق فأشركوا بربهم وابتدعوا في دينهم وقيل هم الصابئون وقيل المنافقون بأعمالهم المخالفون باعتقادهم، وهذه الأقوال كلها تقتضي التخصيص بغير مخصص والذي يقتضيه التحقيق أنها عامة، فأما قول على أنهم الحرورية فمعناه أن الآية تشملهم كما تشمل أهل الكتابين وغيرهم لا أنها نزلت في هؤلاء على الخصوص بل أعم من ذلك لأنها مكية قبل خطاب أهل الكتاب ووجود الحرورية وإنما هي عامة في كل من دان بدين غير الإسلام وكل من راءى بعمله أو أقام على بدعة فكل من الأخسرين، وقد قال ابن عطية ويضعف قول من قال إن المراد أهل الأهواء والحرورية قوله تعالى بعد ذلك ﴿أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه﴾ [الكهف: ١٠٥] وليس في هذه الطوائف من يكفر بآيات الله وإنما هذه صفة مشركي عبدة الأوثان اهـ.
فاتّضح بهذا ما قلناه إن الآية عامة.
٦ - باب: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ [الكهف: ١٠٥] الآيَةَ
هذا (باب) بالتنوين في قوله تعالى: (﴿أولئك﴾) إشارة للأخسرين أعمالًا السابق ذكرهم (﴿الذين كفروا بآيات ربهم﴾) بالقرآن أو به وبالإنجيل أو بمعجزات الرسول صلوات الله وسلامه عليه (﴿ولقائه﴾) بالبعث أو بالنظر إلى وجه الله الكريم أو لقاء أجزائه ففيه حذف وقد كذب اليهود بالقرآن والإنجيل والنصارى بالقرآن وقريش بلقاء الله والبعث (﴿فحبطت أعمالهم﴾) [الكهف: ١٠٥] بطلت بكفرهم وتكذيبهم فلا ثواب لهم عليها (الآية). أي فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنًا وهذا هو المراد لما سيورده من الحديث.
٤٧٢٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا الْمُغِيرَةُ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنِي أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِنَّهُ لَيَأْتِي الرَّجُلُ الْعَظِيمُ السَّمِينُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ وَقَالَ: اقْرَءُوا ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٥]. وَعَنْ يَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ مِثْلَهُ.
وبه قال: (حدّثنا محمد بن عبد الله) هو محمد بن يحيى بن عبد الله الذهلي نسبة إلى جده قال: (حدّثنا سعيد بن أبي مريم) شيخ المؤلّف روي عنه هنا بالواسطة قال: (أخبرنا المغيرة بن عبد الرحمن) الحزامي بالحاء المهملة المكسورة والزاي وسقط لغير أبي ذر ابن عبد الرحمن قال: (حدّثني) بالإفراد (أبو الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز (عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله- ﷺ ¬) أنه (قال):
стр. 5367
(إنه ليأتي الرجل العظيم) في الطول أو في الجاه (السمين) ولابن مردويه من وجه آخر عن أبي هريرة ﵁ الطويل العظيم الأكول الشروب (يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة) وعند ابن أبي حاتم من طريق صالح مولى التوأمة عن أبي هريرة مرفوعًا فيوزن بحبة فلا يزنها (وقال) أي النبي ﷺ أو أبو هريرة (﴿اقرؤوا فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنًا﴾) أي لا نجعل لهم مقدارًا أو لا نضع لهم ميزانًا توزن به أعمالهم لأن الميزان إنما ينصب للذين خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا أو لا نقيم لأعمالهم وزنًا لحقارتها، وفي هذه الآية من أنواع البديع التجنيس المغاير وفيها أيضًا الاستعارة فاستعار إقامة الوزن التي هي حقيقة في اعتداله لعدم الالتفات إليهم وإعراض الله عنهم كما استعار الحبوط في قوله: ﴿حبطت أعمالهم﴾ الذي هو حقيقة في البطلان لذهاب جزاء أعمالهم الصالحة والحذف في فحبطت أعمالهم أي ثمرات أعمالهم إذ ليس لهم عمل فنقيم لهم وزنًا واستدلّ به على أن الكفار لا يحاسبون لأنه إنما يحاسب من له حسنات وسيئات والكافر ليس له في الآخرة حسنات فتوزن ثم عطف المؤلّف على سعيد بن أبي مريم فقال:
(وعن يحيى بن بكير) بضم الموحدة مصغرًا ونسبه إلى جدّه واسم أبيه عبد الله وهو شيخ المؤلّف أيضًا روي عنه بالواسطة والتقدير حدّثنا محمد بن عبد الله عن سعيد بن أبي مريم وعن يحيى بن بكير (عن المغيرة بن عبد الرحمن) الحزامي (عن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان (مثله) أي الحديث السابق.
وهذا الحديث قد أخرجه مسلم في التوبة وذكر المنافقين.
[١٩] كهيعص
(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَبْصِرْ بِهِمْ وَأَسْمِعْ اللَّهُ يَقُولُهُ: وَهُمُ الْيَوْمَ لَا يَسْمَعُونَ وَلَا يُبْصِرُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ يَعْنِي قَوْلَهُ أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ الْكُفَّارُ يَوْمَئِذٍ أَسْمَعُ شَيْءٍ وَأَبْصَرُهُ، لأَرْجُمَنَّكَ: لأَشْتِمَنَّكَ، وَرِئْيًا: مَنْظَرًا. وَقَالَ ابْنُ وَائِلٍ: عَلِمَتْ مَرْيَمُ أَنَّ التَّقِيَّ ذُو نُهْيَةٍ، حَتَّى قَالَتْ: ﴿إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ إِن كُنتَ﴾ [مريم: ١٨] وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: تَؤُزُّهُمْ أَزًّا تُزْعِجُهُمْ إِلَى الْمَعَاصِي إِزْعَاجًا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: إِدًّا عِوَجًا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وِرْدًا: عِطَاشًا. أَثَاثًا: مَالًا. إِدًّا قَوْلًا عَظِيمًا، رِكْزًا: صَوْتًا، وَقَالَ غَيْرُهُ غَيًّا: خُسْرَانًا، بُكِيًّا: جَمَاعَةُ بَاكٍ. صُلِيًّا: صَلِيَ يَصْلَى. نَدِيًّا وَالنَّادِي: مَجْلِسًا.
([١٩] كهيعص)
مكية. وقال مقاتل: إلا آية السجدة فمدنية وهي ثمان وتسعون آية واختلف في معناها، فقيل الكاف من كريم والهاء من هادي والياء من حكيم والعين من عليم والصاد من صادق قاله
стр. 5368
ابن عباس فيما رواه الحاكم من طريق عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عنه، وروى الطبري عنه أن كهيعص من أسماء الله وعن علي أنه كان يقول يا كهيعص اغفر لي، وعن قتادة اسم من أسماء القرآن رواه عبد الرزاق، وسأل رجل محمد بن علي المرتضى عن تفسيرها فقال لو أخبرتك بتفسيرها لمشيت على الماء لا يواري قدميك، ولأبي ذر سورة كهيعص، وفي نسخة بفرع اليونينية كأصلها باب سورة مريم.
(بسم الله الرحمن الرحيم) ثبتت هذه البسملة لأبي ذر بعد الترجمة وسقطت لغيره.
(قال ابن عباس) ﵄ مما وصله ابن أبي حاتم في قوله تعالى: (﴿أسمع بهم وأبصر﴾) [مريم: ٣٨] ولأبي ذر أبصر بهم وأسمع على التقديم والتأخير والأوّل هو الموافق للفظ التنزيل (الله يقوله) جملة اسمية (وهم) أي الكفار (﴿اليوم﴾) نصب على الظرفية ولأبي ذر عن الحموي والمستملي القوم بالقاف (لا يسمعون ولا يبصرون ﴿وفي ضلال مبين﴾) هو معنى قوله: ﴿لكن الظالمون اليوم في ضلال مبين﴾ قال في الأنوار أوقع الظالمين موقع الضمير أي لكنهم اليوم إشعارًا بأنهم ظلموا أنفسهم حيث أغفلوا الاستماع والنظر حين ينفعهم (يعني قوله ﴿أسمع بهم وأبصر﴾ الكفار يومئذٍ) أي يوم القيامة (أسمع شيء وأبصره) حين لا ينفعهم ذلك كما قال تعالى: ﴿ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رؤوسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحًا﴾ [السجدة: ١٢] وقول الزركشي في التنقيح يريد أن قوله: ﴿أسمع بهم وأبصر﴾ أمر بمعنى الخبر كما قال تعالى: ﴿صم بكم عمي فهم لا يرجعون) تعقبه، في المصابيح فقال أظنه لم يفهم كلام ابن عباس ولذلك ساقه على هذا الوجه وكونه أمر بمعنى الخبر لا يقتضي انتفاء سماعهم وأبصارهم بل يقتضي ثبوته ثم هو ليس أمرًا بمعنى الخبر بل هو لإنشاء التعجب أي ما أسمعهم وما أبصرهم والأمر المفهوم منه بحسب الظاهر غير مراد بل انمحى الأمر فيه وصار متمحضًا لإنشاء التعجب، ومراد ابن عباس أن المعنى ما أسمع الكفار وأبصرهم في الدار الآخرة وإن كانوا في دار الدنيا لا يسمعون ولا يبصرون، ولذا قال الكفار يومئذٍ أسمع شيء وأبصره انتهى.
وأصح الأعاريب فيه كما في الدر أن فاعله هو المجرور بالباء والباء زائدة وزيادتها لازمة إصلاحًا للفظ لأن أفعل أمرًا لا يكون فاعله إلا ضميرًا مستترًا ولا يجوز حذف هذه الباء إلا مع أن وإن فالمجرور مرفوع المحل ولا ضمير في أفعل وقيل بل هو أمر حقيقة والمأمور هو رسول الله ﷺ والمعنى أسمع الناس وأبصر بهم وبحديثهم ماذا يصنع بهم من العذاب وهو منقول عن أبي العالية.
(﴿لأرجمنك﴾) في قوله: ﴿يا إبراهيم لئن لم تنته لأرجمنك﴾ [مريم: ٤٦] أي (لأشمتنك) بكسر المثناة الفوقية قاله ابن عباس فيما وصله ابن أبي حاتم أيضًا.
(﴿ورئيًا﴾) في قوله تعالى: ﴿هم أحسن أثاثًا ورئيًا﴾ [مريم: ٧٤] قال ابن عباس فيما وصله الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عنه أي (منظرًا) بفتح المعجمة.
стр. 5369
(وقال أبو وائل) شقيق بن سلمة في قوله حكاية عن مريم قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيًا (علمت مريم أن التقي ذو نهية) بضم النون وسكون الهاء وفتح التحتية أي صاحب عقل وانتهاء عن فعل القبيح (حتى قالت) إذ رأت جبريل ﵊ (﴿إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيًّا﴾) وهذا وصله عبد بن حميد من طريق عاصم وسقط لغير الحموي وذكره المؤلّف في باب قول الله تعالى: ﴿واذكر في الكتاب مريم﴾ [مريم: ١٦] من أحاديث الأنبياء.
(وقال ابن عيينة) سفيان فيما ذكره في تفسيره في قوله: (﴿تؤزهم أزًّا﴾) [مريم: ٨٣] أي (تزعجهم) أي الشياطين (إلى المعاصي إزعاجًا) وقيل تغريهم عليها بالتسويلات وتحبيب الشهوات (وقال مجاهد) فيما وصله الفريابي (﴿إدًّا﴾) في قوله: (﴿لقد جئتم شيئًا إدًّا﴾ [مريم: ٨٩] أي (عوجًا) بكسر العين وفتح الواو وفي نسخة عوجًا بضم العين وسكون الواو وفي أخرى لدًّا باللام المضمومة بدل الهمزة المكسورة وقال ابن عباس وقتادة إدًّا عظيمًا وهذا ساقط لأبي ذر.
(قال ابن عباس: ﴿وردًا﴾) في قوله تعالى: ﴿ونسوق المجرمين إلى جهنم وردًّا﴾ [مريم: ٨٦] أي (عطاشًا) فإن من يرد الماء لا يرده إلا لعطش وهذا ساقط أيضًا لأبي ذر.
(﴿أثاثًا﴾) أي مالًا (﴿إدًّا﴾) أي (قولًا عظيمًا) وقد مرّ ذكره لكنه فسره بغير الأول وقد مر أنه عن ابن عباس وقتادة (﴿ركزًا﴾) في قوله: ﴿أو تسمع لهم ركزًا﴾ أي (صوتًا) أي خفيًّا لا مطلق الصوت.
(وقال غيره) أي غير ابن عباس وسقط ذا لغير أبي ذر (﴿غيًا﴾) في قوله تعالى: ﴿فسوف يلقون غيًا﴾ [مريم: ٥٩] أي (خسرانًا) وقيل واد في جهنم تستعيذ منه أوديتها وقيل شرًّا وكل خسران وهذا ساقط لأبي ذر.
(﴿بكيًّا﴾) في قوله تعالى: ﴿خرّوا سجدًّا وبكيًّا﴾ [مريم: ٥٨] (جماعة باك) قاله أبو عبيدة وأصله بكوي على وزن فعول بواو وياء كقعود جمع قاعد فاجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء وأدغمت في الياء فصار بكيًّا هكذا ثم كسرت ضمة الكاف لمجانسة الياء بعدها وهذا ليس بقياسه بل قياس جمعه على فعلة كقاض وقضاة وغزاة ورماة وقيل ليس بجمع وإنما هو مصدر على فعول نحو: جلس جلوسًا وقعد فعودًا، والمعنى إذا سمعوا كلام الله خروا ساجدين لعظمته باكين من خشيته روى ابن ماجة من حديث سعيد مرفوعًا نزل القرآن بحزن فإذا قرأتموه فابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا. وقال صالح المري بالراء المهملة المشددة بعد ضم الميم قرأت القرآن على رسول الله ﷺ في المنام فقال لي: يا صالح هذه القراءة فأين البكاء ويروى أنه كان إذا قص قال هات جونة المسك والترياق المجرب يعني القرآن ولا يزال يقرأ ويدعو ويبكي حتى ينصرف.
(صليًّا) في قوله: ﴿أولى بها صليًّا﴾ أي هو مصدر (صلي) بكسر اللام (يصلى) قاله أبو عبيدة والمعنى احترق احتراقًا.
стр. 5370
(نديًّا والنادي) يريد قوله وأحسن نديًّا وإن معناهما (واحد) أي (مجلسًا) ومجتمعًا وثبت واحد لأبي ذر.
١ - باب ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ [مريم: ٣٩]
(وأنذرهم) ولأبي ذر باب قوله : (﴿وأنذرهم يوم الحسرة﴾) [مريم: ٣٩] هو من أسماء يوم القيامة كما قاله ابن عباس وغيره.
٤٧٣٠ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يُؤْتَى بِالْمَوْتِ كَهَيْئَةِ كَبْشٍ أَمْلَحَ فَيُنَادِي مُنَادٍ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ فَيَقُولُ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ. هَذَا الْمَوْتُ وَكُلُّهُمْ قَدْ رَآهُ ثُمَّ يُنَادِي يَا أَهْلَ النَّارِ فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ فَيَقُولُ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ. هَذَا الْمَوْتُ وَكُلُّهُمْ قَدْ رَآهُ ثُمَّ يُنَادِي يَا أَهْلَ النَّارِ فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ، فَيَقُولُ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ. هَذَا المَوْتُ وَكُلُّهُمْ قَدْ رَآهُ فَيُذْبَحُ، ثُمَّ يَقُولُ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ خُلُودٌ فَلَا مَوْتَ وَيَا أَهْلَ النَّارِ خُلُودٌ فَلَا مَوْتَ" ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ﴾ وَهَؤُلَاءِ فِي غَفْلَةٍ أَهْلُ الدُّنْيَا وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ".
وبه قال: (حدّثنا عمر بن حفص بن غياث) بالغين المعجمة والمثلثة آخره النخعي الكوفي قال: (حدّثنا أبي) حفص بن غياث بن طلق بن معاوية قال: (حدّثنا الأعمش) سليمان بن مهران قال: (حدّثنا أبو صالح) ذكوان السمان (عن أبي سعيد الخدري ﵁) أنه (قال: قال رسول الله ﷺ ¬) وفي نسخة قال النبي (¬ ﷺ ¬):
(يؤتى بالموت) الذي هو عرض من الأعراض جسمًا (كهيئة كبش أملح) بالحاء المهملة فيه بياض وسواد لكن سواده أقل (فينادي مناد) لم يسم (يا أهل الجنة فيشرئبون) بفتح التحتية وسكون الشين المعجمة وفتح الراء وبعد الهمزة المكسورة موحدة مشدّدة فواو ساكنة فنون آخره أي يمدون أعناقهم ويرفعون رؤوسهم (وينظرون) وعند ابن حبان في صحيحه وابن ماجه عن أبي هريرة فيطلعون خائفين أن يخرجوا من مكانهم الذي هم فيه (فيقول هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم هذا الموت وكلهم قد رآه) أي وعرفه بما يلقيه الله في قلوبهم أنه الموت (ثم ينادي) أي المنادي (يا أهل النار فيشرئبون وينظرون) وعند ابن حبان وابن ماجة فيطلعون فرحين مستبشرين أن يخرجوا من مكانهم الذي هم فيه (فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم هذا الموت وكلهم قد رآه فيذبح).
وفي باب صفة الجنة والنار من كتاب الرقاق جيء بالموت حتى يجعل بين الجنة والنار ثم يذبح، وعند ابن ماجه فيذبح على الصراط، وعند الترمذي في باب خلود أهل الجنة من حديث أبي هريرة فيضجع فيذبح ذبحًا على السور الذي بين أهل الجنة وأهل النار وفي تفسير إسماعيل بن أبي زياد الشامي أحد الضعفاء في آخر حديث السور الطويل أن الذابح له جبريل ﵇ كما
стр. 5371
نقله عنه الحافظ ابن حجر، وذكر صاحب خلع النعلين فيما نقله في التذكرة أن الذابح له يحيى بن زكريا بين يدي النبي ﷺ وقال قوم: المذبوح متولي الموت وكلهم يعرفه لأنه الذي تولى قبض أرواحهم في الدنيا.
فإن قلت: ما الحكمة في مجيء الموت في صورة الكبش دون غيره؟ أجيب: بأن ذلك إشارة إلى حصول الفداء لهم به كما فدى ولد الخليل بالكبش وفي الأملح إشارة إلى صفتي أهل الجنة والنار.
(ثم يقول) ذلك المنادي: (يا أهل الجنة خلود) أبد الآبدين (فلا موت ويا أهل النار خلود) أبد الآددين (فلا موت) وخلود إما مصدر أي أنتم خلود ووصف بالمصدر للمبالغة كرجل عدل أو جمع أي أنتم خالدون زاد في الرقاق فيزداد أهل الجنة فرحًا إلى فرحهم ويزداد، أهل النار حزنًا إلى حزنهم وعند الترمذي فلو أن أحدًا مات فرحًا لمات أهل الجنة ولو أن أحدًا مات حزنًا لمات أهل النار (ثم قرأ) النبي ﷺ أو أبو سعيد (﴿وأنذرهم يوم الحسرة﴾) الخطاب للنبي- ﷺ أي أنذر جميع الناس (إذ قضي الأمر) أي فصل بين أهل الجنة والنار ودخل كل إلى ما صار إليه مخلدًا فيه (﴿وهم في غفلة﴾) - أي (﴿وهؤلاء في غفلة﴾) أي (﴿أهل الدنيا﴾) إذ الآخرة ليست دار غفلة (﴿وهم لا يؤمنون﴾) نفى عنهم الإيمان على سبيل الدوام مع الاستمرار في الأزمنة الماضية والآتية على سبيل التأكيد والمبالغة.
وهذا الحديث أخرجه مسلم في صفة النار والترمذي والنسائي في التفسير.
٢ - باب قَوْلِهِ: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا﴾ [مريم: ٦٤]
(باب قوله) جل وعلا وسقط لفظ قوله لأبي ذر وثبت له لفظ باب (﴿وما نتنزل إلا بأمر ربك﴾) هو حكاية قول جبريل حين استبطأه النبي ﷺ (﴿له ما بين أيدينا﴾) أي الآخرة (﴿وما خلفنا﴾) [مريم: ٦٤] الدنيا وثبت لأبي ذر له ما بين أيدينا الخ.
٤٧٣١ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ ذَرٍّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِجِبْرِيلَ: «مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَزُورَنَا أَكْثَرَ مِمَّا تَزُورُنَا؟» فَنَزَلَتْ: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا﴾.
وبه قال: (حدّثنا أبو نعيم) الفضل بن دكين قال: (حدّثنا عمر بن ذر) بضم العين وذر بالمعجمة المفتوحة والراء المشددة ابن عبد الله بن زرارة الهمداني الكوفي (قال سمعت﴾) ذرًّا (عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵁) وعن أبيه أنه قال: (قال النبي) وفي نسخة رسول الله ﷺ (لجبريل) أي لما احتبس عنه:
стр. 5372
(ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا فنزلت ﴿وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا﴾) وعند ابن إسحاق من وجه آخر عن ابن عباس أن قريشًا لما سألوا عن أصحاب الكهف فمكث النبي ﷺ خمس عشرة ليلة لا يحدث الله في ذلك وحيًا فلما نزل جبريل قال له أبطأت فذكره وعند ابن أبي حاتم أنها نزلت في احتباسه عنه ﷺ أربعين يومًا حتى اشتاق للقاء وعند الطبراني من وجه آخر عن ابن عباس مرفوعًا أن جبريل أبطأ عليه فذكر ذلك له فقال وكيف وأنتم لا تستنون ولا تقلمون أظافركم ولا تقصون شواربكم ولا تنقون رواجبكم وعند أحمد نحوه.
وهذا الحديث قد سبق في بدء الخلق في ذكر الملائكة وأخرجه أيضًا في التوحيد والترمذي والنسائي في التفسير.
٣ - باب قَوْلِهِ: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ [مريم: ٧٧]
(باب قوله) وسقط باب لغير أبي ذر (﴿أفرأيت الذي كفر بآياتنا﴾) عطف بالفاء بعد الألف الاستفهام إيذانًا بإفادة التعقيب كأنه قال أخبر أيضًا بقصة هذا الكافر عقب قصة أولئك المذكورين قبل هذه الآية ورأيت بمعنى أخبر والموصول هو المفعول الأول والثاني هو الجملة الاستفهامية من قوله أطلع الغيب (﴿وقال لأوتين مالًا وولدًا﴾) [مريم: ٧٧]. جملة قسمية في موضع نصب بالقول.
٤٧٣٢ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: سَمِعْتُ خَبَّابًا قَالَ: جِئْتُ الْعَاصِيَ بْنَ وَائِلٍ السَّهْمِيَّ أَتَقَاضَاهُ حَقًّا لِي عِنْدَهُ فَقَالَ: لَا أُعْطِيكَ حَتَّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ فَقُلْتُ: لَا. حَتَّى تَمُوتَ ثُمَّ تُبْعَثَ قَالَ: وَإِنِّي لَمَيِّتٌ ثُمَّ مَبْعُوثٌ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: إِنَّ لِي هُنَاكَ مَالًا وَوَلَدًا فَأَقْضِيكَهُ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ رَوَاهُ الثَّوْرِيُّ وَشُعْبَةُ، وَحَفْصٌ. وَأَبُو مُعَاوِيَةَ، وَوَكِيعٌ عَنِ الأَعْمَشِ.
وبه قال: (حدّثنا الحميدي) عبد الله بن الزبير قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (عن الأعمش) سليمان بن مهران (عن أبي الضحى) مسلم بن صبيح مصغرًا (عن مسروق) هو ابن الأجدع أنه (قال: سمعت خبابًا) هو ابن الأرتّ بالمثناة الفوقية المشدّدة (قال: جئت العاصي) بالعين والصاد المهملتين آخره تحتية (ابن وائل السهمي) هو والد عمرو الصحابي ﵁ (أتقاضاه) أي أطلب منه (حقًّا لي عنده) وهو أجرة عمل سيف وكان خباب حدادًا (فقال: لا أعطيك حتى تكفر بمحمد ﷺ فقلت: لا) أكفر (حتى تموت ثم تبعث) ومفهومه غير مرادًا إذ الكفر لا يتصوّر بعد البعث فكأنه قال لا أكفر أبدًا (قال) أي العاصي (وإني لميت ثم مبعوث) قال خباب (قلت) له (نعم قال: إن لي هناك مالًا وولدًا فأقضيكه فنزلت هذه الآية: ﴿أفرأيت الذي كفر بآياتننا وقال لأوتين﴾) أي في الجنة (﴿مالًا وولدًا﴾) بفتح الواو واللام قراءة غير حمزة والكسائي اسم مفرد قائم مقام الجمع.
стр. 5373
(رواه) أي الحديث (الثوري) سفيان فيما وصله المؤلّف بعد (وشعبة) بن الحجاج فيما وصله أيضًا (وحفص) هو ابن غياث فيما وصله في الإجارة (وأبو معاوية) محمد بن خازم بالخاء والزاي المعجمتين فيما وصله أحمد (ووكيع) فيما وصله بعد كلهم (عن الأعمش) سليمان بن مهران.
وقد مرّ الحديث في البيوع.
٤ - باب قَوْلِهِ: ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم: ٧٨]
(قوله) ولأبي ذر باب بالتنوين أي في قوله تعالى: (﴿أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهدًا﴾) [مريم: ٧٨]. قال في الكشاف أي أوقد بلغ من عظمة شأنه أن ارتقى إلى علم الغيب الذي توحد به الواحد القهار والمعنى أن ما ادّعى أن يؤتاه وتألى عليه لا يتوصل إليه إلا بأحد هذين الطريقين إما علم الغيب وإما عهد من عالم الغيب فبأيهما توصل إلى ذلك انتهى وهمزة أطلع للاستفهام الإنكاري وحذفت همزة الوصل للاستغناء عنها، وزاد في رواية أبي ذر الآية ولغيره قال أي في تفسير عهدًا موثقًا وقيل العهد كلمة التوحيد. قال في فتوح الغيب لأنه تعالى وعد قائلها إخلاصًا أن يدخل الجنة البتة فهو كالعهد الموثق الذي لا بد أن يوفي به انتهى.
٤٧٣٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ خَبَّابٍ، قَالَ: كُنْتُ قَيْنًا بِمَكَّةَ فَعَمِلْتُ لِلْعَاصِي بْنِ وَائِلِ السَّهْمِيِّ سَيْفًا فَجِئْتُ أَتَقَاضَاهُ فَقَالَ: لَا أُعْطِيكَ حَتَّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ قُلْتُ: لَا، أَكْفُرُ بِمُحَمَّدٍ ﷺ حَتَّى يُمِيتَكَ اللَّهُ ثُمَّ يُحْيِيَكَ قَالَ: إِذَا أَمَاتَنِي اللَّهُ ثُمَّ بَعَثَنِي وَلِي مَالٌ وَوَلَدٌ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا * أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ قَالَ: مَوْثِقًا. لَمْ يَقُلِ الأَشْجَعِيُّ عَنْ سُفْيَانَ سَيْفًا وَلَا مَوْثِقًا.
وبه قال: (حدّثنا محمد بن كثير) بالمثلثة العبدي البصري قال: (أخبرنا سفيان) الثوري (عن الأعمش) سليمان (عن أبي الضحى) مسلم (عن مسروق) هو ابن الأجدع (عن خباب) هو ابن الأرتّ أنه (قال: كنت قيْنًا) بقاف مفتوحة فتحتية ساكنة فنون أي حدّاد (بمكة فعملت للعاصي بن وائل السهمي سيفًا فجئت أتقاضاه) أجرة عمل السيف (فقال: لا أعطيك) أجرته (حتى تكفر بمحمد قلت: لا أكفر بمحمد ﷺ حتى يميتك الله ثم يحييك) أي لا أكفر أبدًا كما مرّ تقريره قريبًا (قال): أي العاصي (إذا أماتني الله ثم بعثني ولي مال وولد) زاد في السابقة فأقضيكه (فأنزل الله) تعالى (﴿أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالًا وولدًا أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهدًا﴾ قال موثقًا) وقد مرّ هذا أول هذا الباب (لم يقل الأشجعي) بهمزة مفتوحة فشين معجمة ساكنة فجيم مفتوحة فعين مهملة مكسورة عبيد الله بن عبد الرحمن بتصغير عبد الأول في روايته (عن سفيان سيفًا) في قوله فعملت سيفًا (ولا موثقًا) تفسير عهدًا.
стр. 5374
٥ - باب: ﴿كَلاَّ سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا﴾ [مريم: ٧٩]
هذا (باب) بالتنوين في قوله (﴿كلاَّ﴾) ردع وزجر (﴿سنكتب ما يقول﴾) من طلبه ذلك وحكمه لنفسه ما تمناه وكفره (﴿ونمد له﴾) في الدار الآخرة (﴿من العذاب مدًّا﴾) [مريم: ٧٩] على كفره وافترائه واستهزائه.
٤٧٣٤ - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ عَنْ سُلَيْمَانَ سَمِعْتُ أَبَا الضُّحَى يُحَدِّثُ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ خَبَّابٍ، قَالَ: كُنْتُ قَيْنًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَكَانَ لِي دَيْنٌ عَلَى الْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ قَالَ: فَأَتَاهُ يَتَقَاضَاهُ، فَقَالَ: لَا أُعْطِيكَ حَتَّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا أَكْفُرُ حَتَّى يُمِيتَكَ اللَّهُ ثُمَّ تُبْعَثَ قَالَ: فَذَرْنِي حَتَّى أَمُوتَ ثُمَّ أُبْعَثَ فَسَوْفَ أُوتَى مَالًا وَوَلَدًا فَأَقْضِيكَ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ [مريم: ٧٨].
وبه قال: (حدّثنا بشر بن خالد) بموحدة مكسورة فمعجمة ساكنة أبو محمد الفرائضي العسكري قال: (حدّثنا محمد بن جعفر) غندر (عن شعبة) ولأبي ذر: حدّثنا شعبة بن الحجاج (عن سليمان) الأعمش أنه قال: (سمعت أبا الضحى) مسلم بن صبيح (يحدث عن مسروق) هو ابن الأجدع (عن خباب) بالخاء المعجمة والموحدتين الأولى مشدّدة بينهما ألف ابن الأرتّ أنه (قال: كنت قيْنًا) جمعه قيون (في الجاهلية) بمكة (وكان لي دين) أجرة عمل سيف (على العاص بن وائل) السهمي وسمي بالعاص لأنه تقلد العصا بدلًا من السيف فيما قيل (قال فأتاه يتقاضاه فقال: لا أعطيك) ذلك (حتى تكفر بمحمد ﷺ فقال) أي خباب (والله لا أكفر حتى يميتك الله ثم تبعث) بضم أوله وفتح ثالثه مبنيًّا للمفعول ولأبي ذر: يبعثك (قال) العاص (فذرني) أي اتركني (حتى أموت ثم أبعث فسوف أوتى) بضم الهمزة وفتح الفوقية (مالًا وولدًا فأقضيك) حقك (فنزلت هذه الآية: (﴿أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالًا وولدًا﴾) بفتح الواو واللام وقرأه الأخوان بضم فسكون جمع ولد كأسد وأُسد.
٦ - باب قَوْلِهِ : ﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾ [مريم: ٨٠] وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿الْجِبَالُ هَدًّا﴾ [مريم: ٩٠] هَدْمًا
(قوله : (﴿ونرثه﴾) ولأبي ذر: باب بالتنوين ونرثه (﴿ما يقول﴾) من مال وولد نسلبه منه عكس ما يقول (﴿ويأتينا﴾) يوم القيامة (﴿فردًا﴾) [مريم: ٨٠]. لا يصحبه مال ولا ولد.
(وقال ابن عباس): فيما وصله ابن أبي حاتم في قوله: وتخر (﴿الجبال هدًّا﴾) [مريم: ٩٠]. أي (هدمًا) استعظامًا لفريتهم وجراءتهم لأن دعوا للرحمن ولدًا تعالى الله.
стр. 5375
٤٧٣٥ - حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ خَبَّابٍ قَالَ: كُنْتُ رَجُلًا قَيْنًا وَكَانَ لِي عَلَى الْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ دَيْنٌ فَأَتَيْتُهُ أَتَقَاضَاهُ فَقَالَ لِي: لَا أَقْضِيكَ حَتَّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ قَالَ: قُلْتُ لَنْ أَكْفُرَ بِهِ حَتَّى تَمُوتَ ثُمَّ تُبْعَثَ قَالَ: وَإِنِّي لَمَبْعُوثٌ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ فَسَوْفَ أَقْضِيكَ إِذَا رَجَعْتُ إِلَى مَالٍ وَوَلَدٍ قَالَ فَنَزَلَتْ: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا * أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا * كَلاَّ سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا * وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾ [مريم: ٧٨].
وبه قال: (حدّثنا يحيى) بن موسى البلخي الملقب بخت بخاء معجمة مفتوحة ففوقية مشدّدة قال: (حدّثنا وكيع) هو ابن الجراح الكوفي (عن الأعمش) سليمان (عن أبي الضحى) مسلم (عن مسروق) هو ابن الأجدع (عن خباب) أنه (قال: كنت رجلًا قيْنًا وكان لي على العاص بن وائل دين فأتيته أتقاضاه فقال لي: لا أقضيك حتى تكفر بمحمد. قال) خباب: (قلت) له (لن أكفر به) ﷺ (حتى تموت ثم تبعث قال: وإني لمبعوث من بعد الموت؟) زاد في الحميدي قلت: نعم (فسوف) أي قال العاص إن بعثت بعد الموت فسوف (أقضيك إذا رجعت إلى مال وولد) وفيه أنه غير مؤمن بالبعث (قال فنزلت: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا * أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا * كَلاَّ سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا * وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾) وحيدًا بغير شيء، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: فردًا لا يتبعه قليل ولا كثير، وسقط لأبي ذر من قوله: ﴿أطلع الغيب﴾ الخ ....
[٢٠]- طه
(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) قَالَ ابْنُ جُبَيْرٍ وَالضَّحَاكُ: بِالنَّبَطِيَّةِ طه يَا رَجُلُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: أَلْقَى: صَنَعَ، يُقَالُ كُلُّ مَا لَمْ يَنْطِقْ بِحَرْفٍ أَوْ فِيهِ تَمْتَمَةٌ أَوْ فَأْفَأَةٌ فَهْيَ عُقْدَةٌ. أَزْرِي: ظَهْرِي. فَيَسْحَتَكُمْ: يُهْلِكَكُمْ، الْمُثْلَى: تَأْنِيثُ الأَمْثَلِ يَقُولُ: بِدِينِكُمْ يُقَالُ خُذِ الْمُثْلَى: خُذِ الأَمْثَلَ. ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا يُقَالُ هَلْ أَتَيْتَ الصَّفَّ الْيَوْمَ يَعْنِي الْمُصَلَّى الَّذِي يُصَلَّى فِيهِ. فَأَوْجَسَ: أَضْمَرَ خَوْفًا فَذَهَبَتِ الْوَاوُ مِنْ خِيفَةً لِكَسْرَةِ الْخَاءِ، فِي جُذُوعِ أَيْ عَلَى جُذُوعِ النَّخْلِ. خَطْبُكَ: بَالُكَ، مِسَاسَ: مَصْدَرُ مَاسَّهُ مِسَاسًا، لَنَنْسِفَنَّهُ: لَنَذْرِيَنَّهُ. قَاعًا: يَعْلُوهُ الْمَاءُ. وَالصَّفْصَفُ: الْمُسْتَوِي مِنَ الأَرْضِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: أَوْزَارًا: أَثْقَالًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ الْحُلِيُّ الَّذِي اسْتَعَارُوا مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ. فَقَذَفْتُهَا: فَأَلْقَيْتُهَا: أَلْقَى: صَنَعَ. فَنَسِيَ مُوسَى، هُمْ يَقُولُونَهُ أَخْطَأَ الرَّبَّ. لَا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا: الْعِجْلُ. هَمْسًا: حِسُّ الأَقْدَامِ، حَشَرْتَنِي أَعْمَى عَنْ حُجَّتِي وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا فِي الدُّنْيَا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بِقَبَسٍ ضَلُّوا الطَّرِيقَ وَكَانُوا شَاتَيْنَ فَقَالَ: إِنْ لَمْ أَجِدْ عَلَيْهَا مِنْ يَهْدِي الطَّرِيقَ آتِكُمْ بِنَارٍ تُوقِدُونَ. وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةٌ: أَعْدَلُهُمْ. هَضْمًا لَا يُظْلَمُ فَيُهْضَمُ مِنْ
стр. 5376
حَسَنَاتِهِ، عِوَجًا: وَادِيًا، وَلَا أَمْتًا: رَابِيَةً. سِيرَتَهَا: حَالَتَهَا الأُولَى. النُّهَى: التُّقَى. ضَنْكًا: الشَّقَاءُ، هَوَى: شَقِيَ. الْمُقَدَّسِ الْمُبَارَكِ طُوًى: اسْمُ الْوَادِي، بِمَلْكِنَا: بِأَمْرِنَا، مَكَانًا سِوًى، مَنْصَفٌ بَيْنَهُمْ يَبَسًا: يَابِسًا. عَلَى قَدَرٍ: مَوْعِدٍ، لَا تَنِيَا: تَضْعُفَا، يَفْرُطَ: عُقُوبَةً.
([٢٠] طه)
مكية وهي مائة وأربع وثلاثون آية ولأبي ذر سورة طه.
(بسم الله الرحمن الرحيم) سقطت البسملة لغير أبي ذر.
(قال ابن جبير): سعيد مما وصله في الجعديات للبغوي ومصنف ابن أبي شيبة ولأبي ذر بدل ابن جبير عكرمة فيما وصله ابن أبي حاتم (والضحاك) بن مزاحم فيما وصله الطبري (بالنبطية طه) معناه (يا رجل) ولأبي ذر: أي طه يا رجل بسكون الهاء، والمراد النبي ﷺ . قال ابن الأنباري: ولغة قريش وافقت تلك اللغة في هذا لأن الله تعالى لم يخاطب نبيه ﷺ بلسان قريش، وعن الخليل من قرأ طه موقوفًا فهو يا رجل ومن قرأ طه بحرفين من الهجاء فقيل معناه اطمئن وقيل طأ الأرض والهاء كناية عنها، وقال ابن عطية: الضمير في طه للأرض وخففت الهمزة فصارت ألفًا ساكنة وقرأ الحسن طه بسكون الهاء من غير ألف بعد الطاء على أن الأصل طأ بالهمز أمر من وطئ يطأ ثم أبدلت الهمزة هاء كإبدالهم لها في هرقت ونحوه أو على إبدال الهمزة ألفًا كأنه أخذه من وطئ يطأ بالبدل ثم حذف الألف حملًا للأمر على المجزوم وتناسيًا لأصل الهمز ثم ألحق هاء السكت وأجرى الوصل مجرى الوقف، وفي حديث أنس عند عبد بن حميد كان النبي ﷺ إذا صلى قام على رجل ورفع الأخرى فأنزل الله طه أي طأ الأرض.
(وقال مجاهد): في قوله تعالى: ﴿قالوا يا موسى إما أن تلقي﴾ [طه: ٦٥]. (﴿ألقى﴾) بفتح الهمزة والقاف أي (صنع) وسقط هذا لغير أبي ذر.
(وقوله تعالى: ﴿واحلل عقدة من لساني﴾ [طه: ٢٧]. يقال: كل ما لم ينطق بحرف أو فيه تمتمة أو فأفأة فهي عقدة) وهذا ساقط لأبي ذر وإنما سأل موسى ذلك لأنه وإنما يحسن التبليغ من البليغ وقد كان في لسانه رتة وسببها كما روي أن فرعون حمله يومًا فأخذ لحيته ونتفها فغضب وأمر بقتله فقالت آسية: إنه صبي لا يفرق بين الجمر والياقوت فأحضرا بين يديه فأخذ الجمرة فوضعها في فيه، قوله من لساني متعلق بمحذوف على أنه صفة لعقدة أي من عقد لساني فلم يسأل حل عقدة لسانه مطلقًا بل عقدة تمنع الإفهام ولذلك نكرها وجعل يفقهوا جواب الأمر، ولو سأل الجميع لزال ولكن الأنبياء ﵈ لا يسألون إلا بحسب الحاجة. قال الحسن: واحلل عقدة من لساني قال احلل عقدة واحدة ولو سأل أكثر من ذلك أعطي.
(﴿أزري﴾) في قوله: (﴿واجعل لي وزيرًا من أهلي هارون أخي أشدد به أزري﴾ [طه: ٢٩ - ٣١]. أي (ظهري) وجماعته أُزر ويراد به القوّة يقال أزرت فلانًا على الأمر أي قويته.
стр. 5377
(﴿فيسحتكم﴾) أي [طه: ٦٣]. (يهللكم) بعذاب ويستأصلكم به.
(﴿المثلى﴾) في قوله تعالى: ﴿ويذهبا بطريقتكم المثلى﴾ [طه: ٦٣]- (تأنيث الأمثل) وهذا ساقط لأبي ذر (يقول) إن غلب هذان يخرجاكم من أرضكم ويذهبا (بدينكم) أي الذي أنتم عليه وهو السحر وقد كانوا معظمين بسبب ذلك ولهم أموال وأرزاق عليه (يقال: خذ المثلى) أي (خذ الأمثل) وهو الأفضل.
(﴿ثم ائتوا صفًّا﴾ يقال هل أتيت الصف اليوم؟ يعني المصلى الذي يصلى فيه) بفتح لام المصلى ويصلى قاله أبو عبيدة والزجاج، والمعنى أنهم تواعدوا على الحضور إلى الموضع الذي كانوا يجتمعون فيه لعبادتهم في عيدهم وقيل ائتوا مصطفين لأنه أهيب في صدور الرائين فهو حال من فاعل ائتوا أي ذوي صف فهو مصدر في الأصل قيل وكانوا سبعين ألفًا مع كل منهم حبل وعصا وأقبلوا عليه إقبالة واحدة وقوله: ثم ائتوا صفًّا إلى آخره ساقط لأبي ذر.
(﴿فأوجس﴾) أي (أضمر) ولأبي ذر فأوجس في نفسه (خوفًا فذهبت الواو من ﴿خيفة﴾ لكسرة الخاء) قال ابن عطية خيفة يصح أن يكون أصله خوفة قلبت الواو ياء للتناسب ويحتمل أن يكون خوفة بفتح الخاء قلبت الواو ياء ثم كسرت الخاء للتناسب والخوف كان على قومه أن يدخلهم شك فلا يتبعوه.
(﴿في جذوع﴾ أي على جذوع النخل) وضع حرفًا موضع آخر ومن تعدي صلب بفي قوله:
وقد صلبوا العبديّ في جذع نخلة … فلا عطشت شيبان إلا بأجدعا
وهو مذهب كوفي وقال البصريون ليست في بمعنى على ولكن شبه تمكنهم تمكن من حواه الجذع واشتمل عليه بتمكن الشيء الموعى في وعائه ولذا قيل في جذوع وهذا على طريق المجاز أي استعمال في موضع على وهو أول من صلب وسقط قوله النخل لغير أبي ذر.
(﴿خطبك﴾) في قوله تعالى: ﴿قال فما خطبك﴾ أي ما (بالك) وما الذي حملك على ما صنعت يا سامري.
(﴿مساس﴾) في قوله: ﴿أن تقول لا مساس﴾ (مصدر ماسه مساسًّا) أي مصدر لفاعل كالقتال من قاتل والمعنى أن السامري عوقب على ما فعل من إضلاله بني إسرائيل باتخاذه العجل والدعاء إلى عبادته في الدنيا بالنفي وبأن لا يمس أحدًا ولا يمسه أحد فإن مسه أحد أصابتهما الحمى معًا لوقتهما وسقط قوله مساس الخ لأبي ذر.
(﴿لننسفنه﴾) أي (لنذرينه) رمادًا بعد التحريق بالنار كما قال قبل لنحرّقنه.
(﴿قاعًا﴾) في قوله: ﴿فيذرها قاعًا﴾ (يعلوه الماء) قال في الدر وفي القاع أقوال قيل هو
стр. 5378
منتقع الماء ولا يليق معناه هنا أو هو الأرض التي لا نبات فيها ولا بناء أو المكان المستوي وجمع القاع أقوع وأقواع وقيعان.
(والصفصف) هو (المستوي من الأرض) وسقطت هذه لأبي ذر.
(وقال مجاهد) في قوله تعالى: ﴿ولكنا حملنا﴾ (﴿أوزارًا﴾) [طه: ٨٧] أي (أثقالًا) كذا لأبوي ذر والوقت ولأبي ذر وحده أيضًا أوزارًا وهي الأثقال (﴿من زينة القوم﴾) أي (الحلي الذي) ولأبي ذر وهي الحلي التي (استعاروا من آل فرعون) وهذا وصله الفريابي وعند الحاكم من حديث علي قال عمد السامري إلى ما قدر عليه من الحلي فضربه عجلًا ثم ألقى القبضة في جوفه فإذا هو عجل له خوار وعند النسائي أنه لما أخذ القبضة من أثر الرسول أي من تربة موطئ فرس الحياة التي كان راكبها جبريل لما جاء في غرق فرعون فأمر بهارون فقال له ألا تلقي ما في يدك فقال لا ألقيها حتى تدعوا الله أن تكون ما أريد فدعا له فألقاها وقال أريد أن تكون عجلًا له جوف يخور (فقذفتها) أي (فألقيتها) في النار وفي نسخة (فقذفناها) فألقيناها والضمير لحلي القبط التي كانوا استعاروها منهم حين هموا بالخروج من مصر وقيل هي ما ألقاه البحر على الساحل بعد إغراقهم فأخذوه.
(﴿ألقي﴾) من قوله: ﴿فكذلك ألقى السامري﴾ [طه: ٨٧] أي (صنع) مثلهم من إلقاء ما كان معه من الحلي.
(﴿فنسي﴾) أي (موسى هم) أي السامري وأتباعه (يقولونه) أي (أخطأ) موسى (الرب) الذي هو العجل أن يطلبه ها هنا وذهب يطلبه عند الطور أو الضمير في نسي يعود على السامري فيكون من كلام الله أي فنسي السامري أي ترك ما كان عليه من إظهار الإيمان وفي آل ملك وغيره الرب بالرفع وسقط من قوله فنسي إلى هنا لأبي ذر.
(﴿لا يرجع﴾) في قوله تعالى: ﴿أفلا يرون أن لا يرجع﴾ (﴿إليهم قولًا﴾) [طه: ٨٩] أي (العجل) أي أنه لا يرجع إليهم كلامًا ولا يرد عليهم جوابًا وسقطت لا من قوله لا يرجع لأبي ذر.
(همسًا) في قوله: ﴿وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسًا﴾ [طه: ١٠٨] هو (حس الأقدام) أي وقعها على الأرض ومنه همست الإبل إذا سمع ذلك من وقع أخفافها على الأرض قال فهن يمشين بنا هميسًا وفسر هنا بخفق أقدامهم ونقلها إلى المحشر وقيل هو تحريك الشفتين من غير نطق والاستثناء مفرغ.
(﴿حشرتني أعمى﴾) قال مجاهد فيما وصله الفريابي أي (عن حجتي) وهو نصب على الحال (﴿وقد كنت بصيرًا﴾) [طه: ١٢٥] أي (في الدنيا) بحجتي يريد أنه كانت له حجة بزعمه في الدنيا فلما كوشف بأمر الآخرة بطلت ولم يهتد إلى حجة حق.
стр. 5379
(قال ابن عباس) في قوله تعالى (﴿بقبس﴾ ضلوا﴾) أي موسى وأهله (الطريق) في سيرهم لمصر (وكانوا شاتين) في ليلة مظلمة مثلجة ونزلوا منزلًا بين شعاب وجبال وولد له ابن وتفرقت ماشيته وجعل يقدح بزند معه ليوري فجعل لا يخرج منه شرر فرأى من جانب الطور نارًا (فقال) لأهله امكثوا إني أبصرت نارًا (إن لم أجد عليها من يهدي الطريق آتكم بنار توقدون) وفي نسخة لأبي ذر تدفؤون بفتح الفوقية والفاء بدل توقدون وقوله في الآية (﴿لعلكم تصطلون﴾) يدل على البرد وبقبس على وجود الظلام (﴿أو أجد على النار هدى﴾) على أنه قد تاه عن الطريق، وقول ابن عباس هذا ثابت هنا على هامش الفرع كأصله مخرج له بعد قوله في الدنيا في رواية أبي ذر.
(وقال ابن عيينة) سفيان مما هو في تفسيره في قوله (أمثلهم طريقة) أي (أعدلهم) أي رأيًا أو عملًا وسقط لغير أبي ذر طريقة.
(وقال ابن عباس) فيما وصله ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة في قوله تعالى: ﴿فلا يخاف ظلمًا ولا﴾ (﴿هضمًا﴾) أي (لا يظلم فيهضم من حسناته) ولفظ ابن أبي حاتم لا يخاف ابن آدم يوم القيامة أن يظلم فيزداد في سيئاته ولا يهضم فينقص من حسناته (﴿عوجًا﴾) أي (واديًا ﴿ولا أمتًا﴾) أي (رابية) قاله ابن عباس فيما وصله ابن أبي حاتم وسقط لغير أبي ذر لفظ ولا من قوله ولا أمتًا.
(﴿سيرتها﴾) في قوله تعالى: ﴿سنعيدها سيرتها الأولى﴾ أي (حالتها) وهيئتها (الأولى) وهي فعلة من السير تجوّز بها للطريقة وانتصابها على نزل الخافض.
(﴿النهي﴾) في قوله تعالى: ﴿إن في ذلك لآيات لأولي النهي﴾ [طه: ١٢٨] أي (التقى) وقال في الأنوار لذوي العقول الناهية عن اتباع الباطل وارتكاب القبائح جمع نهية.
(﴿ضنكًا﴾) في قوله تعالى: ﴿فإن له معيشة ضنكًا﴾ [طه: ١٢٤] (الشقاء) قاله ابن عباس فيما وصله ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عنه وصحح ابن حبان من حديث أبي هريرة مرفوعًا (﴿معيشة ضنكًا﴾) قال عذاب القبر وقال في الأنوار ضنكًا ضيقًا مصدر وصف به ولذلك يستوي فيه المذكر والمؤنث.
(﴿هوى﴾) في قوله: (﴿ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى﴾ [طه: ٨١] قال ابن عباس فيما وصله ابن أبي حاتم أي (شقى) وقال القاضي فقد تردّى وهلك وقيل وقع في الهاوية والأول شامل لها.
(﴿بالوادي المقدّس﴾) أي (المبارك) ولغير أبي ذر المقدس المبارك مع إسقاط بالوادي (﴿طوى﴾) [طه: ١٢] بالتنوين وبه قرأ ابن عامر والكوفيون (اسم الوادي) ولأبي ذر واد وهو بدل من الوادي أو عطف بيان له أو مرفوع على إضمار مبتدأ أو منصوب بإضمار أعني.
(﴿بملكنا﴾) بكسر الميم في قوله تعالى: ﴿قالوا ما أخلفنا موعدك بملكنا﴾ [طه: ٨٧] وهي
стр. 5380
قراءة أبي عمرو وابن كثير وابن عامر أي (بأمرنا) وعاصم ونافع بفتحها وحمزة والكسائي بضمها وثلاثتها في الأصل لغات في مصدر ملكت الشيء.
(مكانًا سوى) في قوله: ﴿لا نخلفه نحن ولا أنت مكانًا سوى﴾ [طه: ٥٨] معناه (منصف) تستوي مسافته (بينهم) قال في الأنوار وانتصاب مكانًا بفعل دل عليه المصدر لا به فإنه موصوف وسقط لأبي ذر قوله بملكنا الخ.
(يبسا) في قوله: ﴿فاضرب لهم طريقًا في البحر يبسًا﴾ [طه: ٧٧] أي (يابسًا) صفة لطريقًا وصف به لما يؤول إليه لأنه لم يكن يبسًا بعد إنما مرت عليه الصبا فجففته كما ذكر وقيل هو في الأصل مصدر وصف به مبالغة أو على حذف مضاف أو جمع يابس كخادم وخدم وصف به الواحد مبالغة.
(﴿على قدر﴾) في قوله: (﴿ثم جئت على قدر يا موسى﴾ [طه: ٤٠] أي (موعد) قدرته لأن أكلمك وأستنبئك غير مستقدم ولا مستأخر قال أبو البقاء وهو متعلق بمحذوف على أنه حال من فاعل جئت أي جئت موافقًا لما قدر لك قال في الدر وهو تفسير معنى والتفسير الصناعي ثم جئت مستقرًّا أو كائنًا على مقدار معين كقوله:
نال الخلافة أو جاءت على قدر … كما أتى ربه موسى على قدر
(﴿لا تنيا﴾) في قوله تعالى: ﴿ولا تنيا في ذكري﴾ [طه: ٤٢] أي (لا تضعفا) قاله قتادة فيما وصله عبد بن حميد وقال غيره لا تفترا يقال: ونى يني ونيًا كوعد يعد وعدًا إذا فتر.
(﴿يفرط﴾) في قوله تعالى: ﴿إنا نخاف أن يفرط علينا﴾ [طه: ٤٥] قال أبو عبيدة (عقوبة) أي يتقدم بالعقوبة ولا يصبر إلى تمام الدعوة وإظهار المعجزة وسقط يفرط عقوبة لغير أبي ذر.
١ - باب قَوْلِهِ: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ [طه: ٤١]
هذا (باب) بالتنوين (قوله) تعالى ثبت لفظ باب لأبي ذر وسقط له قوله: (﴿واصطنعتك لنفسي﴾) [طه: ٤١] افتعال من الصنع فأبدلت التاء طاء لأجل حرف الاستعلاء أي اصطفيتك لمحبتي وهذا مجاز عن قرب منزلته ودنوه من ربه لأن أحدًا لا يصطنع إلا من يختاره.
٤٧٣٦ - حَدَّثَنَا الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «الْتَقَى آدَمُ وَمُوسَى فَقَالَ مُوسَى لآدَمَ: أَنْتَ الَّذِي أَشْقَيْتَ النَّاسَ وَأَخْرَجْتَهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ قَالَ لَهُ آدَمُ: أَنْتَ الَّذِي اصْطَفَاكَ اللَّهُ بِرِسَالَتِهِ وَاصْطَفَاكَ لِنَفْسِهِ وَأَنْزَلَ عَلَيْكَ التَّوْرَاةَ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَوَجَدْتَهَا كُتِبَ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي؟ قَالَ: نَعَمْ. فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى». الْيَمُّ: الْبَحْرُ.
стр. 5381
وبه قال: (حدّثنا الصلت بن محمد) بفتح الصاد المهملة وسكون اللام آخره فوقية الخاركي بالخاء المعجمة والراء والكاف قال: (حدّثنا) ولأبي ذر حدّثني: بالإفراد (مهدي بن ميمون) الأزدي المعولي بكسر الميم وسكون العين المهملة وفتح الواو البصري قال: (حدّثنا محمد بن سيرين) الأنصاري البصري (عن أبي هريرة) ﵁ (عن رسول الله ﷺ عن) أنه (قال):
(التقى آدم وموسى) بأشخاصهما أو بأرواحهما أو يوم القيامة أو في حياة موسى الدنيوية أراه الله آدم فالتقيا أو بعد وفاته (فقال) ولأبي ذر قال (موسى لآدم: أنت الذي) وفي أحاديث الأنبياء من طريق حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة أنت آدم الذي (أشقيت الناس) من الشقاوة (وأخرجتهم من الجنة) أي بتناولك من الشجرة (قال له آدم: أنت الذي) ولأبي ذر قال آدم أنت موسى الذي (اصطفاك الله برسالته) أي جعلك خالصًا صافيًا عن شائبة ما لا يليق بك (واصطفاك لنفسه) وهذا موضع الترجمة (وأنزل عليك التوراة) فيها تبيان كل شيء من الأخبار بالغيوب والقصص وغير ذلك من قوله وكتبنا له في الألواح من كل شيء (قال نعم. قال: فوجدتها) أي الخطيئة (كتب عليّ) وللكشميهني كتبت بزيادة تاء التأنيث وللحموي والمستملي فوجدته أي الذنب كتب عليّ في التوراة (قبل أن يخلقني)؟ أو الضمير في فوجدتها بالتأنيث يرجع إلى التوراة باعتبار اللفظ وبالتذكير باعتبار المعنى أي الكتاب وعند ابن أبي حاتم من طريق يزيد بن هرمز عن أبي هريرة قال: آدم فهل وجدت فيها يعني في التوراة ﴿وعصى آدم ربه فغوى﴾ (قال نعم فحج آدم موسى) برفع آدم على الفاعلية أي غلبه بالحجة ويأتي مزيد لذلك قريبًا.
وهذا الحديث من إفراده من هذا الوجه.
(﴿أليمٌ﴾) في قوله تعالى: ﴿فاقذفيه في الميم﴾ [طه: ٣٩] هو (البحر) أي إطرحيه فيه.
٢ - باب ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى * فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ * وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى﴾ [طه: ٧٧ - ٧٩]
(﴿وأوحينا﴾) ولأبي ذر باب بالتنوين ولقد أوحينا (﴿موسى أن أسر بعبادي﴾) أي أسر بهم في الليل من أرض مصر (﴿فاضرب لهم طريقًا في البحر﴾) طريقًا نصب مفعول به وذلك على سبيل المجاز وهو أن الطريق متسبب عن ضرب البحر إذ المعنى اضرب البحر لينفلق لهم فيصير طريقًا فبذا صح نسبة الضرب إلى الطريق أو المعنى اجعل لهم طريقًا وقيل هو نصب على الظرف قال أبو البقاء أي موضع طريق فهو مفعول فيه (﴿يبسًا﴾) ليس فيه ماء ولا طين (﴿لا تخاف دركًا﴾) أي يدركك فرعون من ورائك (﴿ولا تخشى﴾) أن يغرقك البحر أمامك (﴿فأتبعهم فرعون بجنوده﴾) أي فأتبعهم فرعون نفسه ومعه جنوده فحذف المفعول الثاني والباء للتعدية أو زائدة في المفعول الثاني أي فأتبعهم فرعون وجنوده (﴿فغشيهم من اليم ما غشيهم﴾) هو من باب الاختصار
стр. 5382
وجوامع الكلم التي يقل لفظها ويكثر معناها أي فغشيهم ما لا يعلم كنهه إلا الله ولا ضمير في غشيهم لجنوده أوله ولهم والفاعل هو الله تعالى أو ما غشيهم أو فرعون لأنه الذي ورطهم للهلاك (﴿وأضل فرعون قومه﴾) في الدين (﴿وما هدى﴾) [طه: ٧٧ - ٧٩] وهو تكذيب له في قوله وما أهديكم إلا سبيل الرشاد وأضلهم في البحر وما نجا، وسقط قوله لا تخاف الخ ولأبي ذر وقال بعد قوله يبسًا إلى قوله وما هدى.
٤٧٣٧ - حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا رَوْحٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا أَبُو بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ وَالْيَهُودُ تَصُومُ عَاشُورَاءَ فَسَأَلَهُمْ فَقَالُوا: هَذَا الْيَوْمُ الَّذِي ظَهَرَ فِيهِ مُوسَى عَلَى فِرْعَوْنَ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «نَحْنُ أَوْلَى بِمُوسَى مِنْهُمْ فَصُومُوهُ».
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد ولأبي ذر: حدّثنا (يعقوب بن إبراهيم) الدورقي قال: (حدّثنا روح) بفتح الراء وسكون الراء وسكون الواو آخره مهملة ابن عبادة قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج قال: (حدّثنا أبو بشر) بكسر الموحدة وسكون المعجمة جعفر بن أبي وحشية (عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄) أنه (قال: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة واليهود تصوم عاشوراء) قال الطيبي: هو من باب الصفة التي لم يرد لها فعل والتقدير يوم مدته عاشوراء أو صورته عاشوراء، قيل: وليس في كلامهم فاعولاء غيره وقد يلحق به تاسوعاء، وذهب بعضهم إلى أنه أخذ من العشر الذي هو من إظماء الإبل ولهذا زعموا أنه اليوم التاسع وسبق تقرير ذلك في الصوم فليراجع ولأبي ذر تصوم يوم عاشوراء (فسألهم) ما هذا الصوم وكان هذا في السنة الثانية من قدومه ﷺ (فقالوا): أي اليهود (هذا اليوم الذي ظهر فيه موسى) ﵇ (على فرعون) أي غلب عليه وفي الصوم من طريق أيوب عن عبد الله بن سعيد بن جبير عن أبيه قالوا: هذا يوم صالح هذا يوم نجى الله فيه بني إسرائيل من عدوّهم (فقال النبي ﷺ ¬): وسقط لأبي ذر قوله النبي الخ لأبي ذر:
(نحن أولى بموسى منهم) بضمير الغيبة (فصوموه) وفي الصوم فصامه وأمر بصيامه.
٣ - باب قَوْلِهِ: ﴿فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ [طه: ١١٧]
(باب قوله) تعالى: (﴿فلا يخرجنكما) فلا يكونن سببًا لإخراجكما (﴿من الجنة فتشقى﴾) [طه: ١١٧] أسند إلى آدم الشقاء وحده دون حواء بعد اشتراكهما في الخروج لأن في ضمن شقاء الرجل وهو قيم أهله شقاءهم فاختصر الكلام بإسناده إليه دونها أو لأن المراد بالشقاء التعب في طلب المعاش الذي هو وظيفة الرجال وسقط باب قوله لغير أبي ذر.
٤٧٣٨ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ النَّجَّارِ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي
стр. 5383
سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «حَاجَّ مُوسَى آدَمَ فَقَالَ لَهُ: أَنْتَ الَّذِي أَخْرَجْتَ النَّاسَ مِنَ الْجَنَّةِ بِذَنْبِكَ فَأَشْقَيْتَهُمْ قَالَ: قَالَ آدَمُ يَا مُوسَى أَنْتَ الَّذِي اصْطَفَاكَ اللَّهُ بِرِسَالَتِهِ وَبِكَلَامِهِ أَتَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي أَوْ قَدَّرَهُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي» قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى».
وبه قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) الثقفي البغلاني وسقط لغير أبي ذر ابن سعيد قال: (حدّثنا أيوب بن النجار) بالنون والجيم المشددة وبعد الألف راء الحنفي اليمامي كان يقال إنه من الإبدال (عن يحيى بن أبي كثير) بالمثلثة الطائي مولاهم (عن أبي سلمة بن عبد الرحمن) بن عوف (عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(حاج موسى آدم) بالنصب على المفعولية (فقال) موسى (له أنت الذي أخرجت الناس من الجنة بذنبك) وهو الأكل من الشجرة التي نهي عنها (فأشقيتهم) بكدّ الدنيا وتعبها والجملة مبنية لمعنى حاج موسى آدم (قال: قال آدم) مجيبًا له (يا موسى أنت الذي اصطفاك الله برسالاته) بالجمع باعتبار الأنواع وبالإفراد فقط في اليونينية (بكلامه) على الناس الموجودين في زمانك وفي الرواية السابقة تريب وأنزل عليك التوراة (أتلومني) بهمزة الإنكار ولمسلم أفتلومني بفاء بعد الهمزة وفيه حذف ما تقتضيه الهمزة وفاء العطف من الفعل أي أتجد في التوراة هذا النص الجلي وأنه ثابت قبل كوني وقد حكم بأن ذلك كائن لا محالة فكيف تغفل عن العلم السابق وتذكر الكسب الذي هو السبب وتنسى الأصل الذي هو القدر وأنت ممن اصطفاك الله من المصطفين الأخيار الذين يشاهدون سر الله من وراء الأستار فتلومني (على أمر كتبه الله علي قبل أن يخلقني أو قدره عليّ) بأن كتبه في اللوح المحفوظ أو صحف التوراة وألواحها (قبل أن يخلقني) زاد مسلم بأربعين سنة والشك من الراوي (قال رسول الله ﷺ : فحج آدم موسى) برفع آدم على الفاعلية أي غلب عليه بالحجة بأن ما صدر منه لم يكن مستقلًا به متمكنًا من تركه بل كان أمرًا مقضيًا وقيل إنما احتج في خروجه من الجنة بأن الله خلقه ليجعله خليفة في الأرض ولم ينف عن نفسه الأكل من الشجرة التي نهي عنها، وقيل: إنما احتج بأن التائب لا يلام بعد توبته على ما كان منه.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[٢١]- سورة الأَنْبِيَاءِ
([٢١]- (سورة الأَنْبِيَاءِ)
مكية وهي مائة واثنتا عشر آية.
(بسم الله الرحمن الرحيم).
سقطت البسملة لغير أبي ذر.
стр. 5384
٤٧٣٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَالْكَهْفُ وَمَرْيَمُ، وَطَهَ، وَالأَنْبِيَاءُ هُنَّ مِنَ الْعِتَاقِ الأُوَلِ وَهُنَّ مِنْ تِلَادِي. وَقَالَ قَتَادَةُ جُذَاذًا: قَطَّعَهُنَّ. وَقَالَ الْحَسَنُ فِي فَلَكٍ: مِثْلِ فَلْكَةِ الْمِغْزَلِ، يَسْبَحُونَ: يَدُورُونَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ نَفَشَتْ: رَعَتْ يُصْحَبُونَ: يُمْنَعُونَ. أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً قَالَ: دِينُكُمْ دِينٌ وَاحِدٌ، وَقَالَ عِكْرِمَةُ: حَصَبُ: حَطَبُ بِالْحَبَشِيَّةِ، وَقَالَ غَيْرُهُ أَحَسُّوا: تَوَقَّعُوهُ مِنْ أَحْسَسْتُ. خَامِدِينَ: هَامِدِينَ، حَصِيدٌ مُسْتَأْصَلٌ يَقَعُ عَلَى الْوَاحِدِ وَالاِثْنَيْنِ وَالْجَمِيعِ، لَا يَسْتَحْسِرُونَ: لَا يُعْيُونَ وَمِنْهُ حَسِيرٌ وَحَسَرْتُ بَعِيرِي، عَمِيقٌ: بَعِيدٌ. نُكِسُوا: رُدُّوا، صَنْعَةَ لَبُوسٍ: الدُّرُوعُ. تَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ: اخْتَلَفُوا، الْحَسِيسُ: وَالْحِسُّ وَالْجَرْسُ وَالْهَمْسُ وَاحِدٌ وَهْوَ مِنَ الصَّوْتِ الْخَفِيِّ. آذَنَّاكَ: أَعْلَمْنَاكَ، آذَنْتُكُمْ إِذَا أَعْلَمْتَهُ فَأَنْتَ وَهْوَ عَلَى سَوَاءٍ لَمْ تَغْدِرْ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ: تُفْهَمُونَ. ارْتَضَى: رَضِيَ. التَّمَاثِيلُ: الأَصْنَامُ، السِّجِلُّ: الصَّحِيفَةُ.
وبه قال: (حدّثنا) بالجمع ولأبي ذر: حدّثني (محمد بن بشار) بالموحدة المفتوحة والمعجمة المشددة بندار العبدي البصري قال: (حدّثنا غندر) محمد بن جعفر الهذلي البصري قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن أبي إسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعي أنه (قال: سمعت عبد الرحمن بن يزيد) النخعي الكوفي (عن عبد الله) يعني ابن مسعود ﵁ (قال بني إسرائيل) فيه حذف المضاف وابقاء المضاف إليه على حاله أي سورة إسرائيل (والكهف) بالرفع أي والثاني الكهف فهو خبر مبتدأ محذوف (ومريم وطه والأنبياء) رفع كالأول (هن) الأربعة (من العتاق الأول) بكسر العين المهملة وتخفيف الفوقية جمع عتيق وهو ما بلغ الغاية في الجودة والأول بضم الهمزة وفتح الواو المخففة والأولية باعتبار النزول لأنهن نزلن بمكة (وهن من تلادي) بكسر الفوقية وتخفيف اللام وكسر الدال المهملة أي مما حفظته قديمًا من القرآن ضد الطارف وإنما كانت الأنبياء بهذا الوصف لتضمنها أخبار جلة الأنبياء وغير ذلك.
وقد سبق هذا الحديث أول سورة بني إسرائيل.
(وقال قتادة): فيما وصله الطبري من طريق سعيد عنه في تفسير قوله تعالى: ﴿فجعلهم﴾ (﴿جذاذًا﴾) بضم الجيم (قطعهن) وعبّر بقوله جعلهم وهو ضمير العقلاء معاملة للأصنام معاملة العقلاء حيث أعتقدوا فيها ذلك وقرأ الكسائي بكسر الجيم لغتان بمعنى.
(وقال الحسن) البصري في قوله تعالى: (﴿في فلك﴾) أي في (مثل فلكة المغزل) بكسر الميم وفتح الزاي وهذا وصله ابن عيينة وقال الفلك مدار النجوم والفلك في كلام العرب كل مستدير وجمعه أفلاك ومنه فلكة المغزل، وقال آخر: الفلك ماء مجموع تجري فيه الكواكب واحتج بأن السباحة لا تكون إلا في الماء وأجيب: بأنه يقال في الفرس الذي يمد يديه في الجري سابح فلا دليل فيما احتج به.
стр. 5385
(﴿يسبحون﴾) قال ابن عباس: (يدورون) كما يدور المغزل في الفلكة، ولذا قال مجاهد فلا يدور المغزل إلا بالفلكة ولا الفلكة إلا بالمغزل كذلك النجوم والقمران لا يدرن إلا به ولا يدور إلا بهن.
(قال ابن عباس): مما وصله ابن أبي حاتم في قوله تعالى: إذ (﴿نقشت﴾) أي (رعت) (﴿فيه غنم القوم﴾) وزاد أبو ذر ليلًا (﴿يصحبون﴾) في قوله: ﴿ولا هم منا يصحبون﴾ أي (يمنعون) قاله ابن عباس فيما وصله ابن المنذر، وقال مجاهد: ينصرون.
(أمتكم أمة واحدة قال): أي ابن عباس أي (دينكم دين واحد) وأصل الأمة الجماعة التي هي على مقصد واحد فجعلت الشريعة أمة لاجتماع أهلها على مقصد واحد.
(وقال عكرمة) في قوله (﴿حصب﴾) أي (حطب) بالطاء بدل الصاد (بالحبشية) وقيل باليمانية وهي قراءة أبي وعائشة والظاهر أنها تفسير لا تلاوة والحصب بالصاد ما يرمى به في النار ولا يقال له حطب إلا وهو في النار فأما قبل ذلك فحطب وشجر وهذه ساقطة لأبي ذر.
(وقال غيره): غير عكرمة (﴿أحسوا﴾) في قوله تعالى: ﴿فلما أحسوا بأسنا﴾ [الأنبياء: ١٢] أي (توقعوه) ولأبي ذر توقعوا بحذف الضمير مشتق (من أحسست) من الإحساس وقال في الأنوار فلما أدركوا شدة عذابنا إدراك المشاهد المحسوس (﴿خامدين﴾) أي (هامدين) قاله أبو عبيدة.
(﴿حصيدًا﴾) ولأبي ذر والحصيد أي في قوله تعالى: ﴿حتى جعلناهم حصيدًا خامدين﴾ [الأنبياء: ١٥] معناه (مستأصل) كالنبت المحصول شبههم في استئصالهم به كما تقول جعلناهم رمادًا أي مثل الرماد ولفظه (يقع على الواحد والاثنين والجميع) وهو مفعول ثان لأن الجعل هنا تصيير.
فإن قلت: كيف ينصب جعل ثلاثة مفاعيل؟ أجيب: بأن حصيدًا وخامدين يجوز أن يكونا من باب هذا حلو حامض كأنه قيل جعلناهم جامعين بين الوصفين جميعًا والمعنى أنهم هلكوا بذلك العذاب حتى لم يبق حس ولا حركة وجفوا كما يجف الحصيد وخمدوا كما تخمد النار.
(﴿لا يستحسرون﴾) قال أبو عبيدة (لا يعيون) في الفرع وأصله بضم أوله مصححًا عليه وثالثه وكلاهما مصلح على كشط من أعيا وفي نسخة عن أبي ذر يعيون بفتحهما ورده ابن التين والسفاقسي وصوّب الضم وأجاب العيني بأن الصواب الفتح لأن معناه لا يعجزون وقيل لا ينقطعون (ومنه حسير وحسرت بعيري) أي أعييته.
وقوله: (﴿عميق﴾) في سورة الحج أي (بعيد) ويحتمل أن يكون ذكره هنا سهوًا من ناسخ أو غيره.
стр. 5386
(﴿نكسوا﴾) بتشديد الكاف مبنيًّا للمفعول وهي قراءة أبي حيوة وغيره لغة في المخففة في قوله: ﴿ثم نكسوا على رؤوسهم﴾ [الأنبياء: ٦٥] أي (ردّوا) بضم الراء إلى الكفر بعد أن أقروا على أنفسهم بالظلم أو قلبوا على رؤوسهم حقيقة بفرط إطراقهم خجلًا وانكسارًا وانخزالًا مما بهتهم إبراهيم ﵇ فما أحاروا جوابًا إلا ما حجة لإبراهيم حين جادلهم فقالوا لقد علمت ما هؤلاء ينطقون فأقروا بهذه الحجة التي لحقتهم.
(﴿صنعة لبوس﴾) هي (الدروع) لأنها تلبس وهو بمعنى الملبوس كالحلوب والركوب.
(تقطعوا أمرهم) أي (اختلفوا) أي في الدين فصاروا فرقًا أحزابًا والأصل وتقطعتم إلا أنه صرف إلى الغيبة على طريق الالتفات كأنه ينعى عليهم ما أفسدوه إلى آخرين ويقبح عندهم فعلهم ويقول لهم: ألا ترون إلى عظيم ما ارتكب هؤلاء في دين الله والمعنى اختلفوا في الذين فصاروا فرقًا وأحزابًا قاله في الكشاف.
(الحسيس والحس) في قوله: ﴿لا يسمعون حسيسها﴾ [الأنبياء: ١٠٢] (والجرس) بفتح الجيم وسكون الراء (والهمس) بفتح الهاء وسكون الميم (واحد) في المعنى (وهو من الصوت الخفي) بالرفع خبر المبتدأ الذي هو قوله وهو معنى الآية: لا يسمعون صوتها وحركة تلهبها إذا نزلوا منازلهم في الجنة.
(﴿آذناك﴾) ﴿ما منا من شهيد﴾ [فصلت: ٤٧] بفصلت معناه (أعلمناك) وذكره مناسبة لقوله: فإن تولوا فقل: (﴿آذنتكم﴾) قال أبو عبيدة: (إذا) أنذرت عدوّك و (أعلمته) بالحرب (فأنت وهو على سواء لم تغدر) ومعنى الآية أعلمتكم بالحرب وأنه لا صلح بيننا على سواء لتتأهبوا لما يراد بكم فلا غدر ولا خداع (وقال مجاهد) فيما وصله الفريابي في قوله: (﴿لعلكم تسألون﴾) أي (تفهمون) بضم الفوقية وسكون الفاء وفتح الهاء مخففة وفي نسخة تفهمون بفتح فسكون ففتح مخففًا، ولابن المنذر من وجه آخر تفقهون، وقال بعضهم: أي ارجعوا إلى نعمتكم ومساكنكم لعلكم تسئلون عما جرى عليكم ونزل بأموالكم ومساكنكم فتجيبوا السائل عن علم ومشاهدة.
(﴿ارتضى﴾) في قوله: (﴿ولا يشفعون إلا لمن ارتضى﴾ [الأنبياء: ٢٨] أي (رضي) أن يشفع له مهابة منه وسقطت هذه لأبي ذر.
(﴿التماثيل﴾) هي (الأصنام) والتمثال اسم للشيء الموضوع مشبهًا بخلق من خلق الله.
(﴿السجل﴾) في قوله: ﴿كطي السجل﴾ [الأنبياء: ١٠٤] هو (الصحيفة) مطلقًا أو مخصوص بصحيفة العهد وطيّ مصدر مضاف للمفعول والفاعل محذوف تقديره كما يطوي الرجل الصحيفة ليكتب فيها.
١ - باب: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا﴾ [الأنبياء: ١٠٤]
هذا (باب) بالتنوين في قوله: (﴿كما بدأنا أول خلق نعيده﴾) الكاف تتعلق بنعيد وما مصدرية وبدأنا صلتها وأول خلق مفعول بدأنا قاله أبو البقاء أي نعيد أول خلق إعادة مثل بداءتنا
стр. 5387
له أي كلما أبرزناه من العدم إلى الوجود نعيده من العدم إلى الوجود وقد اختلف في كيفية الإعادة فقيل إن الله يفرّق أجزاء الأجسام ولا يعدمها ثم يعيد تركيبها أو يعدمها بالكلية ثم يوجدها بعينها والآية تدل على ذلك لأنه شبه الإعادة باللابتداء وهو عن الوجود بعد العدم (﴿وعدًا علينا﴾) [الأنبياء: ١٠٤] الإعادة وقيل المراد حقًّا علينا بسبب الإخبار عن ذلك وتعلق العلم بوقوعه وإن وقوع ما علم الله وقوعه واجب وسقط باب لغير أبي ذر وكذا وعدًا علينا.
٤٧٤٠ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ النُّعْمَانِ شَيْخٍ مِنَ النَّخَعِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: خَطَبَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: «إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ إِلَى اللَّهِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤] ثُمَّ إِنَّ أَوَّلَ مَنْ يُكْسَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِبْرَاهِيمُ، أَلَا إِنَّهُ يُجَاءُ بِرِجَالٍ مِنْ أُمَّتِي فَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أَصْحَابِي فَيُقَالُ: لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ؟ فَأَقُولُ كَمَا قَالَ الْعَبْدُ الصَّالِحُ: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿شَهِيدٌ﴾ [المائدة: ١١٧] فَيُقَالُ إِنَّ هَؤُلَاءِ لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ مُنْذُ فَارَقْتَهُمْ».
وبه قال: (حدّثنا سليمان بن حرب) الواشحي قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن المغيرة بن النعمان) بضم النون وسكون العين النخعي الكوفي (شيخ) بالجر بدلًا من سابقه (من النخع) بفتح الخاء (عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄) أنه (قال: خطب النبي ﷺ فقال):
(إنكم محشورون) مجموعون (إلى الله حفاة) بالحاء المهملة كذا في الفرع وأصله وسقطت في بعض النسخ (عراة) من الثياب (غرلًا) بغين معجمة مضمومة فراء ساكنة جمع أغرل وهو الأقلف الذي لم يختن، قال أبو الوفاء بن عقيل: لما أزالوا تلك القطعة في الدنيا أعادها الله ليذيقها من حلاوة فضله (﴿كما بدأنا أول خلق نعيده وعدًا علينا إنا كنا فاعلين﴾ ثم إن أول من يكسى يوم القيامة إبراهيم) وسقط لفظ إن لغير الكشميهني فالتالي رفع قيل وخصوصية إبراهيم بهذه الأولية لكونه ألقي في النار عريانًا وزاد الحليمي في منهاجه من حديث جابر ثم محمد ثم النبيون (ألا) بالتخفيف (إنه) أي لكن إن الشأن (يجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال) أي جهة النار (فأقول بل رب أصحابي فيقال لا تدري ما أحدثوا بعدك فأقول كما قال العبد الصالح) عيسى ﵊: (﴿وكنت عليهم شهيدًا ما دمت﴾) ولأبي ذر فيهم (﴿إلى قوله: شهيد﴾ فيقال ان هؤلاء لم يزالوا مرتدين على أعقابهم) ولأبي ذر عن المستملي إلى أعقابهم (منذ فارقتهم) والمراد بمرتدين التخلف عن الحقوق الواجبة.
وقد مرّ هذا الحديث في آخر سورة المائدة.
стр. 5388
[٢٢]- سورة الْحَجِّ
(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ الْمُخْبِتِينَ: الْمُطْمَئِنِّينَ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي ﴿إِذَا تَمَنَّى أَلقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ إِذَا حَدَّثَ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي حَدِيثِهِ فَيُبْطِلُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ وَيُحْكِمُ آيَاتِهِ. وَيُقَالُ: أُمْنِيَّتُهُ: قِرَاءَتُهُ، إِلاَّ أَمَانِيَّ يَقْرَءُونَ وَلَا يَكْتُبُونَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مَشِيدٌ بِالْقَصَّةِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: وَقَالَ غَيْرُهُ: يَسْطُونَ: يَفْرُطُونَ مِنَ السَّطْوَةِ، وَيُقَالُ يَسْطُونَ يَبْطُشُونَ. ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ أُلْهِمُوا. ﴿وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الحَمِيدِ﴾ الإِسْلَامِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بِسَبَبٍ بِحَبْلٍ إِلَى سَقْفِ الْبَيْتِ: تَذْهَلُ تُشْغَلُ.
([٢٢] سورة الحج)
مكية إلا ﴿هذان خصمان﴾ إلى تمام ثلاث آيات أو أربع إلى قوله: ﴿عذاب الحريق﴾ وهي ثمان وسبعون آية.
(بسم الله الرحمن الرحيم) ثبتت البسملة لأبي ذر.
(وقال ابن عيينة) سفيان فيما أسنده في تفسيره عن ابن أبي نجيح عن مجاهد (﴿المخبتين﴾) في قوله تعالى: ﴿وبشّر المخبتين﴾ [الحج: ٣٤]. أي (المطمئنين) إلى الله. وقال ابن عباس المتواضعين الخاشعين، وقال الكلبي: هم الرقيقة قلوبهم، وقال عمرو بن أوس هم الذين لا يظلمون وإذا ظلموا لم ينتصروا.
(وقال ابن عباس): فيما وصله الطبري (في) قوله تعالى: (﴿إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته﴾) [الحج: ٥٢]. أي (إذا حدث) أي إذا تلا النبي ﷺ شيئًا من الآيات المنزلة عليه من الله (ألقى الشيطان في حديثه) في تلاوته عند سكتة من السكتات بمثل نغمة ذلك النبي ما يوافق رأي أهل الشرك من الباطل فيسمعونه فيتوهمون أنه مما تلاه النبي ﷺ وهو منزه عنه لا يخلط حقًّا بباطل حاشاه الله من ذلك (فيبطل الله ما يلقي) ولأبي ذر عن الكشميهني ما ألقى (الشيطان ويحكم آياته) أي يثبتها (ويقال) إن (أمنيته) هي (قراءته) وفي اليونينية أمنيته قراءته بالرفع فيهما وفي بعض الأصول وكثير من النسخ أمنيته قراءته بجرهما على ما لا يخفى.
(﴿إلا أماني﴾) بالبقرة أي (يقرؤون ولا يكتبون) وهذا أورده المؤلّف ﵀ استشهادًا على أن تمنى في قوله تعالى في هذه السورة ﴿إلا إذا تمنى﴾ بمعنى قرأ وهو خلاف ما فسره به صاحب الأنوار حيث قال: إذا تمنى إذا زوّر في نفسه ما يهواه ألقى الشيطان في أمنيته في نشهيه ما يوجب اشتغاله بالدنيا كما قال ﵇: إنه ليغان على قلبي فاستغفر الله في اليوم سبعين مرة فينسخ الله ما يلقى الشيطان فيبطله الله ويذهب به بعصمته عن الركون إليه والإرشاد إلى ما يزيحه ثم يحكم الله آياته ثم يثبت آياته الداعية إلى الاستغراق في أمر الآخرة قيل إنه حدّث نفسه يعني النبي ﷺ بزوال المسكنة فنزلت انتهى.
стр. 5389
والحامل له على هذا التفسير كغيره ما في ظاهر هذه القصة من البشاعة وقد رواها ابن أبي حاتم والطبري وابن المنذر من طرق عن شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير قال: قرأ رسول الله ﷺ بمكة النجم فلما بلغ: ﴿أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى﴾ [النجم: ١٩، ٢٠] ألقى الشيطان على لسانه تلك الغرانيق العلا وأن شفاعتهن لترتجى. فقال المشركون ما ذكر آلهتنا بخير قبل اليوم فسجد وسجدوا فنزلت هذه الآية. ورواها البزار وابن مردويه من طريق أمية بن خالد عن شعبة فقال في إسناده عن سعيد بن جبير عن ابن عباس فيما أحسب ثم ساق الحديث، وقال البزار: لا يروى متصلًا إلا بهذا الإسناد تفرد بوصله أمية بن خالد وهو ثقة مشهور قال: وإنما يروى هذا من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس انتهى.
والكلبي متروك لا يعتمد عليه، ورواها أيضًا ابن إسحاق في سيرته وموسى بن عقبة في مغازيه وأبو معشر في آخرين وكلها مراسيل وقد طعن فيها غير واحد من الأئمة حتى قال ابن إسحاق: وقد سئل عنها هي من وضع الزنادقة وقال البيهقي غير ثابتة نقلًا ورواتها مطعونون، وأطنب القاضي عياض في الشفاء في توهين أصلها فشفى وكفى إذ سدّ هذا الباب هو الصواب، وأربح للثواب، وإن كانت كثرة الطرق تدل على أن لها أصلًا لا سيما وقد رواها الطبري من طريقين مرسلين رجالهما على شرط الصحيح. أولهما: طريق يونس بن يزيد عن ابن شهاب حدثني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام فذكر نحوه، وثانيهما: طريق المعتمر بن سليمان وحماد بن سلمة فرقهما عن داود بن أبي هند عن أبي العالية وكذا طريق سعيد بن جبير السابقة وحينئذ فردّها لا يتمشى على القواعد الحديثية بل ينبغي أن يحتج بهذه الثلاثة من يحتج بالمرسل ومن لا يحتج به لاعتضاد بعضها ببعض كما قرره شيخ الصنعة وإمامها الحافظ أبو الفضل بن حجر.
وإذا سلمنا أن لها أصلًا وجب تأويلها وأحسن ما قيل في ذلك أن الشيطان نطق بتلك الكلمات أثناء قراءة النبي ﷺ عند سكتة من السكتات محاكيًا نغمته فسمعها القريب منه فظها من قوله وأشاعها.
وفي كتابي المواهب اللدنية بالمنح المحمدية زيادات على ما ذكرته هنا، وقد قال مجاهد أنه ﵇ كان يتمنى إنزال الوحي عليه بسرعة دون تأخير فنسخ الله ذلك بأن عرّفه أن إنزال ذلك بحسب المصالح في الحوارث والنوازل، وقيل إنه ﷺ كان يتفكّر عند نزول الوحي في تأويله إذا كان مجملًا فيلقي الشيطان في جملته ما لم يرده فبين تعالى أنه ينسخ ذلك بالإبطال ويحكم ما أراد بأدلته وآياته، وقيل إذا تمنى أي إذا أراد فعلًا مقربًا إلى الله ألقى الشيطان في فكره ما يخالفه فرجع إلى الله في ذلك وهو كقوله: ﴿وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله﴾ [الأعراف: ٢٠٠] لكن قال بعضهم لا يجوز حمل الأمنية على تمني القلب لأنه لو كان كذلك لم يكن ما يخطر بباله
стр. 5390
﵇ فتنة للكفار وذلك يبطله قوله تعالى: ﴿ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض﴾ [الحج: ٥٣]. وأجيب: بأنه لا يبعد أنه إذا قوي التمني يشتغل الخاطر فيحصل السهو في الأفعال الظاهرة بسببه فيصير ذلك فتنة لهم.
(وقال مجاهد): مما وصله الطبري من طريق ابن أبي نجيح عنه (﴿مشيد﴾) في قوله: ﴿وبئر معطلة وقصر مشيد﴾ [الحج: ٤٥]. أي (بالقصة) بفتح القاف والصاد المهملة المشددة ولأبي ذر جص بكسر الجيم وتشديد الصاد المهملة والرفع أي هي جص وهذه ثابتة لأبي ذر والمشيد بكسر المعجمة الجص وهو الكلس وقيل المشيد المرفوع البنيان، والمعنى كم من قرية أهلكنا وكم بئر عطلنا عن سقاتها وقصر مشيد أخليناه عن ساكنيه وجعلنا ذلك عبرة لمن اعتبر، وقيل إن البئر المعطلة والقصر المشيد باليمن ولكل أهل فكفروا فأهلكهم الله وبقيا خاليين.
وذكر الإخباريون أن القصر من بناء شداد بن عاد فصار معطلًا لا يستطيع أحد أن يقرب منه على أميال مما يسمع فيه من أصوات الجن المنكرة.
(وقال غيره) أي غير مجاهد في قوله تعالى: ﴿يكادون﴾ (﴿يسطون﴾) أي (يفرطون) بفتح التحتية وسكون الفاء وضم الراء المهملة من باب نصر ينصر مشتق (من السطوة) وهي القهر والغلبة وقيل إظهار ما يهول للإخافة (ويقال) هو قول الفراء والزجاج (يسطون) أي (يبطشون) بكسر الطاء وضمها والأول لأبي ذر والمعنى أنهم يهمون بالبطش والوثوب تعظيمًا لإنكار ما خوطبوا به أي يكادون يبطشون بالذين يتلون عليهم آياتنا بمحمد ﷺ وأصحابه من شدّة الغيظ ويسطون ضمن معنى يبطشون فتعدى تعديته وإلاّ فهو متعد بعلى يقال سطا عليه.
(﴿وهدوا إلى الطيب من القول﴾) [الحج: ٢٤] قال ابن عباس فيما أخرجه الطبري من طريق عليّ بن أبي طلحة أي (ألهموا) ولأبي ذر وهدوا إلى الطيب من القول أي ألهموا القرآن وفي رواية له أيضًا إلى القرآن ورواه ابن المنذر من طريق سفيان عن إسماعيل بن أبي خالد. وقال ابن عباس: الطيب من القول شهادة أن لا إله إلا الله ويؤيده قوله: ﴿مثل كلمة طيبة﴾ [إبراهيم: ٢٤] وقوله: ﴿إليه يصعد الكلم الطيب﴾ [فاطر: ١٠] وعنه في رواية عطاء هو قول أهل الجنة: ﴿الحمد لله الذي صدقنا وعده﴾ [الزمر: ٧٤].
(﴿وهدوا إلى صراط الحميد﴾) [الحج: ٢٤] هو (الإسلام) ولأبوي ذر والوقت الإسلام بالجرّ أي إلى الإسلام والحميد هو الله المحمود في أفعاله وهذا ثابت لأبي ذر عن الحموي ساقط لغيره.
(وقال ابن عباس) فيما وصله ابن المنذر بمعناه (﴿بسبب﴾) في قوله: ﴿فليمدد بسبب﴾ [الحج: ١٥] أي (بحبل إلى سقف البيت) ولفظ ابن المنذر فليمدد بسبب إلى سماء بيته فليختنق به والمعنى من كان يظن أن لن ينصر الله نبيه ﷺ في الدنيا بإعلاء كلمته وإظهار دينه وفي الآخرة بإعلاء درجته والانتقام من عدوّه فليشدد حبلًا في سقف بيته فليختنق به حتى يموت إن كان ذلك غائظه فإن الله ناصره لا محالة. قال الله تعالى: ﴿إنّا لننصر رسلنا﴾ [غافر: ٥١] الآية. وقال
стр. 5391
عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ﴿فليمدد بسبب إلى السماء﴾ [الحج: ١٥] أي ليتوصل إلى بلوغ السماء فإن النصر إنما يأتي محمدًا ﷺ من السماء ثم ليقطع ذلك عنه إن قدر عليه، وقوله ابن عباس أظهر في المعنى وأبلغ في التهكم، فعلى هذا القول الثاني فيه استعارة تمثيلية والأمر للتعجيز وعلى الأوّل كناية عن شدّة الغيظ والأمر للإهانة.
(﴿تذهل﴾) في قوله: ﴿يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت﴾ [الحج: ٢] أي (تشغل) بضم أوّله وفتح ثالثه لهول ما ترى عن أحب الناس إليها ويوم نصب بتذهل والضمير للزلزلة وتكون فيما قاله الحسن يوم القيامة أو عند طلوع الشمس من مغربها كما قاله علقمة والشعبي أو الضمير للساعة وعبر بمرضعة دون مرضع لأن المرضعة التي هي في حال الإرضاع ملقمة ثديها الصبي والمرضع التي من شأنها أن ترضع وإن لم تباشر الإرضاع في حال وصفها به فقيل مرضعة ليدل على أن ذلك الهول إذا فوجئت به هذه وقد ألقمت الرضيع ثديها نزعته من فيه لما يلحقها من الدهشة.
١ - باب ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى﴾ [الحج: ٢]
هذا (باب) بالتنوين في قوله تعالى: (﴿وترى الناس سكارى﴾) [الحج: ٢] بضم السين وسقط باب وتاليه لغير أبي ذر.
٤٧٤١ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «يَقُولُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَا آدَمُ يَقُولُ: لَبَّيْكَ رَبَّنَا وَسَعْدَيْكَ فَيُنَادَي بِصَوْتٍ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تُخْرِجَ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ بَعْثًا إِلَى النَّارِ قَالَ: يَا رَبِّ وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ أُرَاهُ قَالَ: تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ فَحِينَئِذٍ تَضَعُ الْحَامِلُ حَمْلَهَا وَيَشِيبُ الْوَلِيدُ ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾» فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى النَّاسِ حَتَّى تَغَيَّرَتْ وُجُوهُهُمْ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مِنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ وَمِنْكُمْ وَاحِدٌ ثُمَّ أَنْتُمْ فِي النَّاسِ كَالشَّعْرَةِ السَّوْدَاءِ فِي جَنْبِ الثَّوْرِ الأَبْيَضِ -أَوْ كَالشَّعْرَةِ الْبَيْضَاءِ فِي جَنْبِ الثَّوْرِ الأَسْوَدِ- وَإِنِّي لأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ» فَكَبَّرْنَا ثُمَّ قَالَ: «ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ» فَكَبَّرْنَا ثُمَّ قَالَ: «شَطْرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ» فَكَبَّرْنَا. قَالَ أَبُو أُسَامَةَ عَنِ الأَعْمَشِ ﴿تَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾ وَقَالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ. وَقَالَ جَرِيرٌ وَعِيسَى بْنُ يُونُسَ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ: سَكْرَى وَمَا هُمْ بِسَكْرَى.
وبه قال: (حدّثنا عمر بن حفص) قال: (حدّثنا أبي) حفص بن غياث بن طلق الكوفي قال: (حدّثنا الأعمش) سليمان بن مهران قال: (حدّثنا أبو صالح) ذكوان السمان (عن أبي سعيد الخدري) ﵁ أنه (قال: قال النبي ﷺ ¬):
стр. 5392
(يقول الله يوم القيامة: يا آدم فيقول: لبيك) يا (ربنا وسعديك فينادي) بفتح الدال (بصوت إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثًا إلى النار) بفتح الموحدة وسكون العين المهملة أي مبعوثًا أي نصيبًا والبعث الجيش والجمع أي أخرج من ذريتك الناس الذين هم أهل النار وابعثهم إليها (قال: يا رب وما بعث النار) أي وما مقدار مبعوث النار (قال من كل ألف أراه) بضم الهمزة أي أظنه (قال تسعمائة وتسعة وتسعين).
وفي حديث أبي هريرة عند المؤلّف في باب كيف الحشر من كتاب الرقاق فيقول: أخرج من كل مائة تسعة وتسعين وهو يدل على أن نصيب أهل الجنة من الألف عشرة، وحديث الباب على أنه واحد والحكم للزائد أو يحمل حديث الباب على جميع ذرية آدم فيكون من كل ألف واحد وحديث أبي هريرة على من عدا يأجوج ومأجوج فيكون من كل ألف عشرة.
(فحينئذٍِ تضع الحامل حملها) أي جنينها (ويشيب الوليد) من شدة هول ذلك وهذا على سبيل الفرض أو التمثيل وأصله أن الهموم تضعف القوى وتسرع بالشيب أو يحمل على الحقيقة لأن كل أحد يبعث على ما مات عليه فتبعث الحامل حاملًا والمرضع مرضعة والطفل طفلًا فإذا وقعت زلزلة الساعة، وقيل ذلك لآدم ﵊ وسمعوا ما قيل له وقع بهم من الوجل ما تسقط معه الحامل ويشيب له الطفل وتذهل المرضعة قاله الحافظ أبو الفضل بن حجر وسبقه إليه القفال (وترى الناس سكارى) أي كأنهم سكارى من شدّة الأمر الذي أصابهم قد دهشت عقولهم وغابت أذهانهم فمن رآهم حسب أنهم سكارى (وما هم بسكارى) على الحقيقة (ولكن عذاب الله شديد) تعليل لإثبات السكر المجازي لما نفي عنهم السكر الحقيقي (فشق ذلك على الناس) الحاضرين (حتى تغيرت وجوههم) من الخوف (فقال النبي ﷺ من يأجوج ومأجوج) وممن كان على الشرك مثلهم (تسعمائة وتسعة وتسعين) بنصب تسع على التمييز ويجوز الرفع خبر مبتدأ محذوف (و) المخرج (منكم) أيها المسلمون وممن كان مثلكم (واحد ثم أنتم في الناس) في المحشر (كالشعرة السوداء) بفتح العين وبسكونها فقط في اليونينية (في جنب الثور الأبيض أو كالشعرة البيضاء في جنب الثور الأسود) أو للتنويع أو شك الراوي. قال السفاقسي أطلق الشعرة وليس المراد حقيقة الواحدة لأنه لا يكون ثور ليس في جلده غير شعرة واحدة من غير لونه (إني) بالواو وسقطت لأبي ذر (لأرجو أن تكونوا) يريد أمته المؤمنين به (ربع أهل الجنة فكبّرنا) أي قلنا الله أكبر سرورًا بهذه البشارة (ثم قال) ﵇ (ثلث أهل الجنة فكبرنا) سرورًا (ثم قال) ﵇: (شطر أهل الجنة) نصفها وثلث وشطر نصب خبر تكون (فكبرنا) سرورًا واستعظامًا في الثلاثة لهذه النعمة العظمى والمنحة الكبرى، فهذا الاستعظام بعد الاستعظام الأوّل إشارة إلى فوزهم بالبغية.
وعند عبد الله ابن الإمام أحمد في زياداته والطبراني من حديث أبي هريرة زيادة أنتم ثلثا أهل الجنة. وفي الترمذي وصححه من حديث بريدة رفعه أهل الجنة عشرون ومائة صف أمتي منها ثمانون والظاهر أنه صلوات الله وسلامه عليه لما رجا من رحمة الله أن تكون أمته نصف أهل الجنة أعطاه ما رجاه وزاده.
стр. 5393
(وقال أبو أسامة) حماد بن أسامة مما وصله في أحاديث الأنبياء وسقطت واو وقال لغير أبي ذر (عن الأعمش) سليمان عن أبي صالح عن أبي سعيد (ترى الناس سكارى) وسقط هذا لأبي ذر (وما هم بسكارى) على وزن كسالى (قال): ولأبي ذر قال: (من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين) فوافق حفص بن غياث في روايته عن الأعمش.
(وقال جرير) هو ابن عبد الحميد فيما وصله المؤلّف في الرقاق (وعيسى بن يونس) مما وصله إسحاق بن راهويه في مسنده عنه (وأبو معاوية) محمد بن خازم بالخاء والزاي المعجمتين مما وصله مسلم (سكرى وما هم بسكرى) بفتح السين وسكون الكاف فيهما من غير ألف وبذلك قرأ حمزة والكسائي على وزن صفة المؤنث بذلك واختلف هل هي صيغة جمع على فعلى كمرضى وقتلى أو صفة مفردة استغني بها في وصف الجماعة خلاف مشهور.
والحديث ذكره في أحاديث الأنبياء في باب قصة يأجوج ومأجوج.
٢ - باب: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ شَكٍّ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ﴾ -إِلَى قَوْلِهِ- ﴿ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ﴾ [الحج: ١١، ١٢] ﴿أَتْرَفْنَاهُمْ﴾: وَسَّعْنَاهُمْ
هذا (باب) بالتنوين في قوله تعالى: (﴿ومن الناس من يعبد الله على حرف﴾) أي (شك) قاله مجاهد فيما رواه ابن أبي حاتم وهو قول أكثر المفسرين وأصله من حرف الشيء وهو طرفه وقيل على انحراف أو على طرف الدين لا في وسطه كالذي يكون في طرف الجيش فإن أحس بظفر قرّ وإلاّ فر وهو المراد بقوله: (﴿فإِن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه﴾) أي ارتدّ فرجع إلى وجهه الذي كان عليه من الكفر حال كونه (﴿خسر الدنيا والآخرة﴾) بذهاب عصمته وحبوط عمله بالارتداد (إلى قوله: ﴿ذلك هو الضلال البعيد﴾) [الحج: ١١، ١٢] عن الحق والرشد وسقط لغير أبي ذر قوله شك وسقط لأبي ذر قوله فإن أصابه الخ.
(أترفناهم) في قوله في سورة المؤمنين ﴿وأترفناهم في الحياة الدنيا﴾ [المؤمنون: ٣٣] أي (وسعناهم) قاله أبو عبيدة ولفظه في مجازه وسعنا عليهم.
٤٧٤٢ - حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ يَقْدَمُ الْمَدِينَةَ فَإِنْ وَلَدَتِ امْرَأَتُهُ غُلَامًا وَنُتِجَتْ خَيْلُهُ قَالَ: هَذَا دِينٌ صَالِحٌ وَإِنْ لَمْ تَلِدِ امْرَأَتُهُ وَلَمْ تُنْتَجْ خَيْلُهُ قَالَ: هَذَا دِينُ سُوءٍ.
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد، ولأبي ذر: حدثنا (إبراهيم بن المنذر) الكرماني قال: (حدّثنا
стр. 5394
يحيى بن أبي بكير) قيس الكوفي قاضي كرمان قال: (حدّثنا إسرائيل) بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي (عن أبي حصين) بفتح الحاء وكسر الصاد المهملتين عثمان بن عاصم الأسدي (عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄) أنه (قال) في قوله تعالى: (﴿ومن الناس من يعبد الله على حرف﴾ قال: كان الرجل يقدم المدينة) يثرب (فإن ولدت امرأته غلامًا ونتجت خيله) بضم النون. قال الجوهري على ما لم يسم فاعله تنتج نتاجًا وقد نتجها أهلها نتجًا وأنتجت الفرس إذا حان نتاجها، وقال في الأساس: نتجت الناقة فهي منتوجة وأنتجت فهي منتجة إذا وضعت وقد نتجت إذا حملت. اهـ.
وهي مثل نفست المرأة فهي منفوسة إذا ولدت وزاد العوفي عن ابن عباس فيما أخرجه ابن أبي حاتم وصح جسمه.
(قال: هذا دين صالح) وفي رواية الحسن البصري فيما أخرجه ابن المنذر قال: لنعم الدين هذا وفي رواية جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير عند ابن أبي حاتم قالوا إن ديننا هذا صالح فتمسكوا به (وإن لم تلد امرأته ولم تنتج خيله) بضم التاء الأولى وفتح الثانية بينهما نون ساكنة مبنيًّا لما لم يسم فاعله (قال: هذا دين سوء) بفتح السين المهملة والجر على الإضافة. وفي رواية العوفي وإن أصابه وجع المدينة وولدت امرأته جارية وتأخرت عنه الصدقة أتاه الشيطان فقال له: والله ما أصبت على دينك هذا إلا شرًّا وذلك الفتنة. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم هو المنافق إن صلحت له دنياه أقام على العبادة وإن فسدت عليه دنياه انقلب فلا يقيم على العبادة.
واستشكل على هذا قوله: انقلب لأن المنافق في الحقيقة لم يسلم حتى ينقلب، وأجيب: بأنه أظهر بلسانه خلاف ما كان أظهره فصار يذم الدين عند الشدّة وكان من قبل يمدحه وذلك انقلاب على الحقيقة.
وهذا الحديث من أفراده.
٣ - باب قَوْلِهِ: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج: ١٩]
هذا (باب) بالتنوين وسقط لغير أبي ذر (قوله) تعالى: (﴿هذان خصمان اختصموا في ربهم﴾) [الحج: ١٩] أي في دين ربهم والخصم في الأصل مصدر فيوحد ويذكر غالبًا كقوله: ﴿نبأ الخصم إذ تسوّروا المحراب﴾ [ص: ٢١] ويجوز أن يثنى ويجمع ويؤنث كهذه الآية ولما كان كل خصم فريقًا يجمع طائفة قال اختصموا بصيغة الجمع كقوله: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا﴾ [الحجرات: ٩] فالجمع مراعاة للمعنى. وقال في الكشاف: الخصم صفة وصف بها الفوج أو الفريق فكأنه قيل هذان فوجان أو فريقان يختصمان، وقوله (هذان) للفظ واختصموا للمعنى قال في الدار: إن عنى بقوله أن الخصم صفة بطريق الاستعمال المجازي فمسلم لأن المصدر يكثر الوصف به وإن أراد أنه صفة حقيقة فخطؤه ظاهر لتصريحهم بأن رجل خصم مثل رجل عدل.
стр. 5395
٤٧٤٣ - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا أَبُو هَاشِمٍ، عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ أَنَّهُ كَانَ يُقْسِمُ فِيهَا إِنَّ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج: ١٩] نَزَلَتْ فِي حَمْزَةَ وَصَاحِبَيْهِ وَعُتْبَةَ وَصَاحِبَيْهِ يَوْمَ بَرَزُوا فِي يَوْمِ بَدْرٍ. رَوَاهُ سُفْيَانُ عَنْ أَبِي هَاشِمٍ وَقَالَ عُثْمَانُ عَنْ جَرِيرٍ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي هَاشِمٍ، عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ قَوْلَهُ.
وبه قال: (حدّثنا حجاج بن منهال) الأنماطي السلمي مولاهم البصري قال: (حدّثنا هشيم) بضم الهاء وفتح الشين المعجمة مصغرًا ابن بشير مصغرًا أيضًا قال: (أخبرنا أبو هاشم) يحيى بن دينار الرماني بضم الراء وتشديد الميم الواسطي (عن أبي مجلز) بكسم الميم وسكون الجيم وفتح اللام بعدها زاي لاحق بن حميد السدوسي (عن قيس بن عباد) بضم العين المهملة وتخفيف الموحدة البصري (عن أبي ذر) جندب بن جنادة (﵁ أنه كان يقسم فيها) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي قسمًا بفتح السين بدل قوله فيها وهو الصواب ورواية الكشميهني فيها تصحيف كما لا يخفى إذ المراد القسم الذي هو الحلف (إن هذه الآية ﴿هذان خصمان اختصموا في ربهم﴾ نزلت في حمزة) بن عبد المطلب (و) في (صاحبيه) علي بن أبي طالب وعبيدة بن الحارث بن عبد المطلب وهؤلاء الثلاثة الفريق المؤمنون (و) في (عتبة) بن ربيعة بن عبد شمس (و) في (صاحبيه) أخيه شيبة والوليد بن عتبة المذكور وهم الفريق الآخر (يوم برزوا في يوم) وقعة (بدر) والستة كلهم من قريش ثلاثة منهم مسلمون وهم من بني عبد مناف اثنان من بني هاشم والثالث وهو عبيدة من بني عبد المطلب، وباقيهم مشركون وهم من بني عبد شمس بن عبد مناف وتفصيل مبارزتهم على المشهور أن حمزة لعتبة وعبيدة لشيبة وعليًّا للوليد. وقيل: إن عبيدة للوليد وعليًّا لشبيه والسند بذلك أصح مما قبله إلا أن ذلك أنسب، وقتل كل واحد من المسلمين من برز له من الكفار إلا عبيدة فإنه اختلف مع من بارزه بضربتين فوقعت الضربة في ركبة عبيدة ومال حمزة وعلي إليه فأعاناه على قتله واستشهد عبيدة من تلك الضربة بالصفراء عند رجوعهم.
(رواه) أي حديث الباب هذا بإسناده ومتنه (سفيان) الثوري فيما وصله المؤلّف في المغازي (عن أبي هاشم) شيخ هشيم المذكور هنا عن أبي مجلز عن قيس بن عباد عن أبي ذر بلفظ نزلت (﴿هذان خصمان اختصموا في ربهم﴾) في ستة من قريش علي وحمزة وعبيدة بن الحارث وشيبة بن ربيعة وأخيه عتبة والوليد بن عتبة (وقال عثمان) هو ابن أبي شيبة (عن جرير) هو ابن عبد الحميد (عن منصور) هو ابن المعتمر (عن أبي هاشم) هو ابن دينار الرماني (عن أبي مجلز) هو لاحق السدوسي (قوله) أي هو من قوله موقوفًا عليه، وقد وصله أبو هاشم في رواية الثوري وهشيم إلى أبي ذر كما مر قريبًا والحكم للواصل إذا كان حافظًا على ما لا يخفى والثوري أحفظ من منصور فتقدم روايته.
٤٧٤٤ - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي قَالَ:
следующие страницы →