← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21716

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - ط العلمية

القسطلاني

Полный текст (8 298 стр.). Показаны 5811–5850 · переход к 5816.

стр. 5811

٥٠٣٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي رَجَاءٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا يَقْرَأُ فِي سُورَةٍ بِاللَّيْلِ فَقَالَ: «يَرْحَمُهُ اللَّهُ، لَقَدْ أَذْكَرَنِي كَذَا وَكَذَا آيَةً كُنْتُ أُنْسِيتُهَا مِنْ سُورَةِ كَذَا وَكَذَا». وبه قال: (حدّثنا) بالجمع ولأبي الوقت حدّثني (أحمد بن أبي رجاء) عبد الله بن أيوب زاد أبو ذر هو أبو الوليد الهروي قال: (حدّثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة (عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة) ﵂ أنها (قالت: سمع رسول الله ﷺ رجلًا) هو عبد الله بن يزيد (يقرأ في سورة بالليل) بتنوين سورة وبالليل بالموحدة أوله ظرف (فقال) ﵇: (يرحمه الله لقد) ولأبي عساكر وأبي الوقت قد (أذكرني آية كذا وكذا كنت أنسيتها) بضم الهمزة مبنيًّا للمفعول (من سورة كذا وكذا) وفي اليونينية أذكرني الله آية كذا بإثبات الجلالة بعد أذكرني ألحقها بالحمرة. قال في الفتح وهي مفسرة لقوله في الرواية الأولى أسقطتها فكأنه قال أسقطتها نسيانًا لا عمدًا. ٥٠٣٩ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «بِئْسَ مَا لأَحَدِهِمْ يَقُولُ نَسِيتُ آيَةَ كَيْتَ وَكَيْتَ، بَلْ هُوَ نُسِّيَ». وبه قال: (حدّثنا أبو نعيم) الفضل بن دكين قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (عن منصور) هو ابن المعتمر (عن أبي وائل) شقيق بن سلمة (عن عبد الله) بن أبي مسعود ﵁ أنه (قال: قال النبي ﷺ ¬): (بئس ما لأحدهم) بئس كلمة ذم وما نكرة موصوفة والمخصوص بالذم (يقول نسيت آية كيت وكيت) كلمة يعبر بها عن الحديث الطويل ومثلها ذيت وذيت قال ثعلب كيت للأفعال وذيت للأسماء (بل هو نسي) بتشديد السين ورواه بعض رواة مسلم مخففًا وسبق قريبًا معنى المشدّد وليس النسيان من فعل الناسي بل من فعل الله يحدثه عند إهمال تكريره ومراعاته وأما المخفف فمعناه أن الرجل تركه غير ملتفت إليه فهو كقوله تعالى: ﴿نسوا الله فنسيهم﴾ [التوبة: ٦٧] أي تركهم في العذاب أو تركهم من الرحمة. ٢٧ - باب مَنْ لَمْ يَرَ بَأْسًا أَنْ يَقُولَ سُورَةُ الْبَقَرَةِ وَسُورَةُ كَذَا وَكَذَا (باب من لم ير بأسًا أن يقول) المرء (سورة البقرة وسورة كذا وسورة كذا) خلافًا لمن قال لا يقال إلا السورة التي يذكر فيها كذا، واحتج لذلك بحديث أنس رفعه لا تقولوا سورة البقرة ولا سورة آل عمران ولا سورة النساء وكذا القرآن كله ولكن قولوا السورة التي تذكر فيها البقرة وكذلك القرآن كله أخرجه ابن قانع في فوائده والطبراني في الأوسط. وفى سنده عنبس بن ميمون العطار وهو ضعيف وأورده ابن الجوزي في الموضوعات وفي حديث تأليف القرآن أنه ﷺ كان

стр. 5812

يقول: ضعوها في السورة التي يذكر فيها كذا، قال الحافظ ابن كثير في تفسيره: ولا شك أن ذلك أحوط لكن استقر الإجماع على الجواز في المصاحف والتفاسير. ٥٠٤٠ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ عَنْ عَلْقَمَةَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «الآيَتَانِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، مَنْ قَرَأَ بِهِمَا فِي لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ». وبه قال: (حدّثنا عمر بن حفص) قال: (حدّثنا أبي) حفص بن غياث قال: (حدّثنا الأعمش) سليمان بن مهران قال: (حدّثني) بالإفراد (إبراهيم) النخعي (عن علقمة) بن قيس (وعبد الرحمن بن يزيد عن أبي مسعود) عقبة بن عامر البدري (الأنصاري) ﵁ أنه (قال: قال النبي ﷺ ¬): (الآيتان من آخر سورة البقرة) وهما ﴿آمن الرسول بما أنزل إليه﴾ [البقرة: ٢٨٥] إلى آخرها (من قرأ بهما في ليلة كفتاه) عن قيام الليل أو من الشيطان وقيل غير ذلك مما سبق وهذا الحديث سبق في فضل سورة البقرة. ٥٠٤١ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ عَنْ حَدِيثِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ الْقَارِيِّ أَنَّهُمَا سَمِعَا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ يَقُولُ: سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَاسْتَمَعْتُ لِقِرَاءَتِهِ فَإِذَا هُوَ يَقْرَؤُهَا عَلَى حُرُوفٍ كَثِيرَةٍ لَمْ يُقْرِئْنِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَكِدْتُ أُسَاوِرُهُ فِي الصَّلَاةِ، فَانْتَظَرْتُهُ حَتَّى سَلَّمَ فَلَبَبْتُهُ فَقُلْتُ: مَنْ أَقْرَأَكَ هَذِهِ السُّورَةَ الَّتِي سَمِعْتُكَ تَقْرَأُ؟ قَالَ: أَقْرَأَنِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . فَقُلْتُ لَهُ: كَذَبْتَ، فَوَاللَّهِ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَهُوَ أَقْرَأَنِي هَذِهِ السُّورَةَ الَّتِي سَمِعْتُكَ، فَانْطَلَقْتُ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَقُودُهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي سَمِعْتُ هَذَا يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ عَلَى حُرُوفٍ لَمْ تُقْرِئْنِيهَا، وَإِنَّكَ أَقْرَأْتَنِي سُورَةَ الْفُرْقَانِ. فَقَالَ: «يَا هِشَامُ اقْرَأْهَا». فَقَرَأَهَا الْقِرَاءَةَ الَّتِي سَمِعْتُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «هَكَذَا أُنْزِلَتْ». ثُمَّ قَالَ: «اقْرَأْ يَا عُمَرُ». فَقَرَأْتُهَا الَّتِي أَقْرَأَنِيهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «هَكَذَا أُنْزِلَتْ». ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ». وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن الزهري) محمد بن مسلم أنه (قال: أخبرني) ولأبو الوقت وذر وابن عساكر حدّثني بالإفراد فيهما (عروة بن الزبير) ثبت ابن الزبير في رواية أبي ذر (عن حديث المسور بن مخرمة وعبد الرحمن بن عبد القاري) بتشديد التحتية من غير همز (أنهما سمعا عمر بن الخطاب ﵁ يقول سمعت هشام بن حكيم بن حزام) بالحاء المهملة والزاي (يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول الله ﷺ

стр. 5813

فاستمعت لقراءته فإذا هو يقرؤها على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول الله ﷺ فكدت أساوره في الصلاة) بضم الهمزة وفتح السين المهملة آخذ برأسه أواثبه ولأبي ذر عن الكشميهني أثاوره بالمثلثة بدل السين قال عياض: والمعروف الأول (فانتظرته حتى سلم) من صلاته (فلببته) بفتح اللام وبموحدتين الأولى مشددة وتخفف والأخرى ساكنة أي جمعت عليه ثيابه عند لبته لئلا يتفلت مني (فقلت: من أقرأك هذه السورة التي سمعتك تقرأ) ها (قال أقرأنيها رسول الله ﷺ فقلت له: كذبت) أي أخطأت (فوالله إن رسول الله ﷺ لهو أقرأني هذه السورة التي سمعتك) أي تقرؤها (فانطلقت به إلى رسول الله ﷺ أقوده) أي أجره حتى أتيت النبي ﷺ (فقلت: يا رسول الله إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها وإنك أقرأتني سورة الفرقان فقال) ﵊: (يا هشام اقرأها) قال عمر (فقرأها القراءة التي سمعته) يقرؤها (فقال رسول الله ﷺ : هكذا أنزلت ثم قال) ﵇: (اقرأ يا عمر) قال عمر (فقرأتها) أي السورة بالقراءة (التي أقرأنيها، فقال رسول الله ﷺ : هكذا أنزلت. ثم قال رسول الله ﷺ ¬) تطييبًا لقلب عمر لئلا ينكر تصويب القراءتين المختلفتين (إن القرآن أنزل على سبعة أحرف) أوجه (فاقرؤوا ما تيسر منه) أي من المنزل وفيه إشارة إلى الحكمة في التعدد المذكور وأنه للتيسير. وهذا الحديث قد سبق في باب أنزل القرآن على سبعة أحرف ومطابقته هنا لما ترجم له واضحة. ٥٠٤٢ - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ آدَمَ أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، أَخْبَرَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ قَارِئًا يَقْرَأُ مِنَ اللَّيْلِ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ: «يَرْحَمُهُ اللَّهُ لَقَدْ أَذْكَرَنِي كَذَا وَكَذَا، آيَةً أَسْقَطْتُهَا مِنْ سُورَةِ كَذَا وَكَذَا». وبه قال: (حدّثنا بشر بن آدم) بكسر الموحدة وسكون المعجمة أبو عبد الله الضرير البغدادي قال: (أخبرنا علي بن مسهر) أبو الحسن الكوفي الحافظ قال: (أخبرنا هشام عن أبيه) عروة بن الزبير (عن عائشة ﵂) أنها (قالت: سمع النبي ﷺ قارئًا) اسمه عبد الله بن يزيد (يقرأُ من الليل في المسجد) أي سورة (فقال) ﵊: (يرحمه الله) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي يرحم الله بحذف المفعول والله (لقد أذكرني كذا وكذا آية أسقطتها) نسيانًا لا عمدًا (من سورة كذا وكذا) قال في القاموس كذا كناية عن الشيء الكاف حرف التشبيه وذا للإشارة. وقال في المعنى: إنها ترد على ثلاثة أوجه أن تكون كلمتين باقيتين على أصلهما وهما كاف التشبيه وذا الإشارية كقولك رأيت زيدًا فاضلًا ورأيت عمرًا كذا وتكون كلمة واحدة مركبة من كلمتين مكنيًّا بها عن غير عدد كما في الحديث أنه يقال للعبد يوم القيامة أتذكر يوم كذا وكذا وتكون كلمة واحدة مركبة مكنيًّا بها عن العدد كقوله كذا وكذا درهمًا.

стр. 5814

٢٨ - باب التَّرْتِيلِ فِي الْقِرَاءَةِ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾ وَمَا يُكْرَهُ أَنْ يُهَذَّ كَهَذِّ الشِّعْرِ. فِيهَا يُفْرَقُ: يُفَصَّلُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَرَقْنَاهُ: فَصَّلْنَاهُ (باب الترتيل) أي التأني (في القراءة) للقرآن (وقوله تعالى) لنبيه ﷺ (﴿ورتل القرآن﴾) أي بين وفصل من الثغر المرتل أي المفلج قال الجوهري الفلج في الأسنان تباعد ما بين الثنايا والرباعيات وثغر رتل إذا كان مستوي النبات. وقال الراغب الرتل اتّساق الشيء وانتظامه على استقامة يقال رجل رتل الأسنان والترتيل إرسال الكلمة من الفم بسهولة واستقامة أو اقرأ على تؤدة بتبيين الحروف وحفظ الوقوف (﴿ترتيلًا﴾) [المزمل: ٤] تأكيد في إيجاب الأمر به وأنه لا بدّ للقارئ منه إذ هو عون على فهم القرآن وتدبره (وقوله) تعالى: (﴿وقرآنًا﴾) نصب بفعل يفسره (﴿فرقناه لتقرأه على الناس على مكث﴾) [الإسراء: ١٠٦] على تؤدة وتثبت (وما يكره) بضم الياء وفتح الراء (أن يهذّ) بضم الياء وفتح الهاء والذال المعجمة المشددة أي وبيان راهة الهذ (كهذّ الشعر) من الإسراع المفرط بحيث يخفى كثير من الحروف (فيها) في ليلة القدر (يفرق) أي (يفصل) وهذا تفسير أبي عبيدة وثبت قوله فيها في رواية أبي ذر والوقت وابن عساكر. (وقال ابن عباس) ﵄ فيما رواه ابن المنذر وابن جرير في تفسيره (فرقناه) السابق ذكره (فصلناه). ٥٠٤٣ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ حَدَّثَنَا وَاصِلٌ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: غَدَوْنَا عَلَى عَبْدِ اللَّهِ، فَقَالَ رَجُلٌ: قَرَأْتُ الْمُفَصَّلَ الْبَارِحَةَ فَقَالَ: هَذًّا كَهَذِّ الشِّعْرِ إِنَّا قَدْ سَمِعْنَا الْقِرَاءَةَ، وَإِنِّي لأَحْفَظُ الْقُرَنَاءَ الَّتِي كَانَ يَقْرَأُ بِهِنَّ النَّبِيُّ ﷺ : ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سُورَةً مِنَ الْمُفَصَّلِ وَسُورَتَيْنِ مِنْ آلِ حامِيمَ. وبه قال: (حدّثنا أبو النعمان) محمد بن الفضل السدوسي عارم قال: (حدّثنا مهدي بن ميمون) الأزدي المعولي بكسر الميم وسكون المهملة وفتح الواو البصري قال: (حدّثنا واصل) الأحدب بن حيان بفتح المهملة والتحتية المشددة الكوفي (عن أبي وائل) شقيق بن سلمة (عن عبد الله) بن مسعود (قال: غدونا على عبد الله) يعني ابن مسعود زاد مسلم من هذا الوجه يومًا بعد ما صلينا الغداة فسلمنا بالباب فأذن لنا بمكثنا بالباب هنيهة فخرجت الجارية فقالت ألا تدخلون فدخلنا فإذا هو جالس يسبح فقال ما منعكم أن تدخلوا وقد أذن لكم قلنا ظننا أن بعض أهل البيت نائم قال ظننتم بأن أم عبد غفلة (فقال رجل) من القوم اسمه نهيك بن سنان كما في مسلم (قرأت المفصل البارحة) كله (فقال) ولأبي الوقت قال هذذت (هذًّا) بفتح الهاء والذال المعجمة المنوّنة (كهذّ الشعر) قال الخطابي معناه سرعة القراءة بغير تأمّل كما ينشد الشعر (إنا) بكسر الهمزة وتشديد النون (قد سمعنا القراءة) قال الكرماني بلفظ المصدر ويروى القراء جمع القارئ

стр. 5815

(وإني لأحفظ القرناء) النظائر في الطول والقصر (التي كان يقرأ بهن النبي ﷺ ثماني عشرة) بإثبات التحتية بعد نون ولأبوي ذر والوقت وابن عساكر ثمان عشرة (سورة من المفصل وسورتين من آل حاميم) أي السور التي أوّلها حم. واستشكل بما سبق في باب تأليف القرآن من طريق الأعمش عن شقيق حيث قال هناك عشرون من أول المفصل على تأليف ابن مسعود آخرهن من الحاميم حم الدخان وعمّ يتساءلون فعدّ حم من المفصل وهنا أخرجها. وأجيب: بأن الثمان عشرة غير سورة الدخان والتي معها وإطلاق المفصل على الجميع تغليب وإلاّ فالدخان ليست من المفصل على الراجح، لكن يحتمل أن يكون تأليف مصحف ابن مسعود على خلاف تأليف مصحف غيره فيكون أول المفصل عند ابن مسعود أوّل الجاثية والدخان متأخرة في ترتيبه عن الجاثية. وأجاب النووي على طريق التنزّل بأن المراد بقوله عشرون من المفصل أي معظم العشرين. وهذا الحديث قد سبق في باب الجمع بين السورتين في الركعة من كتاب الصلاة. ٥٠٤٤ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا نَزَلَ جِبْرِيلُ بِالْوَحْيِ، وَكَانَ مِمَّا يُحَرِّكُ بِهِ لِسَانَهُ وَشَفَتَيْهِ، فَيَشْتَدُّ عَلَيْهِ، وَكَانَ يُعْرَفُ مِنْهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ الآيَةَ الَّتِي فِي ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ فَإِنَّ عَلَيْنَا أَنْ نَجْمَعَهُ فِي صَدْرِكَ وَقُرْآنَهُ ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ فَإِذَا أَنْزَلْنَاهُ فَاسْتَمِعْ ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ قَالَ: إِنَّ عَلَيْنَا أَنْ نُبَيِّنَهُ بِلِسَانِكَ. قَالَ: وَكَانَ إِذَا أَتَاهُ جِبْرِيلُ أَطْرَقَ، فَإِذَا ذَهَبَ قَرَأَهُ كَمَا وَعَدَهُ اللَّهُ. وبه قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) أبو رجاء البلخي قال: (حدّثنا جرير) هو ابن عبد الحميد (عن موسى بن أبي عائشة) الهمداني الكوفي (عن سعيد بن جبير) أحد الأعلام (عن ابن عباس ﵄ في قوله) تعالى: (﴿لا تحرك﴾) يا محمد (﴿به﴾) بالقرآن (﴿لسانك لتعجل به﴾) [القيامة: ١٦] بالقرآن (قال: كان رسول الله ﷺ إذا نزل عليه جبريل بالوحي وكان مما) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي ممن (يحرك به) بالوحي (لسانه وشفتيه) بالتثنية ومن للتبعيض ومن موصولة (فيشتد عليه) لثقل القول فكان يتعجل بأخذه لتزول المشقّة سريعًا أو خشية أن ينساه أو من حبه إياه (وكان يعرف منه) الاشتداد حال نزول الوحي (فأنزل الله) تعالى بسبب الاشتداد (الآية النبي في) سورة (﴿لا أقسم بيوم القيامة﴾) وهي قوله : (﴿لا تحرك به لسانك لتعجل به﴾) اقتصر على اللسان لأنه الأصل في النطق (﴿إن علينا جمعه وقرآنه﴾) أي قراءته قال الراغب القرآن في الأصل مصدر كرجحان وقد خص بالكتاب المنزل على نبيه ﷺ وصار له

стр. 5816

كالعلم وقال بعضهم تسمية هذا الكتاب قرآنًا من بين كتب الله لكونه جامعًا لثمرة كتبه بل لجمعه ثمرة جميع العلوم (فإن علينا أن نجمعه في صدرك وقرآنه) وثبت قوله فإن علينا الخ في رواية أبوي ذر والوقت والأصيلي وابن عساكر (﴿فإذا قرأناه﴾) أي قرأه جبريل عليك فجعل قراءة جبريل قراءته (﴿فاتبع قرآنه﴾) أي (فإذا أنزلناه فاستمع) وهذا تأويل آخر فقد سبق عنه في سورة القيامة قرأناه بيّنّاه فاتبع اعمل به فالحاصل أن لابن عباس فيه تأويلين (﴿ثم إن علينا بيانه﴾ قال إن علينا أن نبينه بلسانك. قال) ابن عباس (وكان) رسول الله ﷺ يأكل بعد (إذا أتاه جبريل) بالوحي (أطرق) عينيه وسكت (فإذا ذهب) جبريل (قرأه) النبي ﷺ (كما وعده الله) في قوله: ﴿إن علينا جمعه وقرآنه﴾. وهذا الحديث قد مرّ في سورة القيامة. ٢٩ - باب مَدِّ الْقِرَاءَةِ (باب مدّ القراءة) في حروف المدّ وهي و ا ي المد الأصلي الذي لا تقوم ذواتها إلا به. ٥٠٤٥ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ الأَزْدِيُّ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ عَنْ قِرَاءَةِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: كَانَ يَمُدُّ مَدًّا. [الحديث ٥٠٤٥ - طرفه في: ٥٠٤٦]. وبه قال: (حدّثنا مسلم بن إبراهيم) الفراهيدي بالفاء البصري قال: (حدّثنا جرير بن حازم) بالحاء المهملة والزاي (الأزدي) بفتح الهمزة وسكون الزاي بعدها دال مهملة البصري قال: (حدّثنا قتادة) بن دعامة السدوسي (قال سألت أنس بن مالك) ﵁ (عن) كيفية (قراءة النبي ﷺ ¬) القرآن (فقال: كان يمدّ مدًّا) أي يمد الحرف الذي يستحق المد. وهذا الحديث أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجة في الصلاة. ٥٠٤٦ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: سُئِلَ أَنَسٌ كَيْفَ كَانَتْ قِرَاءَةُ النَّبِيِّ ﷺ ؟ فَقَالَ: كَانَتْ مَدًّا، ثُمَّ قَرَأَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ يَمُدُّ بِبِسْمِ اللَّهِ، وَيَمُدُّ بِالرَّحْمَنِ وَيَمُدُّ بِالرَّحِيمِ. وبه قال: (حدّثنا عمرو بن عاصم) بفتح العين وسكون الميم ابن عبيد الله القيسي البصري قال: (حدّثنا همام) هو ابن يحيى (عن قتادة) بن دعامة أنه (قال: سئل أنس) بضم السين مبنيًّا للمفعول والسائل قتادة كما في الرواية السابقة (كيف كانت قراءة النبي ﷺ فقال: كانت مدًّا) بالتنوين من غير همز أي ذات مد (ثم قرأ بسم الله الرحمن الرحيم يمد ببسم الله) أي اللام التي قبل هاء الجلالة الشريفة (ويمد بالرحمن) أي بالميم التي قبل النون (ويمد بالرحيم) أي بالحاء المد

стр. 5817

الطبيعي الذي لا يمكن النطق بالحرف إلا به من غير زيادة عليه لا كما يفعله بعضهم من الزيادة عليه نعم إذا كان بعد حرف المد همز متصل بكلمته أو سكون لازم كأولئك والحاقة وجب زيادة المد أو منفصل عنها أو سكون عارض كيا أيها أو الوقف على الرحيم جاز، وقد أخرج ابن أبي داود من طريق قطبة بن مالك سمعت رسول الله ﷺ قرأ في الفجر ق فمرّ بهذا الحرف لها طلع نضيد فمدّ نضيد. ومباحث مقادير المد للقراء مذكورة في الدواوين المؤلّفة في ذكر قراءاتهم. ٣٠ - باب التَّرْجِيعِ (باب الترجيع) في القراءة وهو تقارب ضروب حركاتها وترديد الصوت في الحلق. ٥٠٤٧ - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا أَبُو إِيَاسٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُغَفَّلٍ، قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ وَهْوَ عَلَى نَاقَتِهِ أَوْ جَمَلِهِ وَهْيَ تَسِيرُ بِهِ وَهْوَ يَقْرَأُ سُورَةَ الْفَتْحِ أَوْ مِنْ سُورَةِ الْفَتْحِ، قِرَاءَةً لَيِّنَةً يَقْرَأُ وَهْوَ يُرَجِّعُ. وبه قال: (حدّثنا آدم بن أبي إياس) بكسر الهمزة وتخفيف التحتية واسمه عبد الرحمن بن محمد العسقلاني قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج قال: (حدّثنا أبو إياس) معاوية بن قرة إياس بن هلال (قال: سمعت عبد الله بن مغفل) بضم الميم وفتح الغين المعجمة والفاء المشددة ﵁ (قال: رأيت النبي ﷺ يقرأ وهو) أي والحال أنه (على ناقته أو جمله) بالشك من الراوي (وهي) أي والحال أنها (تسير به وهو) أي والحال أنه (يقرأ سورة الفتح أو من سورة الفتح) بالشك من الراوي (قراءة لينة يقرأ) وثبت قوله يقرأ لأبي ذر عن الكشميهني (وهو يرجع) صوته بقراءته زاد في التوحيد قال: اء آء اء ثلاث مرات بهمزة مفتوحة بعدها ألف فهمزة أخرى وهو محمول على إشباع في محله وإذا جمعت هذا إلى قوله ﵊ زينوا القرآن بأصواتكم ظهر لك أن هذا الترجيع منه ﵊ كان اختيارًا لا اضطرارًا لهزّ الناقة له فإنه لو كان لهز الناقة لما كان داخلًا تحت الاختيار فلم يكن عبد الله بن مغفل يفعله ويحكيه اختيارًا ليتأسى به وهو يراه من هز الناقة له ثم يقول كان يرجع في قراءته فنسب الترجيع إلى فعله، وقد ثبت في رواية علي بن الجعد عن شعبة عند الإسماعيلي فقال لولا أن يجتمع الناس علينا لقرأت ذلك اللحن أي النغم. وفي حديث أم هانئ المروي في شمائل الترمذي وسنن النسائي وابن ماجة وابن أبي داود واللفظ له كنت أسمع صوت النبي ﷺ وهو يقرأ وأنا نائمة على فراشي يرجع القرآن وليس المراد ترجيع الغناء كما أحدثه قرّاء زماننا عفا الله عنا وعنهم ووفقنا أجمعين لتلاوة كتابه على النحو الذي يرضيه عنّا بمنّه وكرمه.

стр. 5818

٣١ - باب حُسْنِ الصَّوْتِ بِالْقِرَاءَةِ (باب) استحباب (حسن الصوت بالقراءة) ولأبوي الوقت وذر بالقراءة للقرآن، ولا ريب أنه يستحب تحسين الصوت بالقراءة. وحكى النووي الإجماع عليه لكونه أوقع في القلب وأشد تأثيرًا وأرقّ لسامعه فإن لم يكن القارئ حسن الصوت فليحسنه ما استطاع ومن جملة تحسينه أن يراعي فيه قوانين النغم فإن الحسن الصوت يزداد حُسنًا بذلك وهذا إذا لم يخرج عن التجويد المعتبر عند أهل القراءات فإن خرج عنها لم يفِ تحسين الصوت بقبح الأداء وقال في الروضة: أما القراءة بالإلحان فقال الشافعي في المختصر: لا بأس بها. وفي رواية مكروهة قال جمهور الأصحاب ليست على قولين بل المكروه أن يفرط في المد وفي إشباع الحركات حتى يتولد من الفتحة ألف ومن الضمة واو ومن الكسرة ياء أو يدغم في غير موضع الإدغام فإن لم ينته إلى هذا الحد فلا كراهة. قال النووي ﵀: إذا أفرط على الوجه المذكور فهو حرام صرّح به صاحب الحاوي فقال حرام يفسق به القارئ ويأثم به المستمع لأنه عدل به عن نهجه القويم، وهذا مراد الشافعي بالكراهة انتهى. وقد علم مما ذكرناه أن ما أحدثه المتكلفون بمعرفة الأوزان والموسيقى في كلام الله من الألحان والتطريب والتغني المستعمل في الغناء بالغزل على إيقاعات مخصوصة وأوزان مخترعة أن ذلك من أشنع البدع وأسوأ. . . . . . . (١). . . . . . . وأنه يوجب على سامعهم النكير، وعلى التالي التعزير نعم إن كان التطريب والتغني مما اقتضته طبيعة القارئ وسمحت به من غير تكلف ولا تمرين وتعليم ولم يخرج عن حدّ القراءة فهذا جائز وإن أعانته طبيعته على فضل تحسين ويشهد لذلك حديث الباب وهو ما رويناه بالسند إلى المؤلّف قال: ٥٠٤٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ أَبُو بَكْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو يَحْيَى الْحِمَّانِيُّ حَدَّثَنَا بُرَيْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ جَدِّهِ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى أن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ لَهُ: «يَا أَبَا مُوسَى، لَقَدْ أُوتِيتَ مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ». (حدّثنا محمد بن خلف أبو بكر) العسقلاني المعروف بالحدادي بالمهملات وفتح أوله وثانيه المشدد سكن بغداد قال: (حدّثنا أبو يحيى) عبد الحميد بن عبد الرحمن الملقب بشمين بفتح الموحدة وسكون الشين المعجمة وكسر الميم وبعد التحتية الساكنة نون الكوفي (الحماني) بكسر الحاء المهملة وتشديد الميم وبعد الألف نون مكسورة قال: (حدّثنا) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي حدّثني بالإفراد (بريد بن عبد الله بن أبي بردة) بضم الموحدة وفتح الراء مصغرًا في الأول وبضم الموحدة وسكون الراء في الآخر ولأبي ذر عن المستملي قال سمعت بريدًا (عن جده أبي بردة) عامر (عن أبي موسى) عبد الله بن قيس الأشعري ﵁ (أن النبي ﷺ قال له):

стр. 5819

(يا أبا موسى لقد أُوتيت مزمارًا من مزامير آل داود) أي في حسن الصوت كقراءة داود نفسه لأنه لم يذكر أن أحدًا من آل داود أُعطي من حسن الصوت ما أعطي داود فآل مقحمة والمزامير جمع مزمار بكسر الميم الآلة المعروفة أطلق اسمها على الصوت للمشابهة وقد كان داود ﵇ فيما رواه ابن عباس يقرأ الزبور بسبعين لحنًا ويقرأ قراءة يطرب منها المحموم وإذا أراد أن يبكي نفسه لم تبق دابة في بر ولا بحر إلا أنصتت له واستمعت وبكت. وقد أورد المؤلّف حديث الباب مختصرًا، وأورده مسلم من طريق طلحة بن يحيى عن أبي بردة بلفظ لو رأيتني وأنا أسمع قراءتك البارحة الحديث وزاد أبو يعلى من طريق سعيد بن أبي بردة عن أبيه فقال: أما إني لو علمت بمكانتك لحبّرته لك تحبيرًا وللروياني من طريق مالك بن مغول عن عبد الله بن مغول عن عبد الله بن بريدة عن أبيه لو علمت أن رسول الله ﷺ يستمع قراءتي لحبّرتها تحبيرًا أي حسنتها وزينتها بصوتي تزيينًا، وهذا يدل على أن أبا موسى كان يستطيع أن يتلو أشجى من المزامير عند المبالغة في التحبير لأنه قد تلا مثلها وما بلغ حدّ استطاعته وأخرج ابن أبي داود بسند صحيح من طريق أبي عثمان النهدي قال: دخلت دار أبي موسى الأشعري فما سمعت صوت صنج ولا بربط ولا ناي أحسن من صوته والصنج بفتح الصاد المهملة وبعد النون الساكنة جيم آلة تتخذ من نحاس كالطبقين يضرب بأحدهما على الآخر، والبربط بموحدتين بينهما راء ساكنة آخره طاء مهملة بوزن جعفر فارسي معرب آلة كالعود والناي بنون بغير همز المزمار. وحديث الباب أخرجه الترمذي أيضًا. ٣٢ - باب مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَسْمَعَ الْقُرْآنَ مِنْ غَيْرِهِ (باب من أحب أن يستمع القرآن من غيره) وللكشميهني كما في الفتح القراءة بدل القرآن. ٥٠٤٩ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ حَدَّثَنَا أَبِي عَنِ الأَعْمَشِ، حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ عَنْ عَبِيدَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ : «اقْرَأْ عَلَيَّ الْقُرْآنَ». قُلْتُ: آقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ قَالَ: «إِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي». وبه قال: (حدّثنا عمر بن حفص بن غياث) قال: (حدّثنا أبي عن الأعمش) سليمان بن مهران أنه (قال: حدّثني) بالإفراد (إبراهيم) النخعي (عن عببدة) بفتح العين وكسر الموحدة السلماني (عن عبد الله) يعني ابن مسعود (﵁) أنه (قال: قال لي النبي ﷺ ¬): (اقرأ عليّ القرآن) أي بعضه (قلت: آقرأ عليك) بمدّ الهمزة للاستفهام القرآن (وعليك أُنزل) بضم الهمزة (قال) ﵊: (إني أحب أن أسمعه من غيري) لأن المستمع أقوى على التدبر ونفسه أخلى وأنشط لذلك من القارئ لاشتغاله بالقراءة وأحكامها. وهذا الحديث ساقه هنا مختصرًا وفي الباب التالي مطوّلًا وهو.

стр. 5820

٣٣ - باب قَوْلِ الْمُقْرِئِ لِلْقَارِئِ: حَسْبُكَ (باب قول المقرئ) الذي يقرئ غيره (للقارئ) الذي يقرأ عليه (حسبك) أي يكفيك. ٥٠٥٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبِيدَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ : «اقْرَأْ عَلَيَّ القُرْآنَ». قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ آقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟ قَالَ: «نَعَمْ». فَقَرَأْتُ سُورَةَ النِّسَاءِ حَتَّى أَتَيْتُ إِلَى هَذِهِ الآيَةِ ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ قَالَ: «حَسْبُكَ الآنَ». فَالْتَفَتُّ إِلَيْهِ فَإِذَا عَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ. وبه قال: (حدّثنا محمد بن يوسف) البيكندي قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (عن الأعمش) سليمان بن مهران (عن إبراهيم) النخعي (عن عبيدة) السلماني (عن عبد الله بن مسعود) ﵁ أنه (قال: قال لي النبي ﷺ ¬): (اقرأ عليّ) بحذف المفعول في معظم الطرق ليس فيه لفظ القرآن فيصدق بالبعض (قلت: يا رسول الله آقرأ عليك) بمد الهمزة (وعليك أُنزل)؟ بضم الهمزة (قال: نعم) أي اقرأ عليّ (فقرأت) عليه (سورة النساء حتى أتيت إلى) ولأبي ذر عن الكشميهني على (هذه الآية ﴿فكيف﴾) يصنع هؤلاء الكفرة من اليهود وغيرهم (﴿إذا جئنا من كل أمة بشهيد﴾) يشهد عليهم بما فعلوا وهو نبيهم (﴿وجئنا بك﴾) يا محمد (﴿على هؤلاء﴾) أي أمتك (﴿شهيدًا﴾) [النساء: ٤١] حال أي شاهدًا على من آمن بالإيمان وعلى من كفر بالكفر وعلى من نافق بالنفاق (قال) ﵊: (حسبك) يكفيك (الآن) تنبيهًا له على الموعظة والاعتبار في هذه الآية (فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان) بسكون الذال المعجمة وكسر الراء أي سال دمعهما لفرط رأفته ومزيد شفقته. وفي الحديث كما قال النووي استحباب استماع القراءة والإصغاء إليها والبكاء عندها والتدبر فيها واستحباب طلب القراءة من الغير ليستمع عليه وهو أبلغ في التدبر كما مرّ. وهذا الحديث سبق في سورة النساء. ٣٤ - باب فِي كَمْ يُقْرَأُ الْقُرْآنُ؟ وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ هذا (باب) بالتنوين (في كم) مدة (يقرأ) القارئ (القرآن) كله فيها وفي اليونينية يقرأ بضم أوّله مبنيًّا للمفعول القرآن رفع نائب عن الفاعل (وقول الله تعالى: ﴿فاقرؤوا ما تيسر﴾) عليكم (﴿منه﴾) [المزمل: ٢٠] من القرآن استدلّ به على عدم التحديد في القراءة خلافًا لما نقل عن إسحاق بن راهويه وغيره إن أقل ما يجزي من القراءة كل يوم وليلة جزء من أربعين جزءًا من

стр. 5821

القرآن. وفيه حديث أخرجه أبو داود عن عبد الله بن عمرو بلفظ: في كم تقرأ القرآن؟ قال: في أربعين يومًا. ثم قال: في شهر ولا دلالة فيه لذلك على ما لا يخفى. ٥٠٥١ - حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: لِي ابْنُ شُبْرُمَةَ: نَظَرْتُ كَمْ يَكْفِي الرَّجُلَ مِنَ الْقُرْآنِ، فَلَمْ أَجِدْ سُورَةً أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثِ آيَاتٍ، فَقُلْتُ لَا يَنْبَغِي لأَحَدٍ أَنْ يَقْرَأَ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثِ آيَاتٍ، قَالَ عَلِيٌّ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ أَخْبَرَنَا مَنْصُورٌ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ أَخْبَرَهُ عَلْقَمَةُ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ وَلَقِيتُهُ وَهْوَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ، فَذَكَرَ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ «أَنَّ مَنْ قَرَأَ بِالآيَتَيْنِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ فِي لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ». وبه قال: (حدّثنا علي) هو ابن عبد الله المديني قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (قال لي ابن شبرمة) بضم الشين المعجمة والراء بينهما موحدة ساكنة عبد الله قاضي الكوفة (نظرت كم يكفي الرجل من القرآن) قال في الفتح: أي في الصلاة أو في اليوم والليلة من قراءة القرآن مطلقًا (فلم أجد سورة أقل من ثلاث آيات) وهي سورة الكوثر (فقلت: لا ينبغي لأحد أن يقرأ أقل من ثلاث آيات). (قال علي) المديني وهو موصول من تتمة الحديث المذكور (حدّثنا سفيان) بن عيينة ولغير أبي ذر قال سفيان وحذف علي قال: (أخبرنا منصور) هو ابن المعتمر (عن إبراهيم) النخعي (عن عبد الرحمن بن يزيد) النخعي أنه (أخبره) عمه (علقمة) بن قيس (عن أبي مسعود) عقبة بن عامر البدري (ولقيته وهو يطوف بالبيت) الحرام (فذكر النبي ﷺ أن) ولأبي ذر فذكر قول النبي ﷺ أنه: (من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة) وهما: ﴿آمن الرسول﴾ [البقرة: ٢٨٥] إلى آخرها (في ليلة كفتاه) أي عن قيام الليل أو من آفات تلك الليلة أو من الشيطان. وهذا الحديث قد مرّ في باب فضل سورة البقرة. ٥٠٥٢ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ مُغِيرَةَ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: أَنْكَحَنِي أَبِي امْرَأَةً ذَاتَ حَسَبٍ، فَكَانَ يَتَعَاهَدُ كَنَّتَهُ فَيَسْأَلُهَا عَنْ بَعْلِهَا، فَتَقُولُ: نِعْمَ الرَّجُلُ مِنْ رَجُلٍ، لَمْ يَطَأْ لَنَا فِرَاشًا وَلَمْ يُفَتِّشْ لَنَا كَنَفًا مُذْ أَتَيْنَاهُ، فَلَمَّا طَالَ ذَلِكَ عَلَيْهِ ذَكَرَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: الْقَنِي بِهِ فَلَقِيتُهُ بَعْدُ، فَقَالَ: «كَيْفَ تَصُومُ»؟ قَالَ كُلَّ يَوْمٍ قَالَ: «وَكَيْفَ تَخْتِمُ»؟ قَالَ: كُلَّ لَيْلَةً. قَالَ: «صُمْ فِي كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةً، وَاقْرَإِ الْقُرْآنَ فِي كُلِّ شَهْرٍ». قَالَ: قُلْتُ: أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ قَالَ: «صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْجُمُعَةِ». قَالَ: قُلْتُ أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ قَالَ: «أَفْطِرْ يَوْمَيْنِ وَصُمْ يَوْمًا». قَالَ: قُلْتُ أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ قَالَ: «صُمْ أَفْضَلَ الصَّوْمِ صَوْمِ دَاوُدَ، صِيَامَ يَوْمٍ وَإِفْطَارَ يَوْمٍ، وَاقْرَأْ فِي كُلِّ سَبْعِ لَيَالٍ مَرَّةً». فَلَيْتَنِي قَبِلْتُ رُخْصَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَذَاكَ أَنِّي كَبِرْتُ وَضَعُفْتُ فَكَانَ يَقْرَأُ عَلَى بَعْضِ أَهْلِهِ السُّبْعَ مِنَ الْقُرْآنِ بِالنَّهَارِ، وَالَّذِي يَقْرَؤُهُ يَعْرِضُهُ مِنَ النَّهَارِ لِيَكُونَ أَخَفَّ

стр. 5822

عَلَيْهِ بِاللَّيْلِ، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَقَوَّى أَفْطَرَ أَيَّامًا وَأَحْصَى وَصَامَ مِثْلَهُنَّ، كَرَاهِيةَ أَنْ يَتْرُكَ شَيْئًا فَارَقَ النَّبِيَّ ﷺ عَلَيْهِ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَقَالَ بَعْضُهُمْ فِي ثَلَاثٍ وَفِي خَمْسٍ وَأَكْثَرُهُمْ عَلَى سَبْعٍ. وبه قال: (حدّثنا موسى) بن إسماعيل المنقري قال: (حدّثنا أبو عوانة) الوضاح بن عبد الله اليشكري (عن مغيرة) بن مقسم بكسر الميم الكوفي (عن مجاهد) هو ابن جبر (عن عبد الله بن عمرو) بفتح العين وسكون الميم أنه (قال: أنكحني أبي) عمرو بن العاص (امرأة) هي أم محمد بنت محمية بن جزء الزبيدي كما عند ابن سعد (ذات حسب) شرف بالآباء، وعند أحمد أنها من قريش ولعله كان المشير عليه بتزويجها وإلاّ فقد كان عبد الله رجلًا كاملًا أو قام عنه بالصداق (فكان) عمرو (يتعاهد كنته) بفتح الكاف والنون المشددة زوجة ابنه (فيسألها عن) شأن ابنه (بعلها فتقول) في الجواب (نعم الرجل من رجل لم يطأ لنا فراشًا) أي لم يضاجعنا حتى يطأ لنا فراشًا (ولم يفتش) بفاء مفتوحة ففوقية مكسورة مشددة ولأبي ذر عن الكشميهني ولم يغش بالغين المعجمة الساكنة بعد فتح (لنا كنفًا) بفتح الكاف والنون بعدها فاء أي ساترًا (مذ) ولأبوي ذر والوقت والأصيلي منذ (أتيناه) وكنت بذلك عن تركه لجماعها إذ عادة الرجل إدخال يده في داخل ثوب زوجته أو الكنف الكنيف أي أنه لم يطعم عندها حتى يحتاج إلى موضع قضاء الحاجة ففيه وصفها له بقيام الليل وصوم النهار مع الإشارة إلى عدم مضاجعتها وعدم أكله عندها، زاد في رواية هشيم عن مغيرة وحصين عن مجاهد في هذا الحديث عند أحمد فأقبل عليّ يلومني فقال: أنكحتك امرأة من قريش فعضلتها (فلما طال ذلك عليه) أي على عمرو وخاف أن يلحق ابنه إثم بتضييع حق الزوجة (ذكر) ذلك (للنبي ﷺ فقال) ﷺ لعمرو: (القني) بفتح القاف وكسرها (به) أي بابنك عبد الله قال عبد الله: (فلقيته) بكسر القاف ﵊ (بعد) بالبناء على الضم أي بعد ذلك (فقال): ولأبي الوقت قال: (كيف تصوم؟ قال) أي عبد الله ولأبي ذر قلت: أصوم (كل يوم قال) ﵊: (وكيف تختم) القرآن؟ (قال) ولأبي ذر قلت: أختم (كل ليلة قال) ﵊: (صم في كل شهر ثلاثة) من الأيام (واقرأ القرآن في كل شهر) ختمة (قال) عبد الله (قلت): يا رسول الله (أطيق أكثر من ذلك قال) ﵊: (صم ثلاثة أيام في الجمعة. قال) عبد الله (قلت): يا رسول الله (أطيق أكثر من ذلك قال: أفطر يومين وصم يومًا، قال: قلت أطيق أكثر من ذلك) استشكله الداودي بأن ثلاثة أيام من الجمعة أكثر من فطر يومين وصيام يوم وهو إنما يريد تدريجه من الصيام القليل إلى الصيام الكثير وأجاب الحافظ ابن حجر باحتمال أن يكون وقع من الراوي فيه تقديم وتأخير (قال: صم أفضل الصوم صوم داود) نبي الله ﵇ (صيام يوم) نصب بتقدير كان أو رفع بتقدير هو (وإفطار يوم) عطف عليه على الوجهين (واقرأ) كل القرآن (في كل سبع ليال مرة). قال عبد الله: (فليتني قبلت رخصة، رسول الله ﷺ وذاك إني كبرت) بكسر الموحدة (وضعفت) قال مجاهد: (فكان) عبد الله (يقرأ على بعض أهله) أي من تيسر منهم (السبع من القرآن

стр. 5823

بالنهار) بضم السين وسكون الموحدة (والذي يقرؤه) يريد أن يقرأه بالليل (يعرضه من النهار ليكون أخف عليه بالليل وإذا أراد أن يتقوّى) على الصيام (أفطر أيامًا وأحصى) عدد أيام الإفطار (وصام) أيامًا (مثلهن كراهية أن يترك شيئًا فارق النبي ﷺ ¬) بنصب كراهية على التعليل أي لأجل كراهة أن يترك شيئًا وأن مصدرية. (قال أبو عبد الله) أي البخاري وسقط ذلك لأبوي الوقت وذر وابن عساكر (وقال بعضهم) أي بعض الرواة اقرأه (في) كل (ثلاث) من الليالي (وفي خمس) من الليالي، ولأبي ذر: أو في خمس بزيادة ألف ولأبي الوقت أو في سبع ولعل المؤلّف أشار بالبعض إلى ما رواه شعبة عن مغيرة بهذا الإسناد بلفظ فقال: اقرأ القرآن في كل شهر. قال: إني أطيق أكثر من ذلك. قال: فما زال حتى قال في ثلاث. قال في الفتح: والخمس تؤخذ منه بطريق التضمن. وفي مسند الدارمي من طريق أبي فروة عروة بن الحارث الجهني عن عبد الله بن عمرو قال: قلت يا رسول الله في كم أختم القرآن؟ قال: اختمه في شهر. قلت: إني أطيق. قال: اختمه في خمس وعشرين. قلت: إني أطيق. قال: اختمه في عشرين. قلت: إني أطيق. قال: اختمه في خمس عشرة. قلت: إني أطيق. قال: اختمه في خمس. قلت: إني أطيق. قال: لا. وفي رواية هشيم المذكورة قال: "فاقرأه في كل شهر. قلت: إني أجدني أقوى من ذلك. قال: فاقرأه في كل عشرة أيام. قلت: إني أجدني أقوى من ذلك. قال أحدهما إما حصين وإما مغيرة قال: فاقرأه في كل ثلاث، ولأبي داود والترمذي مصححًا من طريق يزيد بن عبد الله بن الشخير عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا: لا يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث". وعند سعيد بن منصور بإسناد صحيح من وجه آخر عن ابن مسعود اقرؤوا القرآن في سبع ولا تقرؤوه في أقل من ثلاث. (وأكثرهم) أي أكثر الرواة (على سبع) ولعله أشار بالأكثر إلى ما رواه أبو سلمة بن عبد الرحمن عن عبد الله بن عمرو الآتي إن شاء الله تعالى في الباب. قال: فاقرأه في سبع ولا تزد وسقط لغير الكشميهني وأكثرهم على سبع. ٥٠٥٣ - حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ عَنْ يَحْيَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: لِي النَّبِيُّ ﷺ «فِي كَمْ تَقْرَأُ الْقُرْآنَ»؟ وبه قال: (حدّثنا سعد بن حفص) بسكون العين الطلحي الكوفي الضخم قال: (حدّثنا شيبان) أبو معاوية النحوي (عن يحيى) بن أبي كثير (عن محمد بن عبد الرحمن) مولى بني زهرة (عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف (عن عبد الله بن عمرو) ﵄ أنه قال: (قال لي النبي ﷺ : في كم) يوم (تقرأ القرآن)؟ ٥٠٥٤ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ شَيْبَانَ عَنْ يَحْيَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ

стр. 5824

عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَوْلَى بَنِي زُهْرَةَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: وَأَحْسِبُنِي قَالَ: سَمِعْتُ أَنَا مِنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «اقْرَإِ الْقُرْآنَ فِي شَهْرٍ»، قُلْتُ: إِنِّي أَجِدُ قُوَّةً، حَتَّى قَالَ: «فَاقْرَأْهُ فِي سَبْعٍ وَلَا تَزِدْ عَلَى ذَلِكَ». وبه قال: (حدّثني) بالإفراد (إسحاق) بن منصور الكوسج المروزي قال (أخبرنا عبيد الله) بضم العين (ابن موسى) العبسي مولاهم الكوفي شيخ المصنف روي عنه هنا بالواسطة وثبت ابن موسى لأبي الوقت (عن شيبان) النحوي (عن يحيى) بن أبي كثير (عن محمد بن عبد الرحمن مولى بني زهرة) بضم الزاي وسكون الهاء (عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن (قال) يحيى المذكور: (واحسبني قال: سمعت أنا) أي وأظن أني أنا سمعته (من أبي سلمة) بن عبد الرحمن ولعله كان يتوقف في تحديث أبي سلمة له ثم تذكر أنه حدّثه به أو كان يصرح بتحديثه ثم يتوقف وتحقق أنه سمعه بواسطة محمد بن عبد الرحمن المذكور (عن عبد الله بن عمرو) ﵄ أنه (قال: قال لي رسول الله ﷺ ¬): (اقرأ القرآن) كله (في شهر، قلت إني أجد قوة حتى قال: فاقرأه في سبع) أي ما نزل منه إذ ذاك وما سينزل وسقط لفظ حتى لأبوي ذر والوقت (لا تزد على ذلك) وليس النهي للتحريم كما أن الأمر في جميع ما مرّ في الحديث ليس للوجوب خلافًا لبعض الظاهرية حيث قال بحرمة قراءته في أقل من ثلاث، وأكثر العلماء كما قاله النووي على عدم التقدير في ذلك وإنما هو بحسب النشاط والقوّة فمن كان يظهر له بدقيق الفكر للطائف والمعارف، فليقتصر على قدر يحصل له معه كمال فهم ما يقرؤه ومن اشتغل بشيء من مهمات المسلمين كنشر العلم وفصل الخصومات، فليقتصر على قدر لا يمنعه من ذلك ولا يخل بما هو مترصد له ومن لم يكن من هؤلاء فليستكثر ما أمكنه من غير خروج إلى حدّ الملال أو الهذرمة، وقد كان بعضهم يختم في اليوم والليلة، وبعضهم ثلاثًا. وكان ابن الكاتب الصوفي يختم أربعًا بالنهار وأربعًا بالليل انتهى. وقد رأيت بالقدس الشريف في سنة سبع وستين وثمانمائة رجلًا يكنى بأبي الطاهر من أصحاب الشيخ شهاب الذين بن رسلان ذكر لي أنه كان يقرأ في اليوم والليلة خمس عشرة ختمة. وثبتني في ذلك في هذا الزمن شيخ الإسلام البرهان ابن أبي شريف المقدسي نفع الله بعلومه، وأما الذين ختموا القرآن في ركعة فلا يحصون كثرة منهم: عثمان وتميم الداري وسعيد بن جبير، وأخبرني غير واحد من الثقات عن صاحبنا الفقيه رضي البكري أنه كان أيضًا يقرؤه في ركعة واحدة والله تعالى يهب ما يشاء لمن يشاء. ٣٥ - باب الْبُكَاءِ عِنْدَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ (باب البكاء عند قراءة القرآن). ٥٠٥٥ - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ أَخْبَرَنَا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ عَنْ سُلَيْمَانَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَبِيدَةَ عَنْ

стр. 5825

عَبْدِ اللَّهِ قَالَ يَحْيَى: بَعْضُ الْحَدِيثِ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ قَالَ: لِي النَّبِيُّ ﷺ . وبه قال: (حدّثنا صدقة) بن الفضل قال: (أخبرنا يحيى) بن سعيد القطان (عن سفيان) الثوري (عن سليمان) الأعمش (عن إبراهيم) النخعي (عن عبيدة) السلماني (عن عبد الله) بن مسعود ﵁ (قال يحيى) القطان: (بعض الحديث عن عمرو بن مرة) قال ابن مسعود (قال لي النبي ﷺ ¬). ٠٠٠٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ عَنْ يَحْيَى عَنْ سُفْيَانَ عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَبِيدَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ الأَعْمَشُ وَبَعْضُ الْحَدِيثِ حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ وَعَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي الضُّحَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «اقْرَأْ عَلَيَّ». قَالَ: قُلْتُ: آقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟ قَالَ: «إِنِّي أَشْتَهِي أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي». قَالَ: فَقَرَأْتُ النِّسَاءَ حَتَّى إِذَا بَلَغْتُ ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ قَالَ لِي: «كُفَّ أَوْ أَمْسِكْ» فَرَأَيْتُ عَيْنَيْهِ تَذْرِفَانِ. وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد واللفظ له (عن يحيى) بن سعيد القطان (عن سفيان) الثوري (عن الأعمش عن إبراهيم) النخعي (عن عبيدة) السلماني (عن عبد الله) بن مسعود (قال الأعمش) أيضًا: (وبعض الحديث) بالواو (حدّثني) بالإفراد (عمرو بن مرة عن إبراهيم) النخعي فيكون الأعمش سمع الحديث المذكور من إبراهيم النخعي وبعضه من عمرو بن مرة عن إبراهيم (عن) ولأبي ذر وعن (أبيه) بواو العطف عن الأعمش والضمير لأبي سفيان واسم أبيه سعيد بن مسروق الثوري فيكون سفيان روى الحديث عن الأعمش وعن أبيه سعيد (عن أبي الضحى) مسلم بن صبيح الكوفي (عن عبد الله) بن مسعود لكن رواية أبي الضحى عن ابن مسعود منقطعة لأنه لم يدركه (قال: قال) لي (رسول الله ﷺ ¬): (اقرأ عليّ. قال) ابن مسعود: (قلت) يا رسول الله (آقرأ عليك وعليك أُنزل)؟ بضم الهمزة (قال) ﵊ (إني أشتهي أن أسمعه من غيري. قال: فقرأت النساء حتى إذا بلغت ﴿فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد﴾) يشهد عليهم (﴿وجئنا بك على هؤلاء﴾) أي أمتك (﴿شهيدًا﴾) [النساء: ٤٠] (قال لي: كف) أي عن القراءة (أو أمسك) بالشك من الراوي (فرأيت عينيه تدرفان) بالذال المعجمة والفاء يقال ذرفت العين تذرف إذا جرى دمعها. وأخرج ابن المبارك في الزهد من مرسل سعيد بن المسيب قال: ليس من يوم إلا تعرض على النبي ﷺ أمته غدوة وعشية فيعرفهم بسيماهم وأعمالهم فلذلك يشهد عليهم وبكاؤه ﵊ رحمة لأمته لأنه علم أنه لا بدّ أن يشهد عليهم بعملهم وعملهم قد لا يكون مستقيمًا فقد يفضي إلى تعذيبهم. وقال في فتوح الغيب عن الزمخشري: إن هذا كان بكاء فرح لا بكاء جزع لأنه تعالى جعل أمته شهداء على سائر الأمم وقال الشاعر:

стр. 5826

طفح السرور عليّ حتى أنه … من فرط ما قد سرني أبكاني ٥٠٥٦ - حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَبِيدَةَ السَّلْمَانِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ «اقْرَأْ عَلَيَّ». قُلْتُ: أَقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟ قَالَ: «إِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي». وبه قال: (حدّثنا قيس بن حفص) البصري الدارمي قال: (حدّثنا عبد الواحد) بن زياد قال: (حدّثنا الأعمش) سليمان (عن إبراهيم) النخعي (عن عبيدة السلماني) بفتح اللام (عن عبد الله) ولأبوي ذر والوقت وابن عساكر زيادة ابن مسعود (﵁) أنه (قال: قال لي النبي ﷺ ¬): (اقرأ عليّ. قلت: آقرأ عليك) بالاستفهام (وعليك أنزل قال) ﷺ : (إني أحب أن أسمعه من غيري) قال ابن بطال: يحتمل أن يكون أحب أن يسمعه من غيره ليكون عرض القرآن سُنّة، ويحتمل أن يكون لكي يتدبره ويتفهمه لأن المستمع أقوى على التدبر من القارئ لاشتغاله بالقراءة وأحكامها. ٣٦ - باب مَنْ رَايَا بِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ أَوْ تَأَكَّلَ بِهِ أَوْ فَخَرَ بِهِ (باب من رايا) بألف فتحتية، ولأبي ذر باب: إثم من رائا بهمزة ممدودة بدل التحتية (بقراءة القرآن أو تأكل) بتشديد الكاف أي طلب الأكل (به أو فخر به) بالخاء المعجمة في الفرع وفي الفتح كنسخة آل ملك فجر بالجيم للأكثر. ٥٠٥٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ خَيْثَمَةَ عَنْ سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ قَالَ عَلِيٌّ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «يَأْتِي فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ حُدَثَاءُ الأَسْنَانِ، سُفَهَاءُ الأَحْلَامِ، يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ الْبَرِيَّةِ، يَمْرُقُونَ مِنَ الإِسْلَامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، لَا يُجَاوِزُ إِيمَانُهُمْ حَنَاجِرَهُمْ، فَأَيْنَمَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ، فَإِنَّ قَتْلَهُمْ أَجْرٌ لِمَنْ قَتَلَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». وبه قال: (حدّثنا محمد بن كثير) العبدي البصري أخو سليمان بن كثير قال (أخبرنا سفيان) الثوري قال: (حدّثنا الأعمش) سليمان (عن خيثمة) بفتح الخاء المعجمة وسكون التحتية وفتح المثلثة والميم ابن عبد الرحمن الكوفي (عن سويد بن غفلة) بفتح الغين المعجمة والفاء واللام أنه (قال: قال علي) ﵁ (سمعت النبي ﷺ يقول): (يأتي في آخر الزمان قوم حدثاه الأسنان) صغارها (سفهاء الأحلام) أي ضعفاء العقول (يقولون من خير قول البرية) أي من قول خير البرية ﷺ فهو من المقلوب أو المراد من قول الله ليناسب الترجمة قال في شرح المشكاة وهو أولى لأن يقولون هنا بمعنى يتحدثون أو يأخذون أي

стр. 5827

يأخذون من خير ما يتكلم به قال وينصره ما روي في شرح السُّنَّة وكان ابن عمر يرى الخوارج شرار خلق الله تعالى وقال إنهم انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار فجعلوها على المؤمنين وما ورد في حديث أبي سعيد يدعون إلى كتاب الله وليسوا منه في شيء (يمرقون) يخرجون (من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية) بكسر الميم وتشديد التحتية فعيلة بمعنى مفعولة أي الصيد المرمى يريد أن دخولهم في الإسلام ثم خروجهم منه ولم يتمسكوا منه بشيء كالسهم الذي دخل في الرمية ثم يخرج منها ولم يعلق به شيء منها (لا يجاوز إيمانهم حناجرهم) جمع حنجرة وهي الحلقوم رأس الغلصمة حيث تراه ناتئًا من خارج الحلق أي أن الإيمان لم يرسخ في قلوبهم لأن ما وقف عند الحلقوم فلم يتجاوزه لم يصل إلى القلب وفي حديث حذيفة لا يجاوز تراقيهم ولا تعيه قلوبهم (فأينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن قتلهم أجر لمن قتلهم يوم القيامة) ظرف للأجر لا للقتل. قال الخطابي: أجمع علماء المسلمين على أن الخوارج على ضلالتهم فرقة من فرق المسلمين وأجازوا مناكحتهم وأكل ذبائحهم وقبول شهادتهم، وسئل علي ﵁ عنهم أكفار هم؟ فقال: من الكفر فرّوا. فقيل: منافقون هم؟ فقال: إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلًا، وهؤلاء يذكرون الله بكرةً وأصيلًا. قيل: من هم؟ قال: قوم أصابتهم فتنة فعموا وصموا. وقال الكرماني، فإن قلت: من أين دل الحديث على الجزء الثاني من الترجمة وهو التأكل بالقرآن؟ قلت: لا شك أن القراءة إذا لم تكن دله فهي للمراياة والتأكل ونحوهما. وهذا الحديث قد سبق بأتم من هذا في علامات النبوّة بعين هذا الإسناد. ٥٠٥٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «يَخْرُجُ فِيكُمْ قَوْمٌ تَحْقِرُونَ صَلَاتَكُمْ مَعَ صَلَاتِهِمْ، وَصِيَامَكُمْ مَعَ صِيَامِهِمْ، وَعَمَلَكُمْ مَعَ عَمَلِهِمْ، وَيَقْرَؤونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينَ، كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، يَنْظُرُ فِي النَّصْلِ فَلَا يَرَى شَيْئًا، وَيَنْظُرُ فِي الْقِدْحِ فَلَا يَرَى شَيْئًا، وَيَنْظُرُ فِي الرِّيشِ فَلَا يَرَى شَيْئًا، وَيَتَمَارَى فِي الْفُوقِ». وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك) الإمام الأعظم (عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن) بن عوف (عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول): (يخرج فيكم قوم تحقرون صلاتكم) بكسر القاف (مع صلاتهم وصيامكم مع صيامهم وعملكم مع عملهم) من عطف العام على الخاص (ويقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم) أي لا تفقهه قلوبهم ولا ينتفعون بما تلوه منه أو لا تصعد تلاوتهم في جملة الكلم الطيب إلى الله تعالى

стр. 5828

(يمرقون من الدين) أي الإسلام وبه يتمسك من يكفر الخوارج أو المراد طاعة الإمام فلا حجة فيه لتكفيرهم (كما يمرق السهم من الرمية) شبه مروقهم من الدين بالسهم الذي يصيب الصيد فيدخل فيه ويخرج منه والحال أنه لسرعة خروجه من شدّة قوّة الرامي لا يعلق من جسد الصيد بشيء (ينظر) الرامي (في النصل) الذي هو حديد السهم هل يرى فيه شيئًا من أثر الصيد دمًا أو نحوه (فلا يرى) فيه (شيئًا وينظر في القدح) بكسر القاف السهم قبل أن يراش ويركب سهمه أو ما بين الريش والنصل هل يرى فيه أثرًا (فلا يرى) فيه (شيئًا وينظر في الريش) الذي على السهم (فلا يرى) فيه (شيئًا ويتمارى) بفتح التحتية والفوقية والراء أي يشك الرامي (في الفوق) وهو مدخل الوتر منه هل فيه شيء من أثر الصيد يعني نفذ السهم المرمي بحيث لم يتعلق به شيء ولم يظهر أثره فيه فكذلك قراءتهم لا يحصل لهم منها فائدة. وهذا الحديث قد مر في علامات النبوة أيضًا. ٥٠٥٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ شُعْبَةَ عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِي مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْمُؤْمِنُ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، وَيَعْمَلُ بِهِ كَالأُتْرُجَّةِ، طَعْمُهَا طَيِّبٌ وَرِيحُهَا طَيِّبٌ، وَالْمُؤْمِنُ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، وَيَعْمَلُ بِهِ كَالتَّمْرَةِ طَعْمُهَا طَيِّبٌ وَلَا رِيحَ لَهَا. وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَالرَّيْحَانَةِ رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا مُرٌّ. وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَالْحَنْظَلَةِ طَعْمُهَا مُرٌّ، أَوْ خَبِيثٌ وَرِيحُهَا مُرٌّ». وبه قال: (حدّثنا مسدد) بالسين المهملة ابن مسرهد قال: (حدّثنا يحيى) بن سعيد القطان (عن شعبة) بن الحجاج (عن قتادة) بن دعامة (عن أنس بن مالك عن أبي موسى) الأشعري ﵄ (عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال): (المؤمن الذي يقرأ القرآن ويعمل به كالأترجة) بإدغام النون في الجيم (طعمها طيب وريحها طيب) قال المظهري: فالمؤمن الذي يقرأ القرآن هكذا من حيث الإيمان في قلبه ثابت طيب الباطن ومن حيث إنه يقرأ القرآن ويستريح الناس بصوته ويُثابون بالاستماع إليه ويتعلمون منه مثل الأترجة يستريح الناس بريحها (والمؤمن الذي لا يقرأ القرآن ويعمل به كالتمرة) بالمثناة الفوقية وسكون الميم ويعمل عطف على لا يقرأ لا على يقرأ (طعمها طيب ولا ريح لها، ومثل المنافق، الذي يقرأ القرآن كالريحانة ريحها طيب وطعمها مر ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كالحنظلة طعمها مرّ أو خبيث) بالك من الراوي (وريحها مرّ) كذا لجميع الرواة هنا. واستشكل من حيث إن المرارة من أوصاف الطعوم فكيف يوصف بها الريح. وأجيب: بأن ريحها لما كان كطعمها استعير له وصف المرارة. وقال الكرماني: المقصود منهما واحد وهو بيان عدم النفع لا له ولا لغيره. اهـ. وفي الحديث فضيلة قارئ القرآن، وأن المقصود من التلاوة العمل كما دل عليه زيادة

стр. 5829

ويعمل به وهي زيادة مفسرة للمراد من الرواية التي لم يقل فيها ويعمل به. وهذا الحديث سبق في باب فضل القرآن على سائر الكلام. ٣٧ - باب اقْرَؤُوا الْقُرْآنَ مَا ائْتَلَفَتْ قُلُوبُكُمْ هذا (باب) بالتنوين (اقرؤوا القرآن ما ائتلفت) ما اجتمعت (قلوبكم) ولأبي ذر عليه قلوبكم. ٥٠٦٠ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ عَنْ جُنْدَبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «اقْرَؤوا الْقُرْآنَ مَا ائْتَلَفَتْ قُلُوبُكُمْ، فَإِذَا اخْتَلَفْتُمْ فَقُومُوا عَنْهُ». [الحديث ٥٠٦٠ - أطرافه في: ٥٠٦١، ٧٣٦٤، ٧٣٦٥]. وبه قال: (حدّثنا أبو النعمان) محمد بن الفضل السدوسي قال: (حدّثنا حماد) هو ابن زيد (عن أبي عمران) عبد الملك بن حبيب (الجوني) بفنح الجيم وسكون الواو بعدها نون مكسورة (عن جندب بن عبد الله) ﵁ (عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال): (اقرؤوا القرآن ما ائتلفت) ما اجتمعت (قلوبكم) عليه (فإذا اختلفتم) في فهم معانيه (فقوموا) تفرقوا (عنه) لئلا يتمادى بكم الاختلاف إلى الشر، وحمله القاضي عياض على الزمن النبوي خوف نزول ما يسوء. وقال في شرح المشكاة: يعني اقرؤوه على نشاط منكم وخواطركم مجموعة فإذا حصل لكم ملالة وتفرق القلوب فاتركوه فإنه أعظم من أن يقرأهُ أحدٌ من غير حضور القلب يقال قام بالأمر إذا جدّ فيه وداوم عليه وقام عن الأمر إذا تركه وتجاوزه. ٥٠٦١ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا سَلاَّمُ بْنُ أَبِي مُطِيعٍ عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ عَنْ جُنْدَبٍ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «اقْرَءُوا الْقُرْآنَ مَا ائْتَلَفَتْ عَلَيْهِ قُلُوبُكُمْ، فَإِذَا اخْتَلَفْتُمْ فَقُومُوا عَنْهُ». تَابَعَهُ الْحَارِثُ بْنُ عُبَيْدٍ وَسَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَبِي عِمْرَانَ. وَلَمْ يَرْفَعْهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ وَأَبَانُ وَقَالَ غُنْدَرٌ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ أَبِي عِمْرَانَ سَمِعْتُ جُنْدَبًا قَوْلَهُ. وَقَالَ ابْنُ عَوْنٍ عَنْ أَبِي عِمْرَانَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ عَنْ عُمَرَ قَوْلَهُ، وَجُنْدَبٌ أَصَحُّ وَأَكْثَرُ. وبه قال: (حدّثنا عمرو بن علي) أي ابن بحر الباهلي البصري قال: (حدّثنا عبد الرحمن بن مهدي) قال: (حدّثنا سلام بن أبي مطيع) بتشديد اللام (عن أبي عمران) عبد الملك (الجوني) بفتح الجيم وسكون الواو (عن جندب) ﵁ أنه قال: (قال النبي ﷺ ¬): (اقرؤوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم) زاد في هذه الطريق لفظة عليه (فإذا اختلفتم فقوموا عنه) وسقط لأبي الوقت وابن عساكر لفظ عنه، ويحتمل كما في الفتح أن يكون المعنى اقرؤوا والزموا الائتلاف على ما دل عليه وقاد إليه، فإذا وقع الاختلاف أي أو عرض عارض شبهة يقتضي المنازعة الداعية إلى الافتراق فاتركوا القراءة وتمسكوا بالمحكم الموجب للألفة وأعرضوا عن

стр. 5830

المتشابه المؤدي إلى الفرقة قال، وهو كقوله ﷺ : "فإذا رأيتم الذين يتبعون المتشابه منه فاحذروهم". وقال ابن الجوزي: كان اختلاف الصحابة يقع في القراءات واللغات فأمروا بالقيام عند الاختلاف لئلا يجحد أحدهم ما يقرؤه الآخر فيكون جاحد لما أنزله الله. (تابعه) أي تابع سلام بن أبي مطيع (الحارث بن عبيد) بضم العين أبو قدامة الأيادي بكسر الهمزة البصري فيما رواه الدارمي (وسعيد بن زيد) أخو حماد بن زيد فيما رواه الحسن بن سفيان في مسنده كلاهما (عن أبي عمران) الجوني (ولم يرفعه) أي الحديث المذكور إلى النبي ﷺ (حماد بن سلمة وأبان) بفتع الهمزة وتخفيف الموحدة ابن يزيد العطار. (وقال غندر) محمد بن جعفر فيما وصله الإسماعيلي (عن شعبة) بن الحجاح (عن أبي عمران) الجوني (سمعت جندبًا قوله) أي من قوله موقوفًا عليه لم يرفعه. (وقال ابن عون) عبد الله الإمام المشهور (عن أبي عمران) الجوني (عن عبد الله بن الصامت عن عمر) بن الخطاب ﵁ (قوله) ولم يرفعه ورواية ابن عون هذه وصلها أبو عبيد عن معاذ عنه والنسائي من وجه آخر عنه (وجندب) روايته (أصح) إسنادًا (وأكثر) طرقًا في هذا الحديث، وأما رواية ابن عون فشاذة لم يتابع عليها. ٥٠٦٢ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَيْسَرَةَ عَنِ النَّزَّالِ بْنِ سَبْرَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يَقْرَأُ آيَةً سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ خِلَافَهَا فَأَخَذْتُ بِيَدِهِ فَانْطَلَقْتُ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: «كِلَاكُمَا مُحْسِنٌ، فَاقْرَآ». أَكْبَرُ عِلْمِي قَالَ: «فَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ اخْتَلَفُوا فَأَهْلَكَهُمْ». وبه قال: (حدّثنا سليمان بن حرب) الواشحي قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن عبد الملك بن ميسرة) ضد الميمنة (عن النزال بن سبرة) بفتح النون وتشديد الزاي وسبرة بفتح السين المهملة وسكون الموحدة بعدها راء مفتوحة الهلالي التابعي الكبير وقيل له صحبة (عن عبد الله) بن مسعود ﵁ (أنه سمع رجلًا) قيل إنه أُبيّ بن كعب (يقرأ آية سمع النبي ﷺ خلافها) أي يقرأ خلافها وكان اختلافهما في سورة من آل حم قال ابن مسعود: (فأخذت بيده فانطلقت به إلى النبي ﷺ ¬) أي فأخبرته بذلك (فقال): (كلاكما محسن) فيما قرأه (فاقرأ) بهمزة ساكنة بصيغة الأمر للواحد في الفرع، وفي نسخة فاقرأ بصيغة الأمر للاثنين وهو الذي في اليونينية قال شعبة: (أكبر علمي) بالموحدة بعد الكاف أنه ﷺ (قال): أي لا تختلفوا (فإن من كان قبلكم اختلفوا فأهلكهم) أي الله بسبب الاختلاف ولأبي ذر عن المستملي فأهلكوا بضم الهمزة وكسر اللام. قال في الفتح: ووقع عند عبد الله ابن الإمام أحمد في زيادات المسند في هذا الحديث أن الاختلاف كان في عدد آي السورة هل خمس وثلاثون آية أو ست وثلاثون، وهذا الحديث قد مرّ في الأشخاص.

стр. 5831

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ٦٧ - كتاب النكاح هو لغة الضم والتداخل. وقال المطرّزي والأزهري: هو الوطء حقيقة، ومنه قول الفرزدق: إذا سقى الله قومًا صوب غادية … فلا سقى الله أرض الكوفة المطرا التاركين على طهر نساءهم … والناكحين بشطي دجلة البقرا وهو مجاز في العقد لأن العقد فيه ضم، والنكاح هو الضم حقيقة قال: ضممت إلى صدري معطر صدرها … كما نكحت أُم العلاء صبيها أي: كما ضمت أو لأنه سببه فجازت الاستعارة لذلك، وقال بعضهم: أصله لزوم شيء لشيء، مستعليًا عليه ويكون في المحسوسات، وفي المعاني قالوا: انكح المطر الأرض، ونكح النعاس عينه، ونكحت القمح في الأرض إذا حرثتها وبذرته فيها، ونكحت الحصاة أخفاف الإبل. قال المتنبي: أنكحت صم حصاها خف يعملة … تغشمرت بي إليك السهل والجبلا يقال: أنكحوا الحصى أخفاف الإبل إذا ساروا، واليعملة الناقة النجيبة المطبوعة على العمل، والتغشمر الأخذ قهرًا. وقال الفراء: العرب تقول نكح المرأة بضم النون بعضها وهو كناية عن الفرج، فإذا قالوا نكحها أرادوا أصاب نكحها. وقال ابن جني: سألت أبا علي الفارسي عن قولهم نكحها؟ فقال: فرقت العرب فرقًا لطيفًا يعرف به موضع العقد من الوطء فإذا قالوا: نكح فلان فلانة أو بنت فلان أو أخته أرادوا تزوّجها وعقد عليها، وإذا قالوا نكح امرأته أو زوجته لم يريدوا إلا المجامعة لأن بذكر المرأة أو الزوجة يستغني عن العقد واختلف أصحابنا في حقيقته على ثلاثة أوجه حكاها القاضي حسين في تعليقه. أصحها أنه حقيقة في العقد مجاز في الوطء وهو الذي صححه القاضي أبو الطيب وقطع به المتولي وغيره واحتج له بكثرة وروده في الكتاب والسُّنّة

стр. 5832

للعقد حتى قيل: إنه لم يرد في القرآن إلا للعقد ولا يرد مثل قوله حتى تنكح زوجًا غيره لأن شرط الوطء في التحليل إنما ثبت بالسُّنَّة وإلاّ فالعقد لا بدّ منه لأن قوله تعالى: ﴿حتى تنكح﴾ [البقرة: ٢٣٠] معناه حتى تتزوج أي يعقد عليها ومفهومه أن ذلك كافٍ بمجرده لكن ثبتت السُّنَّة أن لا عبرة بمفهوم الغاية بل لا بدّ بعد العقد من ذوق العسيلة. قال ابن فارس: لم يرد النكاح في القرآن إلا للتزويج إلا قوله تعالى: ﴿وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح﴾ [النساء: ٦] فإن المراد به الحلم. والثاني: أنه حقيقة في الوطء مجاز في العقد وهو مذهب الحنفية. والثاني: أنه حقيقة فيهما بالاشتراك ويتعين المقصود بالقرينة كما مرّ عن أبي علي، وذكر ابن القطاع للنكاح أكثر من ألف اسم وفوائده كثيرة منها: أنه سبب لوجود النوع الإنساني، ومنها قضاء الوطر بنيل اللذة والتمتع بالنعمة وهذه هي الفائدة التي في الجنة إذ لا تناسل فيها، ومنها غض البصر وكفّ النفس عن الحرام إلى غير ذلك. ١ - باب التَّرْغِيبُ فِي النِّكَاحِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ (بسم الله الرحمن الرحيم) كذا للنسفي تقديم البسملة، وعند رواة الفربري تأخيرها ولأبي ذر سقوطها (باب الترغيب) ولأبي ذر: باب الترغيب (في النكاح لقوله تعالى): ولأبي ذر لقول الله : (﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾) [النساء: ٦] زاد أبو الوقت والأصيلي الآية، والأمر يقتضي الطلب وأقل درجاته الندب فثبت الترغيب وقول داود وأتباعه من أهل الظاهر أنه فرض عين على القادر على الوطء والإنفاق تمسكًا بالآية. وقوله ﵊ لعكاف بن وداعة الهلالي: "ألك زوجة يا عكاف" قال: لا. قال: "ولا جارية" قال: لا. قال: "وأنت صحيح موسر" قال: نعم والحمد لله. قال: "فأنت إذًا من إخوان الشياطين إما أن تكون من رهبان النصارى فأنت منهم وإما أن تكون منا فاصنع كما نصنع فإن من سُنّتنا النكاح شراركم عزابكم وأراذل أمواتكم عزّابكم. ويحك يا عكاف تزوّج" فقال عكاف: يا رسول الله لا أتزوّج حتى تزوّجني مَن شئت. قال: فقال رسول الله ﷺ : "فقد زوّجتك على اسم الله والبركة كريمة كلثوم الحميري". رواه أبو يعلى الموصلي في مسنده من طريق بقية فهو إيجاب على معين فيجوز أن يكون سبب الوجوب تحقق في حقه، والآية لم تسق إلا لبيان العدد المحلل على ما عرف في الأصول. ٥٠٦٣ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ أَبِي حُمَيْدٍ الطَّوِيلُ، أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ يَقُولُ: جَاءَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ ﷺ فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا، فَقَالُوا: وَأَيْنَ نَحْنُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ ؟ قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ. قَالَ أَحَدُهُمْ: أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا. وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلَا أُفْطِرُ. وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلَا أَتَزَوَّجُ أَبَدًا. فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «أَنْتُمُ

стр. 5833

الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا؟ أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي». وبه قال: (حدّثنا سعيد بن أبي مريم) هو سعيد بن الحكم بن محمد بن أبي مريم الجمحي مولاهم البصري قال: (أخبرنا محمد بن جعفر) أي ابن أبي كثير المدني قال: (أخبرنا) ولأبي الوقت: أخبرني بالإفراد (حميد بن أبي حميد الطويل) اختلف في اسم أبيه على نحو عشرة أقوال (أنه سمع أنس بن مالك ﵁ يقول: جاء ثلاثة رهط) اسم جمع لا واحد له من لفظه، والثلاثة علي بن أبي طالب، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعثمان بن مظعون كما في مرسل سعيد بن المسيب عند عبد الرزاق (إلى بيوت أزواج النبي ﷺ يسألون عن عبادة النبي ﷺ فلما أخبروا) بضم الهمزة وكسر الموحدة مبنيًّا للمفعول بذلك (كأنهم تقالوها)، بتشديد اللام المضمومة عدّوها قليلة (فقالوا: وأين نحن من النبي ﷺ ؟ قد غفر له) بضم الغين ولابن عساكر وأبوي الوقت وذر عن المستملي قد غفر الله له (ما تقدّم من ذنبه وما تأخر. قال) ولأبوي الوقت وذر فقال (أحدهم: أما) بفتح الهمزة وتشديد الميم للتفضيل (أنا فإني) ولأبي ذر عن المستملي والكشميهني: فأنا (أصلي الليل أبدًا) قيد لليل لا لقوله أصلي (وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر). بالنهار سوى العيدين وأيام التشريق ولذا لم يقيده بالتأبيد (وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا. فجاء رسول الله ﷺ ¬) زاد الأربعة لفظ إليهم (فقال) لهم: (أنتم الذين قلتم كذا وكذا. أما) بفتح الهمزة وتخفيف الميم حرف تنبيه (والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له)، قال في الفتح: فيه إشارة إلى ردّ ما بنوا عليه أمرهم من أن المغفور له لا يحتاج إلى مزيد في العبادة بخلاف غيره فأعلمهم أنه مع كونه لا يبالغ في التشديد في العبادة أخشى لله وأتقى من الذين يشدّدون، وإنما كان كذلك لأن المشدّد لا يأمن من الملل بخلاف المقتصد فإنه أمكن لاستمراره وخير العمل ما داوم عليه صاحبه انتهى. فالنبي ﷺ وإن أعطي قوى الخلق في العبادات لكن قصده التشريع وتعليم أمته الطريق التي لا يمل بها صاحبها. وقال ابن المنير: إن هؤلاء بنوا على أن الخوف الباعث على العبادة ينحصر في خوف العقوبة فلما علموا أنه ﷺ مغفور له ظنوا أن لا خوف وحملوا قلة العبادة على ذلك، فردّ ﵊ عليهم ذلك وبيّن أن لا خوف الإجلال أعظم من الإكثار المحقق الانقطاع لأن الدائم وإن قل أكثر من الكثير إذا انقطع وفيه دليل على صحة مذهب القاضي حيث قال: لو أوجب الله شيئًا لوجب وإن لم يتوعد بعقوبة على تركه وهو مقام الرسول ﷺ التعبد على الشكر وعلى الإجلال لا على خوف العقوبة فإنه منه في عصمة. (لكني) استدراك من محذوف دلّ عليه السياق تقريره أنا وأنتم بالنسبة إلى العبودية سواء لكن أنا (أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوّج النساء فمن رغب) أعرض (عن سُنّتي) طريقتي وتركها (فليس مني) إذا كان غير معتقد لها والسُّنَّة مفرد مضاف يعم على الأرجح فيشمل الشهادتين وسائر

стр. 5834

أركان الإسلام فيكون المعرض عن ذلك مرتدًّا وكذا إن كان الإعراض تنطعًا يفضي إلى اعتقاد أرجحية عمله، وأما إن كان ذلك بضرب من التأويل كالورع لقيام شبهة في ذلك الوقت أو عجزًا عن القيام بذلك أو لمقصود صحيح فيعذر صاحبه. وفيه الترغيب في النكاح، وقد اختلف هل هو من العبادات أو المباحات فقال الحنفية: هو سُنّة مؤكدة على الأصح. وقال الشافعية: من المباحات. قال القمولي في شرح الوسيط المسمى بالبحر في باب النكاح فرع نص الإمام على أن النكاح من الشهوات لا من القربات. وإليه أشار الشافعي في الأم حيث قال: قال الله تعالى: ﴿زين للناس حبِّ الشهوات من النساء﴾ [آل عمران: ١٤] وقال ﵊: "حبب إليَّ من دنياكم الطيب، والنساء"، وابتغاء النسل به، أمر مظنون ثم لا يدري أصالح أم طالح انتهى. وقال النووي: إن قصد به طاعة كاتباع السُّنّة أو تحصيل ولد صالح أو عفة فرجه أو عينه فهو من أعمال الآخرة يُثاب عليه وهو للتائق أي المحتاج له ولو خصيًا القادر على مؤونة أفضل من التخلي للعبادة تحصينًا للدين ولما فيه من إبقاء النسل والعاجز عن مؤونة يصوم والقادر غير التائق إن تخلى للعبادة فهو أفضل من النكاح وإلا فالنكاح أفضل له من تركه لئلا تُفضي به البطالة الى الفواحش انتهى. وقد تعقب الشيخ كمال الدين بن الهمام قولهم التخلي للعبادة أفضل فقال: حقيقة أفضل تنفي كونه مباحًا إذ لا فضل في المباح والحق أنه إن اقترن بنيّة كان ذا فضل والتجرّد عند الشافعي أفضل لقوله تعالى: ﴿وسيدًا وحصورًا﴾ [آل عمران: ٣٩] مدح يحيى ﵇ بعدم إتيان النساء مع القدرة عليه لأن هذا معنى الحصور وحينئذٍ فإذا استدل عليه بمثل قوله ﵊: "أربع من سنن المرسلين. الحياء، والتعطر، والسواك، والنكاح" رواه الترمذي وقال حسن غريب. فله أن يقول في الجواب لا أنكر الفضيلة مع حسن النيّة، وإنما أقول التخلي للعبادة أفضل فالأولى في جوابه التمسك بحاله ﵊ في نفسه ورده على من أراد من أمته التخلي للعبادة فإنه صريح في عين المتنازع فيه يعني حديث هذا الباب، فإنه ﵊ رد هذا الحال ردًّا مؤكدًا حتى تبرأ منه، وبالجملة فالأفضلية في الاتباع لا فيما تخيل النفس أنه أفضل نظرًا إلى ظاهر عبادة أو توجه ولم يكن الله يرضى لأشرف أنبيائه إلا بأشرف الأحوال وكان حاله إلى الوفاة النكاح فيستحيل أن يقرّه على ترك الأفضل مدة حياته، وحال يحيى ﵇ كان أفضل في تلك الشريعة، وقد نسخت الرهبانية في ملتنا ولو تعارضا قدم التمسك بحال نبينا ﵊، ومن تأمل ما يشتمل عليه النكاح من تهذيب الأخلاق وتربية الولد والقيام بمصالح المسلم العاجز عن القيام بها وإعفاف المحرم ونفسه ودفع الفتنة عنه وعنهنّ إلى غير ذلك من الفرائض الكثيرة لم يكد يقف عن الجزم بأنه أفضل من التخلي بخلاف ما إذا عارضه خوف جور إذ الكلام ليس فيه بل في الاعتدال مع أداء الفرائض والسُّنن، وذكرنا أنه إذا لم تقترن

стр. 5835

به نيّة كان مباحًا لأن المقصود منه حينئذ مجرّد قضاء الشهوة ومبنى العبادة على خلافه ثم قال: وأقول بل فيه فضل من جهة أنه كان متمكّنًا من قضائها بغير الطريق المشروع فالعدول إليه مع ما يعلمه من أنه قد يستلزم أثقالًا فيه قصد ترك المعصية وعليه يُثاب انتهى. ٥٠٦٤ - حَدَّثَنَا عَلِيٌّ سَمِعَ حَسَّانَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَنْ لَا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَنْ لَا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ لَا تَعُولُوا﴾ قَالَتْ: يَا ابْنَ أُخْتِي، الْيَتِيمَةُ تَكُونُ فِي حَجْرِ وَلِيِّهَا، فَيَرْغَبُ فِي مَالِهَا وَجَمَالِهَا يُرِيدُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا بِأَدْنَى مِنْ سُنَّةِ صَدَاقِهَا، فَنُهُوا أَنْ يَنْكِحُوهُنَّ إِلاَّ أَنْ يُقْسِطُوا لَهُنَّ فَيُكْمِلُوا الصَّدَاقَ، وَأُمِرُوا بِنِكَاحِ مَنْ سِوَاهُنَّ مِنَ النِّسَاءِ. وبه قال: (حدّثنا علي) هو ابن عبد الله المديني كما جزم به المزي كأبي مسعود أنه (سمع حسان بن إبراهيم) الكرماني العنزي قاضي كرمان (عن يونس بن يزيد) الأيلي (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (عروة) بن الزبير بن العوّام (أنه سأل عائشة) ﵂ (عن قوله تعالى: ﴿وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم أن لا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى أن لا تعولوا﴾) [النساء: ٣] أقرب من أن لا تميلوا من قولهم عال الميزان عولًا (قالت) عائشة: (يا ابن أختي) أسماء هي (اليتيمة) التي مات أبوها (تكون في حجر وليها)، القائم بأمورها (فيرغب في مالها وجمالها يريد أن يتزوّجها بأدنى) بأقل (من سنة صداقها) من مهر مثلها (فنهوا) بضم النون والهاء (أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن فيكملوا الصداق) على عادتهن في ذلك (وأمروا) بالواو (بنكاح من سواهن) أي سوى اليتامى (من النساء). وهذا الحديث قد سبق في تفسير سورة النساء. ٢ - باب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ. لأَنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ». وَهَلْ يَتَزَوَّجُ مَنْ لَا أَرَبَ لَهُ فِي النِّكَاحِ؟ (باب قول النبي ﷺ : من استطاع منكم الباءة) بالموحدة والهمزة المفتوحتين وتاء التأنيث ممدودًا وقد لا يهمز ولا يمد وقد يهمز ويمد من غير هاء (فليتزوّج لأنه) أي التزوّج ولأبوي الوقت وذر عن المستملي والكشميهني: فإنه بالفاء بدل اللام وهو لفظ الحديث (أغض للبصر) بالغين والضاد المعجمتين (وأحصن للفرج) بالحاء والصاد المهملتين (وهل يتزوج من لا أرب له) بفتح الهمزة والراء والموحدة أي من لا حاجة له (في النكاح)؟ أم لا.

стр. 5836

٥٠٦٥ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ: كُنْتُ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ، فَلَقِيَهُ عُثْمَانُ بِمِنًى فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً فَخَلَيَا، فَقَالَ عُثْمَانُ: هَلْ لَكَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ فِي أَنْ نُزَوِّجَكَ بِكْرًا تُذَكِّرُكَ مَا كُنْتَ تَعْهَدُ؟ فَلَمَّا رَأَى عَبْدُ اللَّهِ أَنْ لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ إِلَى هَذَا أَشَارَ إِلَيَّ فَقَالَ: يَا عَلْقَمَةُ، فَانْتَهَيْتُ إِلَيْهِ وَهْوَ يَقُولُ: أَمَالَئِنْ قُلْتَ ذَلِكَ لَقَدْ قَالَ لَنَا النَّبِيُّ ﷺ : «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ». وبه قال: (حدّثنا عمر بن حفص) قال (حدّثنا أبي) حفص بن غياث قال: (حدّثنا الأعمش) سليمان (قال حدّثني) بالإفراد (إبراهيم) النخعي (عن علقمة) بن قيس أنه (قال: كنت مع عبد الله) بن مسعود (فلقيه عثمان بمنى فقال) عثمان له: (يا أبا عبد الرحمن) وهي كنية ابن مسعود (إن لي إليك حاجة فخليا)، بالياء وللأصيلي كما في الفتح واليونينية فخلوا بالواو بدل الياء كدعوا وصوّبها ابن التين لأنه واوي يعني من الخلوة أي دخلا في موضع خالٍ (فقال عثمان) له: (هل لك يا أبا عبد الرحمن في أن نزوّجك بكرًا تذكّرك ما كنت تعهد) من نشاطك وقوّة شبابك (فلما رأى عبد الله) بن مسعود (أن ليس له) لنفسه (حاجة إلى هذا) الذي ذكره عثمان من التزويج، ولأبوي ذر والوقت عن الحموي والمستملي: أو ليس له أي لعثمان حاجة إلا هذا بتشديد اللام بدل إلى الجارّة أي الترغيب في النكاح (أشار إليّ فقال: يا علقمة فانتهيت إليه وهو) أي والحال أن ابن مسعود (يقول: أما) بالتخفيف (لئن قلت ذلك لقد قال لنا النبي ﷺ ¬): (يا معشر الشباب) جمع شاب وهو من بلغ إلى أن يكمل ثلاثين عند الشافعية. وفي الجواهر لابن شاس من المالكية إلى أربعين أي يا طائفة الشباب (من استطاع منكم الباءة) أي الجماع فهو محمول على المعني الأعم بقدرته على مؤن النكاح (فليتزوّج) جواب الشرط وعند النسائي من طريق أبي معشر عن إبراهيم النخعي من كان ذا طول فلينكح (ومن لم يستطع) أي الجماع لعجزه عن مؤنه (فعليه بالصوم). قال أبو عبيد: فعليه بالصوم إغراء لغائب ولا تكاد العرب تغري إلا لشاهد تقول عليك زيدًا ولا تقول عليه زيدًا. وأجيب: بأن الخطاب للحاضرين الذين خاطبهم أولًا بقوله "فمن استطاع منكم" فالهاء في فعليه ليست لغائب بل هي للحاضر المبهم إذ لا يصح خطابه بالكاف وهذا كما يقول الرجل: من قام الآن منكم فله درهم فهذه الهاء لمن قام من الحاضرين لا لغائب (فإنه) أي الصوم (له وِجاء) بكسر الواو وبالجيم ممدودًا. وقيل بفتح الواو مع القصر بوزن عصا أي التعب والجفاء وذلك بعيد إلا أن يراد فيه معنى الفتور لأنه من وجى إذا فتر عن المشي، فشبه الصوم في باب النكاح بالتعب في باب المشي أي قاطع لشهوته، وأصله رض الأُنثيين لتذهب شهوة الجماع، وإطلاق الصوم على الوجاء من مجاز المشابهة لأن الوجاء قطع الفعل وقطع الشهوة إعدام له أيضًا وخص الشباب بالخطاب لأنهم مظنة قوّة الشهوة غالبًا بخلاف الشيوخ وإن كان المعنى معتبرًا إذا وجد السبب في الكهول والشيوخ أيضًا.

стр. 5837

واستدلّ بالحديث على أن من لم يستطع الجماع فالمطلوب منه ترك التزويج لأنه أرشده إلى ما ينافيه ويضعف دواعيه، والأمر في قوله فليتزوج وفي قوله فانكحوا وإن كان ظاهرهما الوجوب إلا أن المراد بهما الإباحة. قال في الأم بعد أن قال: قال الله تعالى: ﴿وأنكحوا الأيامى منكم﴾ إلى قوله: ﴿يغنهم الله من فضله﴾ [النور: ٣٢] الأمر في الكتاب والسُّنّة يحتمل معاني. أحدها: أن يكون الله حرم شيئًا ثم أباحه فكان أمره إحلال ما حرم. كقوله تعالى: ﴿وإذا حللتم فاصطادوا﴾ [المائدة: ٢] وكقوله: ﴿فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض﴾ [الجمعة: ١٠] الآية. وذلك أنه حرم الصيد على المحرم ونهى عن البيع عند النداء ثم أباحهما في وقت غير الذي حرمهما فيه كقوله تعالى: ﴿وآتوا النساء صدقاتهن نحلة﴾ إلى ﴿مريئًا﴾ [النساء: ٤]. وقوله: ﴿فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها وأطعموا﴾ [الحج: ٣٦] قال: وأشباه ذلك كثير في كتاب الله وسُنّة رسوله ﷺ ليس حتمًا أن يصطادوا وإذا حلّوا لا ينتشروا لطلب التجارة إذا صلوا ولا يأكل من صداق امرأته إذا طابت به عنه نفسًا ولا يأكل من بدنته إذا نحرها. قال: ويحتمل أن يكون دلّهم على ما فيه رشدهم بالنكاح كقوله: ﴿إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله﴾ [النور: ٣٢] يدل على ما فيه سبب الغنى والنكاح. كقوله ﷺ : "سافروا تصحّوا" انتهى. وقد قسم بعضهم النكاح إلى الأحكام الخمسة: الوجوب، والندب، والتحريم، والإباحة، والكراهة. فالوجوب: فيما إذا خاف العنت وقدر على النكاح إلا أنه لا يتعين واجبًا بل إما هو وإما التسرّي فإن تعذر التسرّي تعيّن النكاح حينئذٍ للوجوب لا لأصل الشريعة والندب لتائق يجد أهبته. والكراهة لعنين وممسوح وزمن ولو كانوا واجدين مؤنه وعاجز عن مؤنه غير تائق له لانتفاء حاجتهم إليه مع التزام العاجز ما لا يقدر عليه وخطر القيام به فيمن عداه والتحريم إما أن يكون لعينه كالسبع المذكورات في قوله تعالى: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾ [النساء: ٢٣] أو غير ذلك مما هو مذكور في محله. ٣ - باب مَنْ لَمْ يَسْتَطِعِ الْبَاءَةَ فَلْيَصُمْ (باب من لم يستطع الباءة فليصم). ٥٠٦٦ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ حَدَّثَنِي عُمَارَةُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ عَلْقَمَةَ وَالأَسْوَدِ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ شَبَابًا لَا نَجِدُ شَيْئًا، فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهُ ﷺ : «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ». وبه قال: (حدّثنا عمر بن حفص بن غياث) قال: (حدّثنا أبي) قال: (حدّثنا الأعمش) سليمان بن مهران قال: (حدّثني) بالإفراد (عمارة) بضم العين وتخفيف الميم ابن عمير التيمي

стр. 5838

الكوفي (عن عبد الرحمن بن يزيد) بن قيس النخعي أنه (قال: دخلت مع علقمة) أي عمه (والأسود) بن يزيد أي أخيه (على عبد الله) بن مسعود ﵁ (فقال عبد الله) بن مسعود: (كنا مع النبي ﷺ شبابًا لا نجد شيئًا فقال لنا رسول الله ﷺ ¬): (يا معشر الشباب) أي يا طائفة الشباب (من استطاع) استفعل من الطاعة أصله استطوع استثقلت الحركة على الواو فنقلت إلى الساكن قبلها ثم قلبت الواو ألفًا أي أطاق (الباءة) المراد به هنا المعنى اللغوي وهو الجماع مأخوذ من المباءة وهي المنزل لأن من تزوج امرأة بوّأها منزلًا وإنما تتحقق قدرته بالقدرة على مؤنه ففيه حذف مضاف أي من استطاع منكم أسباب النكاح ومؤنه (فليتزوج). وقيل: المراد بها نفس مؤن النكاح سميت باسم ما يلازمها ولا بدّ من أحد التأويلين لأن قوله ﷺ : (ومن لم يستطع) عطف على قوله (من استطاع) ولو حمل الباءة على الجماع لم يستقم قوله بعد: فإن الصوم له وجاء لأنه لا يقال للعاجز هذا، وإنما يستقيم إذا قيل: أيها القادر المتمكن من الشهوة إن حصلت لك مؤن النكاح فتزوّج وإلاّ فصم ولذا خصّ الشباب (فإنه) أي التزوّج (أغض للبصر) لأن بعد حصول التزويج يضعف فيكون أغض وأحصن مما لم يكن لأن وقوع الفعل مع ضعف الداعي أندر من وقوعه مع وجود الداعي وهو أفعل تفضيل بمعنى غاض أو التفضيل على بابه من غض طرفه إذا خفضه وأغمضه وكل شيء كففته فقد غضضته والمراد بالبصر هنا الطرف المشتمل عليه لأنه الذي يضاف إليه الغض حقيقة وللنسائي فإنه أغض للطرف فصرح به (وأحصن) أي أعف (للفرج)، ولم يرد به أفعل التفضيل لأنه لا يكون من رباعي كما نبه عليه ابن فرحون واللام في للبصر وللفرج للتعدية كما قرروه في أفعل التعجب نحو: ما أضرب زيدًا لعمرو ولا فرق بين البابين قاله في العدّة ولم يقل في الرواية السابقة فإنه إلى آخره وهي ثابتة عند جميع من أخرج الحديث من طرق الأعمش بهذا الإسناد. قال في الفتح: ويغلب على ظني أن حذفها من قبل حفص بن غياث شيخ البخاري وإنما آثر البخاري روايته على رواية غيره لوقوع التصريح فيها من الأعمش بالتحديث فاغتفر له اختصار المتن لهذه المصلحة انتهى. (ومن لم يستطع فعليه بالصوم) ذهب ابن عصفور إلى أن الباء زائدة في المبتدأ والتقدير فعليه الصوم وضعف باقتضائه حينئذٍ الوجوب لأن ذلك ظاهر في هذه الصيغة ولا قائل به (فإنه) أي الصوم (له وِجاء). وعند ابن حبان زيادة وهي: وهو الإخصاء وهي مدرجة لم تقع إلا في طريق زيد بن أبي أنيسة وفي تفسير الوِجاء بالإخصاء نظر لأن الوِجاء كما مر رضّ الأُنثيين والإخصاء سلّهما فيحمل على المجاز والمسامحة لتقاربهما في المعنى. ٤ - باب كَثْرَةِ النِّسَاءِ (باب كثرة النساء) لمن قدر على العدل بينهن.

стр. 5839

٥٠٦٧ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ قَالَ: حَضَرْنَا مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ جَنَازَةَ مَيْمُونَةَ بِسَرِفَ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ هَذِهِ زَوْجَةُ النَّبِيِّ ﷺ ، فَإِذَا رَفَعْتُمْ نَعْشَهَا فَلَا تُزَعْزِعُوهَا وَلَا تُزَلْزِلُوهَا وَارْفُقُوا، فَإِنَّهُ كَانَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ تِسْعٌ كَانَ يَقْسِمُ لِثَمَانٍ وَلَا يَقْسِمُ لِوَاحِدَةٍ. وبه قال: (حدّثنا إبراهيم بن موسى) الفراء الصغير قال: (أخبرنا هشام بن يوسف) أبو عبد الرحمن قاضي صنعاء (أن ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز (أخبرهم قال: أخبرني) بالإفراد (عطاء) هو ابن أبي رباح (قال: حضرنا مع ابن عباس) ﵄ (جنازة ميمونة) أم المؤمنين بنت الحارث الهلالية (بسرف) بفتح السين وكسر الراء المهملتين بعدها فاء موضع بينه وبين مكة اثنا عشر ميلًا وكان النبي ﷺ بنى بها فيه وعند ابن سعد بإسناد صحيح عن يزيد بن الأصم قال: دفنا ميمونة بسرف في الظلة التي بنى بها فيها رسول الله ﷺ (فقال ابن عباس: هذه زوجة النبي ﷺ فإذا رفعتم نعشها) بالعين المهملة والشين المعجمة سريرها الذي وضعت عليه وهي ميتة (فلا تزعزعوها) بزايين معجمتين وعينين مهملتين (ولا تزلزلوها) أي لا تحركوها حركة شديدة بل سيروا بها سيرًا وسطًا معتدلًا فإن حرمتها بعد موتها باقية كحرمتها في حياتها وللحموي فلا تزعجوها بدل تزعزعوها (وارفقوا) أي بها (فإنه كان عند النبي ﷺ ¬) عند موته (تسع) من الزوجات في عصمته: سودة بنت زمعة، وعائشة، وحفصة، وأم سلمة، وزينب بنت جحش، وأم حبيبة، وجويرية، وصفية، وميمونة. (كان يقسم لثمان) منهن في المبيت عندهن (ولا يقسم لواحدة) منهن وهي سودة وهبت ليلتها لعائشة. ومطابقة الحديث للترجمة ظاهرة، ووجه تعليل ابن عباس الرفق بميمونة بأنه كان يقسم لثمان ولا يقسم لواحدة التنبيه على مكانة ميمونة من وجهين كونها زوجته ﷺ وأنها كانت عنده غير مرغوب عنها لأنها كانت من اللاتي يقسم لهن ﵁ وقد كانت سودة آخر أمهات المؤمنين موتًا. وهذا الحديث أخرجه مسلم في النكاح والنسائي فيه وفي عِشرة النساء. ٥٠٦٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ، وَلَهُ تِسْعُ نِسْوَةٍ. وَقَالَ لِي خَلِيفَةُ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُمْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا يزيد بن زريع) الحناط أبو معاوية البصري قال: (حدّثنا سعيد) بكسر العين ابن أبي عروبة مهران اليشكري البصري (عن قتادة) بن دعامة السدوسي (عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ كان يتطوف على نسائه) أي يجامعهن (في ليلة واحدة وله) يومئذٍ (تسع نسوة) وفي كتاب الغسل وهن إحدى عشرة، لكن قال ابن خزيمة:

стр. 5840

تفرّد بذلك معاذ بن هشام عن أبيه وجمع ابن حبان في صحيحه بين الروايتين بحمل ذلك على حالتين، واختلف في ريحانة هل كانت زوجة أو سرية وجزم ابن إسحاق بأنها اختارت البقاء في ملكه وهي ماتت قبله ﵊؟ فالأكثر على أنها ماتت قبله في سنة عشر، وكذا ماتت زينب بنت خزيمة بعد دخولها عليه بقليل. قال ابن عبد البر: مكثت عنده شهرين أو ثلاثة. قال الحافظ ابن حجر: فعلى هذا لم يجمع عنده من الزوجات أكثر من تسع مع أن سودة وهبت نوبتها لعائشة فرجحت رواية سعيد يعني رواية الباب، لكن تحمل رواية هشام على أنه ضم مارية وريحانة إليهن وأطلق عليهن لفظ نسائه تغليبًا. وبه قال: (قال لي خليفة) بن خياط بن خليفة أبو عمرو العصفري البصري صاحب الطبقات والتاريخ أحد شيوخ المؤلّف (حدّثنا يزيد بن زريع) قال: (حدّثنا سعيد) هو ابن أبي عروبة (عن قتادة أن أنسًا حدّثهم عن النبي ﷺ ¬) وغرض المؤلّف بسياقه بيان تصريح قتادة بتحديث أنس له بذلك. ٥٠٦٩ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَكَمِ الأَنْصَارِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ رَقَبَةَ، عَنْ طَلْحَةَ الْيَامِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: قَالَ لِي ابْنُ عَبَّاسٍ هَلْ تَزَوَّجْتَ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: فَتَزَوَّجْ فَإِنَّ خَيْرَ هَذِهِ الأُمَّةِ أَكْثَرُهَا نِسَاءً. وبه قال: (حدّثنا علي بن الحكم) بفتح الحاء المهملة والكاف (الأنصاري) المروزي قال: (حدّثنا أبو عوانة) الوضاح اليشكري (عن رقبة) بالراء والقاف والموحدة المفتوحات ابن مصقلة بالميم المفتوحة والصاد المهملة الساكنة والقاف واللام المفتوحتين (عن طلحة) بن مصرف (اليامي) بالتحتية وبعد الألف ميم مخففة (عن سعيد بن جبير) أنه (قال: قال لي ابن عباس) ﵄: (هل تزوّجت؟ قلت: لا. قال: فتزوّج فإن خير هذه الأمة) ﷺ (أكثرها نساء) لأنه كان له تسع نسوة والتقييد بهذه الأمة ليخرج مثل سليمان ﵇ لأنه كان أكثر نساء. وقيل المعنى خير أمة محمد من كان أكثر نساء من غيره ممن يتساوى معه فيما عدا ذلك من الفضائل. ٥ - باب مَنْ هَاجَرَ أَوْ عَمِلَ خَيْرًا لِتَزْوِيجِ امْرَأَةٍ فَلَهُ مَا نَوَى هذا (باب) بالتنوين (من هاجر) إلى دار الإسلام (أو عمل خيرًا) كصلاة أو حج أو صدقة أو هجرة (لتزويج امرأة) قال الكرماني: ليجعلها زوجة نفسه أو التفعيل بمعنى التفعل واللام للتعليل (فله ما نوى). ٥٠٧٠ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «الْعَمَلُ بِالنِّيَّةِ وَإِنَّمَا لاِمْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى الله ورسوله فهجرته إلى

стр. 5841

اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ». وبه قال: (حدّثنا يحيى بن قزعة) بفتح القاف والزاي والعين المهملة الحجازي قال: (حدّثنا مالك) الإمام (عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (عن محمد بن إبراهيم بن الحارث) التيمي (عن علقمة بن وقاص) الليثي (عن عمر بن الخطاب ﵁) أنه (قال: قال النبي ﷺ ¬): (العمل) صحيح أو صحة العمل (بالنية) بالإفراد فيهما فالعمل مبتدأ أو الخبر الاستقرار الذي يتعلق به حرف الجر فإن قلت: العامل المقدر في المجرور يقتضي النصب وقد قيل إنه الخبر فكيف يكون في محل نصب. وأجيب: بأن الذي في موضع النصب قوله النية لأنه المفعول الذي وصل إليه العامل بواسطة الباء، والذي في موضع الرفع مجموع بالنية لأنه الذي ناب عن الاستقرار، وكذلك القول في كل مبتدأ خبره ظرف أو مجرور نحو قولك: زيد في الدار وزيد عندك ولفظ إنما ساقط هنا والباء في بالنية للإلصاق لأن كل عمل تلصق به نيته أو للسببية بمعنى أنها مقوّمة للعمل فكأنها سبب في إيجاده وسبق مزيد بحث في ذلك أول الكتاب (وإنما لامرئ) رجل أو امرأة (ما نوى) هذه الجملة مؤكدة للسابقة أو مفيدة غير ما أفادته الأولى لأن الأولى نبهت على أن العمل يتبع النية ويصاحبها فترتب الحكم على ذلك، والثانية أفادت أن العامل لا يحصل له إلا ما نواه. وقال ابن عبد السلام: الأولى لبيان ما يعتبر من الأعمال، والثانية لبيان ما يترتب عليها وأفادت أن النية إنما تشترط في العبادات التي لا تتميز بنفسها، وأما ما يتميز بنفسه فإنه ينصرف بصورته إلى ما وضع له كالأذكار والأودعية والتلاوة لأنها لا تتردد بين العبادة والعادة ولا يخفى أن ذلك إنما هو بالنظر إلى أصل الوضع أما ما حدث فيه عرف كالتسبيح لمتعجب فلا ومع ذلك فلو قصد بالذكر القربة إلى الله تعالى لكان أكثر ثوابًا، ولذا قال في الإحياء: حركة اللسان بالذكر مع الغفلة خير من حركة اللسان بالغيبة بل هو خير من السكوت مطلقًا أي المجرد عن التفكّر. قال: وإنما هو ناقص بالنسبة إلى عمل القلب، (فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله) أي إلى طاعة الله أو إلى عبادة الله من مكة إلى المدينة قبل الفتح (فهجرته إلى الله ورسوله) جواب الشرط وجواب الشرط إذا كان جملة اسمية فلا بد من الفاء أو وإذا قوله تعالى: ﴿وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون﴾ [الروم: ٣٦] والفاء في جواب الشرط للسببية أو التعقيب وظاهره اتحاد الشرط مع الجزاء والقاعدة اختلافهما نحو من أطاع الله أثيب ومن عصاه عوقب واتحادهما غير مفيد لأنه من تحصيل الحاصل وأجاب ابن دقيق العيد بأن التقدير فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله نيّةً وقصدًا فهجرته إلى الله ورسوله ثوابًا وأجْرًا حكمًا وشرعًا. قال ابن مالك: من ذلك قوله ﷺ في حديث حذيفة: ولو مت مت على غير الفطرة وجاز ذلك لتوقف الفائدة على الفضلة ومنه قوله تعالى: ﴿إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم﴾ [الإسراء: ٧] فلولا قوله في الأول على غير الفطرة وفي الثاني لأنفسكم ما صح ولم يكن في الكلام فائدة. قال في العدّة: وإعراب قصد أو نيّة يصح أن يكون خبر كان أي ذات قصد وذات نية

стр. 5842

وتتعلق إلى بالمصدر ويصح أن يكون إلى الله الخبر وقصدًا مصدر في موضع الحال وأما قوله ثوابًا فلا يصح فيه إلا الحال من الضمير في الخبر انتهى. وأعاد المجرور ظاهرًا لا مضمرًا لأنه لم يقل فهجرته إليهما ولم يذكره بلفظ الموصول كالذي بعده لقصد الاستلذاذ بذكر الله ورسوله بخلاف الدنيا والمرأة فإن الاحتقار والإبهام فيهما أولى (ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها) يحصلها استعارة من إصابة الغرض والدنيا عند المتكلمين ما على الأرض والهواء والأظهر أنها كل مخلوق من الجواهر والأعراض الموجودة قبل الدار الآخرة والمراد بها في الحديث المال ونحوه بدليل ذكر المرأة في قوله (أو امرأة ينكحها) وإفرادها بعد دخولها في لفظ دنيا من باب ذكر الخاص بعد العامّ لأن الواقعة المذكورة في قصة المهاجر لتزويج امرأة فذكرت الدنيا مع القصة زيادة في التحذير قالوا: وفيه رد على ابن مالك حيث زعم في شرح عمدته أن عطف الخاص على العام لا يكون إلا بالواو والقصة المذكورة رواها سعيد بن منصور بإسناد صحيح على شرط الشيخين قال: حدّثنا أبو معاوية عن الأعمش عن شقيق عن عبد الله هو ابن مسعود قال: من هاجر يبتغي شيئًا فإنما له ذلك. هاجر رجل ليتزوج امرأة يقال لها أم قيس فكان يقال له مهاجر أم قيس. وليس فيه أن حديث الأعمال سيق بسبب ذلك (فهجرته إلى ما هاجر إليه)، من الدنيا والمرأة حكمًا وشرعًا كما مرّ بما فيه من البحث أوّلًا أو الخبر محذوف في الثاني والتقدير فهجرته إلى ما هاجر إليه من الدنيا والمرأة قبيحة غير صحيحة أو غير مقبولة ولا نصيب له في الآخرة، وعورض بأنه يقتضي أن تكون الهجرة مذمومة مطلقًا وليس كذلك فإن من ينوي بهجرته مفارقة دار الكفر وتزوّج المرأة معًا فلا تكون قبيحة ولا غير صحيحة بل هي ناقصة بالنسبة إلى من كانت هجرته خالصة وإنما أشعر السياق بذم من فعل ذلك بالنسبة إلى من طلب المرأة بصورة الهجرة الخالصة فأما من طلبها مضمومة إلى الهجرة فإنه يُثاب لكن دون ثواب من أخلص وكذا من طلب التزويج فقط لا على صورة الهجرة إلى الله لأنه من الأمر المباح الذي قد يُثاب فاعله إذا قصد به القربة كالإعفاف، كما وقع في قصة إسلام أبي طلحة المروية عند النسائي عن أنس قال: تزوّج أبو طلحة أم سليم فكان صداق ما بينهما الإسلام. أسلمت أم سليم قبل أبي طلحة فخطبها فقالت: إني قد أسلمت فإن أسلمت تزوجتك فأسلم فتزوجته. قال في الفتح: وهو محمول على أنه رغب في الإسلام ودخله من وجهه وضم إلى ذلك إرادة التزويج المباح فصار كمن نوى بصومه العبادة والحمية، وأما إذا نوى العبادة وخالطها شيء مما يغاير الإخلاص، فقد نقل أبو جعفر بن جرير الطبري عن جمهور السلف أن الاعتبار بالابتداء فإن كان في ابتدائه لله خالصًا لم يضره ما عرض له بعد ذلك من إعجاب وغيره والله أعلم. ٦ - باب تَزْوِيجِ الْمُعْسِرِ الَّذِي مَعَهُ الْقُرْآنُ وَالإِسْلَامُ. فِيهِ سَهْلٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ - (باب تزويج المعسر) الذي ليس معه شيء من المال (الذي معه القرآن والإسلام فيه) أي في

стр. 5843

الباب (سهل) الساعدي الأنصاري ولأبي ذر والأصيلي وابن عساكر سهل بن سعد ﵁ (عن النبي ﷺ ¬) السابق موصولًا في باب القراءة عن ظهر القلب في قصة الواهبة نفسها وقوله ﵊ للرجل الذي قال: يا رسول الله إن لم يكن لك بها حاجة فزوّجنيها "اذهب إلى أهلك فانظر هل تجد شيئًا فذهب ثم رجع فقال: لا والله يا رسول الله ولا خاتمًا من حديد، وقوله ﵇ له: "ماذا معك من القرآن" قال: معي سورة كذا وكذا عدّها قال: "أتقرؤهن عن ظهر قلبك"؟ قال: نعم. قال: "اذهب فقد ملّكتكها بما معك من القرآن". ٥٠٧١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِي قَيْسٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: كُنَّا نَغْزُو مَعَ النَّبِيِّ ﷺ لَيْسَ لَنَا نِسَاءٌ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا نَسْتَخْصِي؟ فَنَهَانَا عَنْ ذَلِكَ. وبه قال: (حدّثنا محمد بن المثنى) العنزي الحافظ قال: (حدّثنا يحيى) بن سعيد القطان قال: (حدّثنا إسماعيل) بن أبي خالد سعد البجلي الكوفي قال: (حدّثني) بالإفراد (قيس) هو ابن أبي حازم عوف الأحمسي (عن ابن مسعود) عبد الله (¬﵁¬) أنه (قال: كنا نغزو مع النبي ﷺ ليس لنا نساء فقلنا: يا رسول الله ألا) بفتح الهمزة وتخفيف اللام (نستخصي) لتزول عنا شهوة الجماع (فنهانا عن ذلك) لما فيه من ضرر النفس وقطع النسل المقصود بالنكاح شرعًا. ومطابقة الحديث للترجمة كما قال ابن المنير: أنه ﵊ نهاهم عن الاستخصاء ووكّلهم إلى النكاح فلو كان المعسر لا ينكح وهو ممنوع من الاستخصاء لكلف شططًا وكان كلٌّ منهم لا بد وأن يحفظ شيئًا من القرآن فتعين التزويج بما معهم من القرآن فحكم الترجمة من حديث سهل بالتنصيص ومن حديث ابن مسعود بالاستدلال. وهذا الحديث قد سبق في التفسير. ٧ - باب قَوْلِ الرَّجُلِ لأَخِيهِ انْظُرْ أَيَّ زَوْجَتَيَّ شِئْتَ حَتَّى أَنْزِلَ لَكَ عَنْهَا، رَوَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ (باب قول الرجل لأخيه انظر أيّ زوجتيّ) بتشديد الياء (شئت حتى أنزل لك عنها) بفتح الهمزة وكسر الزاي أي أطلقها فإذا انقضت عدّتها تزوجها (رواه) أي المذكور في الترجمة (عبد الرحمن بن عوف) كما سبق موصولًا في البيع. ٥٠٧٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ: قَدِمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ فَآخَى النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ الأَنْصَارِيِّ، وَعِنْدَ الأَنْصَارِيِّ امْرَأَتَانِ، فَعَرَضَ عَلَيْهِ أَنْ يُنَاصِفَهُ أَهْلَهُ وَمَالَهُ فَقَالَ: بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِي أَهْلِكَ وَمَالِكَ، دُلُّونِي عَلَى السُّوقِ، فَأَتَى السُّوقَ، فَرَبِحَ شَيْئًا مِنْ أَقِطٍ وَشَيْئًا مِنْ سَمْنٍ، فَرَآهُ النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَ أَيَّامٍ

стр. 5844

وَعَلَيْهِ وَضَرٌ مِنْ صُفْرَةٍ، فَقَالَ: «مَهْيَمْ يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ». فَقَالَ: تَزَوَّجْتُ أَنْصَارِيَّةً قَالَ: «فَمَا سُقْتَ»؟ قَالَ: وَزْنَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ. قَالَ: «أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ». وبه قال: (حدّثنا محمد بن كثير) العبدي (عن سفيان) الثوري (عن حميد الطويل) أنّه (قال: سمعت أنس بن مالك) ﵁ (قال: قدم عبد الرحمن بن عوف) من مكة إلى المدينة مهاجرًا (فآخى النبي ﷺ بينه وبين سعد بن الربيع الأنصاري) بسكون عين سعد (وعند الأنصاري امرأتان فعرض عليه) أي على عبد الرحمن (أن يناصفه أهله وماله فقال) له عبد الرحمن: (بارك الله لك في أهلك ومالك دلوني على السوق فأتى السوق فربح شيئًا من أقط وشيئًا من سمن فرآه النبي ﷺ بعد أيام وعليه وضر) بفتح الواو والضاد المعجمة وبالراء لطخ من خلوق (من صفرة فقال) ﵊: (مهيم) بفتح الميم وسكون الهاء وفتح الياء بعدها ميم ساكنة أي ما حالك وما شأنك (يا عبد الرحمن؟ فقال: تزوجت) يا رسول الله (أنصارية قال: فما سقت) زاد أبو ذر عن المستملي إليها (قال) سقت إليها (وزن نواة من ذهب) خمسة دراهم (قال: أولم ولو بشاة). وهذا الحديث قد مرّ في البيع. ٨ - باب مَا يُكْرَهُ مِنَ التَّبَتُّلِ وَالْخِصَاءِ (باب ما يكره من التبتل) بموحدة بين فوقيتين ثانيتهما مشدّدة أي الانقطاع عن النساء وترك التزويج للعبادة (والحصاء) بكسر الخاء المعجمة والمد وهو الشق على الأُنثيين وانتزاعهما. ٥٠٧٣ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ أَخْبَرَنَا ابْنُ شِهَابٍ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ يَقُولُ سَمِعْتُ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ يَقُولُ: رَدَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ التَّبَتُّلَ، وَلَوْ أَذِنَ لَهُ لَاخْتَصَيْنَا. [الحديث ٥٠٧٣ - أطرافه في: ٥٠٧٤]. وبه قال: (حدّثنا أحمد بن يونس) التميمي اليربوعي الكوفي قال: (حدّثنا إبراهيم بن سعد) بسكون العين ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف قال: (أخبرنا ابن شهاب) محمد بن مسلم أنه (سمع سعيد بن المسيب يقول: سمعت سعد بن أبي وقاص يقول: ردّ رسول الله ﷺ على عثمان بن مظعون) بالظاء المعجمة الساكنة (التبتل) أي ردّ عليه اعتقاد مشروعية التبتل كأنه لما رآه عبادة وليس كذلك ردّه عليه لأن كل ما يفعله العبد تقربًا إلى الله تعالى بقصد أن يتوصل به إلى رضا الله ورسوله وليس من الشرع فهو مردود فردّ ﷺ ما كان من ذلك خارجًا عن شرعه وسنته ولم يأذن له (ولو أذن) ﷺ (له) أي لابن مظعون في ترك النكاح (لاختصينا) افتعال من خصيته سللت خصيته فهو خصيّ بفتح أوّله ومخصيّ أي: لفعلنا فعل من يختصي بأن نفعل ما يُزيل الشهوة، وليس المراد إخراج الخصيتين لأنه حرام أو هو على ظاهره وكان قبل النهي عن الاختصاء.

стр. 5845

قال في الفتح ويؤيده توارد استئذان جماعة من الصحابة النبي ﷺ في ذلك كأبي هريرة وابن مسعود وغيرهما. قال في شرح المشكاة: وكان من حق الظاهر أن يقال لو أذن له لتبتلنا فعدل إلى قوله اختصينا إرادة للمبالغة أي لو أذن لنا بالغنا في التبتل حتى يفضي بنا الأمر إلى الاختصاء ولم يرد حقيقة الاختصاء لأنه غير جائز. قال في الفتح: وإنما كان التعبير بالخصاء أبلغ من التعبير بالتبتل لأن وجود الآلة يقتضي استمرار وجود الشهوة ووجود الشهوة ينافي المراد من التبتل فيتعين الخصاء طريقًا إلى تحصيل المطلوب وغايته أن فيه ألمًا عظيمًا في العاجل يغتفر في جنب ما يندفع به في الآجل فهو كقطع الأصبع إذا وقعت في اليد المتأكلة صيانة لبقية اليد وليس الهلاك بالخصاء محققًا بل هو نادر. وهذا الحديث أخرجه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة في النكاح. ٥٠٧٤ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ سَمِعَ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ يَقُولُ: لَقَدْ رَدَّ ذَلِكَ يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ عَلَى عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ، وَلَوْ أَجَازَ لَهُ التَّبَتُّلَ لَاخْتَصَيْنَا. وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (سعيد بن المسيب أنه سمع سعد بن أبي وقاص يقول: لقد ردّ ذلك) أي اعتقاد مشروعية التبتل (يعني النبي ﷺ عثمان بن مظعون) ثبت ابن مظعون لأبي الوقت (ولو أجاز) ﷺ (له التبتل لاختصينا) لدفع شهوة النساء ليمكننا التبتل حينئذٍ ولعلهم كانوا يظنون جوازه ولم يكن هذا الظن موافقًا فإن الاختصاء حرام في الآدمي وغيره من الحيوانات إلا المأكول فيجوز في صغره ويحرم في كبره. ٥٠٧٥ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ إِسْمَاعِيلَ عَنْ قَيْسٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَيْسَ لَنَا شَيْءٌ، فَقُلْنَا: أَلَا نَسْتَخْصِي فَنَهَانَا عَنْ ذَلِكَ ثُمَّ رَخَّصَ لَنَا أَنْ نَنْكِحَ الْمَرْأَةَ بِالثَّوْبِ، ثُمَّ قَرَأَ عَلَيْنَا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [المائدة: ٨٧]. وبه قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) البلخي قال: (حدّثنا جرير) هو ابن عبد الحميد (عن إسماعيل) بن أبي خالد البجلي (عن قيس) هو ابن أبي حازم أنه (قال: قال عبد الله) بن مسعود ﵁: (كنا نغزو مع رسول الله ﷺ وليس لنا) من المال (فقلنا) أي لرسول الله ﷺ : (ألا نستخصي) أي ألا نستدعي من يفعل بنا الخصاء أو نعالج ذلك بأنفسنا (فنهانا) ﷺ (عن ذلك) نهي تحريم لما فيه من تعذيب النفس والتشويه وإبطال معنى الرجولية وتغيير خلق الله وكفر النعمة لأن خلق الشخص رجلًا من النعم العظيمة، فإذا أزال ذلك فقد تشبه بالمرأة واختار النقص على الكمال. (ثم رخص) ﵊ (لنا) بعد ذلك (أن ننكح المرأة بالثوب) أي إلى أجل

стр. 5846

في نكاح المتعة (ثم قرأ علينا) أي عبد الله بن مسعود كما في رواية مسلم وكذا الإسماعيلي في تفسير المائدة (﴿يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم﴾) ما طاب ولذّ من الحلال ومعنى لا تحرموا لا تمنعوها أنفسكم كمنع التحريم أو لا تقولوا حرمناها على أنفسنا مبالغة منكم في العزم على تركها تزهدًا منكم وتقشفًا وعن ابن مسعود أن رجلًا قال له: إني حرمت الفراش فتلا هذه الآية. وقال: نم على فراشك وكفر عن يمينك ودعي الحسن إلى طعام ومعه فرقد السبخي وأصحابه فقعدوا على المائدة وعليها ألوان من الدجاج المسمن والفالوذج وغير ذلك فاعتزل فرقد ناحية فسأل الحسن أهو صائم قالوا لا ولكنه يكره هذه الألوان فأقبل الحسن عليه، وقال: يا فريقد أترى لُعاب النحل بلباب البر بخالص السمن يعيبه مسلم (﴿ولا تعتدوا﴾) أي لا تتجاوزوا الحدّ الذي حدّ عليكم في تحريم أو تحليل أو ولا تتعدّوا حدود ما أحل لكم إلى ما حرم عليكم (﴿إن الله لا يحب المعتدين﴾) [المائدة: ٨٧] حدوده. قال الراغب: لما ذكر تعالى حال الذين قالوا إنا نصارى ذكر أن منهم قسيسين ورهبانًا فمدحهم بذلك، وكانت الرهابنة قد حرموا على أنفسهم طيبات ما أحل الله لهم ورأى الله تعالى قومًا تشوّفوا إلى حالهم وهموا أن يقتدوا بهم نهاهم عن ذلك. فإن قلت: لِمَ لم يقل والله يبغض المعتدين ليكون أبلغ؟ أجيب: بل المذكور أبلغ لأن من المعتدين من لا يوصف بأن الله يبغضه ويوصف بأن الله لا يحبه وهو من لم يكن اعتداؤه كثيرًا. قال في الفتح: وظاهر استشهاد ابن مسعود بهذه الآية هنا يشعر بأنه كان يرى جواز المتعة ويأتي إن شاء الله تعالى البحث، في ذلك بعون الله تعالى. ٥٠٧٦ - وَقَالَ أَصْبَغُ: أَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي رَجُلٌ شَابٌّ، وَأَنَا أَخَافُ عَلَى نَفْسِي الْعَنَتَ، وَلَا أَجِدُ مَا أَتَزَوَّجُ بِهِ النِّسَاءَ، فَسَكَتَ عَنِّي. ثُمَّ قُلْتُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَسَكَتَ عَنِّي ثُمَّ قُلْتُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَسَكَتَ عَنِّي ثُمَّ قُلْتُ مِثْلَ ذَلِكَ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ جَفَّ الْقَلَمُ بِمَا أَنْتَ لَاقٍ، فَاخْتَصِ عَلَى ذَلِكَ أَوْ ذَرْ». (وقال أصبغ) بن الفرج وراق عبد الله بن وهب فيما وصله جعفر الفريابي في كتاب القدر والجوزقي في الجمع بين الصحيحين (أخبرني) بالإفراد (ابن وهب) عبد الله (عن يونس بن يزيد) الأيلي (عن ابن شهاب) محمد الزهري (عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف (عن أبي هريرة ﵁) أنه (قال: قلت يا رسول الله: إني رجل شاب وأنا) ولأبي ذر عن الكشميهني وإني (أخاف على نفسي العنت) بفتح العين المهملة والنون والفوقية أي الزنا (ولا أجد ما أتزوّج به النساء) زاد في رواية حرملة فائذن لي أختصي (فسكت) ﷺ (عني ثم قلت: مثل ذلك فسكت عني، ثم قلت مثل ذلك فسكت عني، ثم قلت مثل ذلك فقال النبي ﷺ ¬):

стр. 5847

(يا أبا هريرة جف القلم بما أنت لاقٍ) أي نفذ المقدور بما كتب في اللوح المحفوظ فبقي القلم الذي كتب به جافًّا لا مداد فيه لفراغ ما كتب به (فاختص) بكسر الصاد المهملة المخففة أمر من الاختصاء (على ذلك) أي فاختص حال استعلائك على العلم بأن كل شيء بقضاء الله وقدره فالجار والمجرور متعلق بمحذوف (أو ذر) أي أترك وفي رواية الطبري فاقتصر بالراء بعد الصاد ومعناه كما في شرح المشكاة اقتصر على الذي أمرتك به أو اتركه وافعل ما ذكر من الخصاء، وعلى الروايتين فليس الأمر فيه لطلب الفعل بل هو للتهديد كقوله تعالى: ﴿وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر﴾ [الكهف: ٢٩]. ٩ - باب نِكَاحِ الأَبْكَارِ وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لِعَائِشَةَ: لَمْ يَنْكِحِ النَّبِيُّ ﷺ بِكْرًا غَيْرَكِ (باب نكاح الأبكار. وقال ابن أبي مليكة) عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة واسمه زهير الأحول المكي فيما وصله المؤلّف في تفسير سورة النور (قال ابن عباس لعائشة) ﵃: (لم ينكح النبي ﷺ بكرًا غيرك) والبكر هي التي لم توطأ. ٥٠٧٧ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي أَخِي عَنْ سُلَيْمَانَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ لَوْ نَزَلْتَ وَادِيًا وَفِيهِ شَجَرَةٌ قَدْ أُكِلَ مِنْهَا، وَوَجَدْتَ شَجَرًا لَمْ يُؤْكَلْ مِنْهَا، فِي أَيِّهَا كُنْتَ تُرْتِعُ بَعِيرَكَ؟ قَالَ: «فِي الَّتي لَمْ يُرْتَعْ مِنْهَا». تَعْنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَتَزَوَّجْ بِكْرًا غَيْرَهَا. وبه قال: (حدّثنا إسماعيل بن عبد الله) هو ابن أبي أويس القرشي التيمي ابن أخت الإمام مالك بن أنس وصهره على ابنته (قال: حدّثني) بالإفراد (أخي) عبد الحميد أبو بكر الأعشى (عن سليمان) بن بلال (عن هشام بن عروة عن أبيه) عروة بن الزبير بن العوّام (عن عائشة ﵂) أنها (قالت: قلت: يا رسول الله أرأيت) أي أخبرني (لو نزلت واديًا وفيه شجرة قد أكل منها) بضم الهمزة وكسر الكاف (ووجدت شجرة لم يؤكل منها) بالإفراد في شجرة في الموضعين. وقال في الفتح: وفي رواية أبي ذر وفيه شجرة قد أكل منها ووجدت شجرًا يعني بالإفراد في الأولى والجمع في الثانية. قلت: وهو الذي في اليونينية من غير عزو لرواية. وذكره الحميدي بلفظ فيه شجر قد أكل منها، وكذا في مستخرج أبي نعيم بلفظ الجمع وهو أصوب لقولها (في أيها) أي في أي الشجر (كنت ترتع بعيرك) بضم أوّله وكسر ثالثه ولو أرادت الموضعين لقالت في أيّهما (قال) ﷺ : ارتع (في) الشجر (التي لم يرتع منها) بضم التحتية وفتح الفوقية والراء بينهما ساكنة وزاد أبو نعيم فأنا هيه بكسر الهاء وفتح التحتية وسكون الهاء وهي للسكت (يعني) بالتحتية في الفرع وبالفوقية في غيره وهو الذي في اليونينية أي تعني عائشة (أن رسول الله ﷺ لم يتزوّج بكرًا غيرها)

стр. 5848

وهذا فيه غاية بلاغة عائشة وحسن تأنيها في الأمور كما قاله في الفتح، وما أحسن قول الحريري في تفضيل البكر حيث قال: أما البكر فالدرة المخزونة، والبيضة المكنونة، والثمرة الباكورة، والسلافة المدخورة، والروضة الأنف، والطوق الذي ثمن وشرف لم يدنسها لامس، ولا استغشاها لابس ولا مارسها عابث، ولا واكسها طامث، لها الوجه الحييّ والطرف الخفي، والغزالة المغازلة، والملحة الكاملة، والوشاح الطاهر القشيب، والضجيع الذي يشب ولا يشيب. ٥٠٧٨ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أُرِيتُكِ فِي الْمَنَامِ مَرَّتَيْنِ، إِذَا رَجُلٌ يَحْمِلُكِ فِي سَرَقَةِ حَرِيرٍ فَيَقُولُ: هَذِهِ امْرَأَتُكَ، فَأَكْشِفُهَا فَإِذَا هِيَ أَنْتِ. فَأَقُولُ: إِنْ يَكُنْ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ يُمْضِهِ». وبه قال: (حدّثنا عبيد بن إسماعيل) القرشي الهباري من ولد هبار بن الأسود الكوفي وكان اسمه عبد الله وعبيد لقب غلب عليه وعرف به، قال: (حدّثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة (عن هشام عن أبيه) عروة بن الزبير (عن عائشة) ﵂ أنها (قالت: قال رسول الله ﷺ ¬): (أريتك) بضم الهمزة وكسر الراء والكاف (في المنام مرتين إذا رجل) ملك في صورة رجل وفي الترمذي أنه جبريل (يحملك) أي صورتك (في سرقة حرير) بفتح السين والراء المهملتين ثم قاف أي قطعة حرير (فيقول: هذه امراتك) زاد ابن حبان في الدنيا والآخرة (فأكشفها) أي السرقة (فإذا هي) أي الصورة التي في السرقة (أنت فأقول: إن يكن هذا) الذي رأيته (من عند الله يمضه) بضم أوله من الإمضاء. فإن قلت: رؤيا الأنبياء وحي فما معنى قوله إن يكن؟ أجيب: باحتمال أن تكون هذه الرؤيا قبل النبوة وبعدها فعلى الأول لا إشكال، وعلى الثاني فلها ثلاثة أوجه أن تكون على ظاهرها فلا تحتاج إلى تعبير فسيمضيها الله تعالى وينجزها أو تحتاج إلى تعبير وتفسير وصرف عن ظاهرها كأن يخرج على مثالها كأختها أو قريبتها أو سميتها فالشك عائد إلى أنها على ظاهرها أو تحتاج إلى تعبير أو المراد إن كانت هذه الزوجية في الدنيا أو في الآخرة أو لم يشك، ولكن أخبر على التحقيق وأتى بصورة الشك وهذا نوع من أنواع البلاغة يسمى مزج الشك باليقين قاله القاضي عياض. وهذا الحديث أخرجه أيضًا في التعبير ومسلم في الفضائل، ونقل في المصابيح عن ابن المنير أن من خصائص عائشة ﵂ أنها ولدت مسلمة بإسلام أبيها قبل ولادتها قال: وهذا لازم لأهل السير والتواريخ فيما ينقلونه ولم أر أحدًا انتزعه قبل ذلك والله أعلم. ١٠ - باب الثَّيِّبَاتِ وَقَالَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ قَالَ: لِي النَّبِيُّ ﷺ : «لَا تَعْرِضْنَ عَلَيَّ بَنَاتِكُنَّ وَلَا أَخَوَاتِكُنَّ» (باب الثيبات) اللاتي تزوجن، ولأبي ذر باب تزويج الثيبات (وقالت أم حبيبة) أم المؤمنين

стр. 5849

رملة بنت أبي سفيان الأموي مما وصله في باب وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم الآتي إن شاء الله تعالى (قال النبي) ولأبوي ذر والوقت والأصيلي وابن عساكر قال لي النبي (¬ ﷺ ¬) مخاطبًا لأزواجه (لا تعرضن) بفتح التاء وسكون العين المهملة وكسر الراء وسكون الضاد المعجمة مصححًا عليها في الفرع (عليّ بناتكن ولا أخواتكن) لحرمتهن لأنهن ربائبه وهو يحقق أنه ﵊ تزوج الثيب ذات البنت من غيره، فحصلت المطابقة بين الحديث والترجمة. ٥٠٧٩ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ حَدَّثَنَا سَيَّارٌ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَفَلْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ غَزْوَةٍ، فَتَعَجَّلْتُ عَلَى بَعِيرٍ لِي قَطُوفٍ، فَلَحِقَنِي رَاكِبٌ مِنْ خَلْفِي فَنَخَسَ بَعِيرِي بِعَنَزَةٍ كَانَتْ مَعَهُ، فَانْطَلَقَ بَعِيرِي كَأَجْوَدِ مَا أَنْتَ رَاءٍ مِنَ الإِبِلِ، فَإِذَا النَّبِيُّ ﷺ ، فَقَالَ: «مَا يُعْجِلُكَ»؟ قُلْتُ: كُنْتُ حَدِيثَ عَهْدٍ بِعُرُسٍ. قَالَ: «بِكْرًا أَمْ ثَيِّبًا»؟ قُلْتُ: ثَيِّبٌ قَالَ: «فَهَلاَّ جَارِيَةً تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُكَ». قَالَ: فَلَمَّا ذَهَبْنَا لِنَدْخُلَ قَالَ: «أَمْهِلُوا حَتَّى تَدْخُلُوا لَيْلًا -أَيْ عِشَاءً- لِكَىْ تَمْتَشِطَ الشَّعِثَةُ وَتَسْتَحِدَّ الْمُغِيبَةُ». وبه قال: (حدّثنا أبو النعمان) محمد بن الفضل السدوسي قال: (حدّثنا هشيم) بضم الهاء وفتح الشين المعجمة ابن بشير بضم الموحدة وفتح الشين المعجمة قال: (حدّثنا سيار) بفتح السين المهملة وتشديد التحتية ابن أبي سيار واسمه وردان العنزي الواسطي (عن الشعبي) عامر بن شراحيل (عن جابر بن عبد الله) الأنصاري ﵄ أنه (قال: قفلنا) رجعنا (مع النبي ﷺ من غزوة) هي غزوة تبوك (فتعجلت على بعير لي قطوف) بفتح القاف أي بطيء (فلحقني راكب من خلفي فنخس بعير بعنزة) عصا طويلة أقصر من الرمح (كانت معه فانطلق بعيري كأجود ما أنت راءٍ من الإبل) بتنوين راء (فإذا) هو (النبي ﷺ فقال) لي: (ما يعجلك)؟ بضم التحتية وسكون العين وكسر الجيم أي ما سبب إسراعك (قلت: كنت حديث عهد بعرس) بضم العين والراء المهملتين في الفرع كأصله وفي نسخة بسكون الراء أي قريب البناء بامرأة (قال) ﷺ : أتزوجت (بكرًا) ولأبي ذر أبكرًا بإثبات همزة الاستفهام (أم) تزوجت (ثيبًا؟ قلت) هي (ثيب) ولأبي ذر ثيبًا نصب بتقدير تزوجت (قال) ﵊: (فهلا) تزوجت (جارية) بكرًا (تلاعبها وتلاعبك) وعند الطبراني من حديث كعب بن عجرة أنه ﷺ قال لرجل فذكر الحديث نحو حديث جابر وفيه تعضها وتعضك، وكلمة هلا للتحضيض (قال) جابر: (فلما ذهبنا) لندخل المدينة (قال) ﵊: (أمهلوا) بهمزة قطع (حتى تدخلوا ليلًا أي عشاءً) قال الحافظ ابن حجر: وهذا يعارضه الحديث الآخر الآتي قبيل أبواب الطلاق لا يطرق أحدكم أهله ليلًا وهو من طريق الشعبي عن جابر أيضًا ويجمع بينهما بأن الذي في الباب لمن علم خبر مجيئه والعلم بوصوله والآتي لمن قدم بغتة (لكي تمتشط الشعثة) بفتح الشين المعجمة، وكسر العين المهملة، وفتح المثلثة، المنتشرة الشعر المغبرة الرأس الغير المتزينة (وتستحد المغيبة) بضم الميم

стр. 5850

وكسر الغين المعجمة وسكون التحتية بعدها موحدة أي تستعمل الحديدة وهي الموسى في إزالة الشعر من غاب عها زوجها أي لأن تتهيأ وتتزين لزوجها بامتشاط الشعر وتنظيف البدن. وهذا الحديث قد سبق مطوّلًا ومختصرًا في البيوع والاستقراض والشروط والجهاد. ٥٠٨٠ - حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا مُحَارِبٌ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ يَقُولُ تَزَوَّجْتُ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . «مَا تَزَوَّجْتَ»؟ فَقُلْتُ: تَزَوَّجْتُ ثَيِّبًا. فَقَالَ: «مَا لَكَ وَلِلْعَذَارَى وَلِعَابِهَا». فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، فَقَالَ عَمْرٌو سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «هَلاَّ جَارِيَةً تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُكَ». وبه قال: (حدّثنا آدم) بن أبي إياس قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج قال: (حدّثنا محارب) بضم الميم وفتح الحاء المهملة وبعد الألف راء مكسورة فموحدة ابن دثار بكسر الدال المهملة وفتح المثلثة آخره راء السدوسي (قال: سمعت جابر بن عبد الله رضي الله عهما يقول تزوّجت فقال لي رسول الله ﷺ ¬): (ما تزوّجت؟ فقلت): يا رسول الله ﷺ (تزوجت ثيبًا. فقال) ﷺ : (ما لك وللعذارى) بالذال المعجمة أي الأبكار (ولعابها) بكسر اللام مصدر من الملاعبة يقال: لاعب لعابًا وملاعبة. قال في الفتح: وفي رواية المستملي ولعابها بضم اللام والمراد به الريق وفيه إشارة إلى مصّ لسانها ورشف شفتها وذلك يقع عند الملاعبة والتقبيل وليس ببعيد كما قاله القرطبي، يؤيده أنه بمعنى آخر غير المعنى الأول وعند ابن ماجة عليكم بالأبكار فإنهن أعذب أفواهًا وأنتق أرحامًا بنون وفوقية أي أكثر حركة قال محارب: (فذكرت ذلك) وهو قوله ما لك وللعذارى (لعمرو بن دينار فقال عمرو: وسمعت جابر بن العبد الله يقول: قال لي رسول الله ﷺ : هلا جارية تلاعبها وتلاعبك) تعليل لتزويج البكر لما في من الإلفة التامة فإن الثيب قد تكون متعلقة القلب بالزوج الأول، فلم تكن محبتها كاملة بخلاف البكر وذكر ابن سعد أن اسم امرأة جابر المذكورة سهلة بنت مسعود بن أوس بن مالك الأنصارية الأوسية وقد كان بين تزويج جابر لهذه المرأة وسؤاله ﷺ له عن ذلك مدة طويلة. ١١ - باب تَزْوِيجِ الصِّغَارِ مِنَ الْكِبَارِ (باب) حكم (تزويج الصغار من الكبار في السن). ٥٠٨١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ يَزِيدَ عَنْ عِرَاكٍ، عَنْ عُرْوَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَطَبَ عَائِشَةَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّمَا أَنَا أَخُوكَ، فَقَالَ: «أَنْتَ أَخِي فِي دِينِ اللَّهِ وَكِتَابِهِ، وَهْيَ لِي حَلَالٌ». وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (عن
следующие страницы →