Полный текст (8 298 стр.). Показаны 7421–7460 · переход к 7426.
стр. 7421
داود من مرسل مكحول من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: جعل النبي ﷺ ميراث ابن الملاعنة لأمه ولورثتها من بعدها، وعند أصحاب السنن الأربعة وحسنه الترمذي وصححه الحاكم عن واثلة رفعه: تحوز المرأة ثلاثة مواريث عتيقها ولقيطها وولدها الذي لاعنت عليه، وفيه عمر بن روبة بضم الراء وسكون الواو بعدها موحدة مختلف فيه ووثقه أحمد وله شاهد من حديث ابن عمر عند ابن المنذر، وفي اللعان من حديث سهل بن سعد ثم جرت السنة في ميراثها أنها ترثه ويرث منها ما فرض الله له.
وحديث الباب سبق في مواضع كالتفسير والملاعنة.
١٨ - باب الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ حُرَّةً كَانَتْ أَوْ أَمَةً
هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه (الولد للفراش) بكسر الفاء أي لصاحب الفراش (حرة كانت) أي المستفرشة (أو أمة).
٦٧٤٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ عُتْبَةُ عَهِدَ إِلَى أَخِيهِ سَعْدٍ أَنَّ ابْنَ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ مِنِّى فَاقْبِضْهُ إِلَيْكَ، فَلَمَّا كَانَ عَامَ الْفَتْحِ أَخَذَهُ سَعْدٌ فَقَالَ ابْنُ أَخِى عَهِدَ إِلَىَّ فِيهِ، فَقَامَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ فَقَالَ: أَخِى وَابْنُ وَلِيدَةِ أَبِى وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ فَتَسَاوَقَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ابْنُ أَخِى قَدْ كَانَ عَهِدَ إِلَىَّ فِيهِ، فَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ: أَخِى وَابْنُ وَلِيدَةِ أَبِى وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ بْنَ زَمْعَةَ، الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ»، ثُمَّ قَالَ لِسَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ: «احْتَجِبِى مِنْهُ» لِمَا رَأَى مِنْ شَبَهِهِ بِعُتْبَةَ فَمَا رَآهَا حَتَّى لَقِىَ اللَّهَ.
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) أبو محمد الدمشقي ثم التنيسي الكلاعي الحافظ قال: (أخبرنا مالك) الإمام الأعظم (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن عروة) بن الزبير (عن عائشة ﵂) أنها (قالت: كان عتبة) بضم العين وسكون الفوقية وفتح الموحدة ابن أبي وقاص (عهد إلى أخيه سعد) اختلف في صحبته وجزم السفاقسي والدمياطي أنه مات كافرًا وقوله عهد بفتح العين وكسر الهاء أي أوصاه (أن ابن وليدة زمعة) بفتح الواو وكسر اللام أي جارية زمعة بفتح الزاي وسكون الميم وقد تفتح ابن قيس ولم تسم الوليدة نعم ذكر مصعب الزبيري وابن أخيه الزبيري في نسب قريش أنها كانت أمة يمانية وأما ولدها فعبد الرَّحمن (مني) أي ابني (فاقبضه إليك) بكسر الموحدة (فلما كان عام الفتح) بنصب عام بتقدير في وبالرفع اسم كان (أخذه سعد فقال) هذا (ابن أخي) عتبة (عهد إليّ فيه) بتشديد الياء من إليّ (فقام عبد بن زمعة فقال) هو (أخي وابن وليدة أبي) أي جارية أبي زمعة (ولد على فراشه) من أمته المذكورة، وقد كانت عادة الجاهلية إلحاق النسب بالزنا، وكانوا يستأجرون الإماء للزنا فمن اعترفت الأم أنه له ألحق به ولم
стр. 7422
يقع إلحاق بأن وليدة زمعة في الجاهلية، وقيل كانت موالي الولائد يخرجونهن للزنا ويضربون عليهن الضرائب وكانت وليدة زمعة كذلك. قال في الفتح: والذي يظهر في سياق القصة أنها كانت أمة مستفرشة لزمعة فزنى بها عتبة، وكانت عادة الجاهلية في مثل ذلك أن السيد إن استحلقه لحقه وإن نفاه انتفى عنه وإن ادعاه غيره كان مردّ ذلك إلى السيد أو القافة فظهر بها حمل كان يظن أنه من عتبة فاختصم فيه (فتساوقا) أي تماشيا وتلازما بحيث أن كلاًّ منهما كان كالذي يسوق الآخر (إلى النبي ﷺ فقال سعد: يا رسول الله) هذا (ابن أخي قد كان) أخي عتبة (عهد إليّ فيه) أنه ابنه (فقال عبد بن زمعة) هو (أخي وابن وليدة أبي ولد على فراشه) سقط قوله فقال سعد الخ لأبي ذر (فقال النبي ﷺ ¬):
(هو) أي الولد (لك يا عبد) بالضم ويفتح (ابن زمعة) بنصب ابن أبي هو أخوك إما بالاستلحاق وإما بالقضاء بعلمه ﷺ لأن زمعة كان صهره أو هو لك ملكًا لأنه ابن وليدة أبيه من غيره لأن زمعة لم يقربه ولا شهدت به القافة عليه، والأصول تدفع قول ابنه فلم يبق إلا أنه عبد تبعًا لأمه قاله ابن جرير: وقال الطحاوي: معناه هو بيدك تدفع بها غيرك حتى يأتي صاحبه لا أنه ملك لك بدليل أمر سورة بالاحتجاب، ويؤيد الأول رواية البخاري في المغازي هو لك فهو أخوك يا عبد لكن في مسند أحمد وسنن النسائي ليس لك بأخ لكن أعلها البيهقي. وقال المنذري إنها زيادة غير ثابتة. وقال البيهقي: معنى قوله ليس لك بأخ أي شبيهًا فلا يخالف قوله لعبد هو أخوك. وقال في الفتح: أو معنى قوله ليس لك بأخ بالنسبة للميراث من زمعة لأن زمعة مات كافرًا وخلف عبد بن زمعة والولد المذكور وسودة فلا حق لسودة في إرثه بل حازه عبد قبل الاستلحاق فإذا استلحق الابن المذكور شاركه في الإرث دون سودة فلذا قال لعبد: هو أخوك، وقال لسودة ليس لك بأخ (الولد للفراش) أي لصاحب الفراش فهو على حذف مضاف أي زوجًا كان أو مولى حرة كانت أو أمة (وللعاهر) وللزاني (الحجر) أي لا حق له في النسب كقولهم له التراب عبر به عن الخيبة أي لا شيء له وقيل معناه وللزاني الرجم بالحجر واستبعد بأن ذلك ليس لجميع الزناة بل للمحصن بخلاف حمله على الخيبة فإنه على عمومه وأيضًا الحديث إنما هو في نفي الولد عنه لا في رجمه (ثم قال) صلوات الله وسلامه عليه: (لسودة بنت زمعة) أم المؤمنين ﵂ (احتجبي منه) أي من عبد الرَّحمن استحبابًا للاحتياط (لما رأى) بكسر اللام وتخفيف الميم أي لأجل ما رأى (من شبهه) البين (بعتبة فلما رآها) عبد الرَّحمن (حتى لقي الله) .
وفي الحديث أن الاستلحاق لا يختص بالأب بل للأخ أن يستحلق وهو قول الشافعية وجماعة بشرط أن يكون الأخ حائزًا أو يوافقه باقي الورثة وإمكان كونه من المذكور وأن يكون يوافق على ذلك إن كان بالغًا وعاقلاً وأن لا يكون معروف الأب.
والحديث سبق في البيوع والوصايا والمغازي ويجيء في الأحكام إن شاء الله تعالى بعون الله وقوته وكرمه.
стр. 7423
٦٧٥٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْوَلَدُ لِصَاحِبِ الْفِرَاشِ».
[الحديث ٦٧٥٠ - طرفه في: ٦٨١٨].
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد البصري قال: (حدّثنا يحيى) بن سعيد القطان (عن شعبة) بن الحجاج (عن محمد بن زياد) القرشي الجمحي مولاهم (أنه سمع أبا هريرة) ﵁ يقول (عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(الولد لصاحب الفراش) كذا في هذه الرواية، وللحديث سبب غير قصة ابن زمعة، فقد أخرجه أبو داود وغيره من رواية حسين المعلم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قام رجل فقال لما فتحت مكة إن فلانًا ابني فقال النبي ﷺ : "لا دعوة في الإسلام ذهب أمر الجاهلية الولد للفراش وللعاهر الأثلب" قيل: ما الأثلب؟ قال: "الحجر". وقد دل حديث ابن زمعة على أن الأمة تصير فراشًا بالوطء فإذا اعترف السيد بوطء أمته أو ثبت ذلك بطريق شرعيّ ثم أتت بولد لمدة الإمكان بعد الوطء لحقه من غير استلحاق كما في الزوجة، لكن الزوجة تصير فراشًا بمجرد العقد فلا يشترط في الاستلحاق إلا الإمكان لأنها تراد للوطء، فجعل العقد عليها كالوطء بخلاف الأمة فإنها تراد لمنافع أخرى فاشترط في حقها هذا قول الجمهور، وعن الحنفية لا تصير الأمة فراشًا إلا إذا ولدت من السيد ولدًا ولحق به فمهما ولدت بعد ذلك لحقه إلا أن ينفيه، وعن الحنابلة من اعترف بالوطء فأتت منه لمدة الإمكان لحقه وإن ولدت منه أولاً فاستحلقه لم يلحقه ما بعده إلا بإقرار مستأنف على الراجح عندهم، ونقل عن الشافعي رحمة الله تعالى عليه أنه قال: إن لقوله الولد للفراش معنيين أحدهما ما لم ينفه فإذا نفاه بما شرع له كاللعان انتفى عنه، والثاني إذا تنازع رب الفراش والعاهر فالولد لرب الفراش. قال في فتح الباري: الثاني ينطبق على خصوص الواقعة، والأول أعمّ قال: وحديث الولد للفراش قال ابن عبد البر: من أصح ما يروى عن النبي- ﷺ فقد جاء عن بضعة وعشرين نفسًا من الصحابة والله الموفق.
١٩ - باب الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ وَمِيرَاثُ اللَّقِيطِ
وَقَالَ عُمَرُ: اللَّقِيطُ حُرٌّ.
هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه (الولاء لمن أعتق و) باب ذكر فيه (ميراث اللقيط) وهو صغير أو مجنون منبوذ لا كافل له.
(وقال عمر) بن الخطاب ﵁ (اللقيط حر) لأن غالب الناس أحرار إلا أن تقام بينة برقه متعرضة لسبب الملك كإرث وشراء فلا يكفي مطلق الملك لأنا لا نأمن أن يعتمد الشاهد ظاهر اليد وفارق غيره كثوب ودار بأن أمر الرق خطر فاحتيط فيه وولاؤه لبيت المال عند مالك والشافعي وأحمد لحديث: "إنما الولاء لمن أعتق" إذ مقتضاه أن من لم يعتق لا ولاء له إذ العتق
стр. 7424
يقتضي سبق ملك واللقيط من دار الإسلام لا يملكه الملتقط، وعن عليّ اللقيط يوالي من شاء، وبه قال الحنفية فإن عقل الذي والاه عن جناية لم يكن له أن ينقل عنه ويرثه.
وأثر عمر هذا سبق معلمًا بتمامه في أوائل الشهادات.
٦٧٥١ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتِ: اشْتَرَيْتُ بَرِيرَةَ فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «اشْتَرِيهَا فَإِنَّ الْوَلَاءَ لِمَنْ أَعْتَقَ» وَأُهْدِىَ لَهَا شَاةٌ فَقَالَ: «هُوَ لَهَا صَدَقَةٌ، وَلَنَا هَدِيَّةٌ» قَالَ الْحَكَمُ: وَكَانَ زَوْجُهَا حُرًّا، وَقَوْلُ الْحَكَمِ مُرْسَلٌ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: رَأَيْتُهُ عَبْدًا.
وبه قال: (حدّثنا حفص بن عمر) أبو عمر الحوضي قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن الحكم) بفتحتين ابن عتيبة بضم العين وفتح الفوقية مصغرًا (عن إبراهيم) النخعي (عن الأسود) بن يزيد والثلاثة تابعيون كوفيون (عن عائشة) ﵂ أنها (قالت اشتريت بريرة) بفتح الموحدة وكسر الراء الأولى (فقال النبي ﷺ ¬):
(اشتريها فإن الولاء لمن أعتق) فلا ولاية لملتقط كما مرّ، وأما قول عمر ﵁ لأبي جميلة في الذي التقطه اذهب فهو حرّ وعلينا نفقته ولك ولاؤه فمراده أنت الذي تتولى تربيته والقيام بأمره فهي ولاية الإسلام لا ولاية العتق (وأهدي) بضم الهمزة (لها) أي لبريرة (شاة) سقط قوله لأبي ذر (فقال) ﷺ (هو) أي لحم الشاة (لها صدقة ولنا هدية قال الحكم) بن عتيبة بالسند السابق (وكان زوجها) مغيث (حرًّا) قال البخاري: (وقول الحكم مرسل) ليس بمسند إلى عائشة راوية الخبر، وقال الإسماعيلي هو مدرج (وقال ابن عباس) ﵄ مما سبق موصولاً في الطلاق في ابن خيار الأمة تحت العبد (رأيته عبدًا) وهذا أصح من السابق لأنه حضر ذلك فيرجح على قول من لم يحضره ولم يولد الحكم إلا بعد ذلك بدهر طويل.
٦٧٥٢ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِى مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ».
وبه قال: (حدّثنا إسماعيل بن عبد الله) بن أويس ابن أخت إمام الأئمة مالك (قال: حدثني) بالإفراد (مالك) الأصبحي إمام دار الهجرة (عن نافع عن ابن عمر) ﵄ (عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(إنما الولاء لمن أعتق) الولاء مبتدأ خبره لمن أعتق أي كائن أو مستقر لمن أعتق ومن موصولة وأعتق في محل الصلة والعائد ضمير الفاعل.
стр. 7425
٢٠ - باب مِيرَاثِ السَّائِبَةِ
(باب ميراث السائبة) بسين مهملة بعدها ألف فهمزة فموحدة بوزن فاعلة العبد الله يقول له سيده: لا ولاء لأحد عليك أو أنت سائبة يريد بذلك عتقه وأن لا ولاء لأحد عليه، وقد يقول له أعتقتك سائبة أو أنت حرّ سائبة ففي الصيغتين الأوليين يفتقر في عتقه إلى نية وفي الأخيرتين يعتق والجمهور على كراهته.
٦٧٥٣ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِى قَيْسٍ، عَنْ هُزَيْلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: إِنَّ أَهْلَ الإِسْلَامِ لا يُسَيِّبُونَ، وَإِنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا يُسَيِّبُونَ.
وبه قال: (حدّثنا قبيصة بن عقبة) السوائي قال: (حدّثنا سفيان) الثوري (عن أبي قيس) عبد الرَّحمن بن ثروان بالمثلثة المفتوحة والراء الساكنة وبعد الواو ألف فنون الأودي (عن هزيل) بضم الهاء وفتح الزاي ابن شرحبيل (عن عبد الله) بن مسعود ﵁ زاد الإسماعيلي بسنده إلى هزيل قال: جاء رجل إلى عبده الله فقال: إني أعتقت عبدًا لي سائبة فمات فترك مالاً ولم يدع وارثًا فقال عبد الله (قال: إن أهل الإسلام لا يسيبون وإن أهل الجاهلية كانوا يسيبون) وزاد الإسماعيلي أيضًا وأنت ولي نعمته فلك ميراثه فإن تأثمت أو تحرجت في شيء فنحن نقبله ونجعله في بيت المال وبهذا الحكم في السائبة قال الشافعي.
٦٧٥٤ - حَدَّثَنَا مُوسَى، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ اشْتَرَتْ بَرِيرَةَ لِتُعْتِقَهَا وَاشْتَرَطَ أَهْلُهَا وَلَاءَهَا فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّى اشْتَرَيْتُ بَرِيرَةَ لأُعْتِقَهَا، وَإِنَّ أَهْلَهَا يَشْتَرِطُونَ وَلَاءَهَا فَقَالَ: «أَعْتِقِيهَا فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» أَوْ قَالَ: «أَعْطَى الثَّمَنَ» قَالَ: فَاشْتَرَتْهَا فَأَعْتَقَتْهَا قَالَ: وَخُيِّرَتْ فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا وَقَالَتْ: لَوْ أُعْطِيتُ كَذَا وَكَذَا مَا كُنْتُ مَعَهُ، قَالَ الأَسْوَدُ: وَكَانَ زَوْجُهَا حُرًّا. قَوْلُ الأَسْوَدِ: مُنْقَطِعٌ، وَقَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ رَأَيْتُهُ عَبْدًا أَصَحُّ.
وبه قال: (حدّثنا موسى) بن إسماعيل التبوذكي قال: (حدّثنا أبو عوانة) الوضاح اليشكري (عن منصور) هو ابن المعتمر (عن إبراهيم) النخعي (عن الأسود) بن يزيد (أن عائشة ﵂ اشترت بريرة لتعتقها) بضم الفوقية الأولى (واشترط أهلها ولاءها) أن يكون لهم (فقالت: يا رسول الله إني اشتريت بريرة لأعتقها وإن أهلها يشترطون ولاءها فقال) ﷺ :
(أعتقيها) بعد أن تشتريها (فإنما الولاء لمن أعتق) سواء كان سائبة أو غيرها (أو قال) ﵊ لها (أعطى الثمن) بالشك من الراوي (قال: فاشترتها فأعتقتها قال وخيرت) بضم الخاء المعجمة لما عتقت ولأبي ذر عن الحموي والمستملي نفسها أي خيرت لما عتقت بين فسخ نكاحها وإمضاء النكاح واختيار الزوج (فاختارت نفسها وقالت: لو أعطيت) بضم الهمزة وكسر
стр. 7426
الطاء المهملة أي لو أعطاني مغيث (كذا وكذا) من المال (ما كنت معه) أي ما كنت أصحبه ولا أقمت عنده.
(قال الأسود) بن يزيد: (وكان زوجها حرًّا) قال البخاري: (قول الأسود) هذا (منقطع) أي لم يصله بذكر عائشة فيه وفيه جواز إطلاق المنقطع في موضع المرسل خلافًا لما اشتهر في الاستعمال من تخصيص المنقطع بما يسقط منه من أثناء السند واحد إلا في صورة سقط الصحابي بين التابعي والنبي ﷺ فإن ذلك يسمى المرسل، (وقول ابن عباس) ﵄ (رأيته عبدًا أصح) إذ كان حضر القصة وشاهدها بخلاف الأسود فإنه لم يدخل المدينة في عهد النبي ﷺ .
وحديث الباب سبق في مواضع كثيرة والله الموفق والمعين.
٢١ - باب إِثْمِ مَنْ تَبَرَّأَ مِنْ مَوَالِيهِ
(باب إثم من تبرأ من مواليه).
٦٧٥٥ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِىِّ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ عَلِىٌّ ﵁ مَا عِنْدَنَا كِتَابٌ نَقْرَؤُهُ إِلاَّ كِتَابُ اللَّهِ غَيْرَ هَذِهِ الصَّحِيفَةِ قَالَ: فَأَخْرَجَهَا فَإِذَا فِيهَا أَشْيَاءُ مِنَ الْجِرَاحَاتِ وَأَسْنَانِ الإِبِلِ قَالَ: وَفِيهَا الْمَدِينَةُ حَرَمٌ مَا بَيْنَ عَيْرٍ إِلَى ثَوْرٍ، فَمَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا أَوْ آوَى مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ، وَمَنْ وَالَى قَوْمًا بِغَيْرِ إِذْنِ مَوَالِيهِ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ، وَذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ، فَمَنْ أَخْفَرَ مُسْلِمًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ.
وبه قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) أبو رجاء البلخي قال: (حدّثنا جرير) هو ابن عبد الحميد (عن الأعمش) سليمان بن مهران (عن إبراهيم التيمي عن أبيه) يزيد بن شريك بن طارق التيمي أنه (قال: قال علي ﵁: ما عندنا كتاب نقرؤه) وفي باب حرم المدينة من آخر كتاب الحج ما عندنا شيء (إلا كتاب الله) (غير هذه الصحيفة) قال في الكواكب: غير حال أو استثناء آخر وحرف العطف مقدر كما قال الشافعي ﵀ عليه التحيات المباركات الصلوات تقديره والصلوات (قال) يزيد بن شريك: (فأخرجها) أي الصحيفة (فإذا فيها أشياء) جمع شيء لا ينصرف. قال الكسائي: لكثرة استعمالها (من الجراحات) بكسر الجيم أي من أحكام الجراحات (وأسنان الإبل) بفتح همزة أسنان أي إبل الديات أو الزكاة أو أعمّ (قال): ولأبي ذر وقال (وفيها المدينة) طيبة (حرم) بفتحتين محرمة (ما بين عير) بفتح العين المهملة وسكون التحتية بعدها راء جبل بالمدينة (إلى ثور) بفتح المثلثة قيل إنه اسم جبل بها أيضًا وإن كان المشهور أنه بمكة، وقيل
стр. 7427
الصحيح أن بدله أُحد أي ما بين ﷺ إلى أُحد ولأبي ذر إلى كذا بدل قوله إلى ثور (فمن أحدث فيها حدثًا) مخالفًا لما جاء به النبي ﷺ (أو آوى) بمدّ الهمزة (محدثًا) بضم الميم وكسر الدال المهملة أي من نصر جانيًا وآواه وأجاره من خصمه أو حال بينه وبين أن يقتص منه (فعليه لعنة الله) أي البعد من الجنة التي هي دار الرحمة في أول أمره لا مطلقًا (و) لعنة (الملائكة والناس أجمعين لا يقبل) بضم التحتية وفتح الموحدة (منه يوم القيامة صرف) فرض (ولا عدل) نفل أو بالعكس أو غير ذلك مما سبق في الحج (ومن والى) بفتح اللام اتخذ (قومًا) موالي (بغير إذن مواليه) ليس الإذن لتقييد الحكم بعدم الإذن والقصر عليه وإنما ورد الكلام بذلك على أنه الغالب (فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل) بضم التحتية (منه يوم القيامة صرف ولا عدل) ولأبي ذر لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفًا ولا عدلاً (وذمة المسلمين واحدة) أي أمان المسلم للكافر صحيح والمسلمون كنفس واحدة فيه (يسعى بها أدناهم) كالعبد والمرأة فإذا أمن أحدهم حربيًّا لا يجوز لأحد أن ينقض ذمته (فمن أخفر) بخاء معجمة ساكنة وفتح الفاء (مسلمًا) أي نقض عهده (فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه يوم القيامة صرف ولا عدل).
وصحح ابن حبان من حديث عائشة مرفوعًا: "من تولى إلى غير مواليه فليتبوأ مقعده من النار" قال ابن بطال فيما ذكره عنه في فتح الباري: وفي الحديث أنه لا يجوز للمعتق أن يكتب فلان ابن فلان بل يقول فلان مولى فلان، ويجوز له أن ينسب إلى نسبه كالقرشي، وقال غيره: الأولى أن يفصح بذلك أيضًا كأن يقول القرشي بالولاء أو مولاهم قال: وفيه إن من علم ذلك وفعله سقطت شهادته لما يترتب عليه من الوعيد وتجب عليه التوبة والاستغفار.
٦٧٥٦ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: نَهَى النَّبِىُّ ﷺ عَنْ بَيْعِ الْوَلَاءِ وَعَنْ هِبَتِهِ.
وبه قال: (حدّثنا أبو نعيم) الفضل بن دكين قال: (حدّثنا سفيان) الثوري (عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر ﵄) أنه (قال: نهى النبي ﷺ عن بيع الولاء وعن هبته) لأنه حق إرث المعتق من العتيق وذلك لأنه غير مقدور التسليم قاله في الكواكب.
٢٢ - باب إِذَا أَسْلَمَ عَلَى يَدَيْهِ
وَكَانَ الْحَسَنُ لَا يَرَى لَهُ وِلَايَةً.
وَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» وَيُذْكَرُ عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِىِّ رَفَعَهُ قَالَ: هُوَ أَوْلَى النَّاسِ بِمَحْيَاهُ وَمَمَاتِهِ، وَاخْتَلَفُوا فِى صِحَّةِ هَذَا الْخَبَرِ.
هذا (باب) بالتنوين (إذا أسلم على يديه) وللفربري والأكثر رجل وللكشميهني الرجل بالتعريف والتنكير أولى والمعنى إذا أسلم رجل على يدي رجل (وكان الحسن) البصري (لا يرى له)
стр. 7428
للذي أسلم على يديه (ولاية) بكسر الواو ولأبي ذر بفتحها لغتان ولأبي ذر عن الكشميهني ولاء بفتح الواو والهمزة بدل الياء وبالمد وهذا الأثر وصله سفيان الثوري في جامعه، وأخرجه أبو بكر بن أبي شيبة عن وكيع عن سفيان ورواه الدارمي عن أبي نعيم عن سفيان، وأخرج ابن أبي شيبة أيضًا من طريق يونس عن الحسن لا يرثه إلا إن شاء أوصى له بماله.
(وقال النبي ﷺ : الولاء لمن أعتق) فخرج به من أسلم على يديه رجل لما في الرواية الأخرى إنما الولاء لمن أعتق كما لا يخفى وسبق موصولاً قريبًا.
(ويذكر) بضم أوله وفتح ثالثه (عن تميم) هو ابن أوس بن خارجة بن سواد اللخمي (الداري) نسبة إلى بني الدار ابن لخم وكان من أهل الشأم أسلم سنة تسع من الهجرة وكان من أفاضل الصحابة وله مناقب وفي العزم إفرادها بالتأليف أعانني الله على ذلك على أحسن المسالك (رفعه) بالحركات ولأبي ذر رفعه بسكون الفاء وضم العين أي رفع تميم الحديث إلى النبي ﷺ ، وقد وصله البخاري في تاريخه وأبو داود وابن أبي عاصم والطبراني والباغندي في مسند عمر بن عبد العزيز تأليفه كلهم من طريق عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز قال: سمعت عبيد الله بن موهب يحدث عن عمر بن عبد العزيز بن قبيصة بن ذؤيب عن تميم الداري أنه قال: قلت يا رسول الله ما السنة في رجل يسلم على يد رجل من المسلمين؟ (قال: هو أولى الناس بمحياه ومماته).
قال البخاري ﵀: (واختلفوا في صحة هذا الخبر) قال بعضهم عن ابن موهب سمع تميمًا ولا يصح لقول النبي ﷺ : "الولاء لمن أعتق"، وقال الشافعي: هذا الحديث ليس بثابت إنما يرويه عبد العزيز بن عمر عن ابن موهب وابن موهب ليس بالمعروف ولا نعلمه لقي تميمًا ومثل هذا لا يثبت، وقال الترمذي: إسناده ليس بمتصل قال: وأدخل بعضهم بين ابن موهب وبين تميم قبيصة رواه يحيى بن حمزة وقيل إنه تفرّد فيه بذكر قبيصة، ورواه أبو إسحاق السبيعي بدون ذكر تميم أخرجه النسائي وقال ابن المنذر: الحديث مضطرب هل هو عن ابن موهب عن تميم أو بينهما قبيصة وقال بعض الرواة فيه عن عبد الله بن موهب وبعضهم ابن موهب وعبد العزيز راويه ليس بالحافظ. قال في الفتح: هو من رجال البخاري كما في الأشربة لكنه ليس بالمكثر، وأما ابن موهب فلم يدرك تميمًا، وأشار النسائي إلى أن الرواية التي وقع التصريح فيها بسماعه من تميم خطأ ولكنه وثّقه بعضهم، نعم صحح هذا الحديث أبو زرعة الدمشقي وقال: إنه حديث حسن صحيح المخرج ومتصل، وجزم البخاري في التاريخ بأنه لا يصلح لمعارضة حديث "إنما الولاء لمن أعتق" ويؤخذ منه أنه لو صح لما قاوم هذا الحديث وعلى التنزل فيتردد في الجمع هل يخص عموم الحديث المتفق على صحته بهذا فيستثنى منه من أسلم أو تؤوّل الأولوية في قوله أولى الناس بمعنى النصر والمعاونة وما أشبه ذلك لا بالميراث ويبقى الحديث المتفق على صحته على عمومه جنح الجمهور إلى الثاني وبه جزم ابن القصار، وقال أبو حنيفة وأصحابه: إنه يستمر إن عقل عنه وإن لم يعقل عنه فله أن يتحول عنه لغيره قاله في الفتح الباري.
стр. 7429
٦٧٥٧ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ أَرَادَتْ أَنْ تَشْتَرِىَ جَارِيَةً تُعْتِقُهَا فَقَالَ أَهْلُهَا: نَبِيعُكِهَا عَلَى أَنَّ وَلَاءَهَا لَنَا، فَذَكَرَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «لَا يَمْنَعُكِ ذَلِكِ، فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ».
وبه قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) البلخي (عن مالك) هو ابن أنس الأصبحي إمام الأئمة (عن نافع) مولى ابن عمر (عن ابن عمر) ﵄ (أن عائشة أم المؤمنين) ﵂ وسقط أم المؤمنين لأبي ذر (أرادت أن تشتري جارية) هي بريرة (تعتقها) أي لأن تعتقها وهو بضم الفوقية (فقال أهلها: نبيعكها على أن ولاءها لنا فذكرت لرسول الله) أي ذكرت عائشة قولهم نبيعكها على أن ولاءها لنا ولأبي ذر فذكرت ذلك لرسول الله (¬ ﷺ فقال):
(لا يمنعك ذلك) بكسر الكاف ولأبي ذر عن الكشميهني لا يمنعنك بالنون الثقيلة بعد العين (فإنما الولاء لمن أعتق) اللام للاختصاص كما قاله الكرماني يعني أن الولاء مختص بمن أعتق وبذل المال في إعتاقه. قال العيني: ويجوز أن تكون للاستحقاق كهي في قوله تعالى: ﴿ويل للمطففين﴾ [المطففين: ١] واستحقاق المعتق الولاء لا ينافي استحقاق غيره ويجوز أن تكون للصيرورة وصيرورة الولاء للمعتق لا تنافي صيرورته لغيره.
٦٧٥٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتِ: اشْتَرَيْتُ بَرِيرَةَ فَاشْتَرَطَ أَهْلُهَا وَلَاءَهَا، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِلنَّبِىِّ ﷺ فَقَالَ: «أَعْتِقِيهَا فَإِنَّ الْوَلَاءَ لِمَنْ أَعْطَى الْوَرِقَ» قَالَتْ: فَأَعْتَقْتُهَا قَالَتْ: فَدَعَاهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَخَيَّرَهَا مِنْ زَوْجِهَا فَقَالَتْ: لَوْ أَعْطَانِى كَذَا وَكَذَا مَا بِتُّ عِنْدَهُ فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا.
وبه قال: (حدّثنا محمد) غير منسوب. قال الحافظ ابن حجر: وقع في رواية أبي علي بن شبويه عن الفربري محمد بن سلام وفي رواية أبي ذر عن الكشميهني محمد بن يوسف يعني البيكندي قال: (أخبرنا جرير) هو ابن عبد الحميد (عن منصور) أي ابن المعتمر (عن إبراهيم) النخعي (عن الأسود) بن يزيد خال إبراهيم (عن عائشة ﵂) أنه (قالت: اشتريت بريرة فاشترط أهلها ولاءها) أن يكون لهم (فذكرت ذلك) الاشتراط (للنبي) وتاء ذكرت ساكنة ففيه التفات أي ذكرت عائشة ذلك للنبي ولأبي ذر لرسول الله (¬ ﷺ فقال):
(أعتقيها فإن الولاء لمن أعطى الورق) بفتح الواو وكسر الراء الفضة (قالت) عائشة (فأعتقتها قالت) عائشة أيضًا (فدعاها) أي فدعا بريرة (رسول الله ﷺ فخيّرها من زوجها) بين المقام معه أو المفارقة (فقالت: لو أعطاني كذا وكذا) من المال (ما بت عنده فاختارت) بالفاء ولأبي ذر واختارت (نفسها) وزاد أبو ذر في روايته قال: وكان زوجها حرًّا، وقد سبق قبل باب من وجه آخر أن القائل هو الأسود راويه عن عائشة وفي الباب الذي قبله أن الحكم.
стр. 7430
٢٣ - باب مَا يَرِثُ النِّسَاءُ مِنَ الْوَلَاءِ
(باب ما يرث النساء من الولاء).
٦٧٥٩ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: أَرَادَتْ عَائِشَةُ أَنْ تَشْتَرِىَ بَرِيرَةَ فَقَالَتْ لِلنَّبِىِّ ﷺ : إِنَّهُمْ يَشْتَرِطُونَ الْوَلَاءَ؟ فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «اشْتَرِيهَا فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ».
وبه قال: (حدّثنا حفص بن عمر) الحوضي قال: (حدّثنا همام) بفتح الهاء وتشديد الميم الأولى ابن يحيى العوذي الحافظ (عن نافع عن ابن عمر ﵄) أنه (قال: أرادت عائشة) ﵂ (أن تشتري بريرة) فاشترط أهلها أن يكون ولاؤها لهم (فقالت للنبي ﷺ : إنهم يشترطون الولاء) لهم (فقال النبي) ﷺ لها:
(اشتريها فإنما الولاء لمن أعتق) فيه دلالة على أن النساء إذا أعتقن يستحققن الولاء.
٦٧٦٠ - حَدَّثَنَا ابْنُ سَلَامٍ، أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْطَى الْوَرِقَ وَوَلِىَ النِّعْمَةَ».
وبه قال: (حدّثنا ابن سلام) بتخفيف اللام على الأشهر واسمه محمد قال: (أخبرنا وكيع) بفتح الواو وكسر الكاف ابن الجراح أحد الأعلام (عن سفيان) الثوري (عن منصور) هو ابن المعتمر (عن إبراهيم) النخعي (عن الأسود) بن يزيد (عن عائشة) ﵂ أنها (قالت: قال رسول الله ﷺ ¬):
(الولاء لمن أعطى الورق) الفضة ثمنًا (وولي النعمة) بكسر اللام المخففة بالاعتاق بعد إعطاء الثمن لأن ولاية النعمة التي يستحق بها الميراث لا تكون إلا بالعتق والحديث كما قاله ابن بطال يقتضي أن الولاء لكل معتق ذكرًا كان أو أنثى، وهو مجمع عليه وليس بين الفقهاء خلف أنه ليس للنساء من الولاء إلا ما أعتقن أو جره إليهن من أعتق بولادة أو عتق، وأشار بقوله لمن أعطى الورق إلى أن المراد بقوله لمن أعتق أن يكون من عتق في ملكه حين العتق لا لمن باشر العتق فقط. وقوله: وولي النعمة هو لفظ وكيع عن سفيان الثوري عن منصور تفرّد بها الثوري كما نبه عليه في الفتح والله الموفق والمعين.
٢٤ - باب مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَابْنُ الأُخْتِ مِنْهُمْ
هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه (مولى القوم) أي عتيقهم (من أنفسهم) في النسبة إليهم والميراث منه (وابن الأخت منهم) لأنه ينسب إلى بعضهم وهي أمه فيرثهم توريث ذوي الأرحام على القول به وثبت قوله منهم لأبي ذر عن الكشميهني.
стр. 7431
٦٧٦١ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ وَقَتَادَةُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ» أَوْ كَمَا قَالَ.
وبه قال: (حدّثنا آدم) بن أبي إياس قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج قال: (حدّثنا معاوية بن قرة) بضم القاف وفتح الراء المشددة ابن إياس بن هلال المدني البصري (وقتادة) بن دعامة السدوسي كلاهما (عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(مولى القوم من أنفسهم أو كما قال).
٦٧٦٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «ابْنُ أُخْتِ الْقَوْمِ مِنْهُمْ أَوْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ».
وبه قال: (حدّثنا أبو الوليد) هشام بن عبد الملك قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن قتادة) بن دعامة (عن أنس) ﵁ (عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(ابن أخت القوم منهم أو) قال (من أنفسهم) في المعاونة والانتصار والبر والشفقة ونحو ذلك لا في الميراث، وتمسك به من قال: بأن ذوي الأرحام يرثون كما ترث العصبات وهو قول الحنفية وغيرهم، والشك من الراوي، وأورد الحديث هنا مختصرًا وتامًّا في مناقب قريش في باب ابن أخت القوم منهم.
٢٥ - باب مِيرَاثِ الأَسِيرِ
قَالَ: وَكَانَ شُرَيْحٌ يُوَرِّثُ الأَسِيرَ فِى أَيْدِى الْعَدُوِّ وَيَقُولُ: هُوَ أَحْوَجُ إِلَيْهِ وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: أَجِزْ وَصِيَّةَ الأَسِيرِ وَعَتَاقَهُ، وَمَا صَنَعَ فِى مَالِهِ مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ عَنْ دِينِهِ، فَإِنَّمَا هُوَ مَالُهُ يَصْنَعُ فِيهِ مَا يَشَاءُ.
(باب) حكم (ميراث الأسير) في يد العدوّ وسواء عرف خبره أم لا. (قال) أي البخاري (وكان شريح) بضم الشين المعجمة وفتح الراء آخره حاء مهملة ابن الحارث القاضي الكندي الكوفي (يورث الأسير) بفتح الواو وكسر الراء مشددة (في أيدي العدوّ ويقول هو أحوج إليه) أي إلى ميراثه وهذا وصله ابن أبي شيبة والدارمي (وقال عمر بن عبد العزيز) مما وصله عبد الرزاق لإسحاق بن راشد فيما كتب إليه (أجز) بهمزة مفتوحة فجيم مكسورة فزاي مجزوم بالأمر (وصية الأسير) بنصب وصية على المفعولية (وعتاقه) بفتح العين وبعد القاف هاء ولأبي ذر وعتاقته بفوقية بعد القاف (وما صنع في ماله ما لم يتغير عن دينه) دين الإسلام إلى غيره طائعًا (فإنما هو ماله يصنع فيه ما يشاء). بلفظ المضارع، ولأبي ذر عن الكشميهني ما شاء بلفظ الماضي.
стр. 7432
٦٧٦٣ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَدِىٍّ، عَنْ أَبِى حَازِمٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ تَرَكَ مَالاً فَلِوَرَثَتِهِ، وَمَنْ تَرَكَ كَلاًّ فَإِلَيْنَا».
وبه قال: (حدّثنا أبو الوليد) هشام بن عبد الملك الطيالسي قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن عدي) هو ابن ثابت الأنصاري (عن أبي حازم) بالحاء المهملة والزاي سلمان الأشجعي (عن أبي هريرة) ﵁ (عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(من ترك مالاً) بعد وفاته (فلورثته ومن ترك كلاًّ) بفتح الكاف واللام المشددة عيالاً (فإلينا).
وهذا الحديث يؤيد قول الجمهور أن الأسير إذا وجب له ميراث يوقف له لأنه إذا كان مسلمًا دخل تحت عموم قوله ﷺ : "من ترك مالاً فلورثته" وعن سعيد بن المسيب أنه لم يورث الأسير في أيدي العدوّ.
والحديث مرّ في الاستقراض.
٢٦ - باب لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ
وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ وَإِذَا أَسْلَمَ قَبْلَ أَنْ يُقْسَمَ الْمِيرَاثُ فَلَا مِيرَاثَ لَهُ.
هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه قوله ﷺ : (لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم وإذا أسلم) الكافر (قبل أن يقسم الميراث) المخلف عن أبيه أو أخيه (فلا ميراث له) لأن الاعتبار بوقت الموت لا بوقت القسمة عند الجمهور.
٦٧٦٤ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَلِىِّ بْنِ حُسَيْنٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵄ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ: «لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ».
وبه قال: (حدّثنا أبو عاصم) الضحاك بن مخلد النبيل (عن ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن علي بن حسين) المشهور بزين العابدين (عن عمر) بضم العين (ابن عثمان) بن عفان القرشي العدوي، ولأبي ذر عن عمرو بفتح العين بدل عمر ضمها وكلاهما ولد لعثمان واتفق الرواة عن الزهري أن عمرو بن عثمان بفتح العين وسكون الميم إلا أن مالكًا وحده قال عمر بضم أوله وفتح الميم (عن أسامة بن زيد ﵄ أن النبي ﷺ قال):
(لا يرث المسلم الكافر) وذهب معاذ بن جبل ومعاوية وسعيد بن المسيب ومسروق إلى أنه يرث منه لقوله ﷺ : "الإسلام يعلو ولا يعلى عليه" وحجة الجمهور هذا الحديث الصحيح. وأجابوا عن حديث: الإسلام يعلو بأن معناه فضل الإِسلام وليس فيه تعرض للإِرث فلا يترك
стр. 7433
النص الصريح لذلك (ولا) يرث (الكافر المسلم) إجماعًا ولا يرث نحو مرتد كيهودي تنصّر أحدًا إذ ليس بينه وبين أحد موالاة في الدين لأنه ترك دينًا يقر عليه ولا يقر على دينه الذي انتقل إليه، ولا يورث لذلك كزنديق وهو من لا يتدين بدين فلا يرث ولا يورث لذلك، وأما المسلم من المرتد فقال مالك والشافعي: لا يرث المسلم المرتد، وقال أبو حنيفة والثوري: يرثه، لكن قال أبو حنيفة: ما اكتسبه في ردته لبيت المال وما اكتسبه في الإسلام فهو لورثته المسلمين، وأما الكافران فيتوارثان وإن اختلفت ملتهما كيهودي ونصراني أو مجوسي أو وثني، لأن الملل في البطلان كالملة الواحدة ومن به رق ولو مدبرًا أو مكاتبًا فلا يرث ولا يورث لنقصه ولأنه لو ورث الملك واللازم باطل إلا مبعضًا فيورث ما ملكه بحريته لتمام ملكه عليه ولا شيء لسيده منه لاستيفاء حقه مما اكتسبه بالرقية ولا يرث قاتل من مقتوله وإن لم يضمن بقتله لحديث: ليس للقاتل شيء أي من الميراث. رواه الترمذي بسند صحيح، ولأن الإرث للموالاة والقاتل قطعها ومن فقد وقف ماله حتى تقوم بيّنة بموته أو يحكم بموته قاض بعد مضي مدة من ولادته لا يعيش فوقها ظنًّا فيعطى ماله من يرثه حينئذ.
والحديث سبق في المغازي والله أعلم.
٢٧ - باب مِيرَاثِ الْعَبْدِ النَّصْرَانِىِّ وَمُكَاتَبِ النَّصْرَانِىِّ وَإِثْمِ مَنِ انْتَفَى مِنْ وَلَدِهِ
(باب ميراث العبد النصراني ومكاتب النصراني) ولأبي ذر والمكاتب (وإثم من انتفى من ولده) ولأبي ذر باب من انتفى من ولده ومذهب العلماء أن العبد النصراني إذا مات فماله لسيده بالرق ولأن ملك العبد غير صحيح فيستحقه السيد لا بطريق الميراث، وأما المكاتب فإن مات قبل أداء كتابته وكان في ماله وفاء لباقي كتابته أخذ ذلك في كتابته فما فضل فلبيت المال وأما إثم من انتفى من ولده ففي حديث أبي هريرة مرفوعًا عند أبي داود والنسائي وصححه ابن حبان والحاكم أيما رجل جحد ولده وهو ينظر إليه احتجب الله عنه، وفي سنده عبد الله بن يونس حجازي ما روى عنه سوى يزيد بن الهاد، ولم يذكر المؤلّف حديثًا هنا، ولعله أراد أن يلحق فيه ما هو على شرطه فاخترمته المنية قبل.
٢٨ - باب مَنِ ادَّعَى أَخًا أَوِ ابْنَ أَخٍ
(باب) حكم (من ادّعى أخًا أو ابن أخ).
٦٧٦٥ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتِ: اخْتَصَمَ سَعْدُ بْنُ أَبِى وَقَّاصٍ وَعَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ فِى غُلَامٍ فَقَالَ سَعْدٌ: هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ابْنُ أَخِى عُتْبَةَ بْنِ أَبِى وَقَّاصٍ عَهِدَ إِلَىَّ أَنَّهُ ابْنُهُ انْظُرْ إِلَى شَبَهِهِ وَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ: هَذَا أَخِى يَا رَسُولَ اللَّهِ وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ أَبِى مِنْ وَلِيدَتِهِ، فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى شَبَهِهِ فَرَأَى شَبَهًا
стр. 7434
بَيِّنًا بِعُتْبَةَ، فَقَالَ: «هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ، الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ وَاحْتَجِبِى مِنْهُ يَا سَوْدَةُ بِنْتَ زَمْعَةَ» قَالَتْ: فَلَمْ يَرَ سَوْدَةَ قَطُّ.
وبه قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) البلخي قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (عن ابن شهاب) الزهري (عن عروة) بن الزبير (عن عائشة ﵂ أنها قالت: اختصم سعد بن أبي وقاص) مالك بن وهب بن عبد مناف بن زهرة الزهري شهد المشاهد كلها وهو أحد العشرة (وعبد بن زمعة) بن قيس بن عبد شمس القرشي العامري أخو سودة بنت زمعة أم المؤمنين ﵄ (في غلام) اسمه عبد الرَّحمن (فقال سعد: هذا) الغلام عبد الرَّحمن (يا رسول الله ابن أخي عتبة بن أبي وقاص) ذكره ابن منده في الصحابة مستدلاً بقول أخيه سعد هنا (عهد إليّ أنه ابنه انظر إلى شبهه) وليس في ذلك ما يدل على إسلامه وقد اشتد إنكار أبي نعيم على ابن منده في ذلك وقال: إنه الذي كسر رباعية النبي ﷺ وما علمت له إسلامًا اهـ.
وبالجملة فليس في شيء من الآثار ما يدل على إسلامه بل فيها ما يصرح بموته على الكفر والله أعلم.
(وقال عبد بن زمعة: هذا أخي يا رسول الله ولد على فراش أبي) زمعة (من وليدته) أي أمته (فنظر رسول الله ﷺ إلى شبهه فرأى شبهًا بيّنًا بعتبة فقال) ﷺ :
(هو) أي الغلام أخ (لك يا عبد) ولأبي ذر: يا عبد بن زمعة فألحقه ﵊ به لما استلحقه لأن إقراره قائم مقام الأب الميت في حياته فيثبت نسبه وقال مالك وأبو حنيفة: لا يثبت. (الولد للفراش وللعاهر الحجر) أي الخيبة (واحتجبي منه يا سودة بنت زمعة) تورعًا واحتياطًا (قالت: فلم ير سودة) الغلام (قط) ولأبي ذر عن الكشميهني بعد قوله ﷺ : احتجبي منه. ورأيت في هامش فرع اليونينية وقال: إنه منقول منها هذا الباب في نسخة أبي ذر قبل باب ميراث العبد النصراني، ويليه أعني باب ميراث العبد النصراني باب إثم من انتفى من ولده ورقّم على باب من ادّعى أخًا أو ابن أخ علامة المستملي والكشميهني انتهى.
٢٩ - باب مَنِ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ
(باب من ادّعى) أي انتسب (إلى غير أبيه).
٦٧٦٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ أَبِى عُثْمَانَ، عَنْ سَعْدٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِىَّ ﷺ يَقُولُ: «مَنِ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ وَهْوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ غَيْرُ أَبِيهِ، فَالْجَنَّةُ عَلَيْهِ حَرَامٌ».
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا خالد هو ابن عبد الله) الطحان الواسطي قال: (حدّثنا خالد) هو ابن مهران الحذاء (عن أبي عثمان) عبد الرَّحمن النهدي (عن
стр. 7435
سعد) بسكون العين ابن أبي وقاص (﵁) أنه (قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول):
(من ادعى إلى غير أبيه وهو) أي والحال أنه (يعلم أنه غير أبيه فالجنة عليه حرام) إن استحل ذلك أو هو محمول على الزجر والتغليظ للتنفير عنه، واستشكل بأن جماعة من خيار الأمة انتسبوا إلى غير آبائهم كالمقداد بن الأسود إذ هو ابن عمرو. وأجيب: بأن الجاهلية كانوا لا يستنكرون أن يتبنى الرجل غير أبيه الذي خرج من صلبه فينسب إليه ولم يزل ذلك في أول الإسلام حتى نزل ﴿وما جعل أدعياءكم أبناءكم﴾ ونزل: ﴿ادعوهم لآبائهم﴾ [الأحزاب: ٥] فغلب على بعضهم النسب الذي كان يدعى به قبل الإسلام فصار إنما يذكر للتعريف بالأشهر من غير أن يكون من المدعو وتحول عن نسبه الحقيقي فلا يقتضيه الوعيد إذ الوعيد المذكور إنما تعلق بمن انتسب إلى غير أبيه على علم منه بأنه ليس أباه.
٦٧٦٧ - فَذَكَرْتُهُ لأَبِى بَكْرَةَ فَقَالَ: وَأَنَا سَمِعَتْهُ أُذُنَاىَ وَوَعَاهُ قَلْبِى مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
قال أبو عثمان النهدي (فذكرته) أي الحديث (لأبي بكرة) نفيع (فقال: وأنا سمعته أذناي) بفتح العين وسكون الفوقية (ووعاه قلبي من رسول الله ﷺ ¬).
والحديث تقدّم في غزوة حنين.
٦٧٦٨ - حَدَّثَنَا أَصْبَغُ بْنُ الْفَرَجِ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِى عَمْرٌو، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ عِرَاكٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تَرْغَبُوا عَنْ آبَائِكُمْ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ أَبِيهِ فَهُوَ كُفْرٌ».
وبه قال: (حدّثنا أصبغ) بالصاد المهملة والغين المعجمة بينهما موحدة مفتوحة (ابن الفرج) بالفاء والجيم الفقيه قال ابن معين: كان أعلم خلق الله برأي مالك قال: (حدّثنا) ولأبي ذر أخبرنا (ابن وهب) عبد الله المصري قال: (أخبرني) بالإفراد (عمرو) بفتح العين ابن الحارث المصري (عن جعفر بن ربيعة) الكندي (عن عراك) بكسر العين المهملة وتخفيف الراء وبعد الألف كاف ابن مالك الغفاري (عن أبي هريرة) ﵁ (عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(لا ترغبوا عن آبائكم فمن رغب عن أبيه) وانتسب لغيره (فهو كفر) ولأبي ذر عن الكشميهني فقد كفر أي كفر النعمة، فليس المراد الكفر الذي يستحق عليه الخلود في النار بل كفر حق أبيه أي ستر حقه أو المراد التغليظ والتشنيع عليه إعظامًا لذلك، وإلاّ فكل حق شرعي إذا ستر فستره كفر ولم يعبر في كل ستر على حق بهذا اللفظ، وإنما عبّر به في المواضع التي يقصد فيها الذم البليغ وتعظيم الحق الستور.
والحديث سبق في مناقب قريش.
стр. 7436
٣٠ - باب إِذَا ادَّعَتِ الْمَرْأَةُ ابْنًا
هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه (إذا ادعت المرأة ابنًا) بتشديد الدال المهملة من ادعت.
٦٧٦٩ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنْ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «كَانَتِ امْرَأَتَانِ مَعَهُمَا ابْنَاهُمَا، جَاءَ الذِّئْبُ فَذَهَبَ بِابْنِ إِحْدَاهُمَا فَقَالَتْ لِصَاحِبَتِهَا: إِنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكِ وَقَالَتِ الأُخْرَى: إِنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكِ فَتَحَاكَمَتَا إِلَى دَاوُدَ ﵇، فَقَضَى بِهِ لِلْكُبْرَى، فَخَرَجَتَا عَلَى سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ ﵉ فَأَخْبَرَتَاهُ فَقَالَ: ائْتُونِى بِالسِّكِّينِ أَشُقُّهُ بَيْنَهُمَا فَقَالَتِ الصُّغْرَى: لَا تَفْعَلْ يَرْحَمُكَ اللَّهُ هُوَ ابْنُهَا، فَقَضَى بِهِ لِلصُّغْرَى» قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَاللَّهِ إِنْ سَمِعْتُ بِالسِّكِّينِ قَطُّ، إِلاَّ يَوْمَئِذٍ وَمَا كُنَّا نَقُولُ: إِلاَّ الْمُدْيَةَ.
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة قال: (حدّثنا أبو الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن) عبد الرَّحمن بن هرمز (الأعرج عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال):
(كانت امرأتان) أي يسميا (معهما ابناهما) أي يسميا أيضًا (جاء الذئب فذهب بابن إحداهما فقالت لصاحبتها إنما ذهب) الذئب (بابنك وقالت) ولأبي ذر فقالت (الأخرى إنما ذهب بابنك فتحاكما) أي المرأتان وذكر باعتبار الشخصين ولأبي ذر عن الحموي والمستملي فتحاكمتا (إلى داود ﵇ فقضى به) بالولد الباقي (للكبرى) للمرأة الكبرى منهما لكونه كان في يدها وعجزت عن إقامة البيّنة (فخرجتا على سليمان بن داود ﵉ فأخبرتاه) بالقصة (فقال: ائتوني بالسكين) بكسر السين وسميت سكينًا لأنها تسكن حركة الحيوان (أشقه) أي الولد (بينهما) نصفين، وفي سنن النسائي الكبرى فقالت الكبرى نعم اقطعوه (فقالت الصغرى) منهما له (لا تفعل) ذلك (يرحمك الله هو ابنها) أي ابن الكبرى (فقضى به للصغرى) لجزعها الدال على عظيم شفقتها، ولم يعمل بإقرارها بأنه لصاحبتها. واستشكل نقض سليمان حكم أبيه داود. وأجيب: بأنهما حكما بالوحي وحكم سليمان كان ناسخًا أو كان بالاجتهاد، وجاز النقض لدليل أقوى، وتعقب الأول بأن سليمان حينئذ لم يكن يوحى إليه إذ كان عمره حينئذ إحدى عشرة سنة.
(قال أبو هريرة) ﵁ بالسند السابق: (والله إن سمعت) بكسر الهمزة أي ما سمعت (بالسكين قط إلا يومئذ وما كنا نقول إلاّ المدية) بضم الميم وتكسر وتفتح وقيل لها مدية لأنها تقطع مدى حياة الحيوان.
والحديث سبق في ترجمة سليمان من أحاديث الأنبياء.
стр. 7437
٣١ - باب الْقَائِفِ
(باب) حكم (القائف) بالقاف وآخره فاء وهو الذي يعرف الشبه ويميز الأثر.
٦٧٧٠ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ عَلَىَّ مَسْرُورًا تَبْرُقُ أَسَارِيرُ وَجْهِهِ فَقَالَ: «أَلَمْ تَرَىْ أَنَّ مُجَزِّزًا نَظَرَ آنِفًا إِلَى زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ فَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ الأَقْدَامَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ».
وبه قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) أبو رجاء قال: (حدّثنا الليث) بن سعد إمام المصريين (عن ابن شهاب) محمد الزهري (عن عروة) بن الزبير (عن عائشة ﵂) أنها (قالت: إن رسول الله ﷺ دخل عليّ) بتشديد الياء البيت حال كونه (مسرورًا) حال كونه (تبرق) تضيء وتستنير من السرور (أسارير وجهه) وهي الخطوط التي في الجبهة واحدها سر وسرر وجمعها أسرار وأسرة وجمع الجمع أسارير (فقال) ﷺ :
(ألم تري) حرف جزم ومعه همزة التقرير وتري مجزوم به بحذف النون والرؤية علمية وسدت إن في قوله (أن مجززًا) مسدّ مفعوليها ولذا فتحت أن ومجززًا بضم الميم وفتح الجيم وكسر الزاي الأولى المشددة وتفتح اسم إن وسمي مجززًا لأنه كان يجز ناصية الأسير في زمن الجاهلية ويطلقه وهو ابن الأعور بن جعدة المدلجي (نظر آنفًا) خبر إن وآنفًا بالمدّ ويقصر زمان أي الساعة (إلى زيد بن حارثة وأسامة بن زيد فقال: إن هذه الأقدام عضها من) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي لمن (بعض) أي لكائنة من بعض أو مخلوقة من بعض كقوله تعالى: ﴿بعضكم من بعض﴾ [النساء: ٢٥] أي مخلوقون من بعض وسبب سروره ﵊ أن الجاهلية كانت تقدح في نسب أسامة لكونه أسود شديد السواد لكون أمه كانت سوداء وزيد أبيض من القطن، فلما قال مجزز ما قال مع اختلاف اللون سر ﷺ بذلك لكونه كافأ لهم عن الطعن فيه لاعتقادهم ذلك.
والحديث أخرجه مسلم في النكاح وأبو داود في الطلاق والترمذي في الولاء والنسائي في الطلاق.
٦٧٧١ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَىَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ وَهْوَ مَسْرُورٌ فَقَالَ: «يَا عَائِشَةُ أَلَمْ تَرَىْ أَنَّ مُجَزِّزًا الْمُدْلِجِىَّ دَخَلَ فَرَأَى أُسَامَةَ وَزَيْدًا وَعَلَيْهِمَا قَطِيفَةٌ قَدْ غَطَّيَا رُءُوسَهُمَا وَبَدَتْ أَقْدَامُهُمَا؟ فَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ الأَقْدَامَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ».
وبه قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (عن الزهري) محمد بن مسلم (عن عروة) بن الزبير (عن عائشة) ﵂ أنها (قالت: دخل عليّ رسول الله ﷺ ذات يوم) أي يومًا البيت وهو من إضافة المسمى إلى اسمه أو ذات مقحم (وهو مسرور فقال):
стр. 7438
(يا) ولأبي ذر: أي (عائشة ألم تري أن مجززًا المدلجي) بضم الميم وسكون الدال المهملة وكسر اللام والجيم بعدها تحتية نسبة إلى مدلج بن مرّة بن عبد مناف بن كنانة وكانت القيافة فيهم، وفي بني أسد والعرب تعترف لهم بذلك وليس ذلك خاصًّا بهم على الصحيح، فرُوِيَ أن عمر بن الخطاب ﵁ كان فائقًا وقد كان قرشيًّا لا مدلجيًّا ولا أسديًّا (دخل عليّ) بتشديد الياء وسقط لغير أبي ذر عليّ (فرأى أسامة) زاد أبو ذر: ابن زيد (وزيدًا) أي ابن حارثة (وعليهما قطيفة) أي كساء (قد غطيا رؤوسهما) بها (وبدت أقدامهما) أي ظهرت (فقال: إن هذه الأقدام بعضها) كائنة أو مخلوقة (من بعض).
وفي الحديث العمل بالقافة لتقريره ﷺ وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد. وقال الحنفية: الحكم بها باطل لأنها حدس، وذلك لا يجوز في الشريعة، وليس في حديث الباب حجة في إثبات الحكم بها لأن أسامة كان قد ثبت نسبه قبل ذلك فلم يحتج الشارع في إثبات ذلك إلى قول احد، وإنما تعجب من إصابه مجزز.
ووجه إدخال هذا الحديث في كتاب الفرائض الردّ على من زعم أن القائف لا يعتبر بقوله فإن من اعتبر قوله فعمل به لزم منه حصول التوارث بين الملحق والملحق به.
стр. 7439
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٨٦ - كتاب الحدود
(كتاب الحدود) جمع حد وهو الحاجز بين الشيئين يمنع اختلاط أحدهما بالآخر، وحدّ الزنا والخمر سمي به لكونه مانعًا لمتعاطيه عن معاودة مثله مانعًا لغيره أن يسلك مسلكه، وفي رواية أبي ذر تأخير البسملة عن لفظ كتاب.
(وما يحذر من الحدود) أي كتاب بيان أحكام الحدود وبيان الحدود وبيان ما يحذر من الحدود ولأبي ذر عن المستملي باب ما يحذر من الحدود وتطلق الحدود ويراد بها نفس المعاصي ولم يذكر البخاري هنا حديثًا.
١ - باب لَا يُشْرَبُ الْخَمْرُ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُنْزَعُ مِنْهُ نُورُ الإِيمَانِ فِى الزِّنَا
هذا (باب) بالتنوين (لا يشرب الخمر) بضم التحتية وفتح الراء مبنيًّا للمفعول والخمر رفع نائب الفاعل وللمستملي فيما ذكره في الفتح وهو في اليونينية لأبي ذر باب الزنا وشرب الخمر أي التحذير من تعاطيهما، وسقط لأبي ذر لا يشرب الخمر (وقال ابن عباس) ﵄: مما وصله ابن أبي شيبة في كتاب الإيمان (ينزع منه) بضم أوله وفتح الزاي والضمير في منه للزاني (نور الإيمان في الزنا). ورواه أبو جعفر الطبري من طريق مجاهد عن ابن عباس سمعت النبي ﷺ يقول: "من زنى نزع الله منه نور الإِيمان من قلبه فإن شاء أن يرده إليه ردّه". وفي حديث أبي هريرة مرفوعًا عند أبي داود: "إذا زنى الرجل خرج منه الإيمان فكان عليه كالظلة فإذا أقلع رجع إليه الإيمان". ويحتمل أن يكون الذي نقص منه الحياء المعبر عنه بالنور والحياء من الإِيمان.
٦٧٧٢ - حَدَّثَنِى يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِى بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَزْنِى الزَّانِى حِينَ يَزْنِى وَهْوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُ وَهْوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهْوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا
стр. 7440
يَنْتَهِبُ نُهْبَةً يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهِ فِيهَا أَبْصَارَهُمْ وَهْوَ مُؤْمِنٌ». وَعَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَأَبِى سَلَمَةَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ إِلاَّ النُّهْبَةَ.
وبه قال: (حدثني) بالإفراد ولأبي ذر حدّثنا (يحيى بن بكير) بضم الموحدة وفتح الكاف المخزومي مولاهم المصري وبكير اسم جده واسم أبيه عبد الله قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (عن عقيل) بضم العين وفتح القاف ابن خالد (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن أبي بكر بن عبد الرَّحمن) بن الحارث بن هشام المخزومي (عن أبي هريرة) ﵁ (أن رسول الله ﷺ قال):
(لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) إذا استحله مع العلم بتحريمه أو يسلب الإيمان حال تلبسه بالكبيرة فإذا فارقها عاد إليه أو هو من باب التغليظ للتنفير عنه أو معناه نفي الكمال وإلا فالمعصية لا تخرج المسلم عن الإيمان خلافًا للمعتزلة المكفرين بالذنب القائلين بتخليد العاصي في النار (ولا يشرب الخمر حين يشربـ) ـه (وهو مؤمن) إذا استحله كما مرّ (ولا يسرق حين يسرق) ولأبي ذر ولا يسرق السارق حين يسرق (وهو مؤمن ولا ينتهب نهبة) بضم النون مالاً منهوبًا جهرًا قهرًا ظلمًا لغيره (يرفع الناس إليه) إلى الناهب (فيها أبصارهم) لا يقدرون على دفعه ولو تضرعوا إليه (وهو مؤمن) أو هو كناية عن عدم التستر بذلك فيكون صفة لازمة للنهب بخلاف السرقة والاختلاس فإنه يكون في خفية والانتهاب أشدّ لما فيه من مزيد الجراءة وعدم المبالاة ولم يذكر الفاعل في الشرب وما بعده ففيه كما قال ابن مالك حذف الفاعل لدلالة الكلام عليه والتقدير: ولا يشرب الشارب الخمر الخ .. ولا يرجع الضمير إلى الزاني لئلا يختص به بل هو عام في كل من شرب، وكذا في الباقي وقد ذكر الفاعل في لا يسرق في رواية أبي ذر كما مرّ.
والحديث أخرجه مسلم في الأشربة وابن ماجة في الفتن.
(وعن ابن شهاب) الزهري بالسند السابق (عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة) بن عبد الرَّحمن بن عوف كلاهما (عن أبي هريرة) ﵁ (عن النبي ﷺ بمثله) أي بمثل حديث أبي بكرة عن أبي هريرة ﵁ هذا (إلا النهبة) فليست فيه.
٢ - باب مَا جَاءَ فِى ضَرْبِ شَارِبِ الْخَمْرِ
(باب ما جاء في ضرب شارب الخمر).
٦٧٧٣ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ ح حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ ضَرَبَ فِى الْخَمْرِ بِالْجَرِيدِ وَالنِّعَالِ وَجَلَدَ أَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ.
[الحديث ٦٧٧٣ - طرفه في: ٦٧٧٦].
стр. 7441
وبه قال: (حدّثنا حفص بن عمر) بن الحارث بن سخبرة الأزدي الحوضي قال: (حدّثنا هشام) الدستوائي (عن قتادة) بن دعامة (عن أنس) ﵁ (أن النبي ﷺ ح) للتحويل.
قال البخاري بالسند إليه: (وحدّثنا آدم) ولأبي ذر: ابن أبي إياس قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج قال: (حدّثنا قتادة عن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ ضرب) أي أمر بالضرب (في الخمر بالجريد والنعال) الباء في بالجريد باء الآلة والجريد سعف النخل وسمي به لأنه جرد عن الخوص (وجلد) أي أمر بالجلد فيه (أبو بكر) الصديق ﵁ في خلافته (أربعين) جلدة، وهذا لفظ طريق هشام عن قتادة وأما لفظ طريق شعبة فأخرجه البيهقي في الخلافيات من طريق جعفر بن محمد القلانسي عن آدم شيخ البخاري فيه بلفظ: إن النبي ﷺ أتي برجل شرب الخمر فضربه بجريدتين نحوًا من أربعين، ثم صنع أبو بكر مثل ذلك فلما كان عمر استشار الناس فقال له عبد الرَّحمن بن عوف: أخف الحدود ثمانون ففعله عمر.
وأخرجه مسلم والنسائي أيضًا من طريق محمد بن جعفر عن شعبة مثل رواية آدم إلا أنه قال: وفعله أبو بكر فلما كان عمر أي في خلافته استشار الناس فقال عبد الرَّحمن بن عوف: أخف الحدود ثمانون، وأمر به عمر ولم يقل عن النبي ﷺ أربعين، نعم في رواية مسلم أنه ﷺ كان يضرب في الخمر بالنعال والجريد أربعين، وقوله في الرواية السابقة: نحوًا من أربعين قيل لا بدّ من تأويله بأنه إنما عبر بنحو لعدم التساوي في الضرب والآلة، وإلاّ فالحدود إنما تكون محدودة وكون الراوي حاكيًا ذلك عن واقعة لا يلزم منه أن يكون تقريبًا بل تحديدًا وإن كان الراوي لم يحرر التحديد فيه فغايته أن يكون أربعين فوجب القول بأنها الحد، لا سيما وانضم إليها رواية مسلم السابقة ونحوها مما فيه الجزم بالأربعين ونحو قد تأتي بمعنى مثل، وفي مسلم أيضًا من طريق معاذ بن هشام عن أبيه ثم جلد أبو بكر أربعين فلما كان عمر ودنا الناس من الريف والقرى قال: ما ترون في جلد الخمر؟ فقال عبد الرَّحمن بن عوف: أرى أن تجعلها كأخف الحدود قال: فجلد عمر ثمانين والريف بكسر الراء كل أرض فيها زرع ونخل أو ما قارب المياه من أرض العرب وغيرها، أو ما فيه زرع وخصب أو هو الخصب والسعة في المأكل والمشرب، وعند النسائي من طريق يزيد بن هارون عن شعبة فضربه بالنعال نحوًا من أربعين ثم أتى به أبو بكر فصنع به مثل ذلك، ورواه همام عن قتادة بلفظ. فأمر قريبًا من عشرين رجلاً فجلده كل رجل جلدتين بالجريد أخرجه أحمد والبيهقي.
قال في الفتح: وبهذا يجمع بين ما اختلف فيه على شعبة وأن جملة الضربات كانت نحو أربعين بجريدتين فتكون الجملة ثمانين.
وفي مسلم من طريق حضين بحاء مهملة وضاد معجمة مصغرًا ابن المنذر أن عثمان أمر عليًّا بجلد الوليد بن عقبة في الخمر فقال لعبد الله بن جعفر: اجلده فجلده فلما بلغ أربعين قال: أمسك جلد رسول الله ﷺ أربعين، وجلد أبو بكر أربعين، وجلد عمر ثمانين وكل سنّة. وهذا
стр. 7442
أحبّ إليّ ففيه الجزم بأنه ﷺ جلد أربعين، وسائر الأخبار ليس فيه عدد إلا بعض الروايات عن أنس ففيه نحو الأربعين والجمع بينهما أن عليًّا أطلق الأربعين فهو حجة على من ذكرها بلفظ التقريب، فمذهب الشافعية أن حدّ الحرّ أربعون جلدة لما سبق، وحدّ غيره ولو مبعضًا عشرون على النصف من الحر كنظائره متوالية في كل من الأربعين والعشرين بحيث يحصل بها زجر وتنكيل فلا تفرق على الأيام والساعات لعدم الإِيلام، وللإِمام زيادة على الحدّ إن رآه فيبلغ الحد ثمانين وغيره أربعين كما فعله عمر ﵁ ورآه عليّ ﵁ قال: لأنه إذا شرب سكر وإذا سكر هذى وإذا هذى افترى، وحدّ الافتراء ثمانون. رواه الدارقطني فجعل سبب السبب سببًا وأجرى على الأول ما أجرى على الآخر، والزيادة على الحدّ تعازير لا حدّ وإلاّ لما جاز تركها.
واعترض بأن وضع التعزير النقص عن الحد فكيف يساويه؟ وأجيب: بأن ذلك تعازير لأن ذلك لجنايات تولدت من الشارب. قال الرافعي: وليس شافيًا فإن الجناية لم تتحقق حتى يعزر والجنايات التي تتولد من الخمر لا تنحصر فلتجز الزيادة على الثمانين وقد منعوها قال: وفي قصة تبليغ الصحابة الضرب ثمانين ألفاظ مشعرة بأن الكل حد وعليه فحد الشارب مخصوص من بين سائر الحدود بأن يتحتم بعضه ويتعلق بعضه باجتهاد الإمام، ومذهب الحنفية والمالكية أن الثمانين حد وكذا عند الحنابلة على الصحيح عندهم، وقد اختلف النقل عن الصحابة في التحديد والتقدير في الحد، والذي تحصل من ذلك ستة. أحدها: أن النبي ﷺ لم يجعل في ذلك حدًّا معلومًا بل كان يقتصر على ضرب الشارب على ما يليق به. الثاني: أنه أربعون بغير زيادة. الثالث: مثله لكن للإمام أن يبلغ به ثمانين وهل الزيادة من تمام الحد أو تعزير قولان: الرابع: أنه ثمانون بغير زيادة عليها. الخامس: كذلك وتجوز الزيادة تعزيرًا. السادس: إن شرب فجلد ثلاث مرات فعاد فى الرابعة وجب قتله، وقيل إن شرب أربعًا فعاد في الخامسة وجب قتله وهو قول شاذ.
والحديث أخرجه مسلم في الحدود وكذا الترمذي وابن ماجة.
٣ - باب مَنْ أَمَرَ بِضَرْبِ الْحَدِّ فِى الْبَيْتِ
(باب من أمر بضرب الحد في البيت).
٦٧٧٤ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ ابْنِ أَبِى مُلَيْكَةَ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ، قَالَ: جِئَ بِالنُّعَيْمَانِ أَوْ بِابْنِ النُّعَيْمَانِ شَارِبًا فَأَمَرَ النَّبِىُّ ﷺ مَنْ كَانَ بِالْبَيْتِ أَنْ يَضْرِبُوهُ قَالَ: فَضَرَبُوهُ فَكُنْتُ أَنَا فِيمَنْ ضَرَبَهُ بِالنِّعَالِ.
وبه قال: (حدثنا قتيبة) بن سعيد قال: (حدّثنا عبد الوهاب) بن عبد المجيد الثقفي (عن أيوب) السختياني (عن ابن أبي مليكة) هو عبد الله بن عبيد الله واسم أبي مليكة زهير بن عبد الله بن جدعان (عن عقبة بن الحارث) بن عامر بن نوفل أبي سروعة القرشي المكي هو من أفراد البخاري أنه
стр. 7443
(قال: جيء بالنعيمان) بالتصغير (أو بابن النعيمان) بالشك من الراوي وجيء بالبناء للمجهول وسبق في الوكالة أن الذي جاء به هو عقبة بن الحارث ﵁ كما رواه الإسماعيلي ولفظه جئت بالنعيمان (شاربًا) نصب على الحال أي شاربًا مسكرًا أي متصفًا بالسكر لأنه حين جيء به لم يكن شاربًا حقيقة بل كان سكران (فأمر النبي ﷺ من كان بالبيت) وفي نسخة من كان في البيت (أن يضربوه قال) عقبة: (فضربوه فكنت أنا فيمن ضربه بالنعال) بكسر النون.
وفي الحديث جواز ضرب الحدّ في البيوت سرًّا خلافًا لمن منعه محتجًا بظاهر ما روي عن عمر في قصة ولده عبد الرَّحمن أبي شحمة لما شرب بمصر فحدّه عمرو بن العاص في البيت أن عمر ﵁ أنكر عليه، وأحضر ولده أبا شحمة وضربه الحد جهرًا كما رواه ابن سعد، وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن ابن عمر مطوّلاً والجمهور على الاكتفاء وحملوا صنيع عمر على المبالغة في تأديب ولده لا أن إقامة الحد لا تصح إلا جهرًا.
والحديث سبق في الوكالة.
٤ - باب الضَّرْبِ بِالْجَرِيدِ وَالنِّعَالِ
(باب الضرب بالجريد والنعال) في شرب الخمر.
٦٧٧٥ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا وُهَيْبُ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى مُلَيْكَةَ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ أُتِىَ بِنُعَيْمَانَ أَوْ بِابْنِ نُعَيْمَانَ وَهْوَ سَكْرَانُ فَشَقَّ عَلَيْهِ، وَأَمَرَ مَنْ فِى الْبَيْتِ أَنْ يَضْرِبُوهُ، فَضَرَبُوهُ بِالْجَرِيدِ وَالنِّعَالِ وَكُنْتُ فِيمَنْ ضَرَبَهُ.
وبه قال: (حدّثنا سليمان بن حرب) الواشحي قاضي مكة قال: (حدّثنا وهيب بن خالد) بضم الواو ابن عجلان الباهلي مولاهم أبو بكر البصري (عن أيوب) السختياني (عن عبد الله بن أبي مليكة) بضم الميم وفتح اللام وهو جده (عن عقبة بن الحارث) ﵁ (أن النبي ﷺ أتي بنعيمان) بضم النون (أو بابن نعيمان) بضم النون أيضًا بالشك هل الذي أتي به نعيمان أو ابنه ولأبي ذر عن الحموي والمستملي بالنعيمان أو بابن النعيمان بزيادة ألف ولام فيهما (وهو سكران) بعدم الصرف (فشق) ذلك (عليه) زاده الله شرفًا لديه وعند النسائي فشق على النبي ﷺ مشقة شديدة (وأمر من في البيت أن يضربوه) الحد (فضربوه بالجريد والنعال) قال عقبة (وكنت) بالواو ولأبي ذر فكنت (فيمن ضربه) وفيه أن الحد يحصل بالضرب بالجريد والنعال وكذا بالعصا المعتدلة وأطراف الثياب بعد فتلها حتى تشتد إذ القصد الإيلام وكذا بالسوط وتمسك به من قال: يجوز إقامة الحد على السكران في حال سكره، والجمهور على خلافه، وأولوا الحديث بأن المراد ذكر سبب الضرب لا أن ذلك الوصف استمر به في حال ضربه لأن المقصود بالضرب في الحد الإيلام ليحصل الردع به.
стр. 7444
وسبق في الباب الذي قبل هذا أن في كتاب الوكالة أن في رواية للإسماعيلي جئت بالنعيمان من غير شك، وكذا عند الزبير بن بكار وابن منده بغير شك أيضًا وهو النعيمان بن عمرو بن رفاعة بن الحارث بن سواد بن مالك بن غنم بن مالك بن النجار الأنصاري شهد العقبة وبدرًا والمشاهد كلها، وكان كثير المزاح يضحك النبي ﷺ من مزاحه وهو صاحب سويبط بن حرملة فقال يومًا له: لأغيظنك فجاء إلى أناس جلبوا ظهرًا فقال: ابتاعوا منا غلامًا عربيًّا فارهًا وهو ذو لسان، ولعله يقول: أنا حرّ فإن كنتم تاركيه لذلك فدعوه لا تفسدوا عليّ غلامي فقالوا بل نبتاعه منك بعشر قلائص فأقبل بها يسوقها وأقبل بالقوم حتى عقلوه ثم قال: دونكم هذا هو فجاء القوم فقالوا قد اشتريناك فقال سويبط: هو كاذب أنا رجل حرّ فقالوا قد أخبرنا خبرك فطرحوا الحبل في رقبته وذهبوا به وجاء أبو بكر فأخبر به فذهب هو وأصحاب له فردوا القلائص وأخذوه، فلما عادوا إلى النبي ﷺ وأخبروه الخبر ضحك النبي ﷺ وأصحابه حولاً.
وروي أنه جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ فدخل المسجد وأناخ ناقته بفنائه فقال بعض أصحاب النبي ﷺ لنعيمان لو نحرتها فأكلناها فإنا قد قرمنا إلى اللحم ويغرم رسول الله ﷺ ثمنها قال: فنحرها نعيمان ثم خرج الأعرابي فصاح به واعقرياه يا محمد، فخرج النبي ﷺ فقال "من فعل هذا": قالوا نعيمان فأتبعه يسأل عنه فوجدوه في دار ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب مستخفيًا فأشار إليه رجل ورفع صوته يقول: ما رأيته يا رسول الله وأشار بإصبعه حيث هو فأخرجه رسول الله ﷺ فقال له: "ما حملك على هذا"؟ قال: الذين دلوك عليّ يا رسول الله هم الدين أمروا فجعل رسول الله ﷺ يمسح وجهه ويضحك وغرم ثمنها وكان يشرب الخمر فلما كثر ذلك منه قال له رجل من أصحاب النبي ﷺ لعنك الله فقال النبي ﷺ : "لا تفعل فإنه يحب الله ورسوله".
٦٧٧٦ - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: جَلَدَ النَّبِىُّ ﷺ فِى الْخَمْرِ بِالْجَرِيدِ وَالنِّعَالِ، وَجَلَدَ أَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ.
وبه قال: (حدّثنا مسلم) هو ابن إبراهيم الفراهيدي البصري قال: (حدّثنا هشام) الدستوائي قال: (حدّثنا قتادة) بن دعامة السدوسي (عن أنس) ﵁ أنه (قال: جلد النبي ﷺ في الخمر بالجريد والنعال وجلد أبو بكر) ﵁ (أربعين) ولا منافاة بين قوله ضرب وجلد لأن المراد من قوله جلد ضرب فأصاب جلده وليس المراد ضربه بالجلد.
٦٧٧٧ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا أَبُو ضَمْرَةَ أَنَسٌ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْهَادِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ أُتِىَ النَّبِىُّ ﷺ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ قَالَ: «اضْرِبُوهُ» قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁: فَمِنَّا الضَّارِبُ بِيَدِهِ وَالضَّارِبُ بِنَعْلِهِ وَالضَّارِبُ بِثَوْبِهِ فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: أَخْزَاكَ اللَّهُ قَالَ: لَا تَقُولُوا هَكَذَا لَا تُعِينُوا عَلَيْهِ الشَّيْطَانَ.
[الحديث ٦٧٧٧ - طرفه في: ٦٧٨١].
стр. 7445
وبه قال: (حدّثنا قتيبة) بن سعيد قال: (حدّثنا أبو ضمرة أنس) أي ابن عياض (عن يزيد بن الهاد) هو يزيد من الزيادة ابن عبد الله بن أسامة بن عبد الله بن شداد بن الهاد نسبه إلى جده الأعلى (عن محمد بن إبراهيم) بن الحارث بن خالد التيمي (عن أبي سلمة) بن عبد الرَّحمن بن عوف (عن أبي هريرة ﵁) أنه (قال: أُتي) بضم الهمزة (النبي ﷺ برجل) يحتمل أن يكون هو النعيمان أو عبد الله الذي كان يلقب حمارًا والثاني أقرب (قد شرب) خمرًا (قال) ﷺ :
(اضربوه) أي يذكر عددًا فقيل لأنه لم يكن محدودًا بعدد مخصوص حينئذٍ (قال أبو هريرة ﵁ فمنا الضارب بيده والضارب بنعله والضارب بثوبه) أي بعد فتله للإيلام (فلما انصرف) من الضرب (قال بعض القوم) قيل إنه عمر ﵁ (أخزاك الله قال) ﷺ : (لا تقولوا هكذا) أي لا تدعوا عليه بالخزي وهو الذل والهوان (لا تعينوا عليه الشيطان) لأن الشيطان يريد بتزيينه له المعصية أن يحصل له الخزي فإذا دعوا عليه بالخزي فكأنهم قد حصلوا مقصود الشيطان وقال البيضاوي: لا تدعوا عليه بهذا الدعاء، فإن الله إذا أخزاه استحوذ عليه الشيطان أو لأنه إذا سمع منكم انهمك في المعاصي وحمله اللجاج والغضب على الإصرار فيصير الدعاء وصلة ومعونة في إغوائه وتسويله.
والحديث أخرجه أبو داود في الحدود.
٦٧٧٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا أَبُو حَصِينٍ سَمِعْتُ عُمَيْرَ بْنَ سَعِيدٍ النَّخَعِىَّ قَالَ: سَمِعْتُ عَلِىَّ بْنَ أَبِى طَالِبٍ ﵁ قَالَ: مَا كُنْتُ لأُقِيمَ حَدًّا عَلَى أَحَدٍ، فَيَمُوتَ فَأَجِدَ فِى نَفْسِى إِلاَّ صَاحِبَ الْخَمْرِ، فَإِنَّهُ لَوْ مَاتَ وَدَيْتُهُ وَذَلِكَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَسُنَّهُ.
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن عبد الوهاب) الحجبي بفتح المهملة والجيم ثم موحدة البصري قال: (حدّثنا خالد بن الحارث) بن عبيد بن سالم الهجيمي البصري قال: (حدّثنا سفيان) الثوري قال: (حدّثنا أبو حصين) بفتح الحاء وكسر الصاد المهملتين عثمان بن عاصم الأسدي الكوفي قال: (سمعت عمير بن سعيد) بضم العين وفتح الميم في الأول وكسر العين في الثاني (النخعي قال: سمعت علي بن أبي طالب ﵁) أنه (قال: ما كنت لأقيم) اللام لتأكيد النفي (حدًّا على أحد فيموت فأجد في نفسي) أي فأحزن عليه والفعلان بالنصب كذا في الفرع ونص عليه في الفتح وقال الكرماني فيموت بالنصب فأجد بالرفع وقوله فيموت مسبب عن أقيم وأجد مسبب عن السبب والمسبب معًا والاستثناء في قوله (إلا صاحب الخمر) منقطع فصاحب يجب نصبه إلا عند تميم أي لكن أجد من حد صاحب الخمر إذا مات شيئًا، ويجوز أن يقدر ما أجد من موت أحد يقام عليه الحد شيئًا إلا من موت صاحب الخمر فيكون متصلاً قاله في شرح المشكاة وصاحب
стр. 7446
الخمر أي شارب الخمر (فإنه لو مات وديته) بتخفيف الدال المهملة أعطيت ديته لمن يستحقها. وعند النسائي وابن ماجة من رواية الشعبي عن عمير بن سعيد قال: سمعت عليًّا يقول: من أقمنا عليه حدًّا فمات فلا دية له إلا من ضربناه في الخمر.
وقال في المصابيح: فإن قلت: لا شك أن الاستثناء المتقدم متصل وحكمه نقيض الحكم الثابت للمستثنى منه ضرورة أن الاستثناء من النفي إثبات وبالعكس وحكم المستثنى منه عدم الوجدان في النفس والثابت للمستثنى كونه يودى وليس نقيضًا للأول. وأجاب: بأنه يلزم من القيام بديته ثبوت الوجدان في النفس من أمره ولذلك يديه على تقدير موته فهو حينئذٍ جار على القاعدة والمعنى فإنه لو مات وجدت في نفسي منه فوديته فحذف السبب وأقام المسبب مقامه.
(وذلك) إشارة إلى قوله ما كنت لأقيم الخ (أن رسول الله ﷺ لم يسنه) أي لم يقدر فيه حدًّا مضبوطًا وقد اتفقوا على أن من وجب عليه حد فجلده الإمام أو جلاده الحد الشرعي فمات فلا دية فيه ولا كفارة على الإمام ولا على جلاده ولا في بيت المال إلا في حد الخمر فعن عليّ ما تقدم، وقال الشافعي: إن ضرب بغير السوط فلا ضمان وإن شرب بالسوط ضمن قبل الدّية وقيل قدر تفاوت ما بين الجلد بالسوط وبغيره والدية في ذلك على عاقلة الإمام، وكذلك لو مات فيما زاد على الأربعين. وقال الطيبي: ويحتمل أن يراد بقوله لم يسنه الحد الذي يؤدّي إلى التعزير كما في حديث أنس ومشاورة عمر عليًّا ﵄ قال: وتلخيص المعنى أنه إنما خاف من سنة سنها عمر وقوّاها برأي عليّ لا ما سنه رسول الله ﷺ .
والحديث أخرجه مسلم في الحدود وكذا أبو داود وابن ماجة.
٦٧٧٩ - حَدَّثَنَا مَكِّىُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْجُعَيْدِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ خُصَيْفَةَ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: كُنَّا نُؤْتَى بِالشَّارِبِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَإِمْرَةِ أَبِى بَكْرٍ وَصَدْرًا مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ، فَنَقُومُ إِلَيْهِ بِأَيْدِينَا وَنِعَالِنَا وَأَرْدِيَتِنَا، حَتَّى كَانَ آخِرُ إِمْرَةِ عُمَرَ فَجَلَدَ أَرْبَعِينَ حَتَّى إِذَا عَتَوْا وَفَسَقُوا جَلَدَ ثَمَانِينَ.
وبه قال: (حدّثنا مكي بن إبراهيم) البلخي (عن الجعيد) بضم الجيم وفتح العين المهملة ابن عبد الرَّحمن التابعي الصغير (عن يزيد بن خصيفة) بضم الخاء المعجمة وفتح الصاد المهملة بعدها تحتية ساكنة ثم فاء الكوفي وهو يزيد بن عبد الله بن خصيفة (عن السائب) بالهمزة بعد الألف (ابن يزيد) من الزيادة الكندي ﵁ أنه (قال: كنا نؤتى) بضم النون وفتح الفوقية (بالشارب) الخمر (على عهد رسول الله ﷺ ¬) وقد كان السائب صغيرًا جدًّا في عهد رسول الله ﷺ لأنه كان ابن ست سنين فبعد أن يشارك من كان يجالس النبي ﷺ فيما ذكر من ضرب الشارب فمراده بقوله كنا أي الصحابة ﵃ ويحتمل أن يحضر مع أبيه أو غيره فيشاركهم في ذلك فيكون الإسناد على حقيقته (وإمرة أبي بكر) بكسر الهمزة وسكون الميم أي خلافته رضي الله
стр. 7447
عنه (وصدرًا من خلافة عمر) ﵁ أوائل خلافته (فنقوم إليه بأيدينا ونعالنا وأرديتنا) فنضربه بها (حتى كان آخر إمرة عمر) بنصب آخر لأبي ذر وبالرفع لغيره (فجلد أربعين حتى إذا عتوا) بفتح العين المهملة والفوقية تجبروا وانهمكوا في الطغيان وبالغوا في الفساد في شرب الخمر (وفسقوا) أي خرجوا عن الطاعة (جلد ثمانين) سوطًا زاد عبد الرَّزاق. وقال: هذا أدنى الحدود.
واستشكل قوله: حتى كان آخر إمرة عمر الخ هذا بما في سنن أبي داود والنسائي من حديث عبد الرَّحمن بن أزهر في قصة الشارب الذي ضربه النبي ﷺ بحنين وفيه: فلما كان عمر كتب إليه خالد بن الوليد أن الناس قد انهكموا في الشرب وتحاقروا العقوبة قال: وعنده المهاجرون والأنصار فسألهم واجتمعوا على أن يضربه ثمانين فإنه يدل على أن أمر عمر بجلد ثمانين كان في وسط إمارته فإن خالدًا مات في وسط خلافة عمر وظاهر قوله حتى كان آخر إمرة عمر فجلد أربعين أن التحديد بها إنما وقع في آخر خلافة عمر وليس كذلك لما في قصة خالد المذكورة. وأجيب: بأن المراد بالغاية المذكورة استمرار الأربعين.
٥ - باب مَا يُكْرَهُ مِنْ لَعْنِ شَارِبِ الْخَمْرِ وَإِنَّهُ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنَ الْمِلَّةِ
(باب ما يكره من لعن شارب الخمر) بسكون العين والكراهة للتنزيه عند قصد محض السب وللتحريم عند قصد معناه الأصلي وهو الإِبعاد من رحمة الله (وأنه) أي الشارب (ليس بخارج) بمعصيته بشربه (من الملة) الإسلامية فالنفي في حديث لا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن السابق نفي للكمال.
٦٧٨٠ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنِى اللَّيْثُ، حَدَّثَنِى خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِى هِلَالٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّ رَجُلاً عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ كَانَ اسْمُهُ عَبْدَ اللَّهِ، وَكَانَ يُلَقَّبُ حِمَارًا وَكَانَ يُضْحِكُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَكَانَ النَّبِىُّ ﷺ قَدْ جَلَدَهُ فِى الشَّرَابِ فَأُتِىَ بِهِ يَوْمًا فَأَمَرَ بِهِ فَجُلِدَ فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: اللَّهُمَّ الْعَنْهُ مَا أَكْثَرَ مَا يُؤْتَى بِهِ فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «لَا تَلْعَنُوهُ فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ أَنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ».
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) بضم الموحدة ويحيى هو ابن عبد الله بن بكير المصري المخزومي قال: (حدثني) بالإفراد (الليث) بن سعد الإمام قال: (حدثني) بالإفراد أيضًا (خالد بن يزيد) البجلي (عن سعيد بن أبي هلال) بكسر العين الليثي المدني (عن زيد بن أسلم عن أبيه) أسلم الحبشي مولى عمر بن الخطاب (عن عمر بن الخطاب) ﵁ (أن رجلاً كان على عهد النبي ﷺ ¬) أي زمنه (كان اسمه عبد الله وكان يلقب حمارًا) باسم الحيوان المعروف (وكان يضحك رسول الله ﷺ ¬) بضم التحتية وسكون الضاد المعجمة وكسر المهملة بأن يفعل أو يقول: في حضرته
стр. 7448
المقدسة ما يضحك منه، وعند أبي يعلى من طريق هشام بن سعد عن زيد بن أسلم بسند الباب أن رجلاً كان يلقب حمارًا وكان يهدي لرسول الله ﷺ العكة من السمن والعسل، فإذا جاء صاحبه يتقاضاه جاء به إلى النبي ﷺ فقال: أعط هذا متاعه فما يزيد النبي ﷺ على أن يتبسم ويأمر به فيعطى وفي حديث عبد الله بن عمرو بن حزم وكان لا يدخل المدينة طرفة إلا اشترى منها ثم جاء فقال: يا رسول الله هذا أهديته لك فإذا جاء صاحبه يطلب ثمنه. فقال: اعط هذا الثمن فيقول ألم تهده لي فيقول ليس عندي فيضحك ويأمر لصاحبه بثمنه قال: وقد وقع نحو هذا لنعيمان فيما ذكره الزبير بن بكار في كتاب الفكاهة والمزاح.
(وكان النبي ﷺ قد جلده في الشراب) أي بسبب شربه الشراب المسكر (فأتي) بضم الهمزة (به يومًا) وقد شرب المسكر وكان في غزوة خيبر كما قاله الواقدي (فأمر) ﷺ (به فجلد) وللواقدي فأمر به فخفق بالنعال وحينئذٍ فيكون معنى فجلد أي ضرب ضربًا أصاب جلده (فقال) ولأبي ذر قال: (رجل من القوم) وعند الواقدي فقال عمر ﵁: (اللهم العنه ما أكثر ما يؤتى به) بضم التحتية وفتح الفوقية وما مصدرية أي ما أكثر إتيانه وللواقدي ما أكثر ما يضرب وفي رواية معمر ما أكثر ما يشرب وما أكثر ما يجلد (فقال النبي ﷺ ¬):
(لا تلعنوه فوالله ما علمت) أي الذي علمت (أنه) بفتح همزة أن واسمها الضمير وخبرها (يحب الله ورسوله) وأن مع اسمها وخبرها سد مسد مفعولي علمت لكونه مشتملاً على المنسوب والمنسوب إليه، والضمير في أنه يعود إلى الموصول والموصول مع صلته خبر مبتدأ محذوف تقديره هو الذي علمت والجملة جواب القسم، قاله المظهري. قال الطيبي: وفيه تعسف، وقال صاحب المطالع: ما موصولة وأنه بكسر الهمزة مبتدأ وقيل بفتحها وهو مفعول علمت. قال الطيبي: فعلى هذا علمت بمعنى عرفت وأنه خبر الموصول قال: وجعل ما نافية أظهر لاقتضاء القسم أن يتلقى بحرف النفي وبأن وباللام بخلاف الموصول ولأن الجملة القسمية جيء بها مؤكدة لمعنى النهي مقررة للإنكار، ولأبي ذر عن الكشميهني إلا أنه بزيادة إلا وفتح همزة أنه ولأبي ذر إنه بكسر الهمزة ورواية الكشميهني مؤيدة لقول الطيبي إن جعلت ما نافية الخ كما قال بعد ذلك، ويؤيده أنه وقع في شرح السنة فوالله ما علمت إلا أنه في رواية الواقدي فإنه يحب الله ورسوله ولا إشكال فيها لأنها جاءت تعليلاً لقوله لا تفعل.
وفي الحديث الرد على من زعم أن مرتكب الكبيرة كافر لثبوت النهي عن لعنه وأنه لا تنافي بين ارتكاب النهي وثبوت محبة الله ورسوله في قلب المرتكب لأنه ﷺ أخبر أن المذكور يحب الله ورسوله مع ما صدر منه وكراهة لعن شارب الخمر، وقيل المنع في حق من أقيم عليه الحد لأن الحد كفر عنه الذنب، وقيل المنع مطلقًا في حق ذي الزلة والجواز مطلقًا في حق المهاجرين، وصوّب ابن المنير أن المنع مطلقًا في حق المعين والجواز في حق غير المعين لأنه في حق غير المعين زجر عن تعاطي ذلك الفعل، واحتج الإمام البلقيني على جواز لعن المعين بالحديث الوارد في المرأة
стр. 7449
إذا دعاها زوجها إلى فراشه فأبت لعنتها الملائكة حتى تصبح وتعقبه بعضهم بأن اللاعن لها الملائكة فيتوقف الاستدلال به على جواز التأسي بهم، ولئن سلمنا فليس في الحديث تسميتها. وأجيب: بأن الملك معصوم والتأسي بالمعصوم مشروع.
والحديث من إفراده.
٦٧٨١ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ الْهَادِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: أُتِىَ النَّبِىُّ ﷺ بِسَكْرَانَ فَأَمَرَ بِضَرْبِهِ، فَمِنَّا مَنْ يَضْرِبُهُ بِيَدِهِ وَمِنَّا مَنْ يَضْرِبُهُ بِنَعْلِهِ، وَمِنَّا مَنْ يَضْرِبُهُ بِثَوْبِهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ رَجُلٌ: مَا لَهُ أَخْزَاهُ اللَّهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تَكُونُوا عَوْنَ الشَّيْطَانِ عَلَى أَخِيكُمْ».
وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله بن جعفر) المديني قال: (حدّثنا أنس بن عياض) أبو ضمرة قال: (حدّثنا ابن الهاد) هو عبد الله بن شداد بن الهاد (عن محمد بن إبراهيم) بن الحارث التيمي (عن أبي سلمة) بن عبد الرَّحمن بن عوف (عن أبي هريرة) ﵁ أنه (قال: أتي) بضم الهمزة (النبي ﷺ بسكران) تقدم أنه النعيمان أو ابن النعيمان بالتصغير فيهما وبالشك (فأمر بضربه) ولأبي ذر عن المستملي فقام ليضربه قال في الفتح: وهو تصحيف (فمنا من يضربه بيده ومنا من يضربه بنعله ومنا من يضربه بثوبه فلما انصرف قال رجل) قيل إنه عمر بن الخطاب ﵁: (ما له أخزاه الله) أي أذله (فقال رسول الله ﷺ ¬):
(لا تكونوا عون الشيطان على أخيكم) المسلم لأن الله إذا أخزاه استحوذ عليه الشيطان، وقيل غير ذلك مما سبق قريبًا في باب الضرب بالجريد والنعال.
وفي الحديث كلما قال القرطبي إن السكر بمجرده موجب للحدّ لأن الفاء للتعليل كقوله: سها فسجد ولم يفصل هل سكر من ماء عنب أو غيره ولا هل شرب قليلاً أو كثيرًا ففيه حجة للجمهور على الكوفيين في التفرقة.
٦ - باب السَّارِقِ حِينَ يَسْرِقُ
(باب السارق حين يسرق) بكسر الراء.
٦٧٨٢ - حَدَّثَنِى عَمْرُو بْنُ عَلِىٍّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ، حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ غَزْوَانَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَزْنِى الزَّانِى حِينَ يَزْنِى وَهْوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهْوَ مُؤْمِنٌ».
[الحديث ٦٧٨٢ - طرفه في: ٦٨٠٩].
وبه قال: (حدثني) بالإفراد ولأبي ذر حدّثنا (عمرو بن علي) بفتح العين أي ابن بحر الصيرفي قال: (حدّثنا عبد الله بن داود) بن عامر الكوفي قال: (حدّثنا فضيل بن غزوان) بضم
стр. 7450
الفاء وفتح المعجمة مصغرًا وغزوان بفتح العين المعجمة وسكون الزاي الكوفي (عن عكرمة) مولى ابن عباس (عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(لا يزني الزانمي حين يزني وهو مؤمن) إيمانًا كاملاً أو يحمل على المستحل منع العلم بالحرمة في الشرع (ولا يسرق حين يسرق) في يسرق ضمير مستتر مرفوع راجع إلى السارق الدال عليه قوله يسرق بالالتزام لأن يسرق يستلزم سارقًا وحسن ذلك تقدم نظيره وهو لا يزني الزاني وليس يرجع إلى الزاني لفساد المعنى ولأبي ذر ولا يسرق السارق حين يسرق (وهو مؤمن) وسبق في كتاب المظالم عن الفربري أنه قال وجدت بخط أبي جعفر يعني وراق البخاري قال أبو عبد الله البخاري: تفسيره أن ينزع منه يريد نور الإيمان اهـ.
والإيمان هو التصديق بالجنان والإقرار باللسان ونوره الأعمال الصالحة واجتناب المناهي فإذا زنى أو شرب الخمر أو سرق ذهب نوره وبقي في الظلمة فإن تاب رجع إلى الله.
والحدي مرّ في المظالم والحدود وغيرهما.
٧ - باب لَعْنِ السَّارِقِ إِذَا لَمْ يُسَمَّ
(باب) حكم (لعين السارق إذا لم يسم) أي لم يعين.
٦٧٨٣ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنِى أَبِى حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا صَالِحٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ يَسْرِقُ الْبَيْضَةَ، فَتُقْطَعُ يَدُهُ وَيَسْرِقُ الْحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ» قَالَ الأَعْمَشُ: كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّهُ بَيْضُ الْحَدِيدِ وَالْحَبْلُ، كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّهُ مِنْهَا مَا يَسْوَى دَرَاهِمَ.
[الحديث ٦٧٨٣ - طرفه في: ٦٧٩٩].
وبه قال: (حدّثنا عمر بن حفص بن غياث) قال: (حدثني) بالإفراد (أبي) حفص النخعي الكوفي قال: (حدّثنا الأعمش) سليمان بن مهران (قال: سمعت أبا صالح) ذكوان الزيات (عن أبي هريرة) ﵁ (عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده) فيه جواز لعن غير المعين من العصاة لأنه لعن الجنس مطلقًا ويحتمل أن يكون خبرًا ليرتدع من سمعه عن السرقة ويحتمل أن لا يراد به حقيقة اللعن بل التنفير فقط وقال في شرح المشكاة: لعل المراد باللعن هنا الإهانة والخذلان كأنه قيل لما استعمل أعز شيء عنده في أحقر شيء خذله الله حتى قطع (ويسرق الحبل) بالحاء المهملة المفتوحة والموحدة الساكنة (فتقطع يده).
(قال الأعمش) بالسند السابق (كانوا) أي الراوون لهذا الحديث (يرون) بفتح التحتية من الرأي ولأبي ذر بضمها من الظن (أنه بيض الحديد) ولأبي ذر عن الكشميهني بيضة الحديد أي التي تكون على رأس المقاتل (والحبل كانوا يرون) بفتح أوله وضمه ما مر (أنه) أي الحبل المذكور
стр. 7451
(منها) أي من الحبال (ما يسوى) بفتح التحتية والواو بينهما سين مهملة ساكنة ولأبي ذر ما يساوي بضم ففتح فألف فكسر (دراهم).
قال في الكواكب: أي ثلاثة كأنه نظر إلى أن أقل الجمع ثلاثة وتعقب الأعمش ابن قتيبة فقال قوله في هذا الحديث أن البيضة بيضة الحديد التي تجعل في الرأس في الحرب، وإن الحبل من حبال السفن تأويل لا يجوز عند من يعرف صحيح كلام العرب لأن كل واحد من هذين يبلغ دنانير كثيرة، وهذا ليس موضع تكثير لما يسرقه السارق ولا من عادة العرب والعجم أن يقولوا قبح الله فلانًا عرض نفسه للضرب في عقد جوهر وتعرض للعقوبة بالغلول في جراب مسك وإنما العادة في مثل هذا أن يقال لعنه الله تعرض لقطع اليد في حبل رث أو في كبة شعر أو رداء خلق وكل ما كان نحو ذلك كان أبلغ اهـ.
وتبعه الخطابي وعبارته تأويل الأعمش هذا غير مطابق للحديث ومخرج الكلام وإنما وجه الحديث وتأويله ذم السرقة وتهجين أمرها وتحذير سوء عاقبتها فيما قل وكثر من المال يقول إن سرقة الشيء اليسير الذي لا قيمة له كالبيضة المذرة والحبل الخلق الذي لا قيمة له إذا تعاطاها فاستمرت به العادة لم ينشب أن يؤديه ذلك إلى سرقة ما فوقهما حتى يبلغ قدر ما تقطع فيه اليد فتقطع يده يقول فليحذر هذا الفعل وليتوقه قبل أن تملكه العادة ويتمرن عليها ليسلم من عاقبته اهـ.
لكن أخرج ابن أبي شيبة عن حاتم بن إسماعيل عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي أنه قطع يد سارق في بيضة حديد ثمنها ربع دينار قال في الفتح: رجاله ثقات مع انقطاعه ولعل هذا مستند التأويل الذي أشار إليه الأعمش: وقال الكرماني: غرض الأعمش أنه لا قطع في الشيء القليل بل النصاب كربع دينار.
والحديث أخرجه مسلم في الحدود والنسائي في القطع وابن ماجة في الحدود.
٨ - باب الْحُدُودُ كَفَّارَةٌ
هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه (الحدود كفارة).
٦٧٨٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ أَبِى إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِىِّ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فِى مَجْلِسٍ فَقَالَ: «بَايِعُونِى عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلَا تَسْرِقُوا وَلَا تَزْنُوا». وَقَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ كُلَّهَا. «فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ بِهِ فَهْوَ كَفَّارَتُهُ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَسَتَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، إِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ».
стр. 7452
وبه قال: (حدّثنا محمد بن يوسف) غير منسوب وجزم أبو نعيم في المستخرج أنه الفريابي أو هو البيكندي قال: (حدّثنا) ولأبي ذر أخبرنا (ابن عيينة) سفيان (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (عن أبي إدريس) عائذ الله بالذال المعجمة (الخولاني) بالخاء المعجمة (عن عبادة بن الصامت ﵁) أنه (قال: كنا عند النبي ﷺ في مجلس فقال):
(بايعوني) بكسر التحتية أي عاقدوني (على) التوحيد (أن لا تشركوا بالله شيئًا و) على أن (لا تسرقوا) حذف المفعول ليدل على العموم (ولا تزنوا وقرأ هذه الآية كلها) وهي قوله تعالى في سورة الممتحنة: ﴿يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك﴾ [الممتحنة: ١٢] الآية (فيمن وفي منكم) بتخفيف الفاء (فأجره على الله) فضلاً (ومن أصاب من ذلك شيئًا) غير الشرك (فعوقب به) أي بسببه (فهو) أي العقاب (كفارته) فلا يعاقب عليه في الآخرة زاد الترمذي من حديث علي وصححه: فالله أكرم من أن يثني العقوبة على عبده في الآخرة واستشكل بحديث أبي هريرة عند البزار وصححه الحاكم أنه ﷺ قال لا أدري الحدود كفارة لأهلها أم لا وأجيب بأن حديث الباب أصح إسنادًا، وبأن الحاكم لا يخفى تساهله في التصحيح وسبق في كتاب الإيمان مزيد بحث لذلك فليراجع (ومن أصاب من ذلك شيئًا فستره الله عليه إن شاء غفر له) بفضله (وإن شاء عذبه) بعدله.
والحديث سبق في الإِيمان ما مرّ.
٩ - باب ظَهْرُ الْمُؤْمِنِ حِمًى، إِلاَّ فِى حَدٍّ أَوْ حَقٍّ
هذا (باب) بالتنوين (ظهر المؤمن حمى) أي محمي محفوظ عن الإيذاء (إلا في حدّ) وجب عليه (أو حق) لآدمي.
٦٧٨٥ - حَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ عَلِىٍّ، حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ وَاقِدِ بْنِ مُحَمَّدٍ سَمِعْتُ أَبِى قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِى حَجَّةِ الْوَدَاعِ: «أَلَا أَىُّ شَهْرٍ تَعْلَمُونَهُ أَعْظَمُ حُرْمَةً»؟ قَالُوا: أَلَا شَهْرُنَا هَذَا؟ قَالَ: «أَلَا أَىُّ بَلَدٍ تَعْلَمُونَهُ أَعْظَمُ حُرْمَةً»؟ قَالُوا: أَلَا بَلَدُنَا هَذَا؟ قَالَ: «أَلَا أَىُّ يَوْمٍ تَعْلَمُونَهُ أَعْظَمُ حُرْمَةً»؟ قَالُوا: أَلَا يَوْمُنَا هَذَا؟ قَالَ: «فَإِنَّ اللَّهَ ﵎ قَدْ حَرَّمَ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ إِلاَّ بِحَقِّهَا كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِى بَلَدِكُمْ هَذَا فِى شَهْرِكُمْ هَذَا، أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ»؟ ثَلَاثًا كُلُّ ذَلِكَ يُجِيبُونَهُ أَلَا نَعَمْ. قَالَ: «وَيْحَكُمْ -أَوْ وَيْلَكُمْ- لَا تَرْجِعُنَّ بَعْدِى كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ».
وبه قال: (حدثني) بالإفراد ولأبي ذر حدّثنا (محمد بن عبد الله) قال الحاكم: هو الذهلي فيكون نسبه لجدّه واسم أبيه يحيى بن عبد الله بن خالد بن فارس أو هو محمد بن عبد الله بن أبي الثلج بالمثلثة والجيم قال: (حدّثنا عاصم بن علي) الواسطي قال: (حدّثنا عاصم بن محمد عن)
стр. 7453
أخيه (واقد بن محمد) بالقاف أنه قال: (سمعت أبي) محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب (قال عبد الله) بن عمر بن الخطاب ﵄: (قال رسول الله ﷺ في حجة الوداع) بمنى في خطبته التي خطبها يوم النحر:
(ألا) بالتخفيف للتنبيه (أيّ شهر تعلمونه أعظم حرمة)؟ برفع أي (قالوا: ألا) بالتخفيف (شهرنا هذا) الحجة (قال) ﷺ : (ألا أي بلد تعلمونه أعظم حرمة قالوا: ألا بلدنا هذا) البلد الحرام (قال: ألا أي يوم تعلمونه أعظم حرمة؟ قالوا: ألا يومنا هذا). يوم النحر في الكواكب: فإن قلت: صح إن أفضل الأيام يوم عرفة. وأجاب بأن المراد باليوم وقت أداء المناسك وهما في حكم شيء واحد (قال) ﷺ : (فإن الله ﵎ سقط لأبي ذر ما بعد الجلالة الشريفة (قد حرم دماءكم) ولأبي ذر قد حرم عليكم ودماءكم (وأموالكم وأعراضكم) بفتح الهمزة (ألا بحقها كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا ألا) بالتخفيف (هل بلغت) قال ذلك (ثلاثًا كل ذلك يجيبونه) أي الصحابة (ألا نعم) بلغت (قال) ﷺ (ويحكم) بالحاء المهملة كلمة رحمة (أو) قال (ويلكم) كلمة عذاب (لا ترجعن) بضم العين وبالنون الثقيلة خطاب للجماعة ولمسلم لا ترجعوا (بعدي) بعد موقفي هذا أو بعد وفاتي (كفارًا) أي لا يكفر بعضكم بعضًا فتستحلوا القتال أو لا تكن أفعالكم أفعال الكفار (يضرب بعضكم رقاب بعض) برفع يضرب جملة مستأنفة مبنية لقوله:
لا ترجعوا بعدي كفارًا.
والحديث سبق في الحج في باب الخطبة أيام منى والله أعلم.
١٠ - باب إِقَامَةِ الْحُدُودِ وَالاِنْتِقَامِ لِحُرُمَاتِ اللَّهِ
(باب) وجوب (إقامة الحدود و) وجوب (الانتقام لحرمات الله).
٦٧٨٦ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: مَا خُيِّرَ النَّبِىُّ ﷺ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلاَّ اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَأْثَمْ، فَإِذَا كَانَ الإِثْمُ كَانَ أَبْعَدَهُمَا مِنْهُ، وَاللَّهِ مَا انْتَقَمَ لِنَفْسِهِ فِى شَىْءٍ يُؤْتَى إِلَيْهِ قَطُّ، حَتَّى تُنْتَهَكَ حُرُمَاتُ اللَّهِ فَيَنْتَقِمُ لِلَّهِ.
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) هو ابن عبد الله بن بكير المصري قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (عن عقيل) بضم العين ابن خالد (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن عروة) بن الزبير (عن عائشة ﵂¬) أنها (قالت: ما خير النبي ﷺ ¬) بضم الخاء المعجمة وتشديد التحتية المكسورة (بين أمرين) من أمور الدنيا (إلاّ اختار أيسرهما ما لم يكن إثم) ولغير الكشميهني ما لم يأثم.
стр. 7454
قال الكرماني فإن قلت: كيف يخير النبي ﷺ في أمرين أحدهما إثم؟ وأجاب: بأن التخيير إن كان من الكفار فظاهر وإن كان من الله والمسلمين فمعناه ما لم يؤد إلى إثم كالتخيير في المجاهدة في العبادة والاقتصاد فيها فإن المجاهدة بحيث تجر إلى الهلاك لا تجوز اهـ.
ونحوه أجاب به ابن بطال والأقرب كما قال في الفتح إن فاعل التخيير الآدمي وهو ظاهر وأمثلته كثيرة ولا سيما إذ صدر من كافر.
(فإذا كان الإثم كان أبعدهما) أي أبعد الأمرين (منه) ﷺ (والله ما انتقم) ﷺ (لنفسه في شي له يؤتى إليه قط) بضم التحتية وفتح الفوقية (حتى تنتهك) بضم الفوقية الأولى وفتح الثانية بينهما نون ساكنة (حرمات الله) بارتكاب معاصيه (فينتقم لله) بالرفع أي فهو ينتقم، ولأبي ذر فينتقم بالنصب عطفًا على تنتهك.
والحديث سبق في باب صفة النبي ﷺ .
١١ - باب إِقَامَةِ الْحُدُودِ عَلَى الشَّرِيفِ وَالْوَضِيعِ
(باب) وجوب (إقامة الحدود على الشريف والوضيع).
٦٧٨٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ أُسَامَةَ كَلَّمَ النَّبِىَّ ﷺ فِى امْرَأَةٍ فَقَالَ: «إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، أَنَّهُمْ كَانُوا يُقِيمُونَ الْحَدَّ عَلَى الْوَضِيعِ، وَيَتْرُكُونَ الشَّرِيفَ وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ لَوْ فَاطِمَةُ فَعَلَتْ ذَلِكَ، لَقَطَعْتُ يَدَهَا».
وبه قال: (حدّثنا أبو الوليد) هشام بن عبد الملك الطيالسي قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن عروة) بن الزبير (عن عائشة) ﵂ (أن أسامة) بن زيد (كلم النبي ﷺ ¬) للشفاعة (في امرأة) اسمها فاطمة المخزومية وكانت سرقت حليًّا فقالوا من يكلم فيها النبي ﷺ حتى لا تقطع يدها لم يجسر أحد أن يكلمه في ذلك فكلمه أسامة بن زيد (فقال) ﷺ :
(إنما هلك من كان قبلكم إنهم) أي لأنهم (كانوا يقيمون الحد على الوضيع ويتركون الشريف) فلا يقيمون عليه الحد، ولأبي ذر عن الكشميهني ويتركون على الشريف أي يتركون إقامة الحد على الشريف (والذي نفسي بيده لو) فعلت (فاطمة) ﵂ بنت النبي ﷺ ذلك ولأبي ذر عن الحموي والمستملي لو أن فاطمة (فعلت ذلك لقطعت يدها).
والحديث سبق في بني إسرائيل والمناقب وأخرجه أصحاب السنن الأربعة ومسلم.
١٢ - باب كَرَاهِيَةِ الشَّفَاعَةِ فِى الْحَدِّ إِذَا رُفِعَ إِلَى السُّلْطَانِ
(باب كراهية الشفاعة في الحد إذا رفع إلى السلطان).
стр. 7455
٦٧٨٨ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّتْهُمُ الْمَرْأَةُ الْمَخْزُومِيَّةُ الَّتِى سَرَقَتْ فَقَالُوا: مَنْ يُكَلِّمُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَمَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إِلاَّ أُسَامَةُ حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ فَكَلَّمَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «أَتَشْفَعُ فِى حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ»؟ ثُمَّ قَامَ فَخَطَبَ فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا ضَلَّ مَنْ قَبْلَكُمْ، أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ الضَّعِيفُ فِيهِمْ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ، وَايْمُ اللَّهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعَ مُحَمَّدٌ يَدَهَا».
وبه قال: (حدّثنا سعيد بن سليمان) بفتح السين في الأول وضمها في الثاني البزاز بزايين أولاهما مشددة البغدادي قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن عروة) بن الزبير (عن عائشة ﵂ أن قريشًا) أي من أدرك ذلك منهم بمكة عام الفتح والنبي ﷺ مقيم بمكة مما في مسلم وقريشًا بالتنوين مصروفًا على إرادة الحي ولو أريد القبيلة منع (أهمتهم المرأة) فاطمة بنت الأسود بن عبد الأسد بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم وهي بنت أخي أبي سلمة بن عبد الأسد الصحابي الجليل الذي كان زوج أم سلمة أم المؤمنين قتل أبوها كافرًا يوم بدر قتله حمزة ووهم من زعم أن له صحبة (المخزومية) نسبة إلى مخزوم بن يقظة بفتح التحتية والقاف بعدها ظاء معجمة مشالة ابن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب ومخزوم أخو كلاب بن مرة الذي ينسب إليه بنو عبد مناف (التي سرقت) وفي ابن ماجة: أنها سرقت قطيفة من بيت رسول الله ﷺ ، وعند ابن سعد من مرسل حبيب بن أبي ثابت أنها سرقت حليًّا وجمع بينهما بأن الحلي كان في القطيفة، وفي مسلم أنها كانت تستعير المتاع وتجحده لكن القطع بالسرقة لا بجحد المتاع خلافًا للإمام أحمد والجمهور على أن جحد المتاع ذكر للتعريف جميعًا للروايات أو رواية الجحد شاذة لا يعمل بها لمخالفتها الباقي، ولذا لم يذكرها البخاري وإنما انفرد بها مسلم ومعنى أهمتهم أي صيرتهم ذوي هم خوفًا من لحوق العار وافتضاحهم بها بين القبائل وظنوا إمكان الشفاعة في مثل ذلك فلما جاء أهلها إلى من يشفع لهم فيها عند رسول الله ﷺ .
(فقالوا: من يكلم رسول الله ﷺ ¬) أي يشفع أن لا تقطع إما عفوًا وإما بفداء (ومن يجترئ) بالجيم والهمزة أي من يتجاسر (عليه) بطريق الإدلال (إلا أسامة) ولأبي ذر إلا أسامة بن زيد وأسامة بالرفع على الفاعلية فيحتاج إلى ضمير من جملة يجترئ يعود على من لأن من مبتدأ والخبر الجملة فلا بدّ من ضمير يعود على المبتدأ وهو الضمير المجرور والتقدير وأي شخص يجترئ كما يجترئ أسامة عليه، والمعنى لا يجترئ عليه منا أحد لمهابته ولما لا تأخذه في دين الله رأفة وما يجترئ عليه إلا أسامة وعليه يتعلق بيجترئ ونظير هذا التركيب هنا قوله تعالى ﴿ومن يغفر الذنوب إلا الله﴾ [آل عمران: ١٣٥] قال أبو البقاء: من مبتدأ ويغفر خبره وإلاّ الله فاعل يغفر أو بدل من المضمر فيه وهو الوجه لأنك إذا جعلت الله فاعلاً احتجت إلى تقدير ضمير أي ومن يغفر الذنوب غير الله، لكن قال في الدر: جعله الجلالة فاعلاً يقرب من الغلط فإن الاستفهام هنا لا
стр. 7456
يراد به حقيقته إنما يراد به النفي، والوجه أن الجلالة بدل من الضمير ويصح أن يكون أسامة مرفوعًا على أنه بدل من فاعل يجترئ وهو وجه الإعراب كما قال أبو البقاء، ويجوز النصب على الاستثناء ووقع في حديث مسعود بن الأسود فجئنا إلى النبي ﷺ فقلنا نحن نفديها بأربعين أوقية فقال تطهر خير لها فلما سمعنا لين النبي ﷺ أتينا أسامة، وفي رواية يونس السابقة في الفتح ففزع قومها إلى أسامة، وفي رواية أيوب بن موسى في الشهادات فلم يجترئ أحد أن يكلمه إلا أسامة (حب رسول الله ﷺ ¬) بكسر الحاء المهملة أي محبوبه ويجري عليه إعراب أسامة إن كان مرفوعًا فنعته مرفوع وإن كان منصوبًا فنعته منصوب ويجوز البدل (فكلم) أسامة (رسول الله ﷺ فقال) ﷺ له:
(أتشفع) بهمزة الاستفهام وفيها معنى الإنكار والجملة معمولة للقول، وفي رواية يونس فكلمه فتلوّن وجه رسول الله ﷺ فقال أتشفع (في) ترك (حدّ من حدود الله ثم قام) ﷺ (فخطب فقال: يا أيها الناس إنما ضلّ من قبلكم) وفي رواية أبي الوليد هلك وفي رواية سفيان عند النسائي إنما هلك بنو إسرائيل ولأبي ذر عن الكشميهني من كان قبلكم (إنهم كانوا إذا سرق الشريف تركوه) فلا يحدونه (وإذا سرق الضعيف فيهم أقاموا عليه الحد) قال ابن دقيق العيد الظاهر أن هذا الحصر ليس عامًّا فإنّ بني إسرائيل كانت فيهم أمور كثيرة تقتضي الإهلاك، فيحمل ذلك على حصر مخصوص وهو الإهلاك بسبب المحاباة في الحدود فلا ينحصر في حد السرقة (وأيم الله) مرفوع بالابتداء وخبره محذوف أي قسمي أو يميني أو لازم لي (لو أن فاطمة) ﵂ (بنت محمد) ﷺ (سرقت لقطع محمد يدها).
وعند ابن ماجة عن محمد بن رمح شيخه في هذا الحديث سمعت الليث يقول: عقب هذا الحديث قد أعاذها الله من أن تسرق، وكل مسلم ينبغي له أن يقول مثل هذا فينبغي أن لا يذكر هذا الحديث في الاستدلال ونحوه إلا بهذه الزيادة، ووقع للشافعي رحمة الله عليه أنه لما ذكر هذا الحديث قال: فذكر عضوًا شريفًا من امرأة شريفة فاستحسنوا ذلك منه لما فيه من الأدب البالغ، وفي قوله لقطع محمد يدها التجريد، وإنما خص ﷺ فاطمة بالذكر لأنها أعز أهله عنده فأراد المبالغة في تثبيت إقامة الحدّ على كل مكلف وترك المحاباة في ذلك ولأن اسم السارقة وافق اسمها ﵂ فناسب أن يضرب المثل بها. وزاد في رواية يونس السابقة في غزوة الفتح ثم أمر بتلك المرأة التي سرقت فقطعت يدها. وفي حديث ابن عمر عند النسائي: قم يا بلال فخذ بيدها فاقطعها وزاد أبو داود في تعليقه عن محمد بن عبد الرَّحمن فشهد عليها وزاد يونس أيضًا. قالت عائشة: فحسنت توبتها بعد وتزوجت، وفي الحديث منع الشفاعة في الحدود وهو مقيد في الترجمة بما إذا رفع إلى السلطان، وفي مرسل حبيب بن أبي ثابت أنه ﷺ قال لأسامة لما شفع: "أتشفع في حدّ فإن الحدود إذا انتهت فليس لها مترك". وعند الدارقطني من حديث الزبير مرفوعًا اشفعوا ما لم يصل إلى الوالي فإذا وصل إلى الوالي فعفا فلا عفا الله عنه قال ابن عبد البر: لا أعلم خلافًا أن الشفاعة في ذوي الذنوب حسنة جميلة ما لم تبلغ السلطان وإن على السلطان إذا بلغته أن يقيمها.
стр. 7457
١٣ - باب
قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ وَفِى كَمْ يُقْطَعُ؟ وَقَطَعَ عَلِىٌّ مِنَ الْكَفِّ وَقَالَ قَتَادَةُ فِى امْرَأَةٍ سَرَقَتْ فَقُطِعَتْ شِمَالُهَا: لَيْسَ إِلاَّ ذَلِكَ.
(باب قول الله تعالى ﴿والسارق والسارقة﴾) ارتفعا بالابتداء والخبر محذوف تقديره فيما يتلى عليكم السارق والسارقة أو الخبر (﴿فاقطعوا أيديهما﴾) [المائدة: ٣٨] أي يديهما. والمراد اليمينان بدليل قراءة عبد الله والسارقون والسارقات فاقطعوا أيمانهم رواه الترمذي ودخول الفاء لتضمنهما معنى الشرط لأن المعنى، والذي سرق والذي سرقت فاقطعوا أيديهما والاسم الموصول تضمن معنى الشرط وبدأ بالرجل لأن السرقة من الجراءة وهي في الرجال أكثر وقدمت الزانية على الزاني لأن داعية الزنا في الإناث أكثر، ولأن الأنثى سبب في وقوع الزنا إذ لا يتأتى غالبًا إلا بطواعيتها وأتى بصيغة الجمع ثم التثنية إشارة إلى أن المراد جنس السارق فلوحظ فيه المعنى فجمع والتثنية بالنظر إلى الجنسين المتلفظ بهما. وقال القرطبي أبو عبد الله: أوّل من حكم بقطع السارق في الجاهلية الوليد بن المغيرة وأمر الله تعالى بقطعه في الإسلام فكان أوّل سارق قطعه رسول الله ﷺ في الإسلام من الرجال الخيار بن عدي بن نوفل بن عبد مناف، ومن النساء مرة بنت سفيان بن عبد الأسد من بني مخزوم، وقطع أبو بكر يد الفتى الذي سرق العقد وقطع عمر يد ابن سمرة أخي عبد الرَّحمن بن سمرة والسرقة بفتح السين وكسر الراء ويجوز إسكانها مع فتح السين وكسرها، والأصل في القطع بها قبل الإجماع الآية السابقة، وأركان السرقة الموجبة للقطع سرقة وسارق ومسروق فأما السرقة فهي أخذ مال خفية ليس للآخذ أخذه من حرز مثله فلا يقطع مختلس ومنتهب وجاحد لنحو وديعة وعند الترمذي مما صححه ليس على المختلس والمنتهب والخائن قطع وأما السارق فشرطه أن يكون ملتزمًا للأحكام عالمًا بالتحريم مختارًا بغير إذن وأصالة فلا يقطع حربي ولو معاهدًا ولا صبي ومجنون ومكره ومأذون له وأصيل وجاهل بالتحريم قرب عهده بالإسلام أو بعد عن العلماء ويقطع مسلم وذمي بمال مسلم وذمي.
(و) أما المسروق فاختلف (في كم يقطع) فعند الشافعية في ربع دينار خالص أو قيمته، وعند المالكية يقطع بسرقة طفل من حرز مثله بأن يكون في دار أهله أو بربع دينار ذهبًا فصاعدًا أو ثلاثة دراهم فضة فأكثر فإن نقص فلا قطع وعند الحنفية عشر دراهم أو ما قيمته عشرة دراهم مضروبة. وقال الحنابلة يقطع بجحد عارية وسرقة ملح وتراب وأحجار ولبن وكلا وسرجين طاهر وثلج وصيد لا بسرقة ماء وسرجين نجس ويقطع طرار وهو الذي يبط الجيب وغيره ويأخذ منه أو بعد سقوطه نصابًا وبسرقة مجنون ونائم وأعجمي لا يميز ولو كان كبيرًا.
(وقطع عليّ) ﵁ (من الكف) وفي الفتح أن في نسخة من البخاري وقطع عليّ الكف بإسقاط حرف الجرّ وعند الدارقطني موصولاً أن عليًّا قطع من المفصل، وذكر الشافعي رحمه
стр. 7458
الله في كتاب الاختلاف أن عليًّا كان يقطع من يد السارق الخنصر والبنصر والوسطى خاصة ويقول: أستحيي من الله أن أتركه بلا عمل، وعند الدارقطني عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ أمر بقطع السارق الذي سرق رداء صفوان من المفصل أي مفصل الكوع قال ابن الرفعة: وادعى الماوردي أنه فعل مجمع عليه والمعنى فيه أن البطش بالكف وما زاد من الذراع تابع ولذا يجب في الكف دية اليد وفيما زاد حكومة.
(وقال قتادة) فيما وصله الإمام أحمد في تاريخه كما قاله مغلطاي في شرحه: (في امرأة سرقت فقطعت شمالها ليس إلا ذلك) فلا يقطع بعد ذلك يمينها والجمهور على أن أوّل شيء يقطع من السارق اليد اليمنى لقراءة ابن مسعود شاذة فاقطعوا أيمانهما والقراءة الشاذة كخبر الواحد في الاحتجاج بها فالقول بإجزاء لشمال مطلقًا شاذ كما هو ظاهر ما نقل هنا عن قتادة، وفي الموطأ إن كان عمدًا أوجب القصاص على القاطع ووجب قطع اليمنى وإن كان خطأ وجبت الدّية وتجزئ عن السارق، وكذا قال أبو حنيفة: وعن الشافعية لو قال: مستحق يمين للجاني فقطعها المستحق فمهدرة سواء علم القاطع أنها اليسار أم لا أو قصد جعلها عنها ظانًّا إجزاءها أو أخرجها دهشًا وظناها اليمين أو ظن القاطع الأجزاء فدية لليسار لأنه لم يبذلها مجانًا فلا قود لها لتسليط مخرجها بجعلها عوضًا في الأولى وللدهشة القريبة في مثل ذلك في الثانية بقسميها، ويبقى قود اليمين في المسائل الثلاث لأنه لم يستوفه ولا عفا عنه لكنه يؤخر حتى تندمل يساره إلا في ظن القاطع الأجزاء عنها فلا قود لها بل يجب لها دية وهذا كله في القصاص، فلو كان إخراج اليسار وقطعها في حد السرقة أجزأت عن اليمين إذا فعل المقطوع ذلك لدهشة أو لظن إجزائها عن اليمين، فلو قصد بإخراجها إباحتها لم تقع حدًّا. كذا استدركه القاضي حسين على الأصحاب وحمل إطلاقهم عليه وتبعه عليه في الوجيز والحاوي وإطلاق الأصحاب يقتضي وقوعه حدًّا مطلقًا لأن القصد منه التنكيل، وقد حصل بخلاف القصاص فإن مبناه على المماثلة.
٦٧٨٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «تُقْطَعُ الْيَدُ فِى رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا». تَابَعَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ وَابْنُ أَخِى الزُّهْرِىِّ وَمَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِىِّ.
[الحديث ٦٧٨٩ - طرفاه في: ٦٧٩٠، ٦٧٩١].
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن مسلمة) القعنبي قال: (حدّثنا إبراهيم بن سعد) بسكون العين ابن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوف (عن ابن شهاب) الزهري (عن عمرة) بنت عبد الرَّحمن الأنصارية (عن عائشة) ﵂ أنها (قالت: قال النبي ﷺ ¬):
(تقطع اليد) السارقة (في) سرقة (ربع دينار) ذهبًا (فصاعدًا) نصب على الحال المؤكدة.
والحديث أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجة في الحدود والنسائي في القطع.
стр. 7459
(تابعه) ولأبي ذر وتابعه أي تابع إبراهيم بن سعد (عبد الرَّحمن بن خالد) الفهمي المصري مما وصله الذهلي في الزهريات (وابن أخي الزهري) محمد بن عبد الله بن مسلم مما وصله أبو عوانة في صحيحه من طريق يعقوب بن إبراهيم بن سعد عن ابن أخي ابن شهاب عن عمه (ومعمر) بفتح الميمين ابن راشد مما وصله الإمام أحمد عن عبد الرزاق عنه الثلاثة (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب.
٦٧٩٠ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِى أُوَيْسٍ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَعَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ فِى رُبُعِ دِينَارٍ».
وبه قال: (حدّثنا إسماعيل بن أبي أويس) واسم أبي أويس عبد الله بن عبد الله الأصبحي ابن أخت الإمام مالك بن أنس وصهره على ابنته (عن ابن وهب) عبد الله المصري (عن يونس) بن يزيد الأيلي (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن عروة بن الزبير) بن العوّام (وعمرة) بنت عبد الرَّحمن كلاهما (عن عائشة) ﵂ (عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال: تقطع يد السارق في ربع دينار) وهذا مما يحتج به للشافعية في التحديد بربع الدينار.
٦٧٩١ - حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مَيْسَرَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَنْصَارِىِّ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ حَدَّثَتْهُ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ حَدَّثَتْهُمْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يُقْطَعُ فِى رُبُعِ دِينَارٍ».
وبه قال: (حدّثنا عمران بن ميسرة) ضد الميمنة البصري يقال له صاحب الأديم قال: (حدّثنا بعد الوارث) بن سعيد البصري قال: (حدّثنا الحسين) بن ذكوان المعلم البصري (عن يحيى) ولأبي ذر عن يحيى بن أبي كثير بالمثلثة (عن محمد بن عبد الرَّحمن الأنصاري عن عمرة بنت عبد الرَّحمن) أنها (حدثته أن عائشة ﵂ حدثتهم عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(يقطع) بالتحتية ولأبي ذر تقطع اليد بالفوقية وبزيادة اليد (في ربع دينار). كذا رواه مختصرًا. وأخرجه أبو داود عن أحمد بن صالح عن ابن وهب بلفظ القطع في ربع دينار فصاعدًا والنسائي من طريق عبد الله بن المبارك عن يونس بلفظ يد السارق في ربع دينار فصاعدًا، وأخرجه الطحاوي من رواية جماعة عن عمرة موقوفًا على عائشة قال ابن عيينة: ورواية يحيى مشعرة بالرفع ورواية الزهري صريحة فيه وهو أحفظهم، وكأن البخاري أراد الاستظهار لرواية الزهري عن عمرة بموافقة محمد بن عبد الرَّحمن الأنصاري عنها لما وقع في رواية ابن عيينة عن الزهري من الاختلاف في لفظ المتن هل هو من قوله ﷺ أو من فعله؟ وفي رواية يحيى بن يحيى وجماعة عن ابن عيينة كان رسول الله ﷺ يقطع السارق في ربع دينار فصاعدًا. ورواه الشافعي والحميدي وجماعة عن ابن عيينة بلفظ قال رسول الله ﷺ "تقطع اليد" الحديث قاله في الفتح.
стр. 7460
٦٧٩٢ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَخْبَرَتْنِى عَائِشَةُ أَنَّ يَدَ السَّارِقِ لَمْ تُقْطَعْ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ إِلاَّ فِى ثَمَنِ مِجَنٍّ حَجَفَةٍ أَوْ تُرْسٍ.
وبه قال: (حدّثنا عثمان بن أبي شيبة) هو عثمان بن محمد بن أبي شيبة واسمه إبراهيم العبسي الكوفي أخو أبو بكر بن أبي شيبة قال: (حدّثنا عبدة) بفتح العين وسكون الموحدة ابن سليمان (عن هشام) ولأبي ذر زيادة ابن عروة (عن أبيه) عروة بن الزبير أنه (قال: أخبرتني) بتاء التأنيث والإفراد (عائشة) ﵂ (أن يد السارق لم تقطع على عهد النبي ﷺ إلا في ثمن مجن) بكسر الميم وفتح الجيم وتشديد النون مفعول من الاجتنان وهو الاستتار والاختفاء مما يحاذره المستتر وكسرت ميمه لأنه آلة في ذلك قال عمر بن أبي ربيعة:
فكان مجني دون من كنت أتقي … ثلاث شخوص كاعبان ومعصر
وفيه شاهد على حذف الهاء في ثلاثة لأنه عدد شخوص فحمله على المعنى لأنه أراد بالشخوص المرأة فأنث العدد لذلك وصف أنه استتر بثلاث نسوة عن أعين الرقباء واستظهر في محل التخلص منهم بهن والكاعب التي نهد ثديها والمعصر الداخلة في عصر شبابها (حجفة) بحاء مهملة فجيم ففاء مفتوحات عطف بيان للمجن وهي الدرقة وتكون من خشب أو من عظم وتغلف بالجلد (أو ترس) بضم الفوقية وسكون الراء بعدها مهملة هو كالحجفة إلا أنه يطابق فيه بين جلدين والشك من الراوي والغالب أن ثمنه لا ينقص عن ربع دينار.
والحديث أخرجه مسلم في الحدود.
٠٠٠٠ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ، حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ مِثْلَهُ.
[الحديث ٦٧٩٢ - طرفاه في: ٦٧٩٣، ٦٧٩٤].
وبه قال: (حدّثنا عثمان) هو ابن أبي شيبة قال: (حدّثنا حميد بن عبد الرَّحمن) بن حميد الرؤاسي قال: (حدّثنا هشام عن أبيه) عروة بن الزبير (عن عائشة) ﵂ (مثله) أي مثل الحديث السابق عن عثمان.
٦٧٩٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمْ تَكُنْ تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ فِى أَدْنَى مِنْ حَجَفَةٍ، أَوْ تُرْسٍ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ذُو ثَمَنٍ. رَوَاهُ وَكِيعٌ وَابْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ مُرْسَلاً.
وبه قال: (حدّثنا محمد بن مقاتل) المروزي قال: (أخبرنا عبد الله) بن المبارك المروزي قال: (أخبرنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة) ﵂ أنها (قالت: لم تكن تقطع يد السارق في أدنى) أي في أقل (من) سرقة (حجفة أو ترس) بالشك (كل واحد منهما) من الحجفة والترس (ذو ثمن) رفع خبر المبتدأ الذي هو كل واحد والتنوين في ثمن للتنكير أي ثمن يرغب فيه احترازًا
следующие страницы →