Полный текст (8 298 стр.). Показаны 7666–7705 · переход к 7671.
стр. 7666
والقبيح، ومنه قوله تعالى: ﴿أضغاث أحلام﴾ [يوسف: ٤٤] وتضم لام الحلم وتسكن، وفي الحديث: الرؤيا من الله والحلم من الشيطان.
قال التوربشتي: الحلم عند العرب مستعمل استعمال الرؤيا والتفريق بينهما إنما كان من الاصطلاحات الشرعية التي لم يضعها حليم ولم يهتد إليها حكيم بل سنّها صاحب الشرع للفصل بين الحق والباطل كأنه كره أن يسمي ما كان من الله وما كان من الشيطان باسم واحد فجعل الرؤيا عبارة عما كان من الله والحلم عما كان من الشيطان لأن الكلمة لم تستعمل إلا فيما يخيل للحاكم في منامه من قضاء الشهوة مما لا حقيقة له. قال صاحب فتوح الغيب: ولعل التوربشتي أراد بقوله ولم يهتد إليها حكيم ما عرفتها الفلاسفة على ما نقله القاضي البيضاوي في تفسيره الرؤيا انطباع الصورة المنحدرة من أفق المتخيلة إلى الحس المشترك، والصادقة منها إنما تكون باتصال النفس بالملكوت لما بينهما من التناسب عند فراغها من تدبير البدن أدنى فراغ فتتصور بما فيها ما يليق بها من المعاني الحاصلة هناك، ثم إن المتخيلة تحاكيه بصورة تناسبه فترسلها إلى الحس المشترك فتصير مشاهدة، ثم وإن كانت شديدة المناسبة لذلك المعنى بحيث لا يكون التفاوت إلا بأدنى شيء استغنت الرؤيا عن التعبير وإلا احتاجت إليه. انتهى.
وقال من ينتمي إلى الطب أن جميع الرؤيا تنسب إلى الاخلاط فيقول من غلبت عليه البلغم رأى أنه يسبح في الماء ونحو ذلك لمناسبة الماء طبيعة البلغم ومن غلبت عليه الصفراء رأى النيران والصعود في الجوّ وهكذا إلى آخره.
٦٩٨٢ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ وَحَدَّثَنِى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ قَالَ الزُّهْرِىُّ فَأَخْبَرَنِى عُرْوَةُ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْوَحْىِ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ فِى النَّوْمِ، فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلاَّ جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ، فَكَانَ يَأْتِى حِرَاءً فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ وَهْوَ التَّعَبُّدُ اللَّيَالِىَ ذَوَاتِ الْعَدَدِ وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ فَتُزَوِّدُهُ لِمِثْلِهَا حَتَّى فَجِئَهُ الْحَقُّ وَهْوَ فِى غَارِ حِرَاءٍ، فَجَاءَهُ الْمَلَكُ فِيهِ فَقَالَ: «اقْرَأْ فَقَالَ لَهُ النَّبِىُّ ﷺ : مَا أَنَا بِقَارِئٍ فَأَخَذَنِى فَغَطَّنِى حَتَّى بَلَغَ مِنِّى الْجَهْدَ ثُمَّ أَرْسَلَنِى فَقَالَ: اقْرَأْ فَقُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، فَأَخَذَنِى فَغَطَّنِى الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّى الْجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِى فَقَالَ: اقْرَأْ فَقُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ فَغَطَّنِى الثَّالِثَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّى الْجَهْدُ ثُمَّ أَرْسَلَنِى فَقَالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِى خَلَقَ﴾ --حَتَّى بَلَغَ- ﴿مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ١ - ٥]» فَرَجَعَ بِهَا تَرْجُفُ بَوَادِرُهُ حَتَّى دَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ فَقَالَ: «زَمِّلُونِى زَمِّلُونِى» فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ فَقَالَ: «يَا خَدِيجَةُ مَا لِى» وَأَخْبَرَهَا الْخَبَرَ وَقَالَ: «قَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِى» فَقَالَتْ لَهُ: كَلاَّ أَبْشِرْ، فَوَاللَّهِ لَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ وَتَصْدُقُ الْحَدِيثَ وَتَحْمِلُ الْكَلَّ وَتَقْرِى الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ، ثُمَّ انْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ حَتَّى أَتَتْ بِهِ وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قُصَىٍّ - وَهْوَ ابْنُ عَمِّ خَدِيجَةَ أَخُو
стр. 7667
أَبِيهَا، وَكَانَ امْرَأً تَنَصَّرَ فِى الْجَاهِلِيَّةِ وَكَانَ يَكْتُبُ الْكِتَابَ الْعَرَبِىَّ فَيَكْتُبُ بِالْعَرَبِيَّةِ مِنَ الإِنْجِيلِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكْتُبَ، وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ عَمِىَ فَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ: أَىِ ابْنَ عَمِّ اسْمَعْ مِنِ ابْنِ أَخِيكَ فَقَالَ وَرَقَةُ: ابْنَ أَخِى مَاذَا تَرَى؟ فَأَخْبَرَهُ النَّبِىُّ ﷺ مَا رَأَى فَقَالَ وَرَقَةُ: هَذَا النَّامُوسُ الَّذِى أُنْزِلَ عَلَى مُوسَى، يَا لَيْتَنِى فِيهَا جَذَعًا أَكُونُ حَيًّا حِينَ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَوَمُخْرِجِىَّ هُمْ؟» فَقَالَ وَرَقَةُ: نَعَمْ لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمَا جِئْتَ بِهِ إِلاَّ عُودِىَ وَإِنْ يُدْرِكْنِى يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا، ثُمَّ لَمْ يَنْشَبْ وَرَقَةُ أَنْ تُوُفِّىَ وَفَتَرَ الْوَحْىُ فَتْرَةً حَتَّى حَزِنَ النَّبِىُّ ﷺ فِيمَا بَلَغَنَا حُزْنًا غَدَا مِنْهُ مِرَارًا كَىْ يَتَرَدَّى مِنْ رُءُوسِ شَوَاهِقِ الْجِبَالِ فَكُلَّمَا أَوْفَى بِذِرْوَةِ جَبَلٍ لِكَىْ يُلْقِىَ مِنْهُ نَفْسَهُ تَبَدَّى لَهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ حَقًّا، فَيَسْكُنُ لِذَلِكَ جَأْشُهُ وَتَقِرُّ نَفْسُهُ، فَيَرْجِعُ فَإِذَا طَالَتْ عَلَيْهِ فَتْرَةُ الْوَحْىِ غَدَا لِمِثْلِ ذَلِكَ فَإِذَا أَوْفَى بِذِرْوَةِ جَبَلٍ تَبَدَّى لَهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَالِقُ الإِصْبَاحِ ضَوْءُ الشَّمْسِ بِالنَّهَارِ وَضَوْءُ الْقَمَرِ بِاللَّيْلِ.
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) نسبه لجده واسم أبيه عبد الله المخزومي المصري قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (عن عقيل) بضم العين وفتع القاف ابن خالد (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم. قال المؤلّف: (وحدّثني) بالإفراد (عبد الله بن محمد) المسندي قال: (حدّثنا عبد الرزاق) بن همام قال: (حدّثنا) ولأبي ذر أخبرنا (معمر) هو ابن راشد ولفظ الحديث له لا لعقيل (قال الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (فأخبرني) بالإفراد (عروة) بن الزبير بن العوّام والفاء في فأخبرني للعطف على مقدر أي أنه روى له حديثًا وهو عند البيهقي في دلائله من وجه آخر عن الزهري عن محمد بن النعمان بن بشير مرسلاً فذكر قصة بدء الوحي مختصرة ونزول: ﴿اقرأ باسم ربك﴾ إلى قوله: ﴿خلق الإنسان من علق﴾ [العلق: ١، ٢] قال محمد بن النعمان: فرجع رسول الله ﷺ بذلك. قال الزهري: فسمعت عروة بن الزبير يقول قالت عائشة فذكر الحديث مطوّلاً ثم عقبه بهذا الحديث (عن عائشة ﵂ أنه قالت: أوّل ما بدئ) بضم الموحدة وكسر المهملة بعدها همزة (به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصادقة) التي ليس فيها ضغث، أو التي لا تحتاج إلى تعبير. وفي التعبير للقادري الرؤيا الصادقة ما يقع بعينه أو ما يعبر في المنام أو يخبر به من لا يكذب، وفي باب كيف بدء الوحي الصالحة بدل الصادقة وهما بمعنى واحد بالنسبة إلى أمور الآخرة في حق الأنبياء، وأما بالنسبة إلى أمور الدنيا فالصالحة في الأصل أخص فرؤيا الأنبياء كلها صادقة وقد تكون صالحة وهي الأكثر وغير صالحة بالنسبة للدنيا كما وقع في الرؤيا يوم أحد، وقال (في النوم) بعد الرؤيا المخصوصة به لزيادة الإيضاح أو لدفع وهم من يتوهم أن الرؤيا تطلق على رؤية العين فهي صفة موضحة (فكان) ﷺ (لا يرى رؤيا إلا جاءت) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي إلا جاءته (مثل فلق الصبح) قال القاضي البيضاوي: شبه ما جاءه
стр. 7668
في اليقظة ووجده في الخارج طبقًا لما رآه في المنام بالصبح في إنارته ووضوحه والفلق الصبح لكنه لما كان مستعملاً في هذا المعنى وفي غيره أضيف إليه للتخصيص والبيان إضافة العام إلى الخاص، وقال في شرح المشكاة: للفلق شأن عظيم ولذا جاء وصفًا لله تعالى في قوله: ﴿فالق الإصباح﴾ [الأنعام: ٩٦] وأمر بالاستعاذة برب الفلق لأنه ينبئ عن انشقاق ظلمة عالم الشهادة وطلوع تباشير الصبح بظهور سلطان الشمس وإشراقها الآفاق، كما أن الرؤيا الصالحة مبشرة تنبئ عن وفور أنوار عالم الغيب وإنارة مطالع الهدايات بسبب الرؤيا التي هي جزء يسير من أجزاء النبوة (فكان) ﷺ (يأتي حراء) بكسر الحاء المهملة وتخفيف الراء ممدودة مذكر منصرف على الصحيح وقيل مؤنث غير منصرف (فيتحنث) بالحاء المهملة آخره مثلثة في غار (فيه وهو) أي التحنث (التعبد) بالخلوة ومشاهدة الكعبة منه والتفكر أو بما كان يلقى إليه من المعرفة (الليالي ذوات العدد) مع أيامهن والوصف بذوات العدد يفيد التقليل كدراهم معدودة، وقال الكرماني: يحتمل الكثرة إذ الكثير يحتاج إلى العدد وهو المناسب للمقام وإنما كان يخلو ﵊ بحراء دون غيره لأن جده عبد المطلب أول من كان يخلو فيه من قريش، وكانوا يعظمونه لجلالته وكبر سنّه فتبعه على ذلك فكان يخلو ﷺ بمكان جدّه وكان الزمن الذي يخلو فيه شهر رمضان فإن قريشًا كانت تفعله كما كان تصوم يوم عاشوراء (ويتزوّد لذلك) التعبد (ثم يرجع) إذا نفد ذلك الزاد (إلى خديجة) ﵂ (فتزوّده) ولأبي ذر عن الكشميهني فتزوّد بحذف الضمير (لمثلها) لمثل الليالي (حتى فجئه الحق) بفتح الفاء وكسر الجيم بعدها همزة أي جاءه الوحي بغتة وكأنه لم يكن متوقعًا للوحي قاله النووي، وتعقبه البلقيني سمي به لأن الله خصصه بالوحي (وهو) ﷺ (في غار حراء فجاءه الملك) جبريل ﵇ وفاء فجاءه تفسيرية أو تعقيبية أو سببية وحتى لانتهاء الغاية أي انتهى توجهه لغار حراء بمجيء جبريل (فيه) في الغار (فقال: اقرأ) وهل سلم قبل قوله اقرأ أم لا؟ الظاهر لا لأن المقصود إذ ذاك تفخيم الأمر وتهويله أو ابتداء السلام متعلق بالبشر لا الملائكة ووقوعه منهم على إبراهيم لأنهم كانوا في صورة البشر فلا يرد هنا ولا سلامهم على أهل الجنة لأن أمور الآخرة مغايرة لأمور الدنيا غالبًا، نعم في رواية الطيالسي إن جبريل سلم أولاً، لكن لم يرد أنه سلم عند الأمر بالقراءة قاله في الفتح (فقال له النبي ﷺ ¬):
(ما أنا بقارئ) ولغير أبي ذر فقلت: ما أنا بقارئ أي ما أحسن أن أقرأ (فأخذني) جبريل (فغطّني) ضمني وعصرني (حتى بلغ مني الجهد) بفتح الجيم ونصب الدال مفعول حذف فاعله أي بلغ الغط مني الجهد وبضم الجيم ورفع الدال أي بلغ مني الجهد مبلغه فاعل بلغ (ثم أرسلني) أطلقني (فقال: اقرأ فقلت ما أنا بقارئ فأخدني فغطّني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: اقرأ فقلت ما أنا بقارئ فغطني) ولأبي ذر عن الكشميهني فأخذني فغطني (الثالثة حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني) قال في شرح المشكاة قوله ما أنا بقارئ أي حكمي كسائر الناس من أن حصول القراءة إنما هو بالتعلم وعدمه بعدمه فلذلك أخذه وغطّه مرارًا ليخرجه عن حكم سائر الناس ويستفرغ منه البشرية ويفرغ فيه من صفات الملكية (فقال) له حينئذ لما علم المعنى (﴿اقرأ
стр. 7669
باسم ربك الذي خلق﴾) كل شيء وموضع باسم ربك النصب على الحال أي اقرأ مفتتحًا باسم ربك قل باسم الله ثم اقرأ (حتى بلغ ﴿ما لم يعلم﴾) [العلق: ١ - ٥] ولأبي ذر حتى بلغ: ﴿علّم الإنسان ما لم يعلم﴾ وفيه كما قال الطيبي إشارة إلى رد ما تصوّره ﷺ من أن القراءة إنما تتيسر بطريق التعليم فقط بل إنها كما تحصل بواسطة المعلم قد تحصل بتعليم الله بلا واسطة فقوله: علم بالقلم إشارة إلى العلم التعليمي وقول: علم الإنسان ما لم يعلم إشارة إلى العلم اللدني ومصداقه قوله تعالى: ﴿إن هو إلا وحي يوحى علمه شديد القوى﴾ [النجم: ٥] (فرجع بها) بالآيات المذكورة حال كونه (ترجف) تضطرب (بوادره) جمع بادرة وهي اللحمة بين العنق والمنكب، وقال ابن بري هي ما بين المنكب والعنق يعني أنها لا تختص بعضو واحد وإنما رجفت بوادره لما فجئه من الأمر المخالف للعادة لأن النبوة لا تزيل طباع البشرية كلها (حتى دخل على خديجة فقال: زملوني زملوني) مرتين أي غطّوني بالثياب ولفوني بها (فزملوه) بفتح الميم (حتى ذهب عنه الروع) بفتح الراء الفزع (فقال: يا خديجة ما لي وأخبرها) ولأبي ذر عن الكشميهني وأخبر (الخبر وقال: قد خشيت على نفسي) أن لا أقوى على مقاومة هذا الأمر ولا أقدر على حمل أعباء الوحي فتزهق نفسي ولأبي ذر عن الحموي والمستملي عليٌّ بتشديد الياء (فقالت له) خديجة: (كلا) نفي وإبعاد أي لا خوف عليك (أبشر) بخير أو بأنك رسول الله حقًّا (فوالله لا يخزيك الله أبدًا) بضم التحتية وسكون الخاء المعجمة من الخزي ولأبي ذر عن الكشميهني لا يحزنك بالحاء المهملة والنون بدل المعجمة والياء من الحزن (إنك لتصل الرحم) أي القرابة (وتصدق الحديث وتحمل الكل) بفتح الكاف وتشديد اللام الثقل ويدخل فيه الإنفاق على الضيف واليتيم والعيال وغير ذلك (وتقري الضيف) بفتح الفوقية من غير همز أي تهيئ له طعامه ونزله (وتعين على نوائب الحق) حوادثه أرادت أنك لست ممن يصيبه مكروه لما جمع الله فيك من مكارم الأخلاق ومحاسن الشمائل.
وفيه دلالة على أن مكارم الأخلاق وخصال الخير سبب للسلامة من مصارع السوء وفيه مدح الإنسان في وجهه في بعض الأحوال لمصلحة تطرأ، وفيه تأنيس من حصلت له مخافة من أمر، وفي دلائل النبوة للبيهقي من طريق أبي ميسرة مرسلاً أنه ﷺ قصّ على خديجة ما رأى في المنام فقالت له: أبشر فإن الله لا يصنع بك إلا خيرًا ثم أخبرها بما وقع له من شق البطن وإعادته فقالت له: أبشر إن هذا والله خير ثم استعلن له جبريل فذكر القصة فقال لها: أرأيتك الذي رأيت في المنام فإنه جبريل استعلن لي بأن ربي أرسله إليّ وأخبرها بما جاء به فقالت: أبشر فوالله لا يفعل الله بك إلاّ خيرًا فأقبل الذي جاءك من الله فإنه حق وأبشر فإنك رسول الله.
(ثم انطلقت به خديجة حتى أتت به) مصاحبة له (ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصي وهو) أي ورقة (ابن عم خديجة) وهو (أخو أبيها) ولابن عساكر فيما ذكره في الفتح أخي أبيها بالجر في أخي صفة للعم ووجه الرفع أنه خبر مبتدأ محذوف وفائدته رفع المجاز في إطلاق العم فيه (وكان) ورقة (امرأً تنصّر) دخل في دين النصرانية (في الجاهلية) قبل البعثة المحمدية (وكان يكتب الكتاب العربي) وفي باب بدء الوحي العبراني (فيكتب بالعربية من الإنجيل ما شاء
стр. 7670
الله أن يكتب) أي الذي شاء الله كتابته (وكان شيخًا كبيرًا قد عمي فقالت له) لورقة (خديجة: أي ابن عم اسمع من ابن أخيك) محمد ﷺ (فقال) له ﷺ (ورقة ابن أخي) بنصب ابن منادى مضاف (ماذا ترى؟ فأخبره النبي ﷺ ما رأى) وفي بدء الوحي خبر ما رأى (فقال) له (ورقة هذا الناموس) جبريل صاحب سر الخير (الذي أنزل) بضم الهمزة (على موسى) بن عمران ﷺ ولم يقل عيسى مع كونه نصرانيًا لأن نزول جبريل ﵇ متفق عليه عند أهل الكتابين بخلاف عيسى ﷺ (يا ليتني فيها) في أيام النبوة ومدّتها (جذعًا) يعني شابًّا قويًا والجذع في الأصل للدواب فهو هنا استعارة وهو بالجيم المعجمة المفتوحتين وبالنصب بكان مقدّرة عند الكوفيين أو على الحال من الضمير في فيها وخبر ليت قوله فيها أي ليتني كائن فيها حال الشبيبة والقوّة لأنصرك وأبالغ في نصرتك (أكون) وفي بدء الوحي ليتني أكون (حيًّا حين يخرجك قومك) من مكة (فقال رسول الله ﷺ ¬):
(أ) معاديّ (ومخرجيّ هم) بتشديد الياء المفتوحة وقال ذلك استبعادًا للإخراج وتعجبًا منه فيؤخذ منه كما قال السهيلي إن مفارقة الوطن على النفس شديدة لإظهاره ﵊ الإنزعاج لذلك بخلاف ما سمعه من ورقة من إيذائهم وتكذيبهم له (فقال ورقة) له: (نعم) مخرجوك (لم يأت رجل قط بما) ولأبي ذر عن الكشميهني بمثل ما (جئت به) من الوحي (إلاَّ عودي) لأن الإخراج عن المألوف سبب لذلك (وإن يدركني يومك) بجزم يدركني بأن الشرطية ورفع يومك فاعل يدركني أي يوم انتشار نبوتك (أنصرك) بالجزم جواب الشرط (نصرًا) بالنصب على المصدرية (مؤزرًا) من الإزر وهو القوة (ثم لم ينشب) بالشين المعجمة لم يلبث (ورقة أن توفي) بدل اشتمال من ورقة أي لم تلبث وفاته (وفتر الوحي) احتبس ثلاث سنين أو سنتين ونصفًا (فترة حتى حزن النبي ﷺ ¬) بكسر زاي حزن (فيما بلغنا) معترض بين الفعل ومصدره وهو (حزنًا) والقائل هو محمد بن مسلم بن شهاب الزهري من بلاغاته وليس موصولاً، ويحتمل أن يكون بلغه بالإسناد المذكور، والمعنى أن في جملة ما وصل إلينا من خبر رسول الله ﷺ جمع في هذه القصة وهو عند ابن مردويه في التفسير بإسقاط قوله: فيما بلغنا ولفظه: فترة حزن النبي ﷺ منها حزنًا (غدا) بغين معجمة في الفرع من الذهاب غدوة، وفي نسخة عدا بالعين المهملة من العدو وهو الذهاب بسرعة (منه) من الحزن (مرارًا كي يتردّى) يسقط (من رؤوس شواهق الجبال) العالية (فكلما أوفى بذروة جبل) بكسر الذال المعجمة وتفتح وتضم أعلاه (لكي يلقي منه) من الجبل (نفسه) المقدسة إشفاقًا أن تكون الفترة لأمر أو سبب منه فتكون عقوبة من ربه ففعل ذلك بنفسه ولم يرد شرع بالنهي عن ذلك فيعترض به أو حزن على ما فاته من الأمر الذي بشره به ورقة، ولم يكن خوطب عن الله أنك رسول الله ﷺ ومبعوث إلى عباده. وعند ابن سعد من حديث ابن عباس بنحو هذا البلاغ الذي ذكره الزهري، وقوله: مكث أيامًا بعد مجيء الوحي لا يرى جبريل فحزن حزنًا شديدًا حتى كان يغدو إلى ثبير مرة وإلى حراء أخرى يريد أن يلقي نفسه (تبدى) ظهر الله جبريل فقال: يا محمد إنك رسول الله حقًّا). وفي حديث ابن سعد المذكور: فبينا هو عامد لبعض تلك الجبال إذ سمع
стр. 7671
صوتًا فوقف فزعًا ثم رفع رأسه فإذا جبريل على كرسي بين السماء والأرض متربعًا يقول: يا محمد أنت رسول الله حقًّا وأنا جبريل (فيسكن لذلك جأشه) بالجيم ثم الهمزة الساكنة ثم الشين المعجمة اضطراب قلبه (وتقرّ) بكسر القاف في الفرع وفي غيره بفتحها (نفسه فيرجع فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك فإذا أوفى بذروة جبل) لكي يلقي منه نفسه (تبدى) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي بدا أي ظهر (له جبريل فقال له مثل ذلك) يا محمد إنك رسول الله حقًّا.
تنبيه:
قال في فتح الباري: قوله هنا فترة حتى حزن النبي ﷺ فيما بلغنا هذا وما بعده من زيادة معمر على رواية عقيل ويونس وصنيع المؤلّف يوهم أنه داخل في رواية عقيل، وقد جرى على ذلك الحمري في جمعه فساق الحديث إلى قوله وفتر الوحي، ثم قال: انتهى حديث عقيل المفرد عن ابن شهاب إلى حيث ذكرنا، وزاد عند البخاري في حديثه المقترن بمعمر عن الزهري فقال وفتر الوحي فترة حتى حزن فساقه إلى آخره.
قال الحافظ ابن حجر والذي عندي أن هذه الزيادة خاصة برواية معمر فقد أخرج طريق عقيل أبو نعيم في مستخرجه من طريق أبي زرعة الرازي عن يحيى بن بكير شيخ البخاري فيه في أول الكتاب بدونه، وأخرجه مقرونًا هنا برواية معمر وبين أن اللفظ لمعمر وكذلك صرح الإسماعيلي أن الزيادة في رواية معمر، وأخرجه أحمد ومسلم والإسماعيلي وغيرهم وأبو نعيم أيضًا من طريق جمع من أصحاب الليث عن الليث بدونها اهـ.
وقال عياض: إن قول معمر في فترة الوحي فحزن النبي ﷺ فيما بلغنا حزنًا غدًا منه مرارًا كي يتردّى من رؤوس شواهق الجبال لا يقدح في هذا الأصل أي ما قرره من عدم طريان الشك عليه ﷺ لقول معمر عنه فيما بلغنا ولم يسنده ولا ذكر رواته ولا من حدث به ولا أن النبي ﷺ قاله، ولا يعرف مثل هذا إلا من جهته ﷺ مع أنه قد يحمل على أنه كان أوّل الأمر أو أنه فعل ذلك لما أحرجه من تكذيب من بلغه كما قال تعالى: ﴿فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يومنوا بهذا الحديث أسفًا﴾ [الكهف: ٦] اهـ.
وحاصله أنه ذكر أنه غير قادح من وجهين أحدهما: فيما يتعلق بالمتن من جهة قوله: فيما بلغنا حيث لم يسنده وأنه لا يعلم ذلك إلا من جهة المنقول عنه، والثاني: أنه أوّل الأمر أو أنه فعل ذلك لما أحرجه من تكذيب قومه وفيه بحث إذ عدم إسناده لا يوجب قدحًا في الصحة بل الغالب على الظن أنه بلغه من الثقات لأنه ثقة، لا سيما ولم ينفرد معمر بذلك كما بأن في إطلاق هذا النفي نظرًا فعند ابن إسحاق عن عبيد بن عمير أنه وقع في المنام نظير ما وقع له في اليقظة من الغط والأمر بالقراءة وغير ذلك. قال في الفتح: وفي كون ذلك يستلزم وقوعه في اليقظة حتى يتوقعه نظر فالأولى ترك الجزم بأحد الأمرين.
стр. 7672
قال الهروي: سبق وروينا أيضًا من طريق الدولابي مما في سيرة ابن سعيد الناس عن يونس بن عبد الأعلى عن ابن وهب عن يونس بن يزيد عن الزهري عن عروة عن عائشة الحديث وفيه: ثم لم ينشب ورقة أن توفي وفتر الوحي حتى حزن رسول الله ﷺ فيما بلغنا حزنًا الخ. فاعتضدت كل رواية الأخرى، وكل من الزهري ومعمر ثقة وعلى تقدير الصحة لا يكون قادحًا كما ذكره عياض، لكن لا بالنسبة إلى أنه في أول الأمر لاستقرار الحال فيه مدة بل بالنسبة إلى ما أحرجه من التكذيب إذ لا شيء فيه قطعًا بدليل قوله تعالى: ﴿فلعلك باخع نفسك على آثارهم﴾ [الكهف: ٦] أي قاتل نفسك أسفًا وكان التعبير بقوله حصل له ذلك لما أحرجه أحسن من قوله فعل لأن الحزن حالة تحصل للإنسان يجدها من نفسه بسبب لا أنه من أفعاله الاختيارية.
وحديث الباب أخرجه المؤلّف في باب بدء الوحي.
(قال) ولأبي ذر وقال (ابن عباس) ﵄ فيما وصله الطبري من طريق علي بن طلحة عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى: ﴿فالق الإصباح﴾ [الأنعام: ٩٦] الإصباح (ضوء الشمس بالنهار وضوء القمر بالليل) واعترض على المؤلّف بأن ابن عباس فسر الإصباح لا لفظ فالق الذي هو المراد هنا، لأن المؤلّف ذكره عقب هذا الحديث لما وقع فيه فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، والإصباح مصدر سمي به الصبح أي شاق عمود الصبح عن سواد الليل أو فالق نور النهار. نعم قال مجاهد كما سبق في تفسير ﴿قل أعوذ برب الفلق﴾ [الفلق: ١] الفلق: الصبح. وأخرج الطبري عنه أيضًا في قوله فالق الإصباح. قال: إضاءة الصبح، وعلى هذا فالمراد بفلق الصبح إضاءته فالله يفلق ظلام الليل عن غرّة الصباح فيضيء الوجود ويستنير الأفق ويضمحل الظلام ويذهب الليل، وقول ابن عباس هذا ثابت في رواية أبي ذر عن المستملي والكشميهني وكذا النسفيّ، ولأبي زيد المروزي عن الفربري.
٢ - باب رُؤْيَا الصَّالِحِينَ
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: ٢٧].
(باب رؤيا الصالحين) والإضافة للفاعل وفي نسخة الصالحة وعليها يحتمل أن يكون الرؤيا بالتعريف (وقوله) بالجر عطفًا على السابق ولأبي ذر وقول الله (تعالى: ﴿لقد صدق الله رسوله الرؤيا﴾) أي صدقه في رؤياه ولم يكذبه تعالى الله عن الكذب وعن كل قبيح علوًّا كبيرًا وقال في فتوح الغيب هذا صدق بالفعل وهو التحقيق أي حقق رؤيته وحذف الجار وأوصل الفعل كقوله: ﴿صدقوا ما عاهدوا الله عليه﴾ [الأحزاب: ٢٣] (﴿بالحق﴾) متلبسًا به فإن ما رآه كائن لا محالة في وقته المقدر له وهو العام القابل ويجوز أن يكون بالحق صفة مصدر محذوف أي صدقًا متلبسًا
стр. 7673
بالحق وهو القصد إلى التمييز بين المؤمن المخلص وبين من في قلبه مرض وأن يكون قسمًا إما بالحق الذي هو نقيض الباطل أو بالحق الذي هو من أسمائه وجوابه (﴿لتدخلن المسجد الحرام﴾) وعلى الأول هو جواب قسم محذوف (﴿إن شاء الله﴾) حكاية من الله تعالى قول رسوله لأصحابه وقصه عليهم أو تعليم لعباده أن يقولوا في غداتهم مثل ذلك متأدّبين بأدب الله ومقتدين بسنته (﴿آمنين﴾) حال والشرط معترض (﴿محلقين﴾) حال من الضمير في آمنين (﴿رؤوسكم﴾) أي جميع شعورها (﴿ومقصرين﴾) بعض شعورها (﴿لا تخافون﴾) حال مؤكدة (﴿فعلم ما لم تعلموا﴾) من الحكمة في تأخير فتح مكة إلى العام القابل (﴿فجعل من دون ذلك﴾) من دون فتح مكة (﴿فتحًا قريبًا﴾) [الفتح: ٢٧] وهو فتح خيبر لتستروح إليه قلوب المؤمنين إلى أن يتيسر الفتح الموعود وتحققت الرؤيا في العام القابل. وقد روي أنه ﷺ أري وهو بالحديبية أنه دخل مكة هو وأصحابه محلقين فلما نحر الهدي بالحديبية قال أصحابه: أين رؤياك: فنزلت رواه الفريابي وعبد بن حميد والطبري من طريق ابن أبي نجيح، وسقط لأبي ذر في روايته (﴿محلقين﴾) إلى آخرها وقال بعد قوله: ﴿آمنين﴾ إلى قوله: ﴿فتحًا قريبًا﴾.
٦٩٨٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «الرُّؤْيَا الْحَسَنَةُ مِنَ الرَّجُلِ الصَّالِحِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ»
[الحديث ٦٩٨٣ - طرفه في: ٦٩٩٤].
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن مسلمة) بن قعنب القعنبي (عن مالك) الإمام الأعظم (عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة) الأنصاري المدني (عن أنس بن مالك) ﵁ (أن رسول الله ﷺ قال):
(الرؤيا الحسنة) أي الصالحة (من الرجل الصالح) وكذا المرأة الصالحة غالبًا (جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوّة) مجازًا لا حقيقة لأن النبوّة انقطعت بموته ﷺ وجزء النبوّةِ لا يكون نبوة كما أن جزء الصلاة لا يكون صلاة. نعم إن وقعت من النبي ﷺ فهي جزء من أجزاء النبوّة حقيقة. وقيل: إن وقعت من غيره ﵇ فهي جزء من علم النبوّة لأن النبوّة وإن انقطعت فعلمها باق، وقول مالك ﵀ لما سئل أيعبر الرؤيا كل أحد فقال أبالنبوة تلعب، ثم قال: الرؤيا جزء من النبوّة فلا يلعب بالنبوة أجيب عنه: بأنه لم يرد أنها نبوة باقية وإنما أراد أنها لما أشبهت النبوّة من جهة الإطلاع على بعض الغيب لا ينبغي أن يتكلم فيها بغير علم.
وأما وجه كونها ستة وأربعين جزءًا فأبدى بعضهم له مناسبة وذلك أن الله أوحى إلى نبيه ﷺ في المنام ستة أشهر ثم أوحى إليه بعد ذلك في اليقظة بقية مدة حياته، ونسبتها إلى الوحي في المنام جزء من ستة وأربعين جزءًا لأنه عاش بعد النبوة ثلاثًا وعشرين سنة على الصحيح، فالستة الأشهر نصف سنة فهي جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، وتعقبه الخطابي بأنه قاله على سبيل
стр. 7674
الظن إذ إنه لم يثبت في ذلك خبر ولا أثر، ولئن سلمنا أن هذه المدة محسوبة من أجزاء النبوة لكنه يلحق بها سائر الأوقات التي كان يوحى إليه فيها منامًا في طول المدة كما ثبت كالرؤيا في أحد ودخول مكة وحينئذ فيتلفق من ذلك مدة أخرى تزاد في الحساب فتبطل القسمة التي ذكرها. وأجيب: بأن المراد وحي المنام المتتابع كما وقع في غضون وحي اليقظة فهو يسير بالنسبة إلى وحي اليقظة فهو مغمور في جانب وحي اليقظة فلم يعتبر به اهـ.
وأما حصر العدد في السنّة والأربعين فقال المازري هو مما أطلع الله عليه نبيه ﷺ وقال ابن العربي: أجزاء النبوة لا يعلم حقيقتها إلا نبي أو ملك وإنما القدر الذي أراد ﷺ أن يبينه أن الرؤيا جزء من أجزاء النبوة في الجملة لأن فيها إطلاعًا على الغيب من وجه ما وأما تفصيل النسبة فيختص بمعرفته درجة النبوة. وقال المازري أيضًا: لا يلزم العالم أن يعرف كل شيء جملة وتفصيلاً فقد جعل الله حدًّا يقف عنده فيه ما يعلم المراد به جملة وتفصيلاً، ومنه ما يعلمه جملة لا تفصيلاً وهذا من هذا القبيل. وفي مسلم من حديث أبي هريرة جزء من خمسة وأربعين، وله أيضًا عن ابن عمر جزء من سبعين جزءًا، وللطبراني عنه جزء من ستة وسبعين وسنده ضعيف، وعند ابن عبد البر من طريق عبد العزيز بن المختار عن ثابت عن أنس مرفوعًا: جزء من ستة وعشرين، وعند الطبري في تهذيب الآثار عن ابن عباس جزء من خمسين، وللترمذي من طريق أبي رزين العقيلي جزء من أربعين، وللطبري من حديث عبادة جزء من أربعة وأربعين والمشهور ستة وأربعين.
قال في الفتح ويمكن الجواب عن اختلاف الأعداد أنه بحسب الوقت الذي حدث فيه ﷺ بذلك كأن يكون لما أكمل ثلاث عشرة سنة بعد مجيء الوحي إليه حدث بأن الرؤيا جزء من ستة وعشرين إن ثبت الخبر بذلك وذلك وقت الهجرة ولما أكمل عشرين حدث بأربعين ولما أكمل اثنتين وعشرين حدث بأربعة وأربعين ثم بعدها بخمسة وأربعين ثم حدث بستة وأربعين في آخر حياته، وأما ما عدا ذلك من الروايات بعد الأربعين فضعيف ورواية الخمسين تحتمل أن تكون لجبر الكسر ورواية السبعين للمبالغة وما عدا ذلك لم يثبت اهـ.
وقلما يصيب مؤوّل في حصر هذه الأجزاء، ولئن وقع له الإصابة في بعضها لما تشهد له الأحاديث المستخرج منها لم يسلم له ذلك في بقيتها والتقييد بالصالح جرى على الغالب فقد يرى الصالح الأضعاث، ولكنه نادر لقلة تمكن الشيطان منه بخلاف العكس وحينئذ فالناس على ثلاثة أقسام: الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم ورؤياهم كلها صدق وقد يكون فيها ما يحتاج إلى تعبير، والصالحون والأغلب على رؤياهم الصدق وقد يقع فيها ما لا يحتاج إلى تعبير ومن عداهم يكون في رؤياهم الصدق، والأضعاث وهم على ثلاثة مستورون فالغالب استواء الحال في حقهم وفسقة والغالب على رؤياهم الأضغاث ويقل فيها الصدق وكفار ويندر في رؤياهم الصدق جدًّا قاله المهلب فيما ذكره في الفتح.
стр. 7675
فإن قلت: لم عبّر بلفظ النبوة دون لفظ الرسالة؟ أجيب: بأن السر فيه أن الرسالة تزيد على النبوة بالتبليغ بخلاف النبوة المجردة فإنها إطلاع على بعض المغيبات وكذلك الرؤيا.
والحديث أخرجه النسائي وابن ماجة في التعبير.
٣ - باب الرُّؤْيَا مِنَ اللَّهِ
هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه (الرؤيا من الله) تعالى، وسقط لفظ باب لغير أبي ذر.
٦٩٨٤ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا قَتَادَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الرُّؤْيَا مِنَ اللَّهِ، وَالْحُلْمُ مِنَ الشَّيْطَانِ».
وبه قال: (حدّثنا أحمد بن يونس) هو أحمد بن عبد الله بن يونس اليربوعي الكوفي قال: (حدّثنا زهير) بن معاوية أبو خيثمة الكوفي قال: (حدّثنا) بالجمع ولأبي ذر حدّثني (يحيي هو ابن سعيد) ولأبي ذر وهو ابن سعيد أي الأنصاري (قال: سمعت أبا سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف (قال: سمعت أبا قتادة) الحارث بن ربعي الأنصاري ﵁ (عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(الرؤيا) يراها الشخص في النوم مما يسره (من الله) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي الصادقة وله عن الكشميهني الصالحة (والحلم من الشيطان) بضم الحاء المهملة وسكون اللام. وقال السفاقسي بضمهما وهو ما يراه النائم من الأمر الفظيع المهول. قال ابن نفيس في شامله: قد تحدث الأحلام لأمر في المأكول وذلك بأن يكون كثير التبخير أو التدخين فإذا تصعد ذلك إلى الدماغ وصادف انفتاح البطن الأوسط منه وهو من شأنه أن يكون متفتحًا حال النوم حرّك ذلك البخاري أو الدخان أرواح الدماغ وغيرها عن أوضاعها فيعرض عن ذلك أن تختلط الصور التي في مقدم الدماغ بعضها ببعض وينفصل بعضها من بعض فيحدث من ذلك صور ليست على وفق الصور الواردة من الحواس والقوة التي تدرك تلك الصور حينئذ ويلزم ذلك أن يحكم على تلك الصور بمعان تناسبها، فتكون تلك المعاني لا محالة مخالفة للمعاني المعهودة فلذلك تكون الأحلام حينئذ مشوشة فاسدة، وقد تحدث الأحلام لأمر مهمّ يتفكّر فيه في اليقظة فيستمر عمل القوة المفكرة في ذلك فيكون أكثر ما يرى متعلقًا به، وهذا مثل الصنائع والفكر في العلوم وكثيرًا ما يكون الفكر صحيحًا لأن القوة تكون حينئذٍ قد قويت بما عرض لها من الراحة، ولأجل توفر الأرواح حينئذ على القوى الباطنة، فلذلك كثيرًا ما ينحل حينئذ مسائل مشكلة وشبه معطلة وكثيرًا ما تستنتج الفكرة حينئذ مسائل لم تخطر أوّلاً بالبال وذلك لتعلقها بالفكرة المتقدمة في اليقظة وهذه الوجوه من الأحلام لا اعتبار لها في التعبير، وأكثر من تصدق أحلامه من يتجنب الكذب فلا يكون لمخيلته عادة بوضع الصور والمعاني الكاذبة، ولذلك الشعراء يندر جدًّا صدق أحلامهم لأن الشاعر من عادته التخيل لما ليس واقعًا وأكثر فكره إنما هو في وضع الصور والمعاني الكاذبة اهـ.
стр. 7676
وإضافة الحلم إلى الشيطان لكونه على هواه ومراده أو لأنه الذي يخيل فيه ولا حقيقة له في نفس الأمر أو لأنه يحضره لا أنه يفعله إذ كل مخلوق لله تعالى، وأما إضافة الرؤيا وهي اسم للمرئيّ المحبوب إلى الله تعالى فإضافة تشريف وظاهره إن المضافة إلى الله لا لها يقال حلم والمضافة إلى الشيطان لا يقال لها رؤيا وهو تصرف شرعي وإلاّ فالكل يسمى رؤيا. وفي حديث آخر الرؤيا ثلاث فأطلق على كل رؤيا.
حديث الباب سبق في الطب وأخرجه مسلم والترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجة.
٦٩٨٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنِى ابْنُ الْهَادِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَبَّابٍ عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِىَّ ﷺ يَقُولُ: «إِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ رُؤْيَا يُحِبُّهَا فَإِنَّمَا هِىَ مِنَ اللَّهِ فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ عَلَيْهَا، وَلْيُحَدِّثْ بِهَا وَإِذَا رَأَى غَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا يَكْرَهُ فَإِنَّمَا هِىَ مِنَ الشَّيْطَانِ فَلْيَسْتَعِذْ مِنْ شَرِّهَا وَلَا يَذْكُرْهَا لأَحَدٍ فَإِنَّهَا لَا تَضُرُّهُ».
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام قال: (حدّثني) بالإفراد (ابن الهاد) بغير تحتية بعد المهملة وهو يزيد بن عبد الله بن أسامة بن عبد الله بن شداد بن الهاد الليثي (عن عبد الله بن خباب) بخاء معجمة مفتوحة وموحدتين الاللى مشددة بينهما ألف الأنصاري.
(عن أبي سعيد) سعد بن مالك (الخدري) ﵁ (إنه سمع النبي ﷺ يقول):
(إذا رأى أحدكم) في منامه (رؤيا يحبها فإنما هي من الله فليحمد الله عليها وليحدث بها) وفي مسلم حديث فإن رأى رؤيا حسنة فليبشر ولا يخبر إلا من يحب، وفي الترمذي من حديث أبي رزين ولا يقصها إلا على وادّ، وفي أخرى ولا يحدث بها إلا لبيبًا أو حبيبًا، وفي أخرى لا تقص الرؤيا إلاّ على عالم أو ناصح. قيل: لأن العالم يؤوّلها على الخير مهما أمكنه، والناصح يرشد إلى ما ينفع، واللبيب العارف بتأويلها، والحبيب إن عرف خيرًا قاله وإن جهل أو شك سكت، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: وليتحدث بزيادة فوقية بعد التحتية وفتح الدال المهملة (وإذا رأى غير ذلك مما يكره فإنما هي من الشيطان) لأنه الذي يخيل فيها أو أنها تناسب صفته من الكذب والتهويل وغير ذلك بخلاف الرؤيا الصادقة فأضيفت إلى الله إضافة تشريف وإن كان الجميع بخلق الله وتقديره كما أن الجميع عباد الله وإن كانوا عصاة قال تعالى: ﴿إن عبادي ليس لك عليهم سلطان﴾ [الحجر: ٤٢] و ﴿عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم﴾ [الزمر: ٥٣] (فليستعذ) بالله (من شرها) أي من شر الرؤيا (ولا يذكرها لأحد) وفي مستخرج أبي نعيم حديث وإذا رأى أحدكم شيئًا يكرهه فلينفث ثلاث مرات ويتعوذ بالله من شرها. وفي باب الحلم من الشيطان عند المؤلّف فليبصق عن يساره، ولمسلم عن يساره حين يهب من نومه ثلاث مرات وعند المؤلّف في
стр. 7677
باب إذا رأى ما يكره فليتعوذ بالله من شرها ومن شر الشيطان وليتفل ثلاثًا ولا يحدث بها أحدًا (فإنها لا تضره).
ومحصله أن الرؤيا الصالحة آدابها ثلاثة حمد الله عليها وأن يستبشر بها، وأن يتحدث بها لكن لمن يحب دون من يكره وإن آداب الحلم أربعة التعوذ بالله من شرها ومن شر الشيطان، وأن يتفل حين يستيقظ من نومه ولا يذكرها لأحد أصلاً. وفي حديث أبي هريرة عند المؤلّف في باب القيد في المنام وليقم فليصل لكن لم يصرح البخاري بوصله وصرح به مسلم، وعند مسلم وليتحول عن جنبه الذي كان عليه والحكمة في التفل كما قال بعضهم طرد الشيطان الذي حضر الرؤيا المكروهة أو إشارة إلى استقذاره. والصلاة جامعة لما ذكر على ما لا يخفى، وعند سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد الرزاق بأسانيد صحيحة عن إبراهيم النخعي قال: إذا رأى أحدكم في منامه ما يكره فليقل إذا استيقظ أعوذ بما عاذت به ملائكة الله ورسوله من شر رؤياي هذه أن يصيبني منها ما أكره في ديني ودنياي، وفي النسائي من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: كان خالد بن الوليد يفزع في منامه فقال: يا رسول الله إني أروع في المنام فقال: "إذا اضطجعت فقل بسم الله أعوذ بكلمات الله التامات من غضبه وعقابه وشر عباده ومن همزات الشياطين وأن يحضرون".
وحديث الباب أخرجه الترمذي والنسائي في الرؤيا واليوم والليلة.
٤ - باب الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ
هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه (الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة).
٦٩٨٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى بْنِ أَبِى كَثِيرٍ وَأَثْنَى عَلَيْهِ خَيْرًا لَقِيتُهُ بِالْيَمَامَةِ عَنْ أَبِيهِ، حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ، عَنْ أَبِى قَتَادَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ مِنَ اللَّهِ، وَالْحُلْمُ مِنَ الشَّيْطَانِ فَإِذَا حَلَمَ فَلْيَتَعَوَّذْ مِنْهُ وَلْيَبْصُقْ عَنْ شِمَالِهِ فَإِنَّهَا لَا تَضُرُّهُ». وَعَنْ أَبِيهِ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِى قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ.
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدثنا عبد الله بن يحيى بن أبي كثير) اليماني (وأثنى عليه) مسدد (خيرًا) حال تحديثه (وقال لقيته باليمامة) بالتخفيف بين مكة والمدينة (عن أبيه) يحيى أنه قال: (حدّثنا أبو سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف (عن أبي قتادة) الحارث بن ربعي ﵁ (عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(الرؤيا الصالحة من الله والحلم من الشيطان فإذا حلم) بفتح الحاء المهملة واللام بوزن ضرب (فليتعوذ) بالله (منه) من الشيطان (وليبصق) طردًا للشيطان وتحقيرًا واستقذارًا له (عن شماله) لأنه محل الأقذار والمكروهات (فإنها) أي الرؤيا المكروهة (لا تضره) لأن الله تعالى جعل ما ذكر من
стр. 7678
التعوذ وغيره سببًا للسلامة من المكروه المترتب على الرؤيا كما جعل الصدقة وقاية للمال وسببًا لدفع البلاء قاله النووي -رحمه الله تعالى-، وقد ورد النفث والتفل والبصق فقيل: النفث والتفل بمعنى ولا يكونان إلا بريق، وقال أبو عبيد يشترط في التفل ريق يسير ولا يكون في النفث، وقيل عكسه، وقيل الذي يجمع الثلاثة الحمل على التفل فإنه نفخ معه ريق فبالنظر إلى النفخ قيل له نفث وبالنظر إلى الريق قيل له بصاق.
(و) بالسند السابق (عن أبيه) أي عن أبي عبد الله وهو يحيى بن أبي كثير واسم أبي كثير صالح بن المتوكل (قال: حدّثنا عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه) أبي قتادة الحارث (عن النبي ﷺ مثله). أي مثل الحديث السابق. واعتراض الزركشي في تنقيحه على البخاري حيث قال وإدخاله حديث أبي قتادة في باب الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة لا وجه له أخذه من قول الإسماعيلي ليس هذا الحديث من هذا الباب في شيء وأجاب عنه في المصابيح بأن له وجهًا ظاهرًا وهو التنبيه على أن هذا الكلام وإن كان عامًا فهو مخصوص بالرؤيا الصالحة كما دلت عليه أحاديث الباب قال: وإذا كان مخصوصًا بالرؤيا الصالحة اتجه إدخاله في بابها اتجاهًا ظاهرًا اهـ. وهو مثل قول الحافظ ابن حجر وجه دخوله في هذه الترجمة إشارة إلى أن الرؤيا الصالحة إنما كانت جزءًا من أجزاء النبوة لكونها من الله تعالى بخلاف التي من الشيطان فإنها ليست من أجزاء النبوة.
٦٩٨٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ».
وبه قال: (حدّثنا محمد بن بشار) بالموحدة والمعجمة المشددة المعروف ببندار قال: (حدّثنا غندر) هو محمد بن جعفر قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن قتادة) بن دعامة السدوسي (عن أنس بن مالك) ﵁ (عن عبادة بن الصامت) ﵁ (عن النبي ﷺ ¬) أنه (قال):
(رؤيا المؤمن من جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة) قد سبق ما في ذلك قريبًا. قال الغزالي لا تظن أن تقدير النبي ﷺ يجري على لسانه كيفما اتفق بل لا ينطق إلا بحقيقة الحق فقوله رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة تقدير تحقق لكن ليس في قوة غيره أن يعرف علة تلك النسبة إلا بتخمين لأن النبوّة عبارة عما يختص به النبي ويفارق به غيره وهو مختص بأنواع من الخواص كل واحد منها يمكن انقاسمه إلى أقسام بحيث يمكننا أن نقسمها إلى ستة وأربعين جزءًا بحيث تقع الرؤيا الصحيحة جزءًا من جملتها، لكنه لا يرجع إلا إلى الظن والتخمين لا إنه الذي أراده النبي ﷺ حقيقة.
стр. 7679
تنبيه:
قال في فتح الباري: خالف قتادة غيره فلم يذكروا عبادة بن الصامت في السند.
والحديث أخرجه مسلم في التعبير والترمذي والنسائي في الرؤيا.
٦٩٨٨ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ». رَوَاهُ ثَابِتٌ وَحُمَيْدٌ وَإِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَشُعَيْبٌ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
[الحديث ٦٩٨٨ - طرفه في: ٧٠١٧].
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن قزعة) بفتح القاف والزاي القرشي المكي المؤذن قال: (حدّثنا إبراهيم بن سعد) بسكون العين ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري أبو إسحاق المدني نزيل بغداد ثقة حجة تكلم فيه بلا قادح (عن الزهري) محمد بن مسلم (عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال):
(رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة) هو نظير قوله ﷺ : "السمت الحسن والتؤدة والاقتصاد جزء من أربعة وعشرين جزءًا من النبوة" أي من أخلاق أهل النبوة، وأما الحصر في السنّة والأربعين فالأولى أن يجتنب القول فيه ويتلقى بالتسليم لعجزنا عن حقيقة معرفته على ما هو عليه (رواه) أي الحديث السابق ولأبي ذر ورواه (ثابت) البناني فيما وصله المؤلّف عن معلى بن أسد في باب من رأى النبي ﷺ (وحميد) الطويل فيما وصله الإمام أحمد عن محمد بن أبي عدي عنه (وإسحاق بن عبد الله) بن أبي طلحة فيما سبق قريبًا (وشعيب) هو ابن الحبحاب فيما وصله ابن منده أربعتهم (عن أنس) ﵁ (عن النبي ﷺ ¬) أي بغير واسطة لم يقل عن أنس عن عبادة بن الصامت كما في السابق.
٦٩٨٩ - حَدَّثَنِى إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ، حَدَّثَنِى ابْنُ أَبِى حَازِمٍ وَالدَّرَاوَرْدِىُّ، عَنْ يَزِيدَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَبَّابٍ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ».
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد، ولأبي ذر: حدّثنا (إبراهيم بن حمزة) بالحاء المهملة والزاي أبو إسحاق القرشي قال: (حدّثني ابن أبي حازم) بالمهملة والزاي أيضًا بينهما ألف عبد العزيز واسم أبي حازم سلمة بن دينار (والدراوردي) عبد العزيز بن محمد بن عبيد وهو نسبة إلى دراورد قرية من قرى خراسان (عن يزيد بن عبد الله بن خباب) بالخاء المعجمة والموحدتين المشددة أولاهما بينهما ألف المعروف بابن الهاد (عن أبي سعيد الخدري) ﵁ (أنه سمع رسول الله ﷺ يقول):
стр. 7680
(الرؤيا الصالحة) وفي رواية الصادقة وهي المطابقة للواقع (جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة) وقوله الصالحة تقييد لما أطلق في الروايتين السابقتين وكذا وقع التقييد في باب رؤيا الصالحين بالرجل الصالح فرؤيا الصالح هي التي تنسب إلى أجزاء النبوة ومعنى صلاحها انتظامها واستقامتها فرؤيا الفاسق لا تعدّ من أجزاء النبوة، وأما رؤيا الكافر فلا تعدّ أصلاً، ولو صدقت رؤيهم أحيانًا فذاك كما يصدق الكذوب وليس كل من حدّث عن غيب يكون خبره من أجزاء النبوة كالكاهن والمنجم، وقد وقعت الرؤيا الصادقة من بعض الكفار كما في رؤيا صاحبي السجن مع يوسف ﵇ ورؤيا ملكهما.
٥ - باب الْمُبَشِّرَاتِ
(باب المبشرات) بكسر المعجمة المشددة جمع مبشرة، وقول الحافظ ابن حجر وهي البشرى تعقبه صاحب عمدة القاري فقال: ليس كذلك لأن البشرى اسم بمعنى البشارة والمبشرة اسم فاعل للمؤنث من التبشير وهي إدخال السرور والفرح على المبشر بفتح المعجمة وعند الإمام أحمد من حديث أبي الدرداء عن النبي ﷺ في قوله: ﴿لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة﴾ [يونس: ٦٤] قال: الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له، وعنده أيضًا من حديث عبادة بن الصامت أنه سأل رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله أرأيت قول الله تعالى: ﴿لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة﴾ فقال: لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد من أمتي أو أحد قبلك قال: تلك الرؤيا الصالحة يراها الصالح أو ترى له، وكذا رواه أبو داود الطيالسي عن عمران القطان عن يحيى بن أبي كثير به، وعنده أيضًا من حديث ابن عمر عن رسول الله ﷺ أنه قال: ﴿لهم البشرى في الحياة الدنيا﴾ قال: الرؤيا الصالحة يبشرها المؤمن وهي من تسعة وأربعين جزءًا من النبوة فمن رأى تلك فليخبر بها ومن رأى سوءًا فإنما هو من الشيطان ليحزنه فلينفث عن يساره ثلاثًا وليسكت ولا يخبر بها. وعند ابن جرير من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ ﴿لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة﴾ قال: هي في الدنيا الرؤيا الصالحة يراها العبد أو ترى له وفي الآخرة بالجنة، وعنده أيضًا عن أبي هريرة موقوفًا: الرؤيا الحسنة هي البشرى يراها المسلم أو ترى له.
٦٩٩٠ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، حَدَّثَنِى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَمْ يَبْقَ مِنَ النُّبُوَّةِ إِلاَّ الْمُبَشِّرَاتُ» قَالُوا: وَمَا الْمُبَشِّرَاتُ؟ قَالَ: «الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ».
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن الزهري) محمد بن مسلم أنه قال: (حدّثني) بالإفراد (سعيد بن المسيب أن أبا هريرة) ﵁ (قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول):
стр. 7681
(لم يبق من النبوة) بلفظ الماضي والمراد الاستقبال، وفي حديث عائشة عند أحمد لم يبق بعدي (إلاّ المبشرات) قال في المصابيح: وحينئذ فيكون المقام مقتضيًّا للنفي بغير لم مما يدل على النفي في المستقبل كما ورد لمن يبقى من بعدي من النبوة إلا المبشرات يعني: أن الوحي منقطع بموته فلا يبقى بعده ما يعلم به ما سيكون غير الرؤيا الصالحة اهـ.
وقيل: هو على ظاهره لأنه قال ذلك في زمانه واللام في النبوة للعهد، والمراد نبوّته أي لم يبق بعد النبوة المختصة بي إلا المبشرات، وفي حديث ابن عباس عند مسلم قال ذلك في مرض موته، وفي حديث أنس عند أبي يعلى مرفوعًا: إن الرسالة والنبوة قد انقطعت ولا نبي ولا رسول بعدي ولكن بقيت المبشرات (قالوا) يا رسول الله (وما المبشرات؟ قال) ﷺ : (الرؤيا الصالحة) أي يراها الشخص أو ترى له والتعبير بالمبشرات خرج مخرج الغالب، وإلا فمن الرؤيا ما تكون منذرة وهي صادقة يريها الله تعالى لعبده المؤمن لطفًا به فيستعد لما يقع قبل وقوعه.
والحديث من أفراده.
٦ - باب رُؤْيَا يُوسُفَ
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذْ قَالَ: يُوسُفُ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّى رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِى سَاجِدِينَ * قَالَ: يَا بُنَىَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [يوسف الآيات: ٤ - ٦] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَاىَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّى حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِى إِذْ أَخْرَجَنِى مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِى وَبَيْنَ إِخْوَتِى إِنَّ رَبِّى لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ * رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِى مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِى مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّى فِى الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِى مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِى بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف الآيتان: ١٠٠ - ١٠١] قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: فَاطِرٌ وَالْبَدِيعُ وَالْمُبْتَدِعُ وَالْبَارِئُ وَالْخَالِقُ وَاحِدٌ مِنَ الْبَدْءِ بَادِئَةٍ.
(باب رؤيا يوسف) وللنسفي يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن (وقوله تعالى: ﴿إذ قال يوسف﴾) بدل اشتمال من أحسن القصص أن جعل مفعولاً أو منصوبًا بإضمار اذكر ويوسف عبري ولو كان عربيًّا لصرف الخلوه عن سبب آخر سوى التعريف (﴿لأبيه﴾) يعقوب (﴿يا أبت إني رأيت﴾) من الرؤيا لا من الرؤية لأن ما ذكره معلوم أنه منام (﴿أحد عشر كوكبًا﴾) روى ابن جرير عن جابر قال: أتى النبي ﷺ رجل من اليهود يقال له بستانة اليهودي فقال له: يا محمد أخبرني عن الكواكب التي رآها يوسف ساجدة له ما اسمها؟ قال: فسكت
стр. 7682
النبي ﷺ فلم يجبه بشيء فنزل جبريل ﵇ فأخبره بأسمائها. قال: فبعث رسول الله ﷺ إليه فقال: نعم حرثان والطارق والذيال وذو الكتفين وذو القابس ووثاب وعمودان والفليق والمصبح والضروج وذو الفرغ. فقال اليهودي: أي والله إنها لأسماؤها. ورواه البيهقي في الدلائل وأبو يعلى الموصلي والبزار في مسنديهما (﴿والشمس والقمر﴾) هما أبواه أو أبوه وخالته والكواكب إخوته. قيل: الواو بمعنى مع أي رأيت الكواكب مع الشمس والقمر وأجريت مجرى العقلاء في رأيتهم لي ساجدين لأنه وصفها بما هو المختص بالعقلاء وهو السجود وكررت الرؤية لأن الأولى تتعلق بالذات والثانية بالحال أو الثانية كلام مستأنف على تقدير سؤال وقع جوابًا له كأن أباه قال له: كيف رأيتها؟ فقال (﴿رأيتهم لي ساجدين﴾) متواضعين وكان سنه اثنتي عشرة سنة يومئذ (﴿قال يا بني﴾) صغره للشفقة أو لصغر سنه (﴿لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدًا﴾) جواب النهي أي إن قصصتها عليهم كادوك فهم يعقوب ﵇ من رؤياه إن الله يصطفيه لرسالته وينعم عليه بشرف الدارين فخاف عليه حسد إخوته وبغيهم (﴿إن الشيطان للإنسان عدو مبين﴾) ظاهر العداوة فيحملهم على الحسد والكيد (﴿وكذلك﴾) أي وكما اجتباك بمثل هذه الرؤيا الدالة على شرفك وعزك (﴿يجتبيك ربك﴾) يصطفيك للنبوّة والملك (﴿ويعلمك﴾) كلام مبتدأ غير داخل في حكم التشبيه كأنه قيل وهو يعلمك (﴿من تأويل الأحاديث﴾) من تعبير الرؤيا (﴿ويتم نعمته عليك﴾) بإرسالك والإيحاء إليك (﴿وعلى آل يعقوب كما أتمها على أبويك من قبل﴾) أراد الجدّ وأبا الجدّ (﴿إبراهيم وإسحاق﴾) عطف بيان لأبويك (﴿إن ربك عليم﴾) يعلم من يستحق الاجتباء (﴿حكيم﴾) [يوسف: ٤ - ٦] يضع الأشياء في مواضعها، وسقط لأبي ذر من قوله: ﴿إن الشيطان﴾ إلخ وقال بعد: ﴿ساجدين﴾ إلى قوله: ﴿عليم حكيم﴾.
(وقوله تعالى: ﴿يا أبت هذا﴾) أي سجودهم (﴿تأويل رؤياي من قبل﴾) التي كان قصها على أبيه: إني رأيت أحد عشر كوكبًا كان هذا سائغًا في شرائعهم إذا سلموا على كبير سجدوا له ولم يزل هذا جائزًا من لدن آدم إلى شريعة عيسى ﵇ فحرّم هذا في هذه الملة المحمدية (﴿قد جعلها﴾) أي الرؤيا (﴿ربي حقًّا﴾) صادقة وأخرج الحاكم والطبري والبيهقي في شعبه بسند صحيح عن سلمان الفارسي قال: كان بين رؤيا يوسف وعبارتها أربعون عامًّا، وذكر البيهقي له شاهدًا عن عبد الله بن شداد وزاد وإليها ينتهي أمد الرؤيا، وعند الطبري عن الحسن البصري قال: كانت مدة المفارقة بين يعقوب ويوسف ثمانين سنة، وفي لفظ ثلاثًا وثمانين سنة (﴿وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن﴾) ولم يقل من الجب لقوله: تثريب عليكم اليوم (﴿وجاء بكم من البدو﴾) من البادية لأنهم كانوا أصحاب مواش ينتقلون في المياه والمناقع (﴿من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي) أفسد بيننا وأغوى (﴿إن ربي لطيف لما يشاء إنه هو العليم﴾) بمصالح عباده (﴿الحكيم﴾) في أفعاله وأقواله وقضائه وقدره وما يختاره ويريده (﴿رب قد آتيتني من الملك﴾) ملك مصر (﴿وعلمتني من تأويل الأحاديث﴾) تعبير الرؤيا (﴿فاطر السماوات والأرض أنت وليي في الدنيا والآخرة توفني مسلمًا﴾) طلب ذلك لقول يعقوب لولده ولا تموتن إلا وأنتم
стр. 7683
مسلمون وإنما دعا به ليقتد به قومه من بعده (﴿وألحقني بالصالحين﴾) [يوسف: ١٠٠ - ١٠١] من آبائي أو على العموم.
(قال أبو عبد الله) البخاري ﵀ وثبت قوله قال أبو عبد الله لأبي ذر: (فاطر والبديع والمبتدع) بفوقية بعد الموحدة ولأبي ذر المبدع بإسقاط الفوقية (والبارئ) بالراء والهمزة ولأبي ذر عن الحموي والمستملي والبادئ بالدال المهملة بدل الراء (والخالق) السبعة معناها (واحد) ومراده تفسير الفاطر من قوله: ﴿فاطر السماوات والأرض﴾ [الأنعام: ١٤ وغيرها] ومراده أن الأسماء المذكورة ترجع إلى معنى واحد وهو إيجاد الشيء بعد أن لم يكن وقوله: (من البدء) بفتح الموحدة وسكون المهملة بعدها همزة كذا في الفرع كأصله، وفي بعض النسخ بغير همزة وهو أوجه لأنه يريد تفسير قوله: ﴿وجاء بكم من البدو﴾ [يوسف: ١٠٠] (بادئة) بالهمزة أيضًا في الفرع وفي غيره بتركه لم وجاء بكم من البادية أو مراده إن فاطر معناه البادئ من البدء أي الابتداء أي بادئ الخلق بمعنى فاطره وسقط من قوله قال أبو عبد الله إلخ للنسفي.
٧ - باب رُؤْيَا إِبْرَاهِيمَ
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْىَ قَالَ: يَا بُنَىَّ إِنِّى أَرَى فِى الْمَنَامِ أَنِّى أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ: يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِى إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ * فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ﴾ [الصافات الآيات: ١٠٢ - ١٠٥] قَالَ مُجَاهِدٌ: أَسْلَمَا سَلَّمَا مَا أُمِرَا بِهِ وَتَلَّهُ وَضَعَ وَجْهَهُ بِالأَرْضِ.
(باب) بيان (رؤيا إبراهيم) الخليل ﵊ وسقط لغير أبي ذر لفظ باب.
(وقوله تعالى) رفع وسقطت الواو في الفرع وثبتت في أصله: (﴿فلما بلغ معه السعي﴾) بلغ أن يسعى مع أبيه في أشغاله وحوائجه ومعه لا تتعلق ببلغ لاقتضائه بلوغهما معًا حد السعي ولا بالسعي لأن صلة المصدر لا تتقدم عليه فبقي أن يكون بيانًا كأنه قال لما قال فلما بلغ معه السعي أبي الحدّ الذي يقدر فيه على السعي قيل مع من قال مع أبيه وكان إذ ذاك ابن ثلاث عشرة سنة، والمعنى في اختصاص الأب أنه أرفق الناس به وأعطفهم عليه وغيره ربما عنف به في الاستسعاء فلا يحتمله لأنه لم يستحكم قوته (﴿قال يا بني إني أرى﴾) أي إني رأيت (﴿في المنام أني أذبحك﴾) ورؤيا الأنبياء في المنام وحي رواه ابن أبي حاتم عن ابن عباس مرفوعًا أي كالوحي في اليقظة فلهذا قال: إني أرى في المنام أني أذبحك (﴿فانظر ماذا ترى﴾) من الرأي على وجه المشاورة لا من رؤية العين وإنما شاوره ليأنس للذبح وينقاد للأمر به (﴿قال يا أبت افعل ما تؤمر﴾) به (﴿ستجدني إن شاء الله من الصابرين﴾) على الذبح أو على قضاء الله به (﴿فلما أسلما﴾) خضعا وانقادا لأمر الله أو أسلما الذبيح نفسه وإبراهيم ابنه (﴿وتله للجبين﴾) صرعه عليه ليذبحه من قفاه ولا يشاهد وجهه عند ذبحه ليكون أهون عليه ووضع السكين على قفاه فانقلب
стр. 7684
السكين ولم يعمل شيئًا بمانع من القدرة الإلهية (﴿وناديناه أن يا إبراهيم قد صدّقت الرؤيا﴾) أي حققت ما أمرناك به في المنام من تسليم الولد للذبح وجواب لما محذوف تقديره كان ما كان مما ينطق به الحال ولا يحيط به الوصف من استبشارهما وحمدهما لله وشكرهما على ما أنعم به عليهما من دفع البلاء العظيم بعد حلوله (﴿إنا كذلك﴾) أي كما جزيناك (﴿نجزي المحسنين﴾) [الصافات: ١٠٢ - ١٠٥] لأنفسهم بامتثال الأمر بإفراج الشدة عنهم.
(قال مجاهد): فيما وصله الفريابي في تفسيره في قوله تعالى: (﴿فلما أسلما) أي (سلما ما أمرا به) سلم الابن نفسه للذبح والأب ابنه (﴿وتله﴾) أي (وضع وجهه بالأرض) لأنه قال له: يا أبت لا تذبحني وأنت تنظر في وجهي لئلا ترحمني، ولم يذكر البخاري ﵀ هنا حديثًا كالترجمة التي قبل بل اكتفى فيهما بما أورده من الآيات القرآنية ولعله لم يتفق له حديث فيهما على شرطه.
٨ - باب التَّوَاطُؤُ عَلَى الرُّؤْيَا
(باب التواطؤ) أي توافق جماعة (على الرؤيا) الواحدة وإن اختلفت عباراتهم.
٦٩٩١ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵁ أَنَّ أُنَاسًا أُرُوا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِى السَّبْعِ الأَوَاخِرِ وَأَنَّ أُنَاسًا أُرُوا أَنَّهَا فِى الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «الْتَمِسُوهَا فِى السَّبْعِ الأَوَاخِرِ».
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) نسبه لجده وأبوه عبد الله قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (عن عقيل) بضم العين ابن خالد الأيلي (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن سالم بن عبد الله عن ابن عمر) والد سالم (﵁) وعن أبيه (إن أناسًا) بضم الهمزة ولأبي ذر عن الكشميهني أن ناسًا بإسقاط الهمزة (أروا) في المنام (ليلة القدر) بضم الهمزة وأصله أريوا فاستثقلت الضمة على الياء وقبلها كسرة فحذفت الضمة وتبعتها الياء ثم ضمت الراء لأجل الواو وهو مبني لما لم يسم فاعله ومفعوله النائب عن الفاعل الضمير وهو الواو والرؤيا هنا اختلف فيها فقال ابن هشام مصدر رأى الحلمية عند ابن مالك والحريري قال وعندي لا تختص بها لقوله تعالى: ﴿وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلاّ فتنة للناس﴾ [الإسراء: ٦٠] قال ابن عباس: هي رؤيا عين فدلّ على أنه مصدر الحلمية والبصرية وقد ألحقوا رأى الحلمية برأى العلمية في التعدي لاثنين اهـ.
وقد جعلها أبو البقاء وجماعة بصرية فعلى هذا تتعدى لمفعول واحد وتنقل بالهمزة إلى الثاني فيكون الثاني هنا ليلة القدر وقد انتقل عن أصله من الظرفية إلى المفعولية لأنهم لم يروا فيها إنما رأوا نفسها يعني ألقاها الله تعالى في قلوبهم (في) ليالي (السبع الأواخر) من شهر رمضان جمع آخرة (وإن أناسًا) آخرين (أروها في العشر الأواخر) منه (فقال النبي ﷺ ¬):
стр. 7685
(التمسوها) اطلبوا ليلة القدر (في) ليالي (السبع الأواخر) صفة للسبع كالسابق والسبع داخلة في العشر فلما رأى قوم أنها في العشر وآخرون أنها في السبع كانوا كأنهم توافقوا على السبع، فأمرهم النبي ﷺ بالتماسها في السبع لتوافق الفريقين عليها، فجرى البخاري على عادته في إيثار الأخفى على الأجلى فلم يذكر قوله أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر السابق في أواخر الصيام.
٩ - باب رُؤْيَا أَهْلِ السُّجُونِ وَالْفَسَادِ وَالشِّرْكِ
لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّى أَرَانِى أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الآخَرُ إِنِّى أَرَانِى أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِى خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ * قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِى رَبِّى إِنِّى تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ * وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَىْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ * يَا صَاحِبَىِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ﴾ [يوسف الآيات: ٣٦ - ٣٩] وَقَالَ الْفُضَيْلُ لِبَعْضِ الأَتْبَاعِ: يَا عَبْدَ اللَّهِ ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ * يَا صَاحِبَىِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِى رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِىَ الأَمْرُ الَّذِى فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ * وَقَالَ لِلَّذِى ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِى عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِى السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ * وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّى أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِى فِى رُؤْيَاىَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ * قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ * وَقَالَ الَّذِى نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ * يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِى سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّى أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ * قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِى سُنْبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّا تَأْكُلُونَ * ثُمَّ يَأْتِى مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّا تُحْصِنُونَ * ثُمَّ يَأْتِى مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ * وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِى بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ﴾ [يوسف
الآيات: ٣٩ - ٥٠] وَادَّكَرَ: افْتَعَلَ مِنْ ذَكَرَ. أُمَّةٍ قَرْنٍ وَيُقْرَأُ أَمَهٍ نِسْيَانٍ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْصِرُونَ الأَعْنَابَ وَالدُّهْنَ. تَحْصِنُونَ: تَحْرُسُونَ.
(باب رؤيا أهل السجون) جمع سجن بالكسر وهو الحبس (و) رؤيا أهل (الفساد و) أهل (الشرك) ولأبي ذر مما ذكره في الفتح والشراب بضم المعجمة وتشديد الراء جمع شارب بدل قوله
стр. 7686
والشرك، والمراد شربة المحرم وعطفه على أهل الفساد من عطف الخاص على العام (لقوله تعالى: ﴿ودخل معه﴾) أي مع يوسف ﵇ (﴿السجن فتيان﴾) عبدان للملك الوليد بن ريان ملك مصر الأكبر أحدهما خبازه والآخر شرابيه للاتهام بأنهما يريدان أن يسماه (﴿قال أحدهما﴾) هو الشرابي واسمه نبؤ وقيل هو لبيس (﴿إني أراني﴾) في المنام (﴿أعصر خمرًا﴾) عنبًا تسمية له بما يؤول إليه وقرأها ابن مسعود: إني أراني أعصر عنبًا (﴿وقال الآخر﴾) وهو الخباز مخلث بالخاء المعجمة وبعد اللام مثلثة وقيل راشان (﴿إني أراني﴾) في المنام (﴿أحمل فوق رأسي خبزًا تأكل الطير منه﴾) تنهش منه (﴿نبئنا﴾) أخبرنا (﴿بتأويله﴾) بتفسيره وتعبيره وما يؤول إليه (﴿إنا نراك من المحسنين﴾) الذين يحسنون عبارة الرؤيا وتأويله أن الأنبياء يخبرون عما سيكون والرؤيا تدل على ما سيكون (﴿قال لا يأتيكما طعام ترزقانه﴾) في نومكما (﴿إلاّ نبأتكما بتأويله﴾) في اليقظة (﴿قبل أن يأتيكما﴾) أو لا يأتيكما في اليقظة طعام ترزقانه من منازلكما ترزقانه تطعمانه وتأكانه إلا أخبرتكما بقدره ولونه والوقت الذي يصل إليكما قبل أن يصل وأي طعام أكلتم ومتى أكلتم وهذا مثل معجزة عيسى حيث قال: وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم (﴿ذلكما﴾) التأويل والإخبار بالمغيبات (﴿مما علمني ربي﴾) بالإلهام والوحي ولم أقله عن تكهن وتنجم (﴿إني تركت ملّة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون﴾) يحتمل أن يكون كلامًا مبتدأ وأن يكون تعليلاً لسابقه أي علمني ذلك لأني تركت ملّة أولئك الكفار (﴿واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب﴾) وهي الملة الحنيفية وذكر الآباء ليعلمهما أنه من بيت النبوّة لتقوي رغبتهما في الاستماع إليه، والمراد الترك ابتداء لا أنه كان فيه، ثم ترك يقول هجرت طريق الكفر والشرك وسلكت طريق آبائي المرسلين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وهكذا يكون حال من سلك طريق الهدى واتّبع طريق المرسلين، وأعرض عن الضالين فإنه يهدي قلبه ويعلمه ما لم يكن يعلم ويجعله إمامًا يهتدي به في الخير وداعيًا إلى سبيل الرشاد (﴿ما كان لنا﴾) ما صح لنا معاشر الأنبياء (﴿أن نشرك بالله من شيء﴾) أي شيء كان صنمًا أو غيره (﴿ذلك﴾) أي التوحيد (﴿من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون﴾) فضل الله تعالى فيشركون به ولا ينتهون ثم دعاهما إلى الإسلام وأقبل عليهما وكان بين أيديهما أصنام يعبدونها من دون الله فقال إلزامًا للحجة (﴿يا صاحبي السجن﴾) يا ساكنيه أو يا صاحبي فيه وأضافهما إليه على الاتساع (﴿أأرباب متفرقون﴾) شتى متعددة متساوية.
(وقال الفضيل) بن عياض ﵀ (لبعض الأتباع يا عبد الله) ولأبي ذر وقال الفضيل عند توله: يا صاحبي السجن (﴿أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار﴾) الذي ذل كل شيء لعز جلاله وعظيم سلطانه ولا يغالب ولا يشارك في الربوبية (﴿ما تعبدون﴾) خطاب لهما ولمن كان على دينهما من أهل مصر (﴿من دونه﴾) تعالى (إلاَّ أسماء) لا حقيقة لها (﴿سميتموها أنتم وآباؤكم﴾) آلهة ثم طفقتم تعبدونها فكأنكم لا تعبدون إلا الأسماء لا مسمياتها (﴿ما أنزل الله بها﴾) بتسميتها (﴿من سلطان﴾) حجة (﴿إن الحكم﴾) في أمر العبادة والدين (﴿إلا لله أمر﴾) على
стр. 7687
لسان أنبيائه (﴿أن لا تعبدوا إلاّ إياه﴾) بيان لقوله إن الحكم (﴿ذلك﴾) الذي أدعوكم إليه من التوحيد وإخلاص العمل هو (﴿الدين القيم﴾) الحق المستقيم الذي أمر الله به وأنزل به الحجة والبرهان (﴿ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾) فلذا كان أكثرهم مشركين ثم عبر الرؤيا فقال (﴿يا صاحبي السجن أما أحدكما﴾) يعني الشرابي (﴿فيسقي ربه﴾) سيده (﴿خمرًا﴾) كما كان يسقيه قبل (﴿وأما الآخر﴾) يعني الخباز (﴿فيصلب فتأكل الطير من رأسه﴾) فقالا كذبنا فقال يوسف (﴿قضي الأمر الذي فيه تستفتيان﴾) فهو واقع لا محالة فإن الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر فإذا عبرت وقعت وفي مسند أبي يعلى الموصلي عن أنس مرفوعًا الرؤيا لأول عابر (﴿وقال للذي ظن أنه ناج منهما﴾) الظان يوسف ﵇ إن كان تأويله عن اجتهاد وإن كان عن وحي فالظان الشرابي أو الظن بمعنى اليقين وما تقدم في قوله قضي الأمر يقتضي اليقين (﴿اذكرني عند ربك﴾) اذكر قصتي عند سيدك وهو الملك لعله يخلصني من هذه الورطة، وقال أبو حيان ﵀ إنما قال يوسف للساقي ذلك ليتوصل إلى هدايته وإيمانه بالله كما توصل إلى إيضاح الحق للساقي ورفيقه (﴿فأنساه الشيطان﴾) أي أنسى الشرابي (﴿ذكر ربه﴾) أن يذكر يوسف للملك، وقيل فأنسى يوسف ذكر الله حتى ابتغى الفرج من غيره واستعان بمخلوق وعند ابن جرير عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ لو لم يقل يعني يوسف التي قال ما لبث في السجن طول ما لبث حيث يبتغي الفرج من عند غير الله، وهذا الحديث ضعيف جدًّا فإن في إسناد سفيان بن وكيع وهو ضعيف وإبراهيم بن يزيد الجوري وهو أضعف من سفيان فالصواب أن الضمير في قوله: (﴿فأنساه الشيطان﴾) عائد على الناجي كما قاله مجاهد وغير واحد (﴿فلبث﴾) يوسف ﵇ (﴿في السجن بضع سنين﴾) ما بين الثلاث إلى التسع قال وهب: مكث يوسف سبعًا، وقال الضحاك عن ابن عباس اثنتي عشرة سنة، وقيل أربع عشرة سنة (﴿وقال الملك﴾) ملك مصر الريان بن الوليد (﴿إني أرى﴾) في المنام (﴿سبع بقرات سمان﴾) خرجن من نهر يابس (﴿يأكلهن سبع﴾) أي سبع بقرات (﴿عجاف﴾) مهازيل (﴿و﴾) أري (﴿سبع سنبلات خضر﴾) قد انعقد حبها (﴿و﴾) سبعًا (﴿أخر يابسات﴾) قد أدركت فالتوت اليابسات على الخضر حتى غلبن عليها فاستعبرها فلم يجد في قومه من يحسن عبارتها قيل كان ابتداء بلاء يوسف ﵇ في الرؤيا ثم كان سبب نجاته أيضًا الرؤيا فلما دنا فرجه رأى الملك هذه الرؤيا التي هالته فجمع أعيان العلماء والحكماء من قومه وقص عليهم رؤياه فقال (﴿يا أيها الملأ أفتوني في رؤياي﴾) عبروها (﴿إن كنتم للرؤيا تعبرون﴾) إن كنتم عالمين بعبارة الرؤيا واللام في للرؤيا للبيان (﴿قالوا أضعاث أحلام﴾) أي هذه أضغاث أحلام وهي تخاليطها (﴿وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين﴾) يعنون بالأحلام المنامات الباطلة أي ليس عندنا تأويل إنما التأويل للمنامات الصحيحة أو اعترفوا بقصور علمهم وإنهم ليسوا في تأويل الأحلام بنحارير (﴿وقال الذي نجا﴾) من القتل ﴿منهما) وهو الشرابي (﴿وادّكر بعد أمة﴾) للملك الذي جمعهم (﴿أنا أنبئكم﴾) أخبركم (﴿بتأويله﴾) بمن عنده علم تعبير هذا المنام (﴿فأرسلون﴾) فابعثون إليه لأسأله عنها فأرسلوه إلى يوسف في السجن فأتاه
стр. 7688
فقال (﴿يوسف أيها الصدّيق﴾) البالغ في الصدق (﴿أفتنا في﴾) رؤيا (﴿سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات لعلي أرجع إلى الناس﴾) إلى الملك ومن عنده (﴿لعلهم يعلمون﴾) تأويلها أو فضلك أو مكانك من العلم فيطلبوك ويخلصوك من محنتك فذكر يوسف تعبيرها من غير تعنيف لذلك الفتى في نسيانه ما وصاه به ومن غير شرط للخروج قبل ذلك بل (﴿قال تزرعون سبع سنين دأبًا﴾) بسكون الهمزة وحفص وحده بفتحها لغتان في مصدر دأب يدأب أي دام على الشيء ولازمه وهو هنا نصب على المصدر بمعنى دائبين (﴿فما حصدتم فذروه في سنبله﴾) إذ ذاك أبقى له ومانع له من أكل السوس (﴿إلاّ قليلاً مما تأكلون﴾) في تلك السنين فعبر البقرات السمان بالسنين المخصبة والسنابل الخضر بالزرع ثم أمرهم بما هو الصواب نصيحة لهم (﴿ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن﴾) هو من الإسناد المجازي جعل أكل أهلهن مسندًا إليهن (إلا قليلاً مما تحصنون﴾) تحرزون (﴿ثم يأتي من بعد ذلك﴾) أي من بعد أربع عشرة سنة (﴿عام فيه يغاث الناس﴾) من الغيث أي يمطرون أو من الغوث وهو الفرج فهو في الأول من الثلاثي وفي الثاني من الرباعي تقول غائنا الله من الغيث وأغائنا من الغوث (﴿وفيه يعصرون﴾) فتأول البقرات السمان والسنبلات الخضر بسنين مخاصيب والعجاف واليابسات بسنين مجدبة ثم بشرهم بعد الفراغ من تأويل الرؤيا بأن العام الثامن يجيء مباركًا كثير الخير غزير النعم وذلك من جهة الوحي فرجع الساقي وأخبر الملك بتعبير رؤياه (﴿وقال الملك﴾) بعد أن رجع إليه الساقي وأخبره بتعبير رؤياه (﴿ائتوني به فلما جاءه الرسول﴾) ليخرجه من السجن امتنع من الخروج ليتحقق الملك ورعيته براءته ونزاهته مما نسب إليه من جهة امرأة العزيز وأن سجنه لم يكن عن أمر يقتضيه بل كان ظلمًا وعدوانًا (﴿قال ارجع إلى ربك﴾) [يوسف: ٣٦ - ٥٠] أي سيدك يريد الملك (﴿فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهم﴾) الآية، وسقط لأبي ذر من قوله: (﴿قال أحدهم﴾) إلى آخره وقال بعد قوله: فتيان إلى قوله: ارجع إلى ربك.
(﴿وادّكر﴾) بالدال المهملة (افتعل من ذكر) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي ذكرت بسكون الراء فأدغم التاء في الذال فحولت دالاً مهملة ثقيلة.
(أمة) في (قرن) بالجر لأبي ذر ولغيره بالرفع وقيل حين وعن سعيد بن جبير بعد سنتين (ويقرأ أمه) بفتح الهمزة والميم وكسر الهاء منونة أي بعد (نسيان) ونسبت هذه القراءة لابن عباس وهي شاذة.
(وقال ابن عباس) فيما وصله ابن أبي حاتم (يعصرون) أي (الأعناب والدهن تحصنون) أي (تحرسون).
٦٩٩٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ، حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ الزُّهْرِىِّ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ وَأَبَا عُبَيْدٍ أَخْبَرَاهُ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَوْ لَبِثْتُ فِى السِّجْنِ مَا لَبِثَ يُوسُفُ ثُمَّ أَتَانِى الدَّاعِى لأَجَبْتُهُ».
стр. 7689
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن محمد بن أسماء) الضبعي قال: (حدّثنا جويرية) بن أسماء وهو عم السابق (عن مالك) الإمام (عن الزهري) محمد بن مسلم (أن سعيد بن المسيب وأبا عبيد) بضم العين مصغرًا سعد بن عبيد مولى عبد الرحمن بن الأزهر بن عوف (أخبراه عن أبي هريرة ﵁) أنه (قال: قال رسول الله ﷺ ¬):
(لو لبثت في السجن ما لبث يوسف) أي مدة لبثه (ثم أتاني الداعي) من الملك يدعوني إليه (لأجبته) مسرعًا. وفي هذا من التنويه بشرف يوسف وعلو قدره وصبره ما لا يخفى صلوات الله وسلامه عليه. وعند عبد الرزاق عن عكرمة قال: قال رسول الله ﷺ : "لقد عجبت من يوسف وصبره وكرمه والله يغفر له حين سئل عن البقرات العجاف والسمان ولو كنت مكانه ما أجبتهم حتى أشترط أن يخرجوني، ولقد عجبت من يوسف وصبره وكرمه والله يغفر له حين أتاه الرسول ولو كنت مكانه لبادرتهم الباب ولكنه أراد أن يكون له العذر".
وهذا حديث مرسل: فإن قلت: إن نبينا ﷺ إنما ذكر هذا الكلام على جهة المدح ليوسف ﵇ فما باله هو يذهب بنفسه عن حالة قد مدح بها غيره؟ أجيب: بأنه ﷺ إنما أخذ لنفسه الشريفة وجهًا آخر من الرأي له وجه أيضًا من الجودة أي: لو كنت أنا لبادرت الخروج ثم حاولت بيان عذري بعد ذلك، وذلك أن هذه القصص والنوازل إنما هي معرضة ليقتدي الناس بها إلى يوم القيامة فأراد ﷺ حمل الناس على الأحزم من الأمور وذلك أن المتعمق في مثل هذه النازلة التارك فرصة الخروج من ذلك السجن ربما ينتج له من ذلك البقاء في سجنه، وإن كان يوسف ﵇ أمن من ذلك بعلمه من الله فغيره من الناس لا يأمن من ذلك، فالحالة التي ذهب إليها نبينا ﷺ حالة حزم ومدح وما فعله يوسف ﵇ صبر عظيم، وقال بعضهم: خشي يوسف ﵇ أن يخرج من السجن فينال من الملك مرتبة ويسكت عن أمر ذنبه صفحًا فيراه الناس بتلك المنزلة ويقولون: هذا الذي راود امرأة مولاه فأراد أن يبين براءته ويحقق منزلته من العفة.
والحديث سبق في التفسير وأحاديث الأنبياء. ومطابقة الترجمة للآيات ظاهرة وكذا الحديث.
١٠ - باب مَنْ رَأَى النَّبِىَّ ﷺ فِى الْمَنَامِ
(باب من رأى النبي ﷺ في المنام).
٦٩٩٣ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، حَدَّثَنِى أَبُو سَلَمَةَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِىَّ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ رَآنِى فِى الْمَنَامِ فَسَيَرَانِى فِى الْيَقَظَةِ، وَلَا يَتَمَثَّلُ الشَّيْطَانُ بِى». قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: قَالَ ابْنُ سِيرِينَ: إِذَا رَآهُ فِى صُورَتِهِ.
وبه قال: (حدّثنا عبدان) هو عبد الله بن عثمان المروزي قال: (أخبرنا عبد الله) بن المبارك
стр. 7690
(عن يونس) بن يزيد الأيلي (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب أنه قال: (حدّثني) بالإفراد (أبو سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف (أن أبا هريرة) ﵁ (قال: سمعت النبي ﷺ يقول: (من رآني في المنام فسيراني في اليقظة) بفتح القاف يوم القيامة رؤية خاصة في القرب منه أو من رآني في المنام ولم يكن هاجر يوفقه الله للهجرة إليّ والتشرّف بلقائي، ويكون الله تعالى جعل رؤيته في المنام علمًا على رؤياه في اليقظة. قال في المصابيح: وعلى القول الأوّل ففيه بشارة لرائيه بأنه يموت على الإسلام وكفى بها بشارة وذلك لأنه لا يراه في القيامة تلك الرؤية الخاصة باعتبار القرب منه إلا من تحققت منه الوفاة على الإسلام حقق الله لنا ولأحبابنا وللمسلمين ذلك بمنه وكرمه آمين (ولا يتمثل الشيطان بي) هو كالتتميم للمعنى والتعليل للحكم أي لا يحصل له أي للشيطان مثال صورتي ولا يتشبه بي، فكما منع الله الشيطان أن يتصوّر بصورته الكريمة في اليقظة كذلك منعه في المنام لئلا يشتبه الحق بالباطل.
(قال أبو عبد الله) البخاري -رحمه الله تعالى- فيما وصله إسماعيل بن إسحاق القاضي من طريق حماد بن زيد عن أيوب (قال ابن سيرين) محمد لا تعتبر رؤيته ﷺ إلا (إذا رآه) الرائي (في صورته). التي جاء وصفه بها في حياته ومقتضاه أنه إذا رآه على خلافها كانت رؤيا تأويل لا حقيقة، والصحيح أنها حقيقة سواء كان على صفته المعروفة أو غيرها. قال ابن العريى رؤيته ﷺ بصفته المعلومة إدراك على الحقيقة ورؤيته على غيرها إدراك للمثال فإن الصواب أن الأنبياء لا تغيرهم الأرض ويكون إدراك الذات الكريمة حقيقة وإدراك الصفات إدراك المثال. قال: وشذ بعض الصالحين فزعم أنها تقع بعيني الرأس حقيقة في اليقظة انتهى.
وقد ذكرت مباحث ذلك في كتابي المواهب اللدنية بالمنح المحمدية. وقد نقل عن جماعة من الصوفية أنهم رأوه ﷺ في المنام ثم رأوه بعد ذلك في اليقظة وسألوه عن أشياء كانوا منها متخوفين فأرشدهم إلى طريق تفريجها فجاء الأمر كذلك وفيه بحث ذكرته في المواهب.
ومن فوائد رؤيته ﷺ تسكين تشوق الرائي لكونه صادقًا في محبته ليعمل على مشاهدته، وسقط قوله قال أبو عبد الله إلى آخره لأبي ذر.
٦٩٩٤ - حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُخْتَارٍ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ الْبُنَانِىُّ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «مَنْ رَآنِى فِى الْمَنَامِ فَقَدْ رَآنِى، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَخَيَّلُ بِى وَرُؤْيَا الْمُؤْمِنِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ».
وبه قال: (حدّثنا معلى بن أسد) العمي بفتح المهملة وتشديد الميم أبو الهيثم البصري قال: (حدّثنا عبد العزيز بن مختار) الدباغ البصري مولى حفصة بنت سيرين قال: (حدّثنا ثابت البناني) بضم الموحدة (عن أنس ﵁) أنه (قال: قال رسول الله ﷺ : من رآني في المنام فقد رآني). قال الكرماني فإن قلت: الشرط والجزاء متحدان فما معناه؟ وأجاب: بأنه في معنى الإخبار
стр. 7691
أي من رآني فأخبره بأن رؤيته حق ليست من أضغاث الأحلام، وقال في شرح المشكاة أي من رآني فقد رأى حقيقتي على كمالها لا شبهة ولا ارتياب فيما رأى (فإن الشيطان لا يتمثل بي) فإن قيل: كيف يكون ذلك وهو في المدينة والرائي في المشرق أو المغرب؟ أجيب: بأن الرؤية أمر يخلقه الله تعالى ولا يشترط فيها عقلاً مواجهة ولا مقابلة ولا مقارنة ولا خروج شعاع ولا غيره، ولذا جاز أن يرى أعمى الصين بقة أندلس. فإن قلت: كثيرًا يرى على خلاف صورته المعروفة ويراه شخصان في حالة واحدة في مكانين والجسم الواحد لا يكون إلا في مكان واحد أجيب: بأنه يعتبر في صفاته لا في ذاته فتكون ذاته ﵊ مرئية وصفاته متخيلة غير مرئية فالإدراك لا يشترط فيه تحديق الأبصار ولا قرب المسافة فلا يكون المرئي مدفونًا في الأرض ولا ظاهرًا عليها، وإنما يشترط كونه موجودًا ولو رآه يأمر بقتل من يحرم قتله كان هذا من صفاته المتخيلة لا المرئية (ورؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة) لأنها من الله تعالى بخلاف التي من الشيطان فإنها ليست من أجزاء النبوة، وفيه مباحث سبقت قريبًا وسقطت الواو من قوله ورؤيا لأبي ذر.
٦٩٩٥ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى جَعْفَرٍ قَالَ: أَخْبَرَنِى أَبُو سَلَمَةَ، عَنْ أَبِى قَتَادَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ مِنَ اللَّهِ، وَالْحُلْمُ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَمَنْ رَأَى شَيْئًا يَكْرَهُهُ فَلْيَنْفِثْ عَنْ شِمَالِهِ ثَلَاثًا وَلْيَتَعَوَّذْ مِنَ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهَا لَا تَضُرُّهُ وَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَزَايَا بِى».
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) بضم الموحدة وهو جد يحيى واسم أبيه عبد الله قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (عن عبيد الله) بضم العين (ابن أبي جعفر) الأموي القرشي أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (أبو سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف (عن أبي قتادة) بن الحارث ﵁ أنه (قال: قال النبي ﷺ ¬):
(الرؤيا الصالحة من الله والحلم من الشيطان) وإضافة الرؤيا الصالحة إلى الله إضافة تشريف وإضافة الحلم إلى الشيطان لأنها صفته من الكذب والتهويل وإن كانا بخلق الله تعالى وتقديره (فمن رأى) في منامه (شيئًا يكرهه فلينفث) بكسر الفاء بعدها مثلثة أي فلينفغ نفخًا لطيفًا من غير ريق (عن شماله) طردًا للشيطان وإظهارًا لاحتقاره (ثلاثًا) للتأكيد وخص الشمال لأنها محل الأقذار (وليتعوّذ) بالله (من الشيطان فإنها لا تضرّه) لأن الله تعالى جعل ذلك سببًا لسلامته (وإن الشيطان لا يتزايا بي) بالزاي المعجمة لا يتصدى لأن يصير مرئيًّا بصورتي، ولأبي ذر لا يتراءى بالراء المهملة.
والحديث سبق في الطب والتعبير.
٦٩٩٦ - حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ خَلِىٍّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنِى الزُّبَيْدِىُّ، عَنِ الزُّهْرِىِّ
стр. 7692
قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: قَالَ أَبُو قَتَادَةَ ﵁: قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «مَنْ رَآنِى فَقَدْ رَأَى الْحَقَّ»، تَابَعَهُ يُونُسُ وَابْنُ أَخِى الزُّهْرِىِّ.
وبه قال: (حدّثنا خالد بن خليّ) بفتح الخاء المعجمة وكسر اللام المخففة وتشديد التحتية أبو القاسم الحمصي قاضيها من أفراد البخاري قال: (حدّثنا محمد بن حرب) أبو عبد الله النيسابوري قال: (حدّثني) بالإفراد (الزبيدي) بضم الزاي محمد بن الوليد بن عامر الشامي الحمصي (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب أنه قال: (قال أبو سلمة) بن عبد الرحمن (قال أبو قتادة) الحارث بن ربعي (﵁) قال (قال النبي ﷺ ¬):
(من رآني) في منامه (فقد رأى الحق) أي فقد رآني رؤية الحق لا الباطل (تابعه) أي تابع الزبيدي في روايته عن الزهري (يونس) بن يزيد (وابن أخي الزهري) محمد بن عبد الله بن مسلم وصلها مسلم بن الحجاج في صحيحه من طريقهما وساقه على لفظ رواية يونس وأحال برواية ابن أخي الزهري عليه.
٦٩٩٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنِى ابْنُ الْهَادِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَبَّابٍ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ سَمِعَ النَّبِىَّ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ رَآنِى فَقَدْ رَأَى الْحَقَّ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَكَوَّنُنِى».
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام قال: (حدّثني) بالإفراد (ابن الهاد) يزيد بن عبد الله بن أسامة (عن عبد الله بن خباب) بفتح الخاء المعجمة وتشديد الموحدة وبعد الألف موحدة أخرى (عن أبي سعيد الخدري) ﵁ أنه (سمع النبي ﷺ يقول):
(من رآني فقد رأى الحق) سواء رآه على صفته المعروفة أو غيرها لكن يكون في الأولى مما لا يحتاج إلى تعبير والثانية مما يحتاج إلى التعبير (فإن الشيطان لا يتكوّنني) أي لا يتكوّن كوني فحذف المضاف ووصل المضاف إليه بالفعل بمعنى أن الله تعالى وإن أمكنه من التصوّر في أي صورة أراد فإنه لم يمكنه من التصور في صورة النبي ﷺ .
والحديث من أفراده.
١١ - باب رُؤْيَا اللَّيْلِ
رَوَاهُ سَمُرَةُ.
(باب رؤيا) الشخص في (الليل) هل تساوي رؤياه بالنهار أو يتفاوتان (رواه) أي حديث رؤيا الليل (سمرة) بن جندب الصحابي المشهور الآتي حديثه في آخر كتاب التعبير إن شاء الله تعالى.
стр. 7693
٦٩٩٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمِقْدَامِ الْعِجْلِىُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الطُّفَاوِىُّ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ الْكَلِمِ، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ، وَبَيْنَمَا أَنَا نَائِمٌ الْبَارِحَةَ إِذْ أُتِيتُ بِمَفَاتِيحِ خَزَائِنِ الأَرْضِ، حَتَّى وُضِعَتْ فِى يَدِى» قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنْتُمْ تَنْتَقِلُونَهَا.
وبه قال: (حدّثنا أحمد بن المقدام) بكسر الميم وسكون القاف بعدها مهملة فألف فميم (العجلي) قال: (حدّثنا محمد بن عبد الرحمن الطفاوي) بضم الطاء المهملة وتخفيف الفاء وبعد الألف واو مكسورة نسبة إلى بني طفاوة أو إلى الطفاوة موضع قال: (حدّثنا أيوب) السختياني (عن محمد) هو ابن سيرين (عن أبي هريرة) ﵁ (قال: قال النبي ﷺ ¬):
(أعطيت) بضم الهمزة (مفاتيح الكلم) بنصب مفاتيح مفعول ثان لأعطيت. قال الكرماني وتبعه البرماوي أي لفظ قليل يفيد معاني كثيرة، وهذا غاية البلاغة وشبه ذلك القليل بمفاتيح الخزائن التي هي آلة للوصول إلي مخزونات متكاثرة وعند الإسماعيلي عن الحسن بن سفيان وعبد الله بن ياسين كلاهما عن أحمد بن المقدام أعطيت جوامع الكلم.
والحاصل أنه ﷺ كان يتكلم بالقول الموجز القليل اللفظ الكثير المعاني، وقيل المراد بجوامع الكلم القرآن ومن أمثلة جوامعه قوله تعالى: ﴿ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون﴾ [البقرة: ١٧٩] وقوله تعالى: ﴿ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون﴾ [النور: ٥٢] ومن ذلك من الأحاديث النبوية حديث عائشة كل عمل ليس عليه أمرنا فهو ردّ وحديث كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل متفق عليهما (ونصرت بالرعب) بضم النون والرعب بضم الراء وسكون العين المهملة أي الفزع يقذف في قلوب أعدائي وزاد في التيمم مسيرة شهر أي ينهزمون من عسكر الإسلام بمجرد الصيت ويفرقون منهم (وبينما) بالميم (أنا نائم البارحة) اسم لليلة الماضية وإن كان قبل الزوال (إذ أتيت بمفاتيح خزائن الأرض) خزائن كسرى وقيصر أو معادن الأرض التي منها الذهب والفضة (حتى وضعت في يدي) حقيقة أو مجازًا فيكون كناية عن وعد الله بما ذكر أنه يعطيه أمته وكذا كان ففتح لأمته ممالك كثيرة قسموا أموالها واستباحوا خزائن ملوكها.
(قال أبو هريرة) ﵁ بالسند السابق (فذهب رسول الله ﷺ ¬) أي توفي (وأنتم تنتقلونها) بالقاف المكسورة من انتقل من مكان إلى مكان هذه رواية أبي ذر عن المستملي وله عن الحموي تنتثلونها بالمثلثة بدل القاف تخرجونها كاستخراجهم لخزائن كسرى ودفائن قيصر، وفي بعض الروايات تنتفلونها بالفاء بدل القاف أي تغتنمونها.
والحديث من أفراده.
стр. 7694
٦٩٩٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أُرَانِى اللَّيْلَةَ عِنْدَ الْكَعْبَةِ، فَرَأَيْتُ رَجُلاً آدَمَ كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ مِنْ أُدْمِ الرِّجَالِ، لَهُ لِمَّةٌ كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ مِنَ اللِّمَمِ قَدْ رَجَّلَهَا تَقْطُرُ مَاءً مُتَّكِئًا عَلَى رَجُلَيْنِ أَوْ عَلَى عَوَاتِقِ رَجُلَيْنِ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ فَسَأَلْتُ مَنْ هَذَا فَقِيلَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ: ثُمَّ إِذَا أَنَا بِرَجُلٍ جَعْدٍ قَطَطٍ أَعْوَرِ الْعَيْنِ الْيُمْنَى كَأَنَّهَا عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ، فَسَأَلْتُ مَنْ هَذَا؟ فَقِيلَ: الْمَسِيحُ الدَّجَّالُ».
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن مسلمة) القعنبي (عن مالك) الإمام الأعظم (عن نافع عن) مولاه (عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال):
(أراني الليلة عند الكعبة) بضم همزة أراني والليلة نصب على الظرفية (فرأيت رجلاً آدم) بمد الهمزة أسمر (كأحسن ما أنت راء من أدم الرجال) بضم الهمزة وسكون الدال المهملة من سمرهم (له لمة) بكسر اللام وتشديد الميم شعر يجاوز شحمة أذنه (كأحسن ما أنت راء من اللمم) بكسر اللام أيضًا (قد رجلها) بفتح الراء والجيم المشدّدة واللام سرحها حال كونها (تقطر ماء) من الماء الذي سرح به شعره حال كونه (متكئًا على رجلين أو) قال (على عواتق رجلين) بالشك من الراوي وأضيف عواتق وهو جمع للمثنى على حد فقد صغت قلوبكما لعدم الالباس والعاتق ما بين المنكب والعنق (يطوف بالبيت) الحرام (فسألت: من هذا؟ فقيل) ليس هو (المسيح ابن مريم) ﵇ (إذا) ولأبي ذر وإذا ولغير أبي ذر ثم إذا (أنا برجل جعد) بفتح الجيم وسكون العين غير سبط أو قصير (قطط) شديد جعودة الشعر (أعور العين اليمنى كأنها) أي عينه (عنبة طافية) بالمثناة بالتحتية بارزة ومن همزها فمن طفئت كما يطفأ السراج أي ذهب نورها (فسألت: من هذا؟ فقيل) لي هذا (المسيح الدجال). فإن قلت: الدجال لا يدخل مكة والحديث أنه كان عند الكعبة؟ أجيب: بأن المنع من دخوله مكة إنما هو عند خروجه وإظهار شوكته.
والحديث مرّ في أحاديث الأنبياء وغيرها.
٧٠٠٠ - حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّ رَجُلاً أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: إِنِّى أُرِيتُ اللَّيْلَةَ فِى الْمَنَامِ وَسَاقَ الْحَدِيثَ. وَتَابَعَهُ سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ وَابْنُ أَخِى الزُّهْرِىِّ وَسُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَقَالَ الزُّبَيْدِىُّ عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَوْ أَبَا هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وَقَالَ شُعَيْبٌ: وَإِسْحَاقُ بْنُ يَحْيَى، عَنِ الزُّهْرِىِّ كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وَكَانَ مَعْمَرٌ لَا يُسْنِدُهُ حَتَّى كَانَ بَعْدُ.
وبه قال: (حدّثنا يحيى) بن عبد الله بن بكير قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (عن يونس) بن يزيد الأيلي (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن عبيد الله) بضم العين (ابن
стр. 7695
عبد الله) بن عتبة بن مسعود (إن ابن عباس) عبد الله ﵄ قال (كان يحدث أن رجلاً) قال ابن حجر: لم أقف على اسمه (أتى رسول الله ﷺ ¬) زاد مسلم منصرفه من أحد وحينئذٍ فهو مرسل لأن ابن عباس كان صغيرًا مع أبويه بمكة لأن مولده قبل الهجرة بثلاث سنين على الصحيح وأحد كانت في شوّال في الثانية (فقال) رسول الله ﷺ (إني أريت) بهمزة مضمومة ثم راء مكسورة وللأصيلي رأيت براء ثم همزة مفتوحة (الليلة في المنام وساق الحديث) الآتي إن شاء الله تعالى في باب من لم ير الرؤيا لأوّل عابر إذا لم يصب بعد خمسة وثلاثين بابًا عن يحيى بن بكير بهذا السند بتمامه ولفظه إن رجلاً أتى رسول الله ﷺ فقال إني رأيت الليلة في المنام ظلة تنطف السمن والعسل فأرى الناس يتكففون منها فالمستكثر والمستقل الحديث إلخ.
(وتابعه) أي تابع الزهري محمد بن مسلم في روايته عن عبيد الله بن عبد الله (سليمان بن كثير) فيما وصله مسلم وسقطت واو وتابع لابن عساكر (و) تابعه أيضًا (ابن أخي الزهري) محمد بن عبد الله بن مسلم فيما وصله الذهلي في الزهريات (وسفيان بن حسين) الواسطي فيما وصله الإمام أحمد (عن الزهري) محمد بن مسلم (عن عبيد الله) بن عبد الله (عن ابن عباس) ﵄ (عن النبي ﷺ . وقال الزبيدي) بضم الزاي محمد بن الوليد (عن الزهري) محمد بن مسلم (عن عبيد الله) بضم العين ابن عبد الله بن عتبة (أن ابن عباس أو أبا هريرة) ﵃ (عن النبي ﷺ ¬) بالشك فقال ابن عباس أو أبا هريرة ولابن عساكر ووصله مسلم وأبا هريرة يعني أن كليهما رواه عن النبي ﷺ من غير شك وسقط قوله عن النبي ﷺ لابن عساكر.
(وقال شعيب) أي ابن أبي حمزة الحمصي (وإسحاق بن يحيى) الكلبي الحمصي (عن الزهري) محمد بن مسلم (كان أبو هريرة ﵁ يحدث عن النبي ﷺ ¬) وهذا وصله الذهلي في الزهريات (وكان معمر) هر ابن راشد (لا يسنده) أي الحديث المذكور (حتى كان بعد) يسنده وصله إسحاق بن راهويه في مسنده عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري كرواية يونس، لكن قال عن ابن عباس كان أبو هريرة يحدث. قال إسحاق: قال عبد الرزاق كان معمر يحدثه فيقول كان ابن عباس يعني ولا يذكر عبيد الله بن عبد الله في السند حتى جاء زمعة بكتاب فيه عن الزهري عن ابن عباس فكان لا يشك فيه بعد قال في الفتح والمحفوظ قول من قال عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة.
١٢ - باب الرُّؤْيَا بِالنَّهَارِ
وَقَالَ ابْنُ عَوْنٍ: عَنِ ابْنِ سِيرِينَ رُؤْيَا النَّهَارِ مِثْلُ رُؤْيَا اللَّيْلِ.
(باب) حكم (الرؤيا) الواقعة (بالنهار) ولأبي ذر مما ليس في اليونينية باب رؤيا النهار.
(وقال ابن عون) بفتح العين المهملة وسكون الواو وهو عبد الله فيما وصله علي بن أبي
стр. 7696
طالب القيرواني في كتاب التعبير له من طريق مسعدة بن اليسع عن عبد الله بن عون (عن ابن سيرين) محمد (رؤيا النهار مثل رؤيا الليل) وثبت قوله رؤيا الثانية في رواية أبي ذر عن الحموي. وقال أهل التعبير: إن رؤيا النهار بالعكس لأن الأرواح لا تجول أصلاً والشمس في أعلى الفلك وذلك أن قوّتها تمنع من إظهار أمر الأرواح وتصرفها فيما تصرف فيه، وقيل: إن رؤيا النهار أقوى من رؤيا الليل وأتم في الحال لأن النور سابق لكل ظلمة والنور يسرح في الضياء ما لا يسرح في سائر الظل والأرواح تتعارف في الضوء ما لا تتعارف في غيره، وأما الوقت الذي تكون الرؤيا فيه أصح والذي تكون فيه فاسدة فقالوا تكون صحيحة في أيام الربيع في نيسان وذلك وقت دخول الشمس الحمل وهو ابتداء الزمان الذي خلق فيه آدم ﵇ والوقت الذي سلك فيه الروح وهو وقت تكون الرؤيا فيه الأخذ باليد.
٧٠٠١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى طَلْحَةَ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْخُلُ عَلَى أُمِّ حَرَامٍ بِنْتِ مِلْحَانَ، وَكَانَتْ تَحْتَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ فَدَخَلَ عَلَيْهَا يَوْمًا فَأَطْعَمَتْهُ وَجَعَلَتْ تَفْلِى رَأْسَهُ، فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وَهْوَ يَضْحَكُ.
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك) الإمام (عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة) الأنصاري (أنه سمع أنس بن مالك) ﵁ (يقول كان رسول الله ﷺ يدخل على أم حرام) بالحاء والراء المهملتين المفتوحتين (بنت ملحان) بكسر الميم وسكون اللام بعدها حاء مهملة وكانت خالته ﷺ من الرضاع (وكانت تحت عبادة بن الصامت) أي زوجته (فدخل عليها) النبي ﷺ (يومًا فأطعمته وجعلت تفلي رأسه) بفتح الفوقية وسكون الفاء وكسر اللام تفتش شعر رأسه لتستخرج هوامه (فنام رسول الله ﷺ ¬) عندها (ثم استيقظ وهو) أي والحال أنه (يضحك) فرحًا وسرورًا.
٧٠٠٢ - قَالَتْ فَقُلْتُ مَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «نَاسٌ مِنْ أُمَّتِى عُرِضُوا عَلَىَّ غُزَاةً فِى سَبِيلِ اللَّهِ، يَرْكَبُونَ ثَبَجَ هَذَا الْبَحْرِ مُلُوكًا عَلَى الأَسِرَّةِ -أَوْ مِثْلَ الْمُلُوكِ عَلَى الأَسِرَّةِ-» شَكَّ إِسْحَاقُ قَالَتْ: فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِى مِنْهُمْ فَدَعَا لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ وَضَعَ رَأْسَهُ ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وَهْوَ يَضْحَكُ فَقُلْتُ: مَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «نَاسٌ مِنْ أُمَّتِى عُرِضُوا عَلَىَّ غُزَاةً فِى سَبِيلِ اللَّهِ» كَمَا قَالَ فِى الأُولَى قَالَتْ: فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِى مِنْهُمْ قَالَ: «أَنْتِ مِنَ الأَوَّلِينَ» فَرَكِبَتِ الْبَحْرَ فِى زَمَانِ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِى سُفْيَانَ فَصُرِعَتْ عَنْ دَابَّتِهَا حِينَ خَرَجَتْ مِنَ الْبَحْرِ فَهَلَكَتْ.
(قالت) أم حرام (فقلت) له: (ما يضحكك يا رسول الله قال):
стр. 7697
(ناس من أمتي عرضوا عليّ) بضم العين المهملة وكسر الراء مخففة حال كونهم (غزاة في سبيل الله يركبون ثبج هذا البحر) بمثلثة وموحدة مفتوحتين آخره جيم وسطه أو هوله (ملوكًا على الأسرّة) قال ابن عبد البر: في الجنة، وقال النووي: أي يركبون مراكب الملوك في الدنيا لسعة حالهم واستقامة أمرهم ونصب ملوكًا بنزع الخافض (أو) قال (مثل الملوك على الأسرة شك إسحاق) بن عبد الله بن أبي طلحة (قالت) أم حرام (فقلت يا رسول ادع الله أن يجعلني منهم فدعا لها رسول الله ﷺ ¬) بذلك (ثم وضع رأسه) فنام (ثم استيقظ وهو يضحك فقلت ما يضحكك يا رسول الله قال: ناس) ولأبي ذر عن المستملي أناس (من أمتي عرضوا علي غزاة في سبيل الله كما قال في الأولى) من العرض ولكن قال يركبون في البر (قالت: فقلت يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم قال: أنت من الأوّلين) بكسر اللام الذين يركبون ثبج البحر (فركبت البحر في زمان) غزو (معاوية بن أبي سفيان) ﵄ في خلافة عثمان مع زوجها في أوّل غزوة كانت إلى الروم (فصرعت عن دابتها حين خرجت من البحر فهلكت) في الطريق لما رجعوا من غزوهم من غير مباشرة للقتال والحديث سبق في الجهاد والاستئذان وأخرجه مسلم في الجهاد.
١٣ - باب رُؤْيَا النِّسَاءِ
(باب رؤيا النساء) قال عليّ بن أبي طالب القيرواني في كتاب التعبير له لا فرق في حكم العبارة بين النساء والرجال وإذا رأت المرأة ما ليست له أهلاً فهو لزوجها.
٧٠٠٣ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، حَدَّثَنِى اللَّيْثُ، حَدَّثَنِى عُقَيْلٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَخْبَرَنِى خَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّ أُمَّ الْعَلَاءِ، امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ، بَايَعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَخْبَرَتْهُ أَنَّهُمُ اقْتَسَمُوا الْمُهَاجِرِينَ قُرْعَةً قَالَتْ: فَطَارَ لَنَا عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ وَأَنْزَلْنَاهُ فِى أَبْيَاتِنَا فَوَجِعَ وَجَعَهُ الَّذِى تُوُفِّىَ فِيهِ، فَلَمَّا تُوُفِّىَ غُسِّلَ وَكُفِّنَ فِى أَثْوَابِهِ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ أَبَا السَّائِبِ فَشَهَادَتِى عَلَيْكَ لَقَدْ أَكْرَمَكَ اللَّهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «وَمَا يُدْرِيكِ أَنَّ اللَّهَ أَكْرَمَهُ» فَقُلْتُ: بِأَبِى أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَنْ يُكْرِمُهُ اللَّهُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَمَّا هُوَ فَوَاللَّهِ لَقَدْ جَاءَهُ الْيَقِينُ وَاللَّهِ إِنِّى لأَرْجُو لَهُ الْخَيْرَ، وَوَاللَّهِ مَا أَدْرِى وَأَنَا رَسُولُ اللَّهِ مَاذَا يُفْعَلُ بِى؟» فَقَالَتْ: وَاللَّهِ لَا أُزَكِّى بَعْدَهُ أَحَدًا أَبَدًا.
وبه قال: (حدّثنا سعيد بن عفير) بضم العين وفتح الفاء قال: (حدّثني) بالإفراد (الليث) بن سعد الإمام قال: (حدّثني) بالإفراد (عقيل) بضم العين ابن خالد ولابن عساكر عن عقيل (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري أنه قال: (أخبرني) بالإفراد (خارجة بن زيد بن ثابت) أحد الفقهاء السبعة (أن) أمه (أم العلاء) بنت الحارث بن ثابت بن حارثة بن ثعلبة (امرأة من الأنصار بايعت رسول الله ﷺ أخبرته) أي أخبرت خارجة (أنهم اقتسموا) أي اقتسم الأنصار (المهاجرين قرعة) أي بالقرعة في نزولهم عليهم وسكناهم في منازلهم حين قدموا المدينة من مكة مهاجرين (قالت) أم
стр. 7698
العلاء (فطار لنا) وقع في سهمنا (عثمان بن مظعون) بفتح الميم وسكون الظاء المعجمة بعدها مهملة فواو ساكنة فنون الجمحي القرشي (وأنزلناه) بالواو (في أبياتنا) فأقام عندنا مدة (فوجع) بكسر الجيم (وجعه) بفتحها أي مرض مرضه (الذي توفي فيه فلما توفي) سنة ثلاث من الهجرة في شعبان (غسل) وفي الجنائز وغسل بالواو (وكفن في أثوابه دخل رسول الله ﷺ ¬) عليه (قالت: فقلت رحمة الله عليك) يا (أبا السائب) بالسين المهملة وهي كنية ابن مظعون (فشهادتي عليك) أي لك مبتدأ وعليك صلته والجملة الخبرية وهي قوله (لقد أكرمك الله) أي شهادتي عليك قولي لقد أكرمك الله ومثل هذا التركيب عرفًا مستعمل ويراد به معنى القسم كأنها قالت أقسم بالله لقد أكرمك الله (فقال رسول الله ﷺ ¬):
(وما يدريك) بكسر الكاف أي من أين علمت (أن الله أكرمه فقلت: بأبي أنت) مفدي أو أفديك به (يا رسول الله فمن يكرمه الله) إذا لم يكن هو من المكرمين مع إيمانه وطاعته الخالصة (فقال رسول الله ﷺ : أما هو) بتشديد الميم أي عثمان (فوالله لقد جاءه اليقين) وهو الموت وقسيم أما هو قوله: (والله إني لأرجو له الخير، والله ما أدري وأنا رسول الله ماذا يفعل بي) ولا بكم وهذا قاله قبل نزول آية الفتح ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر. وقال في الكواكب فإن قيل: معلوم أنه ﷺ مغفور له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وله من المقامات المحمودة ما ليس لغيره. قلت: هو نفي للدراية التفصيلية والمعلوم هو الإجمالي (فقالت) أم العلاء: (والله لا أزكي بعده أحدًا أبدًا).
٧٠٠٤ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ بِهَذَا وَقَالَ: «مَا أَدْرِى مَا يُفْعَلُ بِهِ، قَالَتْ: وَأَحْزَنَنِى فَنِمْتُ فَرَأَيْتُ لِعُثْمَانَ عَيْنًا تَجْرِى، فَأَخْبَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «ذَلِكَ عَمَلُهُ».
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي همزة (عن الزهري) محمد بن مسلم (بهذا) أي الحديث المذكور (وقال) ﷺ :
(ما أدري ما يفعل به) أي بابن مظعون (قالت) أم العلاء (وأحزنني) ذلك (فنمت فرأيت لعثمان) بن مظعون (عينًا تجري فأخبرت رسول الله ﷺ ¬) بما رأيت (فقال: ذلك) بكسر الكاف خطاب لمؤنث ويجوز الفتح ولأبي ذر عن المستملي والكشميهني ذاك (عمله) بإسقاط لام ذلك أي يجري له لأنه كان له بقية من عمله يجري له ثوابها فقد كان له ولد صالح يدعو له شهد بدرًا وهو السائب، ويحتمل أن يكون عثمان كان مرابطًا في سبيل الله فيكون ممن يجري له عمله لحديث فضالة بن عبيد مرفوعًا: كل ميت يختم على عمله إلا المرابط في سبيل الله فإنه ينمى له عمله إلى يوم القيامة.
١٤ - باب الْحُلْمُ مِنَ الشَّيْطَانِ
فَإِذَا حَلَمَ فَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ وَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ .
стр. 7699
هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه (الحلم من الشيطان) بضم الحاء واللام وتسكن (فإذا حلم) بفتح الحاء واللام الشخص وللحموي والمستملي وإذا حلم بالواو بدل الفاء (فليبصق عن يساره) بالصاد المهملة (وليستعذ بالله .
٧٠٠٥ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ الأَنْصَارِىَّ وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَفُرْسَانِهِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «الرُّؤْيَا مِنَ اللَّهِ، وَالْحُلْمُ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإِذَا حَلَمَ أَحَدُكُمُ الْحُلُمَ يَكْرَهُهُ فَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ، وَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْهُ فَلَنْ يَضُرَّهُ».
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) بضم الموحدة وفتح الكاف قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (عن عقيل) بضم العين ابن خالد (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف (أن أبا قتادة الأنصاري) ﵁ (وكان من أصحاب النبي ﷺ ¬) المشهورين (وفرسانه) المعتبرين وقاله تعظيمًا له وافتخارًا وتعليمًا للجاهل به (قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول):
(الرؤيا) المحبوبة ترى في المنام (من الله) (والحلم) هو المكروه يرى فيه (من الشيطان) لكونه على طبعه وكل من الله (فإذا حلم) بفتح الحاء واللام (أحدكم الحلم يكرهه فليبصق عن يساره) بالصاد وفي رواية فلينفث وهو شبيه بالنفخ وأقل من التفل لأن التفل يكون معه ريق وفي أخرى فليتفل وهذه حالات متفاوتة فينبغي أن يفعل الجميع ليتحقق الموعود به من عدم الضرر إن شاء الله تعالى (وليستعذ بالله منه) من الشيطان (فلن يضره).
١٥ - باب اللَّبَنِ
(باب اللبن) إذا رئي في المنام بماذا يعبر.
٧٠٠٦ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، أَخْبَرَنِى حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ أُتِيتُ بِقَدَحِ لَبَنٍ، فَشَرِبْتُ مِنْهُ حَتَّى إِنِّى لأَرَى الرِّىَّ يَخْرُجُ مِنْ أَظْفَارِى، ثُمَّ أَعْطَيْتُ فَضْلِى يَعْنِى عُمَرَ» قَالُوا: فَمَا أَوَّلْتَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «الْعِلْمَ».
وبه قال: (حدّثنا عبدان) هو لقب عبد الله بن عثمان المروزي قال: (أخبرنا عبد الله) بن المبارك المروزي قال: (أخبرنا يونس) بن يزيد الأيلي (عن الزهري) محمد بن مسلم أنه قال: (أخبرني) بالإفراد (حمزة بن عبد الله) بالحاء المهملة والزاي (أن) أباه (ابن عمر) ﵃ (قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول):
стр. 7700
(بينا) بغير ميم (أنا نائم أتيت) بضم الهمزة (بقدح لبن فشربت منه حتى إني لأرى الري) بفتح همزة لأرى واللام للتأكيد وكسر راء الري وتشديد التحتية (يخرج من أظفاري) في موضع نصب مفعول ثان لأرى إن قدرت الرؤية بمعنى العلم أو حال أن قدرت بمعنى الإبصار فإن قلت الري لا يرى أجيب بأنه نزله منزلة المرئي فهو استعارة وفي رواية الأصيلي وابن عساكر وأبوي الوقت وذر في أظفاري (ثم أعطيت فضلي) الذي فضل من لبن القدح الذي شربت منه (يعني عمر) بن الخطاب كأن بعض رواته شك، وفي رواية صالح بن كيسان فأعطيت فضلي عمر بن الخطاب بالجزم من غير شك (قالوا) أي من حوله من الصحابة (فما أوّلته) أي عبرته (يا رسول الله؟ قال) أوّلته (العلم) لاشتراك اللبن والعلم في كثرة النفع بهما وكونهما مبني الصلاح ذاك في الأشباح والآخر في الأرواح، وقال القاضي أبو بكر بن العربي: الذي خلص اللبن من بين فرث ودم قادر أن يخلق المعرفة من بين شك وجهل، وفي رواية أبي بكر بن سالم أنه ﷺ قال لهم: أولوها. قالوا يا نبي الله هذا علم أعطاكه الله فملأك منه ففضلت فضلة فأعطيتها عمر قال أصبتم. قال في الفتح: ويجمع بأن هذا وقع أوّلاً ثم احتمل عندهم أن يكون عنده في تأويلها زيادة على ذلك فقالوا: ما أوّلته الخ. لكن خص الدينوري اللبن المذكور هنا بلبن الإبل وأنه لشاربه مال حلال وعلم. قال: ولبن البقر خصب السنة ومال حلال وفطرة أيضًا، ولبن الشاة مال وسرور وصحة جسم، وألبان الوحوش شك في الدين وألبان السباع غير محمودة إلا أن لبن اللبوة مال مع عداوة لذي أمر، وقال أبو سهل المسيحي لبن الأسد يدل على الظفر بالعدوّ، ولبن الكلب يدل على الخوف، ولبن السنانير والثعالب يدل على المرض، ولبن النمر يدل على إظهار العداوة.
والحديث مضى في العلم.
١٦ - باب إِذَا جَرَى اللَّبَنُ فِى أَطْرَافِهِ أَوْ أَظَافِيرِهِ
هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه (إذا) رأى الشخص في منامه أنه (جرى اللبن في أطرافه أو أظافيره) ولابن عساكر وأظافيره.
٧٠٠٧ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبِى عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِى حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ أُتِيتُ بِقَدَحِ لَبَنٍ، فَشَرِبْتُ مِنْهُ حَتَّى إِنِّى لأَرَى الرِّىَّ يَخْرُجُ مِنْ أَطْرَافِى، فَأَعْطَيْتُ فَضْلِى عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ» فَقَالَ مَنْ حَوْلَهُ: فَمَا أَوَّلْتَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «الْعِلْمَ».
وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا يعقوب بن إبراهيم) قال: (حدّثنا أبي) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف (عن صالح) هو ابن كيسان (عن ابن
стр. 7701
شهاب) محمد بن مسلم الزهري أنه قال: (حدّثني) بالإفراد (حمزة بن عبد الله بن عمر أنه سمع) أباه (عبد الله بن عمر) بن الخطاب (﵄ يقول: قال رسول الله ﷺ ¬):
(بينا) بغير ميم (أنا نائم) وجواب بينا قوله: (أتيت بقدح لبن فشربت منه حتى إني) بكسر همزة إني لوقوعها بعد حتى الابتدائية (لأرى الريّ يخرج) وفي نسخة يجري (من أطرافي) وفي كتاب العلم في أظفاري، فيحتمل أن تكون في بمعنى على ويكون المعنى يظفر على أظفاري والظفر إما منشأ الخروج أو ظرفه (فأعطيت فضلي عمر بن الخطاب فقال من حوله): ﷺ من الصحابة (فما أولت ذلك يا رسول الله؟ قال) أولته (العلم) وعند سعيد بن منصور من طريق سفيان بن عيينة عن الزهري ثم ناوله فضله عمر قال ما أولته قال الحافظ ابن حجر فظاهره أن السائل عمر وفي إعطائه ﷺ فضله عمر الإشارة إلى ما حصل له من العلم بالله بحيث كان لا يأخذه في الله لومة لائم.
١٧ - باب الْقَمِيصِ فِى الْمَنَامِ
(باب) رؤية (القميص) بفتح القاف وكسر الميم ولأبي ذر عن الكشميهني القمص بضمهما (في المنام) وتعبيره.
٧٠٠٨ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنِى أَبِى، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِى أَبُو أُمَامَةَ بْنُ سَهْلٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِىَّ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «بَيْنَمَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُ النَّاسَ يُعْرَضُونَ عَلَىَّ وَعَلَيْهِمْ قُمُصٌ مِنْهَا مَا يَبْلُغُ الثَّدْىَ وَمِنْهَا مَا يَبْلُغُ دُونَ ذَلِكَ، وَمَرَّ عَلَىَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ يَجُرُّهُ» قَالُوا: مَا أَوَّلْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «الدِّينَ».
وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا يعقوب بن إبراهيم) قال: (حدّثني) بالإفراد (أبي) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف (عن صالح) أي ابن كيسان (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري أنه قال: (حدّثني) بالإفراد (أبو أمامة) أسعد (بن سهل) بسكون الهاء بعد فتح ابن حنيف الأنصاري أدرك النبي ﷺ ولم يسمع منه (أنه سمع أبا سعيد) سعد بن مالك (الخدري) ﵁ (يقول: قال رسول الله ﷺ ¬):
(بينما) بالميم (أنا نائم رأيت الناس) من الرؤية الحلمية على الأظهر أو من البصرية فتطلب مفعولاً واحدًا وهو الناس وحينئذٍ فقوله (يعرضون) بضم أوّله وفتح ثالثه جملة حالية أو علمية من الرأي فتطلب مفعولين وهما الناس ويعرضون (علي) أي يظهرون لي (وعليهم قمص) بضم القاف والميم جمع قميص (منها ما يبلغ الثدي) بضم المثلثة وكسر المهملة وتشديد التحتية والمراد قصره جدًّا بحيث لا يصل من الحلق إلى نحو السرة بل فوقها ولغير أبي ذر الثدي بفتح المثلثة وسكون المهملة
стр. 7702
(ومنها ما يبلغ دون ذلك) فلم يصل إلى الثدي لقلته أو المراد دونه من جهة السفلى فيكون أطول وفي رواية الحكيم الترمذي من طريق أخرى عن ابن المبارك عن يونس عن الزهري في هذا الحديث فمنهم من كان قميصه إلى سرته ومنهم من كان قميصه إلى ركبته ومنهم من كان قميصه إلى أنصاف ساقيه (ومر عليّ عمر بن الخطاب وعليه قميص يجرّه) لطوله (قالوا) أي الصحابة: (ما أوّلت) ذلك (يا رسول الله؟) ولأبي ذر عن الحموي والكشميهني ما أوّلته يا رسول الله (قال) أوّلته (الدين) لأن القميص يستر العورة في الدنيا والدين يسترها في الآخرة ويحجبها عن كل مكروه وفيه فضيلة عمر ﵁ ولا يلزم منه تفضيله على أبي بكر ولعل السر في السكوت عن ذكره الاكتفاء بما علم من أفضليته أو ذكر وذهل الراوي عنه، وليس في الحديث التصريح بانحصار ذلك في عمر ﵁ فالمراد التنبيه على أنه ممن حصل له الفضل البالغ في الدين.
والحديث سبق في الإيمان.
١٨ - باب جَرِّ الْقَمِيصِ فِى الْمَنَامِ
(باب جر القميص في المنام).
٧٠٠٩ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، حَدَّثَنِى اللَّيْثُ، حَدَّثَنِى عُقَيْلٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِى أَبُو أُمَامَةَ بْنُ سَهْلٍ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُ النَّاسَ عُرِضُوا عَلَىَّ، وَعَلَيْهِمْ قُمُصٌ فَمِنْهَا مَا يَبْلُغُ الثَّدْىَ، وَمِنْهَا مَا يَبْلُغُ دُونَ ذَلِكَ، وَعُرِضَ عَلَىَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ يَجْتَرُّهُ» قَالُوا: فَمَا أَوَّلْتَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «الدِّينَ».
وبه قال: (حدّثنا سعيد بن عفير) بضم العين وفتح الفاء قال: (حدّثني) بالإفراد (الليث) بن سعد الإمام قال: (حدّثني) بالإفراد أيضًا (عقيل) بضم العين المهملة وفتح القاف ابن خالد (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري أنه قال: (أخبرني) بالإفراد (أبو أمامة) أسعد (بن سهل) أي ابن حنيف (عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول):
(بينا) بغير ميم (أنا نائم) وجواب بينا قوله: (رأيت الناس عرضوا عليّ) بضم العين وكسر الراء وتشديد التحتية من عليَّ (وعليهم قمص) جمع قميص (فمنها ما يبلغ الثدي) بفتح المثلثة وسكون الدال المهملة ولأبي ذر الثدي بضم ثم كسر (ومنها ما يبلغ دون ذلك وعرض علي) بتشديد الياء (عمر بن الخطاب وعليه قميص يجتره) بسكون الجيم بعدها فوقية مفتوحة، ولابن عساكر: يجره بضم الجيم وإسقاط الفوقية (قالوا: فما أوّلته يا رسول الله؟ قال: الدين) وفي نوادر الأصول للترمذي الحكيم أن السائل عن ذلك هو أبو بكر الصديق ﵁ واتفق على أن القميص
стр. 7703
يعبر بالدين وأن طوله يدل على بقاء آثار صاحبه من بعده وهذا من أمثلة ما يحمد في المنام ويذم في اليقظة شرعًا إذ جرّ القميص ورد الوعيد على تطويله.
١٩ - باب الْخُضَرِ فِى الْمَنَامِ، وَالرَّوْضَةِ الْخَضْرَاءِ
(باب) رؤية (الخضر في المنام) بضم الخاء وفتح الضاد المعجمتين وفي فتح الباري بضم الخاء وسكون الضاد جمع أخضر قال: وهو اللون المعروف في الثياب وغيرها. قال: ووقع في رواية النسفيّ الخضرة بسكون الضاد وبعد الراء هاء تأنيث وكذا في رواية أبي أحمد الجرجاني (و) رؤية (الروضة الخضراء) في المنام أيضًا.
٧٠١٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجُعْفِىُّ، حَدَّثَنَا حَرَمِىُّ بْنُ عُمَارَةَ، حَدَّثَنَا قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: قَالَ قَيْسُ بْنُ عُبَادٍ: كُنْتُ فِى حَلْقَةٍ فِيهَا سَعْدُ بْنُ مَالِكٍ وَابْنُ عُمَرَ فَمَرَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ فَقَالُوا: هَذَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟ فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّهُمْ قَالُوا: كَذَا وَكَذَا قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ مَا كَانَ يَنْبَغِى لَهُمْ أَنْ يَقُولُوا مَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ، إِنَّمَا رَأَيْتُ كَأَنَّمَا عَمُودٌ وُضِعَ فِى رَوْضَةٍ خَضْرَاءَ، فَنُصِبَ فِيهَا وَفِى رَأْسِهَا عُرْوَةٌ وَفِى أَسْفَلِهَا مِنْصَفٌ وَالْمِنْصَفُ الْوَصِيفُ فَقِيلَ: ارْقَهْ فَرَقِيتُ حَتَّى أَخَذْتُ بِالْعُرْوَةِ، فَقَصَصْتُهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَمُوتُ عَبْدُ اللَّهِ وَهْوَ آخِذٌ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى».
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن محمد الجعفي) بضم الجيم وسكون العين المهملة وكسر الفاء المعروف بالمسندي قال: (حدّثنا حرمي بن عمارة) بفتح الحاء والراء المهملتين وكسر الميم وعمارة بضم العين وتخفيف الميم قال: (حدّثنا قرة بن خالد) السدوسي (عن محمد بن سيرين) أنه (قال: قال قيس بن عباد) بضم العين وتخفيف الموحدة آخره دال مهملة البصري التابعي الكبير وليس بصحابي (كنت في حلقة) بسكون اللام (فيها سعد بن مالك) هو سعد بن أبي وقاص (وابن عمر) عبد الله ﵃ (فمرّ عبد الله بن سلام) بتخفيف اللام الإسرائيلي (فقالوا) في ابن سلام (هذا رجل من أهل الجنة) لقوله ﷺ الآتي إن شاء الله تعالى آخر الحديث يموت عبد الله وهو آخذ بالعروة الوثقى قال قيس (فقلت له) لعبد الله بن سلام (إنهم قالوا: كذا وكذا. قال) ابن سلام متعجبًا من قولهم (سبحان الله ما كان ينبغي لهم أن يقولوا ما ليس لهم به علم) وفي رواية خرشة عند مسلم فقال الله أعلم بأهل الجنة وأنكر عليهم الجزم ولم ينكر أصل الأخبار عليه بأنه من أهل الجنة وهذا شأن المراقبين الخائفين المتواضعين (إنما رأيت) في المنام (كأنما عمود وضع في) وسط (روضة خضراء) وسبق في المناقب رأيت كأني في روضة ذكر من سعتها وخضرتها (فنصب) بضم النون وكسر الصاد المهملة بعدها موحدة العمود (فيها) في الروضة وفي رواية ابن عون العمود كان في وسط الروضة وفي رواية المستملي والكشميهني قبضت بقاف وموحدة مفتوحتين فضاد ساكنة فتاء متكلم (وفي رأسها) أي رأس العمود (عروة)
стр. 7704
بضم العين وسكون الراء المهملتين والعمود مذكر أنثه باعتبار الدعامة وفي رواية ابن عون وفي أعلى العمود عروة وفي روايته في المناقب ووسطها عمود من حديث أسفله في الأرض وأعلاه في السماء في أعلاه عروة (وفي أسفلها منصف) بكسر الميم وسكون النون وفتح الصاد المهملة قال ابن سيرين (والمنصف الوصيف) في مسلم فجاءني منصف. قال ابن عون: والمنصف الخادم. قال ابن سلام (فقيل) لي (ارقه فرقيت) في العمود بكسر القاف على الأفصح ولأبي ذر فرقيته بزيادة ضمير المفعول (حتى أخذت بالعروة) وفي رواية خرشة عند مسلم فقال لي أصعد فوق هذا قال قلت: كيف أصعد فأخذ بيدي فزجل بي وهو بزاي وجيم أي دفعني فإذا أنا متعلق بالحلقة ثم ضربت العمود فخرّ وبقيت متعلقًا بالحلقة حتى أصبحت (فقصصتها) أي الرؤيا (على رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ ¬):
(يموت عبد الله) أي ابن سلام (وهو آخذ بالعروة الوثقى) تأنيث الأوثق الأشدّ الوثيق من الحبل الوثيق المحكم وهو تمثيل للمعلوم بالنظر والاستدلال بالمشاهد المحسوس حتى يتصوّره السامع كأنه ينظر إليه بعينه فيحكم اعتقاده والمعنى فقد عقد لنفسه من الدين عقدًا وثيقًا لا تحله شبهة وزاد في رواية ابن عون فقال تلك الروضة روضة الإسلام، وذلك العمود عمود الإسلام وتلك العروة العروة الوثقى لا تزال متمسكًا بالإسلام حتى تموت، وعند مسلم من حديث خرشة بن الحرّ قال: قدمت المدينة فجلست إلى أشيخة في مسجد النبي ﷺ فجاء شيخ يتوكأ على عصا له فقال القوم من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا فقام خلف سارية فصلّى ركعتين فقمت إليه فقلت له قال بعض القوم كذا وكذا فقال: الجنة لله يدخلها من يشاء وإني رأيت على عهد رسول الله ﷺ رؤيا رأيت كأن رجلاً أتاني فقال: انطلق فذهبت معه فسلك بي منهجًا عظيمًا فعرضت لي طريق عن يساري فأردت أن أسلكها فقال: إنك لست من أهلها ثم عرضت لي طريق عن يميني فسلكتها حتى انتهيت إلى جبل زلق فأخذ بيدي فزجل بي فإذا أنا على ذروته فلم أتقارّ ولم أتماسك، فإذا عمود حديد في ذروته حلقة من ذهب فأخذ بيدي فزجل بي حتى أخذت بالعروة فقال: استمسك. فقلت: نعم فضرب العمود برجله فاستمسكت بالعروة، فقصصتها على رسول الله ﷺ فقال: "رأيت خيرًا أما المنهج العظيم فالمحشر، وأما الطريق التي عرضت عن يسارك فطريق أهل النار ولست من أهلها، وأما الطريق التي عرضت عن يمينك فطريق أهل الجنة، وأما الجبل الزلق، فمنزل الشهداء، وأما العروة التي استمسكت بها فعروة الإسلام فاستمسك بها حتى تموت". قال: فأنا أرجو أن أكون من أهل الجنة. قال: فإذا هو عبد الله بن سلام وهكذا رواه النسائي وابن ماجة ومسلم في صحيحه.
٢٠ - باب كَشْفِ الْمَرْأَةِ فِى الْمَنَامِ
(باب كشف المرأة) أي كشف الرجل المرأة (في المنام).
стр. 7705
٧٠١١ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أُرِيتُكِ فِى الْمَنَامِ مَرَّتَيْنِ إِذَا رَجُلٌ يَحْمِلُكِ فِى سَرَقَةِ حَرِيرٍ فَيَقُولُ: هَذِهِ امْرَأَتُكَ فَأَكْشِفُهَا فَإِذَا هِىَ أَنْتِ، فَأَقُولُ: إِنْ يَكُنْ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ يُمْضِهِ».
وبه قال: (حدّثنا) بالجمع ولأبي ذر: حدّثني (عبيد بن إسماعيل) بضم العين الهباري القرشي الكوفي وكان اسمه عبد الله قال: (حدّثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة (عن هشام عن أبيه) عروة بن الزبير (عن عائشة ﵂) أنها (قالت: قال رسول الله ﷺ ¬):
(أريتك) بضم الهمزة (في المنام مرتين) زاد مسلم أو ثلاثًا بالشك فقيل من هشام واقتصر البخاري على المحقق وهو المرّتان (إذا رجل) أي جبريل في صورة رجل (يحملك في سرقة) بفتح السين والراء المهملتين والقاف قطعة (من حرير) وذكر الحرير تأكيد للسرقة وإلاّ فهي لا تكون إلا من حرير قال في الصحاح السرق شقق الحرير الواحدة منها سرقة وثبت من في قوله من حرير لأبي ذر عن الكشميهني (فيقول) الرجل المفسر بجبريل (هذه امرأتك) زاد ابن حبان في الدنيا والآخرة (فأكشفها فإذا هي أنت) لا غيرك فالمراد أنه رآها في المنام كما رآها في اليقظة (فأقول إن يكن هذا) الذي رأيته (من عند الله يمضه) بضم أوله وكسر ثالثه من الإمضاء. قال في شرح المشكاة: وهذا الشرط مما يقوله المتحقق لثبوت الأمر المستدل بصحته تقريرًا لوقوع الجزاء وتحققه ونحوه قول السلطان لمن هو تحت قهره إن كنت سلطانًا انتقمت منك أي السلطنة مقتضية للانتقام.
وسبق الحديث في النكاح.
٢١ - باب ثِيَابِ الْحَرِيرِ فِى الْمَنَامِ
(باب) رؤية (ثياب الحرير في المنام) وسقط لابن عساكر لفظ ثياب.
٧٠١٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، أَخْبَرَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أُرِيتُكِ قَبْلَ أَنْ أَتَزَوَّجَكِ مَرَّتَيْنِ، رَأَيْتُ الْمَلَكَ يَحْمِلُكِ فِى سَرَقَةٍ مِنْ حَرِيرٍ فَقُلْتُ لَهُ: اكْشِفْ فَكَشَفَ فَإِذَا هِىَ أَنْتِ، فَقُلْتُ: إِنْ يَكُنْ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ يُمْضِهِ».
وبه قال: (حدّثنا محمد) زاد أبو ذر عن الحموي والكشميهني هو أبو كريب محمد بن العلاء ولأبي ذر عن المستملي محمد بن سلام، وقال الكلاباذي: هو محمد بن سلام أو محمد بن المثنى قال: (أخبرنا) بالجمع ولابن عساكر أخبرني (أبو معاوية) محمد بن خازم بالخاء والزاي المعجمتين قال: (أخبرنا هشام عن أبيه) عروة بن الزبير (عن عائشة) ﵂ أنها (قالت: قال رسول الله ﷺ ¬):
(أريتك) بضم الهمزة وكسر الراء بعدها مبنيًّا للمفعول (قبل أن أتزوجك) في المنام (مرتين رأيت الملك) جبريل ﵇ (يحملك في سرقة من حرير فقلت له) لجبريل (اكشف) أي السرقة
следующие страницы →