Полный текст (1 218 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
الكاشف في معرفة من له رواية في الكتب الستة
للامام شمس الدين أبي عبد الله محمد بن أحمد بن الذهبي الدمشقي
ولد سنة ٦٧٣ - وتوفي سنة ٧٤٨ هـ
وحاشيته للامام برهان الدين أبي الوفاء إبراهيم بن محمد سبط ابن العجمي الحلبي ولد سنة ٧٥٣ - وتوفي سنة ٨٤١ هـ رحمهما الله تعالى
قابلهما بأصل مؤلفيهما وقدم لهما وعلق عليهما وخرج نصوصهما
محمد عوامة أحمد محمد نمر الخطيب
دار القبلة للثقافة الاسلامية مؤسسة علوم القرآن جدة حقوق الطبع محفوظة الطبعة الاولى ١٤١٣ - ١٩٩٢
دار القبلة للثقافة الاسلامية مؤسسة علوم القرآن المملكة العربية السعودية - جدة ص. ب: ١٠٩٣٢.
الرمز: ٢١٤٤٢ -
ت: ٦٦٥٢٤٠٦ - ٦٦٥٩٩٥١.
فاكس: ٦٦٥٩٤٧٦.
стр. 2
دراسات بين يدي " الكاشف " للذهبي و " حاشيته " لسبط ابن العجمي
بقلم محمد عوامة
стр. 3
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين على وافر نعمه وجزيل آلائه، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم.
رسل الله وأنبيائه، وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم باحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فهذه دراسات موجزة حينا، ومطولة حينا آخر، بين يدي كتاب " الكاشف " للامام الحافظ الناقد شمس الدين أبي عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي الدمشقي الشافعي ٦٧٣ - ٧٤٨- رحمه الله تعالى
متوجا ومتمما بحاشية الامام الحافظ الرحلة برهان الدين أبي الوفاء إبراهيم بن محمد بن خليل سبط ابن العجمي الحلبي الشافعي
٧٥٣ - ٨٤١- رحمه الله تعالى.
وأركان الدراسات ثلاثة:
الركن الاول: دراسة عن " الكاشف " ص ٥ - ٨٨.
الركن الثاني: دراسة عن " الحاشية " ومؤلفها ص ٨٩ - ١٤٧.
الركن الثالث: خدمتنا للكتابين ص ١٤٩ - ١٧٠.
والله أسال من فضله الكريم أن يمن علي بالاخلاص والسداد والقبول، إنه كريم جواد.
وكتبه محمد عوامة
стр. 4
جوانب الركن الاول: دراسة " الكاشف "
بين يدي الدراسات
١ - مكانة الكتاب وبعض فوائده
٢ - منهج الامام الذهبي في " الكاشف "
٣ - ألفاظ الجرح والتعديل في " الكاشف "
٤ - أحكام الذهبي في " الكاشف " خاصة
٥ - رموز " الكاشف "
٦ - النسخة الاصل وسماعاتها
стр. 5
بين يدي الدراسات
أستهل هذه الدراسات بمثل ما استهللت به مقدمة دراسة " تقريب التهذيب "، وذلك بالاعتذار عن كتابة ترجمة للامام الذهبي رحمه الذهبي رحمه الله تعالى، لكثرة ما كتب عنه في مقدمات كتبه المطبوعة، وأهمها الدراسة العلمية الجادة الضافية التي كتبها المحقق الدكتور بشار عواد معروف، في كتابه " الذهبي ومنهجه في كتابه تاريخ الاسلام " جزاه لله خيرا، وكان طبعه بالقاهرة سنة ١٩٧٦، في مجلد: ٥٤٠ صفحة مع الفهارس.
وأتم ابحث والدراسة ب " صفحات في ترجمة الحافظ الذهبي " الاخ الباحث الموفق الاستاذ قاسم علي سعد، وطبعها في أربعين صفحة مع الفهرس، استدرك فيها نحواسم أربعين كتابا لم يذكرها الدكتور بشار، زاده الله توفيقا.
وزادني الاخ الكريم الاستاذ مجد مكي سلمه الله أسماء ثمانية كتب أخرى، وقف عليها أثناء دراسته ل " سير أعلام النبلاء "، وها هي ذي أسماوها وتعليقي على بعضها، لاستكما الفائدة:
١ - " مسائل في طلب العلم وأقسامه "، وهي إحدى الرسائل الست التي طبعها الاستاذ جاسم سليمان الدوسري، وكلها للذهبي ﵀.
٢ - مختصر الجهر بالبسملة لابي شامة.
منه نسخة ضمن مجموع رقمه ٥٥ بظاهرية دمشق، وهو المجموع
الذي فيه مختصره الآخر لكتاب الخطيب البغدادي الذي ذكره الدكتور بشار عواد في كتابه ص ٢٢٦.
وهو مطبوع ضمن الرسائل الست أيضا.
٣ - ترجم التقي الفاسي للذهبي في ذيله على " سير أعلام النبلاء " الذي أسماه " تعريف أهل العلا " وذكر بعض مصنفاته، ومنها: " صحيفة نظيفة من حديث أبي حنيفة " ٣١ / ب.
٤ - قال المصنف في " المعجم المختص " ص ٢٥٩ ترجمة محمد بن محمد بن عيسى البعلي: " خرجت له جزاءا ".
٥ - وقال في " السيرة " ٢٠: ٥٥٧ في ترجمة الامام ابن عساكر بعد ذكر جماعة من أصحابه: " وقد روى لشيوخي نحو من أربعين نفسا من أصحاب الحافظ - ابن عساكر - أفردت لهم جزء ".
٦ - " فوائد الرحلة " نقل عنه السخاوي في " فتح المغيث " ١: ١٨١.
قلت: والقصة التي نقلها السخاوي مصدره فيها شيخه ابن حجر في " طبقات المدلسين " ترجمة سفيان بن عيينة، عن المصدر المذكور.
٧ - وقال المصنف في " السيبر " ١١: ٣٦٤ ترجمة الامام ابن راهويه: " إن النفاق يتبعض ويتشعب، كما أن الايمان ذ شعب ويزيد وينقص..أما من كان في قلبه شك من الايمان بالله ورسوله: فهذا ليس بمسلم، وهو من أصحاب النار، كما أن من في قلبه جزم بالايمان بالله ورسله وملائكته وكتبه وبالمعاد - وإن اقتحم الكبائر - فانه ليس بكافر.
وهذه مسالة جليلة … ، جمع فيها الامام أبو العباس شيخنا مجلدا حافلا، قد اختصرته ".
واستدراك الاخ الاستاذ مجد مكي لهذا المؤلف صحيح، أما كلام محقق هذا المجلد من " السير " في التعليق: فغير صحيح.
ذلك أنه قال: يريد " منهاج السنة " ومختصره للذهبي " المنتقى من منهاج الاعتدال " الذي طبعه الاستاذ محب الدين الخطيب.
стр. 6
ومعلوم أن " منهاج السنة " رد على الرافضي وقبيله، ولا علاقة له بهذه المسالة التي أشار إليها الذهبي أبدا، إنما يريد - والله أعلم - كتاب " الايمان " لابن تيمية ﵀، يكون للذهبي كتاب " مختصر كتاب الايمان "، والله أعلم باسمه وبحقيقة الامر.
٨ - " فضل العلم " للذهبي، نقل عنه الامام مرتضى الزبيدي ﵀ في " شرح الاحياء " ١: ٧٤، ٧٩، ٨٢.
قلت: أما النقل عن الذهبي ١: ٧٩، ٨٢: فمسلم، والله أعلم من أي كتاب له، لكن النقل الاول ١: ٧٤ يه تحريف، صوابه: " فضل العلم " للمرهبي، كما جاء في غير مصدر، وتحرف في " فيض القدير " إلى: الموهبي، وسيأتي نقل عن المرهبي في " شرح الاحياء " نفسه ١: ١٠٧، ويسمى فيه على الصواب.
١ - مكانة الكتاب وبعض فوائده
١ - إن كتاب " الكاشف " أحد الكتب التي دبجتها يراعة الامام الحافظ الناقد الذهبي، وكان فراغه من تأليفه في السابع والعشرين من شهر رمضان عام ٧٢٠ هـ، وذلك بعد حوالي عام من فراغه من " تذهيب ويكفي " الكاشف " أنه من مصنفات هذا الامام، لا سيما أن تأليفه له كان بعد اكتماله في هذا الفن، فقد ألفه وله من العمر سبع وأربعون سنة، وسبقه قليلا تأليفه " تهذيب التهذيب " كما تقدم، وألف في العام نفسه " المغني في الضعفاء ".
ويكفيه أن مصنفه الامام قال عنه في مقدمته: " هذا مختصر نافع..".
و" الكاشف " هوو الكتاب الرابع المتفرع عن الكتاب الاول " الكمال في أسماء الرجال " للامام الحافظ عبد الغني المقدسي، المتوفى سنة ٦٠٠، رحمه الله تعالى.
ويلي كتاب " الكمال: " تهذيب الكمال " للامام الاحافظ أبي الحجاج المزي المتوفى سنة ٧٤٢ رحمه الله تعالى.
فهو الثاني.
ويليه: " تهذيب تهذيب الكمال " للمصنف الذهبي.
فهو الثالث.
وياتي من بعده: " الكاشف " رابع هذه السلسلة.
ويساويه في التسلسل: " خلاصة تذهيب تهذيب الكمال " للخزرجي المتوفى بعد سنة ٩٢٣.
كما ترفع عن " تهذيب الكمال " صنوك " " التهذيب "، هو " تهذيب التهذيب " للحافظ ابن حجر، المتوفى سنة ٨٥٢ رحمه الله تعالى.
وترع عن " تهذيب التهذيب ": " تقريب التهذيب " لابن حجر نفسه.
فتكون هذه الكتب الثلاثة بمرتبة واحدة في التسلسل، وهي: " الكاشف "، و " التقريب "، " الخلاصة ".
٢ - مكانة الكتاب:
إن " الكاشف " كتاب تقتحمه العين من صغر حجمه إذا ما قيس بالكتب الكبيرة في هذا العلم الشريف، لكنه في حقيقته معلم مدرب، ومحرر معتمد.
وللحقيقة والانصاف أقول: إنه كتاب دربة وتعليم وتاسيس، أكثر من كونه مرجعا لحكم نهائي في
стр. 7
الجرح والتعديل، وأما " التقريب " فهو على خلاف ذلك،، هو مرجع لاخذ خلاصة في الجرح والتعديل أكثر منه مدربا معلما.
ولا ريب أن الرجوع إلى الكتابين معا خير ما يسلكه المبتدئ في هذا العلم.
قال تاج الدين السبكي رحمه الله تعالى في " طبقاته الكبرى " ٩: ١٠٠ وهو يعدد مصنافت شيخه الذهبي: " و " الكاشف "، وهو مجلد نفيس ".
وهذا ثناء من تلميذ، لكنه ناقد إمام، وخبير بالكتاب، وسيرى القارئ الكريم في آخر هذه الدراسات - إن شاء الله تعالى - تناول التاج السبكي كتاب " الكاشف " من يد مؤلفه.
ومما يدل على نفاسه: اعتناء العلماء بسماعه من مؤلفه، وقراءتهم له عليه، ونسخهم منه نسخا، واختصره بعضهم، وذيل عليه آخر، وعمل بعضهم عليه " حاشية " و " نكتا " فهذه خمسة أعمال علمية.
وهاكم البيان: - لقد حفلت الصفحة الاولى والاخيرة من نسخة المصنف بوثاثق السماع والقراءة على مصنفه، والمناولة منه، لعدد غير قليل من العلماء الكبار، وفيها إشعار باستنساخ بعضهم نسخا عنه، ومنهم من نسخه ثلاث مرات، وسيرى القارئ الكريم ذلك مبينا آخر هذه الدراسات، فلا أتعجل ببيانها الآن.
ونسخه عليماء، قرئ على علماء، ويكرر الحافظ البرهان سبط ابن العجمي في " حاشيته " النقل عن نسخة قرئت على الامام الحافظ ابن رافع السلامي.
واعتقادي أنه لا تخلو مكتبة من مكتبات المخطوطات من نسخة، أو نسخ، أو عشرات النسخ، من هذا الكتاب، ولقد تيسر لي منه ست نسخ خطية دون تعمد ولا تكلف للصول عليها.
- ولكونه كتابا مختصرا لم تتوفر جهود العلماء على اختصاره، إلا واحدا منهم هوو أبو عبد الله محمد بن
منصور الاصبحي الحنفي المتوفى سنة ٧٩٣، فانه لخصه، ومن تلخيصه مصورة محفوظة بين مخطوطات الجامعة الاسلامية بالمدينة المنورة، حت رقم ١٧٠١، في ١٥٦ ورقة.
- وهذه " حاشية " الامام برهان الدين سبط ابن العجمي، تقدم الآن إلى القراء، وأسال الله التوفيق والنفع بها.
- وللحافظ ابن حجر " النكت على الكاشف "، ذكر ذلك تلميذاه النجم ابن فهد المتوفى سنة ٨٨٥ رحمه الله تعالى، في " معجم الشيوخ " ص ٥٦، والسخاوي المتوفى سنة ٩٠٢ رحمه الله تعالى، في " الضوء اللامع " ١: ٢٥١ كلاهما في ترجمة شهاب الدين أحمد بن أبي بكر البوصيري المتوفي سنة ٨٤٠، قالا: إنه لازم ابن حجر وكتب عنه كتابه " لسان الميزان " و " النكت على الكاشف "، ولم أقف على خبره بعد.
ولا أستطيع المقارنة بين هذه " الكنت " و " الحاشية "، لعدم وقوفي على " النكت "، لكني أقدر أن طابع النقد يغلب على " النكتب "، لان ابن حجر كان ينظر إلى " الكاشف " أن فيه " الاحجاف "
١) ، وأن " تراجمه كالعنوان "
٢) .
- وقد طبع عام ١٤٠٦ " ذيل الكاشف " للامام الحافظ ولي الدين أبي زرعة العراقي المتوفي سنة ٨٢٦ رحمه الله تعالى، لكنها طبعة سقيمة.
стр. 8
وقد جمع فيه مصنفه تراجم مختصرة على نمط تراجم " الكاشف "، هي تراجم من ترك الذهبي ذكره عمدا من رجال تلك الكتب الزائدة على الستة الاصول، وأضاف إليها تراجم رجال " المسند " للامام أحمد وزوائد ابنه عبد الله.
ولولا هذه الاضافة لما كان من الكتاب جدوى.
على أن الذهبي نفسه قد استدرك هذا الاستدراك، فقد نسب إليه السخاوي في " الاعلان بالتوبيخ " ص ٢٣٣ كتاب " أسماء من أخرج لهم أصحاب الكتب الستة في تواليفهم سواها، ممن لم يذكرهم في الكاشف "، فلا أدري ما وجه هذا الاستدراك؟.
٣ - بعض فوائد " الكاشف ": هذا الشهرة والتداول ك " الكاشف " إنما يرجع إلى مزية واحدة رئيسية، تليها مزية ثانية هي أقل وجودا من الاولى، وهذا ما أردته بقولي السابق: إنه كتاب دربة وتعليم، ثم كتاب جرح وتعديل.
وبيان ذلك.
١ - أننك تقرأ فيه تراجم رجال الكتب الستة الاصول، ومع كل ترجمة ذكر أشهر شيوخ المترجم وتلامذته، وكثيرا ما ينقل لك حال الرجل جرحا وتعديلا، أو يعطيك من عنده خلاصة الاقوال فيه، ثم يشير برمز موجز إلى من أخرج حديثه من أصحاب الكتب الستة.
ورواة الكتب الستة هم أشهر رواة السنة، فمن أكثر من النظر في تراجمهم فقد استفاد رسوخ أسمائهم في حافظته.
ثم إن شيوخهم وتلامذتهم تداخلون في بعضهم بعضا، فكثيرون جدا يروون عن بعضهم، مما يسبب تكرار أسمائهم مئات المرات في الكتاب، وقسم منهم يكون تكرارهم أقل وأقل.
وهذا التكرار خير معين على حفظ أسماء هؤلاء الرواة، مع تقريب طبقاتهم الزمنية، ومعرفة الاتصال.
بينهم وعدمه.
وإن استحضار معاني هذا الفن لاسماء رجاله مع تقريب الطبقة الزمنية، ومعرفة الاتصال وعدمه: هو إولي لوازمه الاساسية.
٢ - حكايته أقوال الجرح والتعديل عن أصحابها، مما ينمي ملكة هذا العلم في القارئ، ويورثه فهمها، وإذا كان في الرجل الواحد جرح وتعديل في أن واحد، اكتسب القارئ معرفة النتيجة التي يخلص إليها من جراء هذا التعارض.
وحينما يعطيك المصنف كلمة واحدة من عنده في الرجل، تعلم أن هذا هو القول المعتمد عنده، فإذا رجعتإلى أصوله، أمكنك أن تفسر الاقوال المتعارضة على ضوء ما اختاره لك.
ويزيد القارئ إفادة باخبار ثانوية عن المترجم: عبادته وتقواه، وعلمه وخلقه، مما يعطي صورة عنه أتم وأوفي.
ياتي بعد قليل إن شاء الله تعالى تفصيل ذلك في الحديث عن منهجه.
стр. 9
ولكن مما لا بد منه تحت هذا العنوان - بعض فوائده -: التنبيه إلى عدد يسير من فوائده العابرة مما تحتمله ذه الدراسة، وأثر منها عددا ما يجده المتتبع في التعليقات تصريحا أو إشارة.
ومن المعلوم: أن المترصد لحاجة ما يعتبرها فائدة غالية عليه حينما يقف عليها، في حين أن القارئ غير المترصد لها يمر بها وهو لا يشعر لها بقيمة، فما أذكره، وما لا أذكره - لكني أقدر أنه فائدة - قد لا يروق عند قارئ آخر ولا يراه فائدة.
فهي أمور نسبية.
فمن فوائده: ١ - تنبيهه إلى عدد من الرواة قد روى لهم مسلم في " صحيحة " وفيهم كلام وجرح: أن مسلما روى لهم متابعة، وهؤلاء يتسامح معهم في الرواية بما لا يتسامح في الرواية عنهم في الاصول.
فمنهم سليمان بن قرم، وصالح بن رستم الخزاز، وعبد العزيز بن المطلب بن حنطب، ولم ينبه المزي ولا بان حجر إلى شئ من هذا.
٢ - وترجم المزي لعروة المزني الذي بروي عن عائشة ﵂، ورمز له: دت ق، وتبعه المصنف في " التهذيب " ٣: ١٤١ / آ، وابن حجر في كتابيه: " التهذيب " و " التقريب "، لكنه اقتصر هنا على: دت، وهو الصواب، ذلك أنه جاء في رواية ابن ماجه ١: ١٦٨
٥٠٢- منسوبا: عروة بن الزبير، والمزني غيره.
واستمرارا على هذا الستنبه والدقة، فانه لم يترجم لعروة بن الزبير في كتابه " المجرد "، لانه لا ينفق مع شرطه فيه، ولا لعروة المزني، لانه ليس له ذكر فيه.
٣ - وقال في ترجمة ممطور الحبشي: " روى عنه الاوزاعي، وما أراه لقيه، وقال أبو مسهر: سمع من عبادة بن الصامت، وغالب راياته مرسلة، ولذا ما أخرج له البخاري ".
أما قوله عن الاوزاعي: " ما أراه لقيه ": فمن فوائد هذا الكتاب النادرة.
وأما كلمة أبي مسهر: فمن زيادات المصنف في " تذهيبه " ٤: ٦٩ / آ، وليست عند المزي ولا ابن حجر.
وأما قوله: " غالب رواياته مرسلة ": فيلتقي من حيث الجملة بما في التهذيبين، لكن أفادنا بتعليله " لذا ما أخرج له البخاري ": ما هو سبب إعراض البخاري عن الرواية له، وأفادنا أن البخاري قد يعرض عن حديث الرجل لا لعلة ذاتية، بل لامر خارجي عن ذاته، لا يؤثر فيه جرحا وضعفا، إذ الاكثار من الروايات
المرسلة لا يؤثر في عدالة الرجل ولا في ضبطه.
٤ - وقال في ترجمة صلة بن زفر العبسي أحد شيوخ أيوب السختياني: " قيل: توفي زمن مصعب، فعلى هذا لم يلقه أيوب ".
وها التنبيه من فوائد الكتاب النادرة أيضا.
إلى أمثلة أخرى يجدها المتتبع للكتاب.
ومما شاع على ألسته أهل العلم: لا يغني كتاب عن كتاب.
* * *
стр. 10
وقبل النقلة إلى دراسة منهج الكتاب، أرى من الماسب أن أعرض لامر اختلفت فيه عبارات من ذكر " الكاشف "، وهو: هل " الكاشف " مختصر من " تهذيب الكمال " مباشرة، أو من " تذهيب تذهيب الكمال ".
قال المصنف ﵀ في عنوان الكتاب: " كتاب الكاشف ي معرفة م له رواية في الكتب الستة.
اقتضبه محمد بن أحمد بن عثمان ابن الذهبي من تهذيب الكمال ".
ثم قال في مقدمته: " هذا مختصر نافع … متضب من تهذيب الكمال ".
ومن هنا قال الحافظ في مقدمة " تهذيبه " ١: ٣ وهو يثني على " تهذيب الكمال ": " هو الذي الذي وفق بين اسم الكتاب ومسماه … ، ولكن قصت الهمم عن تحصيله لطوله، فاقتصر بعض الناس على الكشف من " الكاشف " الذي اختصره منه الحافظ أبو عبد الله الذهبي ".
أما غيره من العلماء فكلامهم متجه إلى أن " الكاشف " مختصر من " تذهيب التهذيب ".
قال ذلك الصلاح الصفدي في " الوافي " ٢: ١٦٤ - على احتمال فيه - والتاج السبكي في " طبقاته الكبرى " ٩: ١٠٤، وابن العماد في " شذرات الذهب " ٦: ١٥٥، والبرهان سبط ابن العجمي في مقدمة " نهاية السول، ولفظه المقصود منه: " كتاب التذهيب للحافظ أبي عبد الله الذهبي … ، وكتاب " الكاشف " مختصره … ".
ومنهم السيوطي ﵏ جميعا - في " ذيل تذكرة الفاظ " ص ٣٤٨ قال وهو يعدد مصنفات الذهبي: " ومختصر " تهذيب الكمال " و " الكاشف " مختصر ذلك ".
فهؤلاء خمسة من العلماء السابقين يقولون: إن " الكاشف " مختصر من " التذهيب ".
والامر أبسط من أن يحتاج إلى عرض المشكلة ثم حلها، فهو أيسر من ذلك، غاية ما في الامر أن
المصنف قال: إنه مقتضب من " تهذيب الكمال " باعتبار الاصل الاول، ومن قال: إنه مقتضب من " تذهيبه " فقد لا حظ الواقع والتسلسل الصنيفي، فكتاب المزي أصل الكتابين، وهما مختصارن منه، " الكاشف " جاء اختصارا ثانيا بعد " التذهيب " فهو فرع عنه.
وقد لا حظت في أكثر من موضع أن الوهم يحصل للمصنففي الكتابين معا، فكنتأعلق على هذه الظاهرة بان المصنف استخرج " الكاشف " واستخلصه من " التذهيب "
١) .
وقد جزم الدكتور بشار عواد في كتابه عن " الذهبي " ص ٢٢٨، ومقدمة " تهذيب الكمال " ص ٥٤ بان " الكاشف " مختصر من كتاب المزي، ووهم من قال خلاف ذلك، محتجا بقول الذهبي الذي قدمته، وب " أن " الكاشف " اقتصر على رجال الستة، في حين كان " التذهيب " كاصله، قد شمل رجال الكتب الستة وغيرها من التواليف ".
قلت: أما احتجاجه بتصريح الذهبي: فلا خلاف فيه، وأما احتجاجه بان " الكاشف " اقتصر على رجال الست،، وأن " التذهيب " فيه زيادة، وبناء على هذا فلا يصح أن يكون الكاشف " مختصرا من " التذهيب ": فكلام غريب! إذا كان هذا الفارق بين الكتابين سببا لا ستبعاد اختصار الاول من الثاني، فينبغي أن يستبعد أكثر وأكثر اختصار " الكاشف " من " تهذيب الكمال " والله أعلم.
стр. 11
٢ - منهج الامام الذهبي في " الكاشف "
الحديث عن منهج الذهبي هنا يستدعي جعله في فقرتين رئيستين: آ - منهجه فيمن سيرتجم.
ب - منهجه في الترجمة.
آ - أما الفقرة الاولى: فالحديث عنها موضوعه: من الذين التزم الذهبي أن يترجم لهم في كتابه " الكاشف "؟ وجوابه: قول المصنف ﵀ في تسمية الكتاب وفي مقدمته، قال: كتاب " الكاشف في معرفة من له رواية في الكتب الستة ".
ثم قال في المقدمة: " هذا مختصر نافع..اقتصرت فيه على ذكر من له رواية
في الكتب - الستة - دون باقي تلك التواليف التي في " التهذيب "، ودون من ذكر للتمييز، أوكرر للتنبيه ".
ثم ذكر الرموز الستة: خ، م، د، ت، ن، ق، ورمز ع للجماعة الستة، ورمز ٤ للسنن الاربعة.
فهذه مقومات منهجه: - رجال الكتب الستة.
- الذينلهم رواية فيها.
- مع حذف من له رواية في كتب أخرى سواها اعتمدها المزي.
- وحذف من ذكر في " تهذيب الكمال " تمييزا.
- وحذف من كرر في " التهذيب " أيضا للتنبيه على وهم فيه أو نحوه.
فهذه خمسة مقومات.
وأقول نتيجة عجلى: إنه وفى بالتزامه في الاكثر الاغلب، وأخل به في الحالات النادرة.
ولا بد من البيان.
أولا - إن خلاصة المقومات الخمسة: أن المترجمين هم من رجال الكتب الستة، لا زيادة ولا نقصان، وإن كانت الزيادة - عرفا - مغتفرة أكثر من النقصان.
وفي المقومات الثلاثة الاخيرة زيادة طفية لا تؤثر على المنهج، لا سيما في فصوله الاخيرة: الكنى، والانساب، والالقاب، فنراه يذكر من رمزه: بخ، صد، قد.
стр. 12
ويذكر فيها - وفي ثنايا القسم الاعظم من الكتاب وهو الاسماء - من ذكره المزي تمييزا، أو يكرره تنبيها للاختلاف في اسمه، مثل: أنس بن أبي أنس، قال: " الاظهر أنه عمران بن أبي أنس "، ونحو هذا التنبيه، وهو - على فائدته - غير نار الامثلة.
أما المقومان الاولان - رجال الكتب الستة لا الذين لهم رواية -: فيحتاجان إلى توضيح وتعليق.
لا يخفى على الناظر في الكتب الستة طبيعة ما فيها من نقول: فيها الاحاديث المرفوعة، والآثار الموقوفة، والمقطوعة، وفيها الجرح والتعديل.
والاعلام المذكورون فيها: تارة يذكرون على أنهم رواة عن غيرهم، وهذا هو الاكثر الاغلب، وتارة يذرون على أنهم تروى عنهم أقوالهم وأفعالهم.
فابوا هريرة ﵁ يذكر تارة راويا عن النبي ﷺ ،
وتارة يذكر على أنه مروي عنه قول أو فعل.
وشعبة ويحيى القطان وابن المدينز يذكرون رجالا في الاسناد يروون عن غيرهم، وتارة تسند إليهم أقوال في الجرح والتعديل.
والتفصيل الآن: إن الامام المزي - وأخصه بالذكر لانه هو واضع المنهج، والمصنف وغيره متابعون له -: يترجم لمن روى أحاديث مرفوعة أو موقوفة أو مقطوعة، باسناد متصل أو منقطع.
وهاهنا أسئلة: ١ - هل من شرط المزي أن يترجم لرجال الاسناد المعلق المصرح باسمائهم؟ ٢ - وهل من شرطه أن يترجم لغير المصرح باسمائهم؟ ٣ - وهل على الذهبي أن بتابعه في شرطه الاول؟.
٤ - وفي أي كتاب من الكتب الستة ورد هذا التعليق؟.
٥ - وهل على المزي أن يترجم لمن روي عنهم قول أو فعل - باسناد أو غير إسناد - من طبقة التابعين فمن بعدهم؟ ٦ - وإذا روي عنهم شئ بغير إسناد فهل عليه أن يكشف عن سنده ثم يترجم لرجاله؟ ٧ - وهناك رجال يذرون في الاسناد أو المتن ذكرا ليس لهم رواية، ولا عنهم رواية، فهل عليه أن يترجم لهم؟.
١ - والجواب عن السؤال الاول: أنه لا يخفى على الناظر في " صحيح البخاري " و " سنن أبي داود " و " سنن الترمذي " أن فيها أحاديث معلقة، وهي في البخاري أكثر من غيره، أوصل الحافظ عددها إلى ١٣٤١ حديث وأغلبها موصول في الصحيح نفسه، ولم يبق إلا ١٥٩ حديث أو ١٦٠ حديث - على اختلاف كلام الحافظ - غير موصولة فيه.
انظر مقدمة الفتح " ص ٤٧٧ س ٦، ٤٦٩ س ٢١.
كما لا يخفى على الناظر في " تهذيب الكمال " أن المزي ترجم لرجال معلقات البخاري، وأفرد لهم رمزا خاصا بهم: خت، وكان وجهة نظره في ذلك أنهم مذكورون بين دفتي " الجامع الصحيح " للبخاري،
стр. 13
لكن لما كان شري البخاري فيهم دون شرطه فيمن يسند لهم مازهم برمز خاص.
ومثل هذا يقال فيمن روى لهم سملم في مقدمة " صحيحة "، فهم دون شرطه في صلب " الصحيح "، كما بينته في دارسة " تقريب التهذيب " ص ٤٩، وقد خصهم المزي برمز: مق، كما هو معلوم.
فخلاصة جواب السؤال الاول: نعم.
ولوضوحه لا حاجة إلى الدليل عليه بذكر أمثلة لا ٢ - أما جواب السؤال الثاني - وهو: هل من شرط المزي أن يترجم لغير المصرح باسمائهم -، فاوضح السؤال أولا بالمثال ثم أذكر الجواب، وأنقله مما قلته في دراسة " التقريب " ص ١٣.
المثال: هو قول البخاري رحمه الله تعالى - أول كتاب اليمان من " صحيحه ": " وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن عي: إن للايمان فرائض وشرائع … وقال معاذ: اجلس بنا نؤمن ساعة، وقال ابن مسعود: اليقين: الايمان كله ".
ولا ريب أن بين البخاري وعمر بن عبد العزيز ومعاذ بن جبل وعبد الله بن مسعود وسائط ورجلا، فهل على المزي - ومن بعده - أن يترجم لهؤلاء الرجل، فان كانت لهم تراجم - بسبب وجود رواية لهم في مناسبة أخرى - فهل عليه أن يرمز لهم " خت "، علامة تعليق البخاري لهم؟ وجواب ذلك: أن المزي ترجم لبعضهم ولم يستوعب، فكأنه لم يلتزم.
فترجم لعبد الرحمن بن فروخ العدوي مولى عمر، وأسند إليه من طريقه إنه قال: " اشترى نافع بن عبد الحارث من صفوان بن أمية دارا … " ثم قال المزي: " قال البخاري في " الصحيح ": واشترى نافع بن عبد الحارث، فذكره ".
يريد المزي: أن البخاري علق هذا الاثر، وهو من رواية عبد الرحمن بن فروخ، فلذا ترجم له، والاثر في كتاب الخصومات، باب الربط والحبس في الحرم ٥: ٧٥.
ينظر تمام كلامي هناك، ففيه أن المزي لم يلتزم، وتبعه ابن حجر أولا، ثم بدا له التزامه، أو انظر " تهذيب التهذيب " آخر ترجمة عبد الرحمن بن فروخ.
فمن لم يسم: ليس من شرط المزي، وأما من سمي: فهو من شرطه، وهم أصحاب السؤال الاول.
والسؤال الثالث: هل على الذهبي أن بتابع المزي في شرطه الاول فيترجم لكل من علق البخاري له وصرح باسمه؟ ٣ - وجوابه: أني لا أستطيع الجزم بنفي أو إثبات، لان المصنف لم يطرد فيه، سلبا إو إيجابا، ذلك أن
المزي أفرد لهم رمزا خاصا بهم: خت، وقد أهمل المصنف هذا ارمز في مقدمة الكتاب، وهذا إيذان منه بعدم استعماله إياه، سواء في من ليس له رواية إلا في هذه المعلقات، فحقه إفراده برمز: خت، أو كان مشتركا مع رموزا أخرى.
وإذ بالمصنف يستعمله أول مرة في ترجمة إسحاق بن يحيى العوصي
٣٢٩- مفردا دون رمز آخر معه!، ثم في ترجمة القاضي الشهير إياس بن معاوية المزني
٥٠٢- ورمز له: خت مق
١-! ! وكلاهما ليس على شرطه، أهملهما في مقدمة كتابه.
стр. 14
وتزيد الغرابة إذا علمنا أن ترجمة إياس جاءت في صلب الكتاب لا على حاشية الصفحة، كما هو الحال في تراجم سبقته، وتراجم كثيرة لحقته! وترجمة اسحاق العوصي المشار إليها جاءت على الحاشية.
وقد أهمل المصنف رمز " خت " من تراجم عديدة سبقت الترجمتين المذكورتين، وتراجم كثيرة لحقتهما، ومن التراجم السابقة عليهما التي إهمل من بين رموزها رمز " خت ": ترجمة أبان بن صالح القرشي: وأشعث بن عبد الله بن جابر الحداني، وأشعث بن عبد الملك الحمراني، فاقتصر على رمز السنن الاربعة.
كما أهمل الرمز المذكور من تراجم كثيرة لاحقة - كما قلت - ومنها، بل أول ترجمة جاءت هي ترجمة بشر بن ثابت البصري، اقتصر الذهبي على رمز: ق، وعند المزي: خت ق.
وهكذا وهكذا.
وخلاصة الجواب: أن لذهبي لم يطرد في استعماله رمز خت، بل أحيانا وأحيانا، فما الذي وراء ذلك؟ الله أعلم.
٤ - وجواب السؤال الرابع: تقدم أن غير البخاري قد يعلق أحاديث في كتابه، وسميت منهم: أبا داود والترمذي، فهل من الحق على المزي أن يترجم لهؤلاء على النحو الذي تقدم في الكلام على معلقات البخاري: المسمين وغير المسمين؟.
والجواب: أن من لم يسم: فليس على شرطه، كما هو الحال فيمن لم يسم في معلقات البخاري، إما من سمي، فهم على شرطه، وحقه إن يلتزم ترجمتهم في كتابه، لكنه أهمل عددا منهم، استدرك الحافظ
ابن حجر عددا منهم، واستدركت من تنبهت لامره.
والدليل على أن هؤلاء من شرط المزي أمران.
: أولهما: أنه ترجم لابراهيم بن أدهم الزاهد المشهور رحمه الله تعالى، وصرح بان الترمذي روى له تعليقا، وتابعه على الترجمة له: الذهبي وابن حجر، مع أنك تجده قد فاته - أو أهمل - رمزت لمحمد بن ذكوان، فرمز له: تمييز.
وأغفل ترجمة عمرو بن ثابت بن هرمز، وعميرة بن أبي ناجية، وقد علق لهما أبو داود، فستدركهما عليه ابن حجر في " تهذيبه " ٨: ١٠، ١٥٣.
ثانيهما: قول ابن حجر في " تهذيبه " بعد أن ترجم لعمرو بن ثابت بن هرمز: " من عادة المؤلف - أي المزي - أن من علق له أبو داود رقم له رقمه، وهذا منه، فاغفله " ونحوه في ترجمة عميرة بن أبي ناجية.
وقال الحافظ أيضا في ترجمة محمد بن ذكوان ٩: ١٧٥ الذي رمز له المزي: تمييز: " كان ينبغي للمزي أن يرقم له رقم الترمذي، فقد اعتمد ذلك في أسماء جماعة لم يخرج لهم أبو داود والترمذي وغيرهما إلا تعليقا، ورقم لهم علامتهم مع ذلك ".
فالحافظ ابن حجر يقفهم من صنيع المزي في كتابه التزامه هذا ويلمه به، لذلك استدرك عليه من هذا القبيل في عدة مواضع.
стр. 15
أما الذهبي فقد أغفل ذلك فلم يستدرك عليه شيئا منه.
انظر التعليق على الارام المذكورة: عند ١٧٩٣، ٢١٤٧، ٢٤٠٠، ٢٤٣٠، ٣١٣٥، عند ٣٨٣٧، عند ٤١٣١، عند ٤٩٨٤، عند ٥٤٥٠، ٦٥١٠.
٥ - والمقصود بالتساؤل الخامس: يتضح بالمثال.
روى البخاري ٣: ٥٨١
١٧٥٠) ، ومسلم ٩: ٤٣ من طريق الاعمش أنه قال: " سمعت الحجاج بن يوسف يقول وهو يخطب على المنبر: ألفوا القرآن كما ألفه جبريل: السورة التي يذكر فيها البقرة، والسورة التي يذكر فيها النساء، والسورة التي يذكر فيها آل عمران ".
فالحجاج - الظالم المشهور - ليست له رواية في الصحيحين، لكن: عنه رواية، رورى عنه الاعمش أنه كان يقلو كذا وكذا، فهل شرط المزي أن يترجم له؟ الواقع أن المزي لم يترجم للحجاج، بل لم يذكر في ترجمة الاعمش أنه يروى عن الحجاج، وتبعه المصنف في " تذهيبه "، أما في " الكاشف " فترجم له
٩٤٦- ورمز له خ، وأشار إلى حديثه الذي ذكرته، ولكن لا أدري لم أغفل رمز م، والامر هو هو؟ ! وقد ترجم الحافظ في كتابيه: " التهذيب " و " التقريب " ورمز له: تمييز، وقال: " لم يقصد الشيخان وغيرهما الرواية عنه، ووقع ذكره وكلامه في الصحيحين وغيرهما، وليس باهل أن يروى عنه "، ومقتضى هذا منه أن من له ذكر في كتاب فلا ينبغي أن يرمز له، وكذلك صنيعه في ترجمة هشام بن حكيم ﵁.
وصنيع اذهبي أقرب إلى الصواب، فالاولى استدراكه مع الرمز، ذلك أن البخاري روى ٣: ٥٩
١١٨٤- من طريق مرثد بن عبد الله اليزني قال: " أتيت عقبة بن عامر الجهني فقلت: ألا أعجبك من أبي تميم يركع ركعتين قبل صلاة المغرب … ".
فعلق الحافظ على قوله: " من أبي تميم "، فقال: ٣: ٦٠: " هو عبد الله بن مالك الجيشاني … لم يذكر المزي في " التهذيب " أن البخاري خرج له، وهو على شرطه، فيرد عليه بهذا الحديث ".
وأكد ذلك بقوله في " التقريب "
٣٥٦٤) : " أغفل المزي رقم خ "، وأنت ترى أنه ذكر له فعل ذكرا لا رواية، في حين أن ذكر الحجاج إلى الرواية أقرب، ومع ذلك ترى الحافظ استنكر للحجاج رمز خ، وألزم المزي بترجمة أبي تميم؟ ! ونحو هذا المثال: مثال آخر: روى أبو داود في " سننه " كتاب الايمان والنذور - باب كم الصاع في الكفارة ٣: ٥٨٦
٣٢٨١- عن محمد بن محمد بن خلاد، عن مسدد، عن أمية بن خالد قال: " لما ولي خالد القسري أضعف الصاع، فصار الصاع ستة عشر رطلا ".
فهذه حكاية فعل لخالد القسري - كما هو حال أبي تميم - ومع ذلك ترجم له المزي والذهبي وابن حجر!.
وهذا هو موقف المزي ومتابعيه، وفيه من الاضطراب ما لا يخفى.
стр. 16
هذه أمثة على من له ذكر مسند من التابعين.
ومن الامثلة على من له ذكر غير مسند: محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وسوار بن عبد الله العنبري، علق لهما البخاري في " صحيحه " ١٣: ١٤٠ - الباب الخامس عشر من كتاب الاحكام - ولم يرمز لهما خت، وعدم الرمز لهما بمثابة عدم الترجمة، إذ لو لم تكن لهما رواية في كتاب آخر لما ترجم لهما.
وقد عتب الحافظ في " الفتح " ١٣: ١٤٣ على المزي إذ أهمل هذا الرمز لهما، ثم وقع هو في ذلك.
انظر دراسة " تقريب التهذيب " ص ١٢.
٦ - أما ترجمة رجال أسانيد هذه الاخبار: فاعتقد أن المزي ترجم لهم، وتوبع، من ذلك: محمد بن محمد بن خلاد المذكور عند أبي داود في الخبر المتقدم، فان المزي ترجمه، وتبعوه على ذلك، وليس له رواية في مكان آخر من " سنن أبي داود ".
لكن الامر يحتاج إلى تتبع واستقراء لنرى هل اطرد صنيعه وصنيعهم في ذلك أولا.
أما رجال أسانيد هذه الاخبار الذين لم يسموا: فحالهم وجوابهم يندرج تحت الجواب عن السؤال الثاني.
٧ - وأخيرا: إن هناك رجالا كثيرين لهم ذكر جانبي محض في بعض الاسانيد والمتون، لا يمت إلى رواية أبدا.
وذلك مثل هني مولى عمر ﵁ الذي قال له: " يا هني اضمم جناحك عن المسلمين، واتق دعوة المسلمين … " رواه البخاري ٦: ١٧٥
٣٠٥٩) .
ومثل يزيد بن معاوية النخعي المذكور في آخر حديث في كتاب الدعوات في البخاري ٩: ٢٢٨
٦٤١١) ، قال شقيق: " كنا ننتظر عبد الله - بن مسعود - إذ جاء يزيد بن معاوية، قلت: ألا تجلس؟ قال: لا، ولكن أدخل فاخرج إليكم صاحبكم وإلا جئت أنا فجلست، فخرج عبد الله وهو آخذ بيده فقام علينا فقال … "، ولا ذكر ليزيد بعد ذلك أبدا.
ومن ذلك: موسى والخضر عليهما الصلاة والسلام في قصتهما المعروفة - بل: توف البكالي الذي حاور ابن عباس في قصتهما - ورفاعة القرظي صاحب حديث العسيلة، وشريك بن سحماء وهلال بن أمية،
وصفوان ابن المعطل وأم مسطح، وهاجر وسارة زوجتا إبراهيم الخليل ﵊ … وكثير سواهم.
ولا أحب تشويش القارئ بان أقول: لان ترجموه، وفلان لم يترجموه، وفلان ترجمه المزي ولم يتابع، وفلان أهمله.
المزي وترجمه فلان … وهكذا … لكني أقتصر على أمثلة يسيرة محيرة.
١ - نوف البكالي: رمز له المزي وابن حجر: خ م، وهو مذكور ذكرا - لا رواية - في الصحيحين في قصة موسى والخضر عليهما الصلاة والسلام، ولم يترجمه الذهبي في " الكاشف ".
٢ - وكذلك فعلوا في هني.
ترجماه، وحذفه الذهبي.
стр. 17
٣ - وترجما: ليزيد بن أبي كبشة، وحديثه في البخاري ٦: ١٣٦
٢٩٩٦- وهو مذكور ذكرا.
٤ - ويزيد بن معاوية النخعي الذي تقدم حديثه، ورمزا لهما: خ، وكذلك فعل الذهبي رمز لهما: خ، فلماذا؟ ! ٥ - ولزيد بن حارثة ﵁ ذكر وقول في " صحيح مسلم " ٩: ٢٣٧ لا رواية، فما رمز المزي رمز مسلم، ولا الذهبي ولا ابن حجر.
٦ - ومثله هشام بن حكيم ﵁ المذكور في حديث الصحيحين لما سمعه عمر ﵁ يقرأ سروة الفرقان، فاخذه بتلابيبه إلى النبي صلى اله عليه وسلم، وما رمز له رمز الصحيحين.
فتناقض المزي وابن حجر مع صنيعهما في ترجمة نوف وهني، واليزيدين.
في أمثلة أخرى، لا تفيد إلا الاضطراب.
ومنهج ابن الاثير ﵀ في " جامع الاصول " - الركن الثالث منه الذي لم يطبع بعد - أقوم، فانه ترجم كل من له ذكر في كتابه، كما يبدو من مختصره للعلامة الفتني الذي طبعه شيخنا العلامة الاجل كبير محدثي الهند مولانا الشيخ حبيب الرحمن الاعظمي حفظه الله تعالى طبعه باسم: " تلخيص خواتم جامع الاصول ".
وأرى أنه لا بد لاحكام هذا الامر من استخدام الحاسب االي بعد وضع منهج دقيق من قبل طائفة متخصصة، ثم إحصاء النتائج عن طريقه، وحينئذ يتم اطراد المنهج، وتصح النتائج.
والله ولي التوفيق.
* * * ب - أما الفقرة الثانية: وهي منهج الذهبي في الترجمة: فالحديث عنها يكون في دراسة مقومات الترجمة الواحدة عنده.
إن مقومات كل ترجمة عند الذهبي في " الكاشف " سبعة، أسردها بالتسلسل المذكور في الكتاب، وهي: ١ - اسم المترجم ونسبه ونسبته.
٢ - أسماء بعض شيوخه.
٣ - أسماء بعض الرواة عنه.
٤ - بعض معلومات عامة عنه.
٥ - جرحه وتعديله.
٦ - وفاته.
٧ - رموز مخرجي حديثه.
وأربعة منها أساسية لا بد منها، هي الثلاثة الاولى منها، والاخيرة السابعة.
كما يتبين بجلاء للناظر في الكتاب، وهذا هو تفصيل الحديث عنها.
стр. 18
١ - لا بد من ذكر اسم المترجم أولا، مع ذكر نسبه: فلان بن فلان … ، ونسبته: إلى قبيلة أو بطن، أو بلد أو مهنة، وقد تجتمع هذه وقد تفترق.
والامثلة واضحة.
٢ - ثم يسمي بعض شيوخه إلا إذا كان المترجم صحابيا.
وليس له فيمن يسميه من الشيوخ اصطلاح، فلا يشترط أن يكون من يذكر من شيوخه ضمن الكتب الستة، ولا أن يكونوا من كبار شيوخه، ولا أن يكونوا ثقات، ولا أن يذكر أكبر شيخ له، أو آخر شيخ، ولا يلتزم ما التزمه شيخه المزي: الترتيب الهجائي
١) .
٣ - ثم يذكر بعض الرواة عنه.
وليس له اصطلاح فيهم أيضا.
٤ - وقد ياتي ببعض أخباره، من مناقب ومآثر علمية أو عملية، مما يلقي ضوءا على حال الرجل.
والذهبي ذواقة في التراجم واختيار أخبار الرجال، وانتقاء الالفاظ ذات الدلالة الدقيقة على المراد، وهو محب ولو باخبار العلماء والعباد.
ويجد القارئ في هذا الكتاب اللطيف الحجم من الاخبار النادرة الهامة ما لا يجده في غيره من المطولات، من ذلك: - نقله عن ابن الكلبي في ترجمة حسان بن ثابت ﵁: " كان لسنا شجاعا فاصابته علة فجبن "، وهي عند المزي، وفاتت ابن حجر في كتابيه: " التهذيب " و " التقريب ".
وهي فائدة تصحح الفكر والنظرة نحو هذا الصحابي الجليل.
وانظر " الروض الانف " للسهيلي ٣: ٢٨١.
- وقال في ترجمة إبراهيم بن سعيد الجوهري أحد شيوخ مسلم: " قال ابن خاقان: سألته عن حديث لابي بكر فقال لجاريته: أخرجي لي الجزء الثالث والعشرين من مسند أبي بكر!، فقلت له: أبو بكر لا يصح له خمصون حديثا، فمن أين هذا؟ ! فقال: كل حديث لا يكون عندي من مائة وجه فانا فيه يتيم! ".
- وقال في ترجمة زهير بن محمد بن قمير المروزي: " قال البغوي: ما رأيت بعد أحمد أفضل منه، حدثني ابنه محمد أنه كان يختم في رمضان تسعين ختمة ".
وقد يشير إلى ذلك إشارات دقيقة، كقوله في ترجمة منصور بن زاذان: " سريح القرائة جدا "، يريد: قراءة القرآن الكريم، وانظر التعليق عليه.
٥ - وكثيرا ما يذكر بعض ما قيل في الرجل من جرح وتعديل، فيكون ناقلا عن غيره، وقد يقتصر على تعديله - وفيه جرح - دلالة على اختياره تعديل الرجل، أو العكس، وقد يولد هو قولا من أقوالهم ويصف به الراوي.
وقد يشير إلى الاختلاف فيه فقط دون ترجيح، كقوله: مختلف فيه، وقد يسكت عن ذلك، وهو كثير، وليس له اصطلاح في سكوته كان لا يسكت إلا عن ثقة، أو ضعف.
ولامثلة على هذه الاحتمالات كثيرة واضحة في الكتاب بذاته، أو بالمقارنة مع الحواشي، إلا احتمالا واحدا، هو حال اجتهاده في الرجل وإعطائه حكما فيه من عنده معتمدا مجموعة أقوالهم فيه، فهذا نادر في
الكتاب.
стр. 19
من ذلك: قوله في أحمد بن علي إمام سلمية: " جيد الحديث "، وإنما قال فيه أبو حاتم: " أرى أحاديثه مستقيمة ".
و" جيد الحديث " من ألفاظ المرتبة الاخيرة من مراتب التعديل عند المصنف.
انظر مقدمة " ميزانه " ص ٤، فجزم الحافظ في " التقريب "
٨٢- بانه " صدوق ": فيه رفع لمرتبته أكثر مما تفيده عبارة المتقدمين.
والله أعلم.
٦ - وكثيرا ما يؤرخ وفاة الرجل جزما، وقد يحكي الخلاف، وكثيرا ما لا يؤرخها، ويكون المزي - أو غيره قبله - قد أرخها، ولمعرفة تاريخ الولادة والوفاة أهمية بالغة عند المحدثين، لما ينبني عليها من حكم على الرواية بالاتصال أو الانقطاع.
لذلك آخذ البرهان الحلبي سبط ابن العجمي المصنف الذهبي رحمهما الله تعالى على عدم اهمتماه بهذا الجانت في " الكاشف "، فقال في مقدمة كتابه " نهاية السول " - مخطوط -: " وكتاب " الكاشف " مختصره - أي مختصر " تذهيب التهذيب " - وكثيرا ما لا يذكر فيه تعديلا ولا تجريحا، ولا وفاة عض الشيوخ رمزا ولا تصريحا ".
٧ - أما رموز الكتب التي فيها حديث المترجم: فهذا من المقومات الاساسية للترجمة في هذا الكتاب، كالثلاثة الاول، وسيأتي لحديث عنها إن شاء اللهتعالى صفحة ٧٨.
وبعد: فهذا عرض مجمل لمنهج الامام الذهبي في كتابه " الكاشف ": منهجه العام فيمن عليه أن بترجمه، ومنهجه الخاص في كل ترجمة.
واستيفاء لدراسة المنهج أقول: لقد كان على التزام المصنف ﵀ لمنهجه الذي اختطه بعض الملاحظات، سواء في منهجه العام، أو الخاص.
وأدم القول: إن الذهبي متابع لشيخه المزي رحمهما الله تعالى في كتابه هذا متابعة كبيرة قلما يخرج عنه، ولم تظهر فيه شخصيته الاستقلالية الناقدة، كما هي ظاهرة في " الميزان " و " سير أعلام النبلاء " مثلا.
وتقدمت كلمات حول منهجه العام، وأزيد هنا فاقول: ١ - ترجم المزي لبعض من علق له أبو داود والترمذي، وفاته عدد غير قليل، ولم يستدرك المصنف أحدا منهم، ليسد ثغرة بقيت في عمل شيخه، بل ذكر من ذكره المزي، وترك من تركه المزي! سواء كانت ترجمته تحتاج إلى إضافة رمز من علق له، أو أن الرجل يحتاج إلى ترجمة كاملة، أي: إن المزي إهمل الرمز فقط، أو أهمل الترجمة مطلقا.
ومن أمثلة الحال الاولى: سمرة بن سهم، رمزه عند المزي والذهبي: س ق، وعلق له الترمذي، فضاف رمزه ابن حجر.
وكذلك: داود بن جميل، علق له الترمذي، ولم يرمزوا له جميعهم، فاستدركت رمزه.
ومن أمثلة الحال الثانية: والمسور بن عبد الملك اليربوعي، لم يترجمه المزي ولا الذهبي، فاستدركها ابن حجر، لكون أبي داود علق له.
стр. 20
ومنهم: عقبة بن سويد الجهني، علق له أبو داود حديثا عن أبيه سويد، ولم يترجموهما جميعا، فاستدركت ترجمتهما.
٢ - ترجم المزي لبعض من له ذكر في الكتب الستة - لا رواية - فحذف الذهبي بعضا منهم، وأبقى بعضا آخر.
مثل: هني مولى عمر بن الخطاب، ونوف البكالي، وعبد الرحمن بن أيمن، ترجم لهم المزي، وتبعه المصنف في الاولين، وترك الثالث، وحكمهم سواء.
وترجم المزي لابي عمرو الشيباني، لان مسلما روى له تفسير غيرب " أخنع الاسماء " وتبعه المصنف، وفات المزي أن يترجم لابي حاتم السجستاني وله تفسير غريب أسنان الابل عند أبي داود، فلم يستدركه المصنف.
وتقدم أن المزي لم يترجم للحجاج الثقفي، فاستدرك المصنف ترجمته ورمز له خ فقط، مع أن كلمته التي في " صحيح البخاري " هي في " صحيح مسلم " أيضا، فلم يطرد في استدراكه!.
أما ما يقال في منهجه الخاص: فامور يسيرة، منها:
١ - أنه لم يسر على وتيرة واحدة في سياق نسب المترجم، فهو في الاكثر الاغلب يذكر اسم الرجل، واسم أبيه … ملتزما الترتيب الهجائي الدقيق، مما ييسر المراجعة على الباحث - وصاحب الفضل هو صاحب السبق: الحافظ المزي -.
لكنه تارة لا يسمي أباه، وتقع الترجمة وسط أسماء المذكورين بآبائهم، فلا يقع على بغيته إلا من عرف نسب الرجل.
ترجم لبكير بن ااخنس، ثم لابن أبي السميط، ثم ابن شهاب، ثم ابن عامر البجلي، ثم ابن عبد الله بن الاشج، ثم بكير الضخم، ثم بكير بن عطاء.
فالضخم صفة لبكير، ووفعت ترجمته بين: ابن عبد الله، وابن عطاء، فهو ابن من؟ فعلى القارئ أن يقدر ذلك من سياق الترتيب.
٢ - وقلت فيما سبق: إنه لم يلتزم في ذكر شيوخ المترجم أي معنى وملحظ، ولو أنه التزم أن يكونوا من رجال الكتب الستة الثقات: لكان الغاية في الجودة! فان لم يتيسر اشتراط الثة - وهذا في عدد قليل من المترجمين - أشار إلى ذلك برمز يصطلح عليه، كما اصطلح أن يرمز لمن انفرد ابن حبان بتوثيقه ويقول فيه " وثق ": أن يضع فوق اسمه: حب.
وثمة ملاحظات حول أحكامه على الرواة، وأخرى على رموزه، لا أحب التعجل بذكرها، إذ محلها الاليق بها عند دراستهما في الفقرتين الرابعة والخامسة إن شاء الله تعالى.
ولكني أستطيع القول: إن التزام الحافظ ابن حجر لمقومات الترجمة في " التقريب " أو فى وأقوم من المصنف في " الكاشف " وإن كانت أوهام ابن حجر في رموز المترجم أكثر من الذهبي، رحمهما الله تعالى.
стр. 21
٣ - ألفاظ الجرح والتعديل في " الكاشف "
يقتضي الحديث المستوعب لهذا العنوان إن أفصل القول في: - ألفاظهما، ودقة نقلها، وتميير ما كان من قبل الذهبي، عما كان من غيره.
- وفي شرح مدلولاتها، وترتيبها قوة وضعفا، وبيان ما فيه اصطلاح خاص بقائله، وما ليس كذك،
وقد يكون للذهبي اصطلاح ببعض الالفاظ.
وقد يقتضي استيفاء القول بيان من هو صاحب هذا الاصطلاح من المتقدمين الذي تأثر به الذهبي فاقتبس قوله … وما إلى ذلك من متممات.
وقد بدأت بالكتابة على هذا النحو، لكني رأيت نفسي كأنني أجمع ألفاظ الجرح والتعديل كلها، وأصنفها، وأفسرها، وأورخ لها، وأضم إلى ذلك ما عند الذهبي!.
فلذلك عدلت عن هذا إلى وقت آخر بعون الله وتوفيقه، واقتصرت على بعض ألفاظ أقدر أن لها حاجة خاصة، أذكر تحتها كلمات أنبه بها إلى جوانت خاصة لا أقصد منها الدراسة للفظة الجرح والتعديل، وأضع بجانب الكلمات النارد استعمالها رقم الترجمة التي ورد فيها هذا اللفظ، أما الكلمات التي يكثر استعمالها - مثل: ثقة، صدوق … - فلا أضع لها رقما.
١ - ثقة.
الثقة: هو العدل الضابط.
وبماذا تعرف العدالة؟ - وبماذا يعرف الضبط؟ آ - بماذا تعرف العدالة؟ ذكر الامام ابن الصلاح ﵀ أول النوع الثالث والعشرين من " مقدمته " مسلكين لمعرفة العدالة - أو الثقة - وهما المسلكان المتفق عليهما: الشهرة بها، كحال الائمة المعروفين.
و" تنصيص معدلين على عدالته ".
وزاد الاصوليون: الحكم بمقتضى حديث الراوي، والعمل به كذلك
١) ، والرواية عنه من قبل من لا يروي إلا عن ثقة.
وفي ثلاثتها نظر واختلاف.
стр. 22
وأنبه إلى أمرين يتعلقان بالتنصيص على العدالة: أولهما: هل يشترط في النص إن يكون من إمام من أئمة الجرح والتعديل؟.
ثانيهما: هل يشترط فيه أن يكون نصا صريحا - فلان ثقة - أو: يقبل التوثيق الضمني، وذلك بتصحيح حديثه مثلا؟ والجواب عن الامر الاول: أنه لا بد من أهلية صاحب التعديل، وعبارة ابن الصلاح عامة: " تنصيص معدلين على عدالته ".
وهذا خلاف فيه.
لكن بعضهم ذكر صورة ما لو عدله أحد الرواة عنه، فهل يكتفى بذلك؟ كما لو قال رجل: حدثني فلان وكان صدوقا، أو كان ثقة، ونحو ذلك، فما القول؟ قال السخاوي ﵀ في " فتح المغيث " ١: ٢٩٦ " صرح ابن رشيد بانه لو عدله المنفرد عنه كفى، وصححه شيخنا - ابن حجر - أيضا إذا كان متاهلا لذلك، ومن هنا ثبتت صحبة الحابي برواية الواحد المصرح بصحبته عنه ".
والجواب عن الامر الثاني: أنهم صرحوا بقبول التوثيق الضمني، وهذه نصوص ما وقفت عليه.
- روى الترمذي عن فريعة أخت أبي سعيد الخدري حديثا في اعتدادها في بينها وأنه لا يجوز الاعتداد في بيت أهلها، وقال: حسن صحيح، وضعفه ابن حزم بجهالة حال زينب بنت كعب بن عرة رواية الحديث عن الفريعة، فتعقبه ابن القطان - كما في " نصب الراية " ٣: ٢٦٤ - فقال: " وليس عندي كما قال: بل الحديث صحيح، فان سعد بن إسحاق ثقة، وممن وثقه النسائي، وزينب كذلك ثقة، وفي تصحيح الترمذي إياه توثيقها وتوثيق سعد بن إسحاق، ولا يضر الثقة أن لا يروي عنه إلا واحد، وقد قال ابن عد البر: إنه حديث مشهور.
انتهى ".
ولما خالف ابن القطان هذا المنهج تعقبه الامام ابن دقيق العيد رحمهما الله تعالى: ٢ - فقد روى عمرو بن بجدان، عن أبي ذر ﵁ حديث: " الصعيد الطيب وضوء المسلم … "، ولم يرو عن عمرو إلا أبو قلابة، فضعف ابن القطان الحديث به فقال - كما في " نصب الراية " ١: ١٤٩ -: " هذا حديث ضعيف بلا شك، إذ لا بد فيه من عمرو بن بجدان، وعمرو بن بجدان لا يعرف له حال، وإنما روى عنه أبو قلابة ".
٣ - وعقبه الزيلعي ﵀ بكلام بن دقيق العيد فقال: " قال الشيخ تقي الدين في " الامام ": ونم العجب كون ابن القطان لم يكتف بتصحيح الترمذي في معرفة حال عمرو بن بجدان، مع تفرده بالحديث، وهو قد نقل كلامه: حدا حديث حسن صحيح، وأى فرق بين أن يقول: هو ثقة، أو يصحح له حديثا انفرد به! وإن كان توقف عن ذلك لكونه لم يرو عنه إلا أبو قلابة فليس هذا بمقتضى مذهبه، فانه لا يلتفت إلى كثرة الرواة في نفي جهالة الحال، فكذلك لا يوجب جهالة الحال بانفراد راو واحد عنه بعد وجود ما يقتضي تعديله، وهو تصحيح الترمذي ".
٤ - وقال المصنففي " الميزان " ٤
١٠٤٧٨) : " أبو عمير بن أنس بن مالك … تفرد عنه أبو بشر،
стр. 23
قال ابن القطان: لم تثبت عدالته.
وصحح حديثه ابن المنذر وابن حزك وغيرهما فذلك توثيق له.
فالله أعلم "
١) .
٥ " - وقال أيضا ١
٢١٢٥) : " حفص بن عبد الله الليثي، ما علمت روى عنه سوى أبي التياح، ففيه جهالة، لكن صحح التزمذي حديثه ".
وفحواه في " الكاشف "
١١٤٩) .
٦ " - وقال الحافظ ابن حجر في " تعجيل المنفعة "
٥٦١- في ترجمة عبد الله بن عبيد الديلي: " أخرج حديثه الترمذي والنسائي، وقال الترمذي حسن غيرب، وهذا يقتضي أنه عنده صدوق معروف ".
٧ " - وقال الامام اكمال ابن الهمام رحمه الله تعالى في " فبح القدير " ٢: ١٣٤: " تحسين الترمذي الحديث فرع معرفته حاله وعينه ".
فهذه نصوص خمسة من أئمة الحديث في المتأخرين اعتمدت هذا المنهج، لذلك تبعتهم في التعليق على هذا الكتاب، فتجدني كثيرا ما أستدرك على حكم المصنف إو ابن حجر في " التقريب " بان هذا المترجم صحح أو حسن له الترمذي، فهو أحسن حالا من قول المصنف أو ابن حجر المذكور.
ب - بماذا يعرف الضبط؟ لا ريب أنه يعرف باختيار حديثه وعرضه على رواية الثقات الاثبات له، فان وافقها قبل، وإن خالفها: رد بمقدار ما تكون المخالفة.
وهذا هو السير والاعتبار الذي يوصل - بعد معرفة العدالة - إلى الامر المتقدم، وهو النص الصريح على توثيقه، أو تصحيح حديثه.
وهذه العملة تكون منهم للراة المتقدمين عليهم أو المعاصرين لهم.
أما العدالة: فيأخذونها عن شيوخهم بالنسبة لمن قبلهم، ويتعرفون عليها بانفسهم بالنسبة لمعاصريهم.
وإذا اعتبروا حديث الرجل - سواء روى عنه واحد أو أكثر - فوجدوه موافقا لحديث الثقات - أو نادر المخالفة -: صرحوا بتوثيقه، أو صححوا حديثه.
قال المزي في " التهذيب " ١٥: ٣٤٤ ف ترجمة عبد الله بن عمر بن غانم الرعيني: " قال أبو عبيد الاجري عن أبي داود: أحاديثه مستقيمة، ما أعلم حدث عنه غير القعنبي
٢) ، لقيه بالاندلس ".
وهذا - مع وضوحه - يحتاج إلى شئ من السبط والشرح، أنقله من جواب خطي وقفت عليه لشيخنا الحافظ الناقد أحمد الصديق الغماري رحمه الله تعالى
١٣٢٠ - ١٣٨٠) ، قال فيه: " إن رد رواية المجهول ليست لذات كونه مجهولا، بل لعدم تحققنا بحاله من جهة الجرح والعدالة، فقد يكون عدلا ضابطا
٣) ، وقد يكون مجروحا ساقطا
٣) ، فلما تردد حاله في علمنا بين الحالتين سقط حديثه، لوجود هذا الاحتمال، لا لذات الجهالة، لانها قد ترتفع ويرتفع معها ضعف الحديث، كالنوم في نواقص الوضوء، فانه ليس ناقضا لذاته …
стр. 24
فكذلك جهالة الرواي بالنسبة لكذبه وتهمته وفسقه، فالاولى
يريد: الجهالة- مظنة لضعف الحديث فحسب، ولاخرى أسباب حقيقة لضعف الحديث، فالمحدث إذا نظر في سند حديث ووجد فيه رجلا مجهولا: حكم بضعفه، لاحتمال ضعف ذلك المجهول، وربما حكم بوضعه، لغلبة الظن عنده بان ذلك المجهول كذاب لاسباب أذكرها بعد إن شاء الله تعالى.
ثم قد يبقى ذلك الحكم مستمرا عنده وعند غيره، لاستمرار الجهل بذلك الراوى عند الجميع، وقد يرتفع ذلك الحكم عنده أو عند غيره لارتفاع جهالة الراوي المذكور، فكم من محدث يجزم بضعف الحديث لظنه بجهالة راو بسنده، ثم بعد ذلك يقف على ترجمته وكونه ثقة معروفا، فيرجع عن حكمه السابق، وكم من حافظ حكم بضعف حديث أو بطلانه معللا ذلك بجهالة بعض الرواة، فتعقبه من بعده بكون ذلك الراوي غير مجهول وأنه معروف إما بالجرح، وقد وقع هذا بكثرة لابن حزم، وعبد الحق، وابن القطان، وابن الجوزي، بل لابن حبان وغيره من المتقدمين، ومن قرأ " اللآلئ المصنوعة " و " اللسان " و " تعجيل المنفعة " رأى من التعقب بمثل هذا على المذكورين وغيرهم الكثير … والمقصود: أن الجهل بالرواي ليس ضعفا حقيقيا، وإنما هو مظنة قد ترتفع، وقد تكون مرفوعة في نفس الامر.
فابن حزم لما ضعف الحديث بجهالة الترمذي: لم يكن تضعيفه واقعا على الحديث إذ ذاك، لكون الترمذي إماما مشهورا حافظا ثقة باتفاق، ولكن ابن حزم جهله، لعدم اشتهار " سننه " بالافدلس في عصره، والكمال لله تعالى.
ثم إن المجهول لا يخلو من أن يكون حديثه معروفا أو مننكرا، فان كان معروفا فجهالته لا تضر، وإن كان منكرا وعرف تفرده به فهو - أي المجهول - ضعيف محقق الضعف حتى لو رفعت جهالته العينية برواية اثنين فصاعدا عنه، أو لم ترفع، فهو ضعيف مجروح خارج من حيز المجاهيل إلى حيز الضعفاء المحقق ضعفهم.
وبهذا الضابط يعرف المتأخرون ضعف الراوي المتقدم عنهم، أو ثقته
١) ، مع أنهم لم يروه ولم يعاشروه، بل يتكلمون في الرواة المتقدمين عنهم بمئات السنين … وذلك أنهم يعتبرون أحاديث الراوي ويتتبعونها، فان وجدوها موافقة للاصول وأحاديث الثقات، ليس فيها تفرد بغرائب ومناكير، وليس فيها قلب ولا غلط ولا تخليط: حكموا بضبط الراوي وثقته
١) ، وإن وجدوها بخلاف ذلك: حكموا بضعفه وأنزلوه بالمنزلة التي تدل عليها أحاديثه من كونه وضاعا أو كثير الخطا فاحشه، أو غير ذلك مما له ألقاب تخصه
٢) .
стр. 25
فإذا جمعت هذا وتدبرته - الخطاب للسائل -: تعلم معنى قول الحفاظ المذكورين: إن المجهول إذا روى عنه ثقة ولم
يات بما- ينكر فحديثه صحيح، لانه إذا أتى بما لم ينكر فذلك دليل على كونه ثقة في يحتمل قصد إبهماه وترك اسمه لئلا يعرف، لكونه ضعيفا: فالحديث صحيح على ما تفيده القواعد.
أما الجمهور الذين نقل مذهبهم الحافظ في " اللسان ": فلم يراعوا هذا التدقيق، وسدوا الباب مرة واحدة، للاحتمال المتطرق إلى ذلك المجهول بكونه ثقة أو كونه ضعيفا، والاحتمال يسقط معه الاستدلال، وأكد لهم ذلك أن أغلب المجاهيل حالهم كذلك - أعني: ضعفاء - لانهم لو كانوا ثقات لاشتهروا وعرفوا بين المحدثين، كما هو حال سائر الثقات.
ولا يخفى أن هذا المنزع فيه ضيق وتشديد، قد يفوت معه كثير من الاحاديث الثابتة في نفس الامر ويضيع العمل بها، وأن مذهب ابن حبان ومووافقيه ممن حكينا مذهبهم أولى بالنظر والقبول، لجمعه بين المصلحتين.
والله أعلم ".
٢ - الثبت: بفتح الثاء المثلثة، وسكون الباء الموحدة وفتحها، وتاء مثناة.
والاولى الاقتصار على
سكون الباء الموحدة، للتمييزيين الرجل الثبت، وبين الثبت الذي هو الكتاب الجامع لشيوخ المحدث ومرواياته.
ومعين " ثبت " في اللغة " المتثبت في أموره.
٣ - المتقن: قال السخاوي ﵀ في " فتح المغيث " ١: ٣٣٧: " لا يزيد الاتقان على الضبط سوى إشعاره بمزيد الضبط ".
فيكون وصف الثقة ب " متقن " في قولهم: ثقة متقن: ديلا على أن ضابط ضبطا أزيد من مطلق الثقة، وهو بدرجة من يوصف ب " ثقة حافظ ".
فقد سئل أبو زرعة عن أبي معمر المنقري عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج فقال: " كان حافظا ثقة ".
قال ابن أبي حاتم ٥
٥٤٩) : " يعني أنه كان متقنا ".
فينظر قول المصنف ﵀ في " الموقظة " ص ٧٦ - ٧٧: " … ثم ثقة حافظ، ثم ثقة متقن "
٢- واشتهر قول الامام عبد الرحمن بن مهدي: " الحفظ: الاتقان " المذكور في " الجرح " ٢: ٣٥ - ٣٦.
стр. 26
ومن كان شانه التثبت في أموره: فهو متقن، ولا يكون ارجل متقنا إلا إذا كان كلما عرض له شك في محفوظ له أزال الشك بالمراجعة.
فالمتقن والثبت سيان متلازمان، ذ لا يتم الاتقان إلا بعملية التثبت.
٤ - وقد يكون الرجل ثقة، ولا يكون حجة، كما يستفاد من قول الامام يحيى بن معين في محمد بن إسحاق صاحب " المغازي ".
ففي رواية الدوري عن ابن معين ٢: ٥٠٤
١٠٤٧) : " ثقة ولكنه ليس بحجة "
١) .
ونحوه قوله في إسماعيل بن أبي أويس: " صدوق وليس بحجة "، كما في " فتح المغيث " ١: ٣٣٨، و " توضيح الافكار " ٢: ٢٦٤ - ٢٦٥.
وقال يعقوب بن شيبة في أحمد بن عبد الله بن يونس اليربوعي: " ثقة وليس بحجة " حكاه في " تهذيب التهذيب " ١: ٥٠، و " فتح المغيث " ١: ٣٣٨.
فإذا قالوا في رجل ما
حجة- فيكون قد جاز قنطرة النظر في حديثه: هل يحتج به أو لا؟ وهذه الالفاظ الاربعة وردت في " الكاشف " ويلحق بها لفظ خامس لم أره فيه - فيما أذكر - أذكره
للفائدة وهو: ٥ - متين: ففي " صحيح ابن خزيمة " ٢: ٣١٢
١٣٧٦- عن الامام محمد بن يحيى الذهلي أنه قال في حجاج الصواف: " متين "، وفسرها ابن خزيمة بانه يريد: " ثقة حافظ ".
ففيها الدلالة على مزيد الحفظ، فهي بمثابة قولهم: متقن، واله أعلم.
٦ - موثق
١٤٨٨) : وظاهر هذا التعبير يفيد أن صاحبه ملحق بالثقة إلحاقا ولم يسلم له وصلوه مرتبة
الثقة) ، فهو دونها، نظير تفرقتهم بين: ضعيف ومضعف، وضعيف ومتكلم فيه، وصحيح ومصحح، وحلال ومحلل … ، لكن عكر علي قول الحافظ في مقدمة " لسان الميزان " ١: ٤ عن رجال " التهذيب ": " إما أئمة موثقون، وإما ثقات مقبولون … "، فوصف الائمة بانهم موثقون، وكذلك جاء النص في النسخة الخطبة من " اللسان " المحفوظ أصلها في مكتبة أحمد الثالث باصطنبول، فقد راجعتها خشية أن يكون صواب ما في النسخة المطبوعة: أئمة موثوقون.
ثم سالت عنها شيخنا اعلامة المحدث الطليع الشيخ عبد الله الصديق الغماري حفظه الله تعالى حين زيارته المدينة المنورة في شهر رجب من هذا العام ١٤١٠، فقال: مراد الحافظ أنهم متفق على ثقتهم.
وهذا المراد هو المتعين من سياق كلامه، لكن هل هذا يسوغ استعمال هذه اللفظة في هذا المقام؟.
والرجل الذي أشرت إلى ترجته برقم
١٤٨٨- وقال عنه المصنف
موثق- قال عنه المصنف نفسه في " الميزان " ٢
٢٦٩٧- حكما من عنده: " ثقة ".
стр. 27
٧ - ومن ألفاظ التعديل في الكتاب: وثقة فلان، مثل: وثقه أحمد، وثقه ابن معين، وثقه النسائي، وثقه الخطيب
١٤٤٠) ، وثقه بحشل
١٠٤٥) ، وثقه العجلي
٣٤٣) ، وثقه ابن حبان
١٢٧) ، وهكذا، يقيد التوثيق برجل من رجال الجرح والتعديل.
فقد يكون الرجل ثقة دون اختلاف فيه وخصه الذهبي بالذكر، وقد يكون فيه اختلاف فاختار توثيقه ونص على من وثقه، ولا تهمني الامثلة كثيرا بقدر ما يهمني التنبيه إلى أن المترجم إن كان ثقة - كما يفيده صريح الكلام - سكت عنه، وإن كان غير ذلك نبهت إليه في التعليق بالنقل عن " التقريب " أو بغير ذلك.
ويلاحظ أن ابن حجر ﵀ يقول غالبا عمن يوثقه الخطيب، ومسلمة بن قاسم القرطبي، ونحوهما: صدوق ويشكل هذا في جانب الخطيب، فانه قد نص في كتابه " الكفاية " ص ٢٢ على أن أرفع عبارات التعديل: " أن يقال: حجة أو ثقة "، فحينما يقول في راو
ثقة) : لا بد أنه راعى هذا الاصطلاح، فكيف ننزل بقوله إلى: صدوق!.
وأما توثيق العجلي: فقد قال المصنف في ترجمة عبد الملك بن سبرة بن الربيع الجهني: " ثقة ضعفه ابن معين " مع أنه لم يذكر فيه إلا توثيق العجلي له فاختاره مع أن ابن معين ضعفه! حتى لو أخذنا بقوله في " الميزان " ٢
٥٢٠٥) : " صدوق إن شاء الله ": لكان مخالفا للمعلمي - ومتابعيه - أيضا، ذلك أنه حكى هناك تضعيف ابن معين، وقول ابن القطان " لا يحتج به "، ومع ذلك قال: " صدوق إن شاء الله ".
وقال في أول ترجمة في " ميزانه ": " قال أبو الفتح الازدي: متروك.
قلت: لا يترك، فقد وثقه أحمد العجلي ".
وفي المطبوع: أحمد والعجلي، والواو زائدة فتحذف، كما في " الرفع والتكميل " ص ٢٧١.
وفي " تهذيب التهذيب " ١: ٤٢٧ ترجمة البراء بن ناجية: " قال العجلي: كوفي ثقة، وذكره ابن حبان في " الثقات "، وأخرج هو والحاكم حديثه في صحيحهما وقرأت بخط الذهبي " في الميزان ": فيه جهالة لا يعرف.
قلت: قد عرفه العجلي وابن حبان فيكفيه ".
وفي " التهذيب " أيضا ٤: ٩ ترجمة سعيد بن حيان التيمي: ذكره ابن حبان في " الثقات " وقال العجلي: كوفي ثقة، ولم يقف ابن القطان على توثيق العجلي، فزعم أنه مجهول ".
وقال أيضا في ترجمة كثير بن أبي كثير البصري مولى عبد الرحمن بن سمرة: " قال العجلي: تابعي ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات … ، وزعم عبد الحق تبعا لابن حزم أنه مجهول، فتعقب ذلك عليه ابن القطان يتوثيق العجلي ".
فهذه شواهد على اعتماد العلماء توثيق العجلي، وأنه ليس كما قال المعلمي ﵀ في " التنكيل " ١: ٦٦، وفي تعليقه على " الفوائد المجموعة، ص ٢٨٢: يوثق المجاهيل من القدماء، وأنه أشد تسهلا من ابن حبان في توثيق التابعين! وليس حال ابن سعد وابن معين والنسائي في التوثيق كما زعم عليهم، بل لقد
جار وقسط في حق ابن معين، وأساء الظن والاتهام لابن عبد البر، وتخرص على السيوطي، رحمهم الله تعالى، انظر " التنكيل " ١: ٦٧، ١٥٢، والتعليق على " الفوائد المجموعة " ٣٠، ٣٥٥، وهو يشهد على نفسه بالتشدد، انظر صفحة
د- من مقدمة " الفوائد ".
стр. 28
وأما موقف الذهبي ممن ينفرد ابن حبان بتوثيقه: فانه تارة يعبر عنه في حق الراوي فيقول: ثقة، وتارة: صدوق، وتارة: وثق - وقد يضع فوقها رمز: حب - ولفت نظري أنه قال في عبد الله بن مالك الهمداني: " شيخ ".
وهو ممن ذكره ابن حبان في " ثقاته ".
ولعلها مرة واحدة لم تتكرر.
أما مرات قوله " ثقة ": فكثيرة، أحصيت منها تسعا وستين مرة، وأما مرات قوله: " صدوق " فقليلة جدا: سبع مرات، وأما استعماله كلمة " وثق ": فكثير جدا لا داعي لاحصائه.
وهذه أرقام تراجم من وثقهم: ٣٥٤، ٣٦١، ٣٨٣، ٧٧٧، ٧٩٥، ٨٠٨، ١٠٧٢، ١٢٨٣، ١٥٠٧، ١٦٠٩، ١٦٢٨، ١٧٤١، ١٧٧٠، ٢١٢٠، ٢١٨٨، ٢٢٥٥، ٢٢٦٤، ٢٣٤١، ٢٣٥٢، ٢٣٥٥، ٢٤٨٩، ٢٦٠٣، ٢٦٢٩، ٢٦٨٣، ٢٧٠٥، ٢٨١٦، ٢٨٣٣، ٢٨٥٨، ٢٩٢٧، ٣٠٣٩، ٣٠٤٣، ٣٠٦٠، ٣٣١١، ٣٣٨٣، ٣٤٧٥، ٣٤٨٩، ٣٥١٢، ٣٥١٥، ٣٥١٨، ٤١٥٤، ٥٠٧٣، ٥١٤٦، ٥٤٢٥، ٥٥٨٩، ٥٦٢٩، ٥٦٧٥، ٥٧٠٠، ٥٩١٥ ٥٧٩٥، ٥٩٣٣، ٥٩٥١، ٦٠٦٤، ٦٠٦٥، ٦١١٥، ٦٣٢٠، ٦٣٢٧، ٦٣٤٨، ٦٣٤٩، ٦٣٧٣، ٦٣٩١، ٦٤١٣، ٦٥٠٣، ٦٦٩٢، ٦٧٣٠، ٦٧٦٧، ٦٨٠١، ٦٨٣٤، ٦٩٠٧، وانظر لزاما التعليق على رقم: ٥٩١٥، ٥٩٣٣.
وأرقام من قال فيهم " صدوق ": ٣٥٣، ٢٨٩١، ٢٩٠٧، ٣٠٠٨، ٣١٤٩، ٣٢١١، ٣٤٦٣.
ولكن لا بد من التنبيه إلى أنه قد يقول " وثق " وفي الرجل توثيق من غير ابن حبان، مثل: صدقة بن المثنى الخعي، وثقه أبو داود وابن حبان، وعاصم العدوي: لم يحك المزي إلا توثيق النسائي - وهو في " ثقات " ابن حبان - فقال الذهبي: وثق، وعباد بن موسى الختلي وثقه ابن معين وأبو زرعة وصالح جزرة وابن حبان، وعباد بن نسيب وثقه ابن معين وابن حبان.
وهذا نادر.
وقد يقتصر المزي على توثيق ابن حبان فيقول الذهبي: وثق، ويكون فيه توثيق من غير ابن حبان، كما
حصل له في سليمان بن سنان.
وهذا نادر أيضا.
وهذا الانحاء الثلاثة التي وقفها الذهبي من توثيق ابن حبان: ثقة، صدوق، وثق، جاء مثلها من ابن حجر في " التقريب "، فهو يقول: ثقة، صدوق، مقبول، وهذا اللفظ الاخير هو الاكثر الاغلب، وهو يعادل من كلام الذهبي: وثق، وهو إولى وأدق من " مقبول "، لان للمقبول اصطلاحا خاصا عند ابن حجر: من لم يرو من الحديث إلا القليل، ولم يثبت فيه ما يترك من أجله، وتوبع، فإذا لم يتابع قال عنه: لين الحديث.
وقد أحصيت من وثقهم ابن حجر في " التقريب " وانفرد ابن حبان بتوثيقهم فبلغ عددهم واحدا وعشرين رجلا، ولا ريب عندي أن هناك آخرين سواهم، وهذه أرقام تراجمهم في " التقريب ": ١٧٠١، ١٨٦٣، ٢١٤٣، ٢١٤٩، ٢٤٤٨، ٢٧٨٥، ٣٠٢٤، ٣٠٤٨، ٣٢١٠، ٤٢١٤، ٤٣٠٧، ٤٤٤٢، ٤٨٢٨، ٥٠٥٢، ٥٠٩٠، ٥٤٧٤، ٧٢٨٠، ٧٧١٠، ٧٧٦٣، ٨٢٠٥، ٨٤١٩، لكنه قال عن هذا الاخير " مقبول " تحت رقم ٤٥٢٤.
وسبقه الذهبي إلى توثيق ثلاثة منهم، وأرقامهم في " الكاشف ": ١٥٠٧، ٥٩٥١، ٦٣٤٨، وهذه أرقام من قال فيهم " صدوق " من " تقريب التهذيب ": ٢٤٣، ٢٧١، ٤٥٣، ٤٩٧، ٥٨٥، ٦٦٨، ٦٩٥، ٦٩٦، ١٢٩٢، ٢٢٢٤، ٢٢٥٢، ٢٢٥٦، ٢٧٦٣، ٣٠٥٩، ٣٠٨٠، ٣٢٠٩، ٣٢٣٢،
стр. 29
٣٣٤٨، ٣٣٧٠، ٣٥٣٠، ٣٥٥٣، ٣٥٦٩، ٣٦٢٤، ٣٧١١، ٣٨٥٩، ٤٠٤٤، ٤٠٦٩، ٤٠٩١، ٤١٨٣، ٤٢٥٣، ٤٢٥٦، ٤٢٦٠، ٤٣٥٤، ٤٦١٧، ٤٦٨٠، ٤٦٩٣، ٤٦٩٧، ٤٧١٨، ٤٨٢٨، ٤٩٠٠، ٤٩١٤، ٤٩٢٩، ٤٩٥٠، ٥٠٦٣، ٥١٣١، ٥٤٨١، ٦١٧٠، ٦٢٨٥، ٦٣٣٤، ٧٧٩٨.
فمجموعهم اثنان وخمسون رجلا، وثمة آخرون جزما.
أما من قال عنهم " مقبول ": فكثيرون جدا لا داعي إلى إحصائهم.
وقد قلبت وجوه النظر كثيرا لا تعرف على ضابط ينتظم في سلكه سبب توثيق - أو تصديق - هذين الامامينلمن انفد ابن حبان بتوثيقهم، فلم أقف على ما أطمئن إليه.
وزعم بعض الناس على الامامين الذهبي وابن حجر أن سبب ذلك عندهما: رواية عدد من الثقات عن
الرجل! وهذا إن صح في عدد من الامثلة، فانه لا يصح في عدد آخر كثير.
فقد اتفق الذهبي وابن حجر على توثيق زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ولم يرو عنه إلا اثنان! في حين أن وهب بن مانوس روى عنه اثنان أيضا، فوثقه الذهبي وقال ابن حجر: مستور.
وميمون بن الاصبغ: وثقه الذهبي وقال ابن حجر: مقبول، وقد روى عنه اثنان وثلاثون رجلا! !.
والزبير بن الوليد: وثقه الذهبي وقال ابن حجر: مقبول، ولم يرو عنه سوى واحد! !.
وإسماعيل بن إبراهيم الكرابيسي: روى عنه أربعة، ووثقه الذهبي، وقال ابن حجر: لين الحديث.
وعبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، وعبد الله بن واقد بن عبد الله بن عمر، وعبد الله ابن الوضاح اللؤلؤي، روى عن كل منهم أكثر من عشرة، وقال عنهم ابن حجر: مقبول، ووثقهم الذهبي.
في حين أن ابن حجر قال صدوق عن كل من: عبد الوهاب بن عبد الكريم الاشجعي، ومحمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، ومحمد بن مزاحم، والوليد بن سريع، وقد روى عن كل واحد منهم عشرة فاكثر، فما الفرق بينهم وبين من قبلهم؟ ! أما الذهبي فوثقهم أيضا.
وشريك بن حنبل العبسي قال فيه الذهبي هنا: وثق، وقال في " الميزان " ٢
٣٦٩٣) : " لا يدرى من هو، ووثقه ابن حبان " ولم يرو عنه إلا اثنان، ومع ذلك قال ابن حجر: ثقة!.
في أمثلة كثيرة لا داعي إلى الاطالة بها، لكنى أنبه القارئ الكريم إلى ضرورة التنبه إلى هذه الجوانب أثناء قراءة التعليقات، فقد كنت أشير إليها إشارة دون تصريح، إما بنقل كلام ابن حجر " مقبول "، وإما بالاحالة على ترجمة المترجم من " ثقات " ابن حبان بذكر الجزء والصفحة.
واختلاف هذين الامامين في الحكم على الرجل، بل تباينهما في الحكم - من: ثقة إلى: لين، ومن: ثقة إلى: مستور - لهو أذل دليل على عدم صحة اعتبارهما كثرة الرواة الثقاتعن رجل، مع توثيق ابن حبان له: سببا لتوثيقه.
أما ما جاء في " فتح المغيث " ١: ٢٩٨: " كثرة رواية الثقات عن الشخص توقي حسن الظن فيه " ففيه: أن هذا أمير غير التوثيق والتصديق، كما هو واضح من العبارة نفسها، ومن سياقهما هناك، وفيه أيضا: أن هذا
стр. 30
حكم عام، فلا ينسحب على أحكام إمامين لا ندري ما موقفهما منه، قبلاه أو رداه، لا سيما أن في كتابيهما أمثلة تخالف ما فهم من كلامهما.
والله أعلم.
وخلاصة هذا كله: أن هذين الامامين كثيرا ما ياخذان توثيق ابن حبان بالاعتبار والاعتماد، يضاف إليهما اعتماد أئمة آخرين عليه، منهم: الحافظ الزيلعي ﵀ صاحب " نصب الراية "، فانه قال ١: ٧٣ عن حديث زينب السهمية عند ابن ماجه: " سنده جيد "، من أجل أن ابن حبان ذكرها في " ثقاته "، مع أن الدارقطني قال عن حديثها في " سننه " ١: ١٤٢: " مجهولة لا تقوم بها حجة " وقال ابن حجر: " لا يعرف حالها " ولم يرو عنها سوى اثنين: أخيها شعيب، وابنه عمرو، فهذا ذهاب منه إلى توثيق ابن بان لها، والله علم.
وانظر منه ٢: ٣٢.
ومنهم: زميله ومرافقه العراقي، فانه لما عمل كتابا في الرجال - وكتب منه قسما يسيرا فقط
١- - كان يحرص جدا على حكاية توثيق ابن حبان للرجل، ولو كان فيه توثيق عدد من غيره من الائمة.
وتجد هذه النقول في " حاشية الكاشف " هذه ابتداء من رقم ١٧ إلى ٢٠٠، فتأملها تجد أسلوبه وعبارته يدلان علياهتمامه به، وانظر على سبيل المثال رقم ١٤٩، ١٥٤.
وورث عن الحافظ العراقي هذا تلميذان: نور الدين الهيثمي، وسبط ابن العجمي.
أما الهيثمي: فمشهور بذلك في كتابه " مجمع الزوائد ".
وأما البرهان سبط ابن العجمي: فقال في مقدمة كتابه " نثل الهميان في معيار الميزان " - الآتي وصفه صفحة ١٣٢ - وهو يذكر منهجه في استدراكاته على " ميزان الاعتدال ": " ورأيت المؤلف قد اقتصر على تضعيف أشخاص أو تجهيلهم، وقد ذكرهم بعض الحفاظ … وغالبهم في " ثقات " ابن حبان.
فان قيل: وإذا كان كذلك فما فائدة ذكرك إياه من " ثقات " ابن حبان؟.
فالجواب: أنه يكون قد اجتمع فيه جرح وتعديل، وهذه مسالة خلاف.
فان قيل: إن المؤلف قد قال في " الميزان " في ترجمة عمارة بن حديد - ٣
٦٠٢٠- -: لا يفرح بذكر ابن حبان له في " الثقات "، فان فقاعدته معروفة من الاحتجاج بمن لا يعرف، انتهى.
وقال في " الكاشف " في ترجمة يوسف بن ميمون -
٦٤٥٥- -: ضعفوه، فلا عبرة بذكر ابن حبان له في " الثقات " - انتهى:
فجوابه: أن ذكر ابن حبان في " الثقات " له شئ في الجملة
٢) ، كيف وقد قال الامام الحافظ المحقق أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الملكبن يحيى بن إبراهيم الحميري الكتامي الفاسي ابن القطان، في
стр. 31
كتاب " بيان الوهم والايهام الواقعين في كتاب الاحكام " لعبد الحق - وهو كتاب نفيس جدا، يدل على فرط ذكائه وكثره حفظه ومعرفته، وقد وقفت عليه بالقاهرة، ووقفت على ترتيبه على ترتيب عبد الحق، للامام علاء الدين مغلطاي البكجري بخطه، ولكن لم أمعن النظر فيه -: " إن الشخص إذا زكاه واحد من أئمة الجرح والتعديل مع رواية واحد عنه: قبل، وإلا فلا ".
انتهى.
وهذا اختيار له، وهو قول من خمسة أقوال في مجهول العين ".
انتهى كلام البرهان.
وتلمى العراقي الثالث - وهو ابن حجر - وتقدم أمره، وهذا نقل آخر عنه.
قال في " فتح الباري " ٩: ٥٩١ كتاب العقيقة - باب إماطة لاذى عن الصبي، عن حوثرة بن محمد: " احتج به ابن خزيمة في " صحيحه "، وذكره ابن حبان في " الثقات "، فالاسناد قوي، ألا أنه شاذ … " ولم يعله بحوثرة.
راعتمد في " الفتح " ٧: ١٦٠ آخر باب القسامة في الجاهلية رواية عيسى بن حطان قة عمرو بن ميمون راجم القردة، وعيسى لم يوثقه غير ابن حبان.
وانظر لزاما " فتح القدير " لابن الهمام ١: ٦٧.
ومن المعاصرين: العلامة الشيخ أحمد محمد شاكر رحمه الله تعالى، فانه يعتمد ذلك كثيرا في تعليقاته على " مسند أحمد " و " سنن الترمذي " وغيرهما.
وكذلك شيخنا جهبذ العصر مولانا العلامة الحجة الشيخ حبيب الرحمن الاعظمي حفظه الله ورعاه، فقد كتب إلي في جواب سؤالي عن رأيه في ذلك: " وأما توثيق ابن حبان إذا انفرد: فهو مقبول عندي، معتد به، إذا لم يات بما ينكر عليه ".
ثم جاءني جواب شيخنا العلامة حافظ المغرب الشيخ عبد الله الصديق الغماري حفظه الله تعالى، وفيه جواب ممائل لجواب شيخنا الاعظمي، فالمعنى هو المعنى، والاستدلال هو هو!.
وسيأتي تمام ذلك إن شاء الله عند الحديث عن المجاهيل ص ٥٥.
وقبل إنهاء الحديث عن هذه الفقرة السابعة: أنبه إلى ضرورة التنبه إلى ما في قولهم حين حكاية توثيق راو عن عدد من الائمة، يقولون: وثقه فلان وفلان … ، ويكون من جملة هذه التوثيقات: لا باس به، محله الصدق، ونحوهما من الالفاظ النازلة عن مرتبة: ثقة.
ويقولون أحيانا: حديث كذا: رواه من الثقات فلان وفلان … ، ويذكرون بينهم من فيه كلام كثير بحيث لا يوثق بحال، نعم، هو غير مدفوع عن الصدق، كقول الدارقطني في " سننه " ١: ٨٩: " خالفه جماعة من الحفاظ الثقات، منهم: زائدة بن قدامة، وسفيان الثوري..، وحجاج بن أرطاة "، مع ما تراه من كلامه فيه ٣: ١٧٤ - ١٧٥، ومن جملته: " ترك الرواية عنه سفيان بن عيينة ويحيى بن سعيد القطان وعيسى بن يونس بعد أن جالسوه وخبروه، وكفاك بهم علما بالرجال ونبلا ".
ونحو هذا: قولهم: ضعفه فلان وفلان..، ومراتب ألفاظهم في تضعيفه متفاوتة.
وانظر ص ٧٦.
٨ - ومن ألفاظه: صدوق، ويستعمل: صدقه فلان، كما يقولون: ثقة، ورثقه فلان، وضعيف، وضعفه فلان.
قال في أحمد بن عبد الرحمن البسري: " صدقه أبو حاتم ".
стр. 32
وسلف المصنف في هذا الاستعمال: ابن عدي، فانه قال آخر ترجمة عاصم بن علي الواسطي من " الكامل " ٥: ١٨٧٦: " ضعفه ابن معين، وصدقه أحمد بن حنبل وصدق أباه وأخاه ".
والحديث عن كلمة
صدوق- ومراحلها في استعمالات الائمة لها: طويل، ويستاهل أن يفرد في جزء، لكن مما يفيد ذكره هنا - مع التنبيه إلى ضرورة نقل كلمات الجرح والتعديل على وجهها - ما أسنده الامام مسلم في " التمييز " ص ١٧٦
٢٣- إلى شعبة بن الحجاج أنه قال: " شك ابن عون إصدق عندي من حديث آخر عندكم، صدوق صدوق ".
ف
صدوق- هنا: بمنزلة قوله: ثبت، إو متقن، أو حجة، يريد بها التأكيد على شدة ضبط ابن عون، بقرينة أول كلامه، ومن الخطا الكبير في مثل هذه الحال أن يقال مثلا: قال شعبة في ابن عون: صدوق، مرة واحدة، أو مرتين، دون نقل صدر كلامه.
٩ - واستعمل ﵀: صدق، قال ذلك في سليمان بن منصور البلخي، وهي مثل قولهم: وثق،
وضعف.
١٠ - واستعمل أيضا: ضعف، قالها في إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر.
١١ - وكذلك: لين، قالها في محمد بن عثمان بن صفوان الجمحي.
ويلزم من استعماله هذه الالفاظ الاربعة: وثق، صدق، لين، ضعف: أن تكون قد قيلتفي الرجل، فلا يصح لي أن أقول في فلان
وثق- إلا وقد قيل فيه: ثقة، وهكذا سائرها، لكنك تجد في التعليق على سليمان بن منصور أني لم أجد في ترجمته من قال فيه
صدوق- وإن كان الرجل من أهل هذه المرتبة.
وقال عن محمد بن عثما الجمحي: " لين " - وضبطها كذلك بقلمه - وبمراجعة ترجمته في مصادرها الاصلية والآخذة عنها تبين أن أبا حاتم قال فيه ٨
١٠٨) : " هو منكر الحديث، ضعيف الحديث "، فلم يقل فيه أحد
لين) ، وحاله أشد ضعفا من حال من فيه تليين.
وحصل له نحو هذا في محمد بن فليح
٥١١٦) .
ولم أضبط أبدا كلمة " لين " لا بفتح اللام ولا بضمها، لاحتمال رسمها الوجهين، ويترتب عليه اختلاف المعنيين، هل هي بفتح اللام، وتكون حكما من المصنف على الرجل، أو بضم اللام، وتكون حكاية منه لقو الآخرين المتقدمين؟ وإن كنت أرچح أنها بضم اللام، على شاكلة استعماله الالفاظ الاخرى: وثق، صدق، ضعف، فانها لا تحتمل وجها آخر، ولكون المصنف ضبطها كذلك في الموضع المشار إليه
٥٠٤١) .
وقد استعمل " لين " - كما رأيت - فيمن بلغ مرتبة التليين وزيادة.
واستعمل " ضعف " في إسماعيل بن إبراهبم بن مهاجر، وقد اتفق على تضعيفه، بل استعملها في سليمان بن عبد الحميد البهراني موضع قول النسائي: " كذاب ليس بثقة "! فلا بد من مراجعة المصادر الاصلية، أو المصادر التي تعنى بنقل ألفاظ الجرح والتعديل بدقة، ومنها كتاب الامام المزي " تهذيب الكمال " - غالبا -.
стр. 33
ويحتم مراجعة الاصول: أن المصنف قد لا يعبر بما يعطي مدلولا تاما للكلمة الاصلبة في الرجل، مثال ذلك قوله في داود بن رشيد الطفاوي: " لينه ابن معين " مع أن لفظه - كما نقلته في التعليق عليه -: " ليس بشئ ".
وفرق كبير بين اللفظين.
ومثله تماما ما حصل له في ترجمة داود بن عبد الله الاودي - وإن كان فيه متابعة للمزي في وهم حصل له -.
وبمناسبة حديثي عن تحتم مراجعة الاصول أصور للقارئ ما حصل لي الآن.
كتبت في المسودة هذا الكلام الذي تراه، وأن التليين شئ، و " ليس بشئ "، شئ آخر، وأن الفرق بينهما كبير، ثم رأيت في " تهذيب التهذيب ٨: ٣٩٣ ترجمة قيس بن الربيع الاسدي: " وقال المروذي: سالت أحمد عنه فلينه وقال: كان وكيع إذا ذكره قال: الله المستعان ".
ففهمت منه أن " وقال " معطوف على " فلينه "، ويكون المعنى حينئذ أن حكاية الامام أحمد كلام وكيع: استدلال منه على تليينه.
والمال: أن تعبير المصنف ب " لينه ابن معين " عن " ليس بشئ ": أمر سائغ مستعمل نظيره من المتقدمين، فلا يستنكر وقوعه من المصنف.
هكذا فعلت، كتبت إشارة إلى هذا النص في المسودة، ولما وصلت إليه الآن، بدا لي أن إعدل عما كتبت كليا، أو أن أتركه كما هو، وأنبه إلى هذا النص، وأرجع إلى مقتضاه.
لكني طبقت المبدأ اذي مشيت عليه خلال خدمتي الكتاب جميعه، والمبأ الذي أدعو إليه قبل سطر واحد، فرجعت إلى رواية المروذي عن الامام أحمد فرأيت فيها ما يلي: جاء في فقرة
٢٠٦) : " سألته عن قيس بن الربيع، فلينه، قلت: أليس قد روى عنه شعبة؟ قال: بلى ".
ثم جاء في فقرة
٢٢٨) : " وقال - أحمد -: كان وكيع إذا ذكر قيس بن الربيع قال: الله المستعان "، فلا ارتباط لفظي بين الفقرتين، إعني: أن قوله: " وقال: كان وكيع … " ليست تفسيرا للتليين ولا للاستدلال عليه، ورأي الامام أحمد فيه: التليين، أما رأئ وكيع فيه: فاتضعيف الشديد، لان قولهم: " الله المستعان " في رجل ما، من مراتب الجرح الشديد، كما قرره بشواهده شيخنا العلامة المحقق الكبير الاستاذ الشيخ عبد الفتاح أبو غدة حفظه الله تعالى في تعليقاته على " الرفع والتكميل " ص ١٧٣ فما بعدها، وهذا النص الذي ذكرته: منها.
ومن النظر في " ثقات " ابن حبان ٥: ٢٥٦، و " المجروحين " له ١: ٣٥٧ يبدو أن قولهم " الله المستعان " من المرتبة الثانية، كما هو ظاهر كلام شيخنا آخر بحثه.
فتبين من مثال شاهد قريب ضرورة الرجوع إلى المصادر الاصلية، لتكون النتائج: " سددوا وقاربوا ".
وقد كنت حريصا على لفتالنظر إلى هذا المعنى في التعليق بقدر ما أمكنني التنبه له والتنبيه إليه، ومع ذلك أدعو القارئ إلى أن لا يقف عند حدود تنبيهاتي، بل عليه بالرجوع إلى المصادر الاصول، فانها خزائن العلم ومعادنه.
١٢ - ومن ألفاظه في التعديل: " محله الصدق "
٢٠٥٢) ، وهي دون قولهم: " صدوق " وقريب جدا من
стр. 34
قولهم: صدوق إن شاء الله، حيث إن كليهما ليس فيه جزم ببلوغ الراوي مرتبة الصدوق، لان معنى
محله الصدق) : أنه مظنة الصدق.
وإذا كنا نحسن حديث الصدوق، فمن يقال فيه
محله الصدق) : نتوقف في تحسينه.
قال ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " ٢: ١٣٣ آخر ترجمة إبراهيم بن مهاجر البجلي: " سمعت أبي يقول: إبراهيم بن مهاجر ليسبقوي، هو وحصين بن عبد الرحمن، وعطاء بن السائب قريب بعضهم من بعض، محلهم عندنا محل الصدق، ويكتب حديثهم ولا يحتج بحديثهم، قلت لابي: ما معنى لا يحتج بحديثهم؟ قال: كانوا قوما لا يحفظون، فيحدثون بما لا يحفظون، فيغلطون، ترى في أحاديثم اضطرابا ما شئت ".
أي: كثيرا.
فبان بهذا أن " محله الصدق " وصف للرجل سيئ الحفظ، وأن الاضطراب الواقع في روايته: عن غير قصد وسوء نية، فهو مدفوع عن الضبط لا عن مطلق الصدق، قال الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى في " التدريب " ص ٢٣٢: " إن " صدوقا " مبالغة في الصدق، بخلاف " محله الصدق "، فانه دال على أن صاحبها محله ومرتبت مطلق الصدق ".
وبان بهذا أيضا أن " محله الصدق " و " ليس بقوي " و " يكتب حديثه ولا يحتج به " كلها بمرتبة واحدة سواء عند الامام أبي حاتم، وأرى أنها لا تختلف عند غير أيضا، على أن هذه الالفاظ لا تكثر إلا في كلام أبي حاتم، سوى " ليس بقوي " فانها تكثر ف كلامهم جميعا.
١٣ - وفي الكتاب ألفاظ متقاربة، ويلحق بها ألفاظ أيضا تقرب منها من حيث المدلول وهي من زمرتها
اللظة، فانا أجمعها إلى بعضها وأشير إلى مراتبها.
١ " - لا بأس به.
٢ " - ليس به باس.
٣ " - ما أرى به باسا.
٤ " - لا أعلم به باسا.
٥ " - أرجوا أنه لا باس به.
٦ " - ليس بحديثه باس.
هذا ترتيبها فيما أرى.
والله أعلم.
أما اللفظة الاولى والثانية: فمن مرتبة واحدة تماما.
والثالثة والرابعة دونهما، إذ في الاوليين جزم، وإشارة إلى أنه حكم عام، منه ومن غيره، أما هاتان ففيهما الخلو عن هذين الملحظين.
و" ما أرى " بمعنى " لا أعلم ".
وأما الخامسة: فواضح أن نفي الباس عنه من باب الرجاء، و " لا يلزم من عدم العلم حصول الرجاء "
١) .
وأما السادسة: فاخرتها لاننفي الباس عن حديثه لا عنه ذاته، وقد يكون مراد قائلها أن جملة أحاديثه مستوية لا باس بها، أما الرجل فله فيه وقفة، وقد يكون مراده حديثا معينا سئل عنه فنفى عنه الباس.
والله أعلم.
стр. 35
ثم إنه اشتهر أن ابن معين يسوي بين " لا باس به و " ثقة ".
شهر ذلك عنه الامام ابن الصلاح في " مقدمته " في النوع الثالث والعشرين: معرفة من تقبل روايته ومن ترد، تحت المسالة الخامسة عشرة ص ١٣٤ من حاشية العراقي عليه، معتمدا على ما حكاه عن ابن معين تلميذه وراويته ابن أبي خيثمة، قال: " قال ابن أبي خيثمة: قلت ليحيى بن معين: إنك تقول: فلان ليس به باس، وفلان ضعيف، قال: إذا قلت لك " ليس به باس ": فهو ثقة، وإذا قلت لك " هو ضعيف " فليس بثقة، لا تكتب حديثه ".
ولم يحك هذه التسوية عن ابن معين أحد قبل ابن الصلاح، وتوبع على ذلك، ويبدو لي في هذا الحكم وقفة.
فالتامل في القصة يفيد أن ابن معين أراد في الشطر الاول من كلامه القبول العام، كما أنه أراد في الشطر الثاني الرد العام، فهو لم يرد من قوله: " فهو ثقة ": الثقة الاصطلاحية، إنما أراد القبول الشامل للثقة، ومن دونه بقليل بحيث لا يخرج عن دائرة القبول: ثقة، قوي، صدوق، لا باس به.
وأراد بقوله: " ليس بثقة ": غير مقبول، ولم يرد المرتبة الشديدة الضعف التي ينف عن صاحبها العدالة والضبط معا، فهي كقولنا: متروك، ساقط، واهي الحديث.
وإلا للزم أن نقول: من قال فيه ابن معين " ضعيف: فهو غير ثقة، أي: من المرتبة الثالثة من مراتب الجرح، في حين أن كلمة
ضعيف- من ألفاظ المرتبة الخامسة.
وخالفه العراقي في " شرح ألفيته " ٢: ٧ في التسوية بين: لا باس به، وثقة
١) ، فقال: " قلت: ولم يقل ابن معين: إن قولي: ليس به باس كقولي: ثقة، حتى يلزم منه التساوي بين اللفظين، إنما قال: إن من قال فيه هذا: فهو ثقة، وللثقة مراتب، فالتعبير عنه بقولهم
ثقة- أرفع من التعبى عنه بانه لا باس به، وإن اشتركا في مطلق الثقة.
والله أعلم ".
وتابعه الكمال ابن الهمام في " التحرير " ٢: ٢٤٨.
بشرح ابن أمير حاج عليه.
ويدل على أن " لا باس به ": دون " ثقة ": ما جاء في " تاريخ عثمان بن سعيد الدارمي
٢٤٤ - ٢٤٦) : " وسالته عن مندل بن علي؟ فقال: ليس به باس.
قلت: وأخوه حبان بن علي؟ فقال: صدوق.
قلت: إيهما أحب إليك؟ فقال: كاهما وتمرا.
كانه يضعفهما "
٢) .
فانظر كيف سوى بين: صدوق، ولا باس به، فقال: " كلاهما وتمرا "، وانظر إلى تعليق الدارمي عليه:
стр. 36
" كانه يضعفهما " والدارمي تلميذ ابن معين وراويته ومشاهد لحركاته وهيئته حين يجيبه، وينقل هذه المشاهد مع نقله لالفاظه ويعبر عنها بقوله هذا.
ومثله تماما ما جاء في المصدر المذكور
٣٣٤) : " سألته عن الربيع بن صبيح؟ فقال: ليس به باس، وكانه لم يطره، قلت: هو أحب إليك أو المبارك - بن فضالة -؟ فقال: ما أقربهما ".
وهذا لا ينع أن يوجد راو يقول فيه ابن معين: لا باس به، ويقول غيره - أو هو نفسه في مقام آخر -: ثقة.
أما تفسير هذا الحوار بين ابن معين وتلميذه ابن أبي خيثمة بانهما كلمتان متساويتان: فهذا بعيد.
والله أعلم.
١٤ - حديثه مقارب، مقارب الحديث
١٤٢٢، ٢٤٨٣) .
والصواب في ضبط الراء جواز كسرها وفتحها، على معنى التعديل، خلافا لمن قصر الكسر على معنى التعديل، والفتح على التجريح.
قال العراقي في " حاشيته على ابن الصلاح " ص ١٣٧: " وهما على كل حال من ألفاظ التوثيق … ، وممن ذكره من
ألفاظ التوثيق الحافظ أبو عبد الله الذهبي في مقدمة " الميزان.
".
ونقل كلامه السيوطي في " التدريب " ص ٢٣٥ ووافقه، ولم أر في مقدمة " الميزان " المطبوع شيئا.
نعم هو في آخر مراتب ألفاظ التعديل، المرتبة الرابعة عند العراقي، والمرتبة السادسة عند السخاوي - انظر " الفع والتكميل " ص ١٥٠، ١٦٤ - مع قولهم: صدوق إن شاء الله، صالح الحديث، جيد الحديث، حسن الحيث، صويلح.
وحديث هؤلاء لا يحسنونه.
لكن الامام الترمذي نقل في " سننه " ٥: ٣٠٥
و" العلل الكبرى " ٢: ٦٧٧ عن الامام البخاري أنه قال في الوليد بن رباح: " مقارب الحديث " وجاء في " العلل الكبرى " ٢: ٩٦٧ قول البخاري نفسه في الوليد نفسه: " حسن الحديث ".
أما الترمذي فقال عنه حديثه المشار إليه: " حسن غريب ".
وروى الترمذي حديثا قبل المشار إليه ٥: ٣٠٤
١٥٧٨- من طريق بكار بن عبد العزيز بن أبي بكرة، وقال من عند نفسه: " مقارب الحديث " وقال عن الحديث: " حسن غريب ".
لكنه في " العلل الكبرى " ٢: ٩٧٦ نقل ذلك عن البخاري.
وقال في كلامه على الحديث الثالث من " سننه ": " عبد الله بن محمد بن عقيل صدوق، تكلم فيه بعض أهل العلم من قبل حفظه.
وسمعت محمد بن إسماعيل يقول: كان إحمد بن حنبل وإسحاق بن إبراهيم - ابن راهويه - والحميدي يحتجون بحديث عبد الله بن محمد بن عقيل.
قال محمد - هو البخاري أيضا -: وهو مقارب الحديث " فمثل هذا لا ينزل حديثه عن الحسن مع قوله " مقارب الحديث ".
بل لقد حسن البخاري نفسه حديثه المروي في " سنن الترمذي " ١: ١٤٨
١٢٨- باب ما جاء في المستحاضة أنها تجمع بين الصلاتين بغسل واحد - وفي المطبوع الذي أعزو إليه: حسن صحيح، وأرى أنها زيادة غير صحيحة - وعطف عليه قوله: " وهكذا قال أحمد بن حنبل: هو حديث حسن صحيح " وهي زيادة صحيحة ثابتة في أكثر من أصل خطي قويم.
خلاصة ذلك: أن قول البخاري أو تلميذه الترمذي في رجل " مقارب الحديث " من ألفاظ تحسين الحديث الحسن الاصطلاحي، وقد قال في " سننه " ١: ٢٥٤ عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم: " رأيت البخاري يقوي أمره ويقول: هو مقارب الحديث ".
стр. 37
وينبي التنبه إلى إن هذه المرتبة المتأخرة لكلمة " مقارب الحديث " من قبل متاخري علماء الجرح والتعديل: إنما هي فيما إذا اطلقت وحدها، ولم يقترن معها كلمة ترفعها إلى مستوى إعلى، كقول الامام البخاري الذي رواه عنه الترمذي في " العلل الكبرى " ٢: ٩٨١: " أحاديث أهل العراق عن زهير بن محمد - التميمي الخراساني - مقاربة مستقيمة ".
فزاد وصفها بالاستقامة.
وقال في أواخر كتاب فضل الجهاد ٥: ٣٧٦
١٦٦٦) : " إسماعيل بن رافع ضعفه بعض أهل الحديث، وسمعت محمدا يقول: هو ثقة مقارب الحديث " - وإن كان المعتمد في إسماعيل الضعف -.
وقال في " سننه " ٩: ٧
٣٢٥٠- من قبل نفسه عن حجاج بن دينار: " حجاج ثقة مقارب الحديث "، ونقل في " العلل الكبرى " ٢: ٩٦٩ عن البخاري قوله في حجاج نفسه: " مقارب الحديث ".
ذلك أن إحدى الكلمتين ترشح للاخرى شيئا من معناها، فثقة صدوق - مثلا - أعلى من: صدوق فقط، لما تستفيده كلمة
صدوق- من كلمة
ثقة) ، كما أن كلمة
صدوق- تؤثر على كلمة
ثقة) ، ف
ثقة صدوق- أدنى من كلمة
ثقة- وحدها.
فكذلك كلمة " ثقة تعطي كلمة " مقارب الحديث " حين اقترانها بها شيئا من القوة.
ومما يستفاد من هذا الاقتران بين الكلمتين على لسان هذين الامامين: البخاري والترمذي: أن كلمة " مقارب الحديث " ليست من ألفاظ الجرح، كما جاء في التعليق على " العلل الكبرى " ٢: ٩٧٠: " وخلاصة القول: أن قول البخاري عن رجل " مقارب الحديث " هو جرح للراوي " ".
إذ كيف يجتمع لفظة توثيق وتجريح في آن واحد في رجل واحد!.
وانظر منه أيضا ٢: ٩٦٢.
١٥ - صالح الحديث: من ألفاظ التعديل الاخيرة قولهم: صالح الحديث، ففيه نوع ثناء على ضبط الرجل، وتقدم أنهم جعلوها مع: مقارب الحديث، وهذا لا شئ فيه يحتاج إلى تنبيه.
لكن الذي يحتاج إلى تنبيه: هو التفرقة بين هذا اللفظ، وبين اللفظ الآتي: ١٦: صالح.
فانه ثناء على ديانة الرجل، وقد نبه إلى هذه التفرقة الحافظ ابن حجر ﵀ في " الكنت على ابن الصلاح " ٢: ٦٨٠، فانه قال: " وقول الخليلي: إنه - أي أبا زكير - شيخ صالح: أراد به في دينه، لا في حديثه، لان من عادتهم إذا أرادوا وصف الراوي بالصلاحية في الحديث قيدوا ذلك فقالوا: صالح
الحديث، فإذا أطلقوا الصلاح فانما يريدون به في الديانة ".
وقال في " تهذيب التهذيب " ١: ٢٢٢ ترجمة إسحاق بن إبراهيم الحنيني: " قال ابن أبي حاتم عن أبي زرعة: صالح.
يعني في دينه لا في عدالته ".
١٧ - مشهور: كلمة تقتضي شهرة الرجل جهالته، ويظهر من عبارة الحافظ ابن حجر ﵀ الآتية قريبا - أنها تقتضي عدم جهالة عينه، أي: إن من قيل فيه
مشهور) : فهو معروف العين، قد ارتفعت عنه جهالة عينه.
وينبغي أن يفرق بينها وبين كلمة أخرى هي: ١٨ - مشهور الحديث.
وشهرة الحديث غير شهرة الرجل، فقد يكون حديثه مشهورا بين الرواة - أو الناس -
стр. 38
من غير طريقه، أما هو فمجهول، ولا يضره إن يكون حديثه غير مشهور إذا كان هو مشهورا بين علماء الحديث.
نقل المزي في " تهذيبه " ٧: ٧ في ترجمة حفص بن حسان أن النسائي قال فيه: مشهور، فتعقبه مغلطاي بان النسائي إنما قال: مشهور الحديث، وأخذ كلامه الحافظ فقال في " تهذيب التهذيب " ٢: ٣٩٩: " قلت: لفظ النسائي: " مشهور الحديث "، وهي عبارة لا تشعر بشهرة حال هذا الرجل، لا سيما ولم يرو عنه إلا جعفر بن سليمان، ففيه جهالة ".
فافادنا هذا القول التفرقة بين هاتين الكلمتين، وأن " مشهور " فقط تدل على رفع جهالة عين الرجل.
والله أعلم.
١٩ - وورد في التعليق على ترجمة القاضي القامس بن معن المسعودي قول الامام أحمد فيه: " مستور ثقة ".
وهو كثير الورد في " تاريخ بغداد " سواء من الخطيب نفسه أو مما ينقله عن غيره
١) .
وظاهر هذا التعبير مشكل، إذ كيف يكون ثقة وهو مستور، والمستور في الاصطلاح: من عرفت عدالته الظاهرة، وجهلت عدالته الباطنة، والثقة: من عرفتعدالته الظاهرة والباطنة وكان ضابطا.
وكنت سالت عن هذا الاشكال عام ١٣٩٢ شيخنا محدث المغرب الشيخ عبد الله الصديق الغماري حفظه الله تعالى، فأجابني بجواب نقلته فيما علقته على نسبة
الشيرجي- من " الانساب " للسمعاني رحمه الله تعالى ٧: ٤٥٦، وهذا نصه: " أما قول الخطيب " مستور ثقة ": فيقصد بقوله: " مستور " مجهول العدالة في
الباطن مع كونه عدلا في الظاهر، وهو أحد أنواع المجهول الثلاثة، وقد قطع الاما سليم الرازي بالاحتجاج بروايته، قال ابن الصلاح: ويشبه أن يكون العمل على هذا الرأي في كثير من كتب الحديث المشهورة، وصحح النووي الاحتجاج به أيضا، ومثل هذا لا يقال عنه
ثقة- إلا مع لفظ
مستور) ، كما يفعل الخطيب، لافادة أن عدالته ظاهرية، وليترك للناظر في روايته حرية الاخذ بها أو عده، حسبما يقتضيه اجتهاده ويحثه، وعند التعارض تقدم عليها رواية من يقال فيه: ثقة أو صدوق ".
ثم رأيت ابن أبي يعلى حكى في " طبقات الحنابلة " ١: ١٢٧ في ترجمة الامام أبي القاسم الجنيد ﵁ قصة تدل دلالة واضحة على أن
مستور- كلمة تستعمل في ذاك الوقت وبعده للدلالة على وصف الرجل بالعفة والفضل والكرامة، وما شابه هذه المعاني، - وهي في " القاموس " بمعني: العفة - وقد كان القاسم بن معن المسعودي المذكور أول هذه الفقرة موصوفا بهذه المعاني، كما يظهر من ترجمته في التهذيبين، ومن " أخبار القضاة " ٣: ١٧٥.
وهذه حكاية ابن أبي يعلى: ١ " - قال: قال الجنيد: " رجاء رجل إلى أبي عبد الله أحمد بن حنبل ومعه غلام حسن الوجه، فقال له: من هذا؟ قال: ابني، فقال أحمد: لا تجئ به معك مرة أخرى، فلما قام قيل: أيد الله الشيخ، رجل مستور، وابنه أفضل منه! فقال أحمد: الذي قصدنا إليه من هذا ليسيمنع من سترهما، على هذا رأينا أشياخنا، وبه خبرونا عن أسلافهم ".
ثم وقفت على نصوص كثيرة تدل على المعنى الذي قدمته، وعدد منها جاء في تراجم الاندلسيين، مما صحح ظني السابق أنها كلمة محلية
بغدادية) .
وهذه بعض النصوص:
стр. 39
٢ " - جاء في كتاب " علل الحديث " لابن أب حاتم ١: ١٣١: " سالت أبي عن حديث رواه الزهري، وأسامة بن زيد، ونافع، وابن إسحا، والوليد بن كثير، عن إبراهيم بن عبد الله بن حنين، عن أبيه، عن علي: نهاني رسول الله ﷺ عن القراءة راكعا.
" ورواه الضحاك بن عثمان، وداود بن قيس الفراء، وابن عجلان، عن إبراهيم بن عبد الله بن حنين، عن أبيه، عن ابن عباس، عن علي، أيهما الصحيح؟
قال أبي: لم يقل هؤلاء الذين رووا عن أبيه: " سمعت عليا " إلا بعضهم.
وهؤلاء الثلاثة [الذين زادوا: عن ابن عباس] مستورون، والزيادة من الثقة مقبولة … "، فجاءت منه بمثابة: ثقات، لكن لا يلزم أن يكون ثقة بالمعنى الاصطلاي الذي يقال عن حديث صاحبه: صحيح، كما تقدم التنبيه إلى هذا آخر الفقرة السابعة، ص ٣٣.
٣ " - وقال الخطيب في " تاريخ بغداد " ٧: ٣٣٥ ترجمة الحسن بن الطيب الشجاعي البلخي: " حدثني البرقاني قال: كلمت أبا بكر الاسماعيلي في روايته عن الحسن بن الطيب الشجاعي فقال: نحن سمعنا منه قديما، وكان إذ ذاك مستورا وكتبه صحاحا وإنما أفسد أمره باخرة، أو كما قال.
" سالت البرقاني عن الحسن بن الطيب فقال: كان الاسماعيلي حسن الرأي فيه، فذكرت - المتكلم هو البرقاني - له أنه عند البغداديين ذاهب الحديث، فقال: لما سمعنا منه كان حاله صالحا ".
٤ " - وفي " تاريخ بغداد " أيضا ٩: ٣٥ ترجمة سليمان بن حرب، قال يحيى بن أكثم: " قال لي المأمون: من تركت بالبصرة؟ فوصفت له مشايخ، منهم: سليمان بن حرب، وقلت: هو ثقة حافظ للحديث عاقل في نهاية الستر والصيانة، فأمرني بحمله إليه … " إلى آخر الخبر وفيه طرافة وحضور بديهة.
٥ " - وفي " النجوم الزاهرة " لابن تغري بردي ٣: ٣: " قال أحمد بن يوسف: قلت لابي العباس بن خاقان: الناس فرقتان في ابن طولون، فرقة تقول: إن أحمد: ابن طولون، وأخرى تقول: هو ابن يلبخ التركي، وأمه قاسم جارية طولون.
فقال: كذبوا، إنما هو ابن طولون، ودليله: أن الموفق لما لعنه نسبه إلى طولون ولم ينسبه إلى يلبخ، ويلبخ مضحاك يسخر منه، وطولون معروف بالستر ".
٦ " - وترجم أبو بكر المالكي في " رياض النفوس " ١: ٣١٣ - من الطبعة القديمة - لابي الوليد عبد الملك بن قطن المهري اللغوي، ومما نقله عنه في ترجمته قوله: " كانت شدة أزمة عظيمة، وضاق بنا الحال، فبلغني أن رجلا من أراف مهرة عنده طعام كثير يصل منه ويعطي، قال: فحسن عندي أن أنال منه شيئا، فركبت دابتي ومضيت حتى وصلت منزله، فوجدته جالسا في مسجده وعنده جماعة من الناس مسورون وغيرهم، فجلست وعرفته بنفسي … ".
٧ " - وترجم ابن بشكوال في كتابه " الصلة " ١: ٣١٤ أبا المطرف عبد الرحمن بن أحمد المعافري القرطبي
وقال: " كان من أفاضل ارجال أولي النباهة، وكان محمود السيرة، جميل الطريقة، تولى القضاء، وانصرف عن العمل محمود السيرة لم تتعلق به لائمة سمحا في أخلاقه، جيد المعاشرة لاخوانه، بارا بالناس، ولما وصل كتابه بالعزل اشتد سروره، وأعلن شكر الله عليه، ودخل بيته فعاود طريقته من الزهد والانقباض إلى أن مضى لسبيله مستورا ".
стр. 40
٨ " - وقال في ترجمة أبي الاصبغ عسلون بن أحمد بن عسلون ٢: ٤٤٧: " روى عنه الصاحبان
١- وقالا: كان رجلا صالحا مستورا، جالسناه وصحبناه ".
٩ " - رجاء فيه ٢: ٥٣٥ في ترجمة ابن الصناع: " قال ابن حيان
٢) : كان مشهورا بالفضل، مقدما في حملة القرآن، مبرز العدالة، التمسته أيام اشتد القحط، فمضى مستورا، وأتبعه الناس ثناء حسنا جميلا ".
١٠ " - وقال في ترجمة أبي القاسم يحيى بن عمر بن حسين بن نابل القرطبي ٢: ٦٦٢: " من بيئة طهارة وهدي وسنة هو أبوه وجده كلهم على طريقة مثلى، قال ابن حيان: كان فقيها حافظا صالحا ورعا خيرا عفيفا مستورا مقتديا بالسلف ".
فهذه عشرة نصوص ناطقة بالمعنى الذي قدمته: الستر: الفضل والنبل والعفة، والمستور: هو الرجل الفاضل النبيل العفيف الكريم في قومه، وما شابه هذه الكلمات.
٢٠ - وقد يوثقون جماعة توثيقا إجماليا مبهما، فيقولون: شيوخ فلان ثقات
٤٨٤٥) .
يريدون القبول العام، لا التوثيق الاصطلاحي الذي يصحح حديث صاحبه، وينبغي تقييد هذا القبول العام بانه: ١ " - قبول عام عند قائله، لا عند كل أحد.
قال الحافظ ﵀ في مقدمة " لسان الميزان " ١: ١٥: " من عرف من حاله أنه لا يروي إلا عن ثقة، فانه إذا روى عن رجل: وصف بكونه ثقة عنده، كمالك وشعبة والقطان وابن مهدي، وطائفة ممن بعدهم ".
٢ " - وبانه قبول أغلبي لا كلي، بمعني أن أغلب شيوخه داخلون تحت القبول العام، لا جميعهم، فقد قيل ذلك في شيوخ شعبة، وشعبة يضعف بعضهم.
والصيغة التي ياتي معها حصر والستثناء أقوى في دلالتها من الصيغة التي ليس فيها ذلك، أعني: أن
قولهم: شيوخ مالك ثقاتإلا عبد الكريم بن أبي المخارق، وشيوخ ابن أبي ذئب ثقات إلا أبا جابر البياضي، وهكذا، إقوى من قولهم: شيوخ شعبة ويحيى القطان وأمثالهما ثقات، ذلك لان الاستثناء دليل الحصر والتتبع.
ويلحق بهذذا التوثيق الاجمالي توثيقان آخران: الاول: قال الحافظ في " تهذيبه " ١: ٣٤٧ ترجمة أسيد بن المتشمس: " قال ابن أبي خيثمة في " تاريخه ": سمعت ابن معين يقول: إذا روى الحسن البصري عن رجل فسماه فهو ثقة يحتج بحديثه ".
وقد روى الحسن عن أسيد هذا.
وفي " الجرح والتعديل " ٦: ٣٢٣ - آخر الصفحة - عن ابن أبي خيثمة أيضا، عن ابن معين أنه قال: " إذا حدث الشعبي عن رجل فسماه فهو ثقة يحتج به ".
الثاني: قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى في " البداية والنهاية " ٩: ٢١٦: " صرح كثير من الائمة
следующие страницы →