Полный текст (859 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
وَظَنٌّ لَا يَسْتَنِدُ إِلَى قَطْعِيٍّ، بَلْ إِمَّا مُسْتَنِدٌ إِلَى غَيْرِ شَيْءٍ أَصْلًا، وَهُوَ مَذْمُومٌ ـ كَمَا تَقَدَّمَ ـ، وَإِمَّا مُسْتَنِدٌ إِلَى ظَنٍّ مِثْلِهِ، فَلِذَلِكَ الظَّنُّ إِنِ اسْتَنَدَ أَيْضًا إِلَى قَطْعِيٍّ؛ فَكَالْأَوَّلِ، أَوْ إِلَى ظَنِيٍّ، رَجَعْنَا إِلَيْهِ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَسْتَنِدَ إِلَى قَطْعِيٍّ، وَهُوَ مَحْمُودٌ، أَوْ إِلَى غَيْرِ شَيْءٍ، وَهُوَ مَذْمُومٌ.
فَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ؛ كُلُّ خَبَرِ وَاحِدٍ صَحَّ سَنَدُهُ، فَلَا بُدَّ مِنَ اسْتِنَادِهِ إِلَى أَصْلٍ فِي الشَّرِيعَةِ قَطْعِيٍّ، فَيَجِبُ قَبُولُهُ، وَمِنْ هُنَا قَبِلْنَاهُ مُطْلَقًا، كَمَا أَنَّ ظُنُونَ الْكُفَّارِ غَيْرُ مُسْتَنِدَةٍ إِلَى شَيْءٍ، فَلَا بُدَّ مِنْ رَدِّهَا وَعَدَمِ اعْتِبَارِهَا، وَهَذَا الْجَوَابُ الْأَخِيرُ مُسْتَمَدٌّ مَنْ أَصْلٍ وَقَعَ بَسْطُهُ فِي كِتَابِ الْمُوَافَقَاتِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ.
وَلَقَدْ بَالَغَ بَعْضُ الضَّالِّينَ فِي رَدِّ الْأَحَادِيثِ، وَرَدِّ قَوْلِ مَنِ اعْتَمَدَ عَلَى مَا فِيهَا، حَتَّى عَدُّوا الْقَوْلَ بِهِ مُخَالِفًا لِلْعَقْلِ، وَالْقَائِلَ بِهِ مَعْدُودًا فِي الْمَجَانِينِ.
فَحَكَى أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ عَنْ بَعْضِ مَنْ لَقِيَ بِالْمَشْرِقِ مِنَ الْمُنْكِرِينَ لِلرُّؤْيَةِ: أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: هَلْ يَكْفُرُ مَنْ يَقُولُ بِإِثْبَاتِ رُؤْيَةِ الْبَارِي أَمْ لَا؟ فَقَالَ: " لَا! لِأَنَّهُ قَالَ بِمَا لَا يَعْقِلُ، وَمَنْ قَالَ بِمَا لَا يَعْقِلُ؛ لَا يَكْفُرُ "!
قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: " فَهَذِهِ مَنْزِلَتُنَا عِنْدَهُمْ، فَلِيَعْتَبِرِ الْمُوَفَّقُ بِمَا يُؤَدِّي إِلَيْهِ اتِّبَاعُ الْهَوَى، أَعَاذَنَا اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ بِفَضْلِهِ ".
وَزَلَّ بَعْضُ الْمَرْمُوقِينَ فِي زَمَانِنَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، فَزَعَمَ أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ كُلَّهُ زَعْمٌ، وَهُوَ مَا حُكِيَ فِي الْأَثَرِ: بِئْسَ مَطِيَّةُ الرَّجُلِ زَعَمُوا،
стр. 282
وَالْأَثَرُ الْآخَرُ: «إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ»، وَهَذِهِ مِنْ كَلَامِ هَذَا الْمُتَأَخِّرِ وَهْلَةٌ، عَفَا اللَّهُ عَنْهُ.
[فَصْلٌ تَخَرُّصُهُمْ عَلَى الْكَلَامِ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ الْعَرَبِيَّيْنِ مَعَ الْعُرُوِّ عَنْ عِلْمِ الْعَرَبِيَّةِ]
فَصْلٌ
وَمِنْهَا: تَخَرُّصُهُمْ عَلَى الْكَلَامِ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ الْعَرَبِيَّيْنِ مَعَ الْعُرُوِّ عَنْ عِلْمِ الْعَرَبِيَّةِ الَّذِي يُفْهَمُ بِهِ عَنِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ:
فَيَفْتَاتُونَ عَلَى الشَّرِيعَةِ بِمَا فَهِمُوا، وَيَدِينُونَ بِهِ، وَيُخَالِفُونَ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ، وَإِنَّمَا دَخَلُوا ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ تَحْسِينِ الظَّنِّ بِأَنْفُسِهِمْ، وَاعْتِقَادِهِمْ أَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ وَالِاسْتِنْبَاطِ، وَلَيْسُوا كَذَلِكَ:
كَمَا حُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ: أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ﴾ [آل عمران: ١١٧]؟ فَقَالَ: " هُوَ هَذَا الصَّرْصَرُ "؛ يَعْنِي صِرَارَ اللَّيْلِ.
وَعَنِ النَّظَّامِ: أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: " إِذَا آلَى (الْمَرْءُ) بِغَيْرِ اسْمِ اللَّهِ لَمْ يَكُنْ مُولِيًا؛ قَالَ: " لِأَنَّ الْإِيلَاءَ مُشْتَقٌّ مِنَ اسْمِ اللَّهِ ".
وَقَالَ بَعْضُهُمْ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه: ١٢١]، " لِكَثْرَةِ أَكْلِهِ مِنَ الشَّجْرَةِ "، يَذْهَبُونَ إِلَى قَوْلِ الْعَرَبِ، غَوَى الْفَصِيلُ إِذَا أَكْثَرَ مِنَ اللَّبَنِ حَتَّى بَشِمَ، وَلَا يُقَالُ فِيهِ: غَوَى، وَإِنَّمَا غَوَى مِنَ الْغَيِّ.
وَفِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ﴾ [الأعراف: ١٧٩]؛ أَيْ: " أَلْقَيْنَا فِيهَا "؛ كَأَنَّهُ
стр. 283
عِنْدَهُمْ مِنْ قَوْلِ الْعَرَبِ: ذَرَّتُهُ الرِّيحُ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ ذَرَأْنَا مَهْمُوزٌ، وَذَرَتْهُ غَيْرُ مَهْمُوزٍ، وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ مِنْ: أَذَرَّتْهُ الدَّابَّةُ عَنْ ظَهْرِهَا؛ لِعَدَمِ الْهَمْزَةِ، وَلَكِنَّهُ رُبَاعِيٌّ، وَذَرَأْنَا ثُلَاثِيٌّ.
وَحَكَى ابْنُ قُتَيْبَةِ عَنْ بِشْرٍ الْمَرِيسِيِّ: أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ لِجُلَسَائِهِ: قَضَى اللَّهُ لَكُمُ الْحَوَائِجَ عَلَى أَحْسَنِ الْوُجُوهِ وَأَهْيَئِهَا، فَسَمِعَ قَاسِمٌ التَّمَّارُ قَوْمًا يَضْحَكُونَ، فَقَالَ: هَذَا كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
إِنَّ سُلَيْمَى وَاللَّهُ يَكْلُوهَا ... ضَنَّتْ بِشَيْءٍ مَا كَانَ يَرْزُوهَا
وَبِشْرٌ الْمَرِيسِيُّ رَأْسٌ فِي الرَّأْيِ، وَقَاسِمٌ التَّمَّارُ رَأَسٌ فِي أَصْحَابِ الْكَلَامِ.
قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: " وَاحْتِجَاجُهُ لِبِشْرٍ أَعْجَبُ مِنْ لَحْنِ بِشْرٍ ".
وَاسْتَدَلَّ بَعْضُهُمْ [عَلَى] تَحْلِيلِ شَحْمِ الْخِنْزِيرِ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ﴾ [البقرة: ١٧٣]، فَاقْتَصَرَ عَلَى تَحْرِيمِ اللَّحْمِ دُونَ غَيْرِهِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ حَلَالٌ!
وَرُبَّمَا سَلَّمَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ مَا قَالُوا، وَزَعَمَ أَنَّ الشَّحْمَ إِنَّمَا حَرُمَ بِالْإِجْمَاعِ، وَالْأَمْرُ أَيْسَرُ مِنْ ذَلِكَ؛ فَإِنَّ اللَّحْمَ يُطْلَقُ عَلَى الشَّحْمِ وَغَيْرِهِ حَقِيقَةً، حَتَّى إِذَا خُصَّ بِالذِّكْرِ؛ قِيلَ: شَحْمٌ؛ كَمَا يُقَالُ: عِرْقٌ، وَعَصَبٌ، وَجِلْدٌ، وَلَوْ كَانَ عَلَى مَا قَالُوا؛ لَزِمَ أَنْ لَا يَكُونُ الْعِرْقُ وَالْعَصَبُ وَلَا الْجِلْدُ وَلَا الْمُخُّ وَلَا النُّخَاعُ وَلَا غَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا خُصَّ بِالِاسْمِ مُحَرَّمًا، وَهُوَ خُرُوجٌ عَنْ
стр. 284
الْقَوْلِ بِتَحْرِيمِ الْخِنْزِيرِ.
وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْ خَفِيِّ هَذَا الْبَابِ مَذْهَبُ الْخَوَارِجِ فِي زَعْمِهِمْ أَنْ لَا تَحْكِيمَ؛ اسْتِدْلَالًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام: ٥٧]؛ فَإِنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ اللَّفْظَ وَرَدَ بِصِيغَةِ الْعُمُومِ، فَلَا يَلْحَقُهُ تَخْصِيصٌ، فَلِذَلِكَ أَعْرَضُوا عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٣٥]، وَقَوْلِهِ: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: ٩٥].
وَإِلَّا؛ فَلَوْ عَلِمُوا تَحْقِيقًا قَاعِدَةَ الْعَرَبِ فِي أَنَّ الْعُمُومَ يُرَادُ بِهِ الْخُصُوصُ؛ لَمْ يُسْرِعُوا إِلَى الْإِنْكَارِ، وَلَقَالُوا فِي أَنْفُسِهِمْ: هَلْ هَذَا الْعَامُّ مَخْصُوصٌ؟ فَيَتَأَوَّلُونَ.
وَفِي الْوَضْعِ وَجْهٌ آخَرُ مَذْكُورٌ فِي مَوْضِعٍ غَيْرِ هَذَا.
وَكَثِيرًا مَا يُوقِعُ الْجَهْلُ بِكَلَامِ الْعَرَبِ فِي مَجَازٍ لَا يَرْضَى بِهَا عَاقِلٌ، أَعَاذَنَا اللَّهُ مِنَ الْجَهْلِ وَالْعَمَلِ بِهِ بِفَضْلِهِ.
فَمِثْلُ هَذِهِ الِاسْتِدْلَالَاتِ لَا يُعْبَأُ بِهَا، وَتَسْقُطُ مُكَالَمَةُ أَهْلِهَا، وَلَا يُعَدُّ خِلَافُ أَمْثَالِهِمْ، وَمَا اسْتَدَلُّوا عَلَيْهِ مِنَ الْأَحْكَامِ الْفُرُوعِيَّةِ أَوِ الْأُصُولِيَّةِ؛ فَهُوَ عَيْنُ الْبِدْعَةِ، إِذْ هُوَ خُرُوجٌ عَنْ طَرِيقَةِ كَلَامِ الْعَرَبِ إِلَى اتِّبَاعِ الْهَوَى.
فَحَقٌّ مَا حُكِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، حَيْثُ قَالَ:
стр. 285
" إِنَّمَا هَذَا الْقُرْآنُ كَلَامٌ، فَضَعُوهُ مَوَاضِعَهُ، وَلَا تَتَّبِعُوا بِهِ أَهْوَاءَكُمْ "؛ أَيْ: فَضَعُوهُ عَلَى مَوَاضِعِ الْكَلَامِ، وَلَا تُخْرِجُوهُ عَنْ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ خُرُوجٌ عَنْ طَرِيقِهِ الْمُسْتَقِيمِ إِلَى اتِّبَاعِ الْهَوَى.
وَعَنْهُ أَيْضًا: " إِنَّمَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ رَجُلَيْنِ: رَجُلٌ تَأَوَّلَ الْقُرْآنَ عَلَى غَيْرِ تَأْوِيلِهِ، وَرَجُلٌ يُنْفِسُ الْمَالَ عَلَى أَخِيهِ ".
وَعَنِ الْحَسَنِ: أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَتَعَلَّمُ الْعَرَبِيَّةَ لِيُقِيمَ بِهَا لِسَانَهُ وَيُقِيمَ بِهَا مَنْطِقَهُ؟ قَالَ: " نَعَمْ، فَلْيَتَعَلَّمْهَا؛ فَإِنَّ الرَّجُلَ يَقْرَأُ بِالْآيَةِ، (فَيَعْيَاهُ تَوْجِيهُهَا)، فَيَهْلَكُ. وَعَنْهُ أَيْضًا؛ قَالَ: " أَهْلَكَتْهُمُ الْعُجْمَةُ، يَتَأَوَّلُونَ الْقُرْآنَ عَلَى غَيْرِ تَأْوِيلِهِ ".
[فَصْلٌ انْحِرَافُهُمْ عَنِ الْأُصُولِ الْوَاضِحَةِ إِلَى اتِّبَاعِ الْمُتَشَابِهَاتِ الَّتِي لِلْعُقُولِ فِيهَا مَوَاقِفُ]
فَصْلٌ
وَمِنْهَا: انْحِرَافُهُمْ عَنِ الْأُصُولِ الْوَاضِحَةِ إِلَى اتِّبَاعِ الْمُتَشَابِهَاتِ الَّتِي لِلْعُقُولِ فِيهَا مَوَاقِفُ، وَطَلَبُ الْأَخْذِ بِهَا تَأْوِيلًا:
كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ ـ إِشَارَةً إِلَى النَّصَارَى فِي قَوْلِهِمْ بِالثَّالُوثِيِّ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران: ٧].
وَقَدْ عَلِمَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ كُلَّ دَلِيلٍ فِيهِ اشْتِبَاهٌ وَإِشْكَالٌ لَيْسَ بِدَلِيلٍ فِي الْحَقِيقَةِ، حَتَّى يَتَبَيَّنَ مَعْنَاهُ وَيَظْهَرَ الْمُرَادُ مِنْهُ، وَيُشْتَرَطُ فِي ذَلِكَ أَنْ لَا
стр. 286
يُعَارِضَهُ أَصْلٌ قَطْعِيٌّ، فَإِذَا لَمْ يَظْهَرْ مَعْنَاهُ لِإِجْمَالٍ أَوِ اشْتِرَاكٍ، أَوْ عَارَضَهُ قَطْعِيٌّ؛ كَظُهُورِ تَشْبِيهٍ؛ فَلَيْسَ بِدَلِيلٍ؛ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الدَّلِيلِ أَنْ يَكُونَ ظَاهِرًا فِي نَفْسِهِ، وَدَالًّا عَلَى غَيْرِهِ، وَإِلَّا؛ احْتِيجَ إِلَى دَلِيلٍ عَلَيْهِ، فَإِنْ دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى عَدَمِ صِحَّتِهِ؛ فَأَحْرَى أَنْ لَا يَكُونَ دَلِيلًا.
وَلَا يُمْكِنُ أَنْ تُعَارِضَ الْفُرُوعُ الْجُزْئِيَّةُ الْأُصُولَ الْكُلِّيَّةَ؛ لِأَنَّ الْفُرُوعَ الْجُزْئِيَّةَ إِنْ لَمْ تَقْتَضِ عَمَلًا؛ فَهِيَ فِي مَحَلِّ التَّوَقُّفِ، وَإِنِ اقْتَضَتْ عَمَلًا؛ فَالرُّجُوعُ إِلَى الْأُصُولِ هُوَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ.
وَيُتَأَوَّلُ الْجُزْئِيَّاتُ حَتَّى تَرْجِعَ إِلَى الْكُلِّيَّاتِ، فَمَنْ عَكْسَ الْأَمْرَ؛ حَاوَلَ شَطَطًا، وَدَخَلَ فِي حُكْمِ الذَّمِّ؛ لِأَنَّ مُتَّبِعَ الشُّبُهَاتِ مَذْمُومٌ، فَكَيْفَ يُعْتَدُّ بِالْمُتَشَابِهَاتِ دَلِيلًا؟ أَوْ يُبْنَى عَلَيْهَا حُكْمٌ مِنَ الْأَحْكَامِ؟ وَإِذَا لَمْ تَكُنْ دَلِيلًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ؛ فَجَعْلُهَا دَلِيلًا بِدْعَةٌ مُحْدَثَةٌ هُوَ الْحَقُّ.
وَمِثَالُهُ فِي مِلَّةِ الْإِسْلَامِ مَذَاهِبُ الظَّاهِرِيَّةِ فِي إِثْبَاتِ الْجَوَارِحِ لِلرَّبِّ ـ الْمُنَزَّهِ عَنِ النَّقَائِصِ ـ؛ مِنَ الْعَيْنِ، وَالْيَدِ، وَالرِّجْلِ، وَالْوَجْهِ، وَالْمَحْسُوسَاتِ، وَالْجِهَةِ. . . . . . وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الثَّابِتِ لِلْمُحْدَثَاتِ.
وَمِنَ الْأَمْثِلَةِ أَيْضًا أَنَّ جَمَاعَةً زَعَمُوا أَنَّ الْقُرْآنَ مَخْلُوقٌ؛ تَعَلُّقًا بِالْمُتَشَابِهِ، وَالْمُتَشَابُهُ الَّذِي تَعَلَّقُوا بِهِ عَلَى وَجْهَيْنِ: عَقْلِيٌّ ـ فِي زَعْمِهِمْ ـ وَسَمْعِيٌّ.
стр. 287
فَالْعَقْلِيُّ: أَنَّ صِفَةَ الْكَلَامِ مِنْ جُمْلَةِ الصِّفَاتِ، وَذَاتُ اللَّهِ عِنْدَهُمْ بِرَئِيَّةٌ مِنَ التَّرْكِيبِ جُمْلَةً، وَإِثْبَاتُ صِفَاتِ الذَّاتِ قَوْلٌ بِتَرْكِيبِ الذَّاتِ، وَهُوَ مُحَالٌ؛ لِأَنَّهُ وَاحِدٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ، فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مُتَكَلِّمًا بِكَلَامٍ قَائِمٍ بِهِ، كَمَا لَا يَكُونُ قَادِرًا بِقُدْرَةٍ قَائِمَةٍ بِهِ، أَوْ عَالِمًا بِعِلْمٍ قَائِمٍ بِهِ. . . . إِلَى سَائِرِ الصِّفَاتِ.
وَأَيْضًا؛ فَالْكَلَامُ لَا يُعْقَلُ إِلَّا بِأَصْوَاتٍ وَحُرُوفٍ، وَكُلُّ ذَلِكَ مِنْ صِفَاتِ الْمُحْدَثَاتِ، وَالْبَارِي مُنَزَّهٌ عَنْهَا.
وَبَعْدَ هَذَا الْأَصْلِ يَرْجِعُونَ إِلَى تَأْوِيلِ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤]، وَأَشْبَاهِهِ.
وَأَمَّا السَّمْعِيُّ؛ فَنَحْوُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد: ١٦]، وَالْقُرْآنُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ شَيْئًا، أَوْ لَا شَيْءَ، وَلَا شَيْءٌ عَدَمٌ، وَالْقُرْآنُ ثَابِتٌ، هَذَا خِلْفٌ، وَإِنْ كَانَ شَيْئًا؛ فَقَدْ شَمِلَتْهُ الْآيَةُ، فَهُوَ إِذًا مَخْلُوقٌ، وَبِهَذَا اسْتَدَلَّ الْمَرِيسِيُّ عَلَى عَبْدِ الْعَزِيزِ الْمَكِّيِّ ﵀.
وَهَاتَانِ الشُّبْهَتَانِ أَخْذٌ فِي التَّعَلُّقِ بِالْمُتَشَابِهَاتِ؛ فَإِنَّهُمْ قَاسُوا الْبَارِي عَلَى الْبَرِيَّةِ، وَلَمْ يَعْقِلُوا مَا وَرَاءَ ذَلِكَ، فَتَرَكُوا مَعَانِيَ الْخِطَابِ وَقَاعِدَةَ الْعُقُولِ.
أَمَّا تَرْكُهُمْ لِلْقَاعِدَةِ؛ فَلَمْ يَنْظُرُوا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، وَهَذِهِ الْآيَةُ نَقْلِيَّةٌ لَا عَقْلِيَّةٌ؛ لِأَنَّ الْمُشَابِهَ لِلْمَخْلُوقِ فِي وَجْهٍ مَا
стр. 288
مَخْلُوقٌ مِثْلُهُ، إِذْ مَا وَجَبَ لِلشَّيْءِ؛ وَجَبَ لِمَثْلِهِ، فَكَمَا تَكُونُ الْآيَةُ دَلِيلًا عَلَى الْمُشَبِّهَةِ؛ تَكُونُ دَلِيلًا لِهَؤُلَاءِ؛ لِأَنَّهُمْ عَامَلُوهُ فِي التَّنْزِيهِ مُعَامَلَةَ الْمَخْلُوقِ، حَيْثُ تَوَهَّمُوا أَنَّ اتِّصَافَ ذَاتِهِ بِالصِّفَاتِ يَقْتَضِي التَّرْكِيبَ فِي الذَّاتِ.
وَأَمَّا (تَرْكُهُمْ) لِمَعَانِي الْخِطَابِ؛ فَإِنَّ الْعَرَبَ لَا تَفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ: السَّمِيعُ الْبَصِيرُ، وَالسَّمِيعُ الْعَلِيمُ، أَوِ الْقَدِيرُ،. . . . . وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ إِلَّا مَنْ لَهُ سَمْعٌ وَبَصَرٌ وَعِلْمٌ وَقُدْرَةٌ اتَّصَفَ بِهَا، فَإِخْرَاجُهَا عَنْ حَقَائِقِ مَعَانِيهَا الَّتِي نَزَلَ الْقُرْآنُ بِهَا خُرُوجٌ عَنْ أُمِّ الْكِتَابِ إِلَى اتِّبَاعِ مَا تَشَابَهُ مِنْهُ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ.
وَحَيْثُ رَدُّوا هَذِهِ الصِّفَاتِ إِلَى الْأَحْوَالِ الَّتِي هِيَ الْعَالِمِيَّةُ وَالْقَادِرِيَّةُ، فَمَا أَلْزَمُوهُ فِي الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ لَازِمٌ لَهُمْ فِي الْعَالِمِيَّةِ وَالْقَادِرِيَّةِ؛ لِأَنَّهَا إِمَّا مَوْجُودَةٌ؛ فَيَلْزَمُ التَّرْكِيبُ، أَوْ مَعْدُومَةٌ؛ وَالْعَدَمُ نَفْيٌ مَحْضٌ.
وَأَمَّا كَوْنُ الْكَلَامِ هُوَ الْأَصْوَاتُ وَالْحُرُوفُ؛ فَبِنَاءً عَلَى عَدَمِ النَّظَرِ فِي الْكَلَامِ النَّفْسِيِّ، وَهُوَ مَذْكُورٌ فِي الْأُصُولِ.
وَأَمَّا الشُّبْهَةُ السَّمْعِيَّةُ؛ فَكَأَنَّهَا عِنْدَهُمْ بِالتَّبَعِ؛ لِأَنَّ الْعُقُولَ عِنْدَهُمْ هِيَ الْمُعْتَمِدَةُ؛ وَلَكِنَّهُمْ يُلْزِمُهُمْ بِذَلِكَ الدَّلِيلُ مِثْلُ مَا فَرُّوا مِنْهُ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد: ١٦]، إِمَّا أَنْ يَكُونَ عَلَى عُمُومِهِ لَا يَتَخَلَّفُ عَنْهُ شَيْءٌ، أَوْ لَا، فَإِنْ كَانَ عَلَى عُمُومِهِ؛ فَتَخْصِيصُهُ إِمَّا بِغَيْرِ دَلِيلٍ؛ وَهُوَ التَّحَكُّمُ، وَإِمَّا بِدَلِيلٍ؛ فَأَبْرَزُوهُ حَتَّى نَنْظُرَ فِيهِ، وَيَلْزَمُ مِثْلُهُ فِي الْإِرَادَةِ إِنْ رَدُّوا الْكَلَامَ إِلَيْهَا، وَكَذَلِكَ
стр. 289
غَيْرُهَا مِنَ الصِّفَاتِ إِنْ أَقَرُّوا بِهَا، أَوِ الْأَحْوَالِ إِنْ أَنْكَرُوهَا، وَهَذَا الْكَلَامُ مَعَهُمْ بِحَسَبِ الْوَقْتِ.
وَالَّذِي يَلِيقُ بِالْمَسْأَلَةِ أَنْوَاعٌ أُخَرُ مِنَ الْأَدِلَّةِ الَّتِي تَقْتَضِي كَوْنَ هَذَا الْمَذْهَبِ بِدْعَةً لَا يُلَائِمُ قَوَاعِدَ الشَّرْعِ.
وَمِنْ أَغْرَبِ مَا يُوضَعُ هَاهُنَا مَا حَكَاهُ الْمَسْعُودِيُّ وَذَكَرَهُ الْآجُرِّيُّ ـ فِي كِتَابِ الشَّرِيعَةِ ـ بِأَبْسَطِ مِمَّا ذَكَرَهُ الْمَسْعُودِيُّ، وَاللَّفْظُ هُنَا لِلْمَسْعُودِيِّ مَعَ إِصْلَاحِ بَعْضِ الْأَلْفَاظِ، قَالَ:
" ذَكَرَ صَالِحُ بْنُ عَلِيٍّ الْهَاشِمِيُّ؛ قَالَ: حَضَرْتُ يَوْمًا مِنَ الْأَيَّامِ جُلُوسَ الْمُهْتَدِي لِلْمَظَالِمِ، فَرَأَيْتُ مِنْ سُهُولَةِ الْوُصُولِ وَنُفُوذِ الْكُتُبِ عَنْهُ إِلَى النَّوَاحِي فِيمَا يُتَظَلَّمُ بِهِ إِلَيْهِ مَا اسْتَحْسَنْتُهُ، فَأَقْبَلْتُ أَرْمُقُهُ بِبَصَرِي إِذَا نَظَرَ فِي الْقَصَصِ، فَإِذَا رَفَعَ طَرْفَهُ إِلَيَّ؛ أَطْرَقْتُ.
فَكَأَنَّهُ عَلِمَ مَا فِي نَفْسِي، فَقَالَ لِي: يَا صَالِحُ! أَحْسَبُ أَنَّ فِي نَفْسِكِ شَيْئًا تُحِبُّ أَنْ تَذْكُرَهُ، قَالَ: فَقُلْتُ: نَعَمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ!.
فَأَمْسَكَ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ جُلُوسِهِ؛ أَمَرَ أَنْ لَا أَبْرَحَ، وَنَهَضَ، فَجَلَسْتُ جُلُوسًا طَوِيلًا، فَقُمْتُ إِلَيْهِ وَهُوَ عَلَى حَصِيرِ الصَّلَاةِ، فَقَالَ لِي: يَا صَالِحُ! أَتُحَدِّثُنِي بِمَا فِي نَفْسِكَ أَمْ أُحَدِّثُكَ؟ فَقُلْتُ: بَلْ هُوَ مِنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ أَحْسَنُ. فَقَالَ: كَأَنَّنِي بِكَ وَقَدِ اسْتَحْسَنْتَ مِنْ مَجْلِسِنَا، فَقُلْتُ: أَيُّ خَلِيفَةٍ خَلِيفَتُنَا إِنْ لَمْ يَكُنْ يَقُولُ بِقَوْلِ أَبِيهِ مِنَ الْقَوْلِ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ!.
فَقَالَ: قَدْ كُنْتُ عَلَى ذَلِكَ بُرْهَةً مِنَ الدَّهْرِ، حَتَّى قَدِمَ عَلَى الْوَاثِقِ شَيْخٌ مِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ مِنْ (أَذَنَةَ) مِنَ الثَّغْرِ الشَّامِيِّ مُقَيَّدًا، طِوَالًا،
стр. 290
حَسَنَ الشَّيْبَةِ، فَسَلَّمَ غَيْرَ هَائِبٍ، وَدَعَا فَأَوْجَزَ، فَرَأَيْتُ الْحَيَاءَ مِنْهُ فِي حَمَالِيقِ عَيْنَيِ الْوَاثِقِ وَالرَّحْمَةَ عَلَيْهِ.
فَقَالَ: يَا شَيْخُ! أَجِبْ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدَ بْنَ أَبِي دُؤَادٍ عَمَّا يَسْأَلُكَ عَنْهُ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! أَحْمَدُ يَصْغُرُ وَيَضْعُفُ وَيَقِلُّ عِنْدَ الْمُنَاظَرَةِ.
فَرَأَيْتُ الْوَاثِقَ وَقَدْ صَارَ مَكَانَ الرَّحْمَةِ غَضَبًا، فَقَالَ: أَبُو عَبْدِ اللَّهِ يَصْغُرُ وَيَضْعُفُ وَيَقِلُّ عِنْدَ مُنَاظَرَتِكَ؟! فَقَالَ: هَوِّنْ عَلَيْكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! أَتَأْذَنُ لِي فِي كَلَامِهِ؟ فَقَالَ لَهُ الْوَاثِقُ: قَدْ أَذِنْتُ ذَلِكَ.
فَأَقْبَلَ الشَّيْخُ عَلَى أَحْمَدَ، فَقَالَ: يَا أَحْمَدُ! إِلَامَ دَعَوْتَ النَّاسَ؟ فَقَالَ أَحْمَدُ: إِلَى الْقَوْلِ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ، فَقَالَ لَهُ الشَّيْخُ: مَقَالَتُكَ هَذِهِ الَّتِي دَعَوْتَ النَّاسَ إِلَيْهَا مِنَ الْقَوْلِ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ؛ أَدَاخِلَةٌ فِي الدِّينِ فَلَا يَكُونُ الدِّينُ تَامًّا إِلَّا بِالْقَوْلِ بِهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ الشَّيْخُ: فَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ دَعَا النَّاسَ إِلَيْهَا أَمْ تَرَكَهُمْ؟، قَالَ: لَا. قَالَ لَهُ: يَعْلَمُهَا أَمْ لَمْ يَعْلَمْهَا؟ قَالَ: عَلِمَهَا، قَالَ: فَلِمَ دَعَوْتَ النَّاسَ إِلَى مَا لَمْ يَدْعُهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَيْهِ وَتَرَكَهُمْ مِنْهُ؟ فَأَمْسَكَ، فَقَالَ الشَّيْخُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! هَذِهِ وَاحِدَةٌ.
ثُمَّ قَالَ لَهُ: أَخْبِرْنِي يَا أَحْمَدُ! قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]، فَقُلْتَ أَنْتَ: الدِّينُ لَا يَكُونُ تَامًّا إِلَّا بِمَقَالَتِكَ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ، فَاللَّهُ تَعَالَى أَصْدَقُ فِي تَمَامِهِ وَكَمَالِهِ أَمْ أَنْتَ فِي نُقْصَانِكَ؟! فَأَمْسَكَ، فَقَالَ الشَّيْخُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! وَهَذِهِ ثَانِيَةٌ!.
ثُمَّ قَالَ بَعْدَ سَاعَةٍ: أَخْبِرْنِي يَا أَحْمَدُ!، قَالَ اللَّهُ :
стр. 291
﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: ٦٧]، فَمَقَالَتُكَ هَذِهِ الَّتِي دَعَوْتَ النَّاسَ إِلَيْهَا فِيمَا بَلَّغَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْأُمَّةِ أَمْ لَا؟ فَأَمْسَكَ، فَقَالَ (الشَّيْخُ): يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ!، وَهَذِهِ ثَالِثَةٌ!.
ثُمَّ قَالَ بَعْدَ سَاعَةٍ: أَخْبِرْنِي يَا أَحْمَدُ!. لَمَّا عَلِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَقَالَتَكَ هَذِهِ الَّتِي دَعَوْتَ النَّاسَ إِلَيْهَا؛ اتَّسَعَ لَهُ عَنْ أَنْ أَمْسَكَ عَنْهُمْ أَمْ لَا؟ قَالَ أَحْمَدُ: بَلِ اتَّسَعَ لَهُ ذَلِكَ. فَقَالَ الشَّيْخُ: وَكَذَلِكَ لِأَبِي بَكْرٍ، وَكَذَلِكَ لِعُمَرَ، وَكَذَلِكَ لِعُثْمَانَ، وَكَذَلِكَ لَعَلِّيٍّ، رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ؟ قَالَ: نَعَمْ.
فَصَرَفَ وَجْهَهُ إِلَى الْوَاثِقِ، وَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! إِذَا لَمْ يَتَّسِعْ لَنَا مَا اتَّسَعَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَلِأَصْحَابِهِ؛ فَلَا وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْنَا، قَالَ الْوَاثِقُ: نَعَمْ؛ لَا وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْنَا إِذَا لَمْ يَتَّسِعْ لَنَا مَا اتَّسَعَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلِأَصْحَابِهِ.
ثُمَّ قَالَ الْوَاثِقُ: اقْطَعُوا قُيُودَهُ. فَلَمَّا فُكَّتْ؛ جَاذَبَ عَلَيْهَا. فَقَالَ الْوَاثِقُ: دَعُوهُ. ثُمَّ قَالَ: يَا شَيْخُ! لِمَ جَاذَبْتَ عَلَيْهَا؟ قَالَ: لِأَنِّي عَقَدْتُ فِي نِيَّتِي أَنْ أُجَاذِبَ عَلَيْهَا، فَإِذَا أَخَذْتُهَا؛ أَوْصَيْتُ أَنْ تُجْعَلَ بَيْنَ يَدِي وَكَفَنِي حَتَّى أَقُولَ: يَا رَبِّي! سَلْ عَبْدَكَ: لِمَ قَيَّدَنِي ظُلْمًا وَارْتَاعَ فِيَّ أَهْلِي؟ فَبَكَى الْوَاثِقُ وَبَكَى الشَّيْخُ وَكُلُّ مَنْ حَضَرَ.
ثُمَّ قَالَ لَهُ الْوَاثِقُ: يَا شَيْخُ! اجْعَلْنِي فِي حِلٍّ. فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! مَا خَرَجْتُ مِنْ مَنْزِلِي حَتَّى جَعَلْتُكَ فِي حِلٍّ إِعْظَامًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلِقَرَابَتِكَ مِنْهُ.
فَتَهَلَّلَ وَجْهُ الْوَاثِقِ، وَسُرَّ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: أَقِمْ عِنْدِي آنَسُ بِكَ، فَقَالَ لَهُ:
стр. 292
مَكَانِي فِي ذَلِكَ الثَّغْرِ أَنْفَعُ، وَأَنَا شَيْخٌ كَبِيرٌ، وَلِي حَاجَةٌ. قَالَ: سَلْ مَا بَدَا لَكَ. قَالَ: يَأْذَنُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فِي رُجُوعِي إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي أَخْرَجَنِي مِنْهُ هَذَا الظَّالِمُ. قَالَ: قَدْ أَذِنْتُ لَكَ. وَأَمَرَ لَهُ بِجَائِزَةٍ، فَلَمْ يَقْبَلْهَا.
فَرَجَعْتُ مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ عَنْ تِلْكَ الْمَقَالَةِ، وَأَحْسَبُ أَيْضًا أَنِ الْوَاثِقَ رَجَعَ عَنْهَا.
فَتَأَمَّلُوا هَذِهِ الْحِكَايَةَ، فَفِيهَا عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ، وَانْظُرُوا كَيْفَ مَأْخَذُ الْخُصُومِ فِي إِفْحَامِهِمْ لِخُصُومِهِمْ بِالرَّدِّ عَلَيْهِمْ بِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ .
وَمَدَارُ الْغَلَطِ فِي هَذَا الْفَصْلِ إِنَّمَا هُوَ عَلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ الْجَهْلُ بِمَقَاصِدِ الشَّرْعِ، وَعَدَمِ ضَمِّ أَطْرَافِهِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ؛ فَإِنَّ مَأْخَذَ الْأَدِلَّةِ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ الرَّاسِخِينَ إِنَّمَا هُوَ عَلَى أَنْ تُؤْخَذَ الشَّرِيعَةُ كَالصُّورَةِ الْوَاحِدَةِ بِحَسْبِ مَا ثَبَتَ مِنْ كُلِّيَّاتِهَا وَجُزْئِيَّاتِهَا الْمُرَتَّبَةِ عَلَيْهَا، وَعَامِّهَا الْمُرَتَّبِ عَلَى خَاصِّهَا، وَمُطْلَقِهَا الْمَحْمُولِ عَلَى مُقَيَّدِهَا، وَمُجْمَلِهَا الْمُفَسَّرِ بِبَيِّنِهَا. . . . إِلَى مَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ مَنَاحِيهَا، فَإِذَا حَصَلَ لِلنَّاظِرِ مِنْ جُمْلَتِهَا حُكْمٌ مِنَ الْأَحْكَامِ؛ فَذَلِكَ الَّذِي نَظُمَتْ بِهِ حِينَ اسْتُنْبِطَتْ.
وَمَا مِثْلُهَا إِلَّا مَثَلُ الْإِنْسَانِ الصَّحِيحِ السَّوِيِّ، فَكَمَا أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَكُونُ إِنْسَانًا (حَتَّى) يُسْتَنْطَقَ فَلَا يَنْطِقُ؛ لَا بِالْيَدِ وَحْدَهَا، وَلَا بِالرِّجْلِ وَحْدَهَا، وَلَا بِالرَّأْسِ وَحْدَهُ، وَلَا بِاللِّسَانِ وَحْدَهُ، بَلْ بِجُمْلَتِهِ الَّتِي سُمِّيَ بِهَا إِنْسَانًا.
كَذَلِكَ الشَّرِيعَةُ لَا يُطْلَبُ مِنْهَا الْحُكْمُ عَلَى حَقِيقَةِ الِاسْتِنْبَاطِ إِلَّا بِجُمْلَتِهَا، لَا مِنْ دَلِيلٍ مِنْهَا أَيِّ دَلِيلٍ كَانَ، وَإِنْ ظَهَرَ لِبَادِي الرَّأْيِ نُطْقُ ذَلِكَ
стр. 293
الدَّلِيلِ؛ فَإِنَّمَا هُوَ تَوَهُّمِيٌّ لَا حَقِيقِيٌّ؛ كَالْيَدِ إِذَا اسْتُنْطِقَتْ فَإِنَّمَا تَنْطِقُ تَوَهُّمًا لَا حَقِيقَةً؛ مِنْ حَيْثُ عَلِمْتَ أَنَّهَا يَدُ إِنْسَانٍ لَا مِنْ حَيْثُ هِيَ إِنْسَانٌ؛ لِأَنَّهُ مُحَالٌ.
فَشَأْنُ الرَّاسِخِينَ تَصَوُّرُ الشَّرِيعَةِ صُورَةً وَاحِدَةً يَخْدِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا كَأَعْضَاءِ الْإِنْسَانِ إِذَا صُوِّرَتْ صُورَةً مُتَّحِدَةً.
وَشَأْنُ مُتَّبِعِي الْمُتَشَابِهَاتِ أَخْذُ دَلِيلٍ مَا ـ أَيِّ دَلِيلٍ كَانَ ـ عَفْوًا وَأَخْذًا أَوَّلِيًّا، وَإِنْ كَانَ ثَمَّ مَا يُعَارِضُهُ مِنْ كُلِّيٍّ أَوْ جُزْئِيٍّ، فَكَأَنَّ الْعُضْوَ الْوَاحِدَ لَا يُعْطَى فِي مَفْهُومِ أَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ حُكْمًا حَقِيقَيًّا، فَمُتَّبِعُهُ مُتَّبِعُ مُتَشَابِهٍ، وَلَا يَتْبَعُهُ إِلَّا مَنْ فِي قَلْبِهِ زَيْغٌ، كَمَا شَهِدَ اللَّهُ بِهِ، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٨٧]؟.
[فَصْلٌ الْأَخْذُ بِالْمُطْلَقَاتِ قَبْلَ النَّظَرِ فِي مُقَيِّدَاتِهَا]
فَصْلٌ
وَعِنْدَ ذَلِكَ نَقُولُ:
مِنَ اتِّبَاعِ الْمُتَشَابِهَاتِ الْأَخْذُ بِالْمُطْلَقَاتِ قَبْلَ النَّظَرِ فِي مُقَيِّدَاتِهَا أَوْ فِي الْعُمُومَاتِ مِنْ غَيْرِ تَأَمُّلٍ؛ هَلْ لَهَا مُخَصَّصَاتٌ أَمْ لَا؟ وَكَذَلِكَ الْعَكْسُ؛ بِأَنْ يَكُونَ النَّصُّ مُقَيَّدًا فَيُطْلَقُ، أَوْ خَاصًّا فَيَعُمُّ بِالرَّأْيِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ سِوَاهُ:
فَإِنَّ هَذَا الْمَسْلَكَ رَمْيٌ فِي عَمَايَةٍ، وَاتِّبَاعٌ لِلْهَوَى فِي الدَّلِيلِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُطْلَقَ الْمَنْصُوصَ عَلَى تَقْيِيدِهِ مُشْتَبِهٌ إِذَا لَمْ يُقَيَّدْ، فَإِذَا قُيِّدَ؛ صَارَ وَاضِحًا، كَمَا أَنَّ إِطْلَاقَ الْمُقَيَّدِ رَأْيٌ فِي ذَلِكَ الْمُقَيَّدِ مُعَارِضٌ لِلنَّصِّ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ.
стр. 294
فَمِثَالُ الْأَوَّلِ: أَنَّ الشَّرِيعَةَ قَدْ وَرَدَ طَلَبُهَا عَلَى الْمُكَلَّفِينَ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَالْعُمُومِ، وَلَا يَرْفَعُهَا عُذْرٌ إِلَّا الْعُذْرُ الرَّافِعُ لِلْخِطَابِ رَأْسًا، وَهُوَ زَوَالُ الْعَقْلِ، فَلَوْ بَلَغَ الْمُكَلَّفُ فِي مَرَاتِبِ الْفَضَائِلِ الدِّينِيَّةِ إِلَى أَيِّ رُتْبَةٍ بَلَغَ؛ بَقِيَ التَّكْلِيفُ عَلَيْهِ كَذَلِكَ إِلَى الْمَوْتِ.
وَلَا رُتْبَةَ لِأَحَدٍ يَبْلُغُهَا فِي الدِّينِ كَرُتْبَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ رُتْبَةِ أَصْحَابِهِ الْبَرَرَةِ، وَلَمْ يَسْقُطْ عَنْهُمْ مِنَ التَّكْلِيفِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ؛ إِلَّا مَا كَانَ مِنْ تَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْآحَادِ؛ كَالزَّمِنِ؛ لَا يُطَالَبُ بِالْجِهَادِ، وَالْمُقْعَدِ؛ لَا يُطَالَبُ بِالصَّلَاةِ بِالْقِيَامِ، وَالْحَائِضِ؛ لَا تُطَالَبُ بِالصَّلَاةِ الْمُخَاطَبِ بِهَا فِي حَالِ حَيْضِهَا. . . . وَلَا مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
فَمَنْ رَأَى أَنَّ التَّكْلِيفَ قَدْ يَرْفَعُهُ الْبُلُوغُ إِلَى مَرْتَبَةٍ مَا مِنْ مَرَاتِبِ الدِّينِ ـ كَمَا يَقُولُهُ أَهْلُ الْإِبَاحَةِ ـ؛ كَانَ قَوْلُهُ بِدَعَةً مُخْرِجَةً عَنِ الدِّينِ.
وَمِنْهُ دَعَاوَى أَهْلِ الْبِدَعِ عَلَى الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ؛ مُنَاقَضَتُهَا لِلْقُرْآنِ، أَوْ مُنَاقِضَةُ بَعْضِهَا بَعْضًا، وَفَسَادُ مَعَانِيهَا، أَوْ مُخَالَفَتُهَا لِلْعُقُولِ؛ كَمَا حَكَمُوا بِذَلِكَ فِي قَوْلِهِ ﷺ لِلْمُتَحَاكِمَيْنِ إِلَيْهِ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لِأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ: مِئَةُ الشَّاةِ وَالْخَادِمُ رَدٌّ عَلَيْكَ، وَعَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِئَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَعَلَى امْرَأَةِ هَذِهِ الرَّجْمُ، وَاغَدُ يَا أَنِيسُ عَلَى امْرَأَةٍ هَذَا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ؛ فَارْجُمْهَا، فَغَدَا عَلَيْهَا، فَاعْتَرَفَتْ، فَرَجَمَهَا».
قَالُوا: هَذَا مُخَالِفٌ لِكِتَابِ اللَّهِ؛ لِأَنَّهُ قَضَى بِالرَّجْمِ وَالتَّغْرِيبِ، وَلَيْسَ لِلرَّجْمِ وَلَا لِلتَّغْرِيبِ فِي كِتَابِ اللَّهِ ذَكَرَ، فَإِنْ كَانَ الْحَدِيثُ بَاطِلًا؛ فَهُوَ مَا
стр. 295
أَرَدْنَا، وَإِنْ كَانَ حَقًا؛ فَقَدْ نَاقَضَ كِتَابَ اللَّهِ بِزِيَادَةِ الرَّجْمِ وَالتَّغْرِيبِ.
فَهَذَا اتِّبَاعٌ لِلْمُتَشَابِهِ، لِأَنَّ الْكِتَابَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ وَفِي الشَّرْعِ عَلَى وُجُوهٍ؛ مِنْهَا: الْحُكْمُ وَالْفَرْضُ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣]، ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ﴾ [النساء: ٧٧]، فَكَانَ الْمَعْنَى: لَأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ، أَيْ بِحُكْمِ اللَّهِ الَّذِي شُرِّعَ لَنَا، كَمَا أَنَّ الْكِتَابَ يُطْلَقُ عَلَى الْقُرْآنِ، فَتَخْصِيصِهِمُ الْكِتَابَ بِأَحَدِ الْمَحَامِلِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ اتِّبَاعٌ لِمَا تَشَابَهَ مِنَ الْأَدِلَّةِ.
وَفِي الْحَدِيثِ: «مَثَلُ أُمَّتِي كَمَطَرٍ؛ لَا يُدْرَى أَوَّلُهُ خَيْرٌ أَمْ آخِرُهُ؟»؛ قَالُوا: فَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ لِأَوَّلِ هَذِهِ الْأُمَّةِ فَضْلٌ عَلَى الْخُصُوصِ دُونَ آخِرِهَا وَلَا الْعَكْسُ.
ثُمَّ نُقِلَ: «أَنَّ الْإِسْلَامَ بَدَأَ غَرِيبًا، وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ»، فَهَذَا يَقْتَضِي تَفْضِيلَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ عَلَى الْوَسَطِ.
ثُمَّ نُقِلَ: «خَيْرُ الْقُرُونِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ»، فَاقْتَضَى أَنَّ الْأَوَّلِينَ أَفْضَلُ عَلَى الْإِطْلَاقِ.
стр. 296
قَالُوا: فَهَذَا تَنَاقُضٌ!
وَكَذَبُوا؛ لَيْسَ ثَمَّ تَنَاقُضٌ وَلَا اخْتِلَافٌ، وَذَلِكَ أَنَّ التَّعَارُضَ إِذَا ظَهَرَ لِبَادِيَ الرَّأْيِ فِي الْمَقُولَاتِ الشَّرْعِيَّةِ: فَإِمَّا أَنْ لَا يُمْكِنَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَصْلًا، وَإِمَّا أَنْ يُمْكِنَ:
فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ؛ فَهَذَا الْفَرْضُ بَيْنَ قَطْعِيٍّ وَظَنِّيٍّ، أَوْ بَيْنَ ظَنِّيَّيْنِ، فَأَمَّا بَيْنَ قَطْعِيَّيْنِ؛ فَلَا يَقَعُ فِي الشَّرِيعَةِ، وَلَا يُمْكِنُ وُقُوعُهُ؛ لِأَنَّ تَعَارُضَ الْقَطْعِيَّيْنِ مُحَالٌ.
فَإِنْ وَقْعَ بَيْنَ قَطْعِيٍّ وَظَنِّيٍّ؛ بَطُلَ الظَّنِّيُّ.
وَإِنَّ وَقْعَ بَيْنَ ظَنِيَّيْنِ؛ فَهَاهُنَا لِلْعُلَمَاءِ فِيهِ التَّرْجِيحُ، وَالْعَمَلُ بِالْأَرْجَحِ مُتَعَيَّنٌ.
، وَإِنْ أَمْكَنَ الْجَمْعُ؛ فَقَدِ اتَّفَقَ النُّظَّارُ عَلَى إِعْمَالِ وَجْهِ الْجَمْعِ، وَإِنْ كَانَ وَجْهًا ضَعِيفًا، فَإِنَّ الْجَمْعَ أَوْلَى عِنْدَهُمْ، وَإِعْمَالَ الْأَدِلَّةِ أَوْلَى مِنْ إِهْمَالِ بَعْضِهَا.
فَهَؤُلَاءِ الْمُبْتَدَعَةُ لَمْ يَرْفَعُوا بِهَذَا الْأَصْلِ رَأْسًا؛ إِمَّا جَهْلًا بِهِ، أَوْ عِنَادًا.
فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا؛ فَقَوْلُهُ: «خَيْرُ الْقُرُونِ قَرْنِي»، هُوَ الْأَصْلُ فِي الْبَابِ، فَلَا يَبْلُغُ أَحَدُنَا (مَبْلَغَ) الصَّحَابَةِ ﵃. وَمَا سِوَاهُ يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ عَلَى حَالٍ أَوْ زَمَانٍ أَوْ فِي بَعْضِ الْوُجُوهِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: «فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ»؛ لَا نَصَّ فِيهِ عَلَى التَّفْضِيلِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ، بَلْ هُوَ دَلِيلٌ عَلَى جَزَاءٍ حَسَنٍ، وَيَبْقَى النَّظَرُ فِي كَوْنِهِمْ مِثْلَ جَزَاءِ الصَّحَابَةِ أَوْ دُونَهُ أَوْ فَوْقَهُ مُحْتَمَلٌ، فَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ عَلَيْهِ دَلِيلٌ، فَلَا بُدَّ مِنْ حَمْلِهِ الْأَصْلَ وَلَا إِشْكَالَ.
стр. 297
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِالتَّنَاقُضِ فِي قَوْلِهِ ﷺ : «لَا تُفَضِّلُونِي عَلَى يُونُسَ بْنَ مَتَّى» "، وَ " «لَا تُخَيِّرُوا بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ وَبَيْنِي»، وَقَوْلِهِ: «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ وَلَا فَخْرَ»، وَوَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا ظَاهِرٌ.
وَمِنْهُ أَنَّهُمْ قَالُوا فِي قَوْلِهِ ﷺ : «إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ؛ فَلَا يَغْمِسُ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا؛ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ»: إِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ يُفْسِدُ آخِرُهُ أَوَّلَهُ؛ فَإِنَّ أَوَّلَهُ صَحِيحٌ لَوْلَا
стр. 298
قَوْلُهُ: فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي كَذَا. . . . "، فَمَا مَنَّا أَحَدٌ إِلَّا دَرَى أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ، وَأَشُدُّ الْأُمُورِ أَنْ يَكُونَ مَسَّ بِهَا فَرْجَهُ، وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا فَعَلَ ذَلِكَ فِي الْيَقَظَةِ؛ لَمَا طُلِبَ بِغَسْلِ يَدِهِ، فَكَيْفَ يُطْلَبُ بِالْغَسْلِ وَلَا يَدْرِي هَلْ مَسَّ فَرْجَهُ أَمْ لَا؟!
وَهَذَا الِاعْتِرَاضُ مِنَ النَّمَطِ (الَّذِي) قَبْلَهُ، إِذِ النَّائِمُ قَدْ يَمَسُّ فَرْجَهُ فَيُصِيبُهُ شَيْءٌ مِنْ نَجَاسَةٍ فِي الْمَحَلِّ لِعَدَمِ اسْتِنْجَاءٍ تَقَدَّمَ النَّوْمَ، أَوْ يَكُونُ اسْتَجْمَرَ فَوْقَ مَوْضِعِ الِاسْتِجْمَارِ، وَهُوَ لَوْ كَانَ يَقْظَانَ فَمَسَّ لَعَلِمَ بِالنَّجَاسَةِ إِذَا عَلِقَتْ بِيَدِهِ، فَيَغْسِلُهَا فِي الْإِنَاءِ؛ لِئَلَّا يُفْسِدَ الْمَاءَ، وَإِذَا أَمْكَنَ هَذَا؛ لَمْ يَتَوَجَّهْ الِاعْتِرَاضُ.
فَجَمِيعُ مَا ذُكِرَ فِي هَذَا الْفَصْلِ رَاجِعٌ إِلَى إِسْقَاطِ الْأَحَادِيثِ بِالرَّأْيِ الْمَذْمُومِ الَّذِي تَقَدَّمَ الِاسْتِشْهَادُ عَلَيْهِ أَنَّهُ مِنَ الْبِدَعِ الْمُحْدَثَاتِ.
[فَصْلٌ تَحْرِيفُ الْأَدِلَّةِ عَنْ مَوَاضِعِهَا]
فَصْلٌ
وَمِنْهَا: تَحْرِيفُ الْأَدِلَّةِ عَنْ مَوَاضِعِهَا:
بِأَنْ يَرِدَ الدَّلِيلُ عَلَى مَنَاطٍ، فَيُصْرَفُ عَنْ ذَلِكَ الْمَنَاطِ إِلَى أَمْرٍ آخَرَ؛ مُوهِمًا أَنَّ الْمَنَاطَيْنِ وَاحِدٌ، وَهُوَ مِنْ خَفِيَّاتِ تَحْرِيفِ الْكَلِمِ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ.
وَيَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّ مَنْ أَقَرَّ بِالْإِسْلَامِ، وَ [بِأَنَّهُ] يَذُمُّ تَحْرِيفَ الْكَلِمِ عَنْ مَوَاضِعِهِ؛ لَا يَلْجَأُ إِلَيْهِ صُرَاحًا؛ إِلَّا مَعَ اشْتِبَاهٍ يَعْرِضُ لَهُ، أَوْ جَهْلٍ يَصُدُّهُ عَنِ الْحَقِّ، مَعَ هَوَىً يَعْمِيهِ عَنْ أَخْذِ الدَّلِيلِ مَأْخَذَهُ، فَيَكُونُ بِذَلِكَ السَّبَبِ مُبْتَدَعًا.
стр. 299
وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ الدَّلِيلَ الشَّرْعِيَّ إِذَا اقْتَضَى أَمْرًا فِي الْجُمْلَةِ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالْعِبَادَاتِ مَثَلًا، فَأَتَى بِهِ الْمُكَلَّفُ فِي الْجُمْلَةِ أَيْضًا، كَذِكْرِ اللَّهِ وَالدُّعَاءِ وَالنَّوَافِلِ الْمُسْتَحَبَّاتِ وَمَا أَشْبَهَهَا مِمَّا يُعْلَمُ مِنَ الشَّارِعِ فِيهَا التَّوْسِعَةُ؛ كَانَ الدَّلِيلُ عَاضِدًا لِعِلْمِهِ مِنْ جِهَتَيْنِ: مِنْ جِهَةِ مَعْنَاهُ، وَمِنْ جِهَةِ عَمَلِ السَّلَفِ الصَّالِحِ بِهِ.
فَإِنْ أَتَى الْمُكَلَّفُ فِي ذَلِكَ الْأَمْرِ بِكَيْفِيَّةٍ مَخْصُوصَةٍ، أَوْ زَمَانٍ مَخْصُوصٍ أَوْ مَكَانٍ مَخْصُوصٍ أَوْ مُقَارِنًا لِعِبَادِةٍ مَخْصُوصَةٍ، وَالْتَزَمَ ذَلِكَ بِحَيْثُ صَارَ مُتَخَيَّلًا أَنَّ الْكَيْفِيَّةَ، أَوِ الزَّمَانَ أَوِ الْمَكَانَ مَقْصُودٌ شَرْعًا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَدُلَّ الدَّلِيلُ عَلَيْهِ؛ كَانَ الدَّلِيلُ بِمَعْزِلٍ عَنْ ذَلِكَ الْمَعْنَى الْمُسْتَدَلِّ عَلَيْهِ.
فَإِذَا نَدَبَ الشَّرْعُ مَثَلًا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ، فَالْتَزَمَ قَوْمٌ الِاجْتِمَاعَ عَلَيْهِ عَلَى لِسَانٍ وَاحِدٍ وَبِصَوْتٍ، أَوْ فِي وَقْتٍ مَعْلُومٍ مَخْصُوصٍ عَنْ سَائِرِ الْأَوْقَاتِ؛ لَمْ يَكُنْ فِي نَدْبِ الشَّرْعِ مَا يَدُلُّ عَلَى هَذَا التَّخْصِيصِ الْمُلْتَزَمِ، بَلْ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى خِلَافِهِ؛ لِأَنَّ الْتِزَامَ الْأُمُورِ غَيْرِ اللَّازِمَةِ شَرْعًا شَأْنُهَا أَنَّ تُفْهِمَ التَّشْرِيعَ، وَخُصُوصًا مَعَ مَنْ يُقْتَدَى بِهِ فِي مَجَامِعِ النَّاسِ كَالْمَسَاجِدِ؛ فَإِنَّهَا إِذَا ظَهَرَتْ هَذَا الْإِظْهَارَ وَوُضِعَتْ فِي الْمَسَاجِدِ كَسَائِرِ الشَّعَائِرِ الَّتِي وَضَعَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَسَاجِدِ وَمَا أَشْبَهَهَا كَالْأَذَانِ وَصَلَاةِ الْعِيدَيْنِ وَالِاسْتِسْقَاءِ وَالْكُسُوفِ ـ؛ فُهِمَ مِنْهَا بِلَا شَكٍّ أَنَّهَا سُنَنٌ، إِذَا لَمْ تُفْهَمْ مِنْهَا الْفَرْضِيَّةُ، فَأَحْرَى أَنْ لَا يَتَنَاوَلَهَا الدَّلِيلُ الْمُسْتَدَلُّ بِهِ، فَصَارَتْ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ بِدَعًا مُحْدَثَةً بِذَلِكَ.
(وَ) عَلَى ذَلِكَ تَرْكُ الْتِزَامِ السَّلَفِ لِتِلْكَ الْأَشْيَاءِ أَوْ عَدَمِ الْعَمَلِ بِهَا، وَهُمْ كَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا لَوْ كَانَتْ مَشْرُوعَةً عَلَى مُقْتَضَى
стр. 300
الْقَوَاعِدِ؛ لِأَنَّ الذِّكْرَ قَدْ نَدَبَ إِلَيْهِ الشَّرْعُ نَدْبًا فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ، حَتَّى إِنَّهُ لَمْ يَطْلُبْ فِي تَكْثِيرِ عِبَادَةٍ مِنَ الْعِبَادَاتِ مَا طَلَبَ مِنَ التَّكْثِيرِ مِنَ الذِّكْرِ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤١] الْآيَةَ، وَقَوْلِهِ: ﴿وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة: ١٠]؛ بِخِلَافِ سَائِرِ الْعِبَادَاتِ.
وَمِثْلُ هَذَا الدُّعَاءُ؛ فَإِنَّهُ ذِكْرُ اللَّهِ، وَمَعَ ذَلِكَ؛ فَلَمْ يَلْتَزِمُوا فِيهِ كَيْفِيَّاتٍ، وَلَا قَيَّدُوهُ بِأَوْقَاتٍ مَخْصُوصَةٍ ـ بِحَيْثُ تَشْعُرُ بِاخْتِصَاصِ التَّعَبُّدِ بِتِلْكَ الْأَوْقَاتِ، إِلَّا مَا عَيَّنَهُ الدَّلِيلُ؛ كَالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ. وَلَا أَظْهَرُوا مِنْهُ إِلَّا مَا نَصَّ الشَّارِعُ عَلَى إِظْهَارِهِ؛ كَالذِّكْرِ فِي الْعِيدَيْنِ وَشِبَهِهِ، وَمَا سِوَى ذَلِكَ؛ فَكَانُوا مُثَابِرِينَ عَلَى إِخْفَائِهِ وَسِرِّهِ، وَلِذَلِكَ قَالَ لَهُمْ [النَّبِيُّ ﷺ ] حِينَ رَفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ: «أَرْبِعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ؛ إِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا»، وَأَشْبَاهُهُ، وَلِمَ يُظْهِرُوهُ فِي الْجَمَاعَاتِ.
فَكُلُّ مَنْ خَالَفَ هَذَا الْأَصْلَ؛ فَقَدْ خَالَفَ إِطْلَاقَ الدَّلِيلِ أَوَّلًا؛ لِأَنَّهُ قَيَّدَ فِيهِ بِالرَّأْيِ، وَخَالَفَ مَنْ كَانَ أَعْرَفَ مِنْهُ بِالشَّرِيعَةِ ـ وَهُمُ السَّلَفُ الصَّالِحُ ﵃، بَلْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتْرُكُ الْعَمَلَ وَهُوَ يُحِبُّ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ خَوْفًا أَنْ يَعْمَلَ بِهِ النَّاسُ فَيُفْرَضَ عَلَيْهِمْ.
стр. 301
وَفِي فَصْلٍ مِنَ الْمُوَافَقَاتِ جُمْلَةٌ مِنْ هَذَا، وَهُوَ مَزَلَّةُ قَدَمٍ، فَقَدْ يُتَوَهَّمُ أَنَّ إِطْلَاقَ اللَّفْظِ يُشْعِرُ بِجَوَازِ كُلِّ مَا يُمْكِنُ فِي مَدْلُولِهِ وُقُوعًا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ خُصُوصًا فِي الْعِبَادَاتِ؛ فَإِنَّهَا مَحْمُولَةٌ عَلَى التَّعَبُّدِ عَلَى حَسَبِ مَا تَلَّقَى النَّبِيُّ ﷺ وَالسَّلَفُ الصَّالِحُ؛ كَالصَّلَوَاتِ حِينَ وُضِعَتْ بَعِيدَةً عَنْ مَدَارِكِ الْعُقُولِ فِي أَرْكَانِهَا وَتَرْتِيبِهَا وَأَزْمَانِهَا وَكَيْفِيَّاتِهَا وَمَقَادِيرِهَا، وَسَائِرِ مَا كَانَ مِثْلَهَا ـ حَسْبَمَا يُذْكَرُ فِي بَابِ الْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ـ، فَلَا يَدْخُلُ الْعِبَادَاتِ الرَّأْيُ وَالِاسْتِحْسَانُ هَكَذَا مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُ كَالْمُنَافِي لِوَضْعِهَا، وَلِأَنَّ الْعُقُولَ لَا تُدْرِكُ مَعَانِيَهَا عَلَى التَّفْصِيلِ.
وَكَذَلِكَ حَافَظَ الْعُلَمَاءُ عَلَى تَرْكِ إِجْرَاءِ الْقِيَاسِ فِيهَا؛ كَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ ﵁؛ فَإِنَّهُ حَافَظَ عَلَى طَرْحِ الرَّأْيِ جِدًّا، وَلَمْ يَعْمَلْ فِيهَا مِنْ أَنْوَاعِ الْقِيَاسِ إِلَّا قِيَاسَ نَفْيِ الْفَارِقِ، حَيْثُ اضْطُرَّ إِلَيْهِ، وَكَذَلِكَ غَيْرُهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ ـ وَإِنْ تَفَاوَتُوا ـ فَهُمْ مُحَافِظُونَ جَمِيعًا فِي الْعِبَادَاتِ عَلَى الِاتِّبَاعِ لِنُصُوصِهَا وَمَنْقُولَاتِهَا؛ بِخِلَافِ غَيْرِهَا، فَبِحَسْبِهَا لَا مُطْلَقًا؛ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ أُمِرَ بِذَلِكَ فِي الْجُمْلَةِ ـ مَثَلًا ـ.
فَالْمُخَصِّصُ كَالْمُخَالِفِ لِمَفْهُومِ التَّوْسِعَةِ، وَإِنْ لَمْ يُفْهَمْ مِنْ ذَلِكَ تَوَسُّعُهُ؛ فَلَا بُدَّ مِنَ الرُّجُوعِ إِلَى أَصْلِ الْوَقْفِ مِنَ الْمَنْقُولِ؛ لِأَنَّا إِنْ خَرَجْنَا عَنْهُ؛ شَكَكْنَا فِي كَوْنِ الْعِبَادَةِ عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ مَشْرُوعَةً؛ أَوْ قَطَعْنَا بِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِمَشْرُوعَةٍ، عَلَى الطَّرِيقَتَيْنِ الْمُنَبَّهِ عَلَيْهِمَا فِي كِتَابِ الْمُوَافَقَاتِ، فَيَتَعَيَّنُ الرُّجُوعُ إِلَى الْمَنْقُولِ وُقُوفًا مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ.
стр. 302
ثُمَّ إِذَا فَهِمْنَا التَّوْسِعَةَ؛ فَلَا بُدَّ مِنَ اعْتِبَارِ أَمْرٍ آخَرَ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْعَمَلُ بِحَيْثُ لَا يُوهِمُ التَّخْصِيصُ زَمَانًا دُونَ غَيْرِهِ، أَوْ مَكَانًا دُونَ غَيْرِهِ، أَوْ كَيْفِيَّةٍ دُونَ غَيْرِهَا، أَوْ يُوهِمُ انْتِقَالَ الْحُكْمِ مِنْ الِاسْتِحْبَابِ ـ مَثَلًا ـ إِلَى السُّنَّةِ أَوِ الْفَرْضِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ الدَّوَامُ عَلَيْهِ عَلَى كَيْفِيَّةٍ مَا ـ فِي مَجَامِعِ النَّاسِ أَوْ مَسَاجِدِ الْجَمَاعَاتِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ ـ مُوهِمًا لِكَوْنِهِ سُنَّةً أَوْ فَرْضًا. . . . بَلْ هُوَ كَذَلِكَ.
أَلَا تَرَى أَنَّ كُلَّ مَا أَظْهَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَوَاظَبَ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ؛ إِذَا لَمْ يَكُنْ فَرْضًا؛ فَهُوَ سُنَّةٌ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ؛ كَصَلَاةِ الْعِيدَيْنِ وَالِاسْتِسْقَاءِ وَالْكُسُوفِ وَنَحْوِ ذَلِكَ؟ بِخِلَافِ قِيَامِ اللَّيْلِ وَسَائِرِ النَّوَافِلِ؛ فَإِنَّهَا مُسْتَحِبَّاتٌ، وَنَدَبَ ﷺ إِلَى إِخْفَائِهَا، وَإِنَّمَا يَضُرُّ إِذَا كَانَتْ تُشَاعُ وَيُعْلَنُ بِهَا.
وَمِنْ أَمْثِلَةِ هَذَا الْأَصْلِ الْتِزَامُ الدُّعَاءِ بَعْدَ الصَّلَوَاتِ بِالْهَيْئَةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ مُعْلَنًا بِهَا فِي الْجَمَاعَاتِ، وَسَيَأْتِي بَسْطُ ذَلِكَ فِي بَابِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
[فَصْلٌ بِنَاءُ طَائِفَةٍ مِنْهُمُ الظَّوَاهِرَ الشَّرْعِيَّةَ عَلَى تَأْوِيلَاتٍ لَا تُعْقَلُ]
فَصْلٌ
وَمِنْهَا بِنَاءُ طَائِفَةٍ مِنْهُمُ الظَّوَاهِرَ الشَّرْعِيَّةَ عَلَى تَأْوِيلَاتٍ لَا تُعْقَلُ يَدَّعُونَ فِيهَا أَنَّهَا (هِيَ) الْمَقْصُودُ وَالْمُرَادُ، لَا مَا يَفْهَمُ الْعَرَبِيُّ مِنْهَا ـ مُسْنَدَةً عِنْدَهُمْ إِلَى أَصْلٍ لَا يُعْقَلُ:
وَذَلِكَ أَنَّهُمْ ـ فِيمَا ذَكَرَهُ الْعُلَمَاءُ ـ قَوْمٌ أَرَادُوا إِبْطَالَ الشَّرِيعَةِ جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا، وَإِلْقَاءَ ذَلِكَ فِيمَا بَيْنَ النَّاسِ؛ لِيَنْحَلَّ الدِّينُ فِي أَيْدِيهِمْ، فَلَمْ يُمْكِنْهُمْ إِلْقَاءُ ذَلِكَ صَرَاحًا؛ فَيُرَدُّ ذَلِكَ فِي وُجُوهِهِمْ وَتَمْتَدُّ إِلَيْهِمْ أَيْدِي
стр. 303
الْحُكَّامِ، فَصَرَفُوا أَعْنَاقَهُمْ إِلَى التَّحَيُّلِ عَلَى مَا قَصَدُوا بِأَنْوَاعٍ مِنَ الْحِيَلِ، مِنْ جُمْلَتِهَا صَرْفُ الْهَمِّ مِنَ الظَّوَاهِرِ؛ إِحَالَةً عَلَى أَنَّ لَهَا بَوَاطِنَ هِيَ الْمَقْصُودَةُ، وَأَنَّ الظَّوَاهِرَ غَيْرُ مُرَادَةٍ.
فَقَالُوا: كُلُّ مَا وَرَدَ فِي الشَّرْعِ مِنَ الظَّوَاهِرِ فِي التَّكَالِيفِ وَالْحَشْرِ وَالنَّشْرِ وَالْأُمُورِ الْإِلَهِيَّةِ؛ فَهِيَ أَمْثِلَةٌ وَرُمُوزٌ إِلَى بَوَاطِنَ.
فَمِمَّا زَعَمُوا فِي الشَّرْعِيَّاتِ: أَنَّ الْجَنَابَةَ مُبَادَرَةُ الدَّاعِي لِلْمُسْتَجِيبِ بِإِفْشَاءِ سِرٍّ إِلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَنَالَ رُتْبَةَ الِاسْتِحْقَاقِ، وَمَعْنَى الْغُسْلِ تَجْدِيدُ الْعَهْدِ عَلَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ، وَمَعْنَى مُجَامَعَةِ الْبَهِيمَةِ مُقَابَحَةُ مَنْ لَا عَهْدَ لَهُ وَلَمْ يُؤَدِّ شَيْئًا مِنْ صَدَقَةِ النَّجْوَى ـ وَهُوَ مِئَةٌ وَتِسْعَةَ عَشَرَ دِرْهَمًا عِنْدَهُمْ ـ؛ قَالُوا: فَلِذَلِكَ أَوْجَبَ الشَّرْعُ الْقَتْلَ عَلَى الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ بِهَا، وَإِلَّا؛ فَالْبَهِيمَةُ مَتَى يَجِبُ الْقَتْلُ عَلَيْهَا؟! وَالِاحْتِلَامُ أَنْ يَسْبِقَ لِسَانُهُ إِلَى إِفْشَاءِ السِّرِّ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ، فَعَلَيْهِ الْغُسْلُ؛ أَيْ: تَجْدِيدُ الْمُعَاهَدَةِ، وَالطُّهْرُ هُوَ التَّبَرُّؤُ مِنَ اعْتِقَادِ كُلِّ مَذْهَبٍ سِوَى مُتَابَعَةِ الْإِمَامِ، وَالتَّيَمُّمُ الْأَخْذُ مِنَ الْمَأْذُونِ إِلَى أَنْ يَسْعَدَ بِمُشَاهَدَةِ الدَّاعِي وَالْإِمَامِ، وَالصِّيَامُ هُوَ الْإِمْسَاكُ عَنْ كَشْفِ السِّرِّ.
وَلَهُمْ مِنْ هَذَا الْإِفْكِ كَثِيرٌ فِي الْأُمُورِ الْإِلَهِيَّةِ وَأُمُورِ التَّكْلِيفِ وَأُمُورِ الْآخِرَةِ، وَكُلُّهُ حَوْمٌ عَلَى إِبْطَالِ الشَّرِيعَةِ جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا، إِذْ هُمْ ثِنْوِيَّةٌ وَدَهْرِيَّةٌ وَإِبَاحِيَّةٌ، مُنْكِرُونَ لِلنُّبُوَّةِ وَالشَّرَائِعِ وَالْحَشْرِ وَالنَّشْرِ وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَالْمَلَائِكَةِ، بَلْ هُمْ مُنْكِرُونَ لِلرُّبُوبِيَّةِ، وَهُمُ الْمُسَمَّوْنَ بِالْبَاطِنِيَّةِ.
وَرُبَّمَا تَمَسَّكُوا بِالْحُرُوفِ وَالْأَعْدَادِ: بِأَنَّ الثُّقُبَ فِي رَأْسِ الْآدَمِيِّ
стр. 304
سَبْعٌ، وَالْكَوَاكِبَ السَّيَّارَةَ سَبْعٌ، وَأَيَّامَ الْأُسْبُوعِ سَبْعٌ؛ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ دُورَ الْأَئِمَّةِ سَبْعَةٌ، وَبِهِ يُتَمُّ. وَأَنَّ الطَّبَائِعَ أَرْبَعٌ، وَفُصُولُ السَّنَةِ أَرْبَعٌ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ أُصُولَ الْأَرْبَعَةِ هِيَ السَّابِقُ وَالتَّالِي الْإِلَهَانِ ـ عِنْدَهُمْ ـ وَالنَّاطِقُ وَالْأَسَاسُ ـ وَهُمَا الْإِمَامَانِ ـ وَالْبُرُوجُ اثْنَا عَشَرَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحُجَجَ اثْنَا عَشَرَ، وَهُمُ الدُّعَاةُ. . . . إِلَى أَنْوَاعٍ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ.
وَجَمِيعُهَا لَيْسَ فِيهِ مَا يُقَابَلُ بِالرَّدِّ؛ لِأَنَّ كُلَّ طَائِفَةٍ مِنَ الْمُبْتَدَعَةِ ـ سِوَى هَؤُلَاءِ ـ رُبَّمَا يَتَمَسَّكُونَ بِشُبْهَةٍ تَحْتَاجُ إِلَى النَّظَرِ فِيهَا مَعَهُمْ، أَمَّا هَؤُلَاءِ؛ فَقَدْ خَلَعُوا فِي الْهَذَيَانِ الرِّبْقَةَ، وَصَارُوا عُرْضَةً لِلَّمْزِ، وَضُحْكَةً لِلْعَالِمِينَ، وَإِنَّمَا يَنْسِبُونَ هَذِهِ الْأَبَاطِيلَ إِلَى الْإِمَامِ الْمَعْصُومِ الَّذِي زَعَمُوهُ، وَإِبْطَالُ الْإِمَامَةِ مَعْلُومٌ فِي كُتُبِ الْمُتَكَلِّمِينَ، وَلَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ نُكْتَةٍ مُخْتَصَرَةٍ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِمْ.
فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ:
إِمَّا مِنْ جِهَةِ دَعْوَى الضَّرُورَةِ، وَهُوَ مُحَالٌ؛ لِأَنَّ الضَّرُورِيَّ (هُوَ) مَا يَشْتَرِكُ فِيهِ الْعُقَلَاءُ عِلْمًا وَإِدْرَاكًا، وَهَذَا لَيْسَ كَذَلِكَ.
وَإِمَّا مِنْ جِهَةِ الْإِمَامِ الْمَعْصُومِ؛ فَسَمَاعُهُمْ مِنْهُ لِتِلْكَ التَّأْوِيلَاتِ.
(فَنَقُولُ) لِمَنْ زَعَمَ ذَلِكَ: مَا الَّذِي دَعَاكَ إِلَى تَصْدِيقِ الْإِمَامِ الْمَعْصُومِ دُونَ مُحَمَّدٍ ﵇ مَعَ الْمُعْجِزَةِ وَلَيْسَ لِإِمَامِكَ مُعْجِزَةٌ؟! فَالْقُرْآنُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ ظَاهِرُهُ، لَا مَا زَعَمْتَ.
فَإِنْ قَالَ: ظَاهِرُ الْقُرْآنِ رُمُوزٌ إِلَى بَوَاطِنَ فَهِمَهَا الْإِمَامُ الْمَعْصُومُ وَلَمْ يَفْهَمْهَا فَتَعَلَّمْنَاهَا مِنْهُ. قِيلَ لَهُمْ: مِنْ أَيِّ جِهَةٍ تَعَلَّمْتُمُوهَا مِنْهُ؟
стр. 305
أَبِمُشَاهَدَةِ قَلْبِهِ بِالْعَيْنِ؟ أَوْ بِسَمَاعٍ مِنْهُ؟ وَلَا بُدَّ مِنْ الِاسْتِنَادِ إِلَى السَّمَاعِ بِالْأُذُنِ، فَيُقَالُ: فَلَعَلَّ لَفْظَهُ ظَاهِرٌ لَهُ بَاطِنٌ لَمْ تَفْهَمْهُ وَلَمْ يُطْلِعْكَ عَلَيْهِ، فَلَا يُوثَقُ بِمَا فَهِمْتَ مِنْ ظَاهِرِ لَفْظِهِ!
فَإِنْ قَالَ: صَرَّحَ بِالْمَعْنَى، وَقَالَ: مَا ذَكَرْتُهُ ظَاهِرٌ لَا رَمْزَ فِيهِ، أَوْ وَالْمُرَادُ ظَاهِرُهُ. قِيلَ لَهُ: وَبِمَاذَا عَرَفْتَ قَوْلَهُ لَكَ: أَنَّهُ ظَاهِرٌ؛ [أَنَّهُ] لَا رَمْزَ فِيهِ، بَلْ أَنَّهُ كَمَا قَالَ، إِذْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ لَهُ بَاطِنٌ لَمْ تَفْهَمْهُ أَيْضًا، فَلَا يَزَالُ الْإِمَامُ يُصَرِّحُ بِاللَّفْظِ وَالْمَذْهَبُ يَدْعُو إِلَى أَنَّ لَهُ فِيهِ رَمْزًا.
وَلَوْ فَرَضْنَا أَنَّ الْإِمَامَ أَنْكَرَ الْبَاطِنَ؛ فَلَعَلَّ تَحْتَ إِنْكَارِهِ رَمْزًا لَمْ تَفْهَمْهُ أَيْضًا، حَتَّى لَوْ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ الظَّاهِرِ أَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ إِلَّا الظَّاهِرَ؛ لَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ فِي طَلَاقِهِ رَمْزٌ وَهُوَ بَاطِنُهُ وَلَيْسَ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ.
فَإِنْ قَالَ: ذَلِكَ يُؤَدِّي إِلَى حَسْمِ بَابِ التَّفْهِيمِ، قِيلَ لَهُ: فَأَنْتُمْ حَسَمْتُمُوهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى النَّبِيِّ عَلَيْهِ وَالسَّلَامِ؛ فَإِنَّ الْقُرْآنَ دَائِرٌ عَلَى تَقْرِيرِ الْوَحْدَانِيَّةِ، وَالْجَنَّةِ، وَالنَّارِ، وَالْحَشْرِ، وَالنَّشْرِ، وَالْأَنْبِيَاءِ، وَالْوَحْيِ، وَالْمَلَائِكَةِ؛ مُؤَكَّدًا ذَلِكَ كُلَّهُ بِالْقَسَمِ، وَأَنْتُمْ تَقُولُونَ: إِنَّ ظَاهِرَهُ غَيْرُ مُرَادٍ، وَإِنَّ تَحْتَهُ رَمْزًا! فَإِنَّ جَازَ ذَلِكَ عِنْدَكُمْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ لِمَصْلَحَةٍ وَسِرٍّ لَهُ فِي الرَّمْزِ؛ جَازَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَعْصُومِكُمْ أَنْ يَظْهَرَ لَكُمْ خِلَافُ مَا يُضْمِرُهُ لِمَصْلَحَةٍ وَسِرٍّ لَهُ فِيهِ، وَهَذَا لَا مَحِيصَ لَهُمْ عَنْهُ.
قَالَ أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ ﵀: " يَنْبَغِي أَنَّ يَعْرِفَ الْإِنْسَانُ أَنَّ رُتْبَةَ هَذِهِ الْفِرْقَةِ هِيَ أَخَسُّ مِنْ رُتْبَةِ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْ فِرَقِ الضَّلَالِ؛ إِذْ لَا تَجِدُ فِرْقَةً تَنْقُضُ مَذْهَبَهَا بِنَفْسِ الْمَذْهَبِ سِوَى هَذِهِ الَّتِي هِيَ الْبَاطِنِيَّةُ، إِذْ مَذْهَبُهَا إِبْطَالُ النَّظَرِ وَتَغْيِيرُ الْأَلْفَاظِ عَنْ مَوْضُوعِهَا بِدَعْوَى الرَّمْزِ، وَكُلُّ مَا يُتَصَوَّرُ أَنْ تَنْطِقَ بِهِ
стр. 306
أَلْسِنَتُهُمْ، فَإِمَّا نَظَرٌ أَوْ نَقْلٌ، أَمَّا النَّظَرُ؛ فَقَدْ جَوَّزُوا أَنْ يُرَادَ بِاللَّفْظِ غَيْرُ مَوْضُوعِهِ، فَلَا يَبْقَى لَهُمْ مُعْتَصِمٌ، وَالتَّوْفِيقُ بِيَدِ اللَّهِ.
وَذَكَرَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي " الْعَوَاصِمِ " مَأْخَذًا آخَرَ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِمْ أَسْهَلَ مِنْ هَذَا ـ وَقَالَ: " إِنَّهُمْ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهِ " ـ، وَهُوَ أَنْ يُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ فِي كُلِّ مَا يَدْعُونَهُ السُّؤَالَ بِـ " لِمَ "؟ خَاصَّةً، فَكُلُّ مَنْ وَجَّهْتَ عَلَيْهِ مِنْهُمْ؛ سَقَطَ فِي يَدِهِ، وَحَكَى فِي ذَلِكَ حِكَايَةً ظَرِيفَةً يَحْسُنُ مَوْقِعُهَا هَاهُنَا.
وَتَصَوُّرُ الْمَذْهَبِ كَافٍ فِي ظُهُورِ بُطْلَانِهِ؛ إِلَّا أَنَّهُ مَعَ ظُهُورِ فَسَادِهِ وَبُعْدِهِ عَنِ الشَّرْعِ قَدِ اعْتَمَدَهُ طَوَائِفُ وَبَنَوْا عَلَيْهِ بِدَعًا فَاحِشَةً؛ (مِنْهَا) مَذْهَبُ الْمَهْدِيِّ الْمَغْرِبِيِّ؛ فَإِنَّهُ عَدَّ نَفْسَهُ الْإِمَامَ الْمُنْتَظَرَ، وَأَنَّهُ مَعْصُومٌ، حَتَّى أَنَّ مَنْ شَكَّ فِي عِصْمَتِهِ، أَوْ فِي أَنَّهُ الْمَهْدِيُّ الْمُنْتَظَرُ؛ كَافِرٌ.
وَقَدْ زَعَمَ ذَوُوهُ أَنَّهُ أَلَّفَ فِي الْإِمَامَةِ كِتَابًا ذَكَرَ فِيهِ أَنَّ اللَّهَ اسْتَخْلَفَ آدَمَ وَنُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى وَمُحَمَّدًا ﵈، وَأَنْ مُدَّةَ الْخِلَافَةِ ثَلَاثُونَ سُنَّةً، وَبَعْدَ ذَلِكَ فِرَقٌ وَأَهْوَاءٌ، وَشُحٌّ مُطَاعٌ، وَهَوَى مُتَّبَعٌ، وَإِعْجَابُ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ، فَلَمْ يَزَلِ الْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ، وَالْبَاطِلُ ظَاهِرٌ، وَالْحَقُّ كَامِنٌ، وَالْعِلْمُ مَرْفُوعٌ ـ كَمَا أَخْبَرَ ﵊، الْجَهْلُ ظَاهِرٌ، وَلَمْ يَبْقَ مِنَ الدِّينِ إِلَّا اسْمُهُ، وَلَا مِنَ الْقُرْآنِ إِلَّا رَسْمُهُ، حَتَّى جَاءَ اللَّهُ بِالْإِمَامِ، فَأَعَادَ بِهِ الدِّينَ؛ كَمَا قَالَ ﵊: «بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا، وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ».
وَقَالَ: إِنَّ طَائِفَتَهُ هُمُ الْغُرَبَاءُ؛ زَعْمًا مِنْ غَيْرِ بُرْهَانٍ زَائِدٍ عَلَى الدَّعْوَى.
стр. 307
وَقَالَ فِي ذَلِكَ الْكِتَابِ: جَاءَ اللَّهُ بِالْمَهْدِيِّ، وَطَاعَتُهُ صَافِيَةٌ نَقِيَّةٌ، لَمْ يُرَ مِثْلُهَا قَبْلُ وَلَا بَعْدُ، وَأَنَّ بِهِ قَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ بِهِ تَقُومُ، وَلَا ضِدَّ لَهُ وَلَا مِثْلَ وَلَا نِدَّ وَلَا كَذِبَ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ قَوْلِهِ وَهَذَا ـ، كَمَا نَزَّلَ أَحَادِيثَ التِّرْمِذِيِّ وَأَبِي دَاوُدَ فِي الْفَاطِمِيِّ عَلَى نَفْسِهِ، وَأَنَّهُ هُوَ بِلَا شَكٍّ.
وَأَوَّلُ إِظْهَارِهِ لِذَلِكَ أَنَّهُ قَامَ فِي أَصْحَابِهِ خَطِيبًا، فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الْفَعَّالِ لِمَا يُرِيدُ، الْقَاضِي لِمَا يَشَاءُ، لَا رَادَّ لِأَمْرِهِ، وَلَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ الْمُبَشِّرِ بِالْمَهْدِيِّ يَمْلَأُ الْأَرْضَ قِسْطًا وَعَدْلًا، كَمَا مُلِئَتْ ظُلْمًا وَجَوْرًا يَبْعَثُهُ اللَّهُ إِذَا نُسِخَ الْحَقُّ بِالْبَاطِلِ، وَأُزِيلَ الْعَدْلُ بِالْجَوْرِ، مَكَانُهُ بِالْمَغْرِبِ الْأَقْصَى، وَزَمَانُهُ آخِرُ الْأَزْمَانِ، وَاسْمُهُ اسْمُ النَّبِيِّ ﵇، وَنَسَبَهُ نَسَبُ النَّبِيِّ ﷺ ، وَقَدْ ظَهَرَ جَوْرُ الْأُمَرَاءِ، وَامْتَلَأَتِ الْأَرْضُ بِالْفَسَادِ، وَهَذَا آخِرُ الزَّمَانِ، وَالِاسْمُ الِاسْمُ، وَالنَّسَبُ النَّسَبُ وَالْفِعْلُ الْفِعْلُ. يُشِيرُ إِلَى مَا جَاءَ فِي أَحَادِيثِ الْفَاطِمِيِّ.
فَلَمَّا فَرَغَ؛ بَادَرَ إِلَيْهِ مِنْ أَصْحَابِهِ عَشَرَةٌ، فَقَالُوا: هَذِهِ الصِّفَةُ لَا تُوجَدُ إِلَّا فِيكَ، فَأَنْتَ الْمَهْدِيُّ، فَبَايَعُوهُ عَلَى ذَلِكَ.
وَأَحْدَثَ فِي دِينِ اللَّهِ أَحْدَاثًا كَثِيرَةً؛ زِيَادَةً إِلَى الْإِقْرَارِ بِأَنَّهُ الْمَهْدِيُّ الْمَعْلُومُ، وَالتَّخْصِيصُ بِالْعِصْمَةِ، ثُمَّ وَضَعَ ذَلِكَ فِي الْخُطَبِ، وَضَرَبَ فِي السِّكَكِ، بَلْ كَانَتْ تِلْكَ الْكَلِمَةُ عِنْدَهُمْ ثَالِثَةَ الشَّهَادَةِ، فَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِهَا أَوْ شَكَّ فِيهَا؛ فَهُوَ كَافِرٌ كَسَائِرِ الْكُفَّارِ، وَشَرَعَ الْقَتْلَ فِي مَوَاضِعَ لَمْ يَضَعْهُ الشَّرْعُ فِيهَا، وَهِيَ نَحْوٌ مَنْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ مَوْضِعًا؛ كَتَرْكِ امْتِثَالِ أَمْرِ مَنْ يَسْتَمِعُ أَمْرَهُ،
стр. 308
وَتَرْكِ حُضُورِ مَوَاعِظِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَالْمُدَاهَنَةُ إِذَا ظَهَرَتْ فِي أَحَدٍ قُتِلَ. . . . . وَأَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ.
وَكَانَ مَذْهَبُهُ (الْبِدْعَةَ) الظَّاهِرِيَّةَ، وَمَعَ ذَلِكَ فَابْتَدَعَ أَشْيَاءَ؛ كَوُجُوهٍ مِنَ التَّثْوِيبِ، إِذْ كَانُوا يُنَادُونَ عِنْدَ الصَّلَاةِ " بتاصاليت الْإِسْلَام " وَ " بِقِيَامِ تاصاليت "، " سودرين "، وَ " بَارِدِي " وَ " وَأَصْبَحَ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ ". . . . وَغَيْرِهِ، فَجَرَى الْعَمَلُ بِجَمِيعِهَا فِي زَمَانِ الْمُوَحِّدِينَ، وَبَقِيَ أَكْثَرُهَا بَعْدَمَا انْقَرَضَتْ دَوْلَتُهُمْ حَتَّى إِنِّي أَدْرَكْتُ بِنَفْسِي فِي جَامِعِ غَرْنَاطَةَ الْأَعْظَمِ الرِّضَى عَنِ الْإِمَامِ الْمَعْصُومِ الْمَهْدِيِّ الْمَعْلُومِ، إِلَى أَنْ أُزِيلَتْ وَبَقِيَتْ أَشْيَاءُ مُثِيرَةٌ غُفِلَ عَنْهَا أَوْ أُغْفِلَتْ.
وَقَدْ كَانَ السُّلْطَانُ أَبُو الْعَلَاءِ إِدْرِيسُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ بْنِ عَلِيٍّ مِنْهُمْ ظَهَرَ لَهُ قُبْحُ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ هَذِهِ الْابْتِدَاعَاتِ، فَأَمَرَ ـ حِينَ اسْتَقَرَّ بِمَرَاكِشَ ـ خَلِيفَتَهُ بِإِزَالَةِ جَمِيعِ مَا ابْتُدِعَ مِنْ قِبَلِهِ، وَكَتَبَ بِذَلِكَ رِسَالَةً إِلَى الْأَقْطَارِ يَأْمُرُ فِيهَا بِتَغْيِيرِ تِلْكَ السُّنَّةِ، وَيُوصِي بِتَقْوَى اللَّهِ وَالِاسْتِعَانَةِ بِهِ وَالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ، وَأَنَّهُ قَدْ نَبَذَ الْبَاطِلَ وَأَظْهَرَ الْحَقَّ، وَأَنْ لَا مَهْدِيَ إِلَّا عِيسَى، وَأَنَّ مَا ادَّعَوْهُ أَنَّهُ الْمَهْدِيُّ بِدْعَةٌ أَزَالَهَا وَأَسْقَطَ اسْمَ مَنْ لَا تُثْبِتُ عِصْمَتُهُ.
وَذَكَرَ أَنْ أَبَاهُ الْمَنْصُورَ هَمَّ بِأَنْ يَصْدَعَ بِمَا بِهِ صَدْعَ، وَأَنْ يُرَقِّعَ الْحَرْفَ الَّذِي رَقَعَ، فَلَمْ يُسَاعِدْهُ الْأَجَلُ لِذَلِكَ، ثُمَّ لَمَّا مَاتَ وَاسْتُخْلِفَ ابْنُهُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمُلَقَّبُ بِالرَّشِيدِ؛ وَفَدَ إِلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ الْمُتَّسِمِينَ بِالْمُوَحِّدِينَ، فَقَبِلُوا مِنْهُ فِي الذِّرْوَةِ وَالْغَارِبِ، وَضَمِنُوا عَلَى
стр. 309
أَنْفُسِهِمُ الدُّخُولَ تَحْتَ طَاعَتِهِ، وَالْوُقُوفَ عَلَى قَدَمِ الْخِدْمَةِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَالْمُدَافَعَةَ عَنْهُ بِمَا اسْتَطَاعُوا، لَكِنْ عَلَى شَرْطِ ذِكْرِ الْمَهْدِيِّ وَتَخْصِيصِهِ بِالْعِصْمَةِ فِي الْخُطْبَةِ وَالْمُخَاطَبَاتِ، وَنَقْشِ اسْمِهِ الْخَاصِّ فِي السِّكَكِ، وَإِعَادَةِ الدُّعَاءِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، وَالنِّدَاءِ عَلَيْهَا " بتاصاليت الْإِسْلَام " عِنْدَ كَمَالِ الْأَذَانِ، وَبتقام تاصاليت "، وَهِيَ إِقَامَةُ الصَّلَاةِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ " سودرين "، وَ " باوري " وَ " أَصْبَحَ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ ". . . . وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَقَدْ كَانَ الرَّشِيدُ اسْتَمِرَّ عَلَى الْعَمَلِ بِمَا رَسَمَ أَبُوهُ مِنْ تَرْكِ ذَلِكَ كُلِّهِ، فَلَمَّا انْتَدَبَ " الْمُوَحِّدُونَ " إِلَى الطَّاعَةِ؛ اشْتَرَطُوا إِعَادَتَهُ مَا تَرَكَ، فَأَسْعَفُوا فِيهِ، فَلَمَّا احْتَلُّوا مَنَازِلَهُمْ أَيَّامًا، وَلَمْ يَعُدْ شَيْءٌ مِنْ تِلْكَ الْعَوَائِدِ؛ سَاءَتْ ظُنُونُهُمْ، وَتَوَقَّعُوا انْقِطَاعَ مَا هُوَ عُمْدَتُهُمْ فِي دِينِهِمْ، وَبَلَغَ ذَلِكَ الرَّشِيدَ، فَجَدَّدَ تَأْنِيسَهُمْ بِإِعَادَتِهَا.
قَالَ الْمُؤَرِّخُ: فَيَا لَلَّهِ! مَاذَا بَلَغَ مِنْ سُرُورِهِمْ وَمَا كَانُوا فِيهِ مِنْ الِارْتِيَاحِ لِسَمَاعِ تِلْكَ الْأُمُورِ، وَانْطَلَقَتْ أَلْسِنَتُهُمْ بِالدُّعَاءِ لِخَلِيفَتِهِمْ بِالنَّصْرِ وَالتَّأْيِيدِ، وَشَمَلَتِ الْأَفْرَاحُ فِيهِمُ الْكَبِيرَ وَالصَّغِيرَ، وَهَذَا شَأْنُ صَاحِبِ الْبِدْعَةِ أَبَدًا، فَلَنْ يُسَرَّ بِأَعْظَمَ مِنَ انْتِشَارِ بِدَعَتِهِ وَإِظْهَارِهَا، ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [المائدة: ٤١]، وَهَذَا كُلُّهُ دَائِرٌ عَلَى الْقَوْلِ بِالْإِمَامَةِ وَالْعِصْمَةِ الَّذِي هُوَ رَأْيُ الشِّيعَةِ.
стр. 310
[فَصْلٌ الْمُغَالَاةُ فِي تَعْظِيمِ الشُّيُوخِ]
فَصْلٌ
وَمِنْهَا: رَأْيُ قَوْمٍ تَغَالَوْا فِي تَعْظِيمِ شُيُوخِهِمْ، حَتَّى أَلْحَقُوهُمْ بِمَا لَا يَسْتَحِقُّونَهُ:
فَالْمُقْتَصِدُ فِيهِمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ لَا وَلِيَّ لِلَّهِ أَعْظَمَ مِنْ فُلَانٍ، وَرُبَّمَا أَغْلَقُوا بَابَ الْوِلَايَةِ دُونَ سَائِرِ الْأُمَّةِ إِلَّا هَذَا الْمَذْكُورَ.
وَهُوَ بَاطِلٌ مَحْضٌ، وَبِدْعَةٌ فَاحِشَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَبْلُغَ الْمُتَأَخِّرُونَ أَبَدًا مَبَالِغَ الْمُتَقَدِّمِينَ، فَخَيْرُ الْقُرُونِ الْقَرْنُ الَّذِينَ رَأَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَآمَنُوا بِهِ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، وَهَكَذَا يَكُونُ الْأَمْرُ أَبَدًا إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ، فَأَقْوَى مَا كَانَ أَهْلُ الْإِسْلَامِ فِي دِينِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ وَيَقِينِهِمْ وَأَحْوَالِهِمْ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ لَا زَالَ يَنْقُصُ شَيْئًا فَشَيْئًا إِلَى آخَرِ الدُّنْيَا.
لَكِنْ لَا يَذْهَبُ الْحَقُّ جُمْلَةً، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ طَائِفَةٍ تَقُومُ بِهِ وَتَعْتَقِدُهُ، وَتَعْمَلُ بِمُقْتَضَاهُ عَلَى حَسْبِهِمْ فِي إِيمَانِهِمْ، لَا مَا كَانَ عَلَيْهِ الْأَوَّلُونَ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، لِأَنَّهُ لَوْ أَنْفَقَ أَحَدٌ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ وَزْنَ أُحُدٍ ذَهَبًا؛ مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَا نَصِيفَهُ؛ حَسْبَمَا أَخْبَرَ عَنْهُ الصَّادِقُ ﷺ ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فِي الْمَالِ؛ فَكَذَلِكَ فِي سَائِرِ شُعَبِ الْإِيمَانِ؛ بِشَهَادَةِ التَّجْرِبَةِ الْعَادِيَّةِ.
وَلِمَا تَقَدَّمَ أَوَّلَ الْكِتَابِ أَنَّهُ لَا يَزَالُ الدِّينُ فِي نَقْصٍ؛ فَهُوَ ـ أَصْلًا ـ لَا شَكَّ فِيهِ، وَهُوَ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ؛ فَكَيْفَ يَعْتَقِدُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي أَنَّهُ وَلِيُّ أَهْلِ الْأَرْضِ؟! وَلَيْسَ فِي الْأُمَّةِ وَلِيٌّ غَيْرُهُ!! لَكِنَّ الْجَهْلَ الْغَالِبَ، وَالْغُلُوَّ فِي التَّعْظِيمِ، وَالتَّعَصُّبِ لِلنِّحَلِ، يُؤَدِّي إِلَى مِثْلِهِ أَوْ أَعْظَمَ مِنْهُ.
وَالْمُتَوَسِّطُ يَزْعُمُ أَنَّهُ مُسَاوٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، إِلَّا أَنَّهُ لَا يَأْتِيهِ الْوَحْيُ.
стр. 311
بَلَغَنِي هَذَا عَنْ طَائِفَةٍ مِنَ الْغَالِينَ فِي شَيْخِهِمْ، الْحَامِلِينَ لِطَرِيقَتِهِمْ فِي زَعْمِهِمْ؛ نَظِيرَ مَا ادَّعَاهُ بَعْضُ تَلَامِذَةِ الْحَلَّاجِ فِي شَيْخِهِمْ عَلَى الِاقْتِصَادِ مِنْهُمْ فِيهِ.
وَالْغَالِي يَزْعُمُ فِيهِ أَشْنَعَ مِنْ هَذَا، كَمَا ادَّعَى أَصْحَابُ الْحَلَّاجِ فِي الْحَلَّاجِ.
وَقَدْ حَدَّثَنِي بَعْضُ الشُّيُوخِ أَهْلُ الْعَدَالَةِ وَالصِّدْقِ فِي النَّقْلِ أَنَّهُ قَالَ: " أَقَمْتُ زَمَانًا فِي بَعْضِ الْقُرَى الْبَادِيَةِ، وَفِيهَا مِنْ هَذِهِ الطَّائِفَةِ الْمُشَارِ إِلَيْهَا كَثِيرٌ ".
قَالَ: " فَخَرَجْتُ يَوْمًا مِنْ مَنْزِلِي لِبَعْضِ شَأْنِي، فَرَأَيْتُ رَجُلَيْنِ مِنْهُمْ قَاعِدَيْنِ يَتَحَدَّثَانِ، فَاتَّهَمْتُ أَنَّهُمَا يَتَحَدَّثَانِ فِي بَعْضِ فُرُوعِ طَرِيقَتِهِمْ، فَقَرُبْتُ مِنْهُمَا عَلَى اسْتِخْفَاءٍ لِأَسْمَعَ مِنْ كَلَامِهِمْ ـ إِذْ مِنَ شَأْنِهِمْ الِاسْتِخْفَاءُ بِأَسْرَارِهِمْ ـ، فَتَحَدَّثَا فِي شَيْخِهِمْ وَعِظَمِ مَنْزِلَتِهِ، وَأَنَّهُ لَا أَحَدَ فِي الدُّنْيَا مِثْلَهُ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ: أَتُحِبُّ الْحَقَّ؟ هُوَ النَّبِيُّ، قَالَ: نَعَمْ، وَطَرِبَا لِهَذِهِ الْمُقَابَلَةِ طَرَبًا عَظِيمًا، ثُمَّ قَالَ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ: أَتُحِبُّ الْحَقَّ؟ هُوَ كَذَا، قَالَ: نَعَمْ، هَذَا هُوَ الْحَقُّ ". قَالَ الْمُخْبِرُ لِي: " فَقُمْتُ مِنْ ذَلِكَ (الْمَكَانَ) فَارًّا أَنْ يُصِيبَنِي مَعَهُمْ قَارِعَةٌ.
وَهَذَا نَمَطُ الشِّيعَةِ الْإِمَامِيَّةِ، وَلَوْلَا الْغُلُوُّ فِي الدِّينِ، وَالتَّكَالُبُ عَلَى نَصْرِ الْمَذْهَبِ، وَالتَّهَالُكِ فِي مَحَبَّةِ الْمُبْتَدَعِ؛ لَمَا وَسِعَ ذَلِكَ عَقْلُ أَحَدٍ، وَلَكِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ، وَذِرَاعًا
стр. 312
بِذِرَاعٍ» الْحَدِيثَ.
فَهَؤُلَاءِ غَلَوْا كَمَا غَلَتِ النَّصَارَى فِي عِيسَى ﵇، حَيْثُ قَالُوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١٧]، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٧٧]، وَفِي الْحَدِيثِ: «وَلَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ، وَلَكِنْ قُولُوا: عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ».
وَمَنْ تَأَمَّلَ هَذِهِ الْأَصْنَافَ؛ وَجَدَ لَهَا مِنَ الْبِدَعِ فِي فُرُوعِ الشَّرِيعَةِ كَثِيرًا؛ لِأَنَّ الْبِدْعَةَ إِذَا دَخَلَتْ فِي الْأَصْلِ؛ سَهُلَتْ مُدَاخَلَتُهَا الْفُرُوعَ.
[فَصْلٌ أَخْذُ الْأَعْمَالِ إِلَى الْمَنَامَاتِ]
فَصْلٌ
وَأَضْعَفُ هَؤُلَاءِ احْتِجَاجًا قَوْمٌ اسْتَنَدُوا فِي أَخْذِ الْأَعْمَالِ إِلَى الْمَنَامَاتِ، وَأَقْبَلُوا وَأَعْرَضُوا بِسَبَبِهَا:
فَيَقُولُونَ: رَأَيْنَا فُلَانًا الرَّجُلَ الصَّالِحَ، فَقَالَ لَنَا: اتْرُكُوا كَذَا، وَاعْمَلُوا كَذَا.
وَيَتَّفِقُ هَذَا كَثِيرًا [لِـ] الْمُتَرَسِّمِينَ بِرَسْمِ التَّصَوُّفِ، وَرُبَّمَا قَالَ بَعْضُهُمْ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي النَّوْمِ، فَقَالَ لِي كَذَا، وَأَمَرَنِي بِكَذَا، فَيَعْمَلُ بِهَا وَيَتْرُكُ بِهَا؛ مُعْرِضًا عَنِ الْحُدُودِ الْمَوْضُوعَةِ فِي الشَّرِيعَةِ.
стр. 313
وَهُوَ خَطَأٌ، لِأَنَّ الرُّؤْيَا مِنْ غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ لَا يُحْكَمُ بِهَا شَرْعًا عَلَى حَالٍ؛ إِلَّا أَنْ تُعْرَضَ عَلَى مَا فِي أَيْدِينَا مِنَ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، فَإِنْ سَوَّغَتْهَا عُمِلَ بِمُقْتَضَاهَا، وَإِلَّا؛ وَجَبَ تَرْكُهَا وَالْإِعْرَاضُ عَنْهَا، وَإِنَّمَا فَائِدَتُهَا الْبِشَارَةُ أَوِ النِّذَارَةُ خَاصَّةً، وَأَمَّا اسْتِفَادَةُ الْأَحْكَامِ؛ فَلَا.
كَمَا يُحْكَى عَنِ الْكَتَّانِيِّ ﵀؛ قَالَ: " رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي الْمَنَامِ، فَقُلْتُ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ لَا يُمِيتَ قَلْبِي، فَقَالَ: قُلْ كُلَّ يَوْمٍ أَرْبَعِينَ مَرَّةً: يَا حَيُّ! يَا قَيُّومُ! لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ ".
فَهَذَا كَلَامٌ حَسَنٌ لَا إِشْكَالَ فِي صِحَّتِهِ، وَكَوْنُ الذِّكْرِ يُحْيِي الْقَلْبَ صَحِيحٌ شَرْعًا، وَفَائِدَةُ الرُّؤْيَا التَّنْبِيهُ عَلَى الْخَيْرِ، وَهُوَ مِنْ نَاحِيَةِ الْبِشَارَةِ، وَإِنَّمَا يَبْقَى الْكَلَامُ فِي التَّحْدِيدِ بِالْأَرْبَعِينَ، وَإِذَا لَمْ يُوجَدُ عَلَى اللُّزُومِ اسْتَقَامَ.
وَعَنْ أَبِي يَزِيدَ الْبَسْطَامِيِّ؛ قَالَ: رَأَيْتُ رَبِّي فِي الْمَنَامِ، فَقُلْتُ: كَيْفَ الطَّرِيقُ إِلَيْكَ؟ فَقَالَ: اتْرُكْ نَفْسَكَ وَتَعَالَى ".
وَشَأْنُ هَذَا الْكَلَامِ مِنَ الشَّرْعِ مَوْجُودٌ، فَالْعَمَلُ بِمُقْتَضَاهُ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّهُ كَالتَّنْبِيهِ لِمَوْضِعِ الدَّلِيلِ؛ لِأَنَّ تَرْكَ النَّفْسِ مَعْنَاهُ تَرْكُ هَوَاهَا بِإِطْلَاقِ، وَالْوُقُوفُ عَلَى قَدَمِ الْعُبُودِيَّةِ، وَالْآيَاتُ تَدُلُّ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى - فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٤٠ - ٤١]،. . . . وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
فَلَوْ رَأَى فِي النَّوْمِ قَائِلًا يَقُولُ: إِنَّ فُلَانًا سَرَقَ فَاقْطَعْهُ، أَوْ عَالِمٌ
стр. 314
فَاسْأَلْهُ، أَوِ اعْمَلْ بِمَا يَقُولُ لَكَ، أَوْ فُلَانٌ زَنَى فَحُدَّهُ. . . وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ؛ لَمْ يَصِحَّ لَهُ الْعَمَلُ، حَتَّى يَقُومَ لَهُ الشَّاهِدُ فِي الْيَقَظَةِ، وَإِلَّا؛ كَانَ عَامِلًا بِغَيْرِ شَرِيعَةٍ، إِذْ لَيْسَ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَحْيٌ.
وَلَا يُقَالُ: إِنِ الرُّؤْيَا مِنْ أَجْزَاءِ النُّبُوَّةِ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ تُهْمَلَ، وَأَيْضًا؛ إِنَّ الْمُخْبِرَ فِي الْمَنَامِ قَدْ يَكُونُ النَّبِيَّ ﷺ ، وَهُوَ قَدْ قَالَ: «مَنْ رَآنِي فِي النَّوْمِ؛ فَقَدْ رَآنِي حَقًا؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَمَثَّلُ بِي»، وَإِذَا كَانَ. . . فَإِخْبَارُهُ فِي النَّوْمِ كَإِخْبَارِهِ فِي الْيَقَظَةِ.
لِأَنَّا نَقُولُ: إِنْ كَانَتِ الرُّؤْيَا مِنْ أَجْزَاءِ النُّبُوَّةِ؛ فَلَيْسَتْ إِلَيْنَا مِنْ كَمَالِ الْوَحْيِ، بَلْ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَائِهِ، وَالْجُزْءُ لَا يَقُومُ مَقَامَ الْكُلِّ فِي جَمِيعِ الْوُجُوهِ، بَلْ إِنَّمَا يَقُومُ مَقَامَهُ فِي بَعْضِ الْوُجُوهِ، وَقَدْ صُرِفَتْ إِلَى جِهَةِ الْبِشَارَةِ وَالنِّذَارَةِ، وَفِيهَا كَافٌ.
وَأَيْضًا؛ فَإِنَّ الرُّؤْيَا الَّتِي هِيَ جُزْءٌ مِنْ (أَجْزَاءِ) النُّبُوَّةِ؛ مِنْ شَرْطِهَا أَنْ تَكُونَ صَالِحَةً مِنَ الرَّجُلِ الصَّالِحِ، وَحُصُولُ الشُّرُوطِ مِمَّا يُنْظَرُ فِيهِ، فَقَدْ تَتَوَفَّرُ وَقَدْ لَا تَتَوَفَّرُ.
وَأَيْضًا؛ فَهِيَ مُنْقَسِمَةٌ إِلَى الْحُلْمِ ـ وَهُوَ مِنَ الشَّيْطَانِ ـ، وَإِلَى حَدِيثِ النَّفْسِ، وَقَدْ تَكُونُ سَبَبَ هَيَجَانِ بَعْضِ أَخْلَاطٍ، فَمَتَى تَتَعَيَّنُ الصَّالِحَةُ حَتَّى يَحْكُمَ بِهَا وَنَتْرُكُ غَيْرَ الصَّالِحَةِ؟!.
وَيَلْزَمُ أَيْضًا عَلَى ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ تَجْدِيدَ وَحْيٍ بِحُكْمٍ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ بِالْإِجْمَاعِ.
стр. 315
" يُحْكَى أَنَّ شَرِيكَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْقَاضِي دَخَلَ عَلَى الْمَهْدِيِّ، فَلَمَّا رَآهُ؛ قَالَ: عَلَيَّ بِالسَّيْفِ وَالنَّطْعِ، قَالَ: وَلِمَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: رَأَيْتُ فِي مَنَامِي كَأَنَّكَ تَطَأُ بِسَاطِي وَأَنْتَ مُعْرِضٌ عَنِّي، فَقَصَصْتُ رُؤْيَايَ عَلَى مَنْ عَبَرَهَا، فَقَالَ لِي: يُظْهِرُ لَكَ طَاعَةً وَيُضْمِرُ مَعْصِيَةً. فَقَالَ لَهُ شَرِيكٌ: وَاللَّهِ مَا رُؤْيَاكَ بِرُؤْيَا إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ ﵇، وَلَا أَنَّ مُعَبِّرَكَ بِيُوسُفَ الصِّدِّيقِ ﵇، فَبِالْأَحْلَامِ الْكَاذِبَةِ تَضْرِبُ أَعْنَاقَ الْمُؤْمِنِينَ؟ فَاسْتَحْيَا الْمَهْدِيُّ، وَقَالَ: اخْرُجْ عَنِّي، ثُمَّ صَرَفَهُ وَأَبْعَدَهُ.
وَحَكَى الْغَزَالِيُّ عَنْ بَعْضِ الْأَئِمَّةِ: " أَنَّهُ أَفْتَى بِوُجُوبِ قَتْلِ رَجُلٍ يَقُولُ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ، فَرُوجِعَ فِيهِ فَاسْتَدَلَّ بِأَنَّ رَجُلًا رَأَى فِي مَنَامِهِ إِبْلِيسَ قَدِ اجْتَازَ بِبَابِ الْمَدِينَةِ وَلَمْ يَدْخُلْهَا؟ فَقِيلَ: هَلْ دَخَلْتَهَا؟ فَقَالَ: أَغْنَانِي عَنْ دُخُولِهَا رَجُلٌ يَقُولُ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ، فَقَامَ ذَلِكَ الرَّجُلُ، فَقَالَ: لَوْ أَفْتَى إِبْلِيسُ بِوُجُوبِ قَتْلِي فِي الْيَقَظَةِ؛ هَلْ تُقَلِّدُونَهُ فِي فَتْوَاهُ؟ فَقَالُوا: لَا! فَقَالَ: قَوْلُهُ فِي الْمَنَامِ لَا يَزِيدُ عَلَى قَوْلِهِ فِي الْيَقَظَةِ ".
وَأَمَّا الرُّؤْيَا الَّتِي يُخْبِرُ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الرَّائِي بِالْحُكْمِ؛ فَلَا بُدَّ مِنَ النَّظَرِ فِيهَا أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ إِذَا أَخْبَرَ بِحُكْمٍ مُوَافِقٍ لِشَرِيعَتِهِ؛ فَالْحُكْمُ بِمَا اسْتَقَرَّ، وَإِنْ أَخْبَرَ بِمُخَالِفٍ؛ فَمُحَالٌ؛ لِأَنَّهُ ﵇ لَا يَنْسَخُ بَعْدَ مَوْتِهِ شَرِيعَتَهُ الْمُسْتَقِرَّةَ فِي حَيَاتِهِ؛ لِأَنَّ الدِّينَ لَا يَتَوَقَّفُ اسْتِقْرَارُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ عَلَى حُصُولِ الْمَرَائِي النَّوْمِيَّةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ، فَمَنْ رَأَى شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَلَا عَمَلَ عَلَيْهِ، وَعِنْدَ ذَلِكَ نَقُولُ: إِنَّ رُؤْيَاهُ غَيْرُ صَحِيحَةٍ، إِذْ لَوْ رَآهُ حَقًّا؛ لَمْ يُخْبِرْهُ بِمَا يُخَالِفُ الشَّرْعَ.
لَكِنْ يَبْقَى النَّظَرُ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ : «مَنْ رَآنِي فِي النَّوْمِ فَقَدَ
стр. 316
رَآنِي» وَفِيهِ تَأْوِيلَانِ:
أَحَدُهُمَا: مَا ذَكَرَهُ ابْنُ رُشْدٍ، إِذْ سُئِلَ عَنْ حَاكِمٍ شَهِدَ عِنْدَهُ عَدْلَانِ مَشْهُورَانِ بِالْعَدَالَةِ فِي قَضِيَّةٍ، فَلَمَّا نَامَ الْحَاكِمُ؛ ذَكَرَ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ لَهُ: تَحْكُمُ بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ؟! فَإِنَّهَا بَاطِلَةٌ؟.
فَأَجَابَ بِأَنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَتْرُكَ الْعَمَلَ بِتِلْكَ الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إِبْطَالٌ لِأَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ بِالرُّؤْيَا، وَذَلِكَ بَاطِلٌ لَا يَصِحُّ أَنْ يُعْتَقَدَ، إِذْ لَا يَعْلَمُ الْغَيْبَ مِنْ نَاحِيَتِهَا إِلَّا الْأَنْبِيَاءُ الَّذِينَ رُؤْيَاهُمْ وَحْيٌ، وَمَنْ سِوَاهُمْ؛ إِنَّمَا رُؤْيَاهُمْ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ.
ثُمَّ قَالَ: وَلَيْسَ مَعْنَى قَوْلِهِ: «مَنْ رَآنِي فَقَدْ رَآنِي حَقًّا»، أَنَّ كُلَّ مَنْ رَأَى فِي مَنَامِهِ أَنَّهُ رَآهُ فَقَدْ رَآهُ حَقِيقَةً، بِدَلِيلٍ أَنَّ الرَّائِيَ قَدْ يَرَاهُ مَرَّاتٍ عَلَى صُوَرٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَيَرَاهُ الرَّائِي عَلَى صِفَةٍ، وَغَيْرِهِ عَلَى صِفَةٍ أُخْرَى. وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَخْتَلِفَ صُوَرُ النَّبِيِّ ﷺ وَلَا صِفَاتُهُ، وَإِنَّمَا مَعْنَى الْحَدِيثِ: مَنْ رَآنِي عَلَى صُورَتَيِ الَّتِي خُلِقْتُ عَلَيْهَا. فَقَدْ رَآنِي، إِذْ لَا يَتَمَثَّلُ الشَّيْطَانُ بِي، إِذْ لَمْ يَقُلْ: مَنْ رَأَى أَنَّهُ رَآنِي فَقَدْ رَآنِي؛ وَإِنَّمَا قَالَ: «مَنْ رَآنِي فَقَدْ رَآنِي»، وَأَنَّى لِهَذَا الرَّائِي الَّذِي رَأَى أَنَّهُ رَآهُ عَلَى صُورَةٍ أَنَّهُ رَآهُ عَلَيْهَا؟، وَإِنْ ظَنَّ أَنَّهُ رَآهُ، مَا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ تِلْكَ الصُّورَةَ صُورَتُهُ بِعَيْنِهَا؟!، وَهَذَا مَا لَا طَرِيقَ لِأَحَدٍ إِلَى مَعْرِفَتِهِ.
فَهَذَا مَا نُقِلَ عَنِ ابْنِ رُشْدٍ، وَحَاصِلُهُ يَرْجِعُ إِلَى أَنَّ الْمَرْئِيَّ قَدْ يَكُونُ غَيْرَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَإِنِ اعْتَقَدَ الرَّائِي أَنَّهُ هُوَ.
الثَّانِي: يَقُولُهُ عُلَمَاءُ التَّعْبِيرِ: إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَأْتِي النَّائِمَ فِي صُورَةٍ
стр. 317
مَا مِنْ مَعَارِفِ الرَّائِي وَغَيْرِهِمْ، فَيُشِيرُ لَهُ إِلَى رَجُلٍ آخَرَ: هَذَا فُلَانٌ النَّبِيُّ، وَهَذَا الْمِلْكُ الْفُلَانِيُّ، أَوْ مَنْ أَشْبَهَ هَؤُلَاءِ مِمَّنْ لَا يَتَمَثَّلُ الشَّيْطَانُ بِهِ، فَيُوقِفُ اللَّبْسَ عَلَى الرَّائِي بِذَلِكَ، وَلَهُ عَلَامَةٌ عِنْدَهُمْ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ؛ أَمْكَنَ أَنْ يُكَلِّمَهُ الْمُشَارُ إِلَيْهِ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ غَيْرِ الْمُوَافِقَيْنِ لِلشَّرْعِ، فَيَظُنُّ الرَّائِي أَنَّهُ مِنْ قِبَلِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَلَا يَكُونُ كَذَلِكَ، فَلَا يُوثِقُ بِمَا يَقُولُ لَهُ أَوْ يَأْمُرُ أَوْ يَنْهَى.
وَمَا أَحْرَى هَذَا الضَّرْبَ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ أَوِ النَّهْيُ فِيهِ مُخَالِفًا لِكَمَالِ الْأَوَّلِ، [وَهُوَ لَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ ﷺ ] حَقِيقًا بِأَنْ يَكُونَ فِيهِ مُوَافِقًا، وَعِنْدَ ذَلِكَ لَا يَبْقَى فِي الْمَسْأَلَةِ إِشْكَالٌ.
نَعَمْ؛ لَا يَحْكُمُ بِمُجَرَّدِ الرُّؤْيَا حَتَّى يَعْرِضَهَا عَلَى الْعِلْمِ؛ لِإِمْكَانِ اخْتِلَاطِ أَحَدِ الْقِسْمَيْنِ بِالْآخَرِ وَعَلَى الْجُمْلَةِ، فَلَا يَسْتَدِلُّ (بِالرُّؤْيَا) فِي الْأَحْكَامِ إِلَّا ضَعِيفُ الْمِنَّةِ.
نَعَمْ؛ يَأْتِي الْمَرْئِيَّ تَأْنِيسًا وَبِشَارَةً وَنِذَارَةً خَاصَّةً، بِحَيْثُ لَا يَقْطَعُونَ بِمُقْتَضَاهَا حُكْمًا، وَلَا يَبْنُونَ عَلَيْهَا أَصْلًا، وَهُوَ الِاعْتِدَالُ فِي أَخْذِهَا، حَسْبَمَا فُهِمَ مِنَ الشَّرْعِ فِيهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَصْلٌ الِاجْتِمَاعُ فِي بَعْضِ اللَّيَالِي وَالْأَخْذُ بِالذِّكْرِ الْجَهْرِيِّ عَلَى صَوْتٍ وَاحِدٍ]
فَصْلٌ
وَقَدْ رَأَيْنَا أَنْ نَخْتِمَ الْكَلَامَ فِي الْبَابِ بِفَصْلٍ جَمَعَ جُمْلَةً مِنْ الِاسْتِدْلَالَاتِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَغَيْرِهَا فِي مَعْنَاهَا، وَفِيهِ مِنْ نُكَتِ هَذَا الْكِتَابِ جُمْلَةٌ أُخْرَى، فَهُوَ مِمَّا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ بِحَسْبَ الْوَقْتِ وَالْحَالِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ
стр. 318
طُولٌ، وَلَكِنَّهُ يَخْدِمُ مَا نَحْنُ فِيهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
وَذَلِكَ أَنَّهُ وَقَعَ السُّؤَالُ عَنْ قَوْمٍ يَتَسَمَّوْنَ بِالْفُقَرَاءِ، يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ سَلَكُوا طَرِيقَ الصُّوفِيَّةِ، فَيَجْتَمِعُونَ فِي بَعْضِ اللَّيَالِي، وَيَأْخُذُونَ فِي الذِّكْرِ الْجَهْرِيِّ عَلَى صَوْتٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ فِي الْغَنَاءِ وَالرَّقْصِ إِلَى آخَرَ اللَّيْلِ، وَيَحْضُرُ مَعَهُمْ بَعْضُ الْمُتَسَمِّينَ بِالْفُقَهَاءِ، يَتَرَسَّمُونَ بِرَسْمِ الشُّيُوخِ الْهُدَاةِ إِلَى سُلُوكِ ذَلِكَ الطَّرِيقِ؛ هَلْ هَذَا الْعَمَلُ صَحِيحٌ فِي الشَّرْعِ أَمْ لَا؟
فَوَقَعَ الْجَوَابُ بِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِنَ الْبِدَعِ الْمُحْدَثَاتِ، الْمُخَالَفَةِ طَرِيقَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَطَرِيقَةَ أَصْحَابِهِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ، فَنَفَعَ بِذَلِكَ مَنْ شَاءَ مِنْ خَلْقِهِ.
ثُمَّ إِنَّ الْجَوَابَ وَصَلَ إِلَى بَعْضِ الْبُلْدَانِ، فَقَامَتْ عَلَى الْعَامِلِينَ بِتِلْكَ الْبِدَعِ، وَخَافُوا انْدِرَاسَ طَرِيقَتِهِمْ وَانْقِطَاعَ أَكْلِهِمْ بِهَا، فَأَرَادُوا الِانْتِصَارَ لِأَنْفُسِهِمْ، بَعْدَ أَنْ رَامُوا ذَلِكَ بِالِانْتِسَابِ بِالسُّنَّةِ إِلَى شُيُوخِ الصُّوفِيَّةِ الَّذِينَ ثَبَتَتْ فَضِيلَتُهُمْ وَاشْتُهِرَتْ فِي الِانْقِطَاعِ إِلَى اللَّهِ وَالْعَمَلِ بِالسُّنَّةِ طَرِيقَتُهُمْ، فَلَمْ يَسْتَقِرَّ لَهُمْ الِاسْتِدْلَالُ؛ لِكَوْنِهِمْ عَلَى ضِدِّ مَا كَانَ عَلَيْهِ الْقَوْمُ؛ فَإِنَّهُمْ كَانُوا بَنَوْا نِحْلَتَهُمْ عَلَى ثَلَاثَةِ أُصُولٍ: الِاقْتِدَاءُ بِالنَّبِيِّ ﷺ فِي الْأَخْلَاقِ وَالْأَفْعَالِ، وَأَكْلِ الْحَلَالِ وَإِخْلَاصِ النِّيَّةِ فِي جَمِيعِ الْأَعْمَالِ، وَهَؤُلَاءِ قَدْ خَالَفُوهُمْ فِي هَذِهِ الْأُصُولِ، فَلَا يُمْكِنُهُمُ الدُّخُولُ تَحْتَ تَرْجَمَتِهِمْ.
وَكَانَ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ سَأَلَ بَعْضَ شُيُوخِ الْوَقْتِ فِي مَسْأَلَةٍ تُشْبِهُ هَذِهِ، لَكِنْ حَسَّنَ ظَاهِرَهَا بِحَيْثُ يَكَادُ بَاطِنُهَا يَخْفَى عَلَى غَيْرِ الْمُتَأَمِّلِ، فَأَجَابَ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ عَلَى مُقْتَضَى ظَاهِرِهَا؛ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ إِلَى مَا
стр. 319
هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْبِدَعِ وَالضَّلَالَاتِ.
وَلَمَّا سَمِعَ بَعْضُهُمْ بِهَذَا الْجَوَابِ؛ أَرْسَلَ بِهِ إِلَى بَلْدَةٍ أُخْرَى، فَأَتَى بِهِ، فَرَحَلَ إِلَى غَيْرِ بَلَدِهِ، وَشَهَرَ فِي شِيعَتِهِ أَنَّ بِيَدِهِ حُجَّةً لِطَرِيقَتِهِمْ تَقْهَرُ كُلَّ حُجَّةٍ، وَأَنَّهُ طَالِبٌ لِلْمُنَاظَرَةِ فِيهَا، فَدُعِيَ لِذَلِكَ، فَلَمْ يَقُمْ فِيهِ وَلَا قَعَدَ؛ غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: (إِنَّ) هَذِهِ حُجَّتِي، وَأَلْقَى بِالْبِطَاقَةِ الَّتِي بِخَطِّ الْمُجِيبِ، وَكَانَ هُوَ وَمُحِبُّهُ وَأَشْيَاعُهُ يَطِيرُونَ بِهَا فَرَحًا.
فَوَصَلَتِ الْمَسْأَلَةُ إِلَى غَرْنَاطَةَ، وَطُلِبَ مِنَ الْجَمِيعِ النَّظَرُ فِيهَا، فَلَمْ يَسَعْ أَحَدًا لَهُ قُوَّةٌ عَلَى النَّظَرِ فِيهَا؛ إِلَّا أَنْ يُظْهِرَ وَجْهَ الصَّوَابِ فِيهَا الَّذِي يُدَانُ اللَّهُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ مِنَ النَّصِيحَةِ الَّتِي هِيَ الدِّينُ الْقَوِيمُ وَالصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ.
وَنَصُّ خُلَاصَةِ السُّؤَالِ: مَا يَقُولُ الشَّيْخُ فُلَانٌ فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ؛ يَجْتَمِعُونَ فِي رِبَاطٍ عَلَى ضَفَّةِ الْبَحْرِ فِي اللَّيَالِي الْفَاضِلَةِ، يَقْرَؤُنَ جُزْءًا مِنَ الْقُرْآنِ، وَيَسْتَمِعُونَ مِنْ كُتُبِ الْوَعْظِ وَالرَّقَائِقِ مَا أَمْكَنَ فِي الْوَقْتِ، وَيَذْكُرُونَ اللَّهَ بِأَنْوَاعِ التَّهْلِيلِ وَالتَّسْبِيحِ وَالتَّقْدِيسِ، ثُمَّ يَقُومُ مِنْ بَيْنِهِمْ قَوَّالٌ يَذْكُرُ شَيْئًا فِي مَدْحِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَيُلْقِي مِنَ السَّمَاعِ مَا تَتُوقُ النَّفْسُ إِلَيْهِ وَتَشْتَاقُ سَمَاعَهُ مِنْ صِفَاتِ الصَّالِحِينَ، وَذِكْرِ آلَاءِ اللَّهِ وَنَعْمَائِهِ، وَيُشَوِّقُهُمْ بِذِكْرِ الْمَنَازِلِ الْحِجَازِيَّةِ وَالْمَعَاهِدِ النَّبَوِيَّةِ، فَيَتَوَاجَدُونَ اشْتِيَاقًا لِذَلِكَ، ثُمَّ يَأْكُلُونَ مَا حَضَرَ مِنَ الطَّعَامِ، وَيَحْمَدُونَ اللَّهَ سُبْحَانَهُ، وَيُرَدِّدُونَ الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَيَبْتَهِلُونَ بِالْأَدْعِيَةِ إِلَى اللَّهِ فِي صَلَاحِ أُمُورِهِمْ، وَيَدْعُونَ لِلْمُسْلِمِينَ وَلِإِمَامِهِمْ، وَيَفْتَرِقُونَ؛ فَهَلْ يَجُوزُ اجْتِمَاعُهُمْ عَلَى مَا ذَكَرَ؟ أَمْ يَمْنَعُونَ وَيُنْكِرُ عَلَيْهِمْ؟ وَمَنْ دَعَاهُمْ مِنَ الْمُحِبِّينَ إِلَى مَنْزِلِهِ بِقَصْدِ التَّبَرُّكِ؛ هَلْ يُجِيبُونَ دَعْوَتَهُ وَيَجْتَمِعُونَ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ أَمْ لَا؟
стр. 320
فَأَجَابَ بِمَا مَحْصُولُهُ:
مَجَالِسُ تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ وَذِكْرِ اللَّهِ هِيَ رِيَاضُ الْجَنَّةِ، ثُمَّ أَتَى بِالشَّوَاهِدِ عَلَى طَلَبِ ذِكْرِ اللَّهِ.
وَأَمَّا الْإِنْشَادَاتُ الشِّعْرِيَّةُ؛ فَإِنَّمَا الشِّعْرُ كَلَامٌ؛ حَسَنُهُ حَسَنٌ، وَقَبِيحُهُ قَبِيحٌ، وَفِي الْقُرْآنِ فِي شُعَرَاءِ الْإِسْلَامِ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الشعراء: ٢٢٧]، وَذَلِكَ أَنَّ حَسَّانَ بْنَ ثَابِتٍ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ، وَكَعْبًا لَمَّا سَمِعُوا قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤]؛ بَكَوْا عِنْدَ سَمَاعِهَا، فَنَزَلَ الِاسْتِثْنَاءُ، وَقَدْ أُنْشِدَ الشِّعْرُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَرَقَّتْ نَفْسُهُ الْكَرِيمَةُ، وَذَرَفَتْ عَيْنَاهُ لِأَبْيَاتِ أُخْتِ النَّضْرِ؛ لِمَا طُبِعَ عَلَيْهِ مِنَ الرَّأْفَةِ وَالرَّحْمَةِ.
وَأَمَّا التَّوَاجُدُ عِنْدَ السَّمَاعِ؛ فَهُوَ فِي الْأَصْلِ رَقْدُ النَّفْسِ، وَاضْطِرَابُ الْقَلْبِ فَيَتَأَثَّرُ الظَّاهِرُ بِتَأَثُّرِ الْبَاطِنِ؛ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: ٢]؛ أَيِ: اضْطَرَبَتْ رَغَبًا أَوْ رَهَبًا، وَعَنِ اضْطِرَابِ الْقَلْبِ يَحْصُلُ اضْطِرَابُ الْجِسْمِ؛ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا﴾ [الكهف: ١٨] الْآيَةَ، وَقَالَ: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ [الذاريات: ٥٠].
فَإِنَّمَا التَّوَاجُدُ رِقَّةٌ نَفْسِيَّةٌ، وَهَزَّةٌ قَلْبِيَّةٌ، وَنَهْضَةٌ رُوحَانِيَّةٌ، وَهَذَا هُوَ
следующие страницы →