← Фикх шафии

Фикх шафии · id 21721

البيان في مذهب الإمام الشافعي

العمراني

Полный текст (7 092 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

وعن عائشة ﵂: (لا زكاة في اللؤلؤ) . ولا مخالف لهما في الصحابة. ولأنه مالٌ مقومٌ مستفادٌ من البحر، فلم تجب فيه الزكاة، كالمسك، وفيه احترازٌ من الذهب والفضة؛ لأنهما قيمة الأشياء. [مسألة: نصاب الذهب والورق] ولا تجب الزكاة في الذهب والفضة إلا في النصاب، ونصاب الذهب عشرون مثقالًا، ونصاب الفضة مائتا درهمٍ. وقال مالكٌ: (إذا نقص عن ذلك حبة أو حبتان، ففيهما الزكاة؛ لأنها تجوز بجواز الوزانة، ومعناه: أنه إذا كان عليه لغريمه عشرون مثقالًا، فحمل إليه عشرون مثقالًا، إلا حبة أو حبتين.. فإنه لا يرد ذلك، وكذلك في مائتي درهم، هكذا ذكره في " الموطأ ".

стр. 1402

وحكى الأبهري: أن مذهب مالكٍ: إذا نقصت حبة أو حبتين، في جميع الموازين.. فلا زكاة عليه، وإن نقصت في ميزانٍ دون ميزانٍ.. فعليه الزكاة. وقال عطاءٌ، والزهري: الأصل الورق، والذهب محمولٌ عليه. فإذا كان معه من الذهب ما يبلغ قيمته مائتي درهم.. فعليه الزكاة وإن كان أقل من عشرين مثقالًا. وقال الحسن البصري: لا زكاة في الذهب حتى يبلغ أربعين مثقالًا؛ لئلا يستفتح ما يؤخذ زكاته بالكسر. دليلنا: ما روى عمرو بن شعيبٍ، عن أبيه، عن جده: أن النبي ﷺ قال: «ليس فيما دون عشرين مثقالًا من الذهب صدقة، ولا فيما دون مائتي درهمٍ من الورق صدقة» . وهذا حجة على الكل. إذا ثبت هذا: فإنه لا يعتبر العدد، بل إذا ملك عشرين مثقالًا بالوزن: إما تبرًا أو مضروبًا، أو قطعة ذهبٍ.. فإن الزكاة تجب عليه، وكذلك: إذا ملك مائتي درهمٍ بالوزن بهذه الصفة.. فعليه الزكاة، وهو قول كافة العلماء.

стр. 1403

وقال المغربي من أهل الظاهر: إذا ملك مائتي درهم عددًا.. فعليه الزكاة سواءٌ كانت صغارًا أو كبارًا، وإن كان معه أقل من مائتي درهم عددًا.. فلا زكاة عليه، وإن كان وزنها أكثر من مائتي درهمٍ. وهذا قولٌ يخالف الإجماع؛ لأن الأمة قد أجمعت قبله على ما ذكرناه. إذا تقرر ما ذكرناه: فإن المثقال لم يختلف في جاهلية ولا إسلامٍ. وأما الدراهم: فقال أبو عبيدٍ القاسم بن سلام: سمعت شيخًا من أهل المعرفة بهذا الشأن يقول: كانت الدراهم في الجاهلية نوعين: كسروية سوداء ثقالًا، في كل درهمٍ منها درهمٌ ودانقان. وطبرية خفافًا، في كل درهم منها أربعة دوانق، فلما كان الإسلام، وكانت الزكاة تجب في مائتي درهمٍ، وأراد بنو أمية ضرب الدراهم، فقالوا: إن ضربنا من الكسروية.. أضررنا بالمساكين، وإن ضربنا من الطبرية.. أضررنا بأرباب الأموال، فجمعوا الدرهمين الكسروي والطبري، فبلغا اثني عشر دانقًا، فضربوا من ذلك درهمين متساويين في كل درهمٍ ستة دوانيق، وفي كل عشرة دراهم سبعة مثاقيل؛ لأن المثقال لم يختلف. وقيل: إن الذي ضرب الدراهم زياد بن أبيه في أيام معاوية. وقيل: بل هو الحجاج بن يوسف في زمان عبد الملك بن مروان. فالأوقية: أربعون درهمًا؛ لقوله ﷺ : «إذا بلغ مال أحدكم خمس أواقٍ مائتي درهمٍ.. ففيه خمسة دراهم» . وقالت عائشة ﵂: «كان مهور أزواج النبي ﷺ وبناته اثني عشر أوقية ونشًا، أتدرون ما النش؟ قال: قلت: لا، قالت: نصف أوقية: عشرون درهمًا» .

стр. 1404

وقال أبو العباس ابن سريج: الدراهم لم تختلف - أيضًا - كالمثقال. قال الشيخ أبو حامدٍ: وهذا غلطٌ؛ لأن الشافعي ﵀ قال: (مائتا درهمٍ من دراهم الإسلام) . فلولا أنه اختلف بالجاهلية والإسلام.. لما قيده بالإسلام. إذا ثبت هذا: فذكر في " المهذب " في (الزكاة) : ودراهم الإسلام الذي كل أوقية بسبعة مثاقيل. وهذا مخالف لما ذكره الشيخ أبو حامدٍ وغيره. وقد ذكر في " المهذب " - أيضًا - في (الإقرار) : الذي وزن كل عشرة دراهم بسبعة مثاقيل. كما ذكره غيره، فيحتمل ما ذكره: أنه أراد الذي ربع كل أوقية بسبعة مثاقيل، فأسقط الكاتب قوله: ربعٌ، ويحتمل: أن يكون الشيخ أبو إسحاق لم يرد بقوله: الأوقية الشرعية، وإنما أراد: الأوقية المستعملة عند الناس، فإن الناس يسمون عشرة دراهم: أوقية. [فرع: لا يكمل نصاب ذهب بنصاب فضة] ] : ولا يضم الذهب إلى الفضة في إكمال النصاب، بل يعتبر نصاب كل واحدٍ منهما بنفسه. وقال أبو حنيفة: (يضم أحدهما على الآخر بالقيمة) .

стр. 1405

وقال مالكٌ، وأبو يوسف، ومحمدٌ: (يضم أحدهما إلى الآخر بالأجزاء، فإذا كان معه عشرة مثاقيل ومائة درهمٍ.. وجبت عليه الزكاة) . دليلنا: قوله ﷺ : «ليس فيما دون عشرين مثقالًا من الذهب صدقة، ولا فيما دون خمس أواقٍ من الورق صدقة» . ولم يفرق بين أن يكون معه ما يتم ذلك من الجنس الآخر، أو لا شيء معه. ولأنهما مالان نصابهما مختلفٌ، فلم يضم أحدهما إلى الآخر في إكمال النصاب، كالإبل والبقر. [مسألة: كمال النصاب من أول الحول وإلى آخره] ] : قال الشافعي: (ولا تجب الزكاة في الذهب، حتى يكون عشرين مثقالًا في أول الحول وآخره، فإن نقصت شيئًا، ثم تمت عشرين مثقالًا.. فلا زكاة فيها حتى يستقبل بها حولًا من يوم تمت) . وجملة ذلك: أن المال الذي تجب الزكاة في عينه، ويعتبر فيه الحول، مثل: الذهب والفضة والمواشي، يعتبر وجود النصاب فيه من أول الحول إلى آخره، فإن نقص عن النصاب في أثناء الحول.. انقطع الحول، وبه قال مالكٌ وأحمد. وقال أبو حنيفة: (الاعتبار بالنصاب: كلا طرفي الحول، فإن نقص عن النصاب في أثناء الحول.. لم ينقطع الحول إذا بقي من المال شيءٌ) . بيانه: إذا كان معه أربعون شاة في أول الحول، فهلك الجميع إلا واحدًا في أثناء الحول، ثم ملك في آخر الحول تسعًا وثلاثين، مع الباقية من الأربعين.. وجبت عليه الزكاة عند تمام الحول من حين ملك الأربعين. دليلنا: قوله ﷺ : «لا زكاة في مالٍ حتى يحول عليه الحول» . وهذا المستفاد لم يحل عليه الحول.

стр. 1406

[فرع: زكاة النقدين ربع العشر] ] : وزكاة الذهب والفضة ربع العشر؛ لقوله ﷺ : «وفي الرقة ربع العشر» . ويجب فيما زاد على النصاب بحسابه، وبه قال من الصحابة: علي بن أبي طالب، وابن عمر، ومن الفقهاء: مالكٌ، وابن أبي ليلى ﵄. وقال أبو حنيفة: (لا تجب فيما زاد على عشرين مثقالًا شيءٌ حتى تبلغ الزيادة أربعة دنانير، ولا تجب فيما زاد على مائتي درهم شيءٌ حتى تبلغ الزيادة أربعين درهمًا) . دليلنا: ما روى علي بن أبي طالب ﵁: أن النبي ﷺ قال: «هاتوا ربع العشر من الورق من كل أربعين درهمًا درهمٌ، ولا شيء في الورق حتى تبلغ مائتي درهمٍ، فإذا بلغ مائتي درهم.. ففيها خمسة دراهم، فإذا زاد على ذلك.. ففيها بحسابها» ، ولأنها زيادة على نصابٍ في جنسٍ لا ضرر في تبعيضه، فوجب فيما زاد بحسابه، كالحبوب، وفيه احترازٌ من الماشية؛ لأن في تبعيضها ضررًا. [فرع: إذا كانت الدراهم جيدة ورديئة] ] : إذا كان بعض دراهمه جيدة وبعضها رديئة من جهة الجنس، مثل: أن يكون بعضها لينة، وبعضها خشنة.. ضم بعضها إلى بعضٍ في إكمال النصاب، وتخرج الزكاة من كل واحدٍ منها بقسطها، وكذلك: إذا كانت أنواعًا.. أخرج من كل نوع بقسطه. وإن كثرت الأنواع.. فذكر في " المهذب ": أنه يخرج الوسط، كما قلنا في الثمار.

стр. 1407

وأما ضرب الدراهم المغشوشة: فيكره ذلك للإمام؛ لأنه ربما غر المسلمون بعضهم بعضًا بها؛ ولأن من عليه عشرة دراهم إذا دفع عنها عشرة دراهم مغشوشة.. لا تبرأ ذمته إذا لم تكن الفضة فيها عشرة دراهم. وأما غير الإمام: فيكره له ضرب الدراهم المغشوشة؛ لما ذكرناه في الإمام، ولأن ضرب الدراهم للإمام، فلا يفتات عليه، وهل يصح الشراء بها؟ فيه وجهان: يأتي ذكرهما. وأما وجوب الزكاة فيها: فإن كانت الفضة فيها أقل من مائتي درهمٍ.. لم تجب فيها الزكاة؛ لأنها أقل من النصاب. وإن كانت الفضة فيها تبلغ مائتي درهم.. وجبت فيها الزكاة، وبه قال مالكٌ، وأحمدُ. وقال أبو حنيفة: (إن كان الغش فيها أقل.. وجبت فيها الزكاة، وإن كان الغش أكثر أو كانا سواءً.. لم تجب) . دليلنا: قوله ﷺ : «ليس فيما دون خمس أواقٍ من الورق صدقة» . وهذه دون خمسة أواقٍ. إذا ثبت هذا: فإن كان يعرف قدر الفضة التي فيها.. أخرج عنها الزكاة، وإن كان لا يعرف.. فهو بالخيار بين أن يمسكها؛ ليعرف الفضة، فيخرج منها، أو يخرج الزكاة، ويستظهر، بحيث يعلم أنه لم ينقص عما وجب عليه فيها، فإن كان معه ألف درهمٍ مغشوشة، فأخرج عنها خمسة وعشرين درهمًا فضة.. قال الشافعي: (قبل منه وقد تطوع بالفضل) .

стр. 1408

[فرع: يخرج زكاته من دراهمه] ] : إذا كان معه مائتا درهمٍ جيدة قد وجبت فيها الزكاة، فأخرج عنها خمسة دراهم مغشوشة.. فإنها لا تجزئه. وقال أبو حنيفة: (تجزئه) . وقال محمد بن الحسن: يجزئه ما فيها من الفضة، وعليه أن يخرج الفضل، فيتصدق به. دليلنا: أنه أخرج المغشوش عن الجيد، فلم يجزه، كما لو أخرج مريضة عن الصحاح. إذا ثبت هذا: فهل له أن يسترجعها؟ قال أبو العباس: فيه قولان: أحدهما: ليس له أن يسترجعها، وتكون تطوعًا؛ لأنه أخرج المعيب في حق الله تعالى، لم يكن له استرجاعه، كما لو وجب عليه عتق رقبة سليمة، فأعتق رقبة معيبة. والثاني: له أن يسترجعها، وهو الصحيح؛ لأنه أخرجها عن الزكاة، فإذا لم تقع موقعها.. كان له استرجاعها، كما لو أسلف الزكاة، فتلف ماله. قال ابن الصباغ: وهذا ينبغي إذا دفعها وقال: هذه زكاة هذا المال بعينه، فأما مع الإطلاق، فلا يتوجه الرجوع. فإذا قلنا: له أن يسترجعها، فإن كانت باقية.. أخذها، وإن استهلكها المساكين.. أخرج الفضل. قال أبو العباس: وكيفية معرفة ذلك أن يبتاع بأربعة دراهم فضة جيدة قطعة ذهبٍ، ثم يبتاع بتلك القطعة دراهم مغشوشة، فإن ابتاع بها خمسة مغشوشة.. علمنا أن قيمة التي أخرج أربعة دراهم جيدة، فيخرج درهمًا جيدًا. قال الشيخ أبو حامدٍ: وكنت قد حكيتها عن أبي العباس، بخلاف هذا، وغلطت فيه، والصحيح هذا، فينبغي لمن عقلها أن يضرب عليها.

стр. 1409

[فرع: مزيج الذهب بفضة] ] : ذكر في " التعليق " و " المجموع ": إذا كانت له فضة ملطخة بذهبٍ، أو ذهبٌ ملطخٌ بفضة، فإن كان رب المال يعلم قدر كل واحدٍ منهما.. رجع إليه، وإن قال: لا أعلم، فإن كان رب المال هو المخرج للزكاة.. نظرت: فإن قال: يغلب على ظني أن الذهب كذا، والفضة كذا.. جاز أن يخرج الزكاة على غالب ظنه؛ لأن ذلك موكولٌ إلى الاجتهاد، فجاز الإخراج به. وإن قال: لا يغلب على ظني، ولكني أخرج الزكاة بالاستظهار، مثل: أن يقول: هذا الذهب المخلوط يجوز أن يكون خمسة عشر دينارًا، أو عشرين دينارًا، ولكني أخرج زكاة خمسة وعشرين دينارًا، أو يتحقق أنها لا تبلغ ذلك، وهذه الفضة يجوز أن تكون مائتي درهمٍ، أو مائتين وخمسين درهمًا، ويتحقق أنها لا تبلغ ثلاثمائة درهمٍ، وأخرج زكاة ثلاثمائة درهمٍ.. جاز ذلك؛ لأنه قد أدى الزكاة وزيادة، وإن لم يفعل ذلك.. ميزهما بالنار. وإن طالبه الإمام بالزكاة، وأراد أن يستوفيها منه: فإن قال رب المال: أنا أعلم قدر كل واحدٍ منهما.. قبل منه؛ لأنه أمينٌ، وإن قال: لا أعلم قدرهما، ولكن قال: يغلب على ظني قدر كل واحدٍ منهما.. لم يقبل منه ذلك. والفرق بينهما وبين التي قبلها: أن رب المال إذا كان هو المخرج.. فإن ذلك موكولٌ إلى اجتهاده، فإذا كان الإمام هو الآخذ للزكاة.. فإن ذلك موكولٌ إلى اجتهاده، ولا يجوز أن يحكم باجتهاد غيره، فإذا ثبت أنه لا يقبل، فإن أعطى رب المال الزكاة على الاستظهار، على ما ذكرناه في الأولى.. جاز، وإن لم يعط على الاستظهار.. ميزهما بالنار. قال المسعودي [في " الإبانة " ق \ ١٤٢] : ويمكن أن يعلم قدر كل واحدٍ منهما حقيقة من غير تمييزٍ بالنار، بأن يجعل ماءً في إناءٍ، ويطرح فيه من الذهب الخالص مثل وزن المخلوط، فيعلو الماء في الإناء، فيعلم على رأس الماء بعلامة في الإناء، ثم يخرج ذلك الذهب من الماء، ويطرح فيه من الفضة الخالصة مثل وزن المخلوط، فيعلو الماء

стр. 1410

في الإناء، فيعلم على رأس الماء، ويزيد على علوه مع الذهب؛ لأن الفضة أضخم جثة من الذهب، فيعلم على رأس الماء في الإناء بعلامة ثانية، ثم يخرج تلك الفضة، ثم يطرح فيه المخلوط، فيزيد علو الماء على علو الماء مع الذهب؛ لما في المخلوط من الفضة، ولا يبلغ علو الماء مع الفضة، لما في المخلوط من الذهب، فيعلم على رأس الماء في الإناء بعلامة ثالثة بين العلامتين الأولتين، ثم يمسح ما بين العلامة الوسطى والعليا، وما بين الوسطى والسفلى، فإن كانت المساحتان سواءً.. فنصف المخلوط ذهبٌ، ونصفه فضة، وإن زاد أحدهما على الثاني.. فبحساب ذلك. [مسألة: من عليه دين] ] : وإن كان له دينٌ.. نظرت: فإن كان غير لازم، كمال الكتابة.. لم تجب عليه فيه زكاة؛ لأن المكاتب يملك إسقاطه بأن يعجز نفسه. فإن كان لازمًا.. فهل تجب فيه الزكاة؟ قال الشافعي في القديم - فيما نقله الزعفراني عنه -: (ولا أعلم في وجوب الزكاة في الدين خبرًا يثبت، وعندي: أن الزكاة لا تجب في الدين؛ لأنه غير مقدورٍ عليه، ولا معينٍ) . وقال في الجديد: (تجب فيه الزكاة) . وهو الأصح؛ لأنه مالٌ يقدر على قبضه، فهو كالوديعة. فإذا قلنا بهذا: وعليه التفريع.. نظرت في الدين: فإن كان حالًا على مليء باذلٍ له أي وقتٍ طولب به.. فهذا يجب على مالكه إخراج الزكاة عنه عند تمام كل حولٍ إن كان نصابًا؛ لأن هذا كالمال المودع. وإن كان الدين على مليءٍ موسرٍ إلا أنه يقر له به في الباطن دون الظاهر، ولا بينة له: فعلى هذا: إذا حال عليه الحول.. وجبت فيه الزكاة، ولكن لا يلزم المالك

стр. 1411

إخراجها إلا بعد أن يقبضه، فإذا قبضه.. زكاه لما مضى. وإن كان الدين على مليء جاحدٍ له في الظاهر والباطن، أو على مقرٍ معسرٍ.. فهذا لا يجب عليه إخراج الزكاة عند الحول. فإذا قبضه.. فهل يلزمه أن يزكي عنه لما مضى؟ فيه قولان، كالمال المغصوب. وإن كان له بينة على الدين الذي يجحده المليء، أو يعلمه الحاكم.. قال ابن الصباغ: فالذي يقتضيه المذهب: أنه يجب عليه الزكاة؛ لأنه يقدر على أخذه. وإن كان له دينٌ مؤجلٌ على مليءٍ مقرٍ.. ففيه وجهان: [الأول] : قال أبو إسحاق: هو مملوكٌ له، ولكن لا يملك المطالبة به. فعلى هذا: لا يجب إخراج الزكاة فيه قبل قبضه، وهل تجب الزكاة عليه لما مضى إذا قبضه؟ فيه قولان، كما لو كان على معسر مقرٍّ. و [الثاني] : قال أبوعلي بن أبي هريرة: لا يملكه قبل حلول الأجل؛ لأنه لا يملك المطالبة به. فعلى هذا: إذا قبضه.. استأنف الحول به، ولا يزكيه لما مضى، قولًا واحدًا. والأول أصح؛ لأنه لو أبرأه عنه.. صح إبراؤه. [فرع: من له مال غائب] ] : فإن كان له مالٌ غائبٌ، فإن كان مقدورًا عليه، بأن يكون بعث مالًا بضاعة إلى بلدٍ، وهو يعرف خبره وسلامته ويقدر على التصرف فيه.. فتجب فيه الزكاة عند الحول. وأما وجوب الإخراج قبل أن يرجع إليه: فذكر في " المهذب " و " الشامل ": أنه لا يجب عليه إلا بعد أن يرجع إليه. وظاهر كلام الشيخ أبي حامدٍ في " التعليق ": أنه يجب عليه الإخراج قبل أن يرجع إليه؛ لأنه قال: فكلما حال عليه الحول.. فعليه إخراج الزكاة عنه.

стр. 1412

والمستحب: أن يخرج زكاته في البلد الذي فيه المال، فإن أخرجها في بلد نفسه.. فعلى القولين في نقل الصدقة. وإن كان المال الغائب بحيث لا يعرف موضعه أو يعرف موضعه، ولكنه لا يقدر عليه.. فلا يلزمه إخراج الزكاة عنه قبل أن يرجع إليه، فإذا رجع إليه.. فهل يلزمه أن يزكيه لما مضى؟ فيه قولان، كالمال المغصوب. إذا ثبت هذا: فكل دينٍ يجب عليه إخراج الزكاة عنه قبل قبضه، فإنه يضمه إلى ما كان معه من جنسه؛ لإكمال النصاب، ويلزمه إخراج الزكاة عما معه أيضًا. وكل دينٍ لا يلزمه إخراج الزكاة عنه إلا بعد قبضه، فإن كان معه من جنسه ما لا يتم النصاب إلا بالدين.. فإنه لا يلزمه إخراج الزكاة عما معه قبل أن يقبض الدين، فإذا قبض الدين.. أخرج الزكاة عنه، وعما معه لما مضى. وكل دينٍ لا يجري في الحول إلا بعد قبضه، فإنه لا يتم به نصاب ما معه من جنسه. [مسألة: زكاة ريع العقار] ] : إذا أكرى داره أربع سنين بمائة دينارٍ، وقبضها، وأقامت في يده إلى أن انقضت مدة الإجارة، لم ينفقها.. فلا خلاف على المذهب: أن المكري يملك المائة بنفس العقد.

стр. 1413

فإن مضت السنة الأولى: قال الشيخ أبو حامدٍ: فلا خلاف على المذهب: أن الزكاة قد وجبت في المائة، ويلزمه إخراج زكاة خمسة وعشرين منها؛ لأن ملكه قد استقر عليها، وهل يلزمه إخراج زكاة الخمسة والسبعين؟ فيه قولان. وقال القاضي أبو الطيب: القولان في الوجوب في الخمسة والسبعين. قال ابن الصباغ: والصحيح قول الشيخ أبي حامدٍ، وعليه التفريع: أحدهما: يلزمه إخراج الزكاة عن الجميع، وهو اختيار الشيخ أبي إسحاق، وابن الصباغ. ووجهه: أن ملكه قد ثبت على الجميع، وملك التصرف فيه، بدليل: أن الأجرة لو كانت جارية.. ملك وطئها، فأشبه مهر المرأة قبل الدخول. والثاني: لا يلزمه إخراج الزكاة إلا عن القدر الذي استقر ملكه عليه، وهو اختيار الشيخ أبي حامدٍ، والمحاملي. ووجهه: أن ملكه غير مستقرٍّ على ما زاد على أجرة السنة الأولى؛ لأن الدار قد تنهدم، فجيب رد الأجرة، فلم يجب إخراج زكاته، كمال الكتابة، ويفارق الصداق، فإن المرأة تملكه تملكًا تامًا. وإذا طلقها قبل الدخول: فإنما يعود النصف إلى الزوج بمعنًى آخر، وهو الطلاق، لا بالملك المتقدم، فصار كما لو أصدقها شيئًا، ثم اشتراه منها. فعلى هذا: إذا مضت السنة الأولى.. وجب عليه أن يخرج زكاة خمسة وعشرين دينارًا، وهو نصف دينارٍ وثمن دينارٍ؛ لأن ملكه قد استقر عليها، فإذا مضت السنة الثانية، فقد استقر ملكه على خمسة وعشرين ثانية، وعلمنا: أن ملكه قد استقر عليها سنتين. فإن كان قد أخرج زكاة الخمسة والعشرين الأولى في السنة الأولى من غيرها.. زكاها في العام الثاني، وإن أخرج زكاتها منها في العام الأول.. زكى ما بقي منها في العام الثاني. وأما الخمسة والعشرون الثانية: فقد حال عليها حولان:

стр. 1414

فإن قلنا: إن الزكاة تجب في الذمة، والدين لا يمنع وجوب الزكاة.. أخرج عنها زكاة حولين، وهو دينارٌ وربعٌ. وإن قلنا: إن الزكاة استحقاق جزءٍ من العين، أو قلنا: الدين يمنع وجوب الزكاة، ولكن لم يكن له مالٌ غيرها.. لزمه زكاتها في الحول الأول، وفي الحول الثاني: يلزمه زكاتها إلا عن قدر الزكاة فيها في الحول الأول، فإنه لا يلزمه زكاة ذلك في الثاني، فإذا مضت السنة الثالثة.. فقد استقر ملكه على خمسة وعشرين ثالثة، وعلمنا: أن ملكه ثابتٌ عليها ثلاث سنين. فأما الخمسون الأولى: فإن كان قد أخرج زكاتها للحولين الأولين منها.. زكى ما بقي منها في الحول الثالث، وإن أخرج زكاتها من غيرها.. زكى جميعها للحول الثالث. وأما الخمسة والعشرون الثالثة: فإن قلنا: الزكاة تتعلق بالذمة، والدين لا يمنع وجوب الزكاة.. أخرج عنها زكاة ثلاث سنين، وهو دينارٌ وسبعة أثمان دينارٍ. وإن قلنا: الزكاة تتعلق بالعين، أو قلنا: الدين يمنع وجوب الزكاة، ولا مال له غيرها.. وجب عليه إخراج الزكاة عنها للعام الأول نصف دينارٍ وثمن دينارٍ، ووجب عليه إخراج الزكاة عنها للعام الثاني، إلا عن قدر ما وجب للأول، فلا يلزمه إخراج زكاته، ووجب عليه إخراج الزكاة عنها للعام الثالث، إلا عن قدر ما وجب للعام الأول والثاني، فلا يلزمه إخراج الزكاة عنه في العام الثالث. فإذا مضت السنة الرابعة.. استقر ملكه على الخمسة والعشرين الرابعة أربع سنين، فإن كان قد أخرج الزكاة عن أجرة الثلاث السنين الأولى من غيرها.. زكى جميعها في العام الرابع، وإن أخرج زكاتها منها.. زكى ما بقي منها في العام الرابع. وأما أجرة السنة الرابعة، فإن قلنا: إن الزكاة تتعلق بالذمة، والدين لا يمنع وجوب الزكاة.. لزمه إخراج الزكاة عن جميعها أربع سنين، وهو ديناران ونصفٌ. وإن قلنا: الزكاة تتعلق بالعين، أو قلنا: الدين يمنع وجوب الزكاة، ولا مال له غيرها.. زكى جميعها للحول الأول، وزكاها للثاني إلا عن قدر ما وجب للأول،

стр. 1415

وزكاها للثلث إلا عن قدر ما وجب للأول والثاني، وزكاها للعام الرابع إلا عن قدر ما وجب للأول والثاني والثالث. [مسألة: مصوغ الذهب والفضة] ] : وأما المصوغ من الذهب والفضة: فعلى ضربين: مباحٌ، ومحظورٌ. فأما المباح: فهو ما يتخذه الرجل كحلية لنفسه، كالمنطقة المحلاة بالفضة، والقبيعة للسيف، والخاتم من الفضة، وكذلك ما تتخذه المرأة لتلبسه من خلاخل الذهب والفضة والدمالج والمخانق وغير ذلك، فهل تجب فيه الزكاة؟ فيه قولان: أحدهما: تجب فهي الزكاة، وبه قال عمر بن الخطاب، وابن عباسٍ، وابن مسعودٍ، وعبد الله بن عمرٍو ﵃، ومن الفقهاء: الزهري، والثوري، وأبو حنيفة وأصحابه؛ لما روي: «أن أم سلمة ﵂ كانت تلبس أوضاحًا من ذهبٍ، قالت: فقلت: أكنزٌ هو يا رسول الله؟ قال: " ما بلغ أن يزكى، فزكي، فليس بكنزٍ» . وروي: «أن امرأة من اليمن أتت النبي ﷺ ومعها ابنتها، وفي يدها

стр. 1416

مسكتان غليظتان من ذهبٍ، فقال ﵊: " أتؤدين زكاة هذا؟ "، قالت: لا، فقال ﷺ : " أيسرك أن يسورك الله بسوارين من نار؟! " فخلعتهما، وألقتهما إلى النبي ﷺ ، فقالت: هما لله ولرسوله» . والثاني: لا تجب فيه الزكاة. قال المحاملي: وهو الصحيح، وبه قال ابن عمر وجابرٌ وعائشة، وأختها أسماء، ومن التابعين: الحسن، وابن المسيب والشعبي، ومن الفقهاء: مالكٌ، وأحمد، وإسحاق؛ لما روي: «أن فريعة ابنة أبي أمامة قالت: (حلاني رسول الله ﷺ رعاثًا من ذهبٍ، وحلا أختي، وكنا في حجره، فما أخذ منا زكاة حليٍّ قط» .

стр. 1417

وروى جابر: أن النبي ﷺ قال: «لا زكاة في الحلي» . ولأنه مبتذلٌ في مباحٍ، فلم تجب فيه الزكاة، كالعوامل من البهائم. وأما ما روي من حديث أم سلمة، وحديث المرأة التي أتت النبي ﷺ من اليمن: فيحتمل أن يكون ذلك في الوقت الذي كان لبس الذهب محرمًا على النساء؛ لأنه قد

стр. 1418

روي: أن النبي ﷺ قال: «من تطوق بطوقٍ من ذهبٍ.. طوقه الله يوم القيامة بطوقٍ من نارٍ» ، وروي عنه ﷺ : أنه قال: «من تسور بسوارٍ من ذهبٍ.. سوره الله بسوارٍ من نارٍ» . وهذا كان في أول الإسلام. إذا ثبت هذا: فللرجل أن يتخذ الخاتم من الفضة؛ لما روي: «أن النبي ﷺ اتخذ خاتمًا من فضة فكان إذا لبسه.. جعل فصه مما يلي كفه» وكان السبب في ذلك أن الأكاسرة كانوا لا يقبلون الكتب إلا مختومة، فاتخذ ذلك ليختم به الكتب، وكتب على الفص ثلاثة أسطرٍ: " محمدٌ "، سطرٌ، و " رسول " سطرٌ، و " الله " سطرٌ؛ فلما توفي النبي ﷺ .. أخذه أبو بكرٍ، ثم أخذه بعده عمر، ثم أخذه بعده عثمان، ثم وقع في بئرٍ في أيام عثمان ﵃) . وأما تختم الرجل بالذهب: فلا يجوز؛ لما روي: «أن النبي ﷺ نهى عن التختم بالذهب» .

стр. 1419

ويجوز للرجل أن يتخذ قبيعة السيف والسكين من فضة؛ لما روي: «أن سيف رسول الله ﷺ كان له قبيعة من فضة» . وروي: «أنه كان للنبي ﷺ جملٌ في أنفه برة من فضة، وإنما اتخذ ذلك؛ لأنه يغيظ به المشركين» . ويجوز له أن يحلي المصحف بالفضة، وهل له أن يحليه بالذهب؟ فيه وجهان، حكاهما الشيخ أبو حامد: أحدهما: يجوزُ؛ لأن فيه تعظيم القرآن، فأشبه الفضة. والثاني: لا يجوز؛ لأن ذلك حلية للرجل لا للقرآن، والرجل لا يجوز أن يتحلى بالذهب. وأما الشيخ أبو إسحاق: فأوجب الزكاة في حلية المصحف، وهذا يدل على أنها غير مباحة عنده. وهل يجوز للرجل أن يحلي اللجام وثفر الدابة بالفضة؟ فيه وجهان:

стр. 1420

أحدهما: يجوز؛ لأن فيه زينة وغيظًا للمشركين وترهيبًا لهم، فشابه حلية السيف. والثاني: لا يجوز؛ لأن ذلك حلية للدابة. ولا يجوز أن يتخذ محبرة من فضة، ولا دواة ولا مقلمة من فضة، لأن ذلك يجري مجرى الأواني من الفضة في البيت. ويجوز للمرأة أن تلبس من حلي الذهب والفضة ما جرت عادة النساء بلبسه، كالخلاخل والدمالج والأساور والمخانق، ولا يجوز أن تحلي ربعتها ولا مرآتها؛ لأن ذلك يجري مجرى الآنية من الذهب والفضة. ولا يجوز للرجل أن يتخذ لنفسه حلي النساء، ولا للمرأة أن تتخذ لنفسها حلي الرجال، كالمنطقة والطوق، فإن اتخذ الرجل حلية النساء؛ ليلبسه نساءه، أو يعيره.. جاز، وكذلك إذا اتخذت المرأة حلي الرجال؛ لتلبسه زوجها، أو ولدها، أو لتعيرها الرجال.. جاز ذلك، وكل ما قلنا لا يجوز استعماله، فتجب فيه الزكاة، قولًا واحدًا، وكل ما جوزنا استعماله، ففي وجوب الزكاة فيه: القولان في الحلي. وإن اتخذ الرجل أو المرأة آنية من ذهبٍ أو فضة.. وجبت فيها الزكاة، قولًا واحدًا، سواءٌ قلنا: يجوز الاتخاذ أو لا يجوز؛ لأن الزكاة إنما تسقط في أحد القولين، إذا كان معدًا لاستعمال مباحٍ، وهذا غير معدٍّ لذلك. وإن اتخذ الرجل حلية يجوز له لبسها، أو اتخذت المرأة حلية يجوز لها لبسها، ونويا القنية بذلك.. وجبت فيها الزكاة، قولًا واحدًا؛ لأنه غير معدٍِّ لاستعمالٍ مباحٍ. فإن اتخذ الرجل منطقة من فضة ثقيلة لا يمكن لبسها، أو اتخذت المرأة حليًا ثقيلًا لا يمكن لبسه.. وجبت فيه الزكاة، قولًا واحدًا؛ لأنه غير معدٍّ لاستعمالٍ مباحٍ.

стр. 1421

[فرع: تزيين المساجد بالفضة والذهب] ] : قال أبو إسحاق المروزي: ولا يجوز تفضيض المساجد، ولا أن يتخذ لها قناديل من ذهبٍ أو فضة، لأن أحدًا من السلف لم يفعل ذلك، فإن فعل ذلك.. ففيه الزكاة، قولًا واحدًا، إلا أن يوقفها على المسجد، فلا يجب فيها الزكاة؛ لأن ملكه زال عنها، ولكن لا يجوز استعمالها. وكذلك: لا يجوز أن يموه سقف بيته بذهبٍ ولا فضة. وقال أبو حنيفة: (يجوز) . دليلنا: أن في ذلك سرفًا وخيلاء، فلم يجز، كالتختم بالذهب. إذا ثبت هذا: فإن كان يمكنه تخليصه، وكان نصابًا، أو لمالكه من جنسه مالٌ إذا ضمه إليه بلغ نصابًا.. وجبت فيه الزكاة، وإن أخرج الزكاة بالاستظهار.. جاز، وإن لم يخرج بالاستظهار، ولم يعلم قدر ما فيها.. ميز بالنار، وإن كان إذا خلص، لم يتخلص منه شيءٌ.. فإنه لا تجب فيه الزكاة؛ لأنه تالفٌ. قال ابن الصباغ: وذكر الشيخ أبو حامدٍ: إذا كان لا يتخلص، وكان مستهلكًا.. لم يحرم استدامته. [فرع: الزكاة في حلي الخنثى] ] : ذكر القاضي أبو الفتوح: لا يجوز للخنثى المشكل أن يتخذ حلي الرجال، ولا حلي النساء؛ ليستعمله، فإن اتخذ شيئًا من ذلك.. وجبت فيه الزكاة، قولًا واحدًا، إلا أن يتخذه؛ ليلبسه جواريه، أو يعيره. وإن اتخذت امرأة حليًا للكراء.. ففيه طريقان: أحدهما: تجب فيه الزكاة، قولًا واحدًا؛ لأنه معد لطلب النماء، فهو كما لو اشترته للتجارة.

стр. 1422

والثاني: أنها على قولين؛ لأن النماء المقصود منه قد فقد، فإن الذي يحصل من الأجرة قليلٌ. قال الصيمري: وهل يجوز إكراء الذهب بالذهب، والفضة بالفضة؟ فيه وجهان. [فرع: الزكاة فيما كسر من الحلي] ] : إذا قلنا: لا تجب الزكاة في الحلي، فانكسر، فإن كان كسرًا لا يصلح حتى تعاد صياغته.. وجبت فيه الزكاة، قولًا واحدًا، إذا قام في يده حولًا بعد الكسر؛ لأنه لا يصلح للاستعمال، فهو كالتبر، وإن انكسر كسرًا لا يمنع من اللبس، كالشق في الخاتم والخلخال.. لم تجب فيه الزكاة؛ لأنه معدٌ لاستعمالٍ مباحٍ، وهذا الشق لا تأثير له. وإن انكسر كسرًا يمنع من لبسه، ولا يحتاج إلى إعادة صياغته من أصلها، بل يكفي فيه اللحام مثل: أن ينقسم نصفين، فإن نوت كنزه دون استعماله.. وجبت فيه الزكاة؛ لأنها لو نوت ذلك قبل الانكسار، لوجبت فيه الزكاة، فبعد الانكسار أولى، وإن نوت إصلاحه.. فلا زكاة فيه؛ لأنه معدٌ لاستعمالٍ مباحٍ. وإن لم تنو به القنية، ولا الإصلاح.. ففيه قولان: الأول: قال في القديم: (تجب فيه الزكاة؛ لأنه لا يمكن لبسه، فهو كما لو تفتت) . والثاني - وهو قوله في " الأم " [٢/٣٥] : - (لا تجب فيه الزكاة؛ لأنه يمكن

стр. 1423

إصلاحه للبس، والظاهر بقاؤه على ما كان من إرصاده للاستعمال) . هكذا ذكره الشيخ أبو حامدٍ وابن الصباغ، وأكثر أصحابنا. وذكر في " المهذب ": إذا انكسر بحيث لا يمكن لبسه إلا أنه يمكن إصلاحه.. فهل تجب فيه الزكاة؟ فيه قولان من غير تفصيلٍ، ولعله أراد ما ذكروه. [فرع: زكاة الحلي المباح] ] : إذا قلنا: تجب الزكاة في الحلي المباح، فإن كان لامرأة خلخالٌ قيمته ثلاثمائة درهمٍ، ووزنه مائتا درهم.. فإن الزكاة تجب على قدر وزنه، لا على قيمته، فإن سلم رب المال ربع عشره إلى الإمام، أو إلى المساكين مشاعًا.. جاز، فإذا صح تسليمه.. كان الإمام أو المساكين بالخيار: بين أن يبيعوه منه أو من غيره، ثم يفرق ثمنه عليهم. وإن أعطى رب المال خمسة دراهم جيدة، قيمتها سبعة دراهم ونصفٌ، لجودة سكتها وطبعها.. قبل منه؛ لأنه أعطى مثل ما وجب عليه، وإن أراد أن يعطي سبعة دراهم ونصفًا.. لم يجز؛ لأنه يعطي ذلك عوضًا عن خمسة دراهم، وذلك ربًا.. فلم يجز. وإن قال رب المال: أنا أكسره، وأعطي منه خمسة دراهم، أو طلب المساكين ذلك.. لم يجز، وذلك؛ لأن النقص يدخل عليهم، وإن قال رب المال: أنا أكسره وأعطي قطعة ذهبٍ، قيمتها سبعة دراهم ونصفٌ.. ففيه وجهان: أحدهما: وهو قول أبي العباس -: أنه يجوز؛ لأن هذا موضع ضرورة، لأنه لا يمكن أخذ الزكاة من عينه، ولا من غيره، فدعت الحاجة إلى أن يأخذ بقيمة الزكاة ذهبًا. والثاني - حكاه ابن الصباغ، عن الشيخ أبي حامدٍ، وإليه أشار في " المهذب " -: أنه لا يجوز؛ لأنه لا يمكنه أن يسلم ربع عشره مشاعًا، وإن كان مع رجل إناءً من ذهبٍ أو فضة، وزنه مائتا درهمٍ، وقيمته ثلاثمائة درهمٍ.. فإن استعماله لا يجوز، قولًا واحدًا، وهل يجوز اتخاذه؟ فيه قولان، وقيل: فيه وجهان:

стр. 1424

وتجب الزكاة فيه، قولًا واحدًا. وأما كيفية أخذ الزكاة منه، فإن قلنا: إن اتخاذه يجوز.. فالحكم فيه كالحكم في الخلخال، على ما ذكرناه. وإن قلنا: إن اتخاذه لا يجوز، وهو ظاهر المذهب، فإن سلم رب المال ربع عشره مشاعًا.. جاز، وإن أراد أن يكسره، ويسلم الزكاة منه.. جاز؛ لأنه لا قيمة لصنعته، وإن أعطى خمسة دراهم من نوع تلك الفضة، أو أجود منها، قيمتها خمسة دراهم.. جاز؛ لأنه قد أعطى مثل ما وجب عليه، وتلك الصنعة لا قيمة لها، وإن أراد أن يعطي قطعة ذهبٍ قيمتها خمسة دراهم.. لم يجز، وجهًا واحدًا؛ لأنه لا حاجة به إلى ذلك. ومن أصحابنا من قال: لو أعطى سبعة دراهم ونصفًا.. جاز؛ لأنه يكون متطوعًا بالزيادة على الخمسة. وإنما لا يجوز، إذا أخرج ذلك بالقيمة للصنعة، والصنعة هاهنا لا قيمة لها، فيكون متطوعًا بالزيادة، فهو كما لو وجب عليه وسقٌ، فأعطى وسقين. وبالله التوفيق

стр. 1425

[باب زكاة مال التجارة] قطع الشافعي ﵀ في الجديد: (أن الزكاة واجبة في أموال التجارة) . وبه قال عمر، وابن عمر، وجابرٌ، وعائشة، وبه قال الفقهاء السبعة، والثوري، وأبو حنيفة. واختلف قول الشافعي في القديم، فقال فيه: (اختلف الناس في وجوب الزكاة في مال التجارة، فقال بعضهم: لا زكاة فيها، وهو قول ابن عباسٍ، وهو القياس - وبه قال داود - وقال بعضهم: تجب الزكاة فيها بكل حالٍ، وهذا أحب إلينا.. وذهبت طائفة إلى: أنه لا زكاة فيها حتى تنض وتصير دراهم أو دنانير، فإذا نضت أخذ منها زكاة عامٍ واحدٍ، وإليه ذهب عطاءٌ، وربيعة، ومالكٌ) . دليلنا: ما روى أبو ذرٍّ: أن النبي ﷺ قال: «في الإبل صدقتها، وفي البقر صدقتها، وفي الغنم صدقتها، وفي البز صدقته» . قاله بالزاي المنقوطة، والبز: لا تجب فيه الصدقة إلا إذا كان للتجارة.

стр. 1426

وروي عن سمرة بن جندب: أنه قال: «كان رسول الله ﷺ يأمرنا أن نخرج الصدقة من الذي نعده للبيع» . وهذا نصٌّ؛ لأن الذي نعده للبيع هو عروض التجارة. ولأن الأثمان لما كانت على ضربين: منها: ما لا تجب فيه الزكاة، وهو الحلي المعدة لاستعمالٍ مباحٍ. ومنها: ما تجب فيه لزكاة، وهو ما عدا ذلك. والماشية على ضربين: منها: ما لا تجب فيه الزكاة، وهي المعلوفة. ومنه: ما تجب فيه الزكاة، وهي السائمة.

стр. 1427

وجب - أيضًا - أن تكون العروض على ضربين: منهما: ما لا تجب فيه الزكاة، وهو ما لا يكون للتجارة. ومنها: ما تجب فيه الزكاة، وهو ما أعد للتجارة. ووجه المشابهة بينهما: أنه مالٌ: يطلب فيه النماء، فوجبت فيه الزكاة، كالأثمان والسائمة. [مسألة: المعاوضة شرط للتجارة] ] : ولا يصير العرض للتجارة، إلا بأن يملكه بعقد معاوضة، كالبيع والإجارة، وينوي بالعقد أنه للتجارة، فإن ورثه أو اتهبه، ونوى أنه للتجارة، أو اشتراه ولم ينو به التجارة.. لم يصر للتجارة، وبه قال مالكٌ، وأبو حنيفة. وقال أحمد، وإسحاق: (تصير للتجارة) . وتابعهما الحسين الكرابيسي من أصحابنا. دليلنا: أن كل ما لم تجب الزكاة فيه من أصله.. لم يصر للزكاة بمجرد النية، كالمعلوفة إذا نوى إسامتها، وفيه احترازٌ من الأثمان. فإن قيل: أليس لو اشترى شاة بنية أنها أضحية.. لم تصر أضحية حتى ينوي بها بعد الشراء؟ قلنا: الفرق بينهما: أن الشراء يوجب الملك، وكونها أضحية توجب زوال الملك، وهما أمران متنافيان، فجرى مجرى من اشترى عبدًا بنية إعتاقه، فإن العتق لا يصح، وليس كذلك إذا اشترى عرضًا ونوى به التجار؛ لأن نية التجارة لا توجب زوال الملك، فلذلك جاز اجتماعهما. فإن نوى بعرض التجارة القنية.. انقطع حول التجارة فيه؛ لأن نية القيمة اقترنت بفعل القنية، وهي الإمساك، فهو كالمسافر إذا نوى الإقامة.

стр. 1428

[فرع: نية التجارة بالصداق] ] : إذا تزوجت امرأة بمالٍ، ونوت عند العقد أنه للتجارة، أو خالع الرجل امرأته بمالٍ، ونوى عند العقد أنه للتجارة.. ففيه وجهان، حكاهما في " الإبانة " [ق \ ١٤٤] : أحدهما: أنه يصير للتجارة، وهو طريقة البغداديين من أصحابنا؛ لأنه ملكه بعقد معاوضة، فهو كالمملوك بالبيع. والثاني: لا يصير للتجارة؛ لأن النكاح والخلع ليس المقصود منهما العوض، بدليل: أنه يصح من غير عوضٍ. [فرع: نية التجارة لا يبطلها الفسخ] ] : لو باع عرضًا لا بنية التجارة، ثم فسخ البيع، ونوى بالفسخ التجارة.. لم يصر للتجارة؛ لأن ذلك ليس بتجارة، بل هو منعٌ منها. ولو باع عرضًا بنية التجارة.. صار ما قبضه للتجارة، فلو وجد به عيبًا، ففسخ البيع بنية التجارة.. قال في " الإبانة " [ق \ ١٤٤] : لم تبطل التجارة؛ لأن العقد الذي انعقد للتجارة لم يبطل من أصله. [مسألة: شراء ما تجب الزكاة بعينه] ] : إذا اشترى للتجارة ما تجب الزكاة في عينه، كالسائمة من الماشية أو كالنخل والكرم، أو اشترى أرضًا للتجارة، فزرعها، أو كان بها زرعٌ.. نظرت: فإن وجد نصاب إحدى الزكاتين دون الأخرى، كخمسٍ من الإبل لا تساوي مائتي درهمٍ، أو أربع من الإبل تساوي مائتي درهمٍ.. وجبت فيه زكاة ما وجد نصابه؛ لأنه ليس - هاهنا - زكاة تعارضها.

стр. 1429

وإن وجد نصابهما.. فلا خلاف أن الزكاتين لا تجبان معًا، وأيهما يجب؟ ينظر فيه: فإن اتفق حولاهما بأن اشترى خمسًا من الإبل للتجارة بعرض للقنية وأسامها، وقومت عند الحول، فبلغت قيمتها نصابًا.. ففيه قولان: [الأول] : قال في القديم: (تجب زكاة التجارة) . وبه قال أبو حنيفة، وأحمد، إلا أن أبا حنيفة يقول في التجارة والزرع كقولنا الجديد. ووجه هذا: حديث سمرة بن جندب حيث قال: «كان رسول الله ﷺ يأمرنا أن نخرج الصدقة من الذي نعده للبيع» . وهذا معدٌ للبيع، ولأن زكاة التجارة أعم؛ لأنها تجب في الثمرة، والجذع، وفي الأرض، والزرع، ولأنها تزاد بزيادة القيمة، فكان إيجابها آكد للمساكين. و [الثاني] : قال في الجديد: (تجب زكاة العين) . وبه قال مالكٌ، وهو الصحيح؛ لقوله ﷺ : «في خمس من الإبل شاة، وفي أربعين شاة شاة، وفيما سقت السماءُ العشر» . ولم يفرق بين أن يكون للتجارة أو للقنية. ولأن زكاة العين مجمعٌ عليها، بدليل: أن من قال: لا تجب زكاة العين.. يحكم بكفره، وزكاة التجارة مختلفٌ في وجوبها؛ ولهذا لا يكفر من قال: لا تجب. وإن سبق حول إحدى الزكاتين، مثل: أن يكون عنده مائتا درهمٍ أقامت في يده أحد عشر شهرًا، فاشترى بها خمسًا من الإبل، فأسامها.. فإنه إذا مضى شهرٌ.. أتم حول زكاة التجارة. وإن أقامت في يده ستة أشهرٍ، ثم اشترى بها أرضًا فيها نخلٌ للتجارة، فأقامت شهرًا، وبدا فيها الصلاح، وقد سبق حول زكاة العين.. فيه وجهان: أحدهما - وهو قول القاضي أبي حامدٍ -: أنها على قولين، كالأولى؛ لأن

стр. 1430

الشافعي لم يفصل، ولأن الشافعي فرض الكلام في الثمرة، ويبعد أن يوافق آخر جزءٍ من حول التجارة أول بدو الصلاح، وبهذا قال أحمد. والوجه الثاني - وهو قول أبي إسحاق المروزي، واختيار القاضي أبي الطيب -: أن التي سبق حولها تقدم، قولًا واحدًا، كما إذا وجد نصاب إحدى الزكاتين، فإنها أولى. إذا ثبتَ هذا: فإنْ قلنا: تُقدَّمُ زكاة التجارة.. قوِّمت الأرض والزرع والجذوع والثمرة، وأخرج ربع العشر. وإن قلنا: تقدم زكاة العين.. أخرج عن خمسٍ من الإبل شاة، وعن أربعين شاة شاة، وأخرج عشر الثمرة أو الزَّرْعِ، وهل تقوم الأرض أو الجذوع؟ فيه قولان حكاهما في " المهذب " و " الشامل "، وحكاهما صاحب " التعليق " و " المجموع " وجهين: أحدهما: تقوم الأرض والجذوع، فإن بلغت القيمة نصابًا.. أخرج عنها زكاة التجارة، وإن لم تبلغ القيمة نصابًا.. لم يخرج شيئًا؛ لأن المخرج زكاة الثمرة، فبقيت الأرض والجذوع، ولا يتأتى فيها إيجاب زكاة العين، فوجبت فيهما زكاة التجارة. والثاني: لا يقومان، ولا يجب فيها شيءٌ؛ لأنا إذا أوجبنا الزكاة في الثمار.. صارت الأرض والنخل، تبعًا لها، كما إذا ملك تسعًا من الإبل، فأخرج عنها شاة، فإن الأربعة تابعة للخمس. [مسألة: اتجر بأربعين شاة] فرعٌ: [اتجر بأربعين شاة] : فإن اشترى أربعين شاة للتجارة، وأسامها، فإن قلنا: تجب زكاة التجارة، فأخرج عنها الزكاة في الحول الأول، فإذا جاء الحول الثاني قومها، فإن بلغت قيمتها نصابًا.. أخرج عنها الزكاة، وإن نقصت عن الأربعين، ولم تبلغ قيمتها نصابًا.. سقطت زكاة التجارة عنها.

стр. 1431

وإن قلنا: تجب زكاة العين.. أخرج عنها في الحول الأول شاة، فإذا حال الحول الثاني.. لم يجب فيها زكاة العين؛ لأنها ناقصة عن الأربعين، وهل تجب فيها زكاة التجارة؟ فيه وجهان، حكاهما الشيخ أبو حامد: أحدهما: لا تجب لأنا قد حكمنا بأن زكاة التجارة لا تجب فيها، وإنما تجب فيها زكاة العين، وقد نقص نصابها، فسقطت. والثاني: تجب فيها زكاة التجارة، وهو الصحيح؛ لأنه مالٌ للتجارة، وإنما أسقطنا زكاة التجارة إذا كان هناك ما هو أقوى منها، فإذا سقط الأقوى.. رجع إلى زكاة التجارة، وينبغي على قياس ما قاله الشيخ أبو حامد: إذا أوجبنا فيها زكاة التجارة، فأخرج عنها في الحول الأول، ثم قومناها في الحول الثاني، ولم تبلغ قيمتها نصابًا، ولم تنقص عن الأربعين.. هل يجب فيها زكاة العين على هذين الوجهين؟ الصحيح: أنها تجب. قال الشافعي: (ولو كان مكان النخل غرسٌ لا زكاة فيها.. زكاها زكاة التجارة) . وهذا صحيح كما قال، إذا ملك الرجل غرسًا لا يحمل، كودي النخل أو شجرة مثمرة لا تجب الزكاة في ثمرتها، مثل: التفاح والتين، وإن كان ذلك للتجارة.. زكاه زكاة التجارة، قولًا واحدًا؛ لأنه لم يوجد - هاهنا - زكاة تعارضها. [فرع: شراء الحلي المباح للتجارة] ] : فإن اشترت المرأة حليًا مباحًا للتجارة.. فإن الزكاة تجب فيه، سواءٌ كانت تلبسه أو لا تلبسه، لأن الرجل إذا كان له مالٌ لا تجب فيه الزكاة، وجعله للتجارة.. وجبت فيه الزكاة، فإذا جعل ما تجب فيه الزكاة للتجارة.. أولى أن تجب. فعلى هذا: إن قلنا: إن الحلي المباح لا تجب فيه زكاة العين.. فهاهنا تجب زكاة التجارة، قولًا واحدًا إذا بلغت قيمته نصابًا.

стр. 1432

وإن قلنا: الحلي المباح تجب فيه زكاة العين.. فقد ترادف هاهنا زكاتان، وأيهما تجب؟ فيه قولان، كما مضى. [مسألة: شراء عرض التجارة] ] : إذا اشترى عرضًا للتجارة.. لم يخل: إما أن يشتريه بنقدٍ، أو بعرضٍ آخر: فإن اشتراه بنقدٍ.. نظرت: فإن اشتراه بنصابٍ من الأثمان.. فإنه يبني حول العرض على حول الثمن؛ لأن العرض فرعٌ لأصل تجب فيه الزكاة، فبنى حوله على حوله. وإن اشتراه بدون النصاب من الأثمان.. ففيه ثلاثة أوجهٍ: أحدها - وهو المذهب -: أن الحول ينعقد عليه من حين الشراء، فإن بلغت قيمته في آخر الحول نصابًا.. أخرج عنه الزكاة، ولا يعتبر وجوب النصاب في أول الحول، ولا في وسطه؛ لقوله ﷺ : «لا زكاة في مالٍ حتى يحول عليه الحول» ، وهذا العرض قد حال عليه الحول، ولأن زكاة التجارة تجب في القيمة، وتقويم العرض في كل ساعة يشق، فاعتبر ذلك آخر الحول. والوجه الثاني - حكاه في " التعليق " و " المجموع " و " المعتمد " عن أبي العباس ابن سريج -: أنه يعتبر وجود النصاب في أول الحول، وفي آخره، ولا يعتبر في وسطه، وهو قول أبي حنيفة؛ لأنه مالٌ نقص عن النصاب، فلم يخرج في الحول، كأربع من الإبل. والثالث - حكاه أبو إسحاق المروزي في " الشرح " -: أنه يعتبر وجود النصاب في جميع السنة، كسائر أموال الزكاة. وحكى صاحب " المهذب " وصاحب " الشامل " هذا الوجه عن أبي العباس.

стр. 1433

وإن اشتراه بعرضٍ للقنية.. نظرت: فإن كان العرض من غير أموال الزكاة.. انعقد الحول عليه من حين الشراء. وقال مالكٌ: (لا تجب الزكاة إلا فيما اشترى بالدراهم أو الدنانير) . دليلنا: ما روي عن سمرة بن جندبٍ: أنه قال: «كان رسول الله ﷺ يأمرنا أن نخرج الصدقة من الذي نعده للبيع» . وهذا معدٌ للبيع. ولأنه مالٌ اشترى بنية التجارة، فوجب أن تجب فيه الزكاة، كما لو اشتراه بالدراهم والدنانير. وإن اشترى العرض بنصابٍ من السائمة.. ففيه وجهان: [الأول] : قال أبو سعيدٍ الإصطخري: يبنى حول العرض على حول السائمة؛ لأن الشافعي قال: (لو اشترى عرضًا للتجارة بدراهم أو دنانير، أو بشيء تجب فيه الصدقة من الماشية، وكان إفادة ما اشترى به ذلك العرض من يومه.. لم يقوم العرض حتى يحول عليه الحول من يوم أفاد ثمن العرض) . ولأن الماشية مالٌ تجب الزكاة في عينه، فبني حول العروض على حولها، كالدراهم والدنانير. والوجه الثاني - وهو قول أكثر أصحابنا -: أن ابتداء الحول من يوم الشراء؛ لأنهما مالان نصابهما مختلفٌ، وقدر المخرج منهما مختلفٌ، فلم يبن حول أحدهما على حول الآخر، ويفارق الأثمان، فإن نصابها ونصاب التجارة متفقٌ، وكذلك زكاتهما متفقة. ومن قال بهذا: تأول كلام الشافعي ثلاث تأويلاتٍ: أحدها: أن معنى قوله: (أو ما تجب الصدقة - في عينه - من الماشية) أراد: إذا اشترى ماشية، أو ملكها بأي وجهٍ كان، فاشترى بها عرضًا يوم ملكها؛ لأنه قال: (وكان إفادة ما اشترى به ذلك العرض من يومه) . فإما إذا ملك الماشية، ومضت لها مدة، ثم اشترى بها عرضًا للتجارة.. فإنه يستأنف حول العرض من يوم ملكه.

стр. 1434

والتأويل الثاني: أنها مصورة إذا كان لرجلٍ ماشية سائمة للتجارة، فهل تجب فيها زكاة العين، أو زكاة التجارة؟ فيه قولان. فإذا قلنا: تجب زكاة التجارة، ثم اشترى بها عرضًا للتجارة.. فإنه يبني حول العرض على حول الماشية. والتأويل الثالث: أن المراد بقوله: (حتى يحول الحول من يوم أفاد ثمن العرض) الدراهم والدنانير؛ لأن الشافعي قد يجمع بين مسائل، ثم يعطف بالجواب على بعضها دون بعضً، أو يفرع على بعضها دون بعضٍ. [مسألة: باع عرضًا بعرض آخر وكلًا للتجارة] ] : وإن كان في يده عرضٌ للتجارة، فباعه بعرض التجارة.. بنى حول الثاني على حول الأول؛ لأن الزكاة تجب في القيمة، وقيمة الأول وقيمة الثاني واحدة. وإن كان عنده نصابٌ من الدراهم أو الدنانير، فاشترى به عرضًا للتجارة.. فإن حول العرض يبنى على حول الدراهم والدنانير، ثم لا يخلو: إما أن يبقى عرضًا إلى آخر الحول، أو يبيعه قبل الحول: فإن بقي عرضًا إلى آخر الحول.. فإنه يقوم ويؤدي زكاته مما بلغت قيمته، لا يختلف المذهب في ذلك؛ لأنه يتعذر، ويشق التقويم في كل يومٍ، فاعتبر آخر الحول. وإن باعه قبل الحول.. نظرت. فإن باعه بقدر قيمته، بأن اشترى عرضًا بمائتي درهمٍ، فباعه في أثناء الحول بمائتين.. بنى حول المائتين على حول العرض، كما بنى حول العرض على حول ما اشترى به. وإن باعه بأكثر من قيمته، بأن باعه بثلاثمائة درهمٍ.. زكى المائتين لحولها. وأما المائة الزائدة: فقد نص الشافعي هاهنا: (أنه لا يزكي المائة إلا لحولها) ، وقال في (القراض) : (إذا دفع إلى رجلٍ ألف درهمٍ قراضًا، فاشترى بها سلعة، وباعها بألفين قبل الحول أو بعده.. ففيه قولان:

стр. 1435

أحدهما: أن زكاة الألفين على رب المال. والثاني: أن على رب المال رأس المال وحصته من الربح) . وظاهر هذا: أن الربح يزكى لحول الأصل. واختلف أصحابنا في ذلك على ثلاث طرق: فـ[الأول] : قال أبو العباس: المسألة على اختلاف حالين، فالذي قال: (يزكي المائتين لحولها، والمائة لحولها) أراد: إذا كان قد اشترى سلعة بمائتين تساوي مائتين، ثم باعها قبل الحول بثلاثمائة، والذي قال في (القراض) : (أنه يزكى لحول الأصل) أراد: إذا ظهر الربح يوم الشراء بأن اشترى سلعة بألفٍ تساوي ألفين، فيكون حولهما واحدًا. قال الشيخ أبو حامد: وهذا تأويلٌ صحيحٌ؛ لأن الشافعي قال في " الأم " [٢/٤٢] : (إذا رفع إليه ألفًا قراضًا، فاشترى بها عرضًا يساوي ألفين، فباعه قبل الحول أو بعده.. ففيه قولان) . و [الطريق الثاني] : من أصحابنا من قال: المسألة على قولٍ واحدٍ: أن الربح لا يتبع الأصل في الحول، بل يزكى لحوله، والذي قال في (القراض) ، فإنما قصد به: أن يبين أن الزكاة على رب المال دون العامل، ولم يبين أنه يزكي لحولِ الأصل أو لحول نفسه. و [الطريق الثالث] : من أصحابنا من نقل جواب كل واحدة منهما إلى الأخرى، وجعل فيهما قولين: أحدهما: أنه يزكي الربح لحول الأصل؛ لأنه نماء مالٍ، فزكي لحول أصله، كالسخال. والثاني: يستأنف الحول في الربح، وهو الأصح؛ لقوله ﷺ : «لا زكاة في مالٍ حتى يحول عليه الحول» . ولأنها فائدة ناضة لم تتولد مما عنده، فلم يبن على حوله، كما لو استفاد من غير الربح.

стр. 1436

فإذا قلنا بهذا: فمن أين ابتداء حول الربح؟ فيه وجهان: أحدهما: من حين النض، وهو ظاهر كلام الشافعي؛ لأنه صار متحققًا. والثاني - وهو قول أبي العباس -: من حين ظهر؛ لأنه إذا ظهر، ثم نض.. تحققنا أنه كان موجودًا من حين ظهر. والذي قال الشافعي ﵀ أراد: إذا نض الربح حال ما ظهر. [فرع: تبديل السلع أثناء الحول] فرعٌ: [في تبديل السلع أثناء الحول] : قال ابن الحداد: لو أن رجلًا ملك عشرين دينارًا، فاشترى بها سلعة للتجارة حين ملك العشرين، فباعها بعد ستة أشهر بأربعين دينارًا، ثم اشترى بها سلعة للتجارة، فحال الحول من يوم استفاد العشرين الأولى، والسلعة تساوي مائة، فباعها بمائة.. فعليه أن يزكي عن خمسين دينارًا، ثم إذا مضت ستة أشهر.. زكى عن عشرين دينارًا من الخمسين الباقية، ثم إذا حال الحول الثاني.. زكى عن الثلاثين الباقية من الخمسين. قال القاضي أبو الطيب: وهذا فرعه على القول المشهور في الربح، إذا نض قبل الحول.. لم يضم إلى حول الأصل، بل يستأنف به الحول؛ لأن السلعة الأولى التي اشتراها بعشرين لما باعها في نصف الحول بأربعين.. فقد نض الربح، وهو عشرون قبل الحول، فاستأنف به الحول، فلما اشترى بالكل سلعة، ومضت ستة أشهرٍ أخرى، وباعها بمائة.. فقد تم حول الأصل، وهو عشرون، فقسم الربح عليهما وعلى العشرين الربح الذي نض في أثناء الحول، فيتبع العشرين التي هي أصل نصف هذا الربح الثاني، وهو ثلاثون، فزكي لحوله؛ لأنه لم ينض قبل الحول فيها. فإذا مضت ستة أشهرٍ أخرى، تم حول العشرين التي هي ربحٌ أولًا، فيلزمه زكاتها، ولا يضم الثلاثين التي هي ربحها إليها؛ لأنها نضت قبل تمام حولها، فإذا تم الحول الثاني.. تم حول هذه الثلاثين، فيزكيها، ويزكي أيضًا عن الخمسين التي زكاها في العام الأول.

стр. 1437

[فرع: باع نقدًا بنقدٍ] ٍ] : وإن كان معه دراهم، فباعها بدراهم أو دنانير، أو كان عنده دنانير، فباعها بدنانير أو دراهم، فإن فعل ذلك لغير التجارة.. انقطع الحول فيما باع، واستأنف الحول فيما تجدد ملكه عليه، وقد مضى الخلاف فيها مع مالكٍ وأبي حنيفة رحمة الله عليهما. وإن فعل ذلك للتجارة، كما يعمل الصيارف.. ففيه وجهان: أحدهما: يبني حول الثاني على حول الأول؛ لأنه إذا بنى حول العرض على حول العرض في التجارة - وإن كان العرض لا تجب الزكاة في عينه - فلأن يبنى ذلك في الدراهم والدنانير في التجارة - والزكاة تجب بعينها - أولى. والثاني: يستأنف الحول فيما تجدد ملكه عليه، وهو ظاهر كلام الشافعي؛ لقوله ﷺ : «لا زكاة في مالٍ، حتى يحول عليه الحول» . ولأنه مالٌ تجب الزكاة في عينه، فإذا بادل به بجنسه.. استأنف الحول به، كما لو فعله لغير التجارة. [فرع: التجارة بعرض ستة أشهر] ] : ذكر ابن الصباغ: إذا كان معه مائة درهمٍ، فاشترى بها عرضًا للتجارة، فلما مضت ستة أشهرٍ.. استفاد خمسين درهمًا، فلما تم حول العرض.. كانت قيمته مائة وخمسين درهمًا.. لم تجب الزكاة فيه؛ لأن الخمسين الثانية لم يتم حولها، فهي وإن ضمت إليه في النصاب، فلا تضم في الحول؛ لأنها ليست نماء المال، فإذا تم حول الخمسين.. زكى المائتين. وإن كان معه مائة درهمٍ، فاشترى بها عرضًا للتجارة في أول المحرم، ثم استفاد مائة درهمٍ أول صفرٍ، واشترى بها عرضًا آخر، ثم استفاد مائة في أول ربيعٍ، فاشترى

стр. 1438

بها عرضًا آخر، فإذا تم حول المائة الأولى، فإن كانت قيمة عرضها نصابًا.. زكاه، وإن كان أقل من نصابٍ.. لم تجب عليه زكاته، فإذا تم حول المائة الثانية.. قوم العرض الذي اشتراه بها، فإذا بلغت قيمته مع الأولى نصابًا.. زكاهما، وإن لم يبلغا نصابًا.. ضمهما إلى العرض الثالث عند تمام حوله، فإن كان الجميع نصابًا.. زكى الكل، وإن نقص عن نصابٍ.. لم تجب فيه زكاة. [مسألة: مرور الحول على عروض التجارة] ] : وإذا حال الحول على عرض التجارة.. وجب تقويمه لإخراج الزكاة. فإن كان قد اشتراه بجنسٍ من الأثمان.. نظرت: فإن اشتراه بنصابٍ من الدراهم أو الدنانير.. فمذهب الشافعي: أنه يقوم بالنقد الذي اشتراه به، سواءٌ كان غالب نقد البلد أو غير نقده. وقال ابن الحداد: يقوم بغالب نقد البلد. حكاه الشيخ أبو حامدٍ؛ لأن الرجل لو أتلف على غيره شيئًا، فإنه يقوم عليه بنقد البد دون ما اشترى به، والصحيح هو الأول؛ لأن العرض فرعٌ لما اشتري به، فإذا أمكن تقويمه بأصله.. كان أولى من تقويمه بغيره، ويخالف المتلف؛ لأنه لا مثل له، فيقوم بنقد البلد. وإن اشترى العرض بدراهم أو دنانير أقل من نصابٍ.. ففيه وجهان: أحدهما: يقوم بما اشتري به، لأنه أصلٌ يمكن التقويم به، فهو كما لو كان نصابًا. والثاني - وهو قول أبي إسحاق -: أنه يقوم بنقد البلد؛ لأنه لا يبني حوله على حوله، فهو كما لو اشتراه بعرضٍ، والأول أصح. وإن اشترى سلعة بمائتي درهمٍ وعشرين دينارًا.. قال صاحب " الإبانة " [ق \ ١٤٧] : فإنه يقوم من السلعة ما اشترى بالدراهم بالدراهم، وما اشترى بالدنانير بالدنانير، فإن بلغت قيمة كل واحدٍ منهما نصابًا.. زكاهما.

стр. 1439

وكيفية ذلك: أن تقوم الدراهم بالدنانير، وتقوم الدنانير بالدراهم، فإن كان قيمة الدنانير مائة درهمٍ علمنا أن ثلث السلعة مبيعٌ بالدنانير، وثلثيها مبيعٌ بالدراهم. فإن اشتراه بعرض للقنية.. فقد قلنا: إنه يجري في الحول من يوم الشراء، ومضى خلاف مالكٍ فيها. فإذا حال الحول: فإنه يقوم بغالب نقد البلد؛ لأنه لا يمكن تقويمه بما اشتري به. وإن اشتراه بحلي ذهبٍ أو فضة، أو بقطعة ذهبٍ أو فضة.. فالذي يقتضيه المذهب: أنه يقوم بنقد البلد؛ لأن لا يمكن تقويمه بما اشتري به، فأشبه العروض، فإن كان في البلد نقدٌ واحدٌ.. قوم به، وإن كان فيه نقدان أو أكثر.. قوم بالغالب منها، وإن كانت متساوية، فإن كانت قيمة العرض تبلغ بأحدهما نصابًا دون الباقي.. قوم بالذي يبلغ به نصابًا، وإن كان يبلغ بكل واحدٍ منهما نصابًا.. ففيه أربعة أوجه: أحدها - وهو قول أبي إسحاق، وهو الصحيح -: أنه يقوم بما شاء منهما؛ لأنه لا مزية لبعضها على بعضٍ. والثاني: يقوم بأحظها للمساكين، كما نقول: إذا بلغ بأحدهما نصابًا دون الآخر.. قوم به. والثالث: يقوم بالدراهم؛ لأنها أكثر استعمالًا؛ لأنها تشترى بها الأشياء المحقرات. والرابع: يقوم بغالب نقد أقرب البلاد إليه؛ لأن نقود البلد لما تساوت.. صارت كالمعدومة، فعدل إلى نقد أقرب البلاد إليه. إذا ثبت هذا: فإذا قوم العرض، فبلغت قيمته نصابًا، فإن أخرج الزكاة عنه، ثم باع العرض من بعد ذلك بزيادة على ما قوم العرض به.. فلا شيء عليه في هذه الزيادة؛ لأنها حدثت بعد إخراج الزكاة، فيستأنف بها الحول الثاني.

стр. 1440

وإن باعها بنقصانٍ.. لم يؤثر ذلك؛ لأن هذا نقصٌ حدث في المال بعد وجوب الزكاة فيه واستقرارها. وإن قوم العرض، ولم يخرج الزكاة عنه حتى باعه، فإن باعه بما قوم به، وهو ثمن مثله، أو بنقصانٍ يتغابن الناس بمثله.. وجب إخراج الزكاة مما بيع به؛ لأن ذلك قيمته. وإن باعه بأقل من قيمته بنقصان لا يتغابن الناس بمثله، مثل: أن باع ما يساوي أربعين بخمسة وثلاثين.. أخذت الزكاة من قيمته، وهو أربعون، دون ما بيع به؛ لأن هذا نقصٌ بتفريطٍ من رب المال. وإن باعه بزيادة، مثل: أن باع ما قومَ بأربعين بخمسين أو بستين.. فعليه أن يخرج الزكاة عن الأربعين، وهل يجب عليه أن يخرج الزكاة عن الزيادة؟ فيه وجهان: أحدهما: لا تجب عليه؛ لأن هذه زيادة حدثت بعد وجوب الزكاة، فلم تجب فيها الزكاة، كالسخال الحادثة بعد الحول. والثاني: يجب إخراج الزكاة عنها؛ لأن هذه الزيادة حدثت في نفس المال، فينبغي أن يخرج الزكاة منها، كما لو كانت له مواش مهازيل حال عليها الحول، فقبل أن يخرج الزكاة سمنت، وحسنت، فإن الزكاة تخرج منها. وإن حال الحول على العرض، فقوم، فلم تبلغ قيمته نصابًا.. لم تجب فيه الزكاة. فإن بلغت قيمته نصابًا قبل الحول الثاني.. ففيه وجهان: [الأول] : قال الشيخ أبو إسحاق: لا زكاة فيه، حتى يحول الحول الثاني، فيقوم حينئذٍ، فإن كانت قيمته نصابًا.. زكاه؛ لأن وقت التقويم وقت حؤول الحول، والحول حال، ولا نصاب معه، فوجب أن يستأنف الحول. و [الثاني] : قال أبو علي بن أبي هريرة: إذا بلغت قيمته نصابًا بعد اثني عشر شهرًا.. فذلك وقت حلول حوله؛ لأن حوله حين كمل النصاب، فلا فرق: بين أن تبلغ قيمتها عند مضي اثني عشر شهرًا، أو زيادة على ذلك.
следующие страницы →