Полный текст (7 092 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.
стр. 1471
وقال أبو حنيفة: (لا تجب إلا على من ملك نصابا من الذهب أو الورق أو ما قيمته نصاب)
دليلنا: ما روى ابن عمر ﵄ وأرضاهما: «أن النبي ﷺ فرض زكاة الفطر من رمضان على الناس: صاعا من تمر، أو صاعا من شعير، على كل حر وعبد، ذكر وأنثى» . ولم يفرق بين أن يكون واجدا للنصاب أو غير واجد.
وإن فضل معه نصف صاع.. ففيه وجهان:
أحدهما: لا يلزمه إخراجه، كما لو وجبت عليه رقبة، فلم يجد إلا نصفها.
والثاني: يلزمه، وهو الصحيح؛ لقوله ﷺ : «إذا أمرتكم بأمر.. فأتوا منه ما استطعتم» .
ولأنه لو ملك نصف عبد.. للزمه نصف فطرته، فكذلك إذا ملك نصف صاع.. لزمه إخراجه.
وإن كان معسرا حال الوجوب، ثم أيسر بعد ذلك.. لم يلزمه الإخراج، بل يستحب له. وقال مالك رحمة الله عليه: (يلزمه الإخراج إذا أيسر يوم الفطر) .
دليلنا: أنه لم يكن موسرا وقت الوجوب، فلم يلزمه إذا أيسر بعد ذلك، كما لو أيسر بعد يوم الفطر.
[مسألة: وجوب الفطرة على من تجب عليه النفقة]
] الفطرة تابعة للنفقة، فمن وجبت نفقته على شخص.. وجبت فطرته عليه، فإن كان له ابن صغير معسر، والأب موسر.. فنفقة الابن وفطرته على الأب، قال أصحابنا: وهذا إجماع.
стр. 1472
وإن كان الابن صغيرًا موسرًا.. فنفقته وفطرته في ماله، وبه قال أبو حنيفة، وأبو يوسف.
وقال محمد بن الحسن: نفقته في ماله، وفطرته على أبيه.
دليلنا: أن نفقته في ماله، فكانت فطرته في ماله، كالأب.
وأما إذا كان له ابن ابن، أو ابن بنت صغير معسر.. لزم الجد نفقته وفطرته.
وقال أبو حنيفة: (لا يلزمه) .
دليلنا: أنه يطلق عليه اسم الولد.. فلزم الجد نفقته وفطرته، كولده الصغير من صلبه.
وأما الآباء والأجداد والأمهات والجدات: فمن كان منهم فقيرًا زمنًا.. فإن نفقته وفطرته على ابنه، أو ابن ابنه وإن سفل، وإن كان معسرًا صحيحا.. فهل تجب نفقته وفطرته على ابنه؟ فيه طريقان، حكاهما ابن الصباغ:
أحدهما: أنها على قولين.
والثاني: لا يلزمه، قولًا واحدًا، ويأتي توجيه ذلك في (النفقات) .
وأما الولد الكبير: فإن كان معسرًا زمنًا.. وجبت نفقته وفطرته على الأب أيضًا، وإن كان معسرًا صحيحا.. بني على الأقوال في وجوبها على الأب الصحيح:
فإن قلنا: لا تجب نفقته وفطرته، قولًا واحدًا.. فالابن البالغ الصحيح أولى أن لا تجب نفقته ولا فطرته. وإن قلنا: في الأب قولان.. ففي الولد البالغ الصحيح طريقان:
أحدهما: أنها على قولين.
والثاني: لا تجب، قولًا واحدًا. هذا مذهبنا. وقال أبو حنيفة: (لا يجب عليه فطرة من لا ولاية له عليه، فلا تجب على الأولاد فطرة الوالدين، ولا تجب على الأب فطرة الابن البالغ بحال) .
стр. 1473
دليلنا: قوله ﷺ : " ممن تمونون ". ولم يفرق، وروي عن علي كرم الله وجهه: أنه قال: (من جرت عليك نفقته، فأطعم عنه نصف صاع، من بر، أو صاعًا من تمر أو شعير) . ولا يعرف له مخالف.
فإن كان للوالد أو الولد عبد يحتاج إليه للخدمة.. وجبت نفقته وفطرته على من وجبت عليه نفقة مولاه وفطرته؛ لأنه تابع له.
وإن كان مستغنيًا عن خدمته.. كانت نفقة مولاه وزكاة فطرهما في قيمته، فيباع منه بقدر ذلك، فإن تعذر بيع جزء منه.. بيع جميعه.
[فرع: فطرة زوجة الأب]
] : إذا كان له أب يلزمه نفقته، وللأب زوجة.. فهل يلزم الابن فطرة الزوجة.. فيه وجهان، ذكرهما في " الإبانة " [ق \ ١٥١] :
أحدهما: يلزمه كما يلزمه نفقتها.
والثاني: لا يلزمه، كما لا يلزم الأب. والأول أصح. وإن كان له ابن تلزمه نفقته، وللابن زوجة.. لم يلزم الأب فطرة الزوجة، كما لا يلزمه نفقتها.
стр. 1474
[فرع: تطوع النفقة لا يلزم زكاة الفطر]
] : وإن تطوع رجل على إنسان بالنفقة.. لم يلزمه زكاة فطرته.
وقال أحمد رحمة الله عليه: (تلزمه زكاة فطره) .
دليلنا: أن من لا تلزمه نفقته، لا تلزمه فطرته، كما لو لم يتطوع عليه، وعكسه من يلزمه نفقته.
[فرع: وجوب فطرة العبد والأمة]
] : ويجب عليه فطرة عبده وأمته المسلمين.
وقال داود: (لا يجب على السيد، بل يجب على العبد، وعلى السيد أن يتركه ليكتسب ما يؤدي في الفطرة) ؛ لقوله ﷺ : «على كل حر وعبد» .
دليلنا: قوله ﷺ : «عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق، إلا صدقة الفطر في الرقيق» . فدل على وجوبها على السيد.
وروي عن أبي سعيد الخدري: أنه قال: «كنا نؤدي إذ فينا رسول الله ﷺ في زكاة الفطر عن كل حر وعبد، صاعا من طعام، أو صاعا من شعير، أو صاعا من تمر، أو صاعا من أقط، أو صاعا من زبيب» . فأخبر أنهم كانوا يؤدون عن العبيد، فدل على وجوبها على السيد.
стр. 1475
وأما الجواب عن قوله: «على كل حر وعبد» : فمن قال من أصحابنا: إن زكاة العبد تجب على السيد.. قال معناه: عن كل حر وعبد، والعرب تستعمل (على) في موضع (عن) .
قال الشاعر:
إذا رضيت علي بنو قشير ... لعمر الله أعجبني رضاها
وأراد: إذا رضيت عني.
ومن قال من أصحابنا: إن الزكاة تجب على العبد، ثم يتحملها السيد.. قال: يحمل هذا على الوجوب على العبد، وأما الأداء: فعلى السيد، بدليل حديث أبي سعيد الخدري.
إذا ثبت هذا: فحكم أم الولد والمدبر والمعتق نصفه.. حكم العبد القن؛ لأنه باق على ملكه.
[مسألة: زكاة العبيد]
] : قال الشافعي: (ويؤدي عن عبيده الحضور والغيب وإن لم يرج وجوعهم إذا علم حياتهم) .
قال الشيخ أبو حامد: إذا غاب له عبد، فأهل شوال، وهو يعلم حياته.. وجبت عليه زكاته، سواء كان آبقا أو غير آبق، وسواء كان يرجو عودته أو لا يرجو؛ لأن الزكاة تجب بسبب الملك، والملك موجود وإن لم يكن فيه منفعة، كالعبد الزمن.
وإن لم يعلم حياته.. فظاهر ما قاله الشافعي ﵀ هاهنا: (أنه لا يجب على السيد) .
стр. 1476
وقال في موضع آخر: (يزكي عنهم وإن لم يعلم حياتهم) .
فاختلف أصحابنا فيه على طريقين:
فمنهم من قال: تجب عليه، قولًا واحدا، ولم يجعل لكلام الشافعي دليل خطاب.
ومنهم من قال: فيه قولان:
أحدهما: لا يجب عليه، كما لا يجب عليه زكاة ماله الغائب الذي لا يعلم سلامته.
والثاني: يجب عليه، وهو الصحيح؛ لأن الأصل فيه الحياة، ويخالف زكاة المال، لأنها لا تجب إلا في الأموال النامية، بدليل: أنها لا تجب في البغال والحمير، وهاهنا: تجب الزكاة لأجل الملك، والملك موجود.
وهكذا ذكر الشيخ أبو حامد، وأصحابنا البغداديون.
وذكر الشيخ أبو إسحاق في " المهذب ": أنه إذا أبق له عبد.. فهل تجب زكاة فطرته؟ على طريقين، ولم يفصل بين أن يعلم حياته أو لا يعلم، وهي طريقة المسعودي [في " الإبانة " ق \ ١٥٢] .
فإذا قلنا: تجب زكاة عبده الغائب الذي لا يعلم حياته.. فهل يجب عليه إخراجها قبل أن يعود إليه؟ ذكر ابن الصباغ في " الشامل ": أن الشيخ أبا حامد حكى عن " الإملاء " قولين:
أحدهما: يجب.
والثاني: لا يجب حتى يعود إليه كالمال المغصوب.
стр. 1477
قال ابن الصباغ: وهذا يبعد؛ لأن إمكان الأداء شرط في ضمان زكاة المال، والمال الغائب يتعذر فيه الأداء، وزكاة الفطر تجب عما لا يؤدى منه.
[فرع: زكاة المرهون والمغضوب]
فرع: [تؤدى زكاة المرهون والمغضوب] : قال الشافعي ﵀: (ويؤدي عمن كان مرهونا أو مغصوبا) .
وهذا كما قال: إذا كان له عبد مرهون.. فإنه يجب عليه زكاة فطره؛ لأن ملكه ثابت عليه.
وإن كان له عبد مغصوب.. فقال البغداديون من أصحابنا: يجب على السيد زكاة فطره، قولا واحدا؛ لبقاء الملك عليه.
وحكى في " الإبانة " [ق \ ١٥٢] : أن من أصحابنا من قال: في زكاته قولان، كالمال المغصوب.
[فرع: فيما لوملك العبد عبدا]
فرع: [فيما لو ملك العبد عبدا] : وإن ملك عبده عبدا، فإن قلنا: إنه يملك.. لم تجب زكاته على السيد، ولا على العبد، وإن قلنا: إن العبد لا يملك.. كانت زكاة فطرهما على السيد.
[فرع: زكاة المملوك لاثنين أو أكثر]
] : وإن كان بين اثنين، أو بين جماعة عبد مملوك.. وجب زكاة فطرته على الموالي، على كل مولى بحصته.
وقال أبو حنيفة: (لا تجب زكاة العبد المشترك على واحد) .
وقال أحمد ﵀: (يجب على كل واحد صاع) .
دليلنا: قوله ﷺ : «على كل حر وعبد» . ولم يفرق بين أن يكون لواحد أو لأكثر، ولأن نفقته تجب عليهم على قدر أملاكهم، فكذلك زكاة فطرته.
стр. 1478
[فرع: زكاة المبعض]
] : وإن كان نصفه حرا ونصفه عبدا.. وجبت زكاة فطرته عليه وعلى سيده.
وقال أبو حنيفة: (لا تجب عليه، ولا على سيده) .
وقال مالك رحمة الله عليه: (يجب على السيد نصف فطرته، ولا شيء على العبد) .
وقال عبد الملك بن الماجشون؛ يجب على السيد جميع فطرته.
دليلنا: ما ذكرناه في التي قبلها.
إذا ثبت هذا: فإن لم يكن بينه وبين السيد مهايأة.. فإن نصف كسبه له، ونصفه لسيده، وكذلك النفقة والفطرة، فإذا أهل شوال، فإن كان العبد يملك نصف صاع فاضلا عن نصف نفقته ليلة الفطر ويومه.. لزمه إخراجه، وإن لم يملك ذلك فاضلا عن نصف نفقته.. لم يجب عليه شيء، ويخرج المولى نصف صاع عنه.
وإن كان بينهما مهايأة.. فإن النفقة والكسب يدخلان فيها.
وأما زكاة الفطر: ففيها طريقان، حكاهما في " الإبانة " [ق \ ١٥٢] :
[الأول] : من أصحابنا من قال: فيه قولان.
و [الثاني] : منهم من قال: لا يدخل فيها، قولا واحدا، وهي طريقة أصحابنا البغداديين؛ لأن المهايأة معاوضة كسب يوم بكسب يوم، والفطرة حق لله تعالى، فلا تصح المعاوضة عليها.
فعلى هذا: إذا أهل شوال في يوم السيد.. فعلى السيد نصف صاع فاضل عن نفقة السيد، وعن جميع نفقة العبد.
فإن كان العبد يملك نصف صاع.. لزمه إخراجه وإن لم يفضل عن نفقته؛ لأن نفقته في هذا اليوم على السيد، وإن كان يوم الفطر في حق العبد.. فعلى السيد نصف
стр. 1479
صاع فاضل عن جميع نفقة نفسه ليلة الفطر ويومه لا غير؛ لأن نفقة العبد في هذا اليوم على نفسه، وعلى العبد نصف صاع فاضل عن جميع نفقته ليلة الفطر ويومه.
[فرع: فطرة العبد المقارض]
] : وتجب فطرة العبد الذي في يد العامل في القراض.
وقال أبو حنيفة: (لا تجب) .
دليلنا: أن ملكه ثابت عليه، فهو كما لو كان بيده.
وإن كان بيده عبد للتجارة.. وجبت عليه زكاة فطرته، وبه قال مالك رحمة الله عليه.
وقال أبو حنيفة: (لا تجب عليه) .
دليلنا: أنه شخص من أهل الفطرة، فوجبت زكاة فطرته، كما لو لم يكن للتجارة.
[فرع: فطرة الزوجة على زوجها]
] : ويجب على الرجل فطرة زوجته المسلمة، وبه قال مالك رحمة الله عليه.
وقال الثوري، وأبو حنيفة وأصحابه: (لا يجب على الرجل زكاة زوجته) .
دليلنا: ما روي في حديث ابن عمر، عن النبي ﷺ : " ممن تمونون "، ولأن كل معنى يتحمل بالملك والنسب.. جاز أن يتحمل بالزوجية، كالنفقة، أو نقول: لأنه ملك يستحق به النفقة، فجاز أن يستحق به الفطرة، كالملك، وفيه احتراز من عقد الإجارة.
وإن كانت الزوجة ممن يخدم مثلها نفسها في العادة.. لم يجب على الزوج أن يخدمها، فإن تطوع وأخدمها بخادم يملكه.. وجبت عليه زكاة فطرته؛ لأنه ملكه،
стр. 1480
وإن كان لها خادم تملكه، وتراضيا على أنه يخدمها.. لم يجب على الزوج فطرته، ولا نفقته.
وإن كانت ممن لا تخدم نفسها في العادة.. وجب على الزوج أن يخدمها بخادم، وهو بالخيار: بين أن يشتري خادما ويتركه في خدمتها، وبين أن يكتري لها خادما.
وإن كان لها خادم مملوك لها، واتفقا على أنه يخدمها.. جاز، فإن اشترى خادما، وجعله في خدمتها.. وجب عليه فطرته؛ لأنه مملوكه، وإن اكترى لها خادما.. لم يجب عليه فطرته، وإن اتفقا على أن يخدمها مملوكها.. وجب على الزوج نفقته وفطرته.
وإن نشزت الزوجة.. لم تجب عليه فطرتها، ولا فطرة خادمها؛ لأن نفقتها تسقط، فسقط ما يتبعها.
[فرع: لا تجب الفطرة على غير مسلم]
] : ولا يجب عليه إلا فطرة مسلم، فإن كان لمسلم عبد كافر أو زوجة ذمية.. لم تجب عليه فطرتهما، وكذلك إذا كان له أب كافر، أو ابن كافر، بأن يسلم أحدهما، ويبقى الآخر على الكفر.
وقال أبو حنيفة: (تجب عليه فطرة عبده الكافر اعتبارا بحال المؤدي) .
فأما الزوجة: فلا تجب عليه فطرتها عنده، مسلمة كانت، أو كافرة.
دليلنا: ما روي عن ابن عمر: أنه قال: «فرض رسول الله ﷺ صدقة الفطر من رمضان على الناس صاعا من تمر أو شعير على كل ذكر وأنثى، حر وعبد من المسلمين»
وقد روي في الخبر: «طهرة للصائم» . والكافر لا طهرة له.
стр. 1481
فأما إذا كان العبد مسلما والسيد كافرا، مثل: أن يكون للكافر عبد كافر، فأسلم العبد، فقبل أن يزال ملكه عنه أهل شوال.. فهل يجب على السيد فطرته؟ إن قلنا: إن زكاة الفطر تجب على السيد.. لم يجب عليه هاهنا؛ لأنه ليس من أهل الوجوب.
وإن قلنا: إن الفطرة تجب على العبد، ثم يتحملها السيد.. وجب على السيد أداؤها هاهنا؛ لأن الوجوب كان على المسلم.
[مسألة: يؤدي الفقير بما زاد عن نفقته]
] : قال الشافعي ﵀: (فإن لم يكن عنده بعد القوت ليومه إلا ما يؤدي عن بعضهم.. أدى عن بعضهم) .
وجملة ذلك: أنه إذا فضل عن قوته وقوتهم ليلة الفطر ويومه ما يؤدي عنهم لزمه أن يؤدي عنهم على ما مضى.
وإن لم يجد إلا ما يؤدي عن بعضهم.. فاختلف أصحابنا فيه:
فمنهم من قال بظاهر كلام الشافعي ﵀، وأنه إذا فضل عنده صاع.. أخرجه عمن شاء منهم؛ لأن زكاة الكل واجبة عليه. قال شيخ أبو حامد في " التعليق ": وهذا ظاهر المذهب. ومنهم من قال: يخرجه عنهم جميعا. حكاه في " الإبانة " [ق \ ١٥٣] ، وهو غريب.
ومن أصحابنا من قال: يجب عليه أن يخرج أولا عن نفسه، ثم هو بالخيار في حق الباقين؛ لقوله ﷺ : «ابدأ بنفسك، ثم بمن تعول» .
стр. 1482
ومن أصحابنا من قال: يجب عليه أن يبدأ بفطرة نفسه، ثم بفطرة الزوجة؛ لأنها تجب بحكم المعاوضة، ثم بابنه الصغير؛ لأن نفقته ثبتت بنص القرآن، ثم بأبيه قبل أمه؛ لأنه لو كان الابن معسرا، لكان الأب ينفق عليه قبل أمه، ثم بأمه قبل الابن الكبير؛ لأن حالها آكد، ثم بالابن الكبير المعسر.
ومن أصحابنا من قال: يقدم الابن الكبير المعسر على الأب والأم؛ لأن النص ورد بنفقة الولد.
ومن أصحابنا من قال: تقدم الأم على الأب؛ «لقوله ﷺ للذي قال: من أبر؟ قال: " أمك "، ثم عاد، فقال: " أمك " ثلاث مرات، ثم قال: ومن؟ قال: أباك»
ومن أصحابنا من قال: هما سواء، فيخرج عن أيهما شاء.
стр. 1483
وقال أبو علي بن أبي هريرة: تقدم فطرة الأقارب على فطرة الزوجة؛ لأنه يقدر على إزالة سبب الزوجية بالطلاق، ولا يقدر على إزالة سبب القرابة.
ومنهم من قال: تقدم فطرة الزوجة على فطرة نفسه؛ لأنها تجب بحكم المعاوضة.
[فرع: ممن تطلب الفطرة ابتداء]
] : ومن وجبت فطرته على غيره.. فهل تجب على المؤدي ابتداء، أو على المؤدى عنه، ثم يتحملها المؤدي؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنها وجبت على المؤدي ابتداء؛ لأنها تجب في ماله.
والثاني: أنها وجبت على المؤدى عنه؛ لأنها تجب لتطهيره، فإن أخرجها المؤدى عنه، مثل: أن تخرج الزوجة فطرتها من مالها، أو الأب أو الابن إذا كانا فقيرين وقت الوجوب، ثم اقترضا أو اكتسبا مالًا بعد الوجوب، وأخرجاه عن زكاة فطرهما، فإن أخرجوا ذلك بإذن المؤدي.. جاز، كما لو أخرج عنه زكاة ماله بإذنه، وإن كان بغير إذنه، فإن قلنا: إنها وجبت على المؤدي ابتداء.. لم يجز، كما لو أخرج عن غيره زكاة ماله بغير إذنه. وإن قلنا: إنها وجبت على المؤدى عنه ابتداء.. جاز.
[فرع: موسرة وزوجها معسر]
] : وإن كانت له زوجة موسرة، وهو معسر.. فقد قال الشافعي ﵀: (أحببت لها أن تخرجها، ولا يتبين لي أن يجب عليها) ، وقال في موضع آخر بعدها: (إذا زوج السيد أمته بعبد أو مكاتب أو حر معسر.. أن على السيد فطرتها) .
واختلف أصحابنا فيها:
стр. 1484
فمنهم من نقل جواب كل واحدة منهما إلى الأخرى، وجعلهما على قولين:
أحدهما: لا يجب على الحرة ولا على سيد الأمة، لأن المخاطب بها هو الزوج، فإذا أعسر، وعجز عنها.. لم يجب على غيره.
والثاني: يجب عليهما؛ لأن الفطرة كانت في الأصل واجبة على الحرة، وعلى سيد الأمة، وإنما انتقلت عنهما بالزوجية، فإذا لم يكن من انتقلت إليه عنها بالزوجية من أهل التحمل.. عادت إلى من كانت عليه.
ومن أصحابنا من قال: يُبنى ذلك على: أن الفطرة وجبت ابتداء على الزوج، أو على الزوجة، ثم يتحمل عنها الزوج، فإن قلنا: إنها وجبت ابتداء على الزوج.. لم يجب على الزوجة ولا على سيد الأمة. وإن قلنا: إنها وجبت على الزوجة.. لم يتحملها الزوج، ووجبت على الزوجة وعلى سيد الأمة؛ لأن الوجوب كان عليهما، والزوج يتحمل، فإذا عجز.. بقي الوجوب في محله.
وهذا القول يوافق الأول في الحكم، وإنما خالفه في السبيل؛ لأن الأول يقول: هما قولان أصليان، والثاني يقول: هما مبنيان.
وقال أبو إسحاق: بل المسألتان على ظاهرهما، فيجب على السيد، ولا يجب على الحرة الموسرة؛ لأن الحرة يجب عليها تسليم نفسها ليلًا ونهارًا، فانتقلت فطرتها عنها بغير اختيارها، والسيد لا يجب عليه تسليم الأمة ليلًا ونهارًا، وإنما يجب عليه بالليل لا غير، ولا يجب على الزوج نفقتها ولا فطرتها، فإذا تطوع السيد بتسليمها ليلًا ونهارًا.. لم يسقط عنه ما وجب عليه من النفقة والفطرة بذلك.
[مسألة: وقت دفع الفطرة]
] : ومتى تجب زكاة الفطر؟ فيه قولان مشهوران:
أحدهما - قاله في القديم -: (أنها تجب بطلوع الفجر من يوم الفطر) . وبه قال أبو حنيفة وأصحابه، وأبو ثور، وهي إحدى الروايتين عن مالك رحمة الله عليه؛
стр. 1485
لقوله ﷺ : «أغنوهم عن الطلب في هذا اليوم» . وأراد به: يوم الفطر، فدل على أنه وقت الوجوب.
ولما روي عن ابن عمر ﵄: أنه قال: «فرض رسول الله ﷺ صدقة الفطر من رمضان» . والفطر منه يكون يوم الفطر.
ولأنه حق يتعلق بمال مخرج في يوم عيد، فتعلق باليوم، كالأضحية.
و [الثاني] : قال في الجديد: (يجب بغروب الشمس من آخر يوم من شهر رمضان) . وبه قال الثوري، وأحمد، وإسحاق، وهو الرواية الأخرى عن مالك رحمة الله عليه؛ لما روى ابن عباس: «أن النبي ﷺ فرض زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث» . فينبغي أن يجب ذلك على من أدرك جزءا من الصوم، ولما روي عن ابن عمر ﵄: أنه قال: «فرض النبي ﷺ صدقة الفطر من رمضان» . والفطر منه إذا غابت الشمس من آخر يوم منه.
وحكى المسعودي في [" الإبانة " ق \ ١١٥] قولا ثالثا غريبا: أنه لا تجب إلا بغروب الشمس، وبطلوع الفجر من يوم الفطر. وقال بعض أصحاب مالك: لا تجب إلا بطلوع الشمس من يوم الفطر. وهذا ليس بشيء؛ لما ذكرناه للقولين.
فإن تزوج امرأة أو رزق ولدا، أو اشترى رقيقا، فغربت الشمس ليلة الفطر، وهم عنده.. وجبت عليه زكاة فطرهم على القول الجديد.
стр. 1486
وإن لم يطلع الفجر وهم عنده، فإن قلنا بقوله القديم.. لم يجب عليه زكاة فطرهم إلا إذا طلع الفجر، وهم عنده وإن لم يكونوا عنده عند غروب الشمس. وإن قلنا بالقول الثالث.. لم تجب عليه زكاة فطرهم، حتى تغرب الشمس ليلة الفطر، ويطلع الفجر من يوم الفطر وهم عنده.
وإن دخل عليه الوقت، وهم عنده، فماتوا قبل أن يتمكن من أداء الزكاة عنهم.. ففيه وجهان:
أحدهما: لا تجب عليه زكاة فطرهم، كما لا تجب عليه زكاة المال إذا هلك المال قبل التمكن من أداء زكاته.
والثاني: يجب عليه، كما لو ظاهر من امرأته، ووجبت عليه الكفارة، ثم ماتت قبل أن يتمكن من تحصيل الرقبة، فإنها لا تسقط عنه.
[فرع: تعجيل زكاة الفطر]
] : ويجوز تقديم زكاة الفطر من أول شهر رمضان، ولا يجوز إخراجها قبل دخول شهر رمضان.
وقال أبو حنيفة: (يجوز) .
وقال أحمد: (يجوز إخراجها قبل يوم الفطر بيوم أو يومين، ولا يجوز قبل ذلك) .
دليلنا: أن الزكاة تتعلق بسببين: الصوم، والإفطار في آخر الشهر، فإذا وجد أحدهما.. جاز تقديمها على الآخر، ولا يجوز قبلهما، كزكاة المال: كما لو أراد أن يخرج زكاة المال قبل أن يملك النصاب.
والمستحب: أن يخرجها يوم العيد قبل الصلاة؛ لما روى ابن عمر: «أن النبي ﷺ أمر بزكاة الفطر أن تخرج قبل خروج الناس إلى الصلاة» .
стр. 1487
فإن أخرجها بعد الصلاة يوم العيد وقبل خروج يوم الفطر.. لم يأثم، وإن أخرها عن يوم الفطر.. أثم بذلك، وإذا أخرجها بعد ذلك.. أجزأه.
وحُكي عن ابن سيرين، والنخعي: أنهما كانا يرخصان في تأخيرها عن يوم الفطر.
دليلنا: قوله ﷺ : «أغنوهم عن الطلب في هذا اليوم» .
وروى ابن عباس: «أن النبي ﷺ فرض زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين، من أداها قبل الصلاة.. فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة.. فهي صدقة من الصدقات» . فدل على ما قلناه.
[مسألة: مات بعد إهلال شوال]
] : وإذا مات رجل، وخلف عبدًا، ولا دين عليه:
فإن مات بعدما أهل شوال.. فإن زكاة فطرهما قد وجبت على السيد، فإن أخرجها الورثة من غيره، أو من أموالهم.. استقر ملكهم على العبد، وإلا بيع جزء من العبد، وأخرجت منه زكاة الفطر. وإن تعذر ذلك.. بيع جميعه، وأُديت زكاة فطرهما منه، وقسم باقي الثمن بين الورثة.
وإن مات بعدما أهل شوال، وعليه دين، وله مال سوى العبد.. فإن فطرة السيد، وفطرة العبد، والدين قد وجبت في ذمة السيد.
فإن اتسع المال للجميع.. قضى الجميع، وإن ضاق المال.. فإن فطرة السيد، والدين على ثلاثة أقوال:
أحدها: تقدم الفطرة؛ لأنها دين لله، فكان أحق بالتقديم.
والثاني: يقدم الدين؛ لأنه دين للآدمي، وهو شحيح.
стр. 1488
والثالث: أنهما سواء؛ لتساويهما في الوجوب.
وأما فطرة العبد والدين: ففيهما طريقان:
[الأول] : من أصحابنا من قال: هي كفطرة السيد مع الدين، على هذه الأقوال الثلاثة.
و [الثاني] : من أصحابنا من قال: تقدم فطرة العبد على الدين، قولًا واحدًا؛ لأنها تتعلق بالعين، والدين متعلق بالذمة.
قال الشيخ أبو حامد: وهذا غلط؛ لأن فطرة العبد لا تتعلق أيضاُ بالعين، وإنما هي بالذمة.
فإن مات السيد قبل أن يهل شوال، وعليه دين:
فإن قلنا: إن الدين لا يمنع انتقال الملك إلى الورثة، وهو المذهب.. فإن فطرة العبد تجب على الورثة؛ لأنه ملك لهم، وكونه كالمرهون بالدين لا يمنع وجوب الفطرة، كما لو كان له عبد مرهون.
وإن قلنا بقول أبي سعيد الإصطخري، وأن الدين يمنع انتقال الملك إلى الورثة. ففيه وجهان:
[الأول] : قال الشيخ أبو حامد: لا تجب زكاة فطرة العبد على أحد؛ لأن الميت لا يجب عليه شيء، ولا تملكه الورثة.
و [الثاني] : قال القاضي أبو الطيب: تجب زكاة فطره في تركة الميت؛ لأنه باق على ملكه.
[فرع: فطرة العبد الموصى به على من يملكه وقت الوجوب]
] : إذا أوصى رجل لرجل بعبد يخرج من ثلثه، فأهل شوال، ثم مات الموصى له.. فإن زكاة العبد على الموصي؛ لأنه على ملكه وقت الوجوب، وإن مات الموصي، ثم قبل الموصى له الوصية، ثم أهل شوال.. فإن زكاة العبد على الموصى له؛ لأنه على ملكه وقت الوجوب.
стр. 1489
وإن مات الموصي، ثم أهل شوال قبل أن يقبل الموصى له الوصية:
فإن قلنا: برواية ابن عبد الحكم، عن الشافعي ﵀: (أن الموصى له يملك الموصى به بنفس الموت) .. فإن فطرة العبد على الموصى له، سواء قبل أو لم يقبل؛ لأن الملك قد حصل له؛ لأنه وإن رد الوصية بعد هذا.. فإن الملك يحصل للورثة بنفس الرد.
وإن قلنا: إن الملك مراعى في الموصى به.. نظرت:
فإن قبل الموصى له بالعبد.. تبينا أنه ملكه بالموت، فيجب عليه زكاة العبد.
وإن لم يقبل.. تبينا أن ملكه انتقل إلى الورثة بالموت، فتكون زكاة العبد عليهم.
وإن قلنا: إن الموصى له لا يملك إلا بالموت والقبول.. ففيه وجهان حكاهما في " الإبانة " [ق \ ١٥٣] :
أحدهما - وهو طريقة أصحابنا البغداديين -: أن زكاة العبد تجب في تركة الميت؛ لأنه مبقى على ملكه وقت الوجوب.
والثاني: لا يجب على أحد؛ لأن الميت لا يمكن الإيجاب عليه.
فإن مات الموصي، ثم أهل شوال، ثم مات الموصى له قبل القبول:
فإن قلنا برواية ابن عبد الحكم.. فزكاة العبد في تركة الموصى له.
وإن قلنا: إنه مراعى، فإن قبل ورثة الموصى له الوصية.. تبينا أن الملك وقع لمورثهم بموت الموصي، فتكون فطرة العبد في تركة الموصى له، وإن ردوا.. تبينا أن الملك وقع لورثة الموصي بموته، فتكون فطرة العبد عليهم.
وإن قلنا: لا يملك إلا بالقبول.. ففيه وجهان:
أحدهما - وهو المشهور -: أنها في تركة الموصي.
والثاني: لا تجب على أحد.
стр. 1490
وإن مات الموصي، ثم مات الموصى له قبل القبول، ثم أهل شوال:
فإن قلنا برواية ابن عبد الحكم.. كانت الفطرة هاهنا على ورثة الموصى له.
وإن قلنا: إن الملك مراعى.. نظرت:
فإن قبل ورثة الموصى له الوصية ... كانت الفطرة عليهم؛ لأن مورثهم ملك العبد بموت الموصي، ثم مات، وجاء وقت الوجوب وهو في ملكهم.
وإن لم يقبلوا، أو ردوا الوصية.. كانت الفطرة على ورثة الموصي.
وإن قلنا: إن الملك يحصل بالقبول.. فعلى الوجهين الأولين:
أحدهما: تجب في تركة الموصي.
والثاني: لا تجب على أحد.
[فرع: الوصية لرجل بالرقبة ولآخر بالمنفعة]
] : ذكر الشيخ أبو حامد: أن الشافعي قال في الأم [٢/٥٥] : (لو أوصى لرجل برقبة عبد، ولآخر بمنفعته، وقبلا الوصية، ثم أهل شوال.. فإن فطرة العبد على الموصى له بالرقبة؛ لأنها تتعلق بالرقبة، ومالك المنفعة كالمستأجر) .
قال ابن الصباغ: وهكذا ينبغي أن تجب النفقة عليه.
قلت: وقد حكى في " المهذب " في نفقته ثلاثة أوجه:
أحدها: تجب على الموصى له بالرقبة.
والثاني: أنها على الموصى له بالمنفعة.
والثالث: أنها في كسبه، فينبغي أن تكون زكاة فطره كنفقته.
[فرع: فطرة العبد في مدة الخيار]
] : إذا اشترى عبدًا، فأهل شوال في خيار المجلس أو الشرط:
فإن قلنا: إن المشتري يملك بنفس العقد.. فإن الفطرة تجب عليه، سواء اختار البيع أو فسخه بعد ذلك.
стр. 1491
وإن قلنا: لا يملكه إلا بالعقد، وانقضى الخيار.. كانت الفطرة على البائع، سواء اختار البيع أو فسخه بعد ذلك.
وإن قلنا: إن الملك موقوف.. كانت الفطرة موقوفة أيضًا، فإن اختار البيع.. كانت الفطرة على المشتري، وإن فسخاه.. كانت الفطرة على البائع.
[فرع: وجوب الفطرة على أهل البادية]
] : زكاة الفطر واجبة على أهل البادية، وروي ذلك عن ابن الزبير.
وقال عطاء، والزهري، وربيعة رحمة الله عليهم: لا يجب عليهم.
دليلنا: عموم حديث ابن عمر، وابن عباس ﵃؛ ولأنه مسلم موسر بها.. فوجبت عليه، كأهل القرى.
[مسألة: ما يجب في صدقة الفطر]
] : الواجب في الفطرة: صاع من أي جنس كان من الطعام، وروي ذلك عن أبي سعيد الخدري ﵁، وبه قال مالك، وأحمد، وإسحاق، والحسن البصري، وأبو العالية، وأبو الشعثاء جابر بن زيد رحمة الله عليهم.
وقال أبو حنيفة: (الواجب من البر نصف صاع) ، وروي ذلك عن أبي بكر الصديق، وعثمان بن عفان، وابن مسعود، وجابر بن عبد الله، وأبي هريرة، وابن الزبير، ومعاوية، وأسماء ﵃.
واختلفت الرواية فيه عن علي، وابن عباس ﵃.
وقال ابن المنذر: لا يثبت ذلك عن أبي بكر، وعثمان ﵄.
وعن أبي حنيفة في الزبيب روايتان:
إحداهما: (صاع) .
والثانية: (نصف صاع) .
стр. 1492
دليلنا: ما روي عن أبي سعيد الخدري: أنه قال: «كنا نخرج إذ فينا رسول الله ﷺ في زكاة الفطر صاعًا من طعام، أو صاعًا من شعير، أو صاعًا من تمر، أو صاعًا من زبيب، أو صاعًا من أقط، عن كل صغير وكبير، حر أو مملوك، فلم نزل نخرجه حتى قدم معاوية المدينة، فكلم الناس على المنبر، فكان فيما تكلم به أن قال: إني أرى مدين من تمر الشام تعدل صاعًا من تمر، فأخذ الناس بذلك، وأنا لا أخرج إلا ذاك» .
ولأنها زكاة تتعلق بالحبوب، فاستوى فيها الحنطة والشعير، كالعشر.
إذا ثبت هذا: فالصاع: أربعة أمداد، والمد: رطل وثلث بالبغدادي، فصار خمسة أرطال وثلث رطل، وبه قال مالك، وأحمد رحمة الله عليهما.
وقال أبو حنيفة: (الصاع: أربعة أمداد، إلا أن المد رطلان، فتصير ثمانية أرطال) .
دليلنا: أن الرشيد لما حج.. جمع بين مالك رحمة الله عليه وأبي يوسف، فقال له مالك رحمة الله عليه: كم الصاع؟ فقال: ثمانية أرطال، فأحضر مالك أهل المدينة بصيعانهم، فمنهم من قال: حدثني أبي، عن جدي: أنه قال: دفع إلى النبي ﷺ الفطرة بهذا الصاع. ومنهم من يقول: حدثتني أمي، عن جدتي: أنها أخرجت الفطرة إلى النبي ﷺ بهذا الصاع، فعايروها، فوجدوها خمسة أرطال وثلثًا، فرجع أبو يوسف إلى قول مالك رحمة الله عليه.
стр. 1493
قال ابن الصباغ: والأصل في الطعام الكيل، وإنما قدره العلماء بالوزن، لئلا تختلف المكاييل. ويبطل فيها النقل.
[مسألة: ما يجزئ من الأصناف في الفطرة]
واختلف أصحابنا في جنس المخرج في زكاة الفطر:
فقال عامتهم: لا يجزئه إلا من غالب قوت بلده، وإن كان يقتات دونه؛ لقوله ﷺ : «أغنوهم عن الطلب في هذا اليوم» . وغناهم إنما يحصل بقوت البلد. قال المحاملي: وهذا هو المذهب. ومن أصحابنا من قال: يجوز من كل قوت؛ لحديث أبي سعيد الخدري ﵁: أنه قال: «كنا نخرج صاعا من طعام، أو صاعا من أقط، أو صاعا من شعير، أو صاعا من تمر، أو صاعا من زبيب» . وأهل المدينة لم يكونوا يقتاتون ذلك كله، فدل على أنه يجوز التخيير.
وقال أبو عبيد بن حرب: الواجب من غالب قوت المخرج. واختاره الشيخ أبو حامد، قال: لأن الشافعي ﵀ قال: (وأي قوت كان الأغلب على رجل.. أدى منه) ، ولأنه لما وجب عليه أداء ما فضل من قوته.. وجب من غالب قوته.
ومن قال بالأول.. قال: أراد الشافعي: إذا كان الرجل يقتات غالب قوت البلد.
إذا ثبت هذا: فإن عدل عن قوت البلد، أو عن قوته، إلى قوت غيره، فإن كان الذي عدل إليه أعلى منه.. أجزأه.
стр. 1494
وإن كان أدنى.. ففيه قولان:
أحدهما: يجزئه، وبه قال أبو حنيفة، وأبو إسحاق المروزي؛ لأن الخبر ورد بالتخيير.
والثاني: لا يجزئه؛ لقوله ﷺ : «أغنوهم عن الطلب في هذا اليوم» . والغنى لا يحصل بدون قوت البلد. ومن قال بهذا.. قال: أراد بالخبر: التمر لمن قوته التمر، والبر لمن قوته البر.
وقد اختلف في البر والتمر:
فقال قوم: البر أفضل.
وقال آخرون: بل التمر أفضل.
وإن كان في بلد قوتهم أجناس مختلفة، وهي كلها غالبة.. فالأفضل أن يخرج من أفضلها، ومن أيها أخرج.. جاز.
وقال أحمد رحمة الله عليه: (لا يجوز إلا من الأجناس الخمسة المنصوص عليها) .
دليلنا: أنه قوت معتاد، فأجزأ، كالخمسة المنصوص عليها.
[فرع: فيمن قوتهم الأقط]
وإن كان في موضع قوتهم الأقط.. فهل يجزئ؟ فيه طريقان:
[الطريق الأول] : من أصحابنا من قال: فيه قولان:
أحدهما: لا يجزئه. قال الشيخ أبو حامد: وهو الأقيس؛ لأنه قوت لا تجب فيه الزكاة، فأشبه اللحم.
стр. 1495
والثاني: يجزئه. قال: وهو الأشبه بالسنة؛ لحديث أبي سعيد الخدري ﵁.
و [الطريق الثاني] : منهم من قال: يجزئه، قولا واحدا؛ لما ذكرناه.
فإذا قلنا: لا يجزئه الأقط.. لم يجزئه إخراج اللبن.
وإن قلنا: يجزئه إخراج الأقط.. فهل يجزئه إخراج اللبن؟
قال أصحابنا البغداديون: يجزئه إخراج اللبن مع وجود الأقط، ومع عدمه؛ لأنه أكمل منه، ويجزئه إخراج الجبن؛ لأنه مثله.
وذكر المسعودي [في " الإبانة " ق \ ١٥٤] : إذا قلنا يجزئه الأقط.. فهل يجزئه اللبن؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجزئه؛ لما ذكرناه.
والثاني: لا يجزئه؛ لأنه يدخر، وأما المصل: فلا يجزئه؛ لأنه لبن منزوع الزبد.
[فرع: فاقد القوت]
] : وإن كان في بلد لا قوت فيه.. أخرج من قوت أقرب البلاد إليه، ولا يجوز أن يخرج من جنسين، كما لا يجوز في كفارة اليمين: أن يكسو خمسة، ويطعم خمسة.
وإن كان عبد بين شريكين قوتهما مختلف.. ففيه ثلاثة أوجه:
[أحدهما] : قال أبو العباس: يخرجان من أدنى القوتين؛ لأنها لا تتبعض.
و [الثاني] : قال أبو إسحاق: يخرج كل واحد منهما نصف صاع من قوته؛ لأنه لا يتبعض ما وجب عليه.
стр. 1496
و [الثالث] : من أصحابنا من قال: يعتبر قوت العبد أو قوت البلد الذي هو فيه؛ لأن ذلك يجب طهرة له، فاعتبر حاله.
[فرع: جواز الحب القديم لا المسوس]
] : ولا يجوز إخراج حب مسوس؛ لأن السوس قد أكل جوفه.
قال الشافعي ﵀: (فإن أخرج من طعام قديم لم يتغير طعمه، إلا أن قيمته أقل من قيمة الحديث.. أجزأه؛ لأن القدم ليس بعيب) .
ولا يجوز إخراج الدقيق والسويق، وبه قال مالك.
وقال أبو حنيفة، وأحمد رحمة الله عليهما: (يجوز) . وبه قال أبو القاسم الأنماطي من أصحابنا، وهذا ليس بصحيح؛ لأنه ناقص المنفعة، فلم يجز، كالخبز.
وبالله التوفيق
стр. 1497
[باب تعجيل الزكاة]
كل مال وجبت فيه الزكاة بالنصاب والحول، إذا ملك النصاب.. جاز تعجيل الزكاة فيه قبل مضي الحول، وكذلك يجوز تعجيل كفارة اليمين بعد الحلف، وقبل الحنث، وبه قال ابن عمر ﵄، وعطاء، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق.
وقال ربيعة، وداود: (لا يجوز التقديم فيهما) .
وقال أبو حنيفة: (يجوز تقديم الزكاة قبل الحول، ولا يجوز تقديم الكفارة قبل الحنث) .
وقال مالك: (يجوز تقديم الكفارة، ولا يجوز تقديم الزكاة قبل الحول) . وبه قال أبو عبيد بن حرب.
دليلنا: ما روى علي ﵁: «أن العباس ﵁ سأل النبي ﷺ عن تعجيل صدقته قبل أن تحل، فرخص له» .
стр. 1498
ولأنه حق مال يجب بسببين يختصان به.. فجاز تقديمه بعد وجود أحد سببيه، ككفارة اليمين عند مالك رحمة الله عليه.
فقولنا: (حق مال) احتراز من حقوق الأبدان.
وقولنا: (يجب بسببين) احتراز من الحقوق التي تجب بسبب واحد، وهي زكاة الركاز.
وقولنا: (يختصان به) احتراز من الحرية والإسلام؛ لأنهما - وإن كانا سببين تجب الزكاة بهما - فلا يختصان بالزكاة؛ لأن ذلك معتبر في غير الزكاة.
وهل يجوز تعجيل الزكاة لعامين، أو أكثر؟ فيه وجهان:
قال أبو إسحاق يجوز، فلو ملك خمسين شاة، فأخرج منها عشرًا زكاة عشر سنين.. جاز ما لم ينقص عن النصاب؛ لما روي: «أن النبي ﷺ تسلف من العباس زكاة عامين» .
وقال بعض أصحابنا: لا يجوز؛ لأنه دفع زكاة قبل انعقاد حولها، فلم تصح، كما لو لم يملك النصاب، ومن قال بهذا.. قال: تأويل الخبر: أنه تسلف منه زكاة
стр. 1499
عامين في وقتين، أو تسلف منه زكاة عامين لمالين، كالماشية والأثمان.
وإن ملك مائتي شاة، فعجل عنها وعما يتوالد منها أربع شياه، فتوالدت، وبلغت أربعمائة.. أجزأته زكاة الأمهات، وفي زكاة السخال وجهان:
أحدهما: يجزئه؛ لأن السخال جارية في حول الأمهات.
والثاني: لا يجزئه. قال الشيخ أبو حامد: وهو الأشبه؛ لأنه تقديم زكاة قبل وجود النصاب. هذه طرق أصحابنا البغداديين.
وقال صاحب " الإبانة " [ق \ ١٢٦] : إن قلنا: يجوز تقديم زكاة عامين.. فهاهنا أولى بالجواز. وإن قلنا ثم: لا يجوز.. فهاهنا وجهان.
وإن عجل زكاة أربعين شاة، فتوالدت أربعين سخلة، ثم ماتت الأمهات، وبقيت السخال.. فهل تجزئ المخرجة عن السخال؟ فيه وجهان:
أحدهما: تجزئ؛ لأنها جارية في حول الأمهات.
والثاني: لا تجزئ؛ لأنه عجلها قبل ملكها، مع تعلق الزكاة بعينها، فلم تصح.
[مسألة: تعجيل الزكاة]
] : وإن كان معه مائتا درهم للتجارة فعجل عنها زكاة أربعمائة، فحال الحول، وهي أربعمائة درهم.. أجزأه، وجها واحدًا؛ لأن الاعتبار بنصاب زكاة التجارة آخر الحول.
وهكذا لو كان عنده أقل من نصاب للتجارة، فعجل عنه زكاة النصاب، فحال الحول، وعنده نصاب.. أجزأه؛ لما ذكرناه.
وإن عجل زكاته: فإن المساكين يملكونها بالقبض إلا أنها فيحكم ملك رب
стр. 1500
المال، فتكون عند الحول كما لو كانت في يد رب المال، سواء كانت باقية في يد المساكين أو تالفة، وذلك أنه إذا عجل شاة من أربعين شاة، فحال الحول، وفي يده تسع وثلاثون شاة.. فإنا نجعل المخرجة كما لو كانت في يده في حكمين:
أحدهما: يتم بها نصاب الأربعين.
والثاني: تجزئ عن الزكاة الواجبة عليه عند الحول.
وهكذا: إذا كان معه مائة وعشرون شاة، فعجل منها شاة، ثم ولدت شاة سخلة مما عنده قبل الحول.. فإنا نجعل المخرجة كأنها باقية معه، فيكون معه مائة وإحدى وعشرون شاة، فيجب عليه شاتان، فتجزئ المخرجة عن شاة، ويجب عليه أن يخرج شاة ثانية.
وهكذا: لو كان معه مائتا شاة، فعجل شاتين منها، ثم ولدت شاة سخلة مما عنده.. فإنه يجب عليه إخراج شاة ثالثة. هذا مذهبنا. وقال أبو حنيفة: (تكون المخرجة كالتالفة، فلا تعد مع المال، بل تجزئ عند الحول عن الزكاة) .
مثال ذلك: أنه إذا عجل شاة عن أربعين شاة، فإن حال الحول، وهي تسع وثلاثون.. فإنه لا يجب فيها زكاة، وإن ولدت شاة منها، فكانت أربعين عند الحول.. أجزأت المدفوعة عن الزكاة عند الحول.
وكذلك: لو كان معه مائة وعشرون شاة، فعجل منها بشاة، ثم ولدت منها واحدة قبل الحول.. فإن المخرجة لا تضم إلى ما معه، ولا يجب عليه إلا شاة واحدة.
وكذلك: إذا عجل عن مائتي شاة شاتين، ثم ولدت واحدة مما عنده.. لم تضم الشاتين المخرجتين إلى ما عنده في النصاب.
دليلنا: أن تعجيل الزكاة إنما جاز رفقًا بالمساكين، فلو قلنا: إن المعجلة لا تضم إلى المال، لكان في ذلك ضرر على المساكين، ولأن المخرجة لو لم تكن كالباقية على ملك رب المال.. لما أجزأت عن الواجب عليه عند الحول.
стр. 1501
[مسألة: رجوع المعجل في زكاته]
] : إذا عجل الزكاة عن النصاب قبل الحول، ثم تلف جميع المال أو بعضه قبل الحول.. لم تجب عليه الزكاة؛ لأن وقت الوجوب لا نصاب معه، فإذا كان معه كذلك.. خرج المدفوع عن أن يكون زكاة، وهل يثبت له الرجوع به على المساكين؟ ينظر فيه:
فإن قال عند الدفع: هذه زكاتي عجلتها.. كان له الرجوع بها، وإن قال: هذه زكاة مالي أو صدقة مالي.. لم يكن له أن يرجع؛ لأن الظاهر أنها واجبة عليه، فإن قال رب المال: حلفوا المساكين: أنهم لا يعلمون أنها زكاة معجلة.. فهل يحلفون؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يحلفون؛ لأن دعوى رب المال تخالف الظاهر، فلم تسمع.
والثاني: يحلفون؛ لأن المدفوع إليه لو أقر بما قاله الدافع.. وجب عليه الرد.
وأصلهما: إذا رهن رهنًا، ثم أقر بالتسليم، ثم قال: لم أكن سلمت، فحلفوا المرتهن.. فهل يحلف؟ فيه وجهان.
وإن كان الذي عجل هو السلطان، أو النائب من قبله، فإن تبين أنها زكاة معجلة.. رجع، وإن لم يبين.. فالمشهور من المذهب: أنه يرجع؛ لأنه لا يسترجعها لنفسه، فلم يتهم.
وذكر في " الشامل " وجهًا آخر، عن الشيخ أبي حامد: أنه لا يرجع إلا بالشرط، كرب المال.
[فرع: إتلاف النصاب]
فرع: [في إتلاف النصاب] : وإن عجل زكاة النصاب، فأتلف رب المال النصاب، أو بعضه قبل الحول.. ففيه وجهان، حكاهما الإصطخري:
أحدهما: لا يرجع؛ لأن التلف جاء بتفريطه.
стр. 1502
والثاني: له أن يرجع؛ لأن سبب الوجوب قد زال، فلا فرق: بين أن يكون بفعله، أو غير فعله.
وإن كان معه خمس من الإبل، فعجل زكاتها شاة، فهلكت الإبل قبل الحول، وعنده أربعون من الغنم، فإن أراد أن يجعل الشاة المعجلة عن الغنم.. فأومأ ابن الصباغ إلى وجهين:
أحدهما: لا يجزئه؛ لأنه قد عينها عن مال، فلا تقع عن غيره.
والثاني: يجزئه؛ لأنها لم تصر زكاة بعد.
[فرع: إرجاع المعجل من الزكاة]
فرع: [في إرجاع المعجل من الزكاة] : وإذا ثبت لرب المال الرجوع فيما دفع، فإن كانت العين المدفوعة باقية بحالها.. رجع فيها، وإن كانت ناقصة.. رجع فيها، وهل يضمن المساكين ما نقص من قيمتها؟ فيه وجهان:
أحدهما - وهو المنصوص -: (أنه لا يضمن) ؛ لأن النقص حدث في ملكه، فلم يضمنه.
والثاني: يضمن؛ لأن من ضمن القيمة عند التلف.. ضمن النقص، كالغاصب.
وإن كانت العين زائدة.. نظرت:
فإن كانت زيادة لا تتميز، كالسمن والكبر.. رجع فيها رب المال مع زيادتها؛ لأنها تابعة لها.
وإن كانت زيادة منفصلة، كالولد واللبن.. رجع فيها دون الزيادة؛ لأنها زيادة تميزت في ملكه.
وإن كانت العين تالفة، فإن كان لها مثل.. رد مثلها، وإن كانت مما لا مثل لها.. رجع بقيمتها، ومتى تعتبر القيمة؟ فيه وجهان:
أحدهما: يوم القبض، وبه قال أحمد رحمة الله عليه؛ لأن ما زاد أو نقص كان في ملكه، فلم يعتبر.
стр. 1503
والثاني: يوم التلف؛ لأن قبضه للعين كان قبضًا جائزًا، فاعتبرت قيمتها يوم التلف، كالعارية.
[مسألة: تبيين الزكاة المعجلة]
] : إذا عجل الزكاة إلى الفقير، فمات الفقير قبل الحول.. خرج عن أن يكون من أهل الزكاة، فإن لم يبين رب المال عند الدفع أنها زكاة معجلة.. لم يرجع عليه بشيء؛ لأن الظاهر أنه متطوع بها، وإن بين أنها المعجلة.. رجع. فالزكاة المعجلة تتردد عندنا بين أن تقع موقع الزكاة، وبين أن تسترد.
وقال أبو حنيفة: (لا يسترجعها، وتكون نافلة) . فالزكاة المعجلة عنده تتردد بين أن تقع موقع الزكاة، وبين أن تكون نافلة.
دليلنا: أن المدفوع إليه خرج عن أن يكون من أهل الزكاة، فثبت له الاسترجاع.
فإذا ثبت له الرجوع.. نظرت:
فإن كان المدفوع ذهبًا أو فضة.. ضمه إلى ما عنده في إكمال النصاب؛ لأنه كالباقي على ملكه، بدليل: أنه يجزئ عما وجب عليه عند الحول.
وإن كان حيوانًا.. ففيه وجهان:
أحدهما: يضم إلى ما عنده في إكمال النصاب؛ لما ذكرناه في الذهب والفضة.
والثاني: لا يضم؛ لأن الفقير لما مات.. صار ذلك دينًا في ذمته، والحيوان إذا كان دينًا.. لا تجب فيه الزكاة؛ لأن السوم معتبر فيه، وذلك معدوم فيما في الذمة، بخلاف الذهب والفضة.
[مسألة: اغتناء من عجل له الزكاة]
] : وإن عجل زكاته إلى فقير، فاستغنى الفقير المدفوع إليه قبل الحول.. نظرت:
فإن استغنى بالذي دفع إليه.. جاز؛ لأنه إنما دفع إليه ليستغني به، ولأنه لو استرجعه منه؛ لعاد فقيرًا، وجاز الدفع إليه من الزكاة، فلا يفيد الاسترجاع.
стр. 1504
وإن استغنى بغير الذي دفع إليه.. لم يجزه المدفوع عن الزكاة؛ لأنه قد خرج عن أن يكون من أهل الزكاة، فإن بين رب المال أنها معجلة.. استرجع منه، وإن لم يبين.. لم يسترجع منه.
وإن عجل الزكاة إلى فقير، فاستغنى في أثناء الحول من غير ما دفع إليه، ثم افتقر، فحال الحول، وهو فقير.. ففيه وجهان:
أحدهما: يجزئ المدفوع عن الزكاة؛ لأن المدفوع إليه عند الدفع وعند الوجوب من أهل الزكاة، فلا يضر ما بينهما.
والثاني: لا يجزئ المدفوع عن الزكاة، ويجوز له الاسترجاع إذا بين أنها معجلة؛ لأن المسكين قد طرأ عليه حال خرج فيها عن أن يكون من أهل الزكاة. قال الشيخ أبو حامد: والأول أشبه بكلام الشافعي.
وإن عجل زكاته إلى موسر، فحال الحول، وهو فقير.. لم يجزه المدفوع عن الزكاة؛ لأن تعجيل الزكاة إنما جاز ليرتفق بها المساكين، ولا رفق في تعجيلها إلى موسر.. فلم يجز.
[مسألة: ضمان الوالي للزكاة]
] : إذا قبض الوالي الزكاة المعجلة من رب المال، فتلفت في يده قبل تسليمها إلى المسكين.. نظرت:
فإن كان أخذها بسؤال رب المال.. تلفت من ضمانه؛ لأن الإمام نائب عنه في الدفع، وعليه أن يخرج الزكاة ثانيًا، فإن كان الإمام قد فرط في حفظها.. وجب عليه ضمان ما قبض لتفريطه، وإن لم يفرط.. فلا ضمان عليه.
وإن قبضها الإمام بغير سؤال من رب المال، ولا من المساكين، فتلفت في يده بتفريط أو بغير تفريط.. وجب عليه الضمان.
وقال أبو حنيفة: (لا يجب عليه الضمان) .
دليلنا: أن أهل الزكاة أهل رشد لا ولاية عليهم، فإذا قبض مالهم بغير إذنهم..
стр. 1505
وجب عليه الضمان، كالأب إذا قبض مال ابنه الكبير الذي لا ولاية له عليه، بغير إذنه، فتلف في يده.
وإن قبضها الإمام بسؤال المساكين، فتلفت في يده.. تلفت من ضمان المساكين؛ لأن الإمام نائب عنهم، فصار كالوكيل إذا قبض مال موكله، وتلف في يده.
فعلى هذا: يجزئ المدفوع عن الزكاة عند الحول، كما لو قبضها المساكين، فتلفت في أيديهم.
وإن رأى الإمام بالمساكين حاجة، ورأى من المصلحة أن يتسلف لهم الزكاة، فقبضها، وتلفت في يده بغير تفريط.. ففيه وجهان:
أحدهما - وهو المشهور -: أن عليه الضمان، كما لو لم يكن بهم حاجة.
والثاني: لا ضمان عليه؛ لأن حاجتهم بمنزلة ما لو سألوا أن يتسلف لهم.
وإن قبضها الوالي بمسألة رب المال والمساكين، وتلفت في يده بغير تفريط.. ففيه وجهان:
أحدهما: تتلف من ضمان المساكين، وهو الأصح؛ لأنه قبضها لهم بإذنهم.
والثاني: تتلف من ضمان رب المال؛ لأنه أقوى جنبة، بدليل: أنه يملك المنع والدفع.
[فرع: زكاة الميت تقع عن وارثه]
] : وإن عجل زكاة ماله، ثم مات في أثناء الحول:
فإن قلنا بقوله القديم: (وأن الوارث يبني على حول المورث) .. أجزأتهم المعجلة عند حؤول الحول.
стр. 1506
وإن قلنا بقوله الجديد - وهو الصحيح -: (إن الوارث لا يبني على حول المورث) .. فهل تجزئهم الزكاة المعجلة؟ فيه وجهان:
أحدهما - وهو المنصوص -: (أنها تجزئهم) ؛ لأنهم يقومون مقامه فيما له وما عليه.
والثاني: لا تجزئهم؛ لأنه تعجيل زكاة قبل ملك النصاب.
فإن قلنا بهذا: فإن كان قد شرط مورثهم أنها زكاة معجلة.. رجعوا بها، وإن لم يشترط ذلك.. لم يرجعوا؛ لأن الظاهر أنها زكاة واجبة عليه، أو صدقة تطوع.
وإن قلنا بقوله القديم، أو بالمنصوص على الجديد.. نظرت:
فإن كانت حصة كل واحد منهم نصابا.. أجزأت المعجلة عنهم على حسب مواريثهم، سواء اقتسموا قبل الحول، أو لم يقتسموا.
وإن كانت حصة كل واحد منهم دون النصاب: فإن اقتسموا المال قبل الحول.. فلا زكاة عليهم، وكان لهم استرجاعها إن بين مورثهم عند الدفع أنها معجلة.
وإن لم يقتسموا المال حتى حال الحول: فإن كان المال ماشية.. أجزأتهم المعجلة عند الحول. وإن كان غير الماشية:
فإن قلنا: تصح الخلطة في غير الماشية.. وجبت عليهم الزكاة عند الحول، وأجزأتهم المعجلة عند الحول.
وإن قلنا: لا تصح الخلطة في غير الماشية.. لم تجب عليهم الزكاة عند الحول، والكلام في الاسترجاع على ما مضى.
[مسألة: تقديم العشور]
] : وهل يصح تقديم العشر قبل الوجوب؟ فيه وجهان:
أحدهما - وهو قول أبي إسحاق -: أنه لا يصح، وهو اختيار الشيخين: أبي حامد وأبي إسحاق؛ لأن وجوب العشر يتعلق بسبب واحد، وهو اشتداد الحب وبدو الصلاح في الثمرة، فإذا أخرج الزكاة قبل ذلك.. فقد أخرجها قبل وجود سببها.
стр. 1507
والثاني - وهو قول أبي علي بن أبي هريرة -: أنه يصح، واختاره ابن الصباغ؛ لأن زكاته تتعلق بسببين: وجود الزرع، وإدراكه، والإدراك بمنزلة حؤول الحول، فجاز تقديمها عليه، ولأن تعلق الوجوب بالإدراك لا يمنع تقديم الزكاة عليه.
ألا ترى أن زكاة الفطر يجوز تقديمها على هلال شوال وإن كان الوجوب متعلقا به.
إذا ثبت هذا: فقال الشيخ أبو حامد، والمحاملي: يجوز تقديم العشر عنده إذا صار الزرع قصيلا ظهر فيه السنبل أو لم يظهر، وإذا صار التمر بلحا إذا علم أنه يجيء منه النصاب.
وبالله التوفيق
стр. 1508
[باب قسم الصدقات]
والأموال على ضربين: ظاهرة، وباطنة:
فأما الباطنة: فهي الدراهم والدنانير، والركاز، وعروض التجارة، فيجوز لرب المال أن يفرق زكاتها بنفسه.
قال المحاملي: وهو إجماع، ويجوز أن يوكل من يخرج زكاتها، كما يجوز أن يوكل من يقضي عنه الدين، ويجوز أن يدفعها إلى الإمام؛ لأنه نائب عن أهل الصدقات.
وتفرقته بنفسه أفضل من دفعها إلى وكيله؛ لأنه على ثقة من تفرقته بنفسه، وعلى شك من تفرقة الوكيل.
وأما الأموال الظاهرة: فهي المواشي، والثمار، والزروع، وزكاة المعدن.
وفي زكاة الفطر وجهان:
أحدهما: أنها من الأموال الباطنة، فيكون حكمها ما ذكرناه.
والثاني: أنها من الأموال الظاهرة، وفي زكاة الأموال الظاهرة قولان:
[الأول] : قال في القديم: (يجب دفعها إلى الإمام أو النائب عنه، فإن فرقها بنفسه.. أعاد) . وبه قال مالك، وأبو حنيفة - رحمة الله عليهما - لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] الآية [التوبة: ١٠٣] ، ولأنه مال للإمام ولاية المطالبة فيه، فوجب دفعه إليه، كالجزية والخراج.
و [الثاني] : قال في الجديد: (يجوز لرب المال أن يفرقها بنفسه) . وهو
стр. 1509
الصحيح؛ لأنها زكاة، فجاز لرب المال أن يفرقها بنفسه، كالأموال الباطنة.
فإذا قلنا بهذا: فهل الأفضل أن يفرق زكاتها وزكاة الأموال الباطنة بنفسه، أو يدفعها إلى الإمام؟ اختلف في ذلك أصحابنا:
فمنهم من قال: تفرقته بنفسه أفضل؛ لأنه على يقين من تفرقة نفسه، وعلى شك من تفرقة غيره.
ومنهم من قال: دفعها إلى الإمام أفضل، عادلًا كان أو جائرًا؛ لما روي: أن النبي ﷺ قال: «سيكون بعدي أمور تنكرونها "، فقالوا: ما نصنع؟ فقال: " أدوا حقوقهم، واسألوا الله حقكم» .
وروى سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، قال: أتيت سعد بن أبي وقاص، فقلت: عندي مال أريد أن أخرج زكاته، وهؤلاء القوم على ما ترى، فقال: (ادفعها إليهم) فأتيت ابن عمر، وأبا هريرة، وأبا سعيد الخدري ﵃، فكلهم قال مثل ذلك.
ولأن دفعه إلى الإمام يجزئه بلا خلاف، وتفرقته بنفسه مختلف فيه في إجزائه عنه، ولأن الإمام أعرف بحاجة المساكين.
стр. 1510
ومن أصحابنا من قال: إن كان الإمام عادلًا.. فالدفع إليه أفضل؛ لأنه على يقين من أدائه إليه، وإن كان جائرًا.. فتفرقته بنفسه أفضل؛ لأنه ليس على يقين من أدائه.
[مسألة: بعث السعاة]
مسألة: [في بعث السعاة] : وعلى الإمام أن يبعث السعاة لقبض صدقة الثمار والزروع في الوقت الذي يوافي جداد الثمرة، وحصاد الزرع، ويبعث معهم من يخرص الثمار؛ لأن النبي ﷺ والخلفاء الراشدين بعده كانوا يبعثون السعاة لقبض الصدقات.
ولا يبعث إلا حرًا، عدلًا، فقيهًا؛ لأن العبد والفاسق ليسا من أهل الولاية، والفقيه أعلم بما يأخذ.
وهل يجوز أن يكون هاشميًا أو مطلبيًا؟ فيه وجهان، بناء على الوجهين فيما يأخذه العامل، هل هو أجرة أو زكاة؟
فإن قلنا: إنه زكاة.. لم يجز؛ لأن الزكاة لا تحل لهم.
وإن قلنا: إنه أجرة.. جاز، كما يجوز استئجارهم على سائر الأعمال.
قال ابن الصباغ: فأما إذا تبرع الهاشمي أو المطلبي لقبض الصدقة من غير عوض يأخذه، أو دفع إليه الإمام الأجرة من بيت المال.. فيجوز أن يكون هاشميا أو مطلبيا وجهًا واحدا.
وأما مواليهم: فإن قلنا: يجوز للهاشمي والمطلبي أن يأخذ من الصدقة لكونه عاملا.. فمواليهم أولى بالجواز. وإن قلنا: لا يجوز للهاشمي والمطلبي.. ففي مواليهم وجهان:
أحدهما: لا يجوز؛ لقوله ﷺ : «موالي القوم من أنفسهم» .
والثاني: يجوز؛ لأنهم لا يلحقون بشرف مواليهم.
следующие страницы →