Полный текст (7 092 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.
стр. 1646
الأعرابي قد أخبر النبي ﷺ بعجزه عن التكفير، فأمر له بعرق فيه تمر، وأمره أن يتصدق به، فلو كانت قد سقطت عنه.. لما احتاج النبي ﷺ إلى دفعها إليه، ولأنها كفارة وجبت بسبب من جهته، فلم تسقط بعجزه، كجزاء الصيد، وفيه احتراز من زكاة الفطر، فإنها لم تجب بسبب من جهته.
والثاني: أنها تسقط عنه؛ لأن النبي ﷺ أمر الأعرابي أن يطعمه عياله، ولم يخبره بأنها في ذمته إلى أن يجدها، ولأنه حق مال يجب لله تعالى لا على وجه البدل، فلم يجب مع العجز، كزكاة الفطر.
فقولنا: (حق مال) احتراز من الصوم على الحائض؛ فإنه ثبت في ذمتها.
وقولنا: (لله) احتراز من دين الآدمي.
وقولنا: (لا على وجه البدل) احتراز من جزاء الصيد.
[مسألة: صوم المغمى عليه]
] : إذا نوى الصوم من الليل، فأصبح، ثم أغمي عليه يومين أو ثلاثاً فإن أفاق بعد اليوم الأول.. لا يصح صومه؛ لأنه لم ينو الصوم فيه، وأما اليوم الأول: فقد قال الشافعي في (الصوم) : (إذا أفاق في بعض النهار.. أجزأه)
وقال في (الظهار) : (إذا كان مفيقاً في أول النهار.. أجزأه) .
وقال في " اختلاف العراقيين ": (إذا حاضت المرأة، أو أغمي عليها.. بطل صومها) . واختلف أصحابنا في ذلك:
فقال أبو العباس: فيها ثلاثة أقوال:
أحدها: يعتبر أن يكون مفيقاً في أوله لا غير، وهو قول مالك؛ لأن الصوم يفتقر إلى الإفاقة، كما يفتقر إلى النية، والنية معتبرة بأوله، فكذلك الإفاقة.
والثاني: تعتبر الإفاقة في جميع النهار، وإذا أغمي عليه في جزء منه.. بطل صومه؛ لأنه معنى إذا طرأ أسقط فرض الصلاة، فأبطل الصوم، كالحيض.
стр. 1647
والثالث: تعتبر الإفاقة في جزء من النهار، وهو قول أحمد؛ لأنه إفاقة في جزء من النهار، فأجزأه، كما لو كان مفيقاً في أوله.
وخرج أبو العباس قولاً رابعاً: أنه يعتبر أن يكون مفيقاً في طرفي النهار لا غير، كما يعتبر في الصلاة النية في أولها وآخرها.
وقال أبو العباس: المسألة على قول واحد، وهو أن الإفاقة تعتبر في أوله لا غير، كما قال في (الظهار) ، وأما الذي ذكره في (الصيام) : فإنه أجمله وبين ذلك في الظهار، وأما الذي ذكره في " اختلاف العراقيين "": فإن ذلك راجع إلى الحيض" لأن من عادة الشافعي أن يجمع بين المسائل، ويعطف بالجواب على بعضها.
وقال المزني: يصح صومه، وإن لم يفق في جزء من النهار، وهو قول أبي حنيفة، كما إذا نام جميع النهار.. فإن صومه يصح.
وقال أبو سعيد الإصطخري: إذا نام جميع النهار.. لم يصح صومه، كما إذا أغمي عليه جميع النهار.
وما قالاه لا يصح؛ لأنه إذا أغمي عليه جميع النهار.. فقد وجدت منه النية، دون الترك، فلم يصح صومه، كما لو انفرد الترك عن النية.
وأما النوم: فلا يبطل الصوم؛ لأن النائم مكلف، والمغمى عليه غير مكلف.
[فرع: طروء الجنون في الصيام]
] : وإن نوى الصوم، ثم جن أياماً، فإن صوم ما بعد اليوم الأول لا يصح؛ لأنه لم ينو فيه الصوم، وأما صوم اليوم الأول: فحكى صاحب " المهذب " فيه قولين، وصاحب " الإبانة " [ق\ ١٦١] حكاهما وجهين:
أحدهما: أنه كالإغماء؛ لأنه يزيل العقل، ويثبت الولاية على المال، فهو كالإغماء.
فعلى هذا: يكون على الاختلاف المذكور في الإغماء.
والثاني - وهو الصحيح، ولم يذكر في " التعليق " و " الشامل " غيره -: أنه إذا
стр. 1648
طرأ الجنون - وإن قل في الصوم- أبطله؛ لأنه يسقط فرض الصلاة، فأبطل الصوم، كالحيض، ولأنه مناف لجميع العبادات، بخلاف الإغماء.
[مسألة: انغماس الصائم في الماء]
] : يجوز للصائم أن يصب على رأسه الماء وينغمس فيه، ما لم ينزل إلى حلقه؛ لحديث عائشة ﵂: «أن النبي ﷺ كان يصبح جنباً، ثم يغتسل، ثم يصوم»
ويجوز للصائم أن يكتحل، وإن وجد طعمه في حلقه.. لم يفطر، وبه قال أبو حنيفة، والأوزاعي.
وقال أحمد، وإسحاق: (يكره له أن يكتحل، وإن وجد طعمه في حلقه.. أفطر) . وحكي عن ابن أبي ليلى، وابن شبرمة: أن الكحل يفطر.
دليلنا: ما روى أبو رافع قال: «نزل رسول الله ﷺ خيبر، ونزلت معه، فدعا بكحل إثمد، فاكتحل به في شهر رمضان وهو صائم» ، وروى أنس: «أن النبي ﷺ كره للصائم السعوط، ولم يكره له الكحل»
стр. 1649
ولا يستحب للصائم الحجامة؛ لأنها تضعفه، فربما خرج إلى الإفطار وإن احتجم.. لم يفسد صومه، وبه قال مالك، وأبو حنيفة، وروي ذلك عن ابن عباس، وأنس، وأبي سعيد الخدري، وزيد بن أرقم، وأم سلمة، وابن مسعود، والحسن بن علي.
وذهبت طائفة إلى: أنه يفطر، وروي ذلك عن أبي هريرة، وعائشة، وهو قول الأوزاعي، وعطاء، والحسن.
стр. 1650
وقال أحمد، وإسحاق: (يفطر الحاجم والمحجوم) . واختاره ابن المنذر.
وعن أحمد في الكفارة روايتان.
دليلنا: ما روى ابن عباس: «أن النبي ﷺ احتجم وهو صائم محرم» ، ولأنه دم خارج من ظاهر البدن، فأشبه دم الفصد.
[مسألة: لعلك للصائم]
مسألة: [العلك للصائم] قال الشافعي: (وأكره العلك؛ لأنه يحلب الفم) .
وجملته: أنه يكره للصائم مضغ العلك والكندر الذي إذا أصابه الماء والريق: اشتد؛ لأنه يجلب ريق الفم ويعطشه، فأما الكندر الذي يتهرى ويتفتت، فلا يجوز له
стр. 1651
مضغه، فإن نزل شيء من ذلك إلى جوفه.. فطره، وإن نزل ريحه.. لم يفطره؛ لأن ذلك ليس بجسم، ويكره للصائم مضغ الخبز، فإن كان معه صبي يحتاج إلى مضغ الخبز له.. لم يكره؛ لأنه موضع ضرورة، فإن نزل إلى حلقه.. أفطر.
[مسألة: القبلة للصائم]
] : ومن حركت القبلة شهوته، وخاف أن ينزل.. كرهت له وقال الشيخ أبو إسحاق والقاضي أبو الطيب: والكراهة كراهة تحريم، وإن لم تحرك شهوته.. لم يكره.
وقال مالك ﵀: (تكره القبلة للصائم بكل حال)
وقال ابن مسعود ﵁: (لا تكره له بحال)
دليلنا: ما روي عن عائشة أُم المؤمنين: أنها قالت: «كان رسول الله ﷺ يقبل، ويباشر بعض نسائه، وهو صائم، وكان أملككم لإربه، فقيل: من هي إلا أنت؟ فضحكت» .
وقد روي: (لإربه) - بالكسر-: وهو العضو، ومنه قولهم: (قطعته إرباً إربا) .
وروي: (لأربه) - بالفتح -: وهو الحاجة.
وروى أبو هريرة: «أن رجلا سأل النبي ﷺ عن القبلة للصائم؟ فأباحها له، وسأله آخر عنها، فكرهها له» . فيحمل ذلك على: أن الذي كرهها له شاب، والذي أباحها له شيخ.
стр. 1652
ولأنه يؤمن الإنزال وإفساد الصوم به في حق الشيخ، والشاب الضعيف، ولا يؤمن ذلك في حق الآخر.
[مسألة: مكروهات الصيام]
] : ويكره للصائم اللفظ القبيح، والمشاتمة، والغيبة أكثر مما تكره لغيره، فإن شاتمه غيره، قال: إني صائم؛ لما روى أبو هريرة: أن النبي ﷺ قال: «إذا كان أحدكم صائماً.. فلا يرفث ولا يجهل، فإن امرؤ قاتله أو شاتمه.. فليقل: إني صائم، إني صائم»
وحكى عن بعض الناس: أنه قال: لا يتلفظ به؛ لأنه يكون إظهاراً لعبادته؛ فيكون رياء، وإنما يقول ذلك في نفسه.
قال ابن الصباغ: ويمكن أن يحمل هذا على ظاهره، ويتكلم بذلك، ولا يقصد به الرياء، وإنما يقصد به كف الخصومة وإطفاء الشر بينهما، وإن خالف وشاتم.. لم يفطره، وهو قول كافة العلماء إلا الأوزاعي، فإنه قال: (يفطر بذلك) ؛ لقوله ﷺ : «خمس يفطرن الصائم» فذكر منها الغيبة والنميمة والكذب.
стр. 1653
دليلنا: أنه نوع كلام، فلا يفطر به، كسائر أنواع الكلام.
وأما الخبر: فالمراد به: أنه يسقط ثوابه، حتى يصير في معنى المفطر، كقوله ﷺ : «من قال لأخيه والإمام يخطب: أنصت.. فلا جمعة له» . ولم يرد: أن صلاته تبطل، وإنما أراد: أن ثوابه يسقط، حتى يصير في معنى من لم يصل.
[مسألة: الوصال للصائم]
] : يكره الوصال في الصوم، وهو: ترك الأكل والشرب بالليل، وقد كان مباحاً للنبي ﷺ ، وهو مكروه في حق غيره، وروي عن ابن الزبير ﵄ (أنه كان يواصل)
دليلنا: ما روى أنس، قال: «واصل رسول الله ﷺ ، فواصلوا، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: "لو أن الشهر مد لي لواصلت وصالاً يدع المتعمقون تعمقهم، إني لست مثلكم إني أظل يطعمني ربي ويسقيني» فقيل: معنى هذا:
стр. 1654
أني أعطى قوة الطاعمين والشاربين. وقيل: أطعم وأسقى من طعام الجنة، وإنما يقع الإفطار بطعام الدنيا. وقيل: معناه: أن محبة الله تعالى تشغلني عن الطعام والشراب، والحب البالغ قد يمنع من الطعام والشراب، وهل يكره كراهية تنزيه أو تحريم؟ فيه وجهان:
[أحدهما] : ظاهر كلام الشافعي ﵀: أنه كراهية تحريم؛ لأنه قال: (فرق الله بين رسوله وبين خلقه في أمور أباحها له، وحظرها عليهم) . وذكر عقيبه حديث الوصال، وكذلك ظاهر الحديث يدل على التحريم.
و [الثاني] : من أصحابنا من قال يكره كراهية تنزيه؛ لأنه إنما نهى عنه لأجل المشقة بما يلحقه، وذلك غير متحقق، فلم يتعلق به التحريم.
فإن واصل.. كان صومه صحيحاً؛ لأن النهي لا يختص بالصوم، وإن أخر الإفطار، وواصل من سحر إلى سحر.. جاز؛ لما روى ابن المنذر: أن النبي ﷺ قال: «فأيكم أراد أن يواصل.. فليواصل حتى السحر» .
стр. 1655
[مسألة: سحور الصائم]
] : يستحب للصائم أن يتسحر؛ لما روى ابن عباس: أن النبي ﷺ قال: «استعينوا بنوم النهار على قيام الليل، وبأكل السحور على صيام النهار»
وروى أنس ﵁: أن النبي ﷺ قال: «تسحروا، فإن في السحور بركة» .
ويستحب تأخير السحور إذا تحقق بقاء الليل، وتعجيل الفطر إذا تحقق غروب الشمس؛ لما روى أنس «أن النبي ﷺ تسحر هو وزيد بن ثابت ﵁، فلما فرغا.. قام نبي الله ﷺ إلى الصلاة، فقيل لأنس: كم كان قدر ما بينهما؟ قال: قدر ما يقرأ الرجل خمسين آية»
стр. 1656
وروى سهل بن سعد: أن النبي ﷺ قال: «لا تزال أُمتي بخير ما عجلوا الفطر» ، ولأن في ذلك مخالفة لليهود والنصارى؛ لأنهم يؤخرون الفطر، ولأن الفطر يحصل بغروب الشمس، فلا معنى لتأخير الأكل.
ويستحب أن يفطر على تمر، فإن لم يجد.. فعلى الماء؛ لما روى سلمان بن عامر: أن النبي ﷺ قال: «إذا كان أحدكم صائماً.. فليفطر على التمر، فإنه بركة، فإن لم يجد.. فعلى الماء، فإنه طهور»
وروى أنس قال «كان رسول الله ﷺ يفطر على رطبات قبل أن يصلي، فإن لم تكن.. فعلى تمرات، فإن لم تكن.. حسا حسوات من ماء»
ويكره للصائم إذا شرب الماء أن يتمضمض ويمج ذلك، ويستحب أن يدعو عند إفطاره، فيقول: اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت؛ لما روى أبو هريرة
стр. 1657
- ﵁: (أن رسول الله ﷺ كان يدعو بذلك عند إفطاره)
وعن ابن عمرو ﵄ وأرضاهما: أنه كان يقول عند إفطاره: (يا واسع المغفرة، اغفر لي)
وروي: «أن النبي ﷺ كان إذا أفطر.. قال: " ذهب الظمأ، وابتلت العروق، وثبت الأجر إن شاء الله تعالى»
ويستحب أن يفطر الصائم؛ لما روى زيد بن خالد الجهني ﵁: أن النبي ﷺ قال: «من فطر صائما.. كان له مثل أجره، ولا ينقص من أجر الصائم شيء»
стр. 1658
[مسألة: قضاء الصوم]
إذا كان عليه قضاء من أيام شهر رمضان.. فإن وقت القضاء فيما بينه وبين شهر رمضان الذي بعده، فالمستحب: أن يقضيه في أول ما يمكنه، فإن أخره حتى دخل رمضان آخر، فإن دام عذره بأن كان مسافراً أو مريضا حتى دخل الشهر الثاني.. صام رمضان، ثم يقضي عن الأول بعد رمضان، ولا شيء عليه.
وقال ابن عباس، وابن عمر، وسعيد بن جبير، وقتادة ﵃ وأرضاهم: (يطعم ولا يقضي)
دليلنا: أنه صوم واجب، فلا يسقط إلى الإطعام مع القدرة على فعله، كالأداء.
وإن لم يكن له عذر في التأخير.. فإنه يصوم رمضان، ثم يقضي ما عليه بعده، ويلزمه مع القضاء عن كل يوم مد، وبه قال مالك، وأحمد، وإسحاق رحمة الله عليهم.
стр. 1659
وقال أبو حنيفة (يقضي، ولا شيء عليه) .
دليلنا: ما روى أبو هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «من أفطر في رمضان لمرض، ثم لم يقض حتى جاء رمضان آخر.. صام الذي أدرك، ثم قضى وأطعم عن كل يوم مسكيناً»
واعتمد الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فيها على إجماع الصحابة ﵃؛ لأن هذا الخبر فيه ضعف.
وروي عن ابن عمر، وابن عباس، وأبي هريرة: أنهم قالوا: (إذا أخر القضاء حتى جاء رمضان آخر.. فعليه الكفارة) . ولا مخالف لهم.
وإن أخره سنتين أو ثلاثاً.. ففيه وجهان:
أحدهما: يجب لكل سنة مد، قياسا ًعلى السنة الأولى.
والثاني: لا يجب؛ لأن الكفارة وجبت للتأخير فيما بين رمضانين، فلا تجب الفدية بتأخير سنة أخرى.
[مسألة: استحباب التتابع في القضاء]
] : والمستحب: أن يقضي ما عليه متتابعاً.
وقال الطحاوي: التتابع والتفريق سواء.
стр. 1660
دليلنا: قوله ﷺ : «من كان عليه صوم من رمضان.. فليسرده ولا يقطعه» ولأن فيه مبادرة إلى أداء الفرض، ولأنه أشبه بالأداء، فإن قضاه متفرقاً.. جاز، وبه قال ابن عباس، وأبو هريرة، وأنس، ومعاذ، وأبو حنيفة، ومالك، والأوزاعي.
وقال علي، وابن عمر، وعائشة: (التتابع واجب) وبه قال الحسن البصري،
стр. 1661
وعروة، والنخعي، وداود، إلا أن داود قال: (التتابع ليس بشرط في القضاء) .
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] [البقرة: ١٨٤] . ولم يفرق.
وروى ابن عمر: أن النبي ﷺ قال: «من كان عليه شيء من رمضان.. فليصمه إن شاء.. متتابعا، وإن شاء.. متفرقا» .
وإن كان عليه قضاء اليوم الأول من شهر رمضان، ونوى القضاء عن اليوم الثاني.. فقد خرج الشيخ أبو إسحاق فيها وجهين:
أحدهما: يجزئه؛ لأن تعيين اليوم غير واجب.
والثاني: لا يجزئه؛ لأنه نوى غير ما عليه، فهو كما لو كان عليه عتق عن كفارة اليمين، فنوى العتق عن كفارة الظهار.
[فرع: نذر صوم الدهر]
] : إذا نذر صوم الدهر، ثم أفطر في رمضان لعذر، وزال العذر.. كان عليه أن يقضي ما أفطر في رمضان؛ لأنه آكد من النذر.
стр. 1662
وهل يكون نذره منعقدا في أيام القضاء؟ فيه وجهان، حكاهما ابن الصباغ والطبري في " العدة ":
أحدهما: لا يكون منعقدا؛ لأن ترك القضاء إذا كان معصية.. صارت تلك الأيام كشهر رمضان.
فعلى هذا: يأتي بقضاء رمضان، ولا يلزمه لأجل النذر شيء.
والثاني: يكون النذر فيها منعقدا؛ لأنه كان له أن يصوم فيها عن نذره، فشابهت سائر الأيام.
فعلى هذا: إذا قضى شهر رمضان.. هل يلزمه لأجل القضاء شيء؟ قال أبو العباس: يحتمل وجهين:
أحدهما: لا يلزمه شيء، كمن أفطر في رمضان بعذر، ودام عذره حتى مات.
والثاني: يلزمه الإطعام؛ لأنه كان يقدر على أن يصومه عن النذر.
فإذا لم يصمه عنه.. لزمه أن يأتي بفدية عنه، وله أن يخرج الفدية في حياته؛ لأنه قد أيس من القدرة عن الإتيان به، فكان كالشيخ الهم.
وهكذا: إذا نذر صوم الدهر، ثم لزمه صوم كفارة.. كان الحكم مثل هذا؛ لأنها تجب عليه شرعاً، وإن كان بسبب من جهته، فكان آكد من النذر الذي يوجبه على نفسه.
[مسألة: القضاء عن الميت]
] : إذا كان عليه قضاء من شهر رمضان، فلم يصم حتى مات.. نظرت:
فإن دام العذر إلى أن مات.. لم يجب أن يطعم عنه، وبه قال عامة الفقهاء.
وقال قتادة، وطاوس: يطعم عنه لكل يوم مسكين.
стр. 1663
دليلنا: أنه فرض لم يتمكن من أدائه إلى الموت.. فسقط حكمه، كالحج.
وإن مات بعد أن تمكن من قضائه.. ففيه قولان:
[الأول] : قال في القديم: (يصوم عنه وليه) . وروي ذلك عن ابن عمر، وابن عباس، وعائشة؛ لما روت عائشة: أن النبي ﷺ قال: «من مات وعليه صيام.. صام عنه وليه» ، ولأن الصوم عبادة يدخل في جبرانها المال، فدخلتها النيابة بعد الوفاة، كالحج.
فإذا قلنا بهذا: فصام عنه الولي، أو أمر أجنبيا، فصام عنه بأجرة أو بغير أجرة.. جاز، وإن صام عنه أجنبي بغير إذن الولي.. ففيه وجهان، حكاهما في " الفروع ".
والمشهور: أنه لا يصح.
و [الثاني] : قال في الجديد: (لا يصح أن يصام عنه، بل يطعم عنه الولي لكل يوم مسكينا) . وهو الصحيح؛ لما روى ابن عمر: أن النبي ﷺ قال: «من مات
стр. 1664
وعليه صيام.. أطعم عنه وليه عن كل يوم مداً لمسكين» ، ولأن الصوم عبادة لا تدخلها النيابة في حال الحياة، فلم تدخلها النيابة بعد الوفاة، كالصلاة، وعكسه الحج.
وأما الخبر: فمعناه: فعل عنه وليه ما يقوم مقام الصوم، وهو الإطعام.
فإن مات بعد ما أدركه شهر رمضان آخر.. ففيه وجهان:
أحدهما: يلزمه مد واحد، وبه قال مالك؛ لأنه إذا أخرج مدا بدل الصوم.. فقد زال التفريط بالتأخير، فلم يجب لأجله شيء.
والثاني - وهو المذهب -: أنه يجب عليه مدان: مد للصوم، ومد للتأخير؛ لأنه قد وجب عليه مد بالتأخير إلى دخول شهر رمضان، فإذا مات.. وجب عليه مد بدل الصوم.
قال أبو داود في "سننه ": وروي: أن النبي ﷺ قال: «لا يقولن أحدكم: إني صمت رمضان كله، أو قمته كله» ". قال: فلا أدري أكره التزكية؟ أو قال ذلك؛ لأنه لا بد له من نومة أو رقدة.
والله أعلم
стр. 1665
[باب صوم التطوع والأيام التي نهي عن الصيام فيها]
وليلة القدر يستحب لمن صام رمضان أن يتبعه بست من شوال، والمستحب: أن يصومها متتابعة، فإن صامها متفرقة.. جاز، وبه قال أحمد.
وقال مالك، وأبو حنيفة: (يكره ذلك؛ خوف أن يلحق بالفريضة) .
قال مالك: (ما رأيت أحداً من أهل العلم يصومها)
دليلنا: ما روى أبو أيوب: أن النبي ﷺ قال: «من صام رمضان، وأتبعه بست من شوال.. فكأنما صام الدهر كله» . قال أصحابنا: وهذا صحيح في الحساب؛ لأن الحسنة بعشر أمثالها، وصوم شهر رمضان يقوم مقام ثلاثمائة يوم، وهو عشرة أشهر، فإذا صام ستة أيام بعده.. قامت مقام ستين يوماً، وذلك شهران، وذلك كله عدد أيام السنة.
стр. 1666
[مسألة: صوم عرفة]
] : ويستحب لغير الحاج صوم يوم عرفة؛ لما روى أبو قتادة: أن النبي ﷺ قال: «صوم يوم عاشوراء كفارة سنة، وصوم يوم عرفة كفارة سنتين: سنة قبلها ماضية، وسنة بعدها مستقبلة»
قال الصيمري: ومعنى ذلك: أنه يغفر له ذنب ذلك الزمان، أو بمعنى أنه يوفق للعمل الصالح في ذلك الزمان، ولا يستحب ذلك للحاج.
وروي عن عائشة، وابن الزبير: أنهما كانا يصومانه. وروي ذلك عن عمر بن الخطاب، وعثمان بن أبي العاص، وقال عطاء: أصوم في الشتاء، وأفطر في
стр. 1667
الصيف. وقال يحيى الأنصاري: يجب الفطر يوم عرفة.
وقال أبو حنيفة (يستحب صيامه، إلا أن يضعف عن الدعاء) .
دليلنا: ما روى أبو هريرة: «أن النبي ﷺ نهى عن صوم يوم عرفة بعرفة» ، وروت أم الفضل بنت الحارث: «أن ناساً اختلفوا عندها في النبي ﷺ يوم عرفة: هل هو صائم، أو مفطر؟ فأرسلت إليه بقدح من لبن، وهو قائم على بعيره بعرفة، فشربه» .
ولأن الدعاء في هذا اليوم مستحب، والصوم يضعفه عن الدعاء.. فلم يستحب. ويستحب أن يصوم يوم عاشوراء، وهو اليوم العاشر من المحرم، ومن الناس من قال: يوم عاشوراء هو اليوم التاسع من المحرم.
دليلنا: ما روى ابن عباس: «أن النبي ﷺ قدم المدينة، واليهود يعظمون يوم عاشوراء، فقيل لهم في ذلك، فقالوا: هذا هو اليوم الذي أظهر الله فيه موسى وبني إسرائيل على فرعون، فنحن نصومه تعظيماً له، فقال النبي ﷺ : "نحن أحق بموسى منهم "، فصامه، وأمر الناس بصيامه» .
стр. 1668
واليوم الذي ظهر فيه موسى على فرعون: هو يوم العاشر من المحرم، ولا خلاف أنه ليس بواجب في وقتنا.
واختلف أصحابنا: هل كان واجبا في أول الإسلام؟ [على قولين] :
فـ[الأول] : منهم من قال: إنه لم يكن واجبا، وإنما كان مستحبا؛ لما روي: «أن معاوية قدم إلى المدينة، فخطب الناس، وقال: يا أهل المدينة، أين علماؤكم؟ هذا يوم عاشوراء، سمعت النبي ﷺ يقول: "إن الله لم يكتب علينا صيامه، وأنا صائم، فمن شاء.. صام، ومن شاء.. أفطر» .
والثاني - وبه قال أبو حنيفة -: (إنه كان واجبا، ثم نسخ) ؛ لما روت عائشة: «أن قريشا كانت تصوم في هذا اليوم، فصامه رسول الله ﷺ ، وأمر بصيامه، فلما فرض شهر رمضان.. ترك صيامه» .
ويستحب أن يصوم اليوم التاسع من المحرم؛ لما روي: أن النبي ﷺ قال: «صوموا التاسع والعاشر، ولا تتشبهوا باليهود» .
وروي في لفظ آخر: «لئن عشت إلى قابل.. لأصومن التاسع والعاشر» .
стр. 1669
ويستحب أن يصوم ثلاثة أيام من كل شهر؛ لما روي عن أبي هريرة ﵁: أنه قال «وصاني خليلي ﷺ بثلاث لا أدعهن حتى أموت: صوم ثلاثة أيام من كل شهر..» .
وقالت حفصة أم المؤمنين: «كان رسول الله ﷺ يصوم ثلاثة أيام من كل شهر: الاثنين، والخميس، والاثنين من الجمعة الأُخرى»
وقالت عائشة: «ما كان رسول الله ﷺ يبالي من أي أيام الشهر يصوم» ، أي: هذه الثلاث.
وروى أبو ذر ﵁: أن النبي ﷺ قال: «من كان صائماً.. فليصم الأيام البيض»
стр. 1670
فقيل هي الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر. هذا هو المشهور.
وقال الصيمري: وقيل: هي الثاني عشر، والثالث عشر، والرابع عشر.
ويستحب أن يصوم يوم الاثنين والخميس؛ لما روي: (أن النبي ﷺ كان يصومهما) ، ويقول: «إن أعمال العباد تعرض يوم الاثنين ويوم الخميس» ، وكان يقول: «ولدت في يوم الاثنين، وفيه أنزل علي القرآن»
[مسألة: صوم الدهر]
حال القدرة] ولا يكره صوم الدهر، إذا أفطر في أيام النهي، ولم يخف ضرراً من الصوم، ولو يضيع فيه حقاً عليه.
وقال بعض الناس: يكره
стр. 1671
وقال أبو يوسف: إنما نهى عن ذلك؛ لأنه يضعفه عن العبادة، ويشبه التبتل الذي نهي عنه؛ لما روي: «أن النبي ﷺ سئل عمن صام الدهر؟ فقال: "لا صام ولا أفطر» .
دليلنا: ما روي: أن النبي ﷺ قال: «من صام الدهر.. فقد وهب نفسه من الله تعالى» .
وأما قوله: «لا صام ولا أفطر» : فيحتمل أنه أراد: إذا لم يفطر في أيام النهي، ويحتمل أن يكون: لأن صائم الدهر يعتاد ذلك، فلا تلحقه المشقة بالصيام، فيكون الصوم والفطر عنده سواء.
وإن خاف ضررا يلحقه، أو ضياع حق عليه.. كره له ذلك؛ لما روي: «أن سلمان ﵁ جاء يزور أبا الدرداء، فوجد امرأته متبذلة، فقال لها: ما شأنك؟
стр. 1672
فقالت له: إن أخاك لا حاجة له في شيء من الدنيا، فلقيه سلمان، فقال: إن لربك عليك حقا، ولجسدك عليك حقا، ولأهلك عليك حقا، فصم وأفطر، وصل ونم، وائت أهلك، وأعط كل ذي حق حقه، فذكر ذلك أبو الدرداء ﵁ للنبي ﷺ ، فقال له النبي ﷺ مثل ذلك» .
ولا يجوز للمرأة أن تصوم التطوع وزوجها حاضر إلا بإذنه؛ لما روى أبو هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «لا تصم المرأة وزوجها حاضر إلا بإذنه» . فإن صامت بغير إذنه.. صح صومها، والثواب إلى الله .
[مسألة: استحباب إتمام الصيام]
] : إذا دخل في صوم تطوع، أو صلاة تطوع.. استحب له إتمامهما، فإن خرج منهما.. جاز، سواء كان بعذر أو بغير عذر، ولا قضاء عليه، وبه قال ابن عمر، وابن عباس، وأحمد، وإسحاق.
стр. 1673
وقال الأوزاعي وأبو حنيفة) إذا أفسدهما، وخرج منهما قبل إتمامهما.. فعليه القضاء. والمنصوص: أنه لا يجوز له الخروج)
ومن أصحابنا من قال: يجوز.
وقال مالك: (إن خرج منها بعذر.. فلا قضاء عليه، وإن كان بغير عذر.. فعليه القضاء)
دليلنا: ما روت عائشة ﵂ قالت: «دخل علينا رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله، خبأنا لك حيساً، فقال: "أما إني كنت أريد الصوم، ولكن قربيه» ، فأكل، وقال ﷺ : «الصائم المتطوع أمير نفسه: إن شاء صام، وإن شاء أفطر»
«وروت أم هانئ: قالت: دخل علي رسول الله ﷺ فناولني فضل شرابه فشربته، فقلت: يا رسول الله، إني كنت صائمة، وإني كرهت أن أرد سؤرك؟
стр. 1674
فقال ﷺ : "إن كان قضاء رمضان، فصومي يوماً مكانه، وإن كان تطوعاً، فإن شئت.. فاقضي، وإن شئت.. فلا تقضيه»
[مسألة: صوم يوم الشك]
] : ولا يجوز صوم يوم الشك عن شهر رمضان، وروي ذلك عن عمر، وعلي، وابن عباس، وابن مسعود، وأبي هريرة.
وقال أحمد: (إن كانت السماء مصحية.. لم يجز صيامه، وإن كانت متغيمة.. وجب صيامه عن شهر رمضان) . وروي ذلك عن عمر، وابن عمر، وعمرو بن العاص، وأنس بن مالك، ومعاوية، وأبي هريرة، وعائشة، وأسماء ابنة أبي بكر
стр. 1675
وقال الحسن، وابن سيرين: إن صام الإمام ... صامت الرعية، وإن لم يصم الإمام.. لم تصم الرعية.
دليلنا: ما روي: أن النبي ﷺ قال: «لا تستقبلوا الشهر بيوم ولا بيومين، إلا أن يوافق صوماً كان يصومه أحدكم، صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم.. فأكملوا العدة ثلاثين يوماً»
فإن صامه عن تطوع.. نظرت:
فإن وافق عادة له، بأن كان يصوم يوم الاثنين والخميس، فوافق ذلك يوم الشك، أو كان يصوم الدهر.. جاز صومه للخبر، وإن صامه تطوعاً من غير موافقة عادة له.. لم يصح؛ لأنه قربة، فلا يصح بفعل معصية، وإن صامه عن
стр. 1676
نذر أو قضاء.. ففيه وجهان:
أحدهما: لا يصح، لما روي عن عمار بن ياسر: أنه قال: «من صام اليوم الذي يشك فيه أنه من رمضان.. فقد عصى أبا القاسم» . ولم يفرق.
والثاني - وهو قول القاضي أبي الطيب الطبري، واختيار الشيخ أبي حامد، وابن الصباغ -: أنه يصح؛ لأنه إذا جاز أن يصوم فيه تطوعاً له سبب.. كان الفرض أولى، كالوقت الذي نهي عن الصلاة فيه.
إذا ثبت هذا: فروي عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا انتصف شعبان.. فلا صيام حتى يكون رمضان» . واختلف أصحابنا في معناه:
فقال الشيخ أبو إسحاق: معناه إذا أراد صوم يوم الشك عن التطوع الذي لا عادة له به، فإن وصله بما قبل النصف.. جاز، وإن وصله بما بعد النصف.. لم يجز.
стр. 1677
وقال ابن الصباغ: يحتمل أن يكون ليتقوى به المفطر على صوم رمضان؛ لأن دليل قوله ﷺ : «لا تتقدموا الشهر بيوم ولا بيومين» يجوز أن يتقدمه بأكثر من ذلك.
إذا تقرر هذا: فقال المسعودي [في " الإبانة " ق\١٥٧] : يوم الشك هو أن يختلف الناس في هلال رمضان، مثل: "أن يقول العبيد والصبيان: رأينا، فلم نقض بقولهم، فأما إذا لم يختلفوا.. فالشك غير متصور.
[مسألة: إفراد يوم الجمعة بالصوم]
] : وهل يكره إفراد يوم الجمعة بالصوم؟ فيه وجهان:
[أحدهما] : قال الشيخ أبو حامد: يكره، إلا أن يصوم يوماً قبله أو يوماً بعده. واختاره صاحب " المهذب ".
وهو قول الزهري، وأحمد، وإسحاق، وروي ذلك عن أبي هريرة؛ لما روي «عن محمد بن عباد بن جعفر: أنه قال: (رأيت جابر بن عبد الله، وهو يطوف بالبيت، فقلت له: هل نهى رسول الله ﷺ عن صيام يوم الجمعة؟ فقال: إي ورب هذا البيت» .
стр. 1678
وروي: «أن النبي ﷺ دخل على جويرية بنت الحارث يوم الجمعة وهي صائمة، فقال: "صمت أمس"؟ قالت: لا، قال: "أفتريدين أن تصومي غداً؟ "، قالت: لا، قال: "فأفطري» .
وروى أبو هريرة: «أن النبي ﷺ نهى عن صيام يوم الجمعة، إلا أن يصوم يوماً قبله أو بعده» ، ولأنه إذا صام يوماً قبله، قوي عليه، فلم يجهده يوم الجمعة.
والوجه الثاني: لا يكره، وهو المنصوص في رواية المزني، واختاره ابن الصباغ، وبه قال مالك، وأبو حنيفة؛ لأنه يوم لا يكره صومه إذا صام قبله أو بعده، فلم يكره إفراده بالصوم، كسائر الأيام، وعكسه الأيام التي نهي عن صيامها.
قال ابن الصباغ: وتأول الشافعي هذه الأخبار على من كان الصوم يضعفه ويمنعه من الطاعة، يعني: يوم الجمعة.
[مسألة: صوم العيدين]
وأما يوم النحر ويوم الفطر: فيحرم صومهما؛ لما روى عمر ﵁: «أن النبي ﷺ نهى عن صيام هذين اليومين، أما يوم الأضحى: فتأكلون من لحم نسككم، وأما يوم الفطر: ففطركم عن صيامكم»
стр. 1679
فإن صام فيهما.. لم يصح صومه، وإن نذر صومهما.. لم ينعقد نذره.
وقال أبو حنيفة: (يحرم صومهما، وإن نذر صومهما.. انعقد نذره، ولزمه أن يصوم غيرهما، وإن صام فيهما.. أجزأه، وإن صام فيهما عن نذر مطلق.. لم يجزه) .
دليلنا: أنه نذر صوماً محرماً، فلم ينعقد نذره، كما لو نذرت المرأة صوم أيام حيضها.
[مسألة: صوم أيام التمتع]
] : وهل يصح صوم المتمتع في أيام التشريق، وهي ثلاثة أيام بعد يوم النحر؟ فيه قولان:
[الأول] : قال في القديم: (يجوز) لما روي عن ابن عمر، وعائشة: أنهما قالا: (لم يرخص في صوم أيام التشريق، إلا لمتمتع لم يجد الهدي)
و [الثاني] : قال في الجديد: (لا يجوز) . وبه قال أبو حنيفة؛ لما روى أبو هريرة: «أن النبي ﷺ نهى عن صيام ستة أيام: يوم الفطر، ويوم النحر، وأيام التشريق، واليوم الذي يشك فيه أنه من شهر رمضان»
стр. 1680
فإن قلنا بالقول القديم.. فهل يجوز أن يصوم فيها تطوعاً عن غير التمتع؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجوز؛ لأن كل يوم صح صومه عن التمتع.. صح صومه عن غير التمتع، كسائر الأيام.
والثاني: لا يجوز؛ لما ذكرناه عن ابن عمر، وعائشة: (أنه لم يرخص في صومها، إلا لمتمتع لم يجد الهدي) .
[فرع: الجود في رمضان وغيره]
والجود مستحب في جميع الأوقات لما روي: أن النبي ﷺ قال: «إن الله جواد يحب الجود، ويحب معالي الأخلاق، ويكره سفسافها» وروي: أن النبي ﷺ -
стр. 1681
قال: «الجنة دار الأسخياء»
وروي: أن النبي ﷺ قال: «إن المكثرين هم المقلون يوم القيامة، إلا من قال بالمال هكذا وهكذا»
ويستحب الإكثار من الجود والإفضال في شهر رمضان لما روى ابن عباس «أن النبي ﷺ كان أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في شهر رمضان حين يلقاه جبريل، وكان جبريل ﵇ يلقاه في كل ليلة في شهر رمضان، فيعرض عليه النبي ﷺ القرآن، فإذا لقيه.. كان أجود من الريح المرسلة بالخير»
[مسألة: فضل ليلة القدر]
] : ليلة القدر ليلة شريفة معظمة في الشرع؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١] [القدر: ١] .
قال الشافعي: و (القدر) : الحكم، وسميت: ليلة القدر؛ لأن الله تعالى يقدر
стр. 1682
فيها ما يكون في تلك السنة، من خير، ومصيبة، ورزق، وغير ذلك) . والعمل فيها أفضل من العمل في غيرها؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: ٣] [القدر: ٣] .
قال الشافعي: (معناه: أن العمل فيها خير من العمل في ألف شهر ليس فيها ليلة قدر) .
وروى الشيخ أبو حامد في " التعليق ": أن النبي ﷺ قال: «من صام رمضان وقام ليلة القدر.. غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر»
إذا ثبت هذا: فإن ليلة القدر باقية في شهر رمضان، لم ترفع إلى الآن، وهي في العشر الأواخر منه؛ لما «روى أبو ذر، قال: قلت: يا رسول الله، ليلة القدر رفعت مع الأنبياء، أم هي باقية إلى يوم القيامة؟ قال: "بل هي باقية إلى يوم القيامة"، قال: فقلت: أفي رمضان، أم في غيره؟ فقال: "في شهر رمضان"، فقلت: في العشر الأول، أم الثاني، أم الثالث؟ فقال: "بل في العشر الأواخر»
إذا ثبت هذا: فيستحب طلبها في كل ليلة من العشر الأواخر، وهي في الليلة الحادي والعشرين أظهر.
ونقل المزني أو ليلة الثالث والعشرين) .
وقال المزني: أرى أنها تختلف في كل سنة في العشر الأواخر.
стр. 1683
قال ابن عمر: (هي ليلة ثلاث وعشرين) . وذهب أبي بن كعب إلى: (أنها ليلة الخامس والعشرين، أو السابع والعشرين)
وقال أبو قلابة: (إنها تتقلب في كل ليلة منها) .
وقال مالك: (هي في العشر الأواخر، وليس فيها تعيين) .
وقال ابن عباس: (هي ليلة السابع والعشرين) . واحتج: بأن سورة القدر ثلاثون كلمة، وقوله: (هي) تمام السبع والعشرين، فدل على: أنها ليلة السابع والعشرين.
دليلنا أنها تطلب في العشر: ما روى أبو سعيد الخدري: أن النبي ﷺ قال: «التمسوها في العشر الأواخر، والتمسوها في كل وتر»
стр. 1684
وروى أبو سعيد الخدري أيضاً: أن النبي ﷺ قال: «أريت هذه الليلة، وأردت أن أخبركم، فتلاحى رجلان، فأنسيتها، لكني سجدت صبيحتها في ماء وطين» .
قال أبو سعيد: «كان المطر في تلك الليلة، وكان المسجد عليه عريش، فوكف، فمر بنا رسول الله ﷺ وعلى جبهته أثر الماء والطين صبيحة ليلة إحدى وعشرين»
وقال عبد الله بن أنيس: «مر بنا رسول الله ﷺ وعلى جبهته وأنفه أثر الماء والطين صبيحة ليلة ثلاث وعشرين»
وأما قول ابن عباس: فـ (ليلة القدر) هي الكلمة الخامسة، وهي أصرح من قوله: (هي) ، ولا يدل على وجودها فيها.
وصفتها: أنها ليلة طلقة، لا حارة ولا باردة، تطلع الشمس في صبيحتها بيضاء، مثل الطشت لا شعاع لها.
وروي ذلك عن النبي ﷺ .
стр. 1685
وأما الدعاء فيها: «فقالت عائشة ﵂: يا رسول الله، إن وافقتها.. بم أدعو؟ فقال: "قولي: اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعف عني»
[فرع: تعليق الطلاق ونحوه على ليلة القدر]
] : إذا قال الرجل: امرأته طالق أو عبده حر ليلة القدر، فإن قال ذلك قبل أن تمضي ليلة من العشر الأواخر.. طلقت المرأة، وعتق العبد الليلة الأخيرة منها، وإن قال ذلك بعد مضي ليلة منها ... لم يقع الطلاق ولا الحرية إلا في مثل تلك الليلة من السنة الثانية، لتيقن حصولها.
وبالله التوفيق
следующие страницы →