Полный текст (7 092 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.
стр. 2066
المستحب، فيجعل ليلة النفر تبعا ليوم القر، كليلة يوم النحر تبع ليوم عرفة في الوقوف.
وإن لم يرم ليوم القر حتى زالت الشمس في يوم النفر.. فقد تدارك عليه رمي يومين، فإن رمى الجمار الثلاث مرتبا عن اليوم الأول، ثم رماها مرتبا عن اليوم الثاني.. أجزأه. وإن نوى بالرمي الأول عن اليوم الثاني.. فقد ذكر الشيخ أبو حامد وابن الصباغ: أنه يقع عن رمى اليوم الأول. وذكر في " المهذب " وجهين:
أحدهما: هذا.
والثاني: لا يجزئه عن أحدهما؛ لأنه لم يرتب.
وهكذا إذا ترك رمي اليومين الأولين إلى الثالث.. فالحكم فيه: ما ذكرناه إذا ترك رمي اليوم الأول إلى اليوم الثاني.
وإذا أراد أن يرمي رمي يوم النفر الأول في يوم القر.. فهل يجوز؟
قال المسعودي [في " الإبانة " ق\٢٠٩] : إن قلنا: إنه إذا فاته رمي يوم يقضيه فيما بعده.. فهل يجوز له تعجيل رمي يوم النفر إلى يوم القر؟ فيه وجهان، بناء على أنه إذا رمى الفائت في اليوم الأول في اليوم الثاني.. هل يكون قضاء أو أداء؟ فيه وجهان:
فإن قلنا: إنه أداء.. جاز له التعجيل، وكان رمي الأيام الثلاثة كلها عبادة واحدة، فيكون كالرمي في أول الوقت.
وإن قلنا: إنه قضاء.. فلا يجوز له التعجيل: لأن القضاء يكون بعد الفوات ولم يفته الرمي بعد.
وإن قلنا: إن رمي كل يوم محدود بيومه فترك رمي اليوم الأول إلى الثاني، أو الثاني إلى الثالث.. ففيه ثلاثة أقوال:
стр. 2067
أحدها: يرمي في اليوم الثاني ما ترك في الأول ويريق دما، كما إذا أخر قضاء رمضان حتى دخل شهر رمضان آخر.
والثاني: لا يقضيه، ويريق دما، كرمي اليوم الثالث.
والثالث: يقضيه، ولا دم عليه، كرعاء الإبل.
فعلى هذا: إذا رمى عن اليوم الثاني قبل الأول.. جاز: لأنه قضاء، فلا يجب فيه الترتيب، كالصلوات الفائتة. وإن رمى كل جمرة بأربع عشرة حصاة: سبع عن أمسه، وسبع عن يومه.. أجزأه.
وأما إذا ترك رمي يوم النحر.. ففيه طريقان:
[الأول] : من أصحابنا من قال: هو كما لو ترك رمي اليوم الأول من أيام التشريق إلى الثاني، فيكون على قولين.
و [الثاني] : منهم من قال: يفوت بخروج يومه قولا واحدا؛ لأنه يخالف رمي أيام التشريق في الوقت والعدد.
والطريق الأول أصح؛ لأن الشافعي نص على أنه: (إذا فاته رمي يوم النحر حتى غربت الشمس.. كان له أن يرميه في أيام التشريق) .
[فرع ما يجب بترك الرمي]
ومن ترك رمي الجمار الثلاث في يوم.. لزمه دم؛ لقوله ـ ﷺ ـ: «من ترك نسكا ... فعليه دم» . .
وإن ترك ثلاث حصيات من الجمرة الأخيرة.... لزمه دم؛ لأن ذلك جمع مطلق هذا هو المشهور.
وحكى المسعودي [في " الإبانة " ق\٢١٠] قولا آخر: أنه لا يجب الدم إلا إذا ترك جمرة العقبة أو إحدى الجمرتين الأوليين.
стр. 2068
وإن ترك حصاة واحدة.. ففيه ثلاثة أقوال، كما لو حلق شعرة. وهذا إنما يتصور إذا ترك حصاة من آخر جمرة من الجمرات؛ لأنه إذا تركها من الأولى أو من الثانية ... لم يعتد له برمي ما بعدها، حتى يكمل ما قبلها.
وإن ترك رمي أيام التشريق، فإن قلنا: إن رمي كل يوم مؤقت بيومه ... لزمه ثلاثة دماء. وإن قلنا: إنها كاليوم الواحد.. لزمه دم واحد.
وإن ترك رمي يوم النحر وأيام التشريق، فإن قلنا: إن رمي كل يوم مؤقت بيومه لزمه أربعة دماء. وإن قلنا: إن أيام التشريق كاليوم الواحد، فإن قلنا: إن يوم النحر كمثلها.. لزمه دم واحد. وإن قلنا: إنه ليس كمثلها.. لزمه دمان: دم ليوم النحر، ودم لأيام التشريق.
[مسألة الاستنابة في الرمي]
] : ومن عجز عن الرمي لمرض.. جاز له أن يستنيب من يرمي عنه بأجرة، أو بغير أجرة، سواء كان المرض ميئوسا من برئه، أو غير ميئوس من برئه. والفرق بينه وبين الحج، حيث قلنا: لا يجوز الاستنابة في الحج حتى ييأس من الحج بنفسه؛ لأن الحج فرض موسع الوقت، والرمي فرض مضيق الوقت، فلو منعناه من الاستنابة فيه.. ربما فات وقته قبل الرمي.
قال الشافعي: (فإن أمكنه أن يضع الحصاة في كف من يرمي عنه ... أحببت له أن يفعل ذلك؛ ليكون له في الرمي أثر. فإن لم يفعل.. فلا شيء عليه) .
قال الشيخ أبو حامد: فإن كان محبوسا بحق أو بغير حق، لكنه منع من الرمي.. جاز له أن يأمر غيره أن يرمي عنه؛ لأنه غير متمكن من الرمي بنفسه، فهو كالمريض.
وإن أغمى عليه قبل الرمي، فإن كان قد أذن لغيره بالرمي عنه.. جاز له أن يرمي
стр. 2069
عنه، وإن كان لم يأذن لغيره في ذلك.. لم يجز أن يرمي عنه. ولا يبطل إذنه بالرمي بالإغماء، كما تبطل الوكالة بالبيع والشراء؛ لأن هذا متعلق بالنسك، وذلك لا يبطل بالإغماء. ألا ترى أن المعضوب إذا أذن في الحج، ثم مات.. لم يبطل إذنه بالموت، ولو أذن له في بيع أو شراء، ثم مات.. بطل إذنه في ذلك.
فإن برئ من المرض، أو أطلق من الحبس، أو أفاق من الإغماء، فإن كان لم يرم عنه النائب.. وجب عليه أن يرمي بنفسه؛ لأن المانع قد زال. وإن كان قد رمى عنه.. فالمستحب له: أن يعيد الرمي إن كان وقت الرمي باقيا، ولا يجب عليه ذلك؛ لأن الرمي الفرض قد سقط عنه.
هذا نقل البغداديين من أصحابنا، وحكى المسعودي [في " الإبانة " ق \ ٢١٠] في وجوب إعادة الرمي قولين.
[مسألة المبيت بمنى]
ويبيت بمنى ليالي الرمي؛ لـ: (أن النبي ـ ﷺ ـ بات بها) فإن ترك المبيت بها.. فهل يجب عليه بذلك الدم؟ فيه قولان:
أحدهما: يجب عليه؛ لقوله ـ ﷺ ـ: «من ترك نسكا.. فعليه دم» .
والثاني: لا يجب عليه الدم، كما لا يجب الدم بترك المبيت بمنى ليلة عرفة.
فإذا قلنا: يجب المبيت، فإن ترك المبيت في الليالي الثلاث.. وجب عليه دم.
وإن ترك المبيت ليلة أو ليلتين.. ففيه ثلاثة أقوال، كما لو حلق شعرة أو شعرتين.
فإن قيل: لم أوجبتم الدم بترك المبيت ليلة الثالث، وهي مما يجوز له تركها؟
стр. 2070
قيل: إنما يجوز له تركها إذا بات الليلة الأولى والثانية، فأما من لم يبت الليلة الأولى والثانية: فلا يجوز له ترك المبيت في الليلة الثالثة) .
[مسألة الرخصة لرعاة الإبل وأهل السقاية ومن يقاس عليهم]
] : ويجوز لرعاء الإبل وأهل سقاية العباس أن يتركوا المبيت بمنى ليالي الرمي، وأن يرموا يوم النحر جمرة العقبة، ثم يدعوا الرمي يوم القر، ويرموا يوم النفر ما فاتهم في اليوم الأول.
قال الطبري في " العدة ": وأهل السقاية، هم الذين يعدون السويق والماء للحجيج بمكة.
والأصل فيه: ما روى عاصم بن عدي: «أن النبي ـ ﷺ ـ أرخص لرعاء الإبل في البيتوتة يرمون يوم النحر، ثم يرمون الغد، ومن بعد الغد بيومين، ويرمون يوم النفر» .
وروى ابن عمر: «أن النبي ـ ﷺ ـ أرخص للعباس أن يبيت بمكة ليالي منى؛ من أجل سقايته» . وهل تختص الرخصة لأهل السقاية ممن كان من أهل بيت النبي ـ ﷺ ـ؟ فيه وجهان، حكاهما الشيخ أبو حامد:
стр. 2071
أحدهما: تختص بهم، فإن استعمل عليها غيرهم.. لم يجز لهم ترك المبيت والرمي.
وبه قال مالك؛ لما روى ابن عمر: «أن النبي ـ ﷺ ـ أرخص لأهل السقاية من أهل بيته» .
والثاني: يجوز ذلك لمن كان من أهل السقاية منهم ومن غيرهم، وهو المنصوص؛ لأن المعنى الذي أرخص فيه لهم لأجله موجود فيمن استعمل عليها من غيرهم، وأما الخبر: فلا حجة فيه؛ لأن العاملين عليها في زمن النبي ـ ﷺ ـ كانوا من أهل بيته، فلذلك خصهم بالرخصة.
فإن أقام الرعاء بمنى حتى غربت الشمس.. لم يجز لهم ترك المبيت في هذه الليلة. وإن أقام أهل السقاية بمنى حتى غربت الشمس.. جاز لهم ترك المبيت؛ لأن الرعي لا يكون إلا بالنهار، والاشتغال بالسقاية موجود ليلا ونهارا.
وأما من كان له مال يخاف ضياعه إن بات بمنى، أو كان مريض في غير منى يشق عليه البيتوتة بمنى لأجله، أو أبق له عبد فمضى في طلبه.. فهل يجوز لهم ترك المبيت بمنى لذلك؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز لهم ذلك؛ لـ: «أن النبي ـ ﷺ ـ رخص لأهل السقاية ولرعاء الإبل» ولم يرخص لغيرهم.
والثاني: يجوز؛ لأنه المعنى الذي رخص لأجله لأهل السقاية والرعاء موجود فيهم.
[فرع قضاء المعذورين للرمي]
فإن تدارك على أهل السقاية أو الرعاء أو غيرهم من المعذورين رمي يومين.. فهل يجب عليهم الترتيب في الرمي أو يستحب؟ فيه قولان. حكاهما الشيخ أبو حامد، بناء
стр. 2072
على أن رمي كل يوم مؤقت بيومه، أو أن جميع أيام التشريق كاليوم الواحد ـ:
فإن قلنا: إن رمي كل يوم مؤقت بيومه.. لم يجب الترتيب، وإنما يستحب؛ لأن ما يرميه في اليوم الثاني يكون قضاء، والترتيب في القضاء لا يجب، كما إذا فاتته صلاة الظهر والعصر.. فله أن يقضي العصر أولا ثم الظهر.
فعلى هذا: يستحب له أن يرمي أول الجمرات الثلاث مرتبا لأمسه، ثم يرميها مرتبا ليومه، فإن بدأ فرماها ليومه، ثم رماها لأمسه.. جاز، وإن رمى كل جمرة بأربع عشرة حصاة: سبع عن أمسه، وسبع عن يومه.. أجزأه ذلك.
وإن قلنا: إن الأيام الثلاثة كاليوم الواحد.. فإن الرمي في اليوم الثاني عن الفائت في اليوم الأول أداء، لا قضاء، فيكون الترتيب فيها واجبا، فيرمي الجمار الثلاث أولا عن أمسه، ثم يرميها عن يومه، فإن رماها ونواها عن يومه أولا.. لم تجزه عن يومه؛ لأن عليه رمي أمسه، وهل يجزئه ذلك عن أمسه؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يجزئه عن أمسه؛ لأنه لم ينوه عنه.
والثاني ـ وهو المذهب ـ: أنه يجزئه عن أمسه؛ لأن من عليه في الحج فرض ففعل من جنسه بنية غيره.. وقع عن فرضه، كما لو كان عليه طواف الزيارة فطاف بنية النافلة.. فإنه يقع عن طواف الزيارة.
فإن كان عليه رمي يوم النحر فرى جمرة العقبة يوم القر بأربع عشرة حصاة: سبع عن أمسه وسبع عن يومه.. أجزأه عن أمسه ولم يجزه عن يومه؛ لأن عليه رمي جمرتين قبلها. وإن نوى بالسبع الأولى عن يومه، وبالثانية عن أمسه.. لم تجزه الأولى عن يومه، وهل تجزئه الثانية عن أمسه؟
على الوجهين الأولين، فإن قلنا: تجزئه الأولى عن أمسه.. لم تجزه الثانية عن يومه؛ لأن عليه رمي جمرتين قبلها. وإن قلنا: لا تجزئه الأولى عن أمسه.. أجزأته السبع الثانية عن؛ لأن الأولى قد سقطت وصار كأن لم يرم لها.
стр. 2073
[مسألة الخطبة ثاني أيام التشريق والتخيير في النفر]
] : قال الشافعي: (ويخطب الإمام بعد الظهر يوم الثالث من أيام النحر، وهو يوم النفر الأول) .
وهذا كما قال: يستحب للإمام أن يخطب يوم النفر الأول ـ وهو اليوم الثاني من أيام التشريق ـ بعد الظهر بمنى، ويعرف الناس ما بقي عليهم، وأن من أراد التعجيل بالنفر.. فله ذلك، ومن أراد التأخير.. فله ذلك، ويأمرهم أن يختموا حجهم بتقوى الله وطاعته والصدقة، ويودع الحاج، وهي الخطبة الرابعة في الحج. وبه قال أحمد.
وقال أبو حنيفة: (لا تسن هذه الخطبة) .
دليلنا: ما «روي عن رجلين من بني بكر: أنهما قالا: (رأينا رسول الله ـ ﷺ ـ يخطب بمنى على ناقته أوسط أيام التشريق» . ولأن بالناس حاجة إلى هذه الخطبة؛ ليعلموا مالهم من النفر وما بقي عليهم.
إذا ثبت هذا: فإن رمى في اليوم الثاني من أيام التشريق.. فهو بالخيار: بين أن ينفر، ويترك المبيت في الليلة الثالثة، والرمي في اليوم الثالث. وبين أن لا ينفر؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣] . [البقرة: ٢٠٣] .
فإن قيل: أما قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣] : فمفهوم المعنى، وهو: أنه لا إثم عليه في التعجيل، فما معنى قوله: ﴿وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣] والتأخير فضيلة؟
стр. 2074
قلنا: أراد من ترك التعجيل الذي أباحه الله ورخص فيه، وثقل على نفسه، وجلس حتى يرمي اليوم الثالث.. فلا إثم عليه في ترك الرخصة، وقيل: إن الآية وردت على سبب، وهو أن قوما قالوا: لا يجوز التعجيل، وقال آخرون: لا يجوز التأخير، فأنزل الله تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣] .
فإن لم ينفر حتى غربت الشمس.. لزمه المبيت والرمي في اليوم الثالث.
وقال الحسن البصري: إن لم ينفر حتى دخل وقت العصر.. لم يجز له النفر.
وقال أبو حنيفة: (له أن ينفر ما لم يطلع الفجر من اليوم الثالث من أيام التشريق) .
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣] . [البقرة: ٢٠٣] .
و (اليوم) : اسم للنهار، فإذا غربت الشمس.. فقد خرج اليومان.
وروي عن عمر ﵁: أنه قال: (من أدركه المساء في اليوم الثاني.. فليقم إلى الغد حتى ينفر مع الناس) .
[فرع تعجيل النفر من منى]
] : وإن رحل رجل من منى فغربت الشمس وهو راحل قبل انفصاله من منى.. لم يلزمه المقام: لأن عليه مشقة في الحط بعد الترحال. وإن غابت الشمس وهو مشغول
стр. 2075
بالتأهب للرحيل.. ففيه وجهان، حكاهما ابن الصباغ:
أحدهما: يلزمه المقام؛ لأنه لم يرحل.
والثاني: لا يلزمه؛ لأنه مشغول بالترحال، فهو كما لو كان قد رحل.
فأما إذا كان قد رحل منها، ثم رجع إليها سائرا إلى موضع أو زائرا لإنسان، أو نسي شيئا من رحله.. لم يلزمه المقام؛ لأن الرخصة قد حصلت له بالرحيل، فلم يلزمه المقام بعد ذلك، فإن بات بمنى.. لم يلزمه الرمي في اليوم الثالث لأن البيتوتة لم تلزمه.
[فرع النفر قبل الوقت المشروع]
] : إذا خرج من منى في اليوم الثاني من أيام التشريق قبل الزوال.. فسمعت الإمام العثماني من أصحابنا ﵀ يقول: لا يسقط عنه المبيت في الليلة الثالثة، ولا الرمي في اليوم الثاني، واليوم الثالث؛ لأن ذلك إنما يسقط عنه بنفر جائز، وهذا نفر غير جائز، ولأنه لو سقط عنه المبيت في الليلة الثالثة، والرمي في اليوم الثالث إذا نفر في اليوم الثاني قبل الزوال.. لسقط عنه ذلك إذا خرج من منى يوم النحر أو يوم القر، إذ لا فرق بينهما في أنه لا يجوز له النفر فيه.
[فرع رح ما بقي من حصى الجمار]
فرع: [طرح ما بقي من حصى الجمار] : فإذا نفر في اليوم الثاني وقد بقي معه حصى اليوم الثالث.. قال ابن الصباغ: فإنه يطرحها، أو يدفعها إلى من يرمي بها، فأما ما يفعله الناس من دفنها: فلا أثر فيه.
[فرع استحباب النزول في المحصب لمن شاء]
وإذا نفر من منى في اليوم الثاني من أيام التشريق، أو في اليوم الثالث.. فالمستحب: أن ينزل بالمحصب ـ وهو الأبطح، وحده: ما بين الجبل المتصل بالمقابر إلى الجبال التي في مقابلته، ويسمى: بالمحصب لاجتماع الحصباء فيه؛ لأنه موضع
стр. 2076
منهبط، والسيل يحمل إليه الحصى من الجمار ـ فيصلي فيه الظهر والعصر والمغرب والعشاء؛ لما روى ابن عمر: «أن النبي ـ ﷺ ـ لما نفر من منى.. نزل بالمحصب فصلى فيه الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ثم هجع هجعة، ثم دخل مكة فطاف بالبيت، ثم خرج ورحل إلى المدينة» .
إذا ثبت هذا: فإن النزول فيه ليس بنسك.
وقال عمر بن الخطاب: (هو نسك)
دليلنا: ما روي «عن ابن عباس ﵁: أنه قال: (المحصب ليس بسنة، وإنما هو منزل نزله رسول الله ـ ﷺ » ـ) .
«وعن عائشة ﵂: أنها قالت: (المحصب ليس بشيء، وإنما نزله رسول الله ـ ﷺ ـ ليكون أسمح لخروجه ... فمن شاء.. فعل
ومن شاء.. ترك» .
стр. 2077
وروي «عن أبي رافع: أنه قال: (أنا ضربت القبة للنبي ـ ﷺ ـ بالمحصب، ولم يأمرني به، وكان على رحل رسول الله ـ ﷺ » ـ) فدل على: أن أبا رافع فعله برأيه؛ لمصلحة الخروج إلى المدينة.
[مسألة وداع البيت الحرام]
] : قال الشافعي: (وليس على الحاج بعد فراغه من الرمي أيام منى إلا وداع البيت، فيودع وينصرف إلى بلده) .
وهذا كما قال: إذا فرغ الحاج من الرمي، فإن كان من أهل مكة، أو من غير أهلها وأراد أن يقيم بها.. فليس عليه وداع البيت؛ لأن الوداع يراد لتوديع البيت، وهذا لا يفارق مكة. وإن كان يريد الانصراف.. فعليه أن يطوف بالبيت سبعا، ويصلي بعده ركعتين، سواء كان منزله قريبا من مكة أو بعيدا منها.
وقال أبو حنيفة: (لا توديع على من كان بالمواقيت أو دونها)
دليلنا: ما «روى ابن عباس: أن الناس كانوا ينصرفون من كل وجه، فقال النبي ـ ﷺ ـ: " لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت» .
стр. 2078
وهل هو نسك من مناسك الحج يجب بتركه الدم أم لا؟ فيه قولان:
أحدهما: أنه نسك ويجب بتركه الدم ـ وبه قال أبو حنيفة ـ لما روى الشافعي، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر: أن النبي ـ ﷺ ـ قال: «لا ينفرن أحد حتى يطوف بالبيت؛ فإنه آخر نسك في الحج» فأخبر: أنه نسك.
وقد قال ـ ﷺ ـ: «من ترك نسكا.. فعليه دم» .
والثاني: أنه ليس بنسك، فلا يجب بتركه الدم، وإنما يستحب؛ لأن كل ما لو تركه المكي لم يجب عليه به دم.. أوجب إذا تركه غير المكي أن لا يجب به دم، كالمبيت بمنى ليلة عرفة. ولأنه لو كان يجب به الدم إذا تركه من غير عذر.. لوجب به الدم وإن تركه بعذر، كالرمي.
стр. 2079
إذا ثبت هذا: فإن طاف للوداع، وصلى ركعتي الطواف وانصرف من غير لبث، أو اشترى زادا في طريقه.. فقد حصل الوداع.
وإن حضرت صلاة مكتوبة فصلاها، ثم خرج.. لم يلزمه إعادة الطواف.
وقال عطاء: يلزمه؛ ليكون آخر عهده بالبيت.
دليلنا: أنه لم يشتغل عن مسيره بعد الطواف بما يتضمن الإقامة، فأجزأه، كما لو اشترى في طريقه شيئا يحتاج إليه.
وإن أقام بعد الطواف على زيارة صديق، أو شراء متاع، أو عيادة مريض فيها لبث.. فإنه يعيد طواف الوداع، وبه قال أحمد.
وقال أبو حنيفة: (لا يعيد الطواف للإقامة بعده شهرا أو شهرين)
دليلنا: ما روى ابن عباس: أن النبي ـ ﷺ ـ قال: «لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت» ولأنه إذا أقام.. خرج عن أن يكون وداعا، فكان عليه الإعادة.
[فرع الوداع يوم النحر]
إذا نوى الحاج النفر من منى بعد الرمي، فودع البيت يوم النحر بعد طواف الزيارة والسعي.. فقد اختلف أصحابنا المتأخرون فيها:
فقال الشريف العثماني: يجزئه؛ لأن طواف الوداع يراد لمن أراد مفارقة البيت، وهذا قد أراد مفارقته.
ومنهم من قال: لا يجزئه ـ وهو ظاهر كلام الشافعي، وظاهر الخبر ـ لأن الشافعي قال: (وليس على الحاج بعد فراغه من الرمي أيام منى إلا وداع البيت) فيودع وينصرف إلى بلده.
стр. 2080
وفي رواية ابن عمر: أن النبي ـ ﷺ قال: «لا ينفرن أحد حتى يطوف بالبيت؛ فإنه آخر نسك في الحج» فمنه دليلان:
أما أحدهما: فقوله: «لا ينفرن أحد» ولا يطلق النفر الجائز إلا بعد الرمي
والثاني: قوله: «فإنه آخر نسك في الحج» .
[فرع طواف الوداع إذا نوى الإقامة بمكة]
] : إذا قدم إلى مكة، فلما فرغ من أفعال الحج، نوى الإقامة بمكة.. فإنه لا وداع عليه وبه قال أبو يوسف.
وقال أبو حنيفة: (إن نوى الإقامة بعد أن حل له النفر الأول.. لم يسقط عنه طواف الوداع) .
دليلنا: أنه غير مفارق للبيت، فلم يلزمه وداعه، كما لو نوى الإقامة قبل زمان النفر.
[فرع رجوع الحاج لطواف الوداع]
] : إذا قلنا: يجب طواف الوداع، فخرج ولم يودع ثم رجع.. نظرت: فإن رجع قبل أن يبلغ مسافة القصر.. لم يستقر عليه الدم؛ لأنه في حكم المقيم. وإذا رجع بعد ما بلغ مسافة القصر من مكة.. ففيه وجهان، حكاهما في " الإبانة " [ق\٢٠٥] ، المشهور: أنه يستقر عليه الدم؛ لأنه قد صار بينه وبين البيت سفر طويل.
وقال عطاء: إن عاد بعدما خرج من الحرم.. لم يسقط عنه الدم. وإن عاد قبل أن يخرج من الحرم.. سقط عنه الدم.
دليلنا: أن الاعتبار بالقرب والبعد، وذلك يعتبر بما تقصر فيه الصلاة، فلا معنى لاعتبار الحرم.
стр. 2081
[فرع ليس على المقيم الخارج إلى التنعيم وداع]
] : ذكر الشيخ أبو نصر في " المعتمد ": ليس على المقيم الخارج إلى التنعيم وداع.
وقال الثوري: إن لم يودع.. فعليه دم.
دليلنا: «أن النبي ـ ﷺ ـ أمر عبد الرحمن بن أبي بكر أن يعمر عائشة من التنعيم، ولم يأمرها بوداع البيت» . فلو كان واجبا.. لأمرها به. ولـ: (أن عليا وابن عمر كانا يعتمران كل يوم مرة مدة مقامهما بمكة ولم ينقل: أنهما كانا يطوفان للوداع) .
[فرع وداع الحائض]
ويجوز للحائض أن تنفر بلا وداع.
وقال عمر وابن عمر وزيد بن ثابت: (عليها أن تقيم حتى تطهر ثم تطوف للوداع) .
فأما ابن عمر وزيد بن ثابت: فقد روي عنهما: (أنهما رجعا) .
стр. 2082
دليلنا: ما روي: «أن صفية بنت حيي حاضت، فقال النبي ـ ﷺ ـ: " أحابستنا هي؟ " فقالوا: قد أفاضت، قال: " فلا إذن " ونفر بها، ولم تودع» .
فإن نفرت الحائض من غير وداع، ثم طهرت، فإن طهرت قبل أن تفارق بنيان مكة.. عادت واغتسلت وطافت. وإن طهرت بعد أن فارقت بنيان مكة.. لم تعد؛ لأنها إذا لم تفارق البنيان.. لم تصر مسافرة، وإذا فارقته.. فقد صارت مسافرة. فإن قيل: هلا اعتبرتم مسافة القصر، كما يعتبر ذلك فيمن ترك طواف الوداع؟
قيل: الفرق بينهما: أن من ترك الوداع.. فقد ترك واجبا عليه، فلا يسقط عنه بمفارقته البنيان. وإذا كان بينهما مسافة القصر.. فلأنه أنشأ سفرا طويلا، فلذلك لم يجب عليه العود، وهاهنا لم يجب عليها. فإذا أمكنها بعد الانفصال.. عليها، كما لا يجب على المسافر إتمام الصلاة بعد الانفصال من البنيان.
[فرع لا ينتظر الركب الحائض]
] : قال الشيخ أبو نصر: لا يحبس الجمال لأجل المرأة الحائض، إذا لم تكن هي طافت طواف الإفاضة، ويقال لها: احملي مكانك مثلك.
وقال مالك: (يحبس أقصى ما يحبسها الدم، ثم تستظهر بستة أيام) .
стр. 2083
دليلنا: أنه تعذر الركوب بمعنى لا يمكنها رفعه عن نفسها، فلم تحبس الجمال لأجله، كما لو مرضت.
[فرع دعاء الخروج من مكة إلى الوطن]
] : قال الشافعي في (المختصر الصغير) : (وإذا فرغ من طواف الوداع.. فالمستحب: أن يقف في الملتزم ـ وهو: ما بين الركن الأسود والباب ـ فيدعو ويقول: اللهم إن البيت بيتك، والعبد عبدك، وابن عبدك، وابن أمتك، حملتني على ما سخرت لي من خلقك، وسيرتني في بلادك حتى بلغتني بنعمتك، وأعنتني على قضاء مناسكك، فإن كنت رضيت عني فازدد عني رضا، وإلا فمن الآن قبل أن تنأى عن بيتك داري، هذا أوان انصرافي، إن أذنت لي غير مستبدل بك، ولا ببيتك، ولا بنبيك ـ ﷺ ـ، ولا راغب عنك ولا عن بيتك، اللهم فأصحبني العافية في بدني، والعصمة في ديني، وأحسن منقلبي، وارزقني طاعتك ما أبقيتني) . وزاد أبو حامد في " جامعه ": واجمع لي خير الدنيا والآخرة؛ إنك على كل شيء قادر.
وما زاد فحسن؛ لأنه روي عن بعض السلف.
[مسألة أركان العمرة]
أركان العمرة: الإحرام، والطواف، والسعي. فإن قلنا: إن الحلاق ليس بنسك.. فإنه يتحلل من عمرته إذا فرغ من السعي، فتكون أفعالها ثلاثة أشياء لا غير.
وإن قلنا: إن الحلق نسك.. فإنه لا يتحلل منها إلا بالحلاق.
فعلى هذا: أفعالها أربعة أشياء.
стр. 2084
والدليل ـ على ذلك ـ: ما روي «عن عائشة ﵂: أنها قالت: خرجنا مع رسول الله ـ ﷺ ـ فمنا من أهل بالحج، ومنا من أهل بالعمرة، ومنا من أهل بالحج والعمرة، وأهل رسول الله ـ ﷺ ـ بالحج. فأما من أهل بالعمرة: فأحلوا حين طافوا بالبيت وبالصفا والمروة، وأما من أهل بالحج والعمرة: فلم يحلوا إلا يوم النحر» .
[فرع الطواف والسعي في القران]
] : وإن قرن بين الحج والعمرة.. فلا خلاف بين أهل العلم: أنه يكفيه لهما حلاق واحد.
وأما الطواف والسعي: فيكفيه ـ عندنا ـ لهما طواف واحد وسعي واحد، غير أنا نستحب له طوافين وسعيين، وبه قال جابر بن عبد الله. ومن التابعين: عطاء وطاووس، ومجاهد والحسن. ومن الفقهاء: ربيعة ومالك.
وقال علي وابن مسعود: يجب على القارن طوافان وسعيان، وبه قال أهل
стр. 2085
العراق، والنخعي، والشعبي، والثوري، وأبو حنيفة وأصحابه.
وتفصيل مذهب أبي حنيفة، هو أنه يقول: (على القارن أن يطوف ويسعى لعمرته قبل الوقوف بعرفة، ثم يطوف ويسعى لحجه بعد الوقوف، فإن لم يطف ولم يسع لعمرته حتى وقف بعرفة.. انقضت عمرته، وثبت الحج، فإذا قضى عمرته.. كان عليه دم) .
دليلنا: ما روي عن ابن عمر: أن النبي ـ ﷺ ـ قال: «من جمع بين الحج والعمرة أجزأه لهما طواف واحد، ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعا» .
وروي: «أن النبي ـ ﷺ ـ قال لعائشة ﵂: " طوافك بالبيت وسعيك بين الصفا والمروة يكفيك لحجك وعمرتك» .
ولأنه يكتفى بحلاق واحد، فاكتفي بطواف واحد وسعي واحد، كالمفرد.
стр. 2086
[مسألة أركان الحج ومسنوناته وهيئاته]
] : ذكر الشيخ أبو حامد: أن الحج يشتمل على أركان ومسنونات وهيئات.
فالأركان: أربعة: الإحرام، والوقوف بعرفة، والطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة. فمن ترك ركنا منها.. لم يحل من إحرامه ولم يجبر بالدم.
وأما المسنونات ـ وسماها صاحب " المهذب " الشيخ أبو إسحاق: الواجبات ـ فهي: ما لا يؤثر تركها في التحلل، وينجبر بالدم. وهي ستة أشياء:
فشيئان لا خلاف فيهما، وهما: الإحرام من الميقات، والرمي.
وأربعة أشياء للشافعي في كل واحد منها قولان، وهي: الوقوف بعرفة إلى أن تغرب الشمس، والمبيت بالمزدلفة، والمبيت بمنى ليالي الرمي، وطواف الوداع.
وأما الهيئات ـ وسماها الشيخ أبو إسحاق: المسنونات ـ وهي: طواف القدوم، والرمل، والاضطباع، واستلام الركن، وتقبيله، والسعي في موضع السعي، والمشي في موضع المشي، والخطب، والأذكار. فإذا تركها أو ترك شيئا منها ... لم يؤثر تركها بالتحلل، ولم يجب على من تركها دم.
[مسألة دخول الكعبة وفضيلة المسجد الحرام على بقية المساجد]
] : قال الشافعي: (وأستحب دخول البيت لكل أحد) ؛ لما روى ابن عباس: أن النبي ـ ﷺ ـ قال: «من دخل البيت.. دخل في حسنة، وخرج من سيئة، وخرج مغفورا له» . ويستحب أن يصلي فيه؛ لقوله ـ ﷺ ـ: «صلاة في مسجدي هذا تعدل ألف
стр. 2087
صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام تعدل مائة صلاة في مسجدي» .
[فرع فضيلة الشرب من ماء زمزم ونبيذ السقاية]
] : ويستحب أن يشرب من ماء زمزم ويتضلع منه؛ لقوله ـ ﷺ ـ: «ماء زمزم لما شرب له»
وروى عطاء: «أن النبي ـ ﷺ ـ لما أفاض. نزع هو لنفسه بدلو مرتين من ماء بئر زمزم، ولم ينزع معه أحد، فشرب منه، ثم أفرغ باقي الدلو في البئر» .
قال ابن الصباغ: ويستحب أن يشرب من نبيذ السقاية؛ لما روي: «أن النبي ـ ﷺ ـ أتى السقاية ليشرب منها، فقال له العباس: إنه نبيذ، قد خاضت فيه الأيدي، ووقع
стр. 2088
فيه الذباب، ولنا في البيت نبيذ صاف، فقال النبي ـ ﷺ ـ: " هات " فشرب منه» .
ولا يشرب من النبيذ إلا ما لم يكن مسكرا.
[مسألة الخروج من مكة]
وإذا خرج من مكة.. استحب له أن يخرج من أسفلها؛ لما روت عائشة ﵂: «أن النبي ـ ﷺ ـ دخل من أعلاها، وخرج من أسفلها» .
قال أبو عبد الله الزبيري: ويخرج وبصره يتبع البيت حتى يكون آخر عهده به.
[فرع أفضلية مكة على المدينة]
مكة ـ عندنا ـ أفضل من المدينة.
وقال مالك: (المدينة أفضل من مكة) ؛ لقوله ـ ﷺ ـ: «المدينة خير البقاع» .
ولقوله ـ ﷺ ـ: «المدينة خير من مكة» .
دليلنا: ما روي: أن النبي ـ ﷺ ـ قال: «صلاة في المسجد الحرام تعدل مائة ألف
стр. 2089
صلاة في غيره، وصلاة في مسجدي هذا تعدل ألف صلاة، وصلاة في المسجد الأقصى تعدل خمسمائة صلاة» فدل على: أن مكة أفضل.
وروي «عن عبد الله بن عدي قال: سمعت النبي ـ ﷺ ـ وهو واقف بالحزورة في سوق مكة يقول: " إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إليه، والله لولا أني أخرجت منك ما خرجت» .
وأما قوله ـ ﷺ ـ: «المدينة خير البقاع» فأراد بعد مكة، بدليل ما ذكرناه.
وأما قوله: «المدينة خير من مكة» أراد أن أهل المدينة خير من أهل مكة؛ لأنهم آووه ونصروه، وأهل مكة قاتلوه وأخرجوه، ولهذا قال النبي ـ ﷺ ـ: «كل البلاد فتحت بالسيف إلا المدينة، فإنها فتحت بـ: لا إله إلا الله "، وروي بـ: " القرآن» .
стр. 2090
[مسألة زيارة القبر الشريف]
] : ويستحب زيارة قبر رسول الله ـ ﷺ ـ؛ لما روي عن النبي ـ ﷺ ـ: أنه قال «من حج ولم يزرني.. فقد جفاني» ذكره الشيخ أبو حامد.
وروى ابن عمر: أن النبي ـ ﷺ ـ قال: «من زار قبري.. وجبت له الجنة» .
стр. 2091
وروي عنه ـ ﷺ ـ: «من زارني بعد وفاتي.. فكأنما زارني في حياتي» .
وروي عنه ـ ﷺ ـ: أنه قال. «من زار قبري.. وجبت له شفاعتي»
وحكى العتبي قال: كنت جالسا عند قبر رسول الله ـ ﷺ ـ إذ جاء أعرابي فسلم على
стр. 2092
النبي ـ ﷺ ـ ثم قال: يا رسول الله سمعت الله يقول: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٦٤] [النساء: ٦٤] .
وقد جئتك مستغفرا من ذنبي، مستشفعا بك إلى ربي، وأنشأ يقول:
يا خير من دفنت بالقاع أعظمه ... فطاب من طيبهن القاع والأكم
نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه ... فيه العفاف وفيه الجود والكرم
ثم انصرف الأعرابي فغلبتني عيناي، فنمت. فرأيت رسول الله ـ ﷺ في النوم يقول: يا عتبي، الحق الأعرابي وبشره بأن الله قد غفر له.
ويستحب لمن زار قبر النبي ـ ﷺ ـ: أن يصلي في مسجده: لما ذكرناه من الخبر
وبالله التوفيق، وهو حسبنا ونعم الوكيل
стр. 2093
[باب الفوات والإحصار]
ومن أحرم بالحج فلم يقف بعرفة حتى طلع الفجر من يوم النحر.. فقد فاته الحج، وعليه أن يتحلل بعمل عمرة، وهو: الطواف والسعي والحلق، ولا ينقلب ذلك إلى عمرة، ويسقط عنه توابع الحج، وهو: المبيت والرمي، ويجب عليه القضاء وهدي.
وبه قال أبو حنيفة إلا في الفدية، فإنه قال: (لا فدية عليه) .
وقال أبو يوسف وأحمد: (ينقلب إحرامه عمرة، فيطوف ويسعى ويحلق، ويجزئه عن عمرة الإسلام، ويقضي الحج من قابل) .
وعن مالك ثلاث روايات:
إحداهن: كقولنا، والثانية: (لا قضاء عليه كالمحصر) ، والثالثة: (يبقى على إحرامه إلى العام القابل) .
وقال المزني: يجب عليه أن يأتي بما بقي من أفعال الحج: من المبيت، والرمي.
دليلنا: ما روي عن عمر، وابن عمر، وزيد بن ثابت، وابن عباس: أنهم قالوا: (من فاته الحج.. تحلل بالطواف والسعي، وعليه القضاء والهدي من قابل)
стр. 2094
ولا مخالف لهم، ولأن الفوات سبب يوجب قضاء الحج، فأوجب الهدي، كالإفساد.
وعلى أبي يوسف: أن إحرامه قد انعقد بنسك، فلم ينقلب إلى نسك آخر بتفريط كان منه، كما لو أفسد الحج.
وأما الدليل ـ على المزني ـ: فإن المبيت والرمي من توابع الوقوف، وقد سقط الوقوف، فسقطت توابعه.
وإن أحرم بالعمرة فقط.. فإنه لا يتصور فواتها؛ لأن الزمان كله وقت لها.
وإن كان قارنا بين الحج والعمرة ففاته الوقوف.. فإن العمرة تفوت بفوات الحج؛ لأن ترتيب العمرة يسقط، ويكون حكمها تابعا لحكم الحج. هذا نقل البغداديين من أصحابنا.
وحكى المسعودي [في " الإبانة " ق \ ٢١٣] قولين:
أحدهما: هذا، وهو المشهور؛ لأنه إحرام واحد فلا يتبعض.
والثاني: لا تفوت العمرة؛ لأنه لا وقت لها.
فإذا قلنا بالمشهور.. تحلل بعمل عمرة، وعليه دم للقران ودم للفوات، وعليه أن يقضي قارنا، ثم يخرج شاة ثالثة للقران.
стр. 2095
قال الشافعي: (فإن قضاه مفردا.. لم يكن له) .
قال الشيخ أبو حامد: أراد: أنه ليس له إسقاط الدم؛ لأن بالفوات قد وجب عليه أن يقضي بالقران، والقران يقتضي وجوب الدم، فإذا أفرد الحج والعمرة.. أجزأه ذلك؛ لأنه أكمل من القران، ولكن لا يسقط عنه دم القران.
[فرع وجوب الدم على المكي وغيره في الفوات]
] : المكي وغير المكي سواء في الفوات، وفي وجوب الدم لأجله، بخلاف دم التمتع؛ لأن الفوات يحصل من المكي كما يحصل من غيره، ودم التمتع يجب بترك الميقات، والمكي لا يترك الميقات؛ لأن ميقاته بلده.
[فرع الإحرام بالعمرة بأشهر الحج وفواته عليه]
] : فإذا أحرم بالعمرة في أشهر الحج، فتحلل منها، ثم أحرم بالحج ففاته.. فإن عليه قضاء الحج دون العمرة؛ لأن الحج فات دون العمرة، وعليه دم للتمتع، ودم للفوات.
[فرع قضاء الحج الفائت وإخراج الهدي]
] : وهل يجب عليه القضاء على الفور، أو يجوز تأخيره؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه لا يجب على الفور، ويجوز له تأخيره؛ لأن أصل وجوب الحج يجوز له تأخيره، فكذلك قضاؤه.
والثاني: يجب قضاؤه على الفور؛ لما روي عن الصحابة ﵃: أنهم قالوا: (عليه القضاء من قابل) . ولأن القضاء بدل عما لزمه أداؤه على الفور بالدخول، بخلاف أصل الحج الواجب.
وأما الهدي: فهل يخرجه في سنة الفوات، أو في سنة القضاء؟ فيه وجهان:
أحدهما: يخرجه في سنة القضاء؛ لما روي عن الصحابة ﵃: أنهم
стр. 2096
قالوا: (عليه القضاء من قابل والهدي) . ولأن القضاء والمقضي في معنى النسك الواحد؛ لأن الفرض يسقط عنه بالقضاء، فجرى مجرى التمتع، والمتمتع إنما يجب عليه الدم إذا أحرم بالنسك الثاني، وهو الحج.
والثاني: أنه يخرجه في سنة الفوات؛ لأنه سبب وجوبه.
فإذا قلنا: إنه يخرجه في سنة الفوات.. فهو وقت وجوبه.
وإن قلنا: إنه يخرجه في سنة القضاء.. فهل وقت وجوبه عند القضاء، أو عند الفوات وإنما يؤخر إخراجه إلى وقت القضاء؟ فيه وجهان، حكاهما الشيخ أبو حامد:
أحدهما: أنه يجب عند القضاء؛ لأنه لو وجب قبل ذلك.. لجاز إخراجه.
والثاني: أن وقت وجوبه عند الفوات؛ لأنه وقت سببه.
[فرع الوقوف في عاشر ذي الحجة أو الثامن خطأ]
] : إذا أخطأ الناس فوقفوا يوم العاشر من ذي الحجة، أو يوم الثامن منه.. أجزأهم ذلك، ولم يجب عليهم القضاء؛ لقول النبي ـ ﷺ ـ: «حجكم يوم تحجون» .
стр. 2097
ولأنه لا يؤمن مثل ذلك في القضاء. ولأن في إيجاب القضاء مشقة عظيمة وإبطالا للسفر الطويل والمال العظيم، هكذا قال عامة أصحابنا.
وذكر ابن الصباغ في موضع من " شامله ": أنهم إذا وقفوا يوم التروية.. لم يجزهم؛ لأن هذا لا يقع فيه الخطأ؛ لأن نسيان العدد لا يتصور من العدد الكثير، فأما العدد القليل: فلا يعذرون في ذلك؛ لأنهم مفرطون، ويأمنون مثل ذلك في القضاء.
قلت: ولعل ابن الصباغ أراد: إذا بان لهم أنهم وقفوا يوم الثامن قبل فوات يوم التاسع وليلة النحر. فأما إذا لم يبن لهم ذلك إلا بعد فوات وقت الوقوف.. فيجزئهم الوقوف في اليوم الثامن، لما ذكرناه في الوقوف يوم العاشر.
стр. 2098
[فرع شهادة الرؤية المتأخرة]
] : وإن شهد شاهدان عشية عرفة برؤية الهلال، ولم يبق من النهار والليل ما يمكن الجماعة إتيان عرفة قال ابن الصباغ: وقفوا من الغد، كما قال الشافعي: (إذا شهد شاهدان برؤية الهلال ليلة الحادي عشر، أو بعد الزوال يوم العاشر في زمان لا يمكن فيه اجتماع الناس فإنهم يخرجون من الغد، ويصلون العيد، ويكون ذلك أداء للصلاة لا قضاء) .
[فرع المشاهد يعمل بعلمه]
] : وإن شهد برؤية الهلال واحد أو اثنان، فرد الحاكم شهادتهم فإن الشهود يقفون يوم التاسع على حكم رؤيتهم، ويقف الناس يوم العاشر عندهما، فإن وقف الشاهدان مع الناس يوم العاشر ولم يقفا يوم التاسع عندهما لم يجزهما ذلك.
وقال محمد بن الحسن: لا يجزئهما إلا إن وقفا مع الناس يوم العاشر، وإن وقفا يوم التاسع وحدهما لم يجزهما.
دليلنا: أنهما يتيقنان أن هذا يوم عرفة، فلزمهما الوقوف فيه، كما لو قبل الحاكم شهادتهما.
[مسألة الإحصار]
] : ومن أحرم بالحج وأحصره عدو من المشركين، ومنعوه عن النفوذ في طريقه، ولم يكن له طريق سواه جاز له أن يتحلل؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] الآية [البقرة: ١٩٦] .
وهذه الآية نزلت في شأن رسول الله ﷺ وأصحابه لـ: (أنهم خرجوا من المدينة سنة ست، وأحرموا بعمرة، ونزلوا الحديبية؛ ليدخلوا مكة فصدتهم قريش عن
стр. 2099
ذلك، ومنعتهم الدخول، ثم خرج إليهم سهيل بن عمرو فصالحهم النبي ﷺ على: أن يرجع ويعود من قابل، فأنزل الله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] .
فتحلل رسول الله ﷺ وأصحابه، ورجعوا، ثم أتوا من قابل، وقضوا عمرتهم) ، وإن كان المانع له عدوا من المسلمين جاز له أن يتحلل؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] الآية.
فعم ولم يخص، فالآية وإن كانت واردة على سبب إلا أنها مستقلة بالعموم.
وروي: «أن ابن عمر أراد أن يخرج إلى الحج في سنة ابن الزبير، فقيل له: إن صددت فقال: (إن صددت عن البيت صنعت كما صنعنا مع رسول الله ﷺ بالحديبية» .
وإن كان لهم طريق غير هذا الذي منعوا منه، فإن كان مثل طريقهم الذي صدوا عنه لم يكن لهم التحلل؛ لأنهم قادرون على الوصول. وإن كان أطول من طريقهم، فإن لم تكن معهم نفقة تكفيهم لذلك الطريق كان لهم التحلل؛ لأنهم مصدودون عن البيت بغير حق؛ إذ قطع الطريق بغير نفقة لا يمكن، فهو كما لو لم يجدوا طريقا غير التي صدوا عنها. وإن كان معهم نفقة تكفيهم لطريقهم الآخر لم يجز لهم التحلل، ولزمهم سلوك الطريق الآخر، سواء علموا أنهم إذا سلكوا الطريق
стр. 2100
الآخر فاتهم الحج أو لم يفتهم؛ لأن علة جواز التحلل الحصر، لا خوف الفوات، ألا ترى أن من أحرم بالحج في يوم عرفة بالجند يعلم أنه لا يمكنه الوقوف بعرفة؟ ومع هذا فلا يجوز له التحلل لأجله. فإن سلك الطريق البعيد فأدرك الحج فلا كلام، وإن فاته الحج تحلل بعمل عمرة، وهل يلزمه القضاء؟ فيه قولان:
أحدهما: عليه القضاء؛ لأنه فاته الحج فلزمه القضاء، كما لو فاته بالنسيان، أو أخطأ الطريق، أو أخطأ العدد.
والثاني: لا يلزمه القضاء؛ لأنه غير مفرط في الفوات، فهو كما لو تحلل بالحصر قبل الفوات.
[مسألة الصد عن الحج وأحكام الصادين]
] : فإن كان العدو الذي صدهم مسلمين فالأولى أن لا يقاتلوهم، وسواء كان الحاج أقوى أو الصاد لهم؛ لأن التحلل أهون من قتال المسلمين وجرحهم، فإن بذلوا لهم تخلية الطريق بجعل لم يجب عليهم بذل الجعل، وجاز لهم التحلل، سواء كان ما سألوه قليلا أو كثيرا؛ لأنا لو أوجبنا دفع القليل لأوجبنا دفع الكثير إذا كان سببهما واحدا. فإن بذلوا لهم الجعل جاز ولم يكره؛ لأنه لا صغار على المسلمين.
وإن كان العدو الذي صدهم مشركين فذكر المسعودي [في " الإبانة " ق \ ٢١١] : إن كان بإزاء كل مسلم مشركان أو أقل لم يجز لهم التحلل، وإن كانوا أكثر جاز لهم التحلل.
وقال البغداديون من أصحابنا: لا يجب عليهم قتالهم بحال؛ لأن قتال المشركين
стр. 2101
لا يجب على المسلمين إلا إذا بدؤوا بالقتال، أو استنفرهم أهل الثغور إلى قتالهم، وهؤلاء لم يبدؤوا بقتال، وإنما منعوا الطريق فقط. فإن قاتلوهم جاز، وهل الأولى أن يقاتلوهم، أو يتحللوا؟ ينظر فيه: فإن كان في المسلمين قوة، وفي المشركين الصادين لهم ضعف فالأولى أن يقاتلوهم؛ ليجمعوا بين نصرة الإسلام والتوصل إلى قضاء نسكهم، وإن كان في المشركين قوة وفي المسلمين ضعف فالأولى أن لا يقاتلوهم؛ لئلا يلحق الإسلام والمسلمين وهن بغلبة الكفار. وإن بذلوا لهم تخلية الطريق بجعل كره لهم دفعه إليهم؛ لأن في ذلك إجراء صغار على الإسلام. وإن بذلوا لهم الجعل جاز.
وإن بذلوا لهم تخلية الطريق بعد المنع، فإن كانوا واثقين بعقدهم غير خائفين من غدرهم لم يجز لهم التحلل؛ لأنهم غير مصدودين. وإن كانوا خائفين من غدرهم جاز لهم التحلل.
إذا ثبت أن لهم التحلل، فإن كان الوقت واسعا قال الشافعي: (أحببت لهم أن لا يتحللوا، وينتظروا اليومين والثلاث؛ لأنه ربما زال الحصر وانصرف العدو) .
فإن انتظروا ولم ينصرف العدو، أو كان الوقت ضيقا يخشى فيه فوات الحج قال الشافعي: (أحببت له أن يتحلل لئلا يفوته الحج) .
فإن تحلل من إحرامه لم يخل: إما أن ينصرف العدو، أو لا ينصرف. فإن لم ينصرف العدو رجع المصدود. وإن انصرف العدو، فإن كان الوقت واسعا بحيث يمكنه أن يجدد الإحرام ويمضي ويدرك الحج فقد استقر وجوب الحج عليه؛ لأنه قد تمكن منه، لكنه بالخيار: إن شاء حج في هذه السنة، وإن شاء أخر وحج في سنة أخرى؛ لأن الحج - عندنا - على التراخي. وإن كان الوقت ضيقا بحيث لا يمكنه أن يلحق الحج سقط عنه الوجوب في هذه السنة.
وإن لم يتحلل حتى فاته الحج وجب عليه القضاء بالفوات، فإن كان قد زال
стр. 2102
العذر لزمه الوصول إلى مكة، ويتحلل بعمل عمرة، وكان عليه هدي للفوات. وإن لم يزل العدو عن طريقه كان له أن يتحلل، ووجب عليه القضاء وهدي للتحلل وهدي للفوات.
[مسألة إحصار المحرم بعمرة]
] : وإن أحرم بالعمرة وأحصر جاز له التحلل.
وحكي عن مالك: أنه قال: (لا يجوز له التحلل؛ لأنه لا يخاف فوتها) .
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] [البقرة: ١٩٦] .
ولم يفرق بين الحج والعمرة، ولـ: (أن النبي ﷺ وأصحابه كانوا محرمين بالعمرة، فلما أحصروا نزلت هذه الآية بشأنهم، فتحللوا) . ولأنا لو ألزمناه البقاء على الإحرام ربما طال الحصر زمانا، فيكون عليه مشقة في البقاء على الإحرام، وقد قال ﷺ : «إني لم أبعث باليهودية، وبالنصرانية، ولكني بعثت بالحنيفية السمحة» .
стр. 2103
وقوله: (لأنه لا يخشى فوتها) لا يفيده، ألا ترى أن من أحرم بالحج في أول أشهر الحج، ثم أحصر يجوز له التحلل وإن كان لا يخاف الفوات حال تحلله.
[فرع إحاطة العدو بالمحرم]
] : فإن أحرم وأحاط به العدو من كل جهة، حتى لا يمكنه الخروج عن مكانه فهل يجوز له التحلل؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز له؛ لأنه لا يستفيد بالتحلل شيئا.
والثاني: يجوز له التحلل؛ لأنه يستفيد بذلك بأن ينهزم إلى ناحية بلده، فيكون متخلصا من الإحرام.
[مسألة قضاء الحج بسبب الإحصارالعام أو الخاص]
مسألة: [قضاء الحج بسبب الإحصار العام أو الخاص] : وإذا أحرم فصد عن الحرم فتحلل، فإن كان الحصر عاما فهل يجب عليه القضاء؟ ينظر فيه:
فإن كان في حج قد تقدم وجوبه عليهم فهو باق في ذمتهم إلى أن يأتوا به، وإن كان لم يتقدم وجوبه لم يجب عليهم القضاء؛ لأجل التحلل من الحصر. وبه قال من الصحابة: ابن عباس وابن عمر، ومن الفقهاء: مالك وأحمد.
وقال أبو حنيفة: (يجب عليهم القضاء، سواء كان الحج تطوعا أو واجبا) .
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] الآية [البقرة: ١٩٦] .
فاقتضت الآية: أن هذا جميع موجب الإحصار، ولو كان لهذا موجب آخر وهو القضاء لبينه، ولـ: (أن النبي ﷺ لما أحصر وأصحابه وتحللوا كان معه ألف وأربعمائة رجل، فلما كان في العام القابل عاد بنفر يسير، ولم يأمر من تخلف عنه
стр. 2104
بالقضاء) . ولو كان القضاء واجبا لأمرهم به. فإن قالوا: فقد أعاد النبي ﷺ الاعتمار في العام القابل، وسميت عمرة القضاء.
قلنا: فعله لها في السنة الثانية لا يدل أنها قضاء عما تحلل عنها في الأولى، بل يجوز؛ لأن الوجوب كان قد استقر عليه، فأدى ما وجب عليه، بدليل: أنه لم يأمر جميع من كان تحلل معه في العام الأول بالقضاء. وأما تسميتها عمرة القضاء: فإن هذه التسمية من أهل النقل، ولا احتجاج بقولهم، ويجوز أن تكون سميت عمرة القضاء؛ لأنه كان قضاء سهيل بن عمرو على العود من قابل، فسميت عمرة القضاء والقضية، لا لأنها قضاء عما تحللوا عنه.
وإن كان الحصر خاصا، بأن حبسه القاضي بدين عليه، فإن كان يقدر على قضائه لم يجز له التحلل، فإن تحلل لم يصح. وإن أقام على إحرامه حتى فاته الحج لزمه القضاء قولا واحدا؛ لأنه مفرط بذلك. وإن حبسه السلطان ظلما، أو حبسه القاضي بدين لا يقدر عليه جاز له التحلل، فإذا تحلل فهل يجب عليه القضاء؟ فيه قولان:
أحدهما: لا يلزمه القضاء، كما لا يلزمه في الحصر العام.
والثاني: يلزمه؛ لأنه تحلل من الحج قبل وقته بسبب يختص به، فهو كما لو ضل الطريق ففاته الحج.
стр. 2105
[مسألة الإحصار بعد الوقوف وصد أهل مكة عن الوقوف]
] : وإن وقف بعرفة، ثم أحصر عن المزدلفة ومنى وعن الطواف بمكة جاز له أن يتحلل، كما يجوز التحلل قبل الوقوف، فإن تحلل من إحرامه لم يجزه ما قد أتى به عن حجة الإسلام.
وحكى ابن الصباغ: أن الشيخ أبا حامد قال في " التعليق ": إذا قلنا: إن الأجير إذا مات بعد الإحرام يجوز البناء على فعله، على القول القديم جاز لغيره أن يبني على عمله هاهنا. فإن أمكنه أن يستأجر من يكمل ما بقي عليه من حجه أجزأه.
قال المسعودي [في " الإبانة " ق \ ٢١١] : فإن تحلل، ثم انكشف العدو فهل له البناء على باقي حجه بعد تحلله؟ فيه قولان، بناء على القولين في جواز البناء على حج الأجير.
وإن بقي على إحرامه ولم يتحلل فإن الطواف والسعي لا يفوتان؛ لأنه ليس لهما وقت مقدر يفوتان بفواته، ولكن المبيت بالمزدلفة والرمي يفوتان. فإن فاتا قبل تحلله فهل يجب عليه الدم لترك المبيت بالمزدلفة ومنى؟ على قولين، قد مضى ذكرهما. فإن قلنا: يجب وجب عليه دم للمبيت بالمزدلفة، ودم للمبيت بمنى ليالي الرمي. وهل يجب عليه دم لأجل الرمي أو دمان؟ على الكلام الذي مضى فيه إذا تركه عامدا. وأما حصول التحلل الأول: قال الشيخ أبو حامد: فإن أصحابنا قالوا: فوات وقت الرمي يجري مجرى فعل الرمي في حصول التحلل به.
فإن قلنا: إن الحلاق نسك حلق وتحلل به، وبفوات وقت الرمي.
وإن قلنا: إن الحلاق ليس بنسك فقد حصل له التحلل بفوات وقت الرمي، ومتى أمكنه الطواف والسعي أتى بهما.
فأما إذا أحرم أهل مكة أو المقيمون بها بالحج وصدوا عن عرفة جاز لهم التحلل عندنا.
وقال مالك: (لا يجوز لهم التحلل) .
следующие страницы →