Полный текст (7 092 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.
стр. 2206
[فرع تعليق نذر الصوم بأمس أو قدوم شخص أو بقدوم شخصين]
] : وإن قال: إن قدم فلان فلله علي أن أصوم أمس يوم قدومه فهل يصح نذره؟ فيه طريقان:
[أحدهما] : قال الشيخ أبو حامد: لا يصح نذره قولا واحدا.
و [الثاني] : قال ابن الصباغ: ينبغي أن تكون على قولين، كالتي قبلها.
وإن قال: إن قدم زيد فلله علي أن أصوم يوم قدومه، ثم قال: إن قدم عمرو فلله علي أن أصوم أول اثنين بعده، فقدم عمرو قبل الاثنين لزمه أن ينوي الصوم لقدوم عمرو ليلة الاثنين. فإن نوى الصوم ثم قدم زيد يوم الاثنين، وقلنا: يصح نذره فإنه يجب عليه أن يتم صوم هذا اليوم عن نذره لقدوم عمرو؛ لأنه قد نواه، ويستحب له أن يقضيه بيوم آخر؛ لأنه صامه عن نذر وقد استحق بنذر قبله، ويجب عليه أن يصوم يوما آخر لقدوم زيد؛ لأنه لم يمكنه أن ينوي الصيام لذلك. فإن قيل: أليس لو قدم زيد في أثناء يوم من رمضان لم يجب عليه القضاء؟ قلنا: الفرق بينهما: أن أيام رمضان لا يجوز أن تقع عن النذر بحال، وهاهنا قد كان يجوز أن يقع الصوم فيه عن قدوم زيد.
فإن قال: إن قدم زيد فلله علي أن أصوم يوما يلي يوم قدومه، وإن قدم عمرو فلله علي أن أصوم أول اثنين بعده، فقدما يوم الأحد لزمه أن يصوم يوم الاثنين عن أول نذر نذره، ويجب عليه أن يقضي عن النذر الثاني يوما آخر؛ لما ذكرناه في المسألة قبلها.
[فرع تعليق نذر الاعتكاف على قدوم شخص]
] : وإن نذر اعتكاف اليوم الذي يقدم فيه فلان صح نذره قولا واحدا؛ لأن الاعتكاف يصح في بعض اليوم، بخلاف الصوم. فإن قدم ليلا لم يلزمه شيء؛ لأنه لم يوجد الشرط. وإن قدم نهارا لزمه اعتكاف بقية اليوم، وهل يلزمه قضاء ما فاته من اليوم؟ وجهان:
стр. 2207
أحدهما: يلزمه، وهو قول المزني، كما قلنا في الصوم.
والثاني - وهو المذهب -: أنه لا يلزمه؛ لأنه لم يدخل في النذر، ويفارق الصوم: فإنه لا يصح الصوم في بعض اليوم، فلذلك لزمه القضاء.
وإن قدم وهو محبوس أو مريض جاز له ترك الاعتكاف، وهل يلزمه القضاء؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يقضي؛ لأنه تعذر عليه الاعتكاف حال الوجوب.
والثاني - وهو المنصوص -: أنه يلزمه القضاء؛ لأن العبادة الواجبة بالشرع إذا تعذرت بالمرض وجب قضاؤها، فكذلك العبادة الواجبة بالنذر.
فإذا قلنا بهذا: فإنه يقضي قدر ما بقي من اليوم بعد القدوم، على المذهب، وعلى قول المزني يلزمه قضاء جميع اليوم.
[مسألة نذر الحج ماشيا]
] : وإن نذر المشي إلى بيت الله الحرام انعقد نذره، ولزمه المشي إليه بحج أو عمرة؛ لأن المشي ليس بقربة لله إلا لذلك، فإذا أطلقه حمل على المعهود في الشرع؛ لأن المشي إلى العبادة أفضل، ولهذا روي: «أن النبي ﷺ لم يركب في عيد ولا جنازة» .
فإن قيل: فالمشي في الشرع لا يجب، فكيف لزم بالنذر، قلنا: قد يلزم بالنذر من القرب ما ليس بواجب في الشرع ابتداء، مثل: الاعتكاف والإحرام من دويرة أهله.
ومن أين يلزمه المشي؟ فيه وجهان:
[أحدهما] : قال أبو إسحاق: يلزمه أن يحرم ويمشي من دويرة أهله؛ لأن إتمام
стр. 2208
الحج والعمرة يتعلق بذلك، وإنما أجيز تأخير الإحرام إلى الميقات رخصة، فإذا نذر رجع إلى الأصل.
و [الثاني] : قال عامة أصحابنا: لا يجب عليه الإحرام والمشي إلا من الميقات - وبه قال أحمد - لأن المطلق محمول على المعهود في الشرع، والإحرام في الشرع إنما يجب من الميقات.
فإن أراد الدخول في الحج فإنه يمشي فيه إلى أن يحل له النساء، وهو بالتحلل الثاني، ولا يلزمه المشي لرمي الجمار الثلاث في أيام التشريق.
وإن أراد الدخول بعمرة فإنه يمشي فيها إلى أن يحل له النساء أيضا، وهو إلى أن يفرغ من الحلاق إذا قلنا: إنه نسك، وإن قلنا: إنه ليس بنسك، فإلى الفراغ من السعي.
وإن أحرم بالحج، ففاته الوقوف بعرفة فإنه يلزمه القضاء ماشيا؛ لأنه بدل عما لزمه، وهل يلزمه المشي في تمام الفائت؟ فيه قولان:
أحدهما: يلزمه؛ لأن ذلك قد لزمه بالإحرام.
والثاني: لا يلزمه؛ لأن هذا لا يجزئه عن النذر.
وإن لزمه المشي فركب نظرت: فإن كان قادرا على المشي فقد أساء بذلك، وحجه صحيح، وعليه هدي؛ لما روى ابن عباس: «أن أخت عقبة بن عامر نذرت أن تمشي إلى بيت الله الحرام، فأمرها النبي ﷺ أن تركب وتهدي هديا» ولأنه ترفه بترك المشي، فأشبه إذا تطيب أو لبس.
стр. 2209
وإن كان عاجزا عن المشي جاز له أن يركب؛ لأن الواجب بالشرع يسقط بالعجز عنه فلأن يسقط الواجب بالنذر عند العجز أولى، فإذا ركب فهل يجب عليه دم؟ فيه قولان:
أحدهما: لا يجب؛ لأنه لو نذر أن يصلي قائما فعجز كان له أن يصلي قاعدا، ولا شيء عليه، فكذلك هاهنا.
والثاني: يجب عليه الهدي؛ لحديث عقبة بن عامر؛ لأنه لا يجوز أن يأمرها النبي ﷺ بالركوب إلا مع العجز. ولأنه إذا تركه مع القدرة لزمه الدم، وكذلك إذا تركه عاجزا، كسائر المناسك، بخلاف الصلاة فإنه لا يدخلها الجبران بالهدي، والحج يدخله الجبران. هذا نقل الشيخ أبي حامد والبغداديين من أصحابنا.
وقال صاحب " الإبانة ": إذا نذر الحج ماشيا فهل يلزمه الحج ماشيا أو يجوز له الركوب؟ فيه قولان، بناء على أن الأفضل أن يحج راكبا أو ماشيا، فإن قلنا: إن الأفضل أن يحج ماشيا لزمه المشي، فإن ركب مع القدرة على المشي فهل يصح حجه؟ فيه قولان. فإن قلنا: يصح فعليه الدم، وإن قلنا: لا يصح فعليه القضاء، ومن أين يمشي؟ ينظر في لفظه:
فإن قال: علي لله أن أحج ماشيا أو أحرم ماشيا فمن وقت الإحرام بالحج.
وإن قال: علي لله أن أمشي إلى مكة حاجا فمن حين يخرج من بيته.
[فرع نذر أن يركب إلى المسجد الحرام فمشى أو بغير نسك]
] : وإن نذر أن يركب إلى بيت الله الحرام فمشى فالمشهور من المذهب: أن عليه الدم: لأنه ترفه بترك مؤنة الركوب. وحكى صاحب " الفروع " وجها آخر: أنه لا دم عليه؛ لأن المشي أشق من الركوب.
وإن نذر المشي إلى بيت الله الحرام لا حاجا ولا معتمرا فوجهان:
أحدهما: لا ينعقد نذره؛ لأن النذر إنما ينعقد إذا أطلق؛ لأنه محمول على عرف
стр. 2210
الشرع بالقصد إليه بالنسك، فإذا شرطه بغير نسك خرج عن معهود الشرع، فلم يصح نذره.
والثاني: يصح نذره، ويلزمه المشي بحج أو عمرة؛ لأن النسك قد لزم بقوله: علي لله أن أمشي إلى بيت الله الحرام، وقوله: (لا حاجا ولا معتمرا) : لغو في الكلام، فوجب إسقاطه.
قال الشيخ أبو حامد: يشبه أن يكون هذان الوجهان مأخوذين من القولين فيمن نذر المشي إلى مسجد المدينة أو المسجد الأقصى؛ لأن المشي هناك لا يتضمن النسك كذا هاهنا إذا صرح بترك النسك.
قال ابن الصباغ: وهذا البناء لا يستقيم؛ لأنه إذا قلنا: يصح النذر هاهنا يلزمه المشي بالنسك، بخلاف المشي إلى مسجد المدينة أو المسجد الأقصى.
[فرع نذر المشي لبيت الله ولم يقل الحرام]
] : إذا نذر المشي إلى بيت الله ولم يقل: الحرام ولا نواه فنقل المزني: (أنه ينعقد نذره) . وقال في " الأم " [٢/٢٣٠] ما يدل على أنه لا يلزمه.
قال ابن الصباغ: ففي المسألة قولان، ولكنها مشهورة بالوجهين:
أحدهما: لا ينعقد نذره؛ لان المساجد كلها بيوت الله.
والثاني: ينعقد نذره، ويلزمه المشي إلى بيت الله الحرام بحج أو عمرة؛ لأن إطلاق بيت الله لا ينصرف إلا إليه. قال المحاملي: والأول أصح.
[فرع النذر إلى موضع من الحرم أو إلى عرفة]
وإن نذر المشي إلى بقعة من الحرم لزمه المشي إليه بحج أو عمرة.
قال الطبري في " العدة ": وسواء قال: علي لله أن أمشي، أو أذهب، أو أسير
стр. 2211
أو أنتقل، أو آتي، أو أمضي، فكل ذلك سواء.
وذكر المحاملي في " التجريد ": إذا قال: علي لله أن أذهب إلى مكة، أو إلى البيت، أو إلى الحرم فإنه يلزمه الذهاب بنسك، ولكن لا يلزمه المشي، بل إن شاء ذهب راكبا أو ماشيا؛ لأن اسم الذهاب يقع على الجميع.
وقال أبو حنيفة: (لا يلزمه إلا إذا نذر المشي إلى بيت الله، أو إلى مكة، أو إلى الكعبة استحسانا، فإذا نذر المشي إلى بقعة من الحرم غير ذلك فلا يلزمه) .
دليلنا: أنه موضع لا يجوز دخوله بغير إحرام، فلزمه النذر بالمشي إليه بالنسك كالبيت.
وإن نذر المشي إلى عرفة فالمشهور من المذهب: أنه لا يلزمه بذلك شيء.
وحكى صاحب " الفروع ": أن أبا علي بن أبي هريرة قال: يلزمه المشي إليها بنسك؛ لأنها منسك. وليس بشيء؛ لأنه موضع يجوز قصده بغير إحرام، فلم يلزمه المشي إليه بالنذر، كسائر بقاع الحل. وقوله: (إنها منسك) : يبطل بالميقات.
[فرع نذر المشي لمسجد غير الثلاثة أو لمسجد المدينة والأقصى]
] : وإن نذر المشي إلى مسجد غير المساجد الثلاثة لم يجب عليه شيء لأنه لا تشد إليه الرحال.
وإن نذر المشي إلى مسجد المدينة أو المسجد الأقصى فهل ينعقد نذره؟ فيه قولان وقد مضى توجيههما.
فإذا قلنا: لا يصح فلا كلام.
وإذا قلنا: يصح النذر فقال ابن الصباغ: فإذا بلغ إليها صلى ركعتين واجبتين؛ لأن القصد بالسعي إليهما القربة بالصلاة فيهما، فتضمن ذلك نذره.
وقال الطبري في " العدة ": يصلي فيهما ركعتين، أو يعتكف ساعة حتى تكون قربة.
стр. 2212
[مسألة نذر الحج السنة]
] : إذا قال: علي لله أن أحج في هذه السنة، فإن وجدت فيه الشرائط المعتبرة لوجوب حجة الإسلام في هذه السنة - وهي: البلوغ والعقل والحرية والإسلام وتخلية الطريق وإمكان السير ووجود الزاد والراحلة - فإن لم يحج استقر الفرض عليه، ولم يسقط عنه الفرض إلا بفعله بعد ذلك.
وإن وجدت فيه هذه الشرائط ولكن أحصر حصرا عاما حتى مضت هذه السنة فالمنصوص: (أنه لا يجب عليه القضاء) كما نقول في حجة الإسلام إذا أحرم بها، ولم يكن تمكن منها قبل ذلك، فأحصر حصرا عاما فتحلل فإنه لا قضاء عليه.
وحكى الطبري في " العدة ": أن أبا العباس ابن سريج قال: يجب على الناذر القضاء؛ لأنه أمر إذا لم يجب بالشرع فإنه يجب بالنذر، كالمريض لا يجب عليه الحج بالشرع، ولو نذر الحج وجب عليه.
فإن أحصر هذا الناذر في هذه السنة حصرا خاصا، بأن مرض أو حبس أو أخطأ الطريق قال المحاملي في " التجريد " والطبري في " العدة ": فإن الفرض يستقر عليه في حجة الإسلام، وفي حجة النذر أيضا، لا لأن الطريق مخلى: وإنما تعذر عليه الحج لمعنى يخصه، فاستقر عليه الفرض، ومتى عدمت الشرائط في هذا الناذر في هذه السنة فقد قلنا: لا يجب عليه، وإن وجدت الشرائط بعد هذه السنة فيه لم يجب عليه؛ لأنه قد نذره في هذه السنة، بخلاف حجة الإسلام.
وبالله التوفيق
стр. 2213
[باب الأطعمة]
الأصل في وجوب إباحة الأطعمة قَوْله تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة: ٤] [المائدة: ٤] .
إذا ثبت هذا: فالحيوان على ضربين: بري، وبحري.
فأما البري: فلا يحل النجس منه، مثل: الكلب والخنزير، وكذلك: ما توالد منهما، أو من أحدهما؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المائدة: ٣] [المائدة: ٣] .
وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ﴾ [الأعراف: ١٥٧] [الأعراف: ١٥٧] والكلب من الخبائث.
والدليل على ذلك قوله ﷺ : «الكلب خبيث، خبيث ثمنه» .
فإن ارتضع جدي من كلبة أو خنزيرة حتى نبت لحمه ففي إباحة لحمه وجهان، حكاهما الشاشي.
стр. 2214
ويحل أكل الأنعام - وهي الإبل، والبقر، والغنم - لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ﴾ [المائدة: ١] [المائدة: ١] .
وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ﴾ [الأعراف: ١٥٧] [الأعراف: ١٥٧] .
والأنعام من الطيبات وأجمع المسلمون على إباحة أكلها.
ويجوز أكل لحم الخيل، وبه قال أحمد وإسحاق وأبو يوسف ومحمد.
وقال أبو حنيفة: (يكره كراهة يتعلق بها الإثم) ، ولا يقول: إنها محرمة.
دليلنا: ما روى جابر قال: «ذبحنا مع رسول الله ﷺ يوم خيبر الخيل والبغال والحمير، فنهانا رسول الله ﷺ عن البغال والحمير، ولم ينهنا عن الخيل» .
ويحرم أكل لحوم الحمر الأهلية، وبه قال جماعة من العلماء.
وروي عن ابن عباس: أنه قال: (تحل) .
دليلنا: حديث جابر.
ويحرم أكل لحوم البغال.
стр. 2215
وقال الحسن البصري: يحل.
دليلنا: حديث جابر.
ويحرم أكل السنور الأهلي؛ لما روى جابر: «أن النبي ﷺ نهى عن أكل الهر» وفي السنور البري وجهان:
أحدهما: لا يحل: للخبر.
والثاني: يحل؛ لأن كل حيوان كان منه إنسي ووحشي اختص التحريم بالأهلي، كالحمار.
[مسألة: أكل الضبع والثعلب وغيرهما]
] : ويحل أكل الظبي والوعل وبقر الوحش وحمر الوحش لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ﴾ [الأعراف: ١٥٧] [الأعراف: ١٥٧] وهذه كلها من الطيبات.
ويحل أكل الضبع والثعلب.
стр. 2216
وقال أبو حنيفة: (لا يحل أكلهما) .
وقال مالك: (يكره أكلهما) .
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ﴾ [الأعراف: ١٥٧] وهما من الطيبات، وروى جابر: أن النبي ﷺ قال: «الضبع صيد يؤكل» .
[مسألة: في أكل الأرنب والقنفذ وغيرهما]
] : ويحل أكل الأرنب؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ﴾ [الأعراف: ١٥٧] [الأعراف: ١٥٧] والأرنب من الطيبات. ولما روى جابر: «أن غلاما من قومه صاد أرنبا أو اثنين، فذبحهما بمروة، فتعلقهما حتى لقي رسول الله ﷺ ، فسأل النبي ﷺ عن أكلهما، فأمره بأكلهما» .
ويحل أكل اليربوع، وبه قال أحمد.
وقال أبو حنيفة: (لا يحل) .
دليلنا: أنه من الطيبات، وأوجب عمر فيه الجزاء فدل على أنه صيد يؤكل.
ويحل أكل القنفذ. وقال أبو حنيفة وأحمد: (لا يحل) .
стр. 2217
دليلنا: ما روي: أن ابن عمر سئل عن أكل القنفذ، فتلا قَوْله تَعَالَى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ [الأنعام: ١٤٥] [الأنعام: ١٤٥] . وهذا فتوى منه بإباحته.
ويحل أكل ابن عرس والوبر. و (ابن عرس) : دويبة أصغر من الوبر.
وقال أبو حنيفة: (لا يحل واحد منهما) .
دليلنا: أنهما مستطابان عند العرب، فحل أكلهما.
ويحل أكل الضب، وبه قال مالك وأحمد. وقال أبو حنيفة: (لا يحل) .
دليلنا: ما روي «عن خالد بن الوليد قال: دخلت مع رسول الله ﷺ بيت ميمونة، فقربت لنا ضبا محنوذا، فأهوى رسول الله ﷺ إليه بيده، فقال بعض النسوان اللاتي في بيت ميمونة: أخبروا رسول الله ﷺ بما يريد أن يأكل منه، فقيل له: هو ضب، فرفع رسول الله ﷺ يده، فقلت: أحرام هو يا رسول الله؟ قال: " لا، ولكن لم يكن بأرض قومي، فأجدني أعافه " قال خالد: فاجتررته فأكلته، ورسول الله ﷺ ينظر، فلم ينهني» .
[فرع: فيما يتقوى بنابه وحكم ابن آوى]
] : ولا يحل أكل ما يتقوى بنابه ويعدو على الناس وعلى البهائم، كالأسد والفهد والنمر والدب والذئب؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] [الأعراف: ١٥٧] وهذه
стр. 2218
كلها من الخبائث. ولما روى ابن عباس: «أن النبي ﷺ نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير» وفي ابن آوى وجهان:
أحدهما: يحل؛ لأنه ضعيف الناب، فأشبه الضبع.
والثاني: لا يحل؛ لأنه من جنس الكلاب، والعرب لا تستطيبه، ولأنه كريه الرائحة.
ولا تحل الحيات والعقارب والفأر والخنافس والوزغ وما أشبهها من حشرات الأرض؛ لأنها من الخبائث.
[مسألة: أكل النعامة وغيرها من الطيور]
مسألة: [جواز أكل النعامة وغيرها من الطيور وحرمة ما له مخلب] : ويحل أكل النعامة؛ لأن الصحابة ﵃ قضوا فيها ببدنة إذا قتلها المحرم، فدل على أنها صيد.
ويحل الديك والدجاج والحمام والقطا والبط والكركي والعصفور؛ لأن كل هذه مستطابة.
ويحل أكل الجراد؛ لما «روى عبد الله بن أبي أوفى قال: (غزوت مع النبي ﷺ سبع غزوات ورسول الله ﷺ يأكل الجراد ونأكلها معه» . وروي: أن الجراد ذكرت عند عمر بن الخطاب ﵁، فقال: (ليت لنا منها قفعة أو قفعتين) .
وقال أبو العباس بن القاص، وأبو علي في " الإفصاح ": لا يحل أكل الهدهد،
стр. 2219
والخطاف؛ لـ: (أن النبي ﷺ نهى عن قتلهما) ، وذلك يدل على تحريمهما.
ولا يحل أكل ما له مخلب يصطاد به، كالعقاب والصقر والشاهين والباشق؛ لحديث ابن عباس ﵁.
ويحرم النسر والرخمة؛ لأنهما مستخبثان.
وتحرم الحدأة، والغراب الأبقع، والغراب الأسود الكبير؛ لقوله ﷺ : «خمس يقتلن في الحل والحرم: الحية، والفأرة، والغراب الأبقع، والحدأة، والكلب العقور» وما أمر بقتله لا يحل أكله.
وأما الغراب الذي يسمى الغداف: وهو صغير الجسم، لونه كلون الرماد، وغراب الزرع ففيهما وجهان:
أحدهما: لا يحلان؛ لعموم الخبر.
стр. 2220
والثاني: يحلان؛ لأنهما مستطابان يلتقطان الحب، فهما كالحمام.
ويحرم الذباب، والنحل، والزنبور، وما أشبهها؛ لأنها مستخبثة.
[مسألة: أكل ما تولد من حيوان يؤكل وغيره]
مسألة: [لا يؤكل ما تولد من حيوان يؤكل وغيره] : ولا يحل ما تولد بين حيوان يؤكل وحيوان لا يؤكل، كالسمع المتولد بين الضبع والذئب، سواء كان الذكر مما يحل أو الأنثى تغليبا للتحريم.
وإن نزا فرس على أتان وحشية، أو نزا حمار وحشي على رمكة قال الشافعي: (كان المتولد بينهما حلالا؛ لأنهما مما يحل أكلهما) .
ولو اشتبه ولد حيوان: هل هو متولد من ذكر يحل أم لا يحل؟ قال ابن الصباغ: فالاختيار: أن لا يؤكل، فإن أراد أكله نظر إلى خلقته، فإن كان الذي يحل أكله أولى بخلقته حل. وإن كان الذي لا يحل أكله أولى بخلقته لم يحل.
[مسألة: الذي لم يرد فيه تحليل ولا تحريم]
] : وما لم يرد فيه تحليل ولا تحريم ينظر فيه: فإن كان مما تستطيبه العرب فهو حلال. وإن كان مما تستخبثه العرب فهو حرام. وإن استطابه قوم واستخبثه آخرون رجع إلى ما عليه الأكثر.
قال الطبري: وإنما يرجع فيه إلى العرب الذين كانوا على عهد رسول الله ﷺ من
стр. 2221
أهل الريف والسعة دون الأجلاف وأهل الضرورة. وإن اتفق في بلاد العجم ما لا يعرفه العرب رجع فيه إلى شبيهه مما يحل ومما لا يحل، فيحكم فيه ما يحكم بشبهه. قال: وإن لم يشبهه شيء ففيه وجهان:
[أحدهما] : قال أبو إسحاق، وأبو علي الطبري: يكون حلالا؛ لما روي عن ابن عباس: أنه قال: (بعث الله نبيه ﵊، وأنزل عليه كتابه، وأحل حلاله وحرم حرامه، فما أحل فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو) .
و [الثاني] : من أصحابنا من قال: لا يحل؛ لأن أصل الحيوان التحريم، إلا ما ورد الشرع بتحليله. هذا نقل الشيخ أبي حامد.
وقال المسعودي [في " الإبانة "] : ما لم يرد نص بتحريمه فهو حلال؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] الآية [الأنعام: ١٤٥] .
[مسألة: أكل الجلالة]
مسألة: [كراهة أكل الجلالة] : وأما الجلالة - وهي: البهيمة التي أكثر علفها العذرة، من ناقة وبقرة وشاة ودجاجة - فنقل الشيخ أبو حامد: أنه يكره أكل لحمها ولبنها وبيضها ولا يحرم.
وقال القفال: إن لم يتغير لحمها بذلك لم يحرم، وإن تغير لحمها بذلك حتى ظهرت رائحة العذرة فيه لم يحل أكل لحمها ولبنها وبيضها، ولو غسل وطبخ لم يطهر بذلك. واحتج بما روى ابن عمر: «أن النبي ﷺ نهى عن أكل الجلالة، وعن شرب ألبانها حتى تحبس» وبه قال أحمد.
стр. 2222
ووجه قول الشيخ أبي حامد: أن ما تأكله البهيمة من الطاهرات ينجس إذا حصل في كرشها فلا يكون غذاؤها إلا بالنجاسة، ولا يؤثر ذلك في إباحة لحمها ولبنها وبيضها، ولأن النجاسة التي تأكلها تنزل في مجاري الطعام ولا تخالط اللحم، وإنما يتغير اللحم بها، وذلك يقتضي الكراهية لا التحريم، كما لو كان معه لحم طري فتركه حتى أنتن فإنه لا يحرم بذلك، هذا هو المشهور.
وحكى الشاشي وجها آخر: أن اللحم إذا أنتن لم يحل أكله، وليس بشيء.
إذا ثبت هذا: فإن علفت الجلالة علفا طاهرا حتى زالت رائحة بدنها زالت الكراهة عند الشيخ أبي حامد، والتحريم عند القفال. وليس للوقت الذي تعلف فيه العلف الطاهر حد، وإنما الاعتبار بما يعلم في العادة أن رائحة العذرة قد زالت عن لحمها. قال ابن الصباغ: وقد حده بعض أهل العلم: بأن يعلف البعير والبقرة أربعين يوما علفا طاهرا، والشاة سبعة أيام، والدجاجة ثلاثة أيام، وقيل: سبعة أيام. وليس ذلك بتقدير، وإنما الاعتبار بما ذكرناه.
[مسألة: حيوان البحر وما يحل منه والضفدع وغيره]
] : وأما حيوان البحر: فيحل منه السمك؛ لما روي عن ابن عمر: أن النبي ﷺ قال: «أحلت لنا ميتتان: السمك والجراد» .
стр. 2223
ولا يحل أكل الضفدع لـ: (أن النبي ﷺ نهى عن قتله) ولو حل أكله لم ينه عن قتله؛ لأنه لا يتوصل إلى أكله إلا بقتله. وقيل: إنه سم.
قال الشيخ أبو حامد: والسرطان مثله لا يحل أكله.
قال القاضي أبو الطيب: وكذلك النسناس لا يحل؛ لأنه على خلقة الآدمي.
وفيما سوى ذلك ثلاثة أوجه:
أحدها: لا يحل - وهو قول أبي حنيفة - وتعلق هذا القائل بقول الشافعي: (وما رأيت من الميت شيئا يحل إلا الحوت والجراد) . ولما روي: أن النبي ﷺ قال: «أحلت لنا ميتتان: السمك والجراد» فخص السمك بذلك.
والثاني: يحل ما أشبه ما كان حلالا في حيوان البر، فأما ما يشبه ما كان حراما في البر، ككلب الماء وخنزيره: فإنه لا يحل، كما نقول فيما أشكل من حيوان البر: إنه يرد إلى ما أشبهه.
والثالث - وهو المنصوص -: (أنه يحل الجميع) ؛ لأن الشافعي سئل عن كلب الماء وخنزيره فقال: (يحل أكله) .
قال القاضي أبو الطيب: وأما قوله: (لا يحل من الميت إلا الحوت والجراد) : فجميع حيوان البحر يسمى حوتا وسمكا، والدليل على تحليل الجميع: قَوْله تَعَالَى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ [المائدة: ٩٦] [المائدة: ٩٦] . ولم يفرق.
стр. 2224
[مسألة: اعتبار الضرر في تحريم غير الحيوان]
وأما غير الحيوان: فلا يحل منه النجس؛ لأنه من الخبائث، ولا يجوز أكل ما يضر من الطاهر؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] [النساء: ٢٩] .
ويحل منه ما لا يضر، كالحبوب والفواكه والثمار؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ﴾ [الأعراف: ١٥٧] [الأعراف: ١٥٧] وهذه كلها من الطيبات، ولأن ذلك إجماع ولا خلاف فيه.
[مسألة: جواز أكل الميتة للمضطر]
وحكم الدواء النجس] : يجوز للمضطر أكل الميتة والدم والكلب والخنزير وغير ذلك من المحرمات التي لا يتلف بأكلها؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة: ٣] إلى قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣] [المائدة: ٣] .
و (الضرورة التي يباح فيها له أكل ذلك) : هي خوف التلف على نفسه، أو يخاف إن لم يأكلها مرضا مخوفا، أو أن يكون ماشيا فيعجز عن المشي إن لم يأكلها أو يعجز عن الركوب إن كان راكبا وينقطع بذلك عن رفقته، أو يكون به داء لا يذهبه إلا أكل النجس، فأما إذا كان به داء يطول ولكنه غير مخوف كحمى الربع فلا يحل له أن يتناول النجس لأجلها، وإن كان به داء لو لم يتناول الدواء النجس امتد وصار مخوفا فهل له أن يتناول الدواء النجس؟ فيه قولان، حكاهما في " العدة ":
أحدهما: يحل له، كما لو كان مخوفا.
стр. 2225
والثاني: لا يحل؛ لأنه في الحال غير مخوف.
إذا ثبت هذا: وأنه يجوز للمضطر أكل الميتة فله أن يأكل منها ما يسد به الرمق، وليس له أن يزيد على الشبع. وهل يجوز له أن يشبع منها؟ فيه قولان:
أحدهما: له ذلك؛ لأن كل ما جاز له أن يأكل منه ما يسد به الرمق جاز له أن يشبع منه، كالحلال.
والثاني: ليس له ذلك - وبه قال أبو حنيفة، وهي إحدى الروايتين عن مالك وأحمد - لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩] [الأنعام: ١١٩] وبعد سد الرمق هو غير مضطر.
وحكى الطبري: أن من أصحابنا من قال: إن كان في بلد لم يجز له أن يشبع؛ لأنه يرجو وجود طعام طاهر، وإن كان في سفر لا يرجو وجود ميتة أخرى ولا طعام طاهر فله أن يشبع.
[فرع: وجوب سد الرمق للمضطر]
وهل يجب عليه أن يأكل من الميتة ما يسد به الرمق؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجب عليه، ويأثم إذا لم يأكل؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] [البقرة: ١٩٥] وفي ترك الأكل تهلكة.
стр. 2226
والثاني: لا يجب عليه؛ لأن له غرضا في تركه، وهو أن يجتنب ما حرم عليه، كما يجوز له أن يغمس نفسه في العدو وإن كان يعتقد أنه يقتل.
قال القاضي أبو الطيب: والأول أصح.
[فرع: بذل ما يفضل عن الحاجة للمضطر]
] : إذا كان مع رجل طعام يفضل عن حاجته، وهناك آخر مضطر إليه على الصفة التي ذكرناها.. وجب على صاحب الطعام بذله للمضطر؛ لما روي: أن النبي ـ ﷺ ـ قال: «أيما رجل مات جوعا في محلة قوم سألهم الله بدمه يوم القيامة» . ولأنه لو رأى من يغرق في ماء أو نار وهو يقدر على تخليصه، وجب عليه تخليصه، فكذلك هاهنا.
إذا ثبت هذا: فإن كان مع المضطر عوض عن الطعام.. لم يجب على صاحب الطعام بذل طعامه له إلا بدفع العوض من المضطر؛ لأنا إنما أوجبنا على صاحب الطعام بذل طعامه لدفع الضرر عن المضطر، فلا يجوز أن يدفع عنه الضرر، ويلحق
стр. 2227
الضرر بصاحب الطعام. ويجب على المضطر بذل العوض لصاحب الطعام وجها واحدا، بخلاف النجاسة؛ لأن في النجاسة لا يجب عليه ـ في أحد الوجهين ـ ليتجنب المحرم، فهذا لا يوجد هاهنا. فإن بلغ المضطر إلى حالة لا يمكنه دفع العوض ... وجب على صاحب الطعام بذل طعامه قبل الدفع؛ لأن التأخر عن ذلك يفضي إلى قتل المضطر.
وإن لم يكن مع المضطر مال.. لزمه أن يلتزم العوض بذمته.
وحكي عن بعض الناس: أنه قال: يلزم صاحب الطعام بذل الطعام له بغير عوض، كما لو رأى من يغرق أو يحترق.. فإنه يلزمه أن يخلصه من غير اشتراط عوض.
دليلنا: أن الذمة تجري مجرى المال؛ لأن التصرف ينفذ فيها، كما ينفذ في المال، ثم ثبت: أنه لو كان معه مال.. لم يلزمه البذل بغير عوض، كذلك الذمة.
وأما تخليص الغريق والمحترق: فإن أمكنه موافقته على أجرته.. لم يلزمه تخليصه إلا بعد أن يبذل شرط العوض، وإن تعذر ذلك.. وجب عليه تخليصه قبل ذلك، وكذلك في الطعام مثله.
فإن امتنع صاحب الطعام من بذله بعوض مثله.. فللمضطر أن يكابره على أخذه ويقاتله على ذلك.. فإن قتله صاحب الطعام.. وجب عليه ضمانه بالقصاص إن كان مكافئا له، أو بالدية إن كان غير مكافئ له. وإن قتله المضطر.. لم يجب عليه ضمانه بقصاص ولا دية ولا كفارة؛ لأنه قتله ليدفع عن نفسه.
وكم القدر الذي يجب على صاحب الطعام بذله، ويجوز للمضطر مكابرته عليه؟ فيه قولان:
стр. 2228
أحدهما: قدر ما يسد به رمقه.
والثاني: ما يشبع به، كالقولين في الميتة.
فإن طلب صاحب الطعام بطعامه أكثر من عوض المثل ولم يتمكن المضطر من مكابرته على أخذه، أو كان قادرا على ذلك لكنه ترك مكابرته تجنبا لإراقة الدم، فإن أمكنه أن يخادعه ويشتريه منه بشرط باطل.. كان له ذلك، ولا يلزمه إلا قدر قيمته، وإن لم يمكنه ذلك فاشتراه بأكثر من عوض المثل.. ففيه وجهان:
أحدهما: يلزمه ما عقد به؛ لأن العقد خلا مما يفسده.
والثاني: لا يلزمه إلا قدر قيمته؛ لأنه كالمكره على ذلك.
وإن بذل له الطعام فأكله، ثم اختلفا.. فقال صاحب الطعام: بذلته بعوض، وقال المضطر: بل بذلته بغير عوض.. ففيه قولان، حكاهما في " العدة ":
أحدهما: القول قول المضطر مع يمينه؛ لأن الأصل براءة ذمته منه.
والثاني: القول قول صاحب الطعام مع يمينه؛ لأن الظاهر أنه ما يرضى بخروج ملكه من يده إلا بعوض.
وإن كان صاحب الطعام مضطرا إلى طعامه.. لم يجب عليه بذله لمضطر آخر إلا أن يكون المضطر الآخر نبيا.. فيجب على صاحب الطعام إيثاره على نفسه؛ لأنه يجب على الإنسان أن يقي نفس النبي ـ ﷺ ـ بنفسه.
[فرع: امتناع المضطر من الطعام إن خاف السم أو المرض]
فرع: [امتناع المضطر من الطعام إن خاف السم أو زيادة المرض] :
قال الشافعي في ذبائح بني إسرائيل: (وإذا اضطر ووجد من يطعمه ويسقيه.. فليس له الامتناع إلا في حالة واحدة، وهو أن يخاف إن أطعمه أو سقاه أن يسمه.. فله
стр. 2229
تركه وأكل الميتة، وإن كان مريضا ووجد مع غيره طعاما يضره ويزيد في مرضه.. كان له تركه وأكل الميتة) .
[فرع: وجود طعام الغير والميتة]
وإن وجد المضطر الميتة وطعام الغير، فإن كان رب الطعام حاضرا فبذله له أو باعه بثمن المثل إما حالا أو مؤجلا.. لم يجز له أكل الميتة؛ لأنه غير مضطر إليها. وإن لم يبذله له، أو بذله بأكثر من ثمن المثل.. نظرت: فإن كان يخاف التلف من مكابرة صاحب الطعام، بأن كان قويا لا يأمن أن يقتله.. عدل إلى الميتة. وإن كان لا يخاف التلف لكون صاحب الطعام ضعيف البنية، أو كان صاحب الطعام غائبا.. ففيه وجهان:
أحدهما: يعدل إلى الميتة، ولا يجوز أكل مال الغير ـ وبه قال أحمد ـ لأن إباحة الميتة منصوص عليها في القرآن، وأكل مال الغير بغير اختياره مجتهد فيه، فكان تقديم الميتة أولى.
والثاني: يأكل طعام الغير؛ لأنه طاهر، فكان تقديمه أولى.
وهل له أن يشبع من مال الغير؟ فيه طريقان، حكاهما في " العدة ":
[أحدهما] : من أصحابنا من قال: فيه قولان كالميتة.
و [الثاني] : منهم من قال: ليس له أن يشبع من مال الغير قولا واحدا؛ لأن المنع من أكل مال الغير لحق الآدمي، وحقوق الآدمي مبنية على الشح والتضييق.
[فرع: وجود الميتة ومال الغير والصيد للمحرم]
وإذا وجد المضطر ميتة وصيدا وهو محرم.. ففيه طريقان:
[أحدهما] : من أصحابنا من قال: إن قلنا: إنه إذا ذبح الصيد صار ميتة.. أكل
стр. 2230
الميتة وترك الصيد. لأنه يلزمه الجزاء. وإن قلنا: لا يصير ميتة.. أكل الصيد؛ لأنه طاهر.
و [الثاني] : منهم من قال: إذا قلنا: إنه يصير ميتة ... أكل الميتة. وإن قلنا: لا يكون ميتة.. ففيه قولان.
وإن وجد المحرم ميتة ولحم صيد، فإن كان ذبحه محل ... فهو ملك له، فيكون على الوجهين فيمن وجد الميتة وطعام الغير وإن كان ذبحه هو قبل إحرامه، فهو طعامه يأكله ويدع الميتة. وإن كان ذبحه هو بعد إحرامه أو ذبحه محرم غيره، فإن قلنا: إنه لا يصير ميتة
فالصيد أولى؛ لأنه طاهر. وإن قلنا: إنه يصير ميتة فوجهان:
[أحدهما] : قال القاضي أبو الطيب: هو بالخيار: بين أن يأكل الميتة، وبين أن يأكل من لحم الصيد؛ لأن كل واحد منهما ميتة.
و [الثاني] : قال الشيخ أبو حامد: أكل الميتة أولى؛ لأنه قد قيل: إن في أكل هذا اللحم الجزاء.
وإن وجد ملك الغير وصيدا وهو محرم.. فذكر الطبري في " العدة ": إن قلنا: إن الصيد يصير بالذبح ميتة.. تناول ملك الغير، وإن قلنا: لا يصير ميتة.... ففيه ثلاثة أقوال:
أحدها: يتناول مال الغير؛ لأن في قتل الصيد هتك حرمة.
والثاني: أن تناول الصيد أولى؛ لأن المنع منه لحق الله تعالى، وحقوق الله تعالى تقبل المسامحة.
والثالث: أنهما سواء.
وإن وجد الميتة والصيد وطعام الغير، فإن قلنا: يصير الصيد ميتة.. فمال الغير مع الميتة أولى من الصيد، وأيهما أولى؟ فيه وجهان مضى تعليلهما. وإن قلنا: لا يصير الصيد ميتة.. ففيه قولان:
أحدهما: الميتة أولى من الصيد ومال الغير.
стр. 2231
والثاني: هما أولى من الميتة، وأيهما أولى؟ فيه ثلاثة أقوال، وقد مضى ذكرها.
[فرع: أكل الآدمي أو عضو منه للمضطر]
وإن لم يجد المضطر إلا آدميا محقون الدم: من مسلم أو ذمي أو حربي له أمان.. لم يجز له أن يقتله ليأكله؛ لأنه مثله. فإن كان حربيا لا أمان له، أو مرتدا، أو من وجب قتله بالزنا.. جاز له قتله ليأكله. وإن وجد آدميا ميتا.. جاز له أكله.
قال ابن داود: أباح الشافعي أكل لحم الآدمي! فنعارضه: بأنك لم تجعل للنبي ـ ﷺ ـ إذا اضطر أن يأكل لحم ميت، بل تتركه حتى يموت؟
وقال أحمد: (لا يأكله) .
دليلنا: أن حرمة الحي آكد من حرمة من وجب قتله، أو من الميت، ولأنه لا خلاف: أن قوما لو كانوا في سفينة وخافوا الغرق ومعهم ميت.. جاز لهم طرحه في البحر؛ لتخف السفينة، فكذلك هاهنا.
فإن لم يجد المضطر شيئا يسد به رمقه.. فهل يجوز له أن يقطع عضوا من بدنه ليأكله؟ فيه وجهان:
[أحدهما] : قال أبو إسحاق: يجوز له ذلك؛ لأنه يجوز له حفظ نفسه بقطع بعضه، كما إذا وقعت به أكلة، فكذلك هاهنا مثله.
والثاني: ليس له ذلك؛ لأن الخوف عليه من ذلك أكثر.
стр. 2232
[فرع: شرب المحرم للضرورة]
وإن وجد خمرا وبولا وهو خائف على نفسه من العطش.. فإنه يشرب البول دون الخمر؛ لـ: «أن النبي ـ ﷺ ـ أمر العرنيين أن يشربوا أبوال الإبل» .
وإن لم يجد غير الخمر واحتاج إليها للعطش أو للتداوي.. ففيه أربعة أوجه:
أحدها: لا يجوز شربها بحال؛ لأنها مما يجب الحد بشربها، بخلاف الميتة.
والثاني: يجوز شربها؛ لأنه مضطر إلى شربها. فهو كالمكره.
والثالث: يجوز شربها للعطش؛ لأنها تروي في الحال، ولا يجوز شربها للتداوي؛ لقوله ـ ﷺ ـ: «إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم» .
والرابع: لا يجوز شربها للعطش؛ لأنه يزداد إلهابا، ويجوز التداوي بشرب اليسير منه.
[مسألة: الأكل من ثمر الغير للاضطرار]
وإن مر ببستان لغيره وهو غير مضطر إليه.. لم يجز له أن يأخذ منه شيئا بغير إذنه.
وقال أحمد: (إذا مر ببستان غير محوط وفيه ثمرة رطبة.. جاز له أن يأكل منها
стр. 2233
في إحدى الروايتين ـ لما روى أبو سعيد: أن النبي ـ ﷺ ـ قال: «إذا أتيت على حائط بستان.. فناد صاحبه ثلاثا، فإن أجابك وإلا.. فكل من غير أن تفسد» .
ودليلنا: قوله ـ ﷺ ـ: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه» فإن صح ما رواه أحمد.. حملناه على المضطر، بدليل ما رويناه.
[فرع: ضيافة المسلم]
] : وإن استضاف مسلم مسلما، فإن لم يكن به ضرورة.. لم يجب عليه ضيافته، وإنما يستحب.
وقال أحمد: (ضيافة المسلمين واجبة لبعضهم على بعض) ؛ لقوله ـ ﷺ ـ: «ليلة الضيافة واجبة على كل مسلم» .
стр. 2234
دليلنا: أنه غير مضطر إلى طعامه، فلم يجب عليه بذله، كما لو لم يأت إليه، والخبر محمول على الاستحباب، كقوله ـ ﷺ ـ: «غسل الجمعة واجب» .
[مسألة: كسب الحجام]
مسألة: [حل كسب الحجام] :
ولا يحرم كسب الحجام على الحر ولا على العبد.
وحكي عن بعض أصحاب الحديث: أنه قال: هو حلال للعبد، وحرام على الحر.
دليلنا: ما روى ابن عباس: «أن النبي ـ ﷺ ـ احتجم وأعطى الحجام أجره» .
قال ابن عباس: (ولو كان حراما.. ما أعطاه) .
إذا ثبت هذا: فإنه يكره للحر أن يكتسب بالحجامة.
قال الشاشي: واختلف أصحابنا في علة كراهته، فمنهم من قال: لأجل مباشرة النجاسة.
فعلى هذا: يكره كسب الكناس والزبال والقصاب. وفي الفصاد وجهان:
أحدهما: أنه من جملتهم.
والثاني ـ وهو قول أبي علي بن أبي هريرة ـ: أنه لا يكره لاقترانه بالطب.
وأما كسب الختان: فمكروه، كالحجام.
والثاني: أن كراهة الحجامة لدناءتها، وهو ظاهر مذهب الشافعي. فعلى هذا: يكره كسب الدباغ والقمام، وفي كسب الحمامي وجهان، وفي كراهة ذلك للعبد وجهان، الصحيح: لا يكره؛ لأنه دنيء. قال النبي ـ ﷺ ـ: «يسعى
стр. 2235
بذمتهم أدناهم» وأراد به العبد.
واختلفوا في أطيب المكاسب:
فمنهم من قال: الزراعة.
ومنهم من قال: الصناعة.
ومنهم من قال: التجارة، وقال الشاشي: وهو أظهرها، على مذهب الشافعي.
وبالله التوفيق.
стр. 2236
[باب الصيد والذبائح]
. الحيوان على ضربين: ضرب: لا تعتبر في إباحته الذكاة. وضرب: تعتبر في إباحته الذكاة.
فأما ما لا يعتبر فيه الذكاة: كالسمك والجراد. فأما السمك: فكل ما قلنا يحل من دواب البحر.. فيحل أكل كل ما مات منه، سواء مات بسبب أو بغير سبب، مثل: أن ضربه إنسان أو حبس عنه الماء حتى مات، أو مات بحر الماء أو ببرده، أو مات حتف أنفه. هذا قولنا، وبه قال مالك.
وقال أبو حنيفة: (إن مات بسبب: إما بضرب أو بحبس الماء عنه.. حل أكله ـ وإن مات ببرد الماء أو بحره.. فهل يحل؛ له فيه روايتان ـ وإن مات حتف أنفه.. لم يحل) . وهذه المسألة هي المشهورة بالسمك الطافي.
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ﴾ [المائدة: ٩٦] [المائدة:٩٦] .
قال ابن عباس ﵁: (صيده: ما صدناه بأيدينا، وطعامه: ما مات فيه) وهكذا قال عمر ﵁. وروى أبو هريرة: أن النبي ـ ﷺ ـ قال في البحر: «هو الطهور ماؤه، الحل ميتته» . وروى ابن عمر: أن النبي ـ ﷺ ـ قال: «أحلت لنا ميتتان ودمان، أما الميتتان: فالسمك والجراد، وأما الدمان: فالكبد والطحال» .
ولأن كل حيوان حل أكله إذا مات بسبب.. حل أكله إذا مات حتف أنفه، كالجراد.
стр. 2237
[مسألة: لا يضر صيد المجوسي وغيره للسمك]
قال الشافعي: (وسواء أخذ السمك مجوسي أو وثني) ؛ لأنه لا ذكاة له، فيحل الجميع؛ لما روي عن الحسن البصري: أنه قال: (رأيت سبعين رجلا من الصحابة، كلهم يأكلون صيد المجوسي من الحيتان لا يتلجلج في صدورهم شيء من ذلك) .
ولأنه لا تعتبر فيه الذكاة، فلا تعتبر فيه صفة من يأخذه.
[فرع: أكل ما قطع من السمكة وهي حية]
فرع: [ما قطع من السمكة وهي حية] :
فإن أخذ بيده سمكة فانقطع في يده منها قطعة، وانفلت الباقي منها حيا ... فهل تحل له تلك القطعة؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يحل؛ لقوله ـ ﷺ ـ: «ما أبين من حي.. فهو ميت» .
والثاني: تحل، وهو المنصوص؛ لأن أكثر ما فيه: أن تلك القطعة ميتة، ولو مات جميع السمكة.. كانت حلالا. فإن قيل: لو رمى صيدا فأبان بعضه وامتنع الباقي.. لم تحل تلك القطعة؟ فالجواب: أن الصيد غير الحوت، إذ لو مات حتف أنفه.. لم يحل أكله، فلذلك لا يحل ما أبين منه، بخلاف السمكة.
[فرع: وجود سمكة ببطن أخرى وحكم القلي والروث والدم]
] : وإن أخذ سمكة فوجد في جوفها سمكة أخرى ميتة.. قال في " الأم " ٢/١٩٨] : (حل أكلهما معا؛ لأن أكثر ما فيها: أن يكون قتلها غير الآدمي، وهي لو ماتت حتف أنفها.. حل أكلها، فبأن تحل إذا كان موتها بسبب أولى) .
стр. 2238
وإن ابتلع رجل السمك الصغار حيا قبل أن يموت.. فوجهان:
[أحدهما] : قال ابن القاص: يحل؛ لأن قتله بغير الذكاة جائز، وفي ابتلاعه قتله.
و [الثاني] : قال الشيخ أبو حامد: لا يحل؛ لأنه يعذبه بذلك، وقد: «نهى النبي ـ ﷺ ـ عن تعذيب الحيوان» ، قال: وهكذا لا يحل أن يقلي السمك قبل موته، أن يأخذه وهو يضطرب فيطرحه في الزيت المغلي؛ لأنه تعذيب.
قال الشيخ أبو حامد: وأما السمك الهازي: وهو السمك الصغار، الذي يقلى ببغداد ولا يخرج ما في جوفه من الرجيع.. فلا يحل أكله ورجيعه فيه؛ لأن رجيعه نجس، فلا يحل أكله.
فعند الشيخ أبي حامد: روث السمك نجس وجها واحدا، وفي دمه وجهان.
وأما صاحب " الإبانة ": فقال: في روث السمك وجهان، كدمه، أصحهما: أنه ليس بنجس.
فعلى هذا: يحل أكله قبل أن يخرج.
[مسألة: حل ميت الجراد]
وأما الجراد: فيحل من غير ذكاة سواء مات بسبب منه أو بغير سبب منه، وبه قال أبو حنيفة.
стр. 2239
وقال مالك والأوزاعي: (لا يحل إلا إذا مات بسبب منه) وهي إحدى الروايتين عن أحمد، واعتبر مالك في ذكاتها: قطف رأسها.
دليلنا: قوله ـ ﷺ ـ: «أحلت لنا ميتتان: السمك والجراد» ولم يفرق. ولأن كل حيوان حل أكله إذا مات بسبب منه، حل أكله وإن كان بغير سبب منه، كالسمك.
[مسألة: ذكاة غير السمك والجراد]
ومن هم أهل الذكاة] . وأما غير السمك والجراد من الحيوان، كالأنعام والخيل والصيد.. فلا يحل إلا بذكاة، فإن مات شيء منه حتف أنفه.. لم يحل، وكذلك الطيور التي تعيش تارة في البر، وتارة في البحر، وهي: البط والإوز فلا تحل إلا بذكاة، سواء ماتت في البحر أو في البر: لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] [المائدة: ٣] وهذه ميتة.
إذا ثبت هذا: فقال الشافعي في " الأم " [٢/٢٠٦] : (وأحب أن يكون من يلي الذبح رجلا مسلما بالغا فقيها؛ لأنه أعرف بمحل الذكاة، وبما يذكي به، وبكيفية الذكاة) فإن ذبح مرتد أو وثني أو مجوسي.. لم يحل أكل ما ذبح؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] [المائدة: ٥] وأراد به الذبائح، وهؤلاء ليسوا من أهل الكتاب.
وإن ذبح يهودي أو نصراني من العجم.. حل أكل ذبيحته؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] وأراد به الذبائح. ولأن لهم حرمة بفضل كتابهم وشرفه، فحلت ذبائحهم.
ولا تحل ذبيحة نصارى العرب، وهم: تنوخ، وبهراء، وبنو وائل. وهو قول عمر وعلي.
وقال أبو حنيفة: (يحل لنا أكل ذبائحهم) .
دليلنا: أنهم دخلوا في النصرانية بعد التبديل، ولم يعلم: هل دخلوا في دين من بدل، أو في دين من لم يبدل؟ فلما أشكل أمرهم.. حرمت ذبائحهم، كالمجوس.
стр. 2240
[فرع: ذبيحة المرأة والصبي والأعمى وغيرهم]
فرع: [حل ذبيحة المرأة والصبي والأعمى وغيرهم] :
قال الشافعي [" الأم " ٢/٢٠٥] : (وذبح [كل] من أطاق الذبح من امرأة حائض أو صبي من المسلمين أحب إلي من ذبح اليهودي والنصراني) .
وهذا كما قال: الأولى أن يكون الذابح رجلا بالغا: لأنه أقوى على الذبح، فإن ذبحت امرأة.. جاز؛ لما روى علقمة، عن عبد الله: «أن النبي ـ ﷺ ـ أكل ذبيحة امرأة» .
وروى نافع، عن ابن عمر: «أن جارية من آل كعب كانت ترعى غنما لهم، فرأت شاة موتى، فأخذت حجرا فكسرته، وذبحتها به، فذكر ذلك لرسول الله ـ ﷺ ـ، فقال تؤكل» . ومن هذا الخبر خمس فوائد:
стр. 2241
إحداهن: أن ذكاة النساء جائزة.
الثانية: لا فرق بين أن تكون حائضا أو طاهرا، حاملا أو حائلا؛ لأن النبي ـ ﷺ ـ لم يستفصل. .
الثالثة: جواز الذبح بالمروة.
الرابعة: أن من ذبح شاة غيره بغير إذنه.. وقعت الذكاة موقعها.
الخامسة: أن الشاة إذا خيف موتها وفيها حياة مستقرة، فذكيت.. حلت.
ويحل أكل ما ذكاه الصبي سواء كان مراهقا أو غير مراهق؛ لما روي عن جابر وابن عباس: أنهما قالا: (تؤكل ذبيحة الصبي) ، ولا مخالف لهما.
وأما المجنون والسكران: فتكره ذكاتهما؛ لأنهما ربما أخطآ موضع الذكاة، فإن ذكيا.. حل أكل ذبيحتيهما؛ لأن القصد غير معتبر في الذكاة، كما لو قطع شيئا يظنه خشبة فكان حلق شاة، هذا هو المشهور.
وقال القاضي أبو حامد: في ذبيحة الصبي والمجنون قولان، أظهرهما: أنها تحل. قال: وكذلك السكران إذا أسقطنا حكم طلاقه.
إذا تقرر هذا: فإن المرأة أولى بالذكاة بعد الرجال البالغين من الصبي؛ لأنها مكلفة، ثم الصبي أولى من اليهودي والنصراني لأنه مسلم، ثم اليهودي والنصراني
стр. 2242
أولى من السكران والمجنون؛ لأنه يخاف منهما قتل الحيوان.
وتكره ذكاة الأعمى؛ لأنه لا يؤمن أن يخطئ المذبح، فإن ذبح.. جاز؛ لأنه لم يفقد غير النظر، وذلك لا يوجب التحريم.
وتحل ذكاة الأخرس؛ لأنه لم يفقد أكثر من نطقه، وذلك لا يوجب التحريم.
[مسألة: ما يستحب في المدية وحكم غيرها]
] . المستحب: أن يذبح بسكين حاد لقوله ـ ﷺ ـ: «إذا ذبحتم.. فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته» .
إذا ثبت هذا: فيجوز الذبح بكل محدد يتأتى الذبح به: من حديد أو صفر أو خشب أو ليطة. وهي: قشر القصب ـ أو مروة، وهي: الحجارة الحادة.
ولا يجوز الذبح بالسن والظفر سواء كانا متصلين أو منفصلين.
وقال أبو حنيفة: (لا تجوز الذكاة بهما، لكنه إن خالف وذكى بهما، فإن كانا متصلين.. لم تحصل بهما الذكاة، وإن كانا منفصلين.. حل أكله) .
دليلنا: ما روى رافع بن خديج: أن النبي ـ ﷺ ـ قال: «ما أنهر الدم، وذكر اسم الله عليه.. فكلوه، إلا ما كان من سن أو ظفر، وسأخبركم عن ذلك: أما السن فعظم، وأما الظفر: فمدى الحبشة» . ولأنه ذبح بعظم فوجب أن لا يبيح كما لو كان متصلا.
стр. 2243
[مسألة: ما ينحر ويذبح وموضع الذبح وما يقطع منه]
] : السنة عندنا: أن تنحر الإبل، وأن تذبح البقر والغنم، هذا نقل البغداديين.
وقال المسعودي [في " الإبانة "] : يتخير في البقر: بين النحر والذبح والأول أشهر؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢] [الكوثر: ٢] .
وقال تعالى في قصة موسى وبني إسرائيل: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧] [البقرة: ٦٧] .
قال مجاهد: أمرنا بالنحر، وأمر بنو إسرائيل بالذبح؛ لأن النبي ـ ﷺ ـ بعث في قوم مواشيهم الإبل، فسن لهم النحر.. وكانت مواشي بني إسرائيل البقر، فسن لهم الذبح.
إذا ثبت هذا: فأراد أن ينحر الإبل.. فالسنة أن ينحرها معقولة وهي قائمة؛ لما روي: «أن ابن عمر رأى رجلا أضجع بدنة، فقال: قياما سنة أبي القاسم ـ ﷺ ـ» ثم
стр. 2244
يأخذ حربة أو سكينا فيغرزها في ثغرة النحر، وهي: الوهدة التي تكون في أعلى الصدر، وأصل العنق.
وإذا أراد أن يذبح البقر والغنم.. فالسنة أن يضجعها لـ: «أن النبي ـ ﷺ ـ أضجع الكبشين اللذين ضحى بهما، ووضع رجله على صفاحهما» .
وإذا ثبت هذا ـ في الغنم ـ: فالبقرة مثلها: لأنها لما كانت السنة فيها الذبح كالغنم.. كان السنة فيها الإضجاع كالغنم، فإن خالف ونحر البقر والغنم.. أجزأه بلا خلاف؛ لما روى جابر: أنه قال: «أحصرنا مع رسول الله ـ ﷺ ـ بالحديبية، فنحرنا البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة» .
وإن ذبح الإبل.. جاز، وحل أكلها.
وقال مالك: (لا يحل أكلها) .
دليلنا: أن كل ما كان ذكاة للبقر والغنم.. كان ذكاة للإبل، كالنحر.
وأما موضع الذبح: فهو أسفل مجامع اللحيين وهو آخر العنق، والكمال فيه: أن يقطع أربعة أشياء: الحلقوم، والمريء، والودجين.
فـ (الحلقوم) : مجرى النفس والتنفس من الرئة، و (المريء) : تحت الحلقوم وهو مجرى الطعام والشراب، و (الودجان) ـ قال الشيخ أبو حامد ـ: هما عرقان محيطان بالحلقوم، قال: وكنا نذكر قبل هذا: أنهما محيطان بالمريء، ورأيت أكثر الناس يقولون: هما محيطان بالحلقوم، وأيهما كان.. فقطعهما شرط في الكمال.
وأما الإجزاء: فاختلف الناس فيه على أربعة مذاهب.
فمذهبنا: أن الإجزاء يحصل بقطع الحلقوم والمريء لا غير.
وقال مالك: (قطع الأربعة شرط في الإجزاء) .
وقال أبو حنيفة: (قطع أكثر الأربعة شرط في الإجزاء) ، فمن أصحابه من قال: مذهبه: أن قطع الأكثر من كل واحد من الأربعة شرط في الإجزاء وهو الظاهر، وقال أبو يوسف: قطع أكثر الأربعة عددا شرط في الإجزاء.
стр. 2245
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] [المائدة: ٣] .
و (الذكاة) ـ في اللغة ـ: هي الشق والفتح، فإذا قطع الحلقوم والمريء.. فقد شق وفتح. ولأن الودجين قد يسيلان من الحيوان وتبقى الحياة فيه، فلم يكن قطعهما شرطا في الإجزاء كاليد والرجل، بخلاف الحلقوم والمريء. ولأن القصد من الذكاة إخراج الروح من غير تعذيب، وهذا يحصل بقطع الحلقوم والمريء فأجزأه، كقطع الأربعة.
ويكره أن يبادر إلى تقطيع الذبيحة أو سلخها قبل خروج روحها وسكونها، لما روي عن عمر ﵁: أنه قال: (لا تعجلوا الأنفس حتى تزهق، فإن الجاهلية كانت تضرب الذبيحة عقيب الذبح بالعصا حتى تخرج روحها) ، و: (نهى عمر عن النخع) . فمعنى قوله: (الأنفس) يعني: الروح، ومعنى: (حتى تزهق) : أي قبل أن يتسارع خروج روحها، يقال: زهقت نفسه إذا خرجت، وزهق فلان بين يدي القوم: إذا أسرع مبادرا. ولأن في ذلك تعذيب الحيوان، فإن خالف وفعل.. حل أكلها؛ لأن الذكاة قد حصلت. وأما نهيه عن النخع: فقال الشافعي: (هو كسر العنق بعد الذبح) . وقال أبو عبيدة: (النخع والفرس) : واحد، وهو أن يبالغ في الذبح إلى أن يبلغ بالذبح بعد قطع الحلقوم والمريء والودجين إلى النخاع، وهو العرق الأبيض في جوف فقر الظهر، وهو: من عجب الذنب إلى الدماغ.
قال أبو عبيد: أما (النخع) : فكما قال أبو عبيدة، وأما (الفرس) : فهو الكسر
следующие страницы →