Полный текст (7 092 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.
стр. 2311
[فرع مضي مدة الخيار]
وإذا شرطا خيار الثلاث، فمضت الثلاث، ولم يفسخا، ولم يجيزا.. تم العقد، ولزم.
وقال مالك: (لا يلزم بمضي مدة الخيار) .
دليلنا: أن شرط الخيار ثلاثا يمنع من لزوم حكم العقد، فإذا انقضت.. ثبت موجب العقد، كالأجل إذا انقضى.. ثبت الدين، ولأن ترك الفسخ رضاء بالعقد، فلزمه.
[مسألة موت صاحب الخيار]
وإذا اشترطا الخيار في البيع، فمات من له الخيار في أثناء الخيار.. انتقل الخيار إلى وارثه، وبه قال مالك.
وقال الثوري، وأبو حنيفة، وأحمد رحمة الله عليهم: (يبطل خياره بموته) .
دليلنا: أنه خيار ثابت في معاوضة محضة، فقام الوارث فيه مقام المورث، كالرد بالعيب.
فقولنا: (ثابت) لأنه ليس لأحد أن يدفعه عنه، وفيه احتراز من خيار القبول في البيع، فإن البائع إذا قال: بعتك.. فإن الخيار في القبول قد ثبت للمشتري، ولكن للبائع أن يدفعه قبل القبول، ويقول: قد أبطلت الإيجاب.
وقولنا: (في معاوضة محضة) احتراز من المكاتب، فإنه لو مات لم يقم غيره مقامه في خيار الفسخ.
إذا ثبت هذا: فإن علم الوارث بالبيع، وبموت مورثه عند موته.. فله الخيار فيما
стр. 2312
بقي من مدة الخيار، وإن لم يعلم بهما، أو بأحدهما حتى مضت مدة الخيار.. ففيه وجهان:
أحدهما: يثبت له الخيار في قدر ما بقي من مدة الخيار من حين علم؛ لأنه لما انتقل الخيار إلى غير من شرط له بالموت.. وجب أن ينتقل إلى غير الزمان الذي شرط فيه.
والثاني: يثبت له الخيار على الفور؛ لأن المدة التي شرط فيها الخيار قد فاتت، فسقطت، وبقي الخيار، فكان على الفور، كالرد بالعيب.
[فرع موت أحد المتعاقدين في المجلس]
] : وإن مات المتبايعان، أو أحدهما في مجلس البيع قبل التفرق أو التخاير.. فنص الشافعي ﵀ في أكثر كتبه: (أن الخيار لا يبطل، وينتقل إلى الوارث) .
وقال في (كتاب المكاتب) : (إذا باع المكاتب شيئا، أو اشترى شيئا، ثم مات في مجلس البيع قبل التفرق أو التخاير.. وجب البيع) .
وظاهر هذا: أن الخيار يبطل بموته، واختلف أصحابنا فيهما على ثلاث طرق:
فـ[الطريق الأول] : منهم من قال: لا يبطل الخيار في الحر، ولا في المكاتب، قولا واحدا. وقوله في (المكاتب) : (وجب البيع) أراد: أنه لا يبطل البيع، كما تبطل الكتابة، وقصد به الرد على قوم قالوا: يبطل البيع.
و [الثاني] : منهم من قال: بل أراد: أنه يبطل الخيار في بيع المكاتب، ولا يبطل في حق غيره على ظاهر النصين. والفرق بينهما: أن السيد ليس بوارث للمكاتب،
стр. 2313
وإنما يعود المكاتب رقيقا، فيستحق السيد بحق الملك، فلا ينوب منابه في الخيار بخلاف الحر.
و [الثالث] : منهم من نقل جوابه في كل واحدة منهما إلى الأخرى، وخرجهما على قولين:
أحدهما: يبطل؛ لأنه إذا بطل بالتفرق.. فلأن يبطل بالموت أولى.
والثاني: لا يبطل، وهو الصحيح؛ لأن خيار المجلس آكد من خيار الشرط؛ لأنه يثبت بمقتضى العقد، وخيار الشرط لا يثبت إلا بالشرط، فإذا لم يبطل خيار الشرط بالموت.. فلأن لا يبطل خيار المجلس أولى.
فعلى هذا: إذا كان الوارث حاضرا في مجلس البيع.. ثبت له الخيار إلى أن يتفرقا عن مجلسهما، أو يتخايرا، وإن كان غائبا عن مجلس البيع، وبلغه موت مورثه والبيع.. ففيه وجهان:
أحدهما - وهو المشهور -: أن له الخيار إلى يفارق مجلسه الذي هو فيه، فإن فارقه قبل أن يفسخ، أو قام الثاني من المتبايعين من مجلسه.. لزم العقد.
والثاني - حكاه ابن الصباغ -: أن الخيار للوارث إذا نظر إلى السلعة ليعرف الحظ في الفسخ، أو الإجازة.
وإن ورث خيار المجلس جماعة، وكانوا في مجلس واحد، أو مجالس.. نظرت:
فإن فارقوا جميعا مجلسهم، أو مجالسهم.. لزم العقد في حقهم.
وإن فارقوا مجلسهم، أو مجالسهم إلا واحدا.. لم يلزم العقد؛ لأنه لم يحصل تمام الافتراق؛ لأنهم ينوبون جميعا مناب الميت، فإن اختار واحد الإجازة، واختار الباقون الفسخ.. ففيه وجهان، حكاهما ابن الصباغ:
стр. 2314
أحدهما: يقدم الفسخ، كالمتعاقدين إذا اختار أحدهما الفسخ، والآخر الإجازة.
والثاني: لا ينفسخ بقول بعضهم، كما لا يلزم بتفرق بعضهم.
وإن اختار بعضهم فسخ نصيبه فيه.. لم يكن له ذلك، كما لو فسخ المورث البيع في بعض المبيع.
[مسألة وقت انتقال الملك في الخيار]
وفي الوقت الذي ينتقل الملك فيه إلى المشتري في البيع الذي فيه خيار المجلس، أو خيار الشرط، ثلاثة أقوال، سواء كان الخيار لهما أو لأحدهما:
أحدها: أنه لا ينتقل إلا بشرطين: العقد، وانقطاع الخيار؛ لقوله ﵊: «كل متبايعين فلا بيع بينهما ما لم يتفرقا» . ومعلوم أنه لم يرد به: أنه لا عقد بينهما؛ لأن العقد قد وجد، فعلم أنه أراد: لا حكم للبيع بينهما ما لم يتفرقا، فثبت أن المشتري لم يملك، ولأن البائع لما ملك أن يفسخ مع سلامة الثمن ... دل على أن المشتري لم يملك أصله بأصل القبول.
فقولنا: (مع سلامة الثمن) احتراز من البائع إذا وجد بالثمن عيبا.
والقول الثاني: أن الملك موقوف مراعى فإن مضت المدة، ولم يفسخا.. تبينا أن المشتري ملك بنفس العقد، وإن فسخا.. تبينا أنه لم يملك، وأن الملك كان للبائع؛ لأنه لا يجوز أن يقال: إن المشتري قد ملك بالعقد؛ لأن للبائع أن يفسخ البيع ويزيله، ولا يجوز أن يقال: إن الملك لم يزل عن البائع؛ لأن سبب زوال الملك هو العقد، وقد وجد، فلم يبق إلا أن نقول إنه موقوف مراعى.
قال الشيخ أبو حامد: وهذا أضعف الأقوال.
стр. 2315
والقولُ الثالث: أن المِلك ينتقل إلى المشتري بنفس العقد؛ لقوله ﵊: «من باع عبدًا وله مالٌ.. فمالُه للبائع، إلا أن يشترطه المبتاع» .
فظاهر هذا: أنه إذا اشترطه المبتاع.. كان له بالشرط والعقد، فمن قال: إنه لا يملكه بالعقد الشرط.. فقد خالف ظاهر الخبر، ولأنه معاوضة توجب التمليك، فملك بنفس العقد كالمهر في النكاح، وفيه احترازٌ من الكتابة.
قال الشيخ أبو حامد: وهذا أصح الأقوال.
وأما صاحبُ " الإبانة " [ق\٢٣٦] فقال: الصحيحُ: إن كان الخيار لهما.. فالملك موقوف، وإن كان لأحدهما.. فالملك لمن له الخيار.
وقال أبو حنيفة: (إن كان الخيار لهما، أو للبائع.. لم يملك المشتري إلا بانقضاء الخيار، فإذا مضى الخيار زال ملك البائع، وملك المشتري بالعقد السابق، وإن كان الخيار للمشتري وحده.. فالمِلك قد زال عن البائع، ولم ينتقل إلى المشتري حتى تمضي مُدة الخيار، فإذا مضت.. ملك المشتري بالعقد السابق) . وتوجيه الأقوال دليل عليه.
إذا ثبت هذا: فإن كان المبيع جارية، فأعتقها البائع قبل انقضاء الخيار.. فقد ذكرنا: أنه يكون اختيارًا منه للفسخ، وينفذ عتقه على الأقوال كلها؛ لأنها إن كانت باقية على ملكه.. فقد أعتق ملكه، وإن قلنا: إنها في ملك المشتري، إلا أن البائع يملك الفسخ، فجعل العتق فسخًا.. فينفذ، وإن أعتقها المشتري بغير إذن البائع، فإنه يكون اختيارًا منه للإمضاء، وهل ينفذ عتقه؟ ينظر في البائع:
стр. 2316
فإن اختار إجازة البيع بعد عتق المشتري، فإن قلنا: إن المشتري يملك بنفس العقد، أو الملك موقوف.. نفذ عتقه؛ لأنه صادف ملكه. وإن قلنا: إنه لا يملك إلا بشرطين.. لم ينفذ عتقه؛ لأنه أعتق قبل أن يملك.
وإن اختار البائع الفسخ بعد عتق المشتري، فإن قلنا: إن المشتري لا يملك إلاَّ بشرطين، أو قلنا: الملك موقوفٌ.. لم ينفذ عتقه؛ لأنه لم يصادف ملكه. وإن قلنا: إنه يملك بنفس العقد.. فالمنصوص وهو قول الأكثرين من أصحابنا: (أنه لا ينفذ عتقه) ؛ لأنه أعتق ما لم يتم ملكه عليه؛ لأنّ للبائع الفسخ، ولأن عتق المشتري إجازةٌ، وفسخ البائع فسخ، وإن وجد من أحدهما الفسخ، ومن الآخر الإجازة.. قدم الفسخ وإن كان متأخرًا.
وحكى الشيخ أبو حامد: أن أبا العباس بن سريج قال: ينفذ عتقه، ولم يفصل بين الموسر والمعسر. واختاره الشيخ أبو حامد؛ لأن عتقه صادف ملكه، كما لو أجاز البائع البيع.
وأما القاضي أبو الطيب: فقال: إنما ينفذ العتق عند أبي العباس إذا كان المشتري موسرًا، وإن كان معسرًا.. لم ينفذ، ولم يذكر في " المهذب " و" الشامل " عن أبي العباس غير هذا.
فإن قلنا بالمنصوص.. أخذ البائع عبده، وإن قلنا بقول أبي العباس.. ففيما يرجع به البائع وجهان:
أحدهما: أنه يرجع بقيمة العبد؛ لأن البيع قد انفسخ في العبد، وتعذّر الرجوع إلى عين العبد، فرجع إلى قيمته، كما لو تلف.
والثاني: يرجع إلى الثمن، فيكون العتق هاهنا مقرِّرًا للبيع، ومبطلا للفسخ، والأول أظهر.
وإن أعتق المشتري العبد بإذن البائع.. نفذ عتقه، وبطل خيارُهما؛ لأنهما قد رضيا بإمضاء البيع.
стр. 2317
[فرعٌ: شراء من يعتق عليه]
] : إذا اشترى من يعتق عليه، كوالده، أو ولده.. فهل يعتق عليه قبل انقضاء الخيار؟
قال ابن الصباغ: يجري ذلك مجرى المشتري إذا اشترى جارية فأعتقها قبل انقضاء الخيار، على التفصيل الذي ذكرناه.
[فرعٌ: العتق في الخيار]
إذا اشترى عبدًا بأمة، واشترطا الخيار للمشتري وحده، فإن أعتق المشتري الجارية في حال الخيار.. نفذ عتقه، وكان فسخا للبيع، وإن أعتق العبد.. نفذ عتقه، وكان اختيارًا لإمضاء البيع، وإن أعتقهما معًا في حالة واحدة.. لم يعتقا جميعًا.
قال القاضي أبو الطيب: وهذه من النوادر في أنه يملك عتق كل واحدٍ منهما على الانفراد، وإذا أعتقهما معًا.. عتق أحدُهُما بعينه.
وقال أبو حنيفة: (يعتقان) . وهذا ليس بصحيح؛ لأنه لا يملك إعتاق أحدهما بعد الآخر، فلم يملك الجمع بينهما، كعبده وعبد غيره.
فإذا ثبت هذا: فأيُّهما يعتق عليه؟ فيه وجهان:
أحدُهما ـ وهو قول ابن الحدَّاد، واختيار أكثر أصحابنا ـ أنه يعتق العبد الذي اشتراهُ؛ لأن عِتقه للعبد إمضاءٌ، وعتقه للأمة فسخ.
وإذا اجتمع في حق من له الخيار ما يوجب الفسخ والإتمام.. كان الإتمام أولى؛ لأن الإتمام حق عليه لصاحبه، ولأن عتق الأمة يترتب على فسخ البيع، وعتق العبد
стр. 2318
لا يترتب على واسطة، فإذا كان كذلك.. كان العتق يسبق إلى العبد بلا واسطة قبل الأمة، فعتق، ولم تعتق الأمة.
والوجه الثاني ـ ولم يذكر ابن الصبّاغ غيره ـ: أنَّه يعتق عليه ما باع؛ لأن عتقه لما باع فسخ، ولما اشترى إجازة، وإذا اجتمع الفسخ والإجازة.. قدم الفسخ.
[فرعٌ: التصرُّف يلغي الخيار]
] : وإن باع البائع المبيع، أو وهبه في مدّة الخيار.. كان ذلك اختيارًا لفسخ البيع الأول، وصحّ بيعه الثاني.
وإن باع المشتري، أو وهبه، فإن كان بغير رضا البائع، والخيار لهما، فإن فسخ البائع البيع.. انفسخ البيع الأول، ولم يصح البيع الثاني؛ لأن له حق الفسخ. وإن أجاز البائع البيع، فإن قلنا: إن المشتري لا يملك إلاّ بشرطين.. لم يصح بيعه. وإن قلنا: إنه يملك بنفس العقد أو الملك موقوف.. فهل يصحُّ بيعُهُ؟ فيه وجهان:
أحدُهما: يصح بيعه؛ لأنه صادف ملكه.
والثاني: لا يصحُّ؛ لأنه باع عينا تعلق بها حق غيره، بغير إذنه.. فلم يصح، كالراهن إذا باع الرهن.
وإن باعه المشتري، أو وهبه بإذن البائع.. ففيه وجهان:
أحدهما: لا يصح بيعه؛ لأنه ابتدأ به قبل أن يتم ملكه عليه.
والثاني: يصح بيعه؛ لأن المنع من التصرف لحق البائع، وقد رضي.
قال ابن الصبّاغ: وعلى الوجهين جميعًا قد لزم البيع الأول، وسقط الخيار فيه.
وإن كان الخيار للمشتري وحده، فباع، أو وهبَ.. قال المسعودي [في " الإبانة " [ق\٢٣٦] : فيه ثلاثةُ أوجه:
стр. 2319
أحدها ـ وهو الأصح ـ: أنه يبطل الخيار في الأول، ويصح في الثاني.
والثاني: لا يبطل الخيار في الأول، ولا يصح البيع الثاني.
والثالث: يبطل الخيار في الأول، ولا يصح في الثاني.
[مسألةٌ: وطء الجارية زمن الخيار]
] : وإن كان المبيع جارية، وبينهما الخيار، فأراد أن يطأها البائع في حال الخيار.. لم يمنع من وطئها؛ لأنه يملكها في أحد الأقوال، وعلى القول الذي يقول: لا يملكُها إلا أنه يملك الفسخ، فإذا وطئها.. كان ذلك اختيارًا للفسخ. وإن أراد المشتري وطأها.. لم يجز له ذلك؛ لأنها على ملك البائع في بعض الأقوال، وفي بعضها على ملك المشتري، إلاَّ أنه ملك غير تامّ؛ لأن للبائع أن يزيل ملكه، والوطء لا يجوز إلاَّ في ملك تامّ.
قال الصيمري: فإن اشترى زوجته، وأراد وطأها قبل انقضاء الخيار.. قال الشافعي ﵀: (لم يحل له ذلك؛ لأنه لا يدري أيطأ بالملك، أم بالزوجية؟) .
وحكى الشاشي في " حلية العلماء " وجهًا آخر: أنه يحل له. وليس بشيء.
فإن قال لها بعد الشراء، وقبل انقضاء الخيار: أنت طالق، فإن أمضيا العقد، فإن قلنا: إنه يملك بالعقد، أو الملك موقوف.. لم يقع طلاقه. وإن قلنا: إنه لا يملك إلا بشرطين.. وقع طلاقه.
وإن فسخا البيع، فإن قلنا: إنه لا يملك إلا بشرطين، أو الملك موقوفٌ.. وقع طلاقه. وإن قلنا: إنه يملك بنفس العقد.. فهل يقع طلاقه؟ فيه وجهان، حكاهما الصيمري.
стр. 2320
[فرعٌ: وطء الجارية المشتراة]
] : إذا كان المبيع جارية، فوطئها المشتري في حال الخيار، وأحبلها.. تعلق بذلك سبعة أحكام: أربعة غير مبنية على الأقوال، وثلاثة مبنية عليها.
فأمَّا الأربعة: فلا يجب على المشترى حدّ؛ لأنه يملكها في بعض الأقوال، وله شُبهة ملك في بعضها، ويكون الولد ثابت النسب منه، لأن الحد إذا لم يجب.. ثبت النسب، ويكون الولد حرًّا؛ لأن الجارية إمّا ملكه أو له فيها شبهة ملك، وهل ينقطع خيارُه بذلك؟ فيه وجهان، مضى ذكرهما.
وأمَّا المهر، وقيمة الولد، وكون الجارية أم ولدٍ.. فمبنيَّةٌ على الأقوال، ثم ينظر فيه:
فإن أمضى البائع البيع، فإن قلنا: إن المشتري يملك بنفس العقد، أو قلنا: إنّ الملك موقوفٌ.. لم يجب على المشتري المهر، ولا يلزمه قيمة الولد، وتصير الجارية أم ولد، قولاً واحدًا؛ لأن وطأه صادف ملكه. وإن قلنا: إنّ المشتري لا يملك إلا بشرطين.. فقال الشيخ أبو حامد، والبغداديون من أصحابنا: وجب عليه المهر؛ لأنّه وطئها وهي في ملك غيره.
وحكى في " المهذب "، عن أبي إسحاق المروزي: أنه لا يجب عليه المهر على هذا القول.
وقال المسعودي [في " الإبانة " [ق\٢٣٧] : في وجوب المهر على هذا القول وجهان، بناءً على أن الاعتبار في الحال أو المآل، وهل يجب عليه قيمة الولد؟ فيه وجهان بناءً على القولين في الحمل، هل له حكمٌ؟ فإن قلنا: للحمل حكمٌ.. وجبت قمتُه؛ لأنّ العلوق كان في ملك البائع، وإن قلنا: لا حكم له.. لم يجب؛ لأن الوضع في ملك المشتري، ولا تصير الجارية أم ولدٍ له في الحال، وهل تصير أم ولدٍ إذا ملكها؟ فيه قولان، بناءً على القولين فيمن استولد جاريةَ غيره بشبهة.
стр. 2321
وإن فسخ البائع البيع، فإن قلنا: إن الملك ينتقل إلى المشتري بشرطين، أو قلنا: إنه موقوف.. وجب عليه المهر؛ لأنّ وطأه صادف ملك البائع، ولا تصير الجارية أم ولدٍ له في الحال، وهل تصير أم ولدٍ له إذا وطئها؟ فيه قولان. وإن قلنا: إن الملك ينتقل إلى المشتري بنفس العقد.. فهل يجب عليه المهر؟ فيه وجهان:
أصحهما: أنه لا يجبُ؛ لأن الوطء صادف ملكه.
والثاني: يجب؛ لأنها وإن كانت ملكه إلا أن حق البائع متعلق بها، ولا تصير الجارية أم ولد له على المنصوص، فإن ملكها.. صارت أم ولد له، قولاً واحدًا، وعلى قول أبي العباس: تصيرُ أم ولدٍ له في الحال، وهل يجب عليه قيمتها، أو الثمن المسمى؟ فيه وجهان، كما قلنا في العتق.
[مسألة: نماء الجارية والبهيمة في الخيار]
] : فإن اشترى جارية، أو بهيمة حاملاً، فولدت في مدة الخيار.. فلمن يكون الولد؟ يبنى ذلك على أصلين.
أحدُهُما: الأقوال في انتقال الملك، وقد مضى توجيهها.
والثاني: الحمل هل له حكمٌ، أو يأخذ قسطًا من الثمن؟ وفي ذلك قولان:
أحدهما: لا حكم له، ولا يأخذ قسطا من الثمن؛ لأنه جزء متصلٌ بها، فلم يأخذ قسطًا من الثمن، كسائر الأعضاء، ولأنه لو قال لجاريته الحامل: يدك حرّة.. لعتقت، وعتق حملها، فدلّ على: أنَّ الحمل كسائر أعضائها.
والثاني: له حكمٌ، ويأخذ قسطًا من الثمن، وهو الصحيح؛ لأن ما أخذ قسطًا من الثمن بعد الانفصال.. أخذ قسطًا من الثمن قبل الانفصال، كاللبن، ولأنه لو قال لجاريته الحامل: حملك حر.. لعتق الحمل، ولم تعتق الجارية، ولو كان كعضو منها.. لعتقت الجارية، كما إذا أعتق عضوًا منها.
стр. 2322
فإذا قلنا بهذا: فالحمل مع الأم كالعينين المبيعتين، فإن أمضيا البيع.. كانا للمشتري، وإن فسخا البيع.. كانا للبائع.
وإن قلنا: لا حكم للحمل، قال الشيخ أبو حامد: فالحكم فيه وفي الكسب واحدٌ، فينظر فيه:
فإن أجاز البيع، فإن قلنا: إنّ المشتري يملك بنفس العقد، أو قلنا: إن الملك موقوفٌ.. فالولد والكسب للمشتري؛ لأنّه حدث في ملكه. وإن قلنا: إنه لا يملك إلاَّ بشرطين.. ففيه وجهان: حكاهما ابن الصبّاغ في " الشامل ":
أحدهما ـ وهو قول أكثر أصحابنا، ولم يذكر في " التعليق " غيره ـ: أن الولد والكسب للبائع؛ لأنهما حدثا في ملكه.
والثاني ـ وهو قول أبي علي الطبري ـ: أنهما للمشتري تبعًا للأم. وليس بشيء.
وإن فسخا البيع، فإن قلنا: إن المشتري لا يملك إلاَّ بشرطين، أو قلنا: الملك موقوفٌ.. فالولد والكسبُ للبائع؛ لأنهما حدثا في ملكه. وإن قلنا: ينتقل الملك بنفس العقد.. ففيه وجهان:
أحدهما ـ وهو قول أبي إسحاق ـ: أنهما للبائع؛ لأنَّ عتق المشتري لا ينفذ على هذا.
والثاني ـ وهو الصحيح ـ: أنهما للمشتري؛ لأنهما نماء ملكه، ويخالف العتق، فإن العتق لا ينفذ إلاَّ في ملك تامّ، ألا ترى أن المكاتب لا ينفذ عتقه، ويتبعه ولده وإن ضعُف ملكه.
[مسألة: تلف المشترى في مدة الخيار]
] : وإن اشترى عينًا بشرط الخيار، فقبضها، ثم تلفت في مدة الخيار.. فحكى القاضي أبو الطيب: أن الشافعي نص في بعض كتبه: (أن البيع ينفسخ، ويجب على المشتري القيمة) . وقال في (الصداق) : (يلزمه الثمن) . قال القاضي أبو
стр. 2323
الطيّب: ويحتمل أنّه أراد بالثمن: القيمة، ويحتمل أنّه أراد: إذا كان الخيار للمشتري وحده، وقلنا: يملك بنفس العقد.
وذكر الشيخ أبو حامد: أن الخيار لا يسقط، فإن فسخا البيع أو أحدهما.. وجب على المشتري القيمة؛ لأن العين تلفت في يده، وإن أمضيا البيع، أو سكتا حتى انقضى زمان الخيار، فإن قلنا: إنَّ المشتري ملك بالعقد، أو قلنا: الملك موقوفٌ.. فقد تلف المبيع على ملك المشتري، فيستقرُّ عليه الثمن. وإن قلنا: إنّه لا يملك إلاَّ بشرطين.. ففيه وجهان:
أحدُهُما ـ وهو قول أكثر أصحابنا ـ: أنّه يجب على المشتري القيمة؛ لأنه تلف في يده، وهو ملك للبائع، فهو كالمقبوض بالسَّوْم إذا تلف في يده.
والثاني ـ حكاهُ ابن الصَّباغ عن الشيخ أبي حامد ـ: أنّه يجب عليه الثمن؛ لأنه مسمى ثبت بالعقد، فلم يسقط مع بقاء العقد، ولأن القبض إذا وقع.. استقرَّ به البيع، فلم ينفسخ بهلاك المبيع.
فال ابن الصبَّاغ: والأول أصحُّ؛ لأن المبيع إذا تلف في ملك البائع.. لا يجوز أن ينتقل إلى المشتري. وقوله: إنّ العقد يستقرُّ بالقبض، فغيرُ صحيح؛ لأنه لا يستقرّ مع بقاء الخيار.
وبالله التوفيق
стр. 2324
[باب ما يجوز بيعه وما لا يجوز بيعه]
لا يجوز بيع الكلب، سواءٌ كان معلما أو غير معلم، ولا يجب على متلفه قيمته، وبه قال الحسن، وربيعة، وحمّاد، وأحمد رحمة الله عليهم.
وقال أبو حنيفة ﵀: (يجوز بيعه، ويجب على متلفه قيمته) .
وقال مالكٌ ﵀: (لا يحل بيعه وأخذ ثمنه؛ لأجل النهي، ويجب على متلفه قيمته) .
دليلنا: ما روى أبو مسعود البدري: «أن النبي ﷺ نهى عن ثمن الكلب، ومهر البغي، وحُلوان الكاهن» .
وروى ابن عباس: أن النبي ﷺ قال: «ثمن الخمر ومهر البغي حرام، وثمن الكلب حرام، فإن جاء صاحب الكلب يلتمس ثمنه.. فاملأ كفّيه تُرابًا» .
стр. 2325
وتجوز الوصية به؛ لأن ذلك نقل اليد، واليد تثبت عليه، وهل تصح هبته؟ فيه وجهان:
[أحدهما] : قال ابن القاص: تصح هبته.
و [الثاني] : قال القاضي أبو الطيب: لا تصح هبته؛ لأن الهبة تمليك، والكلب غير مملوك. قال: ولعل أبا العباس أراد بالهبة: أنّها تصح على الوجه الذي تصحّ الوصية به؛ لأنه إذا نقلته إلى يد غيره على وجه التبرع.. صح، كما يصح ذلك في الوصية، ولم يكن له الرجوع في ذلك، وهذا معنى الهبة.
ولا يجوز بيع الخنزير؛ لما رُوي: «أن النبي ﷺ نهى عن بيع الخنزير» .
[مسألةٌ: بيع الخمر]
ولا يجوز بيع الخمر. وقال أبو حنيفة: (يجوز للمسلم أن يؤكل ذِميًّا في بيعها وشرائها) .
دليلنا: ما روت عائشة ﵂: «أن النبي ﷺ حرّم التجارة في الخمر» .
وروى ابن عبّاس: «أن النبي ﷺ أتاه جبريل، فقال: يا محمد، إنّ الله تعالى لعن الخمر، وعاصرها، ومعتصرها، وحاملها، والمحمولة إليه، وشاربها، وبائعها، ومبتاعها، وساقيها، ومسقيها» .
стр. 2326
وروى جابرُ بن عبد الله: «أن النبي ﷺ قال عام الفتح بمكة: "إن الله ورسوله حرّم بيع الخمر، والميتة، والخنزير، والأصنام"، فقيل يا رسول الله: أرأيت شُحوم الميتة فإنه يطلى بها السُّفن، ويدهن بها الجلود، ويستصبح بها؟ فقال: "لا، هو حرام"، ثم قال ﷺ عند ذلك: "قاتل الله اليهود، حرِّمت عليهم الشحوم، فجملوها، وباعوها، وأكلوا ثمنها". إن الله إذا حرّم أكل شيء على قوم.. حرّم عليهم ثمنه»
إذا ثبت هذا: فإن اقتناء الخمر لا يجوز؛ لما روى أنسٌ: «أن النبي ﷺ سئل عن الخمر يصنع خلا، فكرهه، وقال: أهرقها» ، ولأن اقتناء ما لا منفعة فيه سفهٌ، فلم يجز.
стр. 2327
[فرعٌ: بيع السرجين]
ولا يجوز بيع السرجين. وقال أبو حنيفة: (يجوز) .
دليلنا: أنّه نجس العين، فلم يجز بيعه، كلحم الميتة.
قال الشيخ أبو إسحاق: ويكره اقتناؤه، وتربية الزرع به؛ لما فيه من مباشرة النجاسة.
ولا يجوز بيع العذرة والبول، ولا اقتناؤهما؛ لأنهما نجسا العين، ولا منفعة فيهما، فلم يجز بيعهما، ولا اقتناؤهما، كالخمر.
[فرعٌ: اقتناء الكلب]
] : ويجوز اقتناء الكلب للصيد وحفظ الماشية والزرع؛ لما روى أبو هريرة ﵁: أن النبي ﵊ قال: «من اقتنى كلبًا إلا كلب صيد، أو ماشية أو زرع.. نقص من أجره كل يوم قيراطان» . وهل يجوز اقتناؤه لحفظ الدروب والدكاكين؟ فيه وجهان:
стр. 2328
أحدهما: يجوزُ؛ لأنّ الشافعي ﵀ قال: (لا يجوز اقتناؤه إلا لصاحب حرث، أو صيد، أو ماشية، أو ما كان في معناها) ، ولأنّه اقتناه لحفظ مالٍ، فأشبه الماشية والزرع.
والثاني: لا يجوز؛ لأنّ النبي ﵊ خصّ الأشياء الثلاثة، فدلّ على: أنّه لا يجوز اقتناؤه لأجل غيرها. وروي: أن النبي ﷺ قال: «لا تدخل الملائكة بيتًا فيه كلبٌ أو صورةٌ» ، ولأنه إذا اقتناه لحفظ البيوت، ربما تتم عليه حيلةٌ، فيكون ذلك سبب تلف ماله، بخلاف الصيد والماشية والزرع، فإنّه لا يتم للمتّخذ له حيلةٌ عليه.
وإن اقتناه رجل ليس له زرع ولا ماشية، أو كان غير صائد، لكن إن حصل له زرع أو ماشية حفظهما [به] ، أو ليصطاد به إن أراد ذلك.. ففيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز؛ لأنه ليس بصاحب شيء من ذلك.
والثاني: يجوز؛ لأنه اقتناه لذلك، ألا ترى أنّه إذا حصد الزرع.. جاز اقتناؤه لزرع مستقبل، فأما إذا اقتنى كلب صيد، ولا يريد أن يصطاد به.. فذكر الشيخ أبو حامد في " التعليق " فيه وجهين:
أحدهما: يجوز؛ لأن النبي ﷺ قال: «إلا كلب صيد» . وهذا كلبُ صيد.
стр. 2329
والثاني: لا يجوز؛ لأنه اقتناه لغير حاجةٍ ماسّة، فأشبه إذا كان غير ذلك من الكلاب، ومعنى الخبر في قوله: «إلاَّ كلب صيد» ، أي: كلبٌ يصطادٌ به، وأمّا تربية الجرو للصيد، أو الماشية، أو الزرع.. فهل يجوز؟ فيه وجهان:
أحدُهما: لا يجوز؛ لأنه ليس بكلب صيد، ولا ماشية، ولا زرع.
والثاني: يجوز؛ لأنه يكون لذلك، ولأن تعليمه لذلك. إنما يكون في حال الصغر، فلو قلنا: لا يجوز اقتناؤه لذلك.. لم يمكن اقتناؤه لذلك أصلاً.
[مسألة: بيع الحاجات النَّجسة]
] : ويجوز بيع الثوب النجس، والخشبة النجسة، وما أشبه ذلك؛ لأن البيع يتناول العين، والنجاسة فيها من جهة المجاورة، فلا يمنع من بيعها.
وأمّا المائع: إذا وقعت فيه نجاسة.. فينظر فيه:
فإن كان مائعًا لا يمكن تطهيره، كالخلِّ والدِّبس واللَّبن.. فلا يجوزُ بيعه؛ لأنّها عينٌ نجسةٌ لا يمكن تطهيرها، فلا يجوز بيعها، كالخمر.
وإن كان ماء نجسًا.. فإنّه يمكن تطهيره، وهل يجوز بيعه؟ فيه وجهان:
أحدُهما: لا يجوز بيعُهُ؛ لأنّه نجسٌ حكمًا، فهو كنجس العين.
والثاني: يجوزُ بيعُهُ؛ لأنَّه يمكن تطهيره، فجاز بيعه، كالثوب النجس.
وإن كان دُهنًا.. فهل يطهر بالغسل؟ فيه وجهان:
[أحدُهما] : قال أبو علي في " الإفصاح ": نص الشافعي على: (أنه لا يجوز بيعه) . ولو أمكن تطهيره.. لجاز بيعه؛ ولأنه لا يمكن عصره.
والثاني: يمكن غسله؛ لأنه يمكن مكاثرة الماء عليه، ثم استخراجه من الماء. فإذا قلنا بهذا: فهل يجوز بيعه؟ فيه وجهان، كالماء النجس.
стр. 2330
وإذا قلنا: أنه لا يطهر بالغسل.. لم يجز بيعه، وجهًا واحدًا، ولا يجوزُ أكله، ولا الانتفاع به بالبدن، وهل يجوز الانتفاع به بالاستصباح، ودهن السفينة، وما أشبه ذلك؟ فيه وجهان، حكاهُما في " العُدَّة ":
أحدُهما: لا يجوز الانتفاع به، كما لا يجوز الانتفاع بجلد الميتة قبل الدّباغ.
والثاني: يجوز، وهو المشهور، ولم يذكر الشيخ أبو حامد غيره، كما يجوز الانتفاع بالكلب للصيد، والماشية، والزرع.
فعلى هذا: ففي الدُّخان الذي يعلو من ذلك عند الاستصباح وجهان، مضى ذكرهُما في (إزالة النجاسات) .
[مسألة: الأعيان التي لا منفعة لها]
قد مضى الكلام على الأعيان النجسة، وأمّا الأعيان الطاهرة: فضربان: ضربٌ لا منفعة فيه، وضربٌ فيه منفعةٌ.
فأمّا ما لا منفعة فيه: فلا يجوز بيعه، وذلك كالأسد، والذئب، والنمر، والرخم، والحدأة، والنسر، وما لا يجوز أكله من الغراب، وكذلك الفأرة، والحية، والعقرب؛ لأنه لا منفعة فيه، فبذل المال فيه من أكله بالباطل، فإن قيل: فعندكم إنَّ جلود السباع والذئاب تطهر بالدباغ، فهلاَّ جوَّزتم بيعها لذلك؟
قلنا: تلك منفعة غير مقصودة، ألا ترى أنّ الجلد قبل أن يدبغ لا يجوز بيعه؟ فكذلك الحيوان. وهل يجوز بيع دارٍ لا طريق لها، أو بيع بيت من دار لا طريق له؟ فيه وجهان:
أحدُهما: لا يجوز؛ لأنّه غير منتفع به.
والثاني: يجوز؛ لأنه يمكن أن يحصل له طريقًا.
وأما ما فيه منفعة: فعلى ضربين: آدمي، وغير آدمي:
стр. 2331
فأمّا الآدمي: فلا يجوز بيع الحرّ منهُ؛ لما روى أبو هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «قال ربكم: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة، ومن كنت خصمه قصمته: رجلٌ أعطى بي عهدًا ثم غدر، ورجلٌ باع حُرًّا فأكل ثمنه، ورجلٌ استأجر أجيرًا فاستوفى منه ولم يوفّه أجره» ، ولأنه غير مملوك فلم يجز بيعه.
[فرعٌ: بيع أم الولد]
] : ولا يجوز بيع أمّ الولد، وبه قال عمر ﵁، وعامّة أهل العلم.
وقال داود، والشيعة: (يجوز بيعها) .
وروي ذلك عن علي وابن عباس وابن الزبير ﵃ وأرضاهم.
стр. 2332
وحكى الطبري في " العُدّة ": أنّ ذلك قولٌ آخر للشافعي ﵀. وليس بمشهورٍ عنه.
والدليل على أنه لا يجوز بيعها: ما روى ابن عمر ﵄ وأرضاهما: «أن النبي ﷺ نهى عن بيع أمهات الأولاد» . فإن حكم حاكمٌ بصحة بيعها.. فهل يجوز نقضه؟ فيه قولان، حكاهما أبو علي السِّنجي في " شرح التلخيص " بناءً على أنّ أهل العصر الثاني إذا أجمعوا على أحد القولين بعد انقراض العصر الأول على الخلاف.. هل تصير المسألة إجماعًا؟ فيه قولان، أصحُّهما: لا تصير إجماعًا.
فعلى هذا: ينفذ حكمُهُ ولا يُنقَضُ.
والثاني: أنّ المسألة تصيرُ إجماعًا.
فعلى هذا: ينقض حكمه.
[فرعٌ: جواز بيع المدبر]
ويجوز بيع المدبَّر، وروي ذلك عن عائشة أم المؤمنين وعمر بن عبد العزيز.
стр. 2333
وقال مالك: (لا يجوز بيعه) .
وقال أبو حنيفة: (إن كان التدبير مقيدًا، بأن يقول: إن متُّ من مرضي هذا فأنت حرّ.. جاز بيعه، وإن كان مطلقًا، بأن يقول: إذا متُّ فأنت حرٌّ.. فإنّه لا يجوزُ بيعه) .
دليلُنا: ما روى جابرٌ ﵁: «أن رجلاً يقال له: أبو مذكور كان له عبدٌ يقال له: يعقوب، فأعتقه عن دبر منه، فبلغ ذلك النبي ﷺ ، فباعه لدين كان عليه، فاشتراه نُعيم بن [عبد الله بن] النحّام) . قال جابرٌ ﵁: وهو عبد قبطي مات في أول إمارة ابن الزبير»
ويجوز بيع العبد المعلّق عتقه بصفة؛ لأنه ثبت له العتق بقول السيِّد وحَده، فجاز بيعُهُ، كالمدبَّر، وفيه احترازٌ من المكاتب إذا قلنا: لا يجوز بيعه.
[فرعٌ: بيع المكاتب]
وهل يجوز بيع رقبة المكاتب؟ فيه قولان:
[الأول] : قال في القديم: (يصح البيع) .
فعلى هذا: لا تبطل الكتابة، ولكن إن أدّى المال إلى المشتري.. عتق، وكان الولاء له، وإن عجز ورُقَّ.. كان مملوكًا له، وبه قال عطاءٌ، والنخعي، وأحمد،
стр. 2334
لما روي: «أنّ بريرة كاتبها أهلها على سبع أواق من الذهب، تؤديها إليهم في سبع سنين، فجاءت إلى عائشة أم المؤمنين ﵂ تستعينُها، وشكت إليها، وأظهرت العجز، فقالت لها عائشة: إن باعوك.. عددت لهم الثمن عدًّا، فمضت إلى أهلها، فأخبرتهم بذلك، فقالوا: نبيعك على أنّ الولاء لنا، فأخبرت عائشة بذلك النبي ﷺ ، فقال: "اشتري، واشترطي لهم الولاء، فإنما الولاء لمن أعتق"، فاشترتها منهم» ولأن عتق المكاتب غير مستقر، فجاز بيعه، كالمدبر.
و [الثاني] : قال في الجديد: (لا يصح بيعه) . وبه قال مالكٌ، وأبو حنيفة وهو الصحيح؛ لأن الكتابة عقدٌ يمنع السيد من استحقاق كسب المكاتب، وأرش الجناية عليه، فمنع صحة بيعه، كما لو باعه من زيد، ثم باعه من عمرو، وفيه احترازٌ من المدبر، فإنّه يستحق كسبه، وأرش الجناية عليه.
وأمّا الخبر: فقد قيل: إن بريرة ﵂ عجَّزَت نفسها، وكان بيعُهم لها فسخًا لكتابتها، كما أن البائع إذا باع المبيع في مدة الخيار.. كان فسخًا للأوّل، وصحّ الثاني.
ولا يجوز بيع الموقوف، سواءٌ قلنا: إنّه ينتقل الملك فيه إلى الموقوف عليه، أو إلى الله تعالى؛ لأنّه يبطل بذلك حقُّ البطن الثاني.
стр. 2335
[مسألةٌ: جواز بيع ما ينتفع به]
وأمَّا غير الآدمي: مما له منفعة من المأكول والمشروب والملبوس والمشموم.. فيجوز بيعه، وكذلك يجوز بيع ما ينتفع به من الوحوش، مثل: الفهد والظِّباء والغزلان، وما ينتفع به من الطيور للصيد، كالصقور والبزاة والعقبان.
قال ابن الصبّاغ: ويجوز بيع ما ينتفع بصوته من الطيور، وبيع القرد؛ لأنه ينتفع به، ولأنه يعلم أشياء فيتعلَّمها، وينتفع بها، ولأنه طاهر منتفع به، فجاز بيعه، كالعبيد والجواري والخيل.
[فرعٌ: بيع السنور]
ويجوز بيع السنور، وروي ذلك عن ابن عبّاس ﵁.
وروي عن أبي هريرة ﵁، وطاوس، ومجاهد، وجابر بن زيد رحمة الله عليهم: (أنهم كرهوا بيعه) .
دليلنا: أنّه حيوان طاهر منتفع به، فجاز بيعه، كالشاة.
[فرعٌ: لبن الآدمي]
ويجوز بيع لبن الآدميات.
وقال مالك، وأبو حنيفة: (لا يجوز) .
دليلنا: أنّه طاهر منتفع به، فجاز بيعه، كلبن الشاة.
стр. 2336
[فرعٌ: جواز بيع رباع مكة]
ويجوز بيع رباع مكة، وهبتها، ورهنها، وإجارتها، إلاَّ ما كان موقوفًا منها.
وقال مالك، وأبو حنيفة: (لا يجوز) .
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ [الحشر: ٨] [الحشر: ٨] فأضافها إليهم، وحقيقة الإضافة تقضي الملك.
ولما روي: «أن النبي ﷺ لما نزل مكة.. قيل له: ألا تنزل في رباعك؟ فقال النبي ﷺ : "وهل ترك لنا عقيل من رباع! ". وفي بعض الروايات: وهل ترك لنا عقيل من ميراث؟!»
وأراد: أن أبا طالب مات كافرًا، وكان عقيل وطالب ابنا أبي طالب كافرين، فورثا رباعه، وباعها عقيل، وكان علي وجعفر ﵄ وأرضاهما مسلمين، فلم يرثا منه شيئا، فأضاف الرِّباع إلى عقيل، وحقيقة الإضافة تقتضي الملك، ولو كان بيع رباع مكة لا يصح.. لأبطله النبي ﷺ ، ولأنه إجماع الصحابة ومن بعدهم، فإنهم من لدن رسول الله ﷺ إلى يومنا هذا يتبايعونها، ويؤاجرونها، ولا ينكر عليه منكرٌ، و: (اشترى أمير المؤمنين عمر ﵁ وأرضاه دارًا بمكة من صفوان بن أمية
стр. 2337
بأربعة آلاف درهم، وجعلها سجنًا) ، و: (اشترى معاوية ﵁ من حكيم بن حزام دارين بمكة، إحداهما بستين ألف درهم، والأخرى بأربعين ألف درهم) ، ولأنها أرضٌ حيّة، لم ترد عليها صدقة مؤبدةٌ.. فجاز بيعها كسائر البلاد.
فقولنا: (حية) احتراز من الموات.
وقولنا: (لم ترد عليها صدقة مؤبدة) احترازٌ من الوقف.
[فرعٌ: جواز بيع المصحف وكتب الحديث]
ويجوز بيع المصاحف، وكتب الحديث؛ لما روي: أنه سئل ابن عباس عن بيع المصاحف، فقال: (لا بأس، يأخذون أجور أيديهم) ، ولأنه طاهر منتفع به، فهو كسائر الأموال.
قال الصيمري: قيل: إن الثمن يتوجّه إلى الدفتين؛ لأن كلاما لله تعالى لا يباع.
стр. 2338
وقيل: ذلك بدلٌ من أجرة النسخ. قال: ويكره بيع المصحف. وقيل: يكره البيع، ولا يكره الشراء.
ولا بأس ببيع كتب الطِّب والشعر والنحو.
وبيع كتب الشرك باطل، وإحراقها لازم، ويجوز بيع دود القز، وجهًا واحدًا؛ لأنه طاهر منتفع به، وفي بيع بيضه وبيض ما لا يؤكل لحمه، كالصقر والبازي وجهان، بناءً على الوجهين في طهارة مَنِي ما لا يؤكل لحمه. فإن قلنا: إنه طاهرٌ جاز بيعه، وإن قلنا: إنه نجس.. لم يجز بيعه.
والله أعلم بالصواب.
стр. 2339
[باب من نهي عنه من بيع الغرر وغيره]
ولا يجوز بيع المعدوم، بأن يقول: بعتك ثمرة نخلي التي ستخرج عامًا، أو أعوامًا؛ لما روي: «أن النبي ﷺ نهى عن بيع المعاومة» ، وأراد به: بيع ثمرة النخل أعوامًا، وروي: «أنه ﷺ نهى عن بيع السنين» ، وروي: (أن «النبي ﷺ نهى عن بيع الغرر» .
وقال الشيخ أبو حامد: و (الغرر) : هو ما تردَّد بين السلامة والعطب، وليس أحدهما بأولى من الآخر، أو كان الغالب العطب. وفي بيع الثمرة التي لم تخلق غرر؛ لأنه لا يدري إن خرجت.. أتسلم، أم تعطب؟
стр. 2340
[مسألة: بيع الفضولي]
إذا باع مال غيره بغير إذنه، ولا ولاية له عليه، أو اشترى لغيره بغير وكالة، ولا ولاية.. لم يصح، ولم يوقف ذلك على إجازة المالك، ولا على إجازة من اشتري له أو بيع عليه.
وقال أبو حنيفة: (إذا باع مال غيره بغير إذنه.. وقف على إجازة المالك، فإن أجازه.. نفذ، وإن ردّه.. بطل. وأما الشراء: فلا يوقف) .
وقال مالك رحمة الله عليه: (يوقف البيع والشراء على إجازة المالك، والمشترى له) .
وحكى صاحب " الإبانة " [ق\٢٢٦] : أن ذلك قول الشافعي في القديم. وليس بمشهور.
دليلنا: ما روى حكيم بن حزام: أن النبي ﷺ قال: «لا تبع ما ليس عندك» .
والنهي يقتضي فساد المنهي عنه، فإن قيل: فدليل الخطاب من الخبر: أنه يجوز بيع ما عنده وإن كان ملكًا لغيره.. قلنا: دليل الخطاب إنما يكون حجة إذا لم يؤد إلى إسقاط النطق، وهذا يؤدي إليه؛ لأن الناس في هذه المسألة قائلان:
قائلٌ يقول: إن بيع الموقوف لا يجوز، سواءٌ كان المبيع في يد البائع، أو في يد غيره.
стр. 2341
وقائل يقول: يجوز، سواء كان غائبا عنه أو في يده.
فمتى قلنا: يجوز بيع مال غيره إذا كان في يده، ويوقف على إجازة مالكه.. اقتضى أن يجوز بيعه وإن كان في يد مالكه؛ لأن أحدًا لم يفرق بينهما، ومتى قلنا بهذا.. سقط النطق، فأسقطنا دليل الخطاب.
وروى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه: أن النبي ﷺ قال: «لا طلاق، ولا عتق، ولا بيع قبل الملك» .
ولأنه عقد لغيره عقدًا بغير توكيل ولا ولاية، فلم يصح، كالشراء عند أبي حنيفة، أو نقول: لأنه عقد على ما لا يقدر على تسليمه، فلم يصح، كما لو باعه طائرًا في الهواء.
[مسألة: البيع قبل القبض]
إذا ملك عينًا بعقد معاوضة، فإن كانت ثمنًا، أو مثمنًا في بيع، أو أجرة في إجارة، أو مهرًا في نكاح، أو عوضًا في خلع، فإن كان طعامًا.. لم يجز له بيعه قبل قبضه بلا خلاف؛ لما روى ابن عمر ﵄ وأرضاهما: أن النبي ﷺ قال: «من ابتاع طعامًا.. فلا يبعه حتى يستوفيه» .
وإن كان غير الطعام.. فاختلف الناس فيه على أربعة مذاهب:
стр. 2342
فمذهبنا: أن غير الطعام كالطعام، فلا يجوز بيعه قبل قبضه، فإن باعه.. لم يصحّ، وبه قال ابن عباس ﵄، ومحمد بن الحسن.
وقال مالك: (يجوز بيع ما عدا الطعام قبل القبض) .
وقال سعيد بن المسيب، والحسن، وأحمد: (ما كان مكيلا، أو موزونًا، أو معدودًا.. فلا يجوز بيعه قبل القبض، وما عدا ذلك.. يجوز بيعه قبل القبض) ، وهو قول عثمان بن عفان ﵁ وأرضاه.
وقال أبو حنيفة، وأبو يوسف: (ما لا ينقل، ولا يحول، كالدور والعقار والأرضين والأشجار.. يجوز بيعها قبل القبض، وما ينقل ويحول، كالسلع والدراهم والدنانير.. لا يجوز بيعها قبل القبض) .
دليلنا: ما «روى حكيم بن حزام قال: قلت: يا رسول الله، إني أبيع بيوعا كثيرة، فما يحل لي منها، وما يحرم؟ فقال: إذا بعت بيعا.. فلا تبعه حتى تستوفيه» وهذا عامٌّ في جميع المبيعات.
وروي: «أن النبي ﷺ لما بعث عتّاب بن أسيد إلى مكة أميرًا.. قال له: انههم عن بيع ما لم يقبضوا، أو ربح ما لم يضمنوا» .
стр. 2343
وروي «عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: ابتعت زيتًا في السوق، فلما استوجبت.. رآني رجلٌ، فأعطاني ربحًا حسنًا، فأردت أن أضرب على يده، فأخذ رجل من خلفي بذراعي، فالتفتُّ، فإذا زيد بن ثابت ﵁، فقال: لا تبعه حتى تحوزه إلى رحلك، فإن النبي ﷺ نهى أن تباع السلع حيث تباع، حتى يحوزها التجار إلى رحالهم» وهذا عامٌّ في الطعام وغيره.
ولأنه مبيع لم يقبضه المبتاع فلم يجز بيعه، كالطعام.
[فرعٌ: جواز التصرف قبل القبض]
] : وأما إنكاح الأمة المبيعة قبل القبض.. فيصح؛ لأن النكاح لا يقتضي الضمان، وهل يصح إجازة البيع قبل قبضه؟ فيه وجهان، حكاهما ابن الصباغ.
ولا يصح كتابة العبد المبيع قبل القبض؛ لأن الكتابة تفتقر إلى تخليته للتصرف، وهل يصح عتقه قبل القبض؟ فيه وجهان:
[الأول] : قال ابن خيران: لا يصح؛ لأنه إزالة ملك، فلم يصح في المبيع قبل القبض، كالبيع.
стр. 2344
و [الثاني]ـ المذهب ـ: أنه يصح؛ لأن للعتق قوة وسراية، بدليل: أنه إذا أعتق شقصًا له في عبدٍ وهو موسر.. عتق الجميع، ولو باع شقصًا له في عبد.. لم ينفذ بيعه في ملك غيره، ولا فيما لم يبع من ملكه فيه.
[فرعٌ: قبض ثمن المبيع عند تسلمه]
] : إذا اشترى عينًا بثمن غير مؤجل.. لم يجز للمشتري قبض العين قبل تسليم الثمن؛ لأن العين محبوسة مع البائع إلى أن يستوفي الثمن، فإن خالف المشتري وقبضها بغير إذن البائع.. قال الشيخ أبو حامد: دخلت في ضمان المشتري، ولا يجوز له التصرف فيها؛ لأنه قبض فاسد، وإن اشتراها بثمن مؤجل، أو حال، فسلم الثمن.. فله أن يقبضها بغير إذن البائع، فإذا قبضها.. صح تصرفه بها؛ لأنه لا حق لبائعها فيها.
[فرعٌ: البيع مقايضة]
] : لأبي العباس: إذا باع عبدًا بعبد، وقبض أحدهما ما اشترى، ثم باعه قبل أن يقبض صاحبه ما باعه منه.. صح تصرفه في الذي اشتراه؛ لأنه قد قبضه، فإن تلف عبده الذي باعه من صاحبه قبل قبضه.. بطل البيع الأول؛ لتلف المبيع قبل القبض، ولا يبطل الثاني؛ لتعلق حق المشتري الثاني به، ولكن يلزم بائعه قيمته للذي اشتراه منه أولا؛ لأنه تعذر تسليمه إليه، فوجبت قيمته عليه.
فإن اشترى من رجل شقصا من دار بعبد، وقبض المشتري الشقص، فأخذه الشفيع بالشفعة، ثم تلف العبد في يد المشتري قبل أن يقبضه بائع الشقص.. انفسخ البيع في العبد، ولم تنفسخ الشفعة، ولا يؤخذ الشقص من يد الشفيع، فيجب على المشتري قيمة الشقص للبائع، ويجب على الشفيع للمشتري قيمة العبد.
стр. 2345
[فرعٌ: التصرف بالعين في عقد لا عوض فيه]
] : إذا ملك عينًا بعقد لا عوض فيه.. نظرت:
فإن كان هبة.. فإنه لا يملكها قبل القبض، فلا يصح بيعه لها، ويأتي حكمها إن شاء الله.
وإن كانت بوصية.. ملك بيعها قبل القبض؛ لأنه لا يخشى انفساخها.
وهكذا: لو ورث شيئًا.. جاز بيعه قبل قبضه؛ لأنه لا يخشى انفساخ ملكه.
وإن باع عينًا، وقبضها المشتري، ثم تقايلا في البيع، وأراد البائع بيعها من آخر قبل قبضها.. فالبغداديون من أصحابنا قالوا: يصح البيع؛ لأنه ملكها بغير عوض.
وأما المسعودي: فقال: [في " الإبانة " [ق\٢٢٩] هل يصح بيعها قبل القبض؟ فيه قولان:
إن قلنا: إن الإقالة فسخ عقد.. جاز بيعها. وإن قلنا: إن الإقالة بيع.. لم يصح بيعها قبل قبضها.
[فرعٌ: الدين في الذمة]
وأما الدين في الذمة: فعلى ثلاثة أضرب:
[الأول] : دين مستقر لا يخاف انتقاصه، كأرش الجناية، وبدل المتلف، وبدل القرض، فهذا يجوز بيعه ممن عليه، وهل يجوز بيعه من غيره؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز؛ لأنه ربما جحده.
والثاني: يجوز، وهو الأصح، كما يجوز بيعه ممن عليه، ولأن ما جاز بيعه ممن عليه.. جاز بيعه من غيره؛ لأن الظاهر: أنه يقدر على تسليمه من غير جحود.
стр. 2346
والضرب الثاني: دين غير مستقر، وهو المسلم فيه، فلا يجوز بيعه ممن عليه، ولا من غيره؛ لما روي: أن النبي ﷺ قال: «من أسلم في شيء.. فلا يصرفه إلى غيره» ، ولأنه غير مستقر؛ لأن العقد قد ينفسخ بعدم المسلم فيه في أحد القولين، وبالفسخ في الآخر، فلم يجز بيعه قبل القبض، كالعين المبيعة قبل القبض.
والضرب الثالث: هو الثمن، أو الأجرة، أو الصداق، أو عوض الخلع في الذمة، فهل يصح بيعه قبل القبض؟ في قولان:
أحدهما: لا يجوز؛ لأنه مملوك بعقد معاوضة، فلم يجز بيعه قبل قبضه، كالمثمن.
والثاني: يجوز، وهو الصحيح؛ لما روي «عن ابن عمر ﵄: أنه قال: كنت آتي البقيع، فأبيع الإبل بالدنانير، وآخذ عنها الدراهم، أو بالدراهم، فآخذ عنها الدنانير، فأتيت النبي ﷺ ، فأخبرته بذلك، فقال: "لا بأس، إذا تفرّقتما وليس بينكما شيء»
стр. 2347
ولأن الثمن في الذمة مستقر؛ لأنه لا يخشى انتقاص البيع بهلاكه، فجاز التصرف فيه، كالمبيع بعد القبض.
إذا ثبت هذا: فاختلف أصحابنا في الثمن والمثمن:
فقال بعضهم: (الثمن) : هو الدراهم أو الدنانير، و (المثمن) : ما قابله، فإن لم يكن في البيع دراهم ولا دنانير.. فالثمن ما دخلت فيه الباء، والمثمن ما قابله.
ومنهم من قال: الثمن ما دخله الباء بكل حال، والمثمن ما قابله. والأول أصح.
[فرعٌ: بيع نجوم الكتابة]
] : وهل يجوز بيع نجوم المكاتب قبل قبضها؟
المنصوص عليه للشافعي ﵀ في " المختصر ": (أنه لا يصح) .
وقال أبو إسحاق: أومأ الشافعي في القديم إلى: (أنه يصح بيعها) .
قال أصحابنا: لم يذكر الشافعي ﵀ في القديم إلا جواز بيع رقبته، وليس إذا جاز بيع رقبته.. جاز بيع نجومه؛ لأن الرقبة ملك للسيد، وإنما سقط حق السيد بأداء المال، وهاهنا يملك العبد إسقاط حقه من المال.
ووجه ما قال أبو إسحاق على القديم: أن السيد يملك المال في ذمة المكاتب، فجاز بيعه، كسائر أمواله.
стр. 2348
[فرعٌ: كيفية القبض]
] : قد ذكرنا: أنه لا يصح بيع المبيع قبل القبض.
وإذا ثبت هذا: فإن القبض ـ فيما ينقل ـ النقل، فإن كان المبيع عبدًا.. فقبضه: أن يستدعيه فيجيء، وإن كان بهيمة.. فقبضها: أن يسوقها، فإن أمر العبد بعمل لا ينتقل فيه من موضعه، أو ركب البهيمة ولم تنتقل عن موضعها.. فإن الذي يقتضيه المذهب: أنّه لا يحصل القبض بذلك؛ لأنّه لا يكون بذلك غاصبًا، فكذلك لا يكون بذلك قابضًا في البيع، وإن وطئ الجارية.. فهل يكون قبضًا؟ فيه وجهان:
أحدهما ـ المشهور ـ: أنه ليس بقبض؛ لأنه لم ينقلها.
والثاني ـ حكاه في " الحاوي " ـ: أنه يحصل به القبض؛ لأن ذلك أبلغ من النقل.
وإن كان المبيع ثيابًا، أو خشبًا، أو طعامًا اشتراه جزافًا.. فقبضه: أن ينقله ويحوله من مكان إلى مكان آخر، وإن كان عقارًا أو شجرًا.. فقبضه: التخلية.
وقال مالك، أبو حنيفة: (قبض جميع الأشياء بالتخلية) .
دليلنا: ما «روى ابن عمر ﵄ قال: كنا نشتري الطعام من الركبان جزافًا، فنهانا رسول ﷺ أن نبيعه حتى ننقله من مكانه»
ولأن الشرع ورد بالقبض، وليس له حد في اللغة، ولا قدر في الشرع، فوجب الرجوع فيه إلى عرف الناس وعادتهم، كما قلنا في الحرز والإحياء. والعرف عند الناس ما ذكرناه. هذا نقل أصحابنا البغداديين.
وذكر المسعودي [في " الإبانة " [ق\٢٣٠ـ٢٣١] في هذا ثلاث مسائل:
стр. 2349
الأولى: إذا اشترى منه ما ينقل، فوضعه البائع بين يدي المشتري.. ففيه وجهان:
أحدهما: لا يقوم ذلك مقام القبض، كالوديعة إذا وضعها بين يديه.. فلا يكون قبضًا، حتى إن لم يحفظها إلى أن ضاعت.. لم يضمن.
والثاني ـ قال: وهو الأصح ـ: أنّه يقوم مقام القبض، بخلاف الوديعة؛ لأن قبولها لا يلزم، وليس كذلك في مسألتنا.
[المسألة] الثانية: إذا اشترى دارًا وأمتعة فيها.. فالتخلية في الدار تكون قبضا، وفي الأمتعة وجهان:
أحدهما: تكون التخلية قبضًا لها تبعًا للدار.
والثاني: يشترط نقلها.
[المسألة] الثالثة: إذا اشترى شيئًا في دار البائع، ونقله من زاوية إلى زاوية، فإن أذن له البائع في ذلك.. حصل له القبض في ذلك، وكأن البائع أعاره تلك الزاوية، وإن لم يأذن له في ذلك.. لم يحصل القبض.
قال الصيمري: وإن اشترى من رجل صبرة طعام، ثم اشترى العرصة التي تحت الصبرة.. حصل له القبض في الصبرة من غير نقل.
[فرعٌ: قبض الوديعة بدل الدين]
إذا كان لرجل في ذمة غيره دين مستقر، وعند من له الدين لمن عليه الدين وديعة أو رهن مما ينقل، فباع منه الوديعة أو الرهن بذلك الدين.. فله أن يقبض الوديعة أو الرهن بغير إذن بائعه؛ لأنه قد استحق قبض ذلك، والقبض فيه: هو أن يمضي عليه زمان يمكن فيه القبض، وهل يحتاج إلى نقله من مكانه، أو يكفي فيه مضي الزمان؟ فيه وجهان، حكاهما ابن الصباغ.
أحدهما: يحتاج إلى النقل؛ لأنه مما ينقل، ويحول، فلم يحصل قبضه إلا بذلك.
стр. 2350
والثاني: أنه لا يحتاج إلى ذلك؛ لأن النقل يراد لحصوله في يده، وهو حاصلٌ في يده.
وإن باعه الوديعة أو الرهن بثمن في ذمته، ولم يقبضه الثمن.. لم يكن للمودع نقل الوديعة إلا بإذن البائع، فإن قبضها بغير إذنه.. لم تصر مقبوضة قبضًا يملك به التصرف.
[فرعٌ: أخذ مثلاً بدلاً عن ثمن]
قال الصيمري: إذا باعه طعامًا بثمن إلى أجل، وحل الثمن.. جاز أن يأخذ بالثمن طعامًا أو تمرًا حاضرًا.
وإن أراد أن يأخذ عن الدين المؤجل عوضًا، إما عرضًا، أو غيره، قبل حلول الدين.. لم يصح، وأما تقديمه: فيجوز؛ لأنه لا يملك المطالبة به قبل محله، فكأنه أخذ البدل عمّا لا يستحقه، وهكذا ذكره الصيدلاني.
[فرعٌ: بيع الصكوك]
] : قال الصيمري: ولا يجوز بيع الصكوك قبل قبضها، وهي: أرزاق الجند، إذا صك السلطان على بيت المال.
[مسألة: بيع ما لا يقدر على تسليمه]
] : إذا باع طيرًا في الهواء، فإن كان لا يملكه.. لم يصح بيعه لعلتين:
следующие страницы →