← Фикх шафии

Фикх шафии · id 21721

البيان في مذهب الإمام الشافعي

العمراني

Полный текст (7 092 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.

стр. 2591

فلزيد أن يرجع عليه أيضًا بالأرش، ويرجع كل واحد منهما من الثمن الذي ملك به، وإن أبرأ عمرو زيدًا من الأرش.. فهل لزيد أن يرجع عليه بالأرش؟ قال الشيخ أبو حامد: إن قلنا: العلة في بيعه إلى الأجنبي: أنه لا يرجع عليه بالأرش؛ لأنه قد استدرك الظلامة.. لم يرجع هاهنا. وإن قلنا: العلة هناك: أنه لم ييأس من الرد.. رجع هاهنا؛ لأنه قد أيس من الرد. فإن اشترى زيد من عمرو عبدًا، ثم باعه زيد من خالد، ثم اشتراه زيد من خالد، ثم اطلع زيد على عيب كان فيه وهو في يد عمرو، فإن قلنا بالأولى: لا يرده عمرو على زيد.. فإن زيدًا هاهنا يرده على عمرو. وإن قلنا بالصحيح في الأولى، وأنه يرده عليه.. فعلى من يرده زيد هاهنا؟ فيه وجهان: أحدهما: يرده على خالد؛ لأنه منه ملكه. والثاني: يرده على عمرو؛ لأن حدوث العيب كان بيده. [فرع: اشترى عبدًا ثم طالب البائع إقالته] قال القاضي أبو الطيب: إذا اشترى رجل من رجل عبدًا، ثم استقاله، فأقاله، ورجع العبد إلى البائع، فوجد به البائع عيبًا حدث في ملك المشتري.. كان للبائع ردّه على المشتري، ورفع الإقالة؛ لأنه يلحقه ضرر بإمساكه مع العيب؛ لأنه ربما كان الثمن الذي رده خيرًا له من العبد، فكان له إزالة الضرر برده واسترجاع الثمن، كالمشتري إذا وجد بالمبيع عيبًا.. فإن له رده واسترجاع الثمن من البائع. [فرع: إسلاف حنطة بعبد ثم ظهر عيبه] ذكر القاضي أبو الطيب في " شرح المولدات ": إذا أسلم رجل عبدًا في حنطة أو تمر، فقبض المسلم إليه العبد، فأعتقه، ثم وجد بالعبد عيبًا، فإن عفا المسلم إليه عن حقه.. وجب عليه تسليم جميع المسلم فيه، وإن لم يعف.. يرجع بالأرش. وكيفية ذلك: أن يقوم العبد صحيحًا، ثم يقوم معيبًا، وينظر ما بين القيمتين،

стр. 2592

فإن نقصه العيب العشر من قيمته.. سقط عن ذمة المسلم إليه عشر المسلم فيه، وكذلك إن نقصه العيب أقل أو أكثر.. سقط عن ذمته مثل تلك النسبة من المسلم فيه؛ لأن المسلم فيه هو ثمن العبد، وهل ينتقض العقد في الباقي من المسلم فيه؟ حكى في ذلك طريقين: [الأول] : من أصحابنا من قال: فيه قولان، كما إذا باع ما يملك وما لا يملك. و [الثاني] : منهم من قال: لا ينتقض، قولاً واحدًا. [مسألة: فوات الوصف المرغب] إذا باع عبدًا بشرط أنه كاتب، أو على أنه يحسن صنعة، فبان أنه ليس بكاتب، أو أنه لا يحسن تلك الصنعة.. ثبت للمشتري الخيار؛ لأنه أنقص مما شرط. وإن اشتراه بشرط أنه خصي، فبان فحلا.. ثبت له الخيار؛ لأن الخصي أكثر قيمة من الفحل. وإن اشتراه بشرط أنه فحل، فبان خصيًّا.. ثبت له الخيار؛ لأن الخصي أنقص خلقة وأقل بطشًا وقوة. وإن اشتراه بشرط أنه مسلم؛ فبان كافرًا.. ثبت له الخيار؛ لأن المسلم أفضل من الكافر. وإن اشتراه بشرط أنه كافرٌ، فبان مسلمًا.. ثبت له الخيار. وقال أبو حنيفة، والمزني: (لا خيار له؛ لأن المسلم أفضل من الكافر) . وهذا ليس بصحيح؛ لأن المسلم وإن كان أفضل من الكافر في الدين، إلا أن الكافر أكثر ثمنًا؛ لأنه يرغب في شرائه المسلم والكافر، والمسلم لا يرغب في شرائه إلا المسلم. وإن اشترى جارية على أنها بكر، فبانت ثيِّبًا.. ثبت له الخيار؛ لأن البكر أكثر ثمنًا. وإن اشتراها على أنها ثيب، فبانت بكرًا.. ففيه وجهان: أحدهما: يثبت له الخيار؛ لأنه قد تكون الثيب أحب إليه من البكر؛ لأنه قد يكون ضعيفا لا يقدر على وطء البكر. والثاني ـ وهو الصحيح ـ: أنه لا خيار له، لأن البكر أكثر ثمنًا، ولا اعتبار بما عنده.

стр. 2593

وإن قال: بعني هذا العبد، فباعه، فبان أنه جارية، أو قال: بعني هذا الحمار، فباعه، فبان بغلا.. ففيه وجهان: أحدهما: يصح البيع؛ لأن عقد البيع وقع على عين موجودة، ويثبت للمشتري الخيار؛ لأنه خلاف المشروط. والثاني: لا يصح البيع، وهو المنصوص؛ لأن العقد وقع على جنس، فلا ينعقد في غيره. [فرع: نقص قدر المبيع] إذا قال: بعتك هذه الصبرة على أنها مائة قفيز، فبان أنها دون المائة.. فالمشتري بالخيار.. بين أن يفسخ البيع؛ لأنه أنقص من المشروط، وبين أن يأخذ الموجود من الصبرة بحصته من الثمن. وإن بان أنها أكثر من المائة.. أخذ المشتري المائة بجميع الثمن، وترك الزيادة؛ لأنه يمكن رد الزائد من غير ضرر. وإن قال: بعتك هذا الثوب، أو هذه الأرض، على أنها عشرة أذرع، فبانت تسعة أذرع.. فالمشتري بالخيار: بين أن يفسخ البيع؛ لأنه أنقص مما شرط، وبين أن يجيز البيع، وبكم يجيز؟ فيه وجهان: أحدهما ـ حكاه القاضي أبو الطيب في " المجرد " ـ: أنه يمسك التسعة بحصتها من ثمن العشر، كما قلنا في الصبرة من الحنطة. والثاني ـ وهو الصحيح ـ: أنه يمسكها بجميع الثمن؛ لأن الحنطة تتساوى أجزاؤها، فكان ما فقد مثل ما وجد، وليس كذلك الثوب والأرض، فإن أجزاءهما لا تتساوى، فلم يكن ما فقد مثل ما وجد. وإن بان الثوب أو الأرض أحد عشر ذراعًا.. فحكى الشيخ أبو حامد: أن فيها قولين، وحكاهما الشيخ أبو إسحاق، وابن الصباغ وجهين: أحدهما: أن البيع صحيح، ويكون البائع بالخيار: بين أن يسلم جميع الثوب

стр. 2594

والأرض، ويجبر المشتري على قبوله، وبين أن يفسخ البيع؛ لأن الزيادة فيهما نقصان في حق البائع، فثبت له الخيار، كما أن الثوب إذا وجد دون العشرة.. فإنه نقصان في حق المشتري، ويثبت له الخيار، ولا يمكن أن يجعل ذراعًا منه للبائع، كما قلنا في الصبرة؛ لأن ذلك مختلف، ولأن قطعه يؤدِّي إلى نقصان قيمة الثوب، والشركة نقص عليهما. والثاني: أن البيع باطل؛ لأنه لا يمكن إجبار البائع على تسليم ما زاد على العشرة، ولا يمكن إجبار المشتري على أخذ العشرة؛ لأنه يقول: اشتريت الثوب كله. والأول أصح. قال المسعودي [في " الإبانة " ق\٢٢٤] : وإن قال بعني هذا القطيع من الغنم، على أنه ثلاثون، فبان تسعًا وعشرين، أو إحدى وثلاثين.. ففيه قولان: أحدهما: يصح في الثلاثين إذا كان زائدًا، وفي التسع والعشرين إذا كان ناقصًا، بحصته من الثمن. والثاني: لا يصح البيع. [مسألة: بيع العبد الجاني] قال الشافعي: (ولو باع عبده، وقد جنى.. ففيه قولان: أحدهما: أن البيع جائز، كما يكون العتق جائزًا، وعلى السيد الأقل من قيمته أو أرش جنايته. والثاني: أن البيع مفسوخ) . وهذا كما قال: إذا باع عبده، وقد جنى.. فهل يصح البيع؟ فيه قولان: أحدهما: يصح البيع، وبه قال أبو حنيفة، وأحمد، واختاره المزني؛ لأن الجناية إن كانت عمدًا.. فهذا عبدٌ يرجى سلامته، ويخاف تلفه، فلم يمنع ذلك من بيعه، كالمريض. وإن كانت خطأً.. فلم يتعلق المال برقبته برضا السيد، فلم يمنع صحة البيع، كما لو باع ما فضل عن قدر الزكاة من ماله.

стр. 2595

والقول الثاني: لا يصح البيع، وهو اختيار الشافعي؛ لأنه حق لآدمي تعلق برقبة العبد، فمنع صحة البيع، كالرهن، بل حق الجناية آكد؛ لأنها تقدم على الرهن. إذا ثبت هذا: فاختلف أصحابنا في موضع القولين على ثلاث طرق: فـ[أوَّلها] : منهم من قال: القولان في الحالين سواءٌ كانت الجناية عمدًا أو خطأً؛ لأن القصاص حق آدمي، فهو كالمال، ولأنه يسقط إلى المال. و [ثانيها] : منهم من قال: القولان إذا كانت الجناية عمدًا، فأمَّا إذا كانت خطأً.. فلا يصح البيع، قولاً واحدًا؛ لأنه تعلق برقبته مال، فهو كالمرهون. وهذا القائل يقول: أصل هذا: ما الموجب بقتل العمد؟ فيه قولان: أحدهما: القود فقط. فعلى هذا: يجوز بيعه، كالمرتد. والثاني: أن موجبه أحد الأمرين: إما القصاص، وإما الدية، فلا يجوز بيعه، كالمرهون. و [ثالثها] : منهم من قال: القولان إذا كانت الجناية خطأً، فأما إذا كانت عمدًا صحَّ البيع، قولاً واحدًا؛ لأنه يخاف هلاكه بالقصاص، فهو كالمرتد والمريض. قال الشيخ أبو حامد: وهذه الطريقة أصح؛ لأن الشافعي قال: (فيه قولان، أحدهما: البيع جائز، وعلى السيد الأقل من قيمته أو أرش جنايته، وإنما يكون هذا على السيد في جناية خطأً) . فأما في جناية العمد: فإن للمجني عليه القصاص. إذا ثبت هذا: فإن قلنا: إن البيع باطلٌ.. فإنه يرد العبد ويسترجع الثمن. وإن قلنا: إن البيع صحيحٌ.. نظرت: فإن كانت الجناية خطأً أو عمدًا، فعفا المجنيُّ عليه على المال.. ففيه وجهان: أحدهما ـ وهو ظاهر النص ـ: أن البائع يلزمه الفداء؛ لأن الشافعي قال: (البيع

стр. 2596

جائزٌ، وعلى السيد الأقل من قيمته، أو أرش جنايته) . وبه قال أبو حنيفة؛ لأنه كان مخيرًا بين أن يفدي، وبين أن لا يفدي، فإذا باع.. فقد زال ملكه عنه، فكان اختيارًا منه للفداء، كما لو أتلفه السيد. فعلى هذا: لا يلزم السيد إلا أقل الأمرين من قيمة العبد أو أرش الجناية؛ لأنه لا يمكن بيعه. وإن أعسر المولى بالفداء.. فسخ البيع؛ لأن حق المجني عليه سابق لحق المشتري، فإذا تعذر إمضاؤهما قدم السابق. والوجه الثاني: أنه لا يتعين عليه الفداء، بل هو بالخيار: بين أن يفديه، وبين أن لا يفديه؛ لأن العبد لم يتلف بالبيع. فعلى هذا: إن فداه.. استقرّ البيع، وإن لم يفده.. فسخ البيع. إذا اختار أن يفديه على هذا.. فبكم يفديه؟ فيه قولان: أحدهما: بأقل الأمرين من قيمته، أو أرش الجناية. والثاني: يلزمه أرش الجناية بالغًا ما بلغ؛ لأنه يمكن هاهنا بيعه. وإن كانت الجناية عمدًا، واختار المجنيّ عليه القصاص.. نظرت: فإن كانت الجناية قتلا، فقتله وليّ المجني عليه، فإن كان قبل أن يقبضه المشتري.. انفسخ البيع، كما لو مات. وإن قتله بعد أن قبضه المشتري.. نظرت: فإن لم يعلم المشتري بجنايته حتى قتل في يده.. ففيه وجهان: أحدهما ـ وهو قول أبي العباس ابن سريج، وأبي عليّ بن أبي هريرة ـ: أن تعلق القتل برقبة العبد بمنزلة العيب الموجود في يد البائع؛ لأنه لو كان بمنزلة الاستقحاق.. لم يصح بيعه، فإذا كان عيبًا، وتلف في يد المشتري.. رجع على البائع بالأرش،

стр. 2597

فيقوم وهو جان، ويقوم وهو غير جان، وينظر ما بين القيمتين، ويرجع في مثل تلك النسبة من الثمن. والوجه الثاني ـ وهو قول أبي إسحاق، وهو المنصوص ـ: (أن تعلق القتل برقبة العبد بمنزلة الاستحقاق) . وبه قال أبو حنيفة؛ لأنه تلف بسبب كان في يد البائع، فصار كما لو غصب عبدًا، فباعه. فعلى هذا: يرجع المشتري بجميع الثمن، ويجب تكفينه ودفنه على البائع، وهذا كما لو غصب عبدًا، فجنى العبد على غيره في يد الغاصب، ثم ردّه الغاصب على المالك، فاقتص من العبد في يد المالك، بالجناية التي جناها في يد الغاصب.. فإنه يجب على الغاصب قيمته. وأما إذا كان المشتري عالمًا بالجناية حين الشراء، أو علم بها بعد الشراء، فلم يرده حتى قتل في يده، فإن قلنا بقول أبي العباس، وأبي علي بن أبي هريرة في المسألة قبلها.. لم يرجع بشيء، كما لو اشترى عبدًا مريضًا، فعلم بمرضه، فقبضه، ثم مات في يده. وإن قلنا بقول أبي إسحاق، وبالمنصوص.. ففيه وجهان: أحدهما ـ وهو قول الشيخين: أبي حامد، وأبي إسحاق ـ: أن المشتري يرجع بجميع الثمن؛ لأنه إذا قتل.. بان أنه تعلق القتل برقبته، كالاستحقاق، ولو اشترى عبدًا مستحقُا.. فإن للمشتري أن يرجع بالثمن، سواءٌ علم بالاستحقاق عند الشراء، أو لم يعلم، فكذلك هاهنا. والوجه الثاني ـ وهو قول القاضي أبي الطيب، وابن الصباغ ـ: أنه لا يرجع المشتري بشيء؛ لأن الشافعي قال: (لو اشتراه عالمًا به.. صح البيع، ولا خيار له، فصار كالعيب إذا علم به) .

стр. 2598

وإن اشترى عبدًا مرتدًّا.. صح البيع، قولاً واحدًا؛ لأن الردة لا تزيل ملك مالكه عنه، وإنما يخشى هلاكه بالقتل، ويرجى سلامته بالإسلام، فيصح بيعه، كالمريض، فإن كان المشتري عالمًا بردته.. لم يثبت له الخيار، كما لو اشترى عبدًا مريضًا، وهو عالمٌ بمرضه. فإن لم يعلم بردته، ثم علم قبل أن يقتل.. ثبت له الخيار في فسخ البيع؛ لأنه عيب. فإن قتل في يد المشتري.. نظرت: فإن لم يعلم بردته حتى قتل.. فعلى منصوص الشافعي، وقول أبي إسحاق: يرجع بجميع الثمن، وبه قال ابن الحداد. وعلى قول أبي العباس، وأبي علي بن أبي هريرة: يرجع بأرش العيب، وبه قال القاضي أبو الطيب. وإن كان المشتري عالمًا بردته قبل أن يقتل، فإن قلنا بقول أبي العباس، وأبي علي بن أبي هريرة: لم يرجع هاهنا بشيء. وإن قلنا بالمنصوص.. ففيه وجهان: [أحدهما] : قال الشيخان: أبو حامد، وأبو إسحاق: يرجع بجميع الثمن. و [ثانيهما] : قال القاضي أبو الطيب، وابن الصباغ: لا يرجع بشيء. وفرع القاضي أبو الطيب على أصله مسائل منها: إذا اشترى عبدًا سارقًا.. صحّ الشراء، فإن علم بسرقته.. فلا خيار له، وإن قطع في يد المشتري.. لم يرجع بشيء. وإن لم يعلم بسرقته حتى قطع.. فعلى المنصوص، وقول أبي إسحاق، وابن الحداد: يثبت له الخيار: إن شاء.. فسخ البيع ورده مقطوعًا، وإن شاء.. أجازه، ولا شيء له. وعلى قول أبي العباس، وأبي عليّ: ليس له الرد، ولكن يرجع بأرش العيب. قال: وإن اشترى عينًا بها عيب في يد البائع، ولم يعلم به المشتري، فقبض المشتري المبيع، فزاد العيب في يد المشتري.. فعلى قول أبي إسحاق، وابن الحداد: تصير الزيادة كأنها حصلت في يد البائع، فيكون للمشتري الخيار. وإن مات

стр. 2599

من الزيادة.. انفسخ البيع، ورجع بالثمن. وعلى قول أبي العباس، وابن أبي هريرة: لا يفسخ البيع بزيادة العيب، ولكن يرجع بالأرش، وكذلك إن تلف المبيع في يده من الزيادة.. رجع بالأرش. قال القاضي: وكذلك: إذا اشترى جارية حاملاً لم يعلم بحملها حتى ماتت من الولادة.. فعلى قول أبي إسحاق، وابن الحداد: ينفسخ البيع، ويرجع بالثمن. وعلى قول أبي العباس، وأبي علي: لا ينفسخ البيع، ولكن يرجع بالأرش. وأما إذا قتل العبد غيره في المحاربة.. نظرت: فإن تاب قبل القدرة عليه.. فهو بمنزلة القاتل في غير المحاربة، وقد بينّاه. وإن لم يتب، وقدر عليه.. فهل يصح بيعه؟ فيه طريقان: [الأول] : قال الشيخ أبو حامد: لا يصح بيعه، قولاً واحدًا؛ لأنه لا منفعة فيه إذ قتله محتم. و [الثاني] : قال القاضي أبو الطيب: هو كما لو قتل في غير المحاربة، فيكون في بيعه قولان؛ لأن فيه منفعة، وهو أن يعتقه المشتري: فإذا قلنا: يجوز بيع العبد الجاني.. جاز عتقه. وإن قلنا: لا يجوز بيعه.. فهل يجوز عتقه؟ فيه ثلاثة أقوال، كعتق العبد المرهون، ويأتي بيان ذلك في (الرهن) إن شاء الله تعالى. [مسألة: البيع بشرط البراءة من العيب] إذا باعه شيئا بشرط البراءة من العيوب.. فاختلف أصحابنا فيه [على وجهين] . فـ[الوجه الأول] : ذهب أبو سعيد الإصطخري إلى: أن في المسألة ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يبرأ من كل عيب، باطنًا كان أو ظاهرًا، علم به البائع أو لم يعلم به،

стр. 2600

وبه قال أبو حنيفة، وأبو ثور؛ لقوله ﷺ : «المؤمنون عند شروطهم» . وهذا شرط قد شرطاه، فوجب الوفاء به. وروت أم سلمة ﵂: «أن رجلين من الأنصار اختصما إلى النبي ﷺ في مواريث بينهما قد درست، فقال لهما النبي ﷺ : "استهما، وتوخيا الحق، وليحل كل واحد منكما صاحبه» . فدل على: أن البراءة من المجهول صحيحة.

стр. 2601

ولأنه عيب رضي به المشتري، فصار كما لو أعلمه به. والقول الثاني: أنه لا يبرأ من شيء من العيوب، وهو قول شريح، وعطاء، وطاوس، والحسن، وأحمد، وإسحاق؛ لما روي: «أن النبي ﷺ : نهى عن بيع الغرر» . وفي البيع بهذا الشرط غرر؛ لأن المشتري لا يدري كم ينقص العيب من قيمة المبيع، ولأنه شرط يرتفق به أحد المتعاقدين، فلم يصح مجهولاً، كشرط الرهن المجهول، والأجل المجهول، وفيه احترازٌ من خيار المجلس والشرط، فإنه يرتفق به المتعاقدان. والقول الثالث ـ وهو الصحيح ـ: أنه يبرأ من عيب واحد، وهو العيب الباطن في الحيوان الذي لم يعلم به البائع، ولا يبرأ مما سواه، وهو قول مالك؛ لما روي: (أن ابن عمر باع غلامًا له من زيد بن ثابت بثمانمائة درهم بشرط البراءة من كل عيب، فأصاب به زيدٌ عيبًا، فأراد رده، فأتى ابن عمر، فتحاكما إلى عثمان بن عفان ﵁، فقال عثمان بن عفان لابن عمر: أتحلف أنك لم تعلم بعيب فيه؟ فأبى ابن عمر أن يحلف، وقبل الغلام، فباعه بألف درهم، وقيل: بألف وخمسمائة درهم) . ووجه الدليل من هذا: أن عثمان قال: (أتحلف أنك لم تعلم بعيب به؟) . فدل على: أنه إنما يبرأ من العيب إذا لم يعلم به، وأمّا إذا علم بالعيب: لم تصح البراءة منه، ولم ينكر ذلك منكر من الصحابة.

стр. 2602

قال الشافعي: (ولأن الحيوان يغتذي بالصحة والسقم، وتحول طبائعه، وقل ما يبرأ من عيب يخفى أو يظهر) . ومعناه: أن الحيوان يعتلف في حال الصحة والسقم، ولا يمكن معرفة عيبه، فكانت به حاجة إلى البراءة من العيوب الباطنة التي لم يعلم بها، وجاز ذلك، كما جاز بيع المنافع قبل أن تخلق للحاجة، ولم يجز بيع الحيوان قبل أن يخلق؛ لأنه لا حاجة به إلى ذلك. فعلى قول أبي سعيد في غير الحيوان من الثياب وغيرها قولان: أحدهما: لا يبرأ من عيب فيها. والثاني: يبرأ من كل عيب فيها، ويسقط القول الثالث. و [الوجه الثاني] : من أصحابنا من قال: المسألة على قول واحد، وهو: أنه يبرأ من العيب الباطن في الحيوان الذي لا يعلم به البائع، ولا يبرأ من العيب الباطن فيه الذي يعلم به البائع، ولا من العيوب الظاهرة فيه علم بها البائع أو لم يعلم ولا يبرأ من شيء من العيوب في غير الحيوان، باطنة كانت أو ظاهرة، علم بها البائع أو لم يعلم، وكذلك ما مأكوله في جوفه، مثل: الجوز واللوز والرمان، حكمه حكم الثياب، والفرق بينه وبين الحيوان: ما أشار إليه الشافعي: أن الغالب في الحيوان وجود العيب في باطنه، بخلاف ما مأكوله في جوفه، فإن الأكثر في جوفه السلامة. فإذا قلنا: إن البيع بهذا الشرط صحيح، فحدث به عيب عند البائع بعد البيع، وقبل القبض.. لم يبرأ منه. وقال أبو يوسف: يبرأ منه. دليلنا: أنه إسقاط حق قبل ثبوته، فلم يصح، كما لو أبرأه مما يستحب عليه. وإذا قلنا: إن شرط البراءة لا يصح.. فهل يصح البيع؟ فيه وجهان: أحدهما: أن البيع صحيح، ويثبت للمشتري الخيار إذا وجد العيب؛ لأن عثمان ﵁ حكم بصحة البيع.

стр. 2603

والثاني ـ وهو اختيار الشيخ أبي حامد ـ: أن البيع باطلٌ؛ لأنه شرط فاسد قارن عقد البيع، فأبطله، كسائر الشروط الفاسدة، ولأن البائع أسقط جزءًا من الثمن لأجل هذا الشرط، فإذا سقط هذا الشرط.. وجب أن يرجع إلى ما أسقطه من الثمن لأجله، وذلك مجهول، والمجهول إذا أضيف إلى معلوم.. صار الجميع مجهولاً، والجهل بالثمن يبطل البيع. وبالله التوفيق

стр. 2604

[باب بيع المرابحة] إذا باع سلعة بثمن إلى أجل، ثم اشتراها البائع قبل قبض الثمن بأقل من ذلك الثمن.. جاز وكذلك إذا باعها بثمن نقدًا، واشتراها بأكثر منه إلى أجل.. جاز، سواءٌ كان قد قبض الثمن أو لم يقبض، وكذلك إذا باعها بثمن إلى أجل.. جاز أن يشتريها بالثمن، إلى أكثر منه. وروي ذلك عن ابن عمر، وزيد بن أرقم، وقال الأوزاعي، ومالك، وأبو حنيفة، وأحمد: (لا يجوز أن يشتريها بأقل مما باعها قبل قبض الثمن) . وروي ذلك عن ابن عبّاس، وعائشة، إلا أن أبا حنيفة يقول: (إن باعها منه بعوض أقل من ذلك الثمن.. جاز، فأما إذا اشتراها له وكيله بأقل من ذلك الثمن.. جاز، وإن اشتراها له ولده أو والده بأقل من ذلك الثمن.. لم يجز، وإن

стр. 2605

اشتراها إلى أجل.. لم يجز أن يبيعها إلى أجل أكثر منه) . واحتجوا بما روي: «أن امرأة قالت لعائشة: يا أم المؤمنين، إني بعت غلامًا من زيد بن أرقم بثمانمائة درهم إلى العطاء، ثم اشتريته منه بستمائة درهم، فقالت لها عائشة: (بئس ما بعت، وبئس ما ابتعت، أخبري زيد بن أرقم: أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله ﷺ ، إلا أن يتوب» . ولا تقول ذلك إلا توقيفًا. دليلنا: قوله ﷺ : «لا تبع ما ليس عندك» . وهذا قد باع ما عنده. وقوله ﷺ : «إذا اختلفت هذه الأجناس.. فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد» . ولأن كل سلعة لم يتقدر ثمنها مع غير بائعها.. لم يتقدر مع بائعها، كما لو قبض الثمن.

стр. 2606

وأمّا الحديث: فلو كان عند عائشة شيء فيه عن النبي ﷺ لذكرته، على أنه يحمل على أنها أنكرت شراءه إلى العطاء؛ لأنه أجل مجهول. [مسألةٌ: البيع مرابحة] ] : وإذا اشترى شيئًا.. جاز أن يبيعه مرابحة، وهو أن يقول: اشتريت هذه السلعة بمائة درهم، وقد بعتكها بمائة درهم وربح درهم في كل عشرة، أو لكل عشرة، وبه قال عامّة أهل العلم. وقال الشيخ أبو إسحاق: وكان ابن مسعود لا يرى بأسًا بـ (دَهْ يُازْدَهْ) ، و (دَهْ دَوَازْدَهْ) . ومعنى هذا: أنه كان لا يرى بأسًا أن يبيع ما اشتراه بعشرة، بإحدى عشرة وباثني عشرة؛ لأن (دَهْ) ـ في لغة الفرس ـ: عشرة، و (يُازْدَهْ) : إحدى عشر، و (دَوَازْدَهْ) : اثنا عشر. وروي عن ابن عبّاس، وابن عمر: أنهما قالا: (يكره هذا البيع) . وقال إسحاق ابن راهويه: لا يصح. دليلنا: أن رأس المال معلومٌ، والربح معلوم، فصح، كما لو قال: بعتك بمائة وعشرة، وأما ما روي عن ابن عبّاس، وابن عمر: فيحتمل أنهما كرها ذلك؛ لما فيه من تحمل الأمانة وأدائها.

стр. 2607

[فرع: بيع بعض ما اشتراه مرابحة] ويجوز أن يبيع بعض ما اشتراه مرابحة، فإن كان ممّا ينقسم الثمن فيه على الأجزاء؛ كالعين الواحدة، أو مما تستوي أجزاؤه، كذوات الأمثال.. فإن الثمن ينقسم فيه على الأجزاء، فإن أراد بيع نصفه.. أجيز بنصف الثمن، وإن كان ثلثه أو ربعه.. فكذلك، وإن كان مما ينقسم الثمن فيه على الأجزاء، فإن أراد بيع نصفه.. أُجيز بنصف الثمن فيه على القيمة، بأن اشترى عبدين أو ثوبين أو ما أشبههما، فإذا أراد بيع أحدهما مرابحة.. لم يصح حتى يقوِّم المبيعين، ويقسم الثمن عليهما على قدر قيمتهما، ثم يبيع ما يريد بيعه منهما بحصّته من الثمن. وقال أبو حنيفة، وأحمد: (لا يجوز بيع المرابحة فيما ينقسم الثمن فيه على قيمته، ويجوز فيما تتساوى أجزاؤه، كالمكيل والموزون والمعدود المتساوي) . دليلنا: أن الثمن ينقسم على قدر القيمتين، ألا ترى أنه لو اشترى سيفًا وشقصًا.. فإن الشفيع يأخذ الشقص بحصّته من الثمن، فكذلك هاهنا مثله؟ [مسألةٌ: معرفة الثمن تصحح المرابحة] ولا يصح بيع المرابحة إلا أن يكون رأس المال معلومًا والربح معلومًا، فإن قال: بعتُكَ برأس مالي، أو بما اشتريت وربح درهم لكلِّ عشرةٍ، وهما لا يعلمان رأس مالِه فيه ولا ما اشترى به.. لم يصح الشراء. وحكى المسعودي [في " الإبانة " ق\٢٤٢] وجهًا آخر: إن أعلمه برأس ماله في المجلس.. صح، وبه قال أبو حنيفة، وهذا لا يصح؛ لأن الثمن مجهول عند أحدهما حال العقد، فلم يصح بذكره بعد ذلك في المجلس، كما لو باعه ما لا يملك، ثم ملَّكَه في المجلس، فإن كان الربح مجهولاً حال العقد، مثل أن يقول: بعتك بمائة وربح ما شئت أو ما يستوي عليه.. لم يصح؛ لأنه غير معلوم حال العقد، فلم يصح.

стр. 2608

[فرع: الإخبار بما لزم به العقد] ولا يخبر إلا بالثمن الذي لزم به العقد، فإن اشتراه بثمن، ولم يلحقا به زيادة ولا نقصانًا.. أجيز بذلك الثمن، وإن ألحقا به زيادةً أو نقصانًا.. نظرت: فإن كان ذلك قبل لزوم البيع، إما في خيار المجلس أو في خيار الشرط، فإن ذلك يلحق بالعقد، ويخبر به في بيع المرابحة، وهذا قول عامّة أصحابنا، إلا أبا عليّ الطبريّ، فإنه قال: إذا قلنا: إن المشتري يملك المبيع بنفس العقد.. فإن ذلك لا يلحق بالعقد. وليس بشيء؛ لأن المبيع وإن انتقل بالعقد، إلا أن الملك لم يستقر، ولهذا يجوز لكل واحدٍ منهما أن ينفرد بفسخ العقد، وإن ألحقا بالعقد زيادةً، أو حطّا بعض الثمن بعد الخيار.. لم يلحق بالعقد، وكان ذلك هبة، فإن أراد بيعه مرابحة.. أخبر بما وقع به العقد. وقال أبو حنيفة: (يلحق بالعقد، ويخبر به في المرابحة) . دليلنا: أنه حط بعد لزوم العقد.. فلم يلحق به، كما لو حط جميع الثمن. [فرع: بيع التولية] وتجوز التولية والشركة في البيع. فـ (التولية) : أن يشتري عينًا بثمن، ثم يقول المشتري لغيره: اشتريت هذه السلعة بكذا، وقد وليتُكها برأس مالها، فإذا قال الآخر: قبلت.. لزم الشراء برأس المال. و (الشركة) : أن يقول: اشتريتها بكذا، وقد أشركتك بنصفها، فإذا قبل.. لزم البيع عليه بنصف السلعة بنصف الثمن. إذا ثبت هذا: واشترى سلعة بثمن، ثم ولاَّها غيرَه أو أشرك غيرَه في الثمن فيها،

стр. 2609

ثم حطَّ الثمن عن المشتري الأول.. قال الطبري في " العدة ": فإن الحط يلحق بالمولى والمشرَك؛ لأن التولية والشركة تختص بالثمن، فلحق الثاني ما لحق الأول، ولو باعه المشتري الأول بلفظ البيع، ثم حطَّ الثمن عن المشتري الأول.. لم يلحق المشتري الثاني حطٌّ. قال: وهذا اختلافٌ يحصل باختلاف اللفظ، كما يقول في المرابحة: إذا كذب في رأس المال.. ثبت للمشتري الخيارُ، ولو باعه مساومةً وكذب في رأس المال.. لم يثبت للمشتري الخيار. [فرع: ما يقول في المرابحة إذا تعلّق بها من المؤونة] وإذا اشترى سلعةً بثمن، وأراد بيعها مرابحةً، فإن كان لم يلزمه عليها مؤونةٌ ولا عملٌ عليها.. فلهُ أَنْ يخبرَ بأحد خمسةِ ألفاظٍ، إمَّا أن يقول: اشتريتها بكذا، أو يقول: رأس مالي فيها كذا، أو يقول: قامت عليّ بكذا، أو تقوَّم عليّ بكذا، أو يقول: هيَ عليّ بكذا؛ لأنه صادق في ذلك كلِّه، وإن لزمه عليها مؤونة بأن يكون قد اشترى ثوبًا بعشرة، واستأجر من قصره أو طرَّزه بثلاثة دراهم، فلا يجوز أن يقول: اشتريتُهُ بثلاثة عشر؛ لأنه يكون كاذبًا، ويصح أن يقول: قام عليَّ بثلاثة عشر، أو هو عليَّ بثلاثة عشر، وهل يصح أن يقول: رأس مالي فيه ثلاثة عشر؟ فيه وجهان: [أحدهما] : قال الشيخ أبو حامد: لا يصحُّ؛ لأن حقيقة رأس المال ما وزنه ثمنًا، والذي وُزِنَ ثمنًا عشرةٌ. و [ثانيهما] : قال القاضي أبو الطيب: يصح، واختاره ابن الصَّباغ، لأن رأس المال عبارةٌ عمَّا يطلبُ به الربح والنفقة والثمن في ذلك سواءً، فإن عمل فيه بنفسه ما يساوي ثلاثةً، فإنَّه لا يضمُّه إلى رأس المال ويخبر به؛ لأنه لا يستحق بعمله على نفسه أجرةً، وكذلك إذا تطوَّع غيره بالعمل فيه، إلاَّ أنه يمكنه أن يقول: اشتريته بكذا، وعملت فيه عملاً أجرتُهُ كذا، فلي ذلك، وقد بعتكه بذلك وبربح كذا، فيصح ذلك.

стр. 2610

[فرع: أخذ أرش عيب وحدث عيب وأراد بيعه مرابحة] وإن اشترى عبدًا بمائة، فوجد به عيبًا، وقد حدث به عنده عيب آخر، فرجع بأرش العيب عشرة، فأراد أن يبيعه مرابحة.. فإنه يجب أن يحط ما أخذه أرشًا من الثمن، فيقول: هو عليَّ، أو يقوَّم عليَّ بتسعين، أو رأس مالي فيه تسعون، ولا يجوز أن يقول: اشتريته بتسعين؛ لأنه كذب، ولا يقول: اشتريته بمائة، ولا رأس مالي فيه مائة؛ لأن الأرش استرجاع جزءٍ من الثمن. فإن جنى هذا العبد جناية، ففداه السيد بشيء.. لم يضمّه إلى رأس المال، وهكذا إذا مرض، فداواه، وأنفق عليه؛ لأن ذلك لاستبقاء ملكه، ويخالف القصارة والخياطة والصبغ؛ لأن في هذه المواضع له أثر في العين. وإن جنى جانٍ على هذا العبد، فأخذ منه الأرش.. فهل يلزمه أن يحط ما أخذه من رأس المال؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يلزمه أن يحط ذلك، كما لا يضم إلى رأس ماله ما فداه به. والثاني: يلزمه أن يحط ذلك من الثمن؛ لأنه بذل جزءًا منه، فلزمه أن يحطه من الثمن، كأرش العيب. [فرع: بيع نماء المرابحة] وإن اشترى شجرة لا ثمرة عليها، فأثمرت في يده، أو بهيمة حائلاً، فحملت في يده وولدت، أو لا لبن بها، فحدث بها لبنٌ فحلبه، أو عبدًا فاستخدمه، ثم أراد بيع ذلك مرابحة.. فإنه يخبر بجميع الثمن الذي اشتراه به، ولا يحط منه لأجل هذا النماء شيئًا؛ لأن هذا نماء حادث في ملكه، فكان له، هذا هو المشهور. وذكر الصيمري: أنه إذا اشترى عبدًا، فاستخدمه، أو أجّره.. لزمه الإخبار

стр. 2611

بذلك، ولا وجه له، وإن كانت الشجرة مثمرة وقت الشراء، أو كان في البهيمة لبنٌ أو صوفٌ وقت الشراء، فأخذ الثمرة واللبن والصوف.. لزمه أن يحط من الثمن بحصة ما أخذ؛ لأن الثمن قابل الجميع. وإن كانت بهيمة أو جارية حاملاً وقت الشراء، فولدت في يده، ثم أراد بيعها: فإن قلنا: إن الحمل له حكم.. فهو كاللبن والثمرة. وإن قلنا: لا حكم له.. لم يحط من الثمن لأجله شيء. [فرع: بيع ما أسلم فيه مرابحة] إذا أسلم في ثوبين بصفة واحدة، فقبضهما، وأراد بيع أحدهما مرابحة.. قال ابن الصبّاغ: فإنه يخبر بحصته من الثمن، وهو النصف. وبه قال أبو يوسف، ومحمد. وقال أبو حنيفة: (لا يبيعه مرابحة) . دليلنا: أن الثمن وقع عليهما بالسويّة؛ لأن الصفة متساوية في الذمة، فهو كشراء القفيزين، فإن حصل في أحدهما نقصان عن الصفة.. فذلك نقصان جارٍ مجرى العيب الحادث بعد الشراء، فلا يمنع من بيع المرابحة. [فرع: إخبار من اشترى مؤجلاً وباع مرابحة] وإن اشترى بثمن مؤجّل.. لم يخبر بثمن مطلق، وفيه وجهٌ آخر حكاه المسعودي [في " الإبانة " ق\٢٥٤] : أنه لا يلزمه أن يبين الأجل. والأول أصح؛ لأن الأجل يأخذ جزءًا من الثمن. فعلى هذا: يكون للمشتري الخيار؛ لأنه دلّس عليه بما يأخذ جزءًا من الثمن، فثبت له الخيار، كما لو دلّس عليه بعيب. وقال أبو حنيفة: (إن كان المبيع باقيًا.. كان له الخيار: إن شاء.. أمسكه، وإن شاء.. ردَّه، وإن كان تالفًا.. لزمه الثمن) . وقال شريح، وابن سيرين، والأوزاعي: (يلزم البيع، ويثبت في ذمته الثمن مؤجلاً) .

стр. 2612

وقال أحمد، وإسحاق: (إن كان المبيع باقيًا، فإن شاء.. أمسك ذلك إلى الأجل، وإن كان تالفًا.. حبس من الثمن بقدر الأجل الذي كان للبائع) . دليلنا: ما مضى، ولأن الذمم لا تتماثل، فربما كانت ذمة المشتري الثاني دون ذمة الأول. [فرع: إخبار المرابح عن الشراء الأخير] إذا اشترى شيئًا بمائة، ثم باعه بخمسين، ثم اشتراه بأربعين، فأراد بيعه مرابحة.. أخبر بالأربعين؛ لأنه هو العقد الذي ملك به، وإن اشتراه بمائة، ثم باعه بمائة وخمسين، ثم اشتراه بمائة.. أخبر بمائة، ولا يحط ما ربح في العقد الأول. وقال أبو حنيفة: (يلزمه أن يحط ما ربح، فيخبر بخمسين) . وحكى المسعودي [في " الإبانة " ق\٢٤٢] : أنه قول ابن سريج. دليلنا: أن الثمن في البيع الذي يلي بيع المرابحة هو المائة، فجاز أن يخبر به، كما لو لم يربح في الأول. وإن اشترى شيئًا بعشرة، ثم واطأ غلامه الحر وهو الوكيل، فباعه منه، ثم اشتراه بعشرين، وأخبر بالعشرين في بيع المرابحة.. صح الشراء والإخبار، ولكن يكره له ذلك؛ لأنه لو صرّح به في العقد.. لأبطل العقد، فإذا قصده.. كُرِهَ، فإن علم المشتري بذلك.. فهل يثبت للمشتري الخيار؟ فيه وجهان: [أحدهما] : قال الشيخ أبو إسحاق: لا يثبت له الخيار؛ لأن شراءه من غلامه صحيح. و [ثانيهما] : قال ابن الصباغ: يثبت له الخيار؛ لأن هذا ضرب من التدليس، والتدليس محرم في الشرع، فأثبت الخيار.

стр. 2613

[فرع: اشترى من ابنه ليبيع مرابحة] إذا اشترى شيئًا من ابنه أو أبيه أو مكاتبه.. جاز أن يبيعه مرابحة، ولا يلزمه أن يبين ممن اشتراه، وبه قال أبو يوسف، ومحمد. وقال أبو حنيفة، وأحمد: (لا يجوز حتى يبين ممن اشتراه) . دليلنا: أنه أخبر بما اشتراه به صحيحًا.. فجاز بيعه، كما لو اشتراه من أجنبي. وإن اشترى شيئًا بمائة، فاستغلاه، فأخبر بأنه اشتراه بتسعين.. قال الشيخ أبو نصر: فالبيع صحيح، وقد أساء بالكذب. وقال إسحاق بن راهويه: ليس هذا كذبًا إذا كانت إرادته: أنها قامت عليه بتسعين. دليلنا: أنه أخبر بخلاف ما اشترى به، فلا يصح بالنيّة أنها قامت عليه بتسعين؛ لأنها ما قامت عليه إلا بالمائة، والنيّة لا تغيّر موجب اللفظ. [مسألةٌ: بعتكها وربحٌ بقدر العشر] وإن اشترى سلعة بمائة، فقال: بعتكها برأس مالها، وهو مائة وربح درهم لكل عشرة، أو في كل عشرة، أو ربح دَهْ يازْدَهْ.. فإن الربح عشرةٌ، والثمن مائة، ولزِم عليه مائة وعشرة. [فرع: البيع محاططة] ويجوز البيع مواضعةً ومخاسرةً؛ لأنه ثمن معلوم، فجاز البيع به كالمرابحة. فإذا قال: رأس مالي مائة، وقد بعتك برأس مالي ووضيعة دَهْ يازْدَهْ، أو مخاسرةِ دهْ يازدهْ، فالثمن أحدٌ وتسعون درهمًا إلا جُزءًا من أحد عشر جُزءًا من درهم، وبه قال أبو حنيفة. وحكي عن أبي يوسف، ومحمد بن الحسن: أنهما قالا: الوضيعة عشرةٌ. وحكى المسعودي [في " الإبانة " ق\٢٤٢] : أنه وجهٌ لبعض أصحابنا.

стр. 2614

دليلنا: أن الحط يعتبر من الربح، وقد ثبت: أنه لو قال: يربح دهْ يازدهْ.. لزيد على كل عشرة درهم، فيكون أحد عشرة، فيجب أن يحط ذلك الربح، وهو: أن يحط من كل أحد عشر درهمًا درهمٌ، فإذا حطّ من تسعة وتسعين درهمًا تسعة دراهم.. حطّ من الدرهم الباقي جزءًا من أحد عشر جزءًا. وإن قال: بعتك برأس مالي ووضيعة درهم من كل عشرة.. ففيه وجهان: أحدهما ـ وهو قول الشيخ أبي حامد ـ: أن الثمن أحد وتسعون درهمًا إلا جزءًا من أحد عشر جزءًا من درهم؛ لأن الوضيعة معتبرة من الربح. ولو باع بربح درهم في كل عشرة.. لكان الربح عشرة، وكان الربح جُزءًا من أحد عشر جزءًا، فإذا باع بالوضيعة.. وجب أن يحط من المائة جزءًا من أحد عشر جزءًا منها. والثاني ـ وهو قول أبي ثور، واختيار القاضي أبي الطيب، والشيخ أبي إسحاق، وابن الصبّاغ ـ: أن الثمن تسعون؛ لأن المائة عشر عشرات، فإذا وضع من كل عشرة دراهم درهمًا بقي تسعون. قال ابن الصّباغ: فأما إذا قال بوضيعة درهم لكل عشرة: فإن الثمن يكون أحدًا وتسعين درهمًا إلا جزءًا من أحد عشر جزءًا من درهم. [مسألةٌ: خطأ البائع بالثمن] إذا قال: رأس مالي في هذه السلعة مائة، وقد بعتكها برأس مالها وربح درهم على كل عشرة أو في كل عشرة، ثم قال البائع: أخطأت، بل كان رأس مالي فيها تسعين، أو قامت البينة بذلك.. فالمنصوص: (أن البيع صحيح) . وقال مالك: (البيع باطل) . وحكاه القاضي أبو حامد وجهًا لبعض أصحابنا؛ لأن هذا كان مجهولاً عند العقد، وليس بشيء؛ لأن سقوط جزء من الثمن ضرب من التدليس لا يبطل البيع ولا يوجب كونه مجهولاً كأرش العيب، ولأنا لا نسقطه في أحد القولين.

стр. 2615

إذا ثبت هذا: فكم الثمن الذي وقع به البيع؟ فيه قولان: أحدهما: أنه مائة وعشرة، وهو قول أبي حنيفة، ومحمد؛ لأنه هو المسمى في العقد، وإنما بان فيه تدليس وخيانة، وذلك يوجب الخيار دون الحط، كما لو دلّس البائع بعيب. والثاني: أن الثمن تسعة وتسعون درهمًا، وهو قول ابن أبي ليلى، وأبي يوسف، وأحمد، وهو الصحيح؛ لأنه باعه برأس المال وقدر له من الربح، وإنما أخبر بأكثر من ذلك، فوجب حط الزيادة، كالشفعة والتولية. فإذا قلنا: إن الثمن مائة وعشرة.. فلا خيار للبائع، وللمشتري الخيار: بين الإجازة والفسخ؛ لأنه دخل في العقد على أن يأخذ برأس المال، وهذا أكثر منه. وإذا قلنا: إن الثمن تسعة وتسعون.. فهل يثبت للمشتري الخيار؟ نقل المزنيّ و" حرملة ": (أنّ له الخيار) . وذكر الشافعيّ في " اختلاف العراقيين ": (أنه لا خيار له) . وإن كانت السلعة قائمة.. فاختلف أصحابنا فيها على ثلاث طرق: فـ[الطريق الأول] : منهم من قال: في المسألة قولان، سواءٌ ثبت ذلك بالبينة أو بإقرار البائع، وسواءٌ كانت السلعة قائمة أو تالفة. هكذا قال الشيخ أبو حامد: أحدهما: يثبت له الخيار؛ لأنه قد يكون له غرض في شرائها بمائة وعشرة بأن يكون قد حلف: ليشترين عبدًا بمائة وعشرة، أو أوصى إليه أن يشتري عبدًا بهذا الثمن ويعتقه، فإذا بان بدون ذلك.. ثبت له الخيار، ولأنه إن علم ذلك بإقرار البائع.. فلا يؤمن أن يكون الثمن دونه، وأنه قد خان، وإن علمت خيانته بالبينة.. فلعل الباطن بخلاف الظاهر، وأن الثمن دونه. والثاني: لا خيار له، وهو قول ابن أبي ليلى، وأبي يوسف؛ لأنه قد كان رضي بها بمائة وعشرة، فإذا حصلت بدون ذلك.. فقد حصلت له فائدة، فلم يثبت له الخيار، كما لو أمر وكيله أن يبيع عبده بمائة فباعه بمائة وعشرة. و [الطريق الثاني] : من أصحابنا من قال: هي على حالين:

стр. 2616

فحيث قال: (للمشتري الخيار) أراد: إذا كانت السلعة قائمة يمكنه فسخ البيع؛ لأنه يزيل ضررًا عن نفسه ولا يلحق ضررًا بالبائع. وحيث قال: (لا خيار له) أراد: إذا كانت السلعة تالفةً؛ لأنه يزيل ضررًا عن نفسه ويلحقه بالبائع، فلم يجز. و [الطريق الثالث] : من أصحابنا من قال: إن ثبتت خيانة البائع بإقراره.. فلا خيار للمشتري، قولاً واحدًا؛ لأن ذلك يدل على أمانته، وإن ثبت ذلك بالبينة.. فهل يثبت للمشتري الخيار؟ فيه قولان. قال الشيخ أبو حامد: ولعل هذا أسد الطرق. إذا ثبت هذا: فإن قلنا: للمشتري الخيار، ففسخ البيع.. فلا كلام. وإن قلنا: لا خيار له، أو قلنا: له الخيار، فاختار الإجازة.. فهل يثبت للبائع الخيار؟ قال أكثر أصحابنا: فيه وجهان، وحكاهما القاضي أبو الطيب قولين: أحدهما: لا خيار له؛ لأنه رضي ببيعه برأس المال وقدر له من الربح، وقد بان أن هذا هو رأس المال وقدره من الربح. والثاني: له الخيار؛ لأنه دخل في العقد على أن يأخذ بمائة وعشرة، فإذا نقص عن ذلك.. ثبت له الخيار. إذا ثبت هذا: فإن الشيخ أبا إسحاق في " المهذب " أومأ إلى: أن العين إذا كانت تالفةً.. أن البيع يلزم بتسعة وتسعين، قولاً واحدًا، ولا خيار له؛ لأن إثبات الخيار له يؤدي إلى الضرر بالبائع، وهذا مخالفٌ لما تقدم من كلام الشيخ أبي حامد. وذكر ابن الصبّاغ: أنها إذا كانت تالفةً، وقلنا: إنه يأخذ بمائة وعشرة.. فإن خياره لا يسقط، بل يكون بمنزلة المعيب إذا تلف في يده، وعلم بعيبه.. فيرجع بقدر الخيانة، كما يرجع بأرش العيب.

стр. 2617

[مسألةٌ: تغير قول البائع بقدر الثمن] ] : إذا أخبر: أن رأس المال مائة، فباع برأس ماله وربح درهم في كل عشرة، ثم قال البائع: أخطأت، وإنما كان الثمن مائة وعشرة، والربح يكون أحد عشر.. لم يقبل منه؛ لأن هذا رجوع عن إقرار تعلق به حق المشتري، فلم يقبل، كما لو أقرّ له بدين، ثم رجع عنه، فإن أقام بيِّنَة على ذلك.. لم تُسمع؛ لأنه قد كذّبها بإقراره السابق، فإن قال البائع: المشتري يعلم أني صادق، فحلّفوه: أنه ما يعلم.. فهل يلزمه أن يحلف؟ فيه طريقان: [أحدهما] : قال أبو إسحاق: إن تضمّن قوله تكذيب نفسه، مثل: أن يقول: ابتعته بنفسي.. لم يحلف المشتري؛ لأن إقراره يكذبه، وإن لم يتضمن قوله تكذيب نفسه، بأن يقول: ابتاعه وكيلي، وكنت أظن أنه ابتاعه بمائة، وقد بان لي أنه ابتاعه بمائة وعشرة.. حلف المشتري؛ لأن إقراره لم يتقدم بتكذيب نفسه. و [الثاني] : من أصحابنا من قال: يبنى على القولين في يمين المدَّعي مع نكول المدَّعى عليه. فإن قلنا: إنها كالبينة.. لم تعرض اليمين على المشتري. وإن قلنا: إنها كإقرار المدّعى عليه.. عرضت اليمين على المشتري؛ لأن البائع هاهنا هو المدعي، والمشتري مدَّعى عليه، فإذا عرضنا اليمين على المشتري.. فربما نكل عن اليمين فردت على البائع، فيكون يمينه بمنزلة بينة يقيمها، وقد قلنا: إن بيِّنته لا تقبل، فكذلك ما يقوم مقامها. وإن قلنا: إن يمينه بمنزلة إقرار المشتري.. عرضت اليمين على المشتري؛ لجواز أن ينكل، فيحلف البائع، فيكون كإقرار المشتري، وإقراره مقبول. قال ابن الصباغ: وهذا أصح. فإذا قلنا: لا يحلف المشتري.. فلا كلام، وإن قلنا: إنه يحلف.. فإنه يحلف: أنه ما يعلم أن البائع اشتراها بمائة وعشرة؛ لأنه يحلف على نفي فعل غيره، فحلف

стр. 2618

على نفي العلم. فإن حلف.. انصرف البائع، وإن نكل.. رُدَّت اليمين على البائع، فيحلف على القطع: أنه اشتراها بمائة وعشرة؛ لأنه يحلف على فعل نفسه، فإذا حلف.. صار الثمن مائة وأحدًا وعشرين، ويثبت للمشتري الخيار بين الفسخ والإجازة؛ لأنه دخل على أن يكون الثمن مائة وعشرة، فإذا لزمه الأكثر من ذلك.. ثبت له الخيار. وبالله التوفيق

стр. 2619

[باب النجش والبيع على بيع أخيه وبيع الحاضر للبادي] باب النجش والبيع على بيع أخيه وبيع الحاضر للبادي وتلقي الركبان والتسعير والاحتكار قال الشافعي ﵀: (والنجش خديعة، وليس من أخلاق أهل الدين) . وجملة ذلك: أن النجش حرام، وهو: أن يزيد الرجل في ثمن السلعة وهو لا يريد شراءها، فيراه المشتري، فيظن أنها تساوي ذلك. والدليل على تحريمه: ما روى ابن عمر ﵁: «أن النبي ﷺ نهى عن النجش» .

стр. 2620

وروى أبو هريرة: أن النبي ﷺ قال: «لا تناجشوا، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانًا» . ولأن هذا خديعة ومكر، فكان حرامًا. فإن اغتر رجل بمن ينجش، فاشترى.. كان الشراء صحيحًا، وقال مالك: (يكون باطلاً) لأجل النهي. دليلنا: أن النهي لمعنى في غير المبيع، وإنما هو للخديعة، فلم يمنع صحة البيع. وهل يثبت للمشتري الخيار إذا علم؟ ينظر فيه: فإن لم يكن النجش بمواطأة من البائع.. فلا خيار للمشتري؛ لأنه لم يوجد من جهة البائع تدليس، وإن كان النجش بمواطأة من البائع.. فهل يثبت للمشتري الخيار؟ فيه وجهان: [أولهما] : قال أبو إسحاق: يثبت له الخيار؛ لأن ذلك تدليس من جهة البائع، فأشبه التصرية. والثاني: لا يثبت له الخيار، وهو ظاهر النص؛ لأنه ليس فيه أكثر من الغبن،

стр. 2621

وذلك لا يثبت الخيار؛ لأن التفريط جاء من قبل المشتري، حيث اشترى ما لا يعرف قيمته، فأمّا إذا قال البائع: أُعطيت بهذه السلعة كذا، فصدّقه المشتري، فاشتراها بذلك، ثم بان أنه كاذب في ذلك.. فإن البيع صحيح. قال ابن الصبّاغ: وينبغي أن يكون في إثبات الخيار للمشتري هذان الوجهان. [مسألةٌ: مما نهي عنه من البيع] قال الشافعي: قال النبي ﷺ : «لا يبع بعضكم على بيع بعض» . وجملة ذلك: أن الرجلين إذا تبايعا عينًا وبينهما خيار مجلس أو خيار شرط، فجاء رجل إلى المشتري، فقال: أنا أبيعك مثل هذه السلعة بدون ثمنها الذي اشتريتها به، أو أبيعك خيرًا منها بمثل ثمنها.. فهذا حرامٌ لا يحل؛ لما روى ابن عمر: أن النبي ﷺ قال: «لا يبع بعضكم على بيع بعض» . وروى أبو هريرة: أن النبي ﷺ قال: «لا يبع أحدكم على بيع أخيه» ، ولأن هذا إضرار وإفساد فلم يحل.

стр. 2622

وهكذا: إذا قال للبائع في مدة الخيار: افسخ البيع وأنا أشتريها منك بأكثر من هذا الثمن.. فإن هذا محرمٌ؛ لأن فيه معنى نهي النبيّ ﷺ ، فإن فسخ ـ المشتري في الأولى، أو البائع في الثانية ـ البيع، وبايع الثاني.. صحَّ؛ لأن النهي كان لا لمعنًى في البيع.. فلم يمنع جواز البيع. [مسألةٌ: السوم على سوم آخر] وأمّا السوم على سوم أخيه: ففيه ثلاث مسائل: إحداهن: أن يسأل رجل رجلاً أن يبيعه سلعة، فيرده البائع، ولا يؤخذ منه ما يدل على الرِّضا بالبيع، فلا يحرم على غيره أن يسأله أن يبيعه إياها؛ لأنه لا ضرر على الأول بذلك. الثانية: إذا أجابه البائع إلى البيع، بأن يصرح بالرضا بالبيع، أو يأذن لوكيله أن يعقد له، فيأتي آخر إلى البائع، فيقول: أنا أشتريها منك بأكثر من ذلك الثمن أو بأجود منه.. فهذا الفعل محرّم؛ لما روي: أن النبي ﷺ قال: «لا يخطبن أحدكم على خطبة أخيه، ولا يسومن أحدكم على سوم أخيه» ، ولأن فيه إضرارًا بالأول.

стр. 2623

الثالثة: أن لا يصرح البائع بالرضا بالبيع من الأول، ولكن وجد منه ما يدل عليه، بأن يقول: أنا أشاور على ذلك، وما أشبهه، فهل يحرم على غيره أن يدخل على سومه؟ فيه وجهان، بناءً على القولين في الدخول على خطبة غيره إذا وجد من الوليّ التعريض بالإجابة: [أحدهما] : قال في القديم: (يحرم) ؛ لأن في إفسادًا لما تقارب بينهما. و [الثاني] : قال في الجديد: (لا يحرم) ؛ لأنه لم يوجد منه الرِّضا بذلك. هذا إذا سام على سوم أخيه. فأمّا إذا استام على سوم أخيه، مثل: أن قال البائع: أبيعكها بمائة، وقال المشتري: بل أشتريها بتسعين، فيجيء إنسان إلى المشتري، فيقول له: أنا أبيعك مثل هذه السلعة بما قلت أو دونه.. ففيه المسائل الثلاث، إن لم يوجد من المشتري ما يدل على ركونه إلى قول البائع.. فلا يحرم، وإن وجد منه الرضا بقول البائع.. فيحرم، وإن وجد منه التعريض بالرّضا بذلك.. فهل يحرم؟ فيه وجهان. إذا ثبت هذا: فإن سام، أو استام، واشترى، أو باع.. صحّ ذلك؛ لأن النهي لمعنًى في غير المبيع، فلم يمنع صحة البيع. فأمّا إذا عرضت السلعة في حال النداء: لم يحرم على من أراد أن يشتريها الزيادة في ثمنها؛ لما روى أنس: «أن رجلاً من الأنصار أصابه جوعٌ وجهدٌ، فشكا إلى النبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ : "ما لك شيءٌ؟ " قال: بلى، حلسٌ وقدَحٌ، فقال ﷺ : "اذهب، فأت بهما"، فأتى بهما، فقال النبي ﷺ : "من يشتريهما؟ "، فقال رجلٌ: أنا أشتريهما بدرهم، فقال النبي ﷺ : "من يزيد على درهم " فقال آخر: أنا أشتريهما بدرهمين، فقال النبي ﷺ : "هما لك بدرهمين» ، ولأن هذا لا يؤدي إلى الإفساد؛ لأنه لا يقصد بالنداء رجلاً

стр. 2624

بعينه، وإنما يطلب استكثار الثمن. و (الحلس) : كل شيء ولي ظهر البعير تحت القتب أو لازمه ولم يفارقه. [مسألةٌ: بيع حاضر لباد] ويحرم أن يبيع الحاضر للبادي، وهو: أن يقدم البادي إلى القرية أو البلد بمتاع فيجيء إليه الحاضر في البلد، فيقول: لا تبعْه، فأنا أبيعه لك، وأزيد لك في ثمنه؛ لما روى أبو هريرة: أن النبي ﷺ قال: «لا يبع حاضر لباد، دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض» . وروى أنسٌ: أن النبي ﷺ قال: «لا يبعْ حاضرٌ لباد، وإن كان أباه أو أخاه» . وروى طاوس، عن ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ قال: «لا يبعْ حاضرٌ لباد» . قال طاوس: قلت لابن عباس: ما معنى: «لا يبعْ حاضرٌ لبادٍ» ؟ قال: لا يكون له سمسارًا.

стр. 2625

إذا ثبت هذا: فإنما يحرم ذلك بشروط: أحدها: أن يكون البادي إنما حمل المتاع للبيع، فأمّا إذا حمله لغير البيع: فلا يحرم ذلك على الحاضر. الشرط الثاني: أن يكون البادي عازمًا على البيع في الحال، ولا يريد التربص به، فأمّا إذا كان البادي يريد التربص ببيعه.. لم يحرم ذلك على الحاضر. الثالث: أن يأتي الحاضر إلى البادي، ويسأله ذلك، فأما إذا جاء البادي إلى الحاضر وسأله أن يبيع له.. لم يحرم عليه ذلك؛ لقوله ﷺ : «إذا استنصح أحدكم.. فلينصح» ، ولأنا لو منعنا الحاضر من البيع في ذلك.. أدّى ذلك إلى الإضرار

стр. 2626

بصاحب المتاع، وربّما أدّى ذلك إلى انقطاع الجلب؛ لأن كل أحد لا يقدر على البيع بنفسه. الشرط الرابع: أن يكون في الناس حاجة إلى ذلك المتاع، والبلد ضيق، فإذا بيع ذلك لمتاع فيه.. اتسع فيه أهل البلد، فأمّا إذا لم يكن على أهل البلد في بيع الحاضر مضرّة، بأن يكون البلد كبيرًا، لا ضرر عليهم في حبس المتاع عنه.. ففيه وجهان: أحدهما: يحرم على الحاضر البيع له؛ لعموم الخبر. والثاني: لا يحرم عليه؛ لأنه لا مضرة على أهل البلد بذلك. إذا ثبت هذا: فكل موضع وجدت فيه هذه الشرائط، وباع الحاضر فيها للبادي.. صحّ البيع؛ لأن النهي لا يعود إلى معنًى في المبيع، فلم يمنع صحّة البيع. [مسألةٌ: تلقي الركبان] قال الشافعي: (قال النبي ﷺ : «لا تتلقّوا الركبان للبيع» . وهذا كما قال: لا يحل تلقي الركبان للبيع، وهو: أن يسمع بقدوم قافلة إلى البلد ومعها متاع فيتلقاها، ويخبرهم بكساد متاعهم، وهم لا يعرفون سعر متاعهم في البلد؛ لبعدهم، فيغرُّهم، ويشتري منهم بدون سعر البلد؛ لما روى أبو هريرة: «أن النبي ﷺ نهى عن تلقِّي الجلب، فإن تلقّاها متلقٍّ.. فصاحبها بالخيار إذا ورد السوق» ، وروى ابن

стр. 2627

عمر: أن النبي ﷺ قال: «لا تتلقوا السلع حتى يهبط بها الأسواق» ، ولأن فيه إضرارًا بأهل السلع؛ لأن أهل البادية قد لا يعرفون سعر السوق، فيغرهم، فإن خالف وتلقّاهم، واشترى منهم.. صحّ الشراء؛ لأن النبي ﷺ أثبت للبائع الخيار، فلولا أنّ البيع صحيح.. لما أثبت له الخيار؛ ولأنه ليس فيه أكثر من الغرور والتدليس، وذلك لا يمنع صحّة البيع، كالتصرية، فإذا قدم البائع السوق.. نظرت: فإن كان المشتري قد اشترى منهم بدون سعر البلد ثبت للبائع الخيار؛ لما ذكرناه في الخبر. وإن اشترى منهم بسعر السوق أو أكثر.. ففيه وجهان: أحدهما: يثبت للبائع الخيار؛ للخبر. والثاني: لا خيار له؛ لأن المشتري ما غرّه، ولا دلّس عليه. إذا ثبت هذا: فكم قدر مدة الخيار؟ فيه وجهان، حكاهما ابن الصبّاغ: أحدهما: ثلاثة أيام؛ لأنه خيار تدليس، فأشبه خيار المصرّاة. والثاني ـ وهو الصحيح ـ: أنه على الفور؛ لأنه خيار لغير استعلام العيب، فكان على الفور، كخيار الثلاث، ويخالف المصراة، فهي لاستعلام العيب؛ لأنه قد لا يطلع على التصرية بدون الثلاث. [فرعٌ: الخروج لغير التلقي] وإن خرج لحاجة غير التلقّي، فوافى القافلة.. فهل يجوز له أن يشتري منهم؟ فيه وجهان:

стр. 2628

أحدهما: يجوز؛ لأنه لم يقصد التلقي. والثاني: لا يجوز. قال ابن الصباغ: وهو الصحيح؛ لأن المعنى الذي نهي عن التلقي لأجله موجود. وإن خرج، وتلقى القافلة، وباع عليهم المتاع.. ففيه وجهان، حكاهما ابن الصبّاغ: أحدهما: لا يجوز، كما لا يجوز أن يشتري منهم، ولأن في ذلك اختصاصًا به دون أهل البلد. والثاني: يجوز؛ لأن النهي تعلّق بالشراء دون البيع. [مسألةٌ: في التسعير] التسعير عندنا محرّم، وهو: أن يأمر الوالي أهل الأسواق أن لا يبيعوا أمتعتهم إلا بسعر كذا وكذا، سواء كان في بيع الطعام أو في غيره، وسواء كان في حال الرخص أو في حال الغلاء. هذا نقل أصحابنا البغداديين. وقال المسعودي [في " الإبانة "] : إن كان في البلد قحطٌ وجدوبةٌ.. فهل يجوز للسلطان التسعير؟ فيه وجهان. وقال مالك: (يجوز للسلطان التسعير بكل حال) . دليلنا: ما روى أنس قال: «غلا السعر على عهد رسول الله ﷺ ، فقالوا: يا رسول الله، غلا السعر، فسعِّر لنا، فقال رسول الله ﷺ : "إن الله هو المسعر القابض الباسط الرازق، وإنِّي لأرجو أن ألقى الله، وليس أحدٌ يطلبني بمظلمة في دم أو مال» .

стр. 2629

ولأن الناس مسلطون على أملاكهم، فلا يجوز أن يؤخذ منهم إلا برضائهم، ما لم يكن حالة ضرورة. قال أبو إسحاق المروزي: إنما منع الشافعي من تسعير الطعام إذا كان يجلب إلى البلد، فأمّا إذا كان البلد لا يجلب إليه الطعام، بل يزرع فيها، ويكون عند التناء فيها.. فيجوز للإمام أن يسعر عليهم إذا رأى في ذلك مصلحة. قال الشيخ أبو حامد: وهذا غلط، بل الكل محرّمٌ؛ لأن ذلك يؤدي إلى الغلاء؛ لأن أصحابها يمتنعون من بيعها. [مسألةٌ: احتكار الطعام] ويحرم احتكار الطعام، وهو: أن يشتري الإنسان من الطعام ما لا يحتاج إليه في حال ضيقه وغلائه على الناس، فيحبسه عنهم ليزداد في ثمنه، ومن أصحابنا من قال: هو مكروهٌ، وليس بمحرّم. والأول أصح؛ لما روى أبو أمامة: «أن النبي ﷺ نهى أن يُحتكرَ الطعام» .

стр. 2630

وروى ابن عمر: أن النبي ﷺ قال: «من احتكر الطعام أربعين ليلة.. فقد برئ من الله، وبرئ الله منه» . وروي عنه ﷺ : أنه قال: «الجالب مرزوق، والمحتكر ملعونٌ» . وروي: «أن عمر ﵁ خرج يومًا مع أصحابه، فرأى طعامًا كثيرًا قد أُلقي على باب مكة، فقال: ما هذا الطعام؟ فقالوا: أُجلب إلينا، فقال: بارك الله فيه، وفيمن جلبه، قيل له: فإنه قد احتكر، قال: ومن احتكره؟ فقالوا: فلان، مولى عثمان، وفلان مولاك، فأرسل إليهما، فجاءا، فقال لهما: ما حملكما على احتكار طعام المسلمين؟ قالا: نشتري بأموالنا ونبيع، فقال عمر: سمعت النبي ﷺ يقول: "من احتكر على المسلمين طعامهم.. لم يمت حتى يضربه الله بالجذام أو الإفلاس» .
следующие страницы →