Полный текст (7 092 стр.). Показаны 3186–3225 · переход к 3191.
стр. 3186
ومنهم من قال: لا تبطل وجها واحدا؛ لأنه وإن كان من جهة السيد أمر، فهي وكالة في الحقيقة من جهة الموكل.
وإن قال السيد لعبده: إن شئت فتوكل له، وإن شئت فلا تتوكل له، فتوكل له، ثم أعتقه السيد، أو باعه.. لم تبطل الوكالة، وجها واحدا؛ لأن السيد لم يأمره، وإنما خيره، فصار ذلك وكالة في الحقيقة.
[مسألة: ضمان الوكلاء ونحوهم]
] قال الشافعي ﵀: (ولا ضمان على الوكلاء، ولا على الأوصياء، ولا على المودعين، ولا المقارضين، إلا أن يتعدوا، فيضمنوا) .
وجملة ذلك: أن الأيدي ثلاث: يد أمانة، ويد ضامنة، ويد اختلف قول الشافعي فيها.
فأما (يد الأمانة) : فهي يد الحاكم، وأمين الحاكم، والوصي، والمرتهن، والوكيل، والمودع، والمقارض، والشريك، والمساقي، والمستأجر؛ لأنهم يمسكون العين لمنفعة مالكها، وبالناس إلى ذلك حاجة، فلو قلنا: إن عليهم الضمان.. لامتنع الناس من قبول ذلك.
وأما (اليد الضامنة) : فيد المستعير، والغاصب، والمساوم، ومن أخذ الشيء ببيع فاسد.
وأما (اليد التي اختلف قول الشافعي فيها) : فيد الأجير المشترك، ويأتي بيان ذلك في (الإجارة) .
إذا ثبت هذا: فإن دفع إليه سلعة، ووكله في بيعها، وقبض ثمنها، فتلفت العين في يده، أو قبض ثمنها، فتلف في يده من غير تفريط.. لم يجب عليه الضمان؛ لأن يد الوكيل كيد الموكل، فكان الهالك في يده كالهالك في يد موكله.
стр. 3187
[فرع: تأخر الوكيل برد ما وكل به]
] إذا طالب الموكل برد ما بيده.. وجب عليه رده عليه على حسب إمكانه، فإن أخر الرد.. نظرت:
فإن كان لعذر.. لم يصر بذلك ضامنا.. قال أبو إسحاق: والعذر: مثل أن يكون قد خرج ليصلي صلاة الجماعة، فأخر ليفرغ من الصلاة، أو كان يبيع ويشتري في السوق، فقال حتى أرجع إلى البيت، أو كان مريضا، فقال: لا أحب أن يتولى إخراجها غيري، لأني قد أحرزتها، أو كان محبوسا، فقال: حتى أخلى أو كان في الحمام، أو يأكل الخبز، فقال حتى أفرغ، أو كان في وقت نومه، أو كان يحفظ مالا لا يخشى ضياعه، أو ملازما لغريم له، لأنه غير مفرط بذلك. قال: وكذلك إذا طالبه به، فقال: هو في الصندوق، وقد ضاع المفتاح.. فإنه لا يجبر على كسر القفل، بل يؤخر حتى يجد المفتاح، أو يصلح غيره؛ لأنه غير مفرط.
وإن أخر الرد لغير عذر، أو أخره لعذر ولكن زال العذر ولم يشتغل بالرد.. ضمن؛ لأنه مفرط بذلك، وإذا طالبه بالرد، فمنعه من غير عذر.. ضمنها، سواء تلف قبل أن يمضي زمان إمكان الرد، أو لم يمض؛ لأنه صار ضامنا بالمنع من غير عذر فإن ادعى الوكيل أنه قد كان تلف قبل المطالبة برده، أو قال: كنت رددته.. لم يقبل قوله؛ لأنه صار مكذبا لنفسه ضامنا في الظاهر، فإن أقام على ذلك بينه.. فهل تسمع؟ فيه وجهان:
أحدهما: تسمع، كما لو صدقه الموكل على ذلك.
والثاني: لا تسمع، وهو اختيار القاضي أبي الطيب؛ لأنه قوله يكذب بينته، ويخالف إذا صدقه الموكل؛ لأنه يقر ببراءته، فلم يستحق مطالبته.
وأما إذا طالبه برده، فأمتنع الوكيل من رده، وعنده أن الشيء باق، ثم بان أنه كان تالفا.. فهل يلزمه الضمان؟ فيه وجهان:
стр. 3188
أحدهما: يلزمه الضمان؛ لأنه لما منعه.. تبينا أنه كان ممسكا له على نفسه.
والثاني: لا ضمان عليه؛ وهو الأصح؛ لأن التعدي وجد بعد التلف.
[فرع: استخدام الوكيل ما وكل به]
] : وإذا دفع إليه ثوبا ليبيعه، فلبسه الوكيل، أو دفع إليه دابة ليبيعها، فركبها. صار ضامنا بذلك، وهل تبطل وكالته؟ فيه وجهان:
أحدهما: تبطل وكالته، فلا يصح بيعه؛ لأنه عقد أمانة، فبطل بالخيانة كالوديعة.
والثاني: لا تبطل وكالته، فيصح بيعه؛ لأن الوكالة تضمنت الأمانة والتصرف، فإذا بطلت الأمانة بالخيانة.. بقي التصرف، كالرهن يقتضي الوثيقة والأمانة، فإذا تعدى في الرهن. بطلت الأمانة، وبقيت الوثيقة، وتخالف الوديعة، فإنها مجرد أمانة لا غير.
فإذا قلنا بهذا، وباع الوكيل.. فمتى يبرأ من الضمان؟ فيه وجهان، حكاهما ابن الصباغ:
أحدهما - ويقول عامة أصحابنا -: أنه لا يبرأ إلا بتسليم المبيع إلى المشتري.. لأنه لو تلف في يده قبل التسليم إلى المشتري، لانفسخ البيع وعاد إلى ملك الموكل، فكان مضمونا عليه.
والثاني - وهو قول القاضي أبي الطيب -: أن بنفس البيع يزول عنه الضمان؛ لأنه صار ملكا للمشتري، فإذا قبض الثمن.. صار أمانة في يده؛ لأنه قبضه بإذن الموكل. ولم يوجد منه التعدي فيه.
فإن وجد المشتري بالبيع عيبا، فرده على الوكيل.. قال ابن الصباغ: فعندي أنه يعود مضمونا عليه؛ لأن المشتري ما قبضه للموكل، وإنما قبضه لنفسه، فزال الضمان بذلك، فإذا فسخ العقد.. انفسخ القبض، وعاد الضمان كما كان.
стр. 3189
[فرع: ضمان الوكيل بالتعدي]
] فإن دفع إليه دراهم، ووكله ليشتري له بعينها سلعة، فتعدى الوكيل فيها.. صار ضامنا لها، فإن اشتراها بها بعد ذلك للموكل.. فهل يصح؟ على الوجهين في المسألة قبلها، فإذا قلنا: يصح.. فمتى يزول عنه ضمانها؟ على الوجهين.
وإن أمره يشتري بثمن في الذمة وينقد الثمن منها، فتعدي الوكيل فيها بأن ترك حفظها، ثم اشترى بعد ذلك في الذمة للموكل.. صح الشراء له، وجها واحدا؛ لأنه لم يتعد فيما تناوله العقد، فإذا نقد الدراهم.. برئ من ضمانها.
وإن استقرض الوكيل الدراهم، وأتلفها.. بطلت وكالته، وجها واحدا؛ لأنه إن كان قد أمره أن يشتري بعينه.. فقد تعذر ذلك بتلفها، فجرى مجرى من وكل في بيع عبد فمات، وإن كان أمره أن يشتري في الذمة وينقد الثمن منها.. فإنه إنما أمره بالتصرف في تلك الدراهم، فإذا تلتفت.. لم يملك الشراء.
[فرع: تلف الثمن في يد الوكيل من غير تفريط]
] : وإن وكله في بيع سلعة وقبض ثمنها، فباعها، وقبض ثمنها، وتلف في يده من غير تفريط، واستحق المبيع.. رجع المشتري بالعهدة على الموكل دون الوكيل.
وقال أبو حنيفة: (يرجع بالعهدة على الوكيل) .
دليلنا: أن البيع للموكل، فكانت العهدة عليه، كما لو باع بنفسه، ولأن الوكيل نائب في العقد، فلا يرجع بالعهدة عليه، كالولي، والحاكم، وأمين الحاكم.
[مسألة: القول قول الموكل]
] : إذا أدعى رجل على آخر أنه وكله في تصرف، وأنكر الموكل.. فالقول قوله مع يمينه؛ لأن الأصل عدم الوكالة.
стр. 3190
وإن قال: وكلتني أن أبيع لك الجارية، فقال: بل وكلتك أن تبيع لي العبد.. فالقول قول الموكل مع يمينه؛ لأنه لما كان القول قوله في أصل الوكالة.. كان القول قوله في صفتها.
وإن وكل رجلا في بيع عين، فباعها الوكيل بثمن إلى أجل، فقال الموكل: إنما أذنت لك في بيعها بثمن حال، أو ببيع مطلق، فإن صدقه الوكيل والمشتري على ذلك.. حكم ببطلان البيع، فإن كانت العين قائمة.. أخذها الموكل، فإن كانت العين في يد المشتري.. كان له أن يطالب بردها من شاء منهما؛ وإن كانت العين قد تلفت في يد المشتري.. رجع الموكل ببدلها على من شاء منهما؛ لأن الوكيل دفع ما لم يكن له دفعه، والمشتري قبض ما لم يكن له قبضه، فإن رجع على الوكيل.. كان للوكيل أن يرجع على المشتري، وإن رجع على المشتري.. لم يرجع المشتري على الوكيل؛ لأن التلف حصل في يد المشتري، فاستقر الضمان عليه.
وإن كذباه، وقالا: إنما أذنت ببيعها إلى أجل.. فالقول قول الموكل مع يمينه؛ لأنه لما كان القول قوله في أصل الوكالة.. كان القول قوله في صفتها، فإذا حلف، وكانت السلعة قائمة.. أخذها، وإن تلفت في يد المشتري.. رجع بقيمتها على من شاء منهما، فإن رجع على المشتري.. لم يرجع المشتري على الوكيل؛ لأن التلف حصل بيده.
قال ابن الصباغ: إلا أن يكون الوكيل قد قبض منه الثمن، فيرجع به عليه؛ لأنه لم يسلم له المبيع.
وإن رجع على الوكيل. قال ابن الصباغ: لم يرجع الوكيل على المشتري في الحال بشيء؛ لأنه يقر: أنه ظلمه بالرجوع عليه، فإذا حصل الأجل.. كان للوكيل أن يرجع عليه بأقل الأمرين من القيمة، أو الثمن المسمى؛ لأن القيمة إن كانت أقل.. فإن الوكيل يقر له بجميع الثمن، ولا يدعي عليه إلا القيمة، وإن كان الثمن أقل.. لم يرجع على المشتري بأكثر منه؛ لأنه يدعي أن الموكل ظلمه بأخذ الزيادة.
стр. 3191
وإن صدقه أحدهما، وكذبه الآخر، فإن أراد الرجوع على المصدق.. رجع عليه بغير يمين، وإن أراد أن يرجع على المكذب.. لم يرجع عليه حتى يحلف، فيرجع عليه، كما هو الحال في تكذيبهما.
[فرع: لا يقبل قول الوكيل على الموكل]
] : وإن اتفقا على الوكالة، واختلفا في التصرف، فادعى الوكيل أنه قد باع العين التي وكل في بيعها، وادعاه المشتري، وقال الموكل: لم تبعها. أو قال الوكيل: قد بعت، وقبضت الثمن، وتلف الثمن في يدي، وادعاه المشتري، وقال الموكل: لم يقبضه.. ففيه قولان:
أحدهما: لا يقبل قول الوكيل على موكله، بل القول قول الموكل؛ لأن الوكيل يقر بحق موكله، فلم يقبل، كما لو أقر بدين عليه، أو أبرأه من حق.
والثاني: يقبل إقرار الوكيل، وبه قال أبو حنيفة، واختاره القاضي أبو الطيب؛ لأنه يملك البيع والقبض، فقبل إقراره فيه، كما يقبل إقرار أبي البكر بنكاحها، إلا أن أبا حنيفة ناقض في مسألة، وقال: (إذا وكله أن يتزوج له امرأة، فأقر الوكيل: أنه تزوجها له، وادعت المرأة ذلك، وأنكر الموكل. لم يقبل قول الوكيل؛ لأنه يمكنه إقامة البينة على النكاح؛ لأنه لا يعقد حتى يحضر شاهدين) .
فإذا قلنا: يقبل قول الوكيل، فأقر بقبض الثمن من المشتري، وأنه تلف في يده، وحلف الوكيل، ثم خرج المبيع مستحقا، فرجع المشتري على الوكيل بالثمن.. قال أبو العباس: لم يكن للوكيل أن يرجع على موكله؛ لأن ذلك يؤدي إلى أن يستحق الرجوع عليه بقوله ويمينه، فهو كما لو باع شيئا، ثم اختلفا في عيبه، فحلف البائع، فلو وجد به عيبا قديما، فرده به.. فليس للبائع أن يطالبه بأرش العيب الذي حلف على حدوثه في يد المشتري، بل يكون القول قول المشتري.
стр. 3192
قال ابن الصباغ: وفي رجوع الوكيل على موكله في هذه نظر؛ لأنه يثبت بيمينه قبضه للثمن وتلفه، فأما الرجوع: فإنما يثبت له بسبب آخر، وهو أنه نائب عنه في البيع وهذا كما نقول في النسب: إنه لا يثبت بشهادة النساء، وإذا أثبتن الولادة في الفراش.. ثبت النسب.
[فرع: اختلاف قول الموكل والوكيل]
] : وإن وكله أن يشتري له عبدا بثمن معين، أو بثمن في الذمة، فاشتراه، ثم قال الوكيل: اشتريته بألف، وصدقه البائع، وقال الموكل: بل اشتريته بخمسمائة. ولا بينة. قال ابن الصباغ: فهي على القولين. ولم يذكر الشيخ أبو حامد في " التعليق "، والمحاملي إلا: أن القول قول الموكل.
وقال أبو حنيفة: (إن كان الشراء في الذمة.. فالقول قول الموكل، وإن كان الشراء بعين مال الموكل.. فالقول قول الوكيل؛ لأن الثمن إذا كان في الذمة.. كان الموكل غارما، والقول قول الغارم، وإذا كان الثمن معينا.. فإن الغارم هو الوكيل؛ لأنه يريد المطالبة برد ما زاد على خمسمائة) .
دليلنا: أنه يملك الشراء، فملك الإقرار بكيفيته، كالأب في تزويج ابنته البكر، وما ذكروه من الفرق.. فغير صحيح؛ لأن في الموضعين الغرم على الموكل.
[فرع: ثبوت قول الوكيل مع البينة]
] : إذا وكله أن يشتري له جارية، فاشتراها الوكيل بعشرين، ثم اختلفا، فقال الوكيل: أمرتني أن اشتريها لك بعشرين، وقد اشتريتها لك بذلك. وقال الموكل: بل أمرتك أن تشتريها لي بعشرة، فاشتريتها بعشرين فلا يلزمني الشراء، فإن كان مع الوكيل بينة أنه أذن له بذلك، فأقامها.. حكم له بذلك، ولزم الموكل الثمن، وإن لم يكن مع الوكيل بينة. فالقول قول الموكل مع يمينه: أنه ما أمره أن يشتري له إلا بعشرة؛ لأنهما لو اختلفا في أصل إذنه.. لكان القول قوله، فكذلك إذا اختلفا في صفة إذنه.
стр. 3193
فإذا حلف الموكل.. برئ من الابتياع، وتبقى الخصومة بين الوكيل والبائع، فإن كان الوكيل قد اشترى الجارية بعين مال الموكل، وذكر في العقد: أنه يبتاع لموكله بعين ماله.. حكم بفساد البيع؛ لأن الموكل لم يثبت إذنه بذلك، وإن لم يذكر في العقد أنه ابتاع لموكله بعين ماله، إلا أن البائع صدقه على ذلك.. حكم بفساد البيع؛ لما ذكرناه.
وإن كذبه البائع، فقال ما اشتريتها لغيرك بعين ماله، وإنما اشتريتها لنفسك بمالك.. حكم للبائع؛ لأن الظاهر أنه اشترى لنفسه، ويحلف البائع: أنه لا يعلم أنه اشتراها لغيره بمال موكله؛ لأنه يحلف على نفي فعل غيره، فإذا حلف.. مضى البيع، وغرم الوكيل لموكله ما دفع من ماله.
وإن كان الوكيل قد اشترى الجارية بثمن في الذمة، فإن لم يذكر في العقد: أنه يشتريها للموكل.. لزم الشراء على الوكيل؛ لأنه اشترى لغيره في الذمة ما لم يأذن له فيه، وإن ذكر الوكيل في الشراء: أنه يشتريها لموكله، فإن اعترف البائع أنها للموكل.. كان الشراء باطلا، وإن قال البائع: ذكرت أنك تبتاع للموكل في العقد، ولكن ما ابتعتها إلا لنفسك.. ففيه وجهان:
أحدهما: يصح الشراء للوكيل.
والثاني لا يصح وقد مضى ذكرهما. هكذا ذكر الشيخ أبو حامد في " التعليق " وقال المحاملي: إذا اشترى في الذمة، وذكر أنه يشتريها للموكل: فعلى الوجهين، سواء صدقه البائع على ذلك أو كذبه.
فكل موضع قلنا: البيع باطل.. فلا تفريع عليه، وكل موضع قلنا: البيع فيه صحيح.. فإن الجارية تكون ملكا للوكيل، وهل يملكها ظاهرا وباطنا، أو في الظاهر دون الباطن؟ ينظر فيه:
فإن كان الوكيل كاذبا في إذن الموكل له في ابتياعها بعشرين.. فإنه يملكها ظاهرا وباطنا؛ لأن البيع وقع له.
стр. 3194
وإن كان الوكيل صادقا في أن الموكل أذن له في ابتياعها بعشرين.. فإن الوكيل يملكها في الظاهر، وفي الباطن هي ملك للموكل، فلا يحل له وطؤها؛ لأنها ملك غيره.
قال المزني، والشافعي: (يستحب في مثل هذا أن يرفق الحاكم بالموكل، ويقول له: إن كنت أمرته أن يشتريها بعشرين.. فبعه إياها بعشرين، فإذا قبل الوكيل.. حل له وطؤها) . فإن قال الموكل للوكيل: بعتك هذه الجارية بعشرين، أو وليتكها بعشرين، فقال الوكيل: قبلت.. ملكها ظاهرا وباطنا، وإن قال الموكل: إن كنت أمرتك أن تشتريها بعشرين.. فقد بعتكها بعشرين وأو وليتكها بعشرين، فقال الوكيل: قبلت.. فهل يملكها في الباطن؟ فيه وجهان:
[أحدهما] : من أصحابنا من قال: لا يملكها بذلك في الباطن؛ لأنه بيع معلق على شرط، فلم يصح، كما قال: إذا جاء رأس الشهر.. فقد بعتكها بعشرين.
قال: والمزني إنما حكى كلام الحاكم لا كلام الموكل.
و [الثاني] : منهم من قال: يصح ويملكها في الباطن بذلك؛ لأنه شرط يقتضيه الإيجاب؛ لأنه لا يصح أن يبيعه إلا إن كان قد أذن له، وكل أمر يعلمان وقوعه.. فلا يضر شرطه، كما لو اتفقا أن هذا الشيء ملكه، فقال: إن كان هذا ملكي.. فقد بعتكه، فيصح.
قال ابن الصباغ: وعندي أن الموكل لا يقال له: قل: قد بعتكها مطلقا؛ لأنه يؤدي إلى تكذيب قوله، والإقرار منه بالملك، فإن لم يفعل الموكل ذلك.. لم يجبر على ذلك؛ لأنه قد ثبتت بيمينه براءته.
فعلى هذا: ما يصح أن يصنع الوكيل بالجارية؟ فيه وجهان.
أحدهما: يملكها ظاهرا وباطنا؛ لأنا قد حكمنا بفسخ العقد في حكم الموكل،
стр. 3195
فكانت ملكا للوكيل، كما لو باع رجل جارية من غيره، فأفلس المشتري بالثمن، وحجر عليه، فرجع البائع إلى جاريته.
فعلى هذا: يحل له وطؤها، واستخدامها، وبيعها، وهبتها من غيره.
والثاني: لا يملكها في الباطن، ويكون كمن له على غيره حق، فامتنع من أدائه، ووجد شيئا من ماله من غير جنس حقه؛ لأن الوكيل يقر: أنه لم يملكها.
فعلى هذا: لا يحل له وطؤها، ولا استخدامها، ولا هبتها من غيره، ولكن يباع منها بقدر ما دفع من الثمن، ومن الذي يتولى بيعها؟ فيه وجهان، يأتي ذكرهما إن شاء الله.
فإن كان ثمنها قدر حقه.. أخذه، وإن كان أقل.. كان له أن يستوفي الباقي من مال الموكل، وإن كان أكثر من حقه. أخذ قدر حقه، وأمسك الباقي للموكل في يده إلى أن يدعيه.
[مسألة: تلف العين بيد الوكيل يثبته البينة أو اليمين]
وإن ادعى الوكيل أن العين التي في يده لموكله تلفت من غير تفريط، وأنكر الموكل تلفها، فإن ادعى تلفها بسبب ظاهر.. لم يقبل قوله حتى يقيم البينة على السبب الظاهر؛ لأنه يمكنه إقامة البينة عليه، فإذا أقام البينة على السبب الظاهر، أو ادعى تلفها بسبب خفي.. فالقول قوله مع يمينه: أنها تلفت؛ لأنه يتعذر عليه إقامة البينة على تلفها. فقبل قوله في ذلك.
[فرع: إنكار الموكل رد العين]
] : وإن ادعى الوكيل أنه رد العين إلى موكله، وأنكر ذلك الموكل، فإن كانت الوكالة بغير جعل.. فالقول قول الوكيل مع يمينه؛ لأنه قبض العين لمنفعة مالكها، فقبل قوله في ردها، كالمودع، وإن كانت الوكالة بجعل، بأن يقول: وكلتك ببيع هذه السلعة، ولك الجعل درهم، فإذا باعها.. استحق الدرهم، فإن اختلفا في رد العين، أو رد
стр. 3196
ثمنها إلى الموكل، فادعاه الوكيل، وأنكره الموكل.. ففيه وجهان:
أحدهما: لا يقبل قول الوكيل؛ لأنه قبض العين لمنفعة نفسه، فلم يقبل قوله في ردها، كالمرتهن، والمستعير.
الثاني: يقبل قول الوكيل مع يمينه؛ لأنه لا منفعة له في العين، وإنما منفعته بالجعل.
[مسألة: يطلب الإشهاد]
] إذا كان لرجل عند رجل حق، فطالبه به، فقال من عليه الحق: لا أسلمه إليك حتى تشهد على نفسك بالقبض.. فهل له ذلك؟ اختلف أصحابنا فيه:
فقال أكثرهم: ينظر في ذلك:
فإن كان من عنده الحق يقبل قوله في الرد، كالوكيل بغير جعل، والمودع أو الوكيل بجعل، والمقارض، والأجير المشترك، إذا قلنا: يقبل قولهم في الرد.. لم يكن له أن يمتنع لأجل الإشهاد؛ لأنه لا ضرر عليهم أن لا يشهد صاحب الحق؛ لأن قولهم مقبول في الرد، فإذا امتنعوا من الرد.. ضمنوا.
وإن كان من عنده الحق لا يقبل قوله في الرد، كالمرتهن، والمستعير، والغاصب أو الوكيل بجعل، والمقارض، والأجير المشترك، إذا قلنا: لا يقبل قولهم في الرد، فإن كان لا بينة لصاحب الحق عليهم.. لم يكن لهم الامتناع لأجل الإشهاد؛ لأنه يمكنه أن يحلف: أنه لا يستحقه عليه، وإن كان لصاحب الحق به بينة.. كان لهم الامتناع من التسليم إلى أن يشهد صاحب الحق بقبضه؛ لأنه لا يؤمن أن يطالبه بحقه بعد أخذه له، يقيم البينة، ولا يقبل قوله في الرد، فيلزمه غرمه.
وقال أبو على بن أبي هريرة: له أن يمتنع من الرد إلى أن يشهد صاحب الحق بقبضه
стр. 3197
في جميع هذه المسائل كلها؛ لأن له غرضا في ذلك، وهو سقوط اليمين عنه، وعادة الأمناء التحرز من الأيمان.
قال ابن الصباغ: وهذا لا بأس به عندي إذا كان الإشهاد ممكنا لا يؤدي إلى تأخير الحق فأما إذا أدى إلى تأخير الحق لتعذر الإشهاد.. فعلى التفصيل الذي مضى.
وبالله التوفيق للصواب
стр. 3198
[كتاب الوديعة]
стр. 3199
كتاب الوديعة الوديعة، مشتقة من السكون، فكأنها ساكنة عند المودع، مستقرة، وقيل: إنها مشتقة من الدعة، فكأنها في دعة عند المودع.
والأصل في الوديعة: الكتاب، والسنة، والإجماع.
أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] [النساء:٥٨] .
وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣] [البقرة: ٢٨٣] .
وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران: ٧٥] [آل عمران:٧٥] فدل على: أن للأمانة أصلا في الشرع.
وأما السنة: فما روي: أن النبي ﷺ قال: «أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك» ، أي: لا تقابله بخيانة.
стр. 3200
وروي عنه ﷺ : أنه قال: «من كشف عن مسلم كربة من كرب الدنيا.. كشف الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه» .
وروي: «أن النبي ﷺ كانت عنده ودائع بمكة، فلما أراد أن يهاجر.. تركها عند أم أيمن، وخلف عليا ليردها على أهلها» .
وأما الإجماع: فإن الأمة أجمعت على جواز الإيداع.
стр. 3201
إذا ثبت هذا: فالناس في قبول الودائع على ثلاثة أضرب:
ضرب يعلم من نفسه القدرة على حفظها، ويأمن من نفسه الخيانة فيها، ولا يخاف التلف عليها إن لم يقبلها، فهذا يستحب له قبولها؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢] [المائدة:٢] . ولا يجب عليه قبولها؛ لأنه لا ضرورة به تدعو إلى ذلك.
وضرب يجب عليه قبولها، وهو أن يأتي رجل بمال ليودعه في مكان عند رجل، وليس هناك من يصلح لحفظها إلا هو، وهو يعلم أنه إن لم يقبل ذلك منه.. هلك المال، فيجب عليه القبول؛ لقوله ﷺ : «حرمة مال المؤمن كحرمة دمه» . فلو خاف على دمه، وقدر على الدفع عنه.. لوجب عليه ذلك، وكذلك ماله، فإن لم يقبلها.. أثم؛ لما ذكرناه، ولا يضمن المال إن تلف؛ لأنه لم يوجد منه تعد، فهو كما لو قدر على الدفع عن نفس غيره، ولم يدفع عنه حتى قتل.
وضرب يكره له القبول، وهو من يعلم من حال نفسه العجز عن حفظ الوديعة، أو لا يأمن من نفسه الخيانة فيها؛ لأنه يغرر بمال غيره، ويعرض نفسه للضمان، فإن قبلها.. لم يجب عليه الضمان إلا بالتعدي.
[مسألة: أهلية المودع]
] : ولا يصح الإيداع إلا من جائز التصرف في المال، فإن أودعه صبي أو سفيه مالا.. لم يجز له قبول ذلك منه؛ لأنه لا يملك حفظ المال بنفسه، فلا يملك أن يملك ذلك غيره، فإن أخذه منه.. ضمنه، ولا يبرأ إلا بتسليمه إلى الناظر في ماله؛ لأن قبضه
стр. 3202
كان غير جائز، فكان مضمونا عليه، فإن خاف المودع إن لم يقبل ذلك منه تلف، أو أتلفه الصبي، أو السفيه، فأخذه بِنِيَّةِ أن يسلمه إلى الناظر في أملاكه، فتلف في يد القابض قبل رده إلى الولي من غير تفريط.. فهل يجب عليه الضمان؟ فيه وجهان مأخوذان من القولين في المحرم إذا خلص صيدا من سبع، فهلك في يده.
[مسألة: كفاءة المودع]
ولا يصح الإيداع إلا عند جائز التصرف في المال، فإن أودع صبيا، أو مجنونا.. لم يصح؛ لأنهما ليسا من أهل حفظ الأموال، فإن تلفت الوديعة عندهما من غير تفريط.. لم يجب عليهما الضمان؛ لأنه إذا لم يجب الضمان في هذه الحالة على من صح الإيداع عنده.. فلأن لا يجب على من لم يصح الإيداع عنده أولى.
وإن تلفت الوديعة عندهما بتفريط منهما في حفظها، ولم يباشرا إتلافها.. لم يجب عليهما الضمان؛ لأنهما لم يلزمهما حفظها، فيلزمهما الضمان عند التفريط، وإن أتلفاها بأنفسهما.. فهل يجب عليهما الضمان؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يجب عليهما الضمان؛ لأن مالكها مكنهما من إتلافها، فهو كما لو باعهما مالا، أو أقرضهما وأقبضهما إياه، فأتلفاه.
والثاني: يجب عليهما الضمان؛ لأنه لم يسلطهما على الإتلاف، وإنما أمرهما بالحفظ.
[فرع: أودع عند عبد غيره]
] : وإن أودع ماله عند عبد غيره.. قال الشيخ أبو حامد: صح الإيداع؛ لأنه مكلف، فإن فرط في حفظه حتى تلف، أو أتلفه العبد.. وجب عليه الضمان.
стр. 3203
فإن قلنا: إن الصبي إذا أتلف ما أودع عنده ضمنه.. كان الضمان هاهنا في رقبة العبد.
وإن قلنا هناك: لا ضمان على الصبي.. كان الضمان هاهنا في ذمة العبد إلى أن يعتق.
قال الطبري: وإن أودعه العبد شيئا، فقبضه.. فعلى من يرده المودع؟ فيه وجهان، حكاهما سهل:
أحدهما: أنه بالخيار: إن شاء.. رده على العبد، وإن شاء.. رده على سيده.
والثاني - وهو مذهب أبي حنيفة -: أنه يرده على العبد دون السيد.
[مسألة: صيغة عقد الوديعة]
] : ولا تنعقد الوديعة إلا بالإيجاب بالقول، والقبول بالقول أو الفعل، كما قلنا في الوكالة.
قال المسعودي [في " الإبانة " ق \ ٤٤١] : ولا يلزم المودع حفظ الوديعة حتى يقبضها، والوديعة من العقود الجائزة، لكل واحد منهما أن يفسخها؛ لقوله ﷺ : «أد الأمانة إلى من ائتمنك» ، ولأن (أد) : ملكها لصاحبها، والمودع متطوع بالحفظ، فكان لكل واحد منهما فسخها متى شاء، فإن مات أحدهما، أو أغمي عليه، أو جن، أو حجر عليه لسفه.. انفسخت الوديعة؛ لأنها عقد جائز، فانفسخت بما ذكرناه، كالوكالة. فإن حدث ذلك بالمالك.. فعلى المودع رد الوديعة إلى الوارث، أو إلى الولي، فإن أمسكها بعد تمكنه من الرد.. ضمنها؛ لأنا قد حكمنا بانفساخ الوديعة، وإن حدث ذلك للمودع.. فعلى وارثه أو وليه رد الوديعة؛ لأن مالكها لم يرض بأمانة غير المودع.
стр. 3204
[مسألة: يد المودع يد أمانة]
] : والوديعة أمانة في يد المودع، فإن تلفت في يده بغير تفريط منه.. لم يجب عليه الضمان؛ لما روى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن النبي ﷺ قال: «ليس على المستودع - غير المغل - ضمان» وروي ذلك عن أبي بكر، وعمر، وعلي، وابن مسعود، ولا مخالف لهم من الصحابة، ولأنه لو وجب على المودع الضمان من غير تفريط.. لامتنع الناس من قبولها، فيؤدي ذلك إلى الضرر بالمودعين.
فإن شرط المودع الضمان على المودع.. لم يجب عليه الضمان بذلك، وهو قول كافة العلماء، إلا عبيد الله بن الحسن العنبري، فإنه قال: عليه الضمان. وهذا
стр. 3205
غير صحيح؛ لما ذكرناه من الخبر، فلم يفرق بين أن يشترط الضمان، أو لا يشترط، ولأن ما كان أصله الأمانة.. لم يصر مضمونا بالشرط، كالمضمون لا يصير أمانة بالشرط.
وإن أودعه جارية، أو بهيمة، فولدت عنده.. كان الولد أمانة؛ لأنه لم يوجد منه ما يقتضي الضمان، وهل يلزم المودع إعلام المالك بالولد؟ فيه وجهان:
أحدهما: يلزمه ذلك، كما لو ألقت الريح إلى بيته ثوبا.
والثاني: لا يلزمه ذلك، بل له إمساكه؛ لأنه لما أودعه الأم.. كان إيداعا لها ولما يحدث منها.
[مسألة: في الحرز]
] : وإذا أودعه وديعة.. فلا يخلو: أما أن يطلق المودع الحرز، أو يعين له الحرز. فإن أطلق المودع الحرز.. فعلى المودع أن يحفظها في حرز مثلها، كداره ودكانه؛ لأن الإطلاق يقتضي حرز المثل، فإن تركها المودع في بيت، ثم نقلها منه إلى ما هو أحرز منه، أو إلى ما هو دونه، إلا أن الجميع حرز مثلها.. فلا ضمان عليه؛ لأنه تركها في حرز مثلها.
قال الشيخ أبو حامد: وهكذا: لو تركها المودع في جيبه أو كمه، أو أمسكها معه وهو يتطرق في طرقات البلد.. لم يضمن؛ لأن ذلك حرز لها بكون يده عليها.
فإن تركها في حرز دون حرز مثلها.. ضمنها؛ لأن إطلاق الإيداع حرز مثلها، فإذا تركها فيما هو دونه.. صار متعديا، فضمن.
وإن عين له المودع الحرز، بأن قال: أودعتك لتحفظها في هذا البيت فإن حفظها المودع في ذلك البيت، ولم ينقلها منه.. فلا كلام، وإن نقلها المودع منه إلى غيره، أو أحرزها في غيره.. نظرت:
стр. 3206
فإن لم ينهه المودع عن النقل، فإذا كان البيت الذي أحرزها فيه ابتداء دون البيت المعين في الحرز.. ضمنها المودع وإن كان حرزا لمثلها؛ لأن المودع لم يرض بما دونه، وإن كان مثله، أو أحرز منه.. لم يضمن؛ لأن من رضي حرزا.. رضي بمثله وبأعلى منه.
وإن قال: احفظها في هذا البيت ولا تنقلها منه، فنقلها عنه.. نظرت: فإن نقلها إلى ما هو دونه.. ضمنها؛ لأنه لم يرض بدون ذلك البيت.
وإن نقلها إلى مثله، أو إلى ما هو أحرز منه، فإن نقلها لغير خوف عليها.. فهل يضمن؟ فيه وجهان:
[أحدهما] : قال أبو سعيد الإصطخري: لا يضمن؛ لأنه نقلها إلى مثل الحرز المعين،، أو إلى ما هو أحرز منه، فهو كما لو لم ينهه عن النقل.
و [الثاني] قال أبو إسحاق: يضمن، وهو ظاهر المذهب؛ لأنه قطع اجتهاده بالتعيين، فخالفه بالنقل.
وإن خاف عليها التلف في الحرز المعين من نهب، أو غزو، أو حريق.. فقد قال الشيخ أبو حامد، والمحاملي: جاز له نقلها؛ لأنه موضع عذر، فلا يضمن بالنقل، حتى تلفت.. فهل يجب عليه الضمان؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يضمن؛ لأنه ممتثل لأمره فيما فعل.
والثاني: يضمن؛ لأنه غرر بها، حيث ترك نقلها مع الخوف عليها.
وذكر الشيخ أبو إسحاق في " المهذب ": إذا كان النهي عن النقل مطلقا، وخاف عليها.. لزمه نقلها، وجها واحدا، فإن لم ينقلها حتى تلفت.. لزمه الضمان، وإنما الوجهان إذا قال: لا تنقلها وإن خفت عليها الهلاك.
стр. 3207
[فرع: مخالفة المودع لمصلحة الوديعة]
وإن أودعه وديعة في صندوق، وقال: لا تقفل عليها، فأقفل عليها، أو لا تقفل عليها قفلين، فاقفل عليها قفلين، أو قال: لا تطرح ثيابك فوق الصندوق، فخالفه في ذلك، أو قال: لا ترقد عليها، فرقد عليها.. ففيه وجهان:
أحدهما - وهو المذهب - أنه لا ضمان عليه؛ لأنه زاده خيرا.
والثاني - وهو قول مالك - (أنه يضمن) ؛ لأن ذلك يغري السارق بها.
وإن قال: احفظها في هذا البيت، ولا تدخل غيرك إليها، فأدخل جماعة إليها، فإن سرقها واحد من الذين أدخلهم عليها، أو دلوا عليها من سرقها.. وجب على المودع الضمان؛ لأن تلفها حصل بالوجه المنهي عنه، وإن تلفت بسبب من غير الداخلين عليها، بأن انهدم عليها البيت، أو سرقها غيرهم، ولم يدل عليها أحد منهم.. لم يجب على المودع الضمان؛ لأن تلفها لم يحصل من الوجه المنهي عنه.
[فرع: مخالفة الحرز المعين إلى غيره]
] : إذا دفع إليه وديعة، وهو في البيت، وقال: أحرزها في هذا البيت، ولا تجمع بها، فربطها في ثوبه، وخرج بها ... ضمن؛ لأنه نقلها عن الحرز المعين إلى ما هو دونه؛ لأن البيت أحرز من حملها في الطرقات بالثوب، وإن شدها على عضده وخرج بها، فإن جعلها مما يلي أضلاعه.. لم يضمنها؛ لأن ذلك أحرز من البيت، وإن جعلها خارج عضده.. ضمنها؛ لأن البيت أحرز من ذلك.
وإن دفع إليه وديعة في السوق، وقال: أحرزها في البيت، ولا تربطها في ثيابك.. قال الشافعي: (فإنه لا بد له من ربطها في ثيابه إلى أن يوصلها إلى البيت، فإن حملها في الحال إلى البيت.. لم يضمن، فإن تلفت في الطريق، أو على باب
стр. 3208
الدار، أو تعوق لتعسر الغلق.. لم يضمن؛ لأنه غير مفرط، وإن توانى في حملها إلى بيته.. ضمن؛ لأنه تعدى بذلك) .
قال الشيخ أبو حامد: فإن تركها في دكانه - وهو حرز مثلها - إلى أن يرجع إلى داره بالعشي، أو أكثر.. لم يضمن؛ لأنه مثل البيت في الحرز.
[مسألة: وضع الوديعة في غير حرز]
] : وإن أودعه شيئا، فتركه المودع في يده، أو ربطه في كمه، أو تركه في جيبه وكان مزرّرا، أو كان الفتح ضيقا.. لم يضمن؛ لأن ذلك كله حرز لما ترك فيه، وإن وضعه في كمه من غير ربط، فإن كان هذا الشيء خفيفا لا يحس به إذا سقط، كالدرهم، والدينار.. ضمن؛ لأن ذلك ليس بحرز له، وإن كان ثقيلا يحس به إذا سقط، كالثوب، وما أشبهه.. لم يضمن؛ لأن ذلك حرز له. وإن تركه في جيبه والفتح واسع غير مزرر.. ضمنه؛ لأن اليد تناله.
[فرع: شرط عليه وضع الوديعة في كمه]
] : وإن دفع إليه وديعة، وقال: اربطها في كمك، فتركها في يده.. فقد روى المزني: (أنه لا يضمن) .
وقال في " الأم ": (إذا قال: أحرزها في كمك، فأحرزها في يده.. ضمنها، فإن غولب عليها، فأخذت من يده.. لم يضمن) .
قال الشيخ أبو حامد: والربط هاهنا: عبارة عن الجعل.
واختلف أصحابنا فيها على ثلاثة طرق:
فـ[الأول] : منهم من قال: فيه قولان:
стр. 3209
أحدهما: لا يضمن؛ لأن اليد أحرز من الكم؛ لأن الطرار يمكنه أن يبط الكم، ولا يمكنه ذلك في الكف.
والثاني: يضمن، لأن الكم أحرز من اليد؛ لأنه قد يسهو فيرسل يده، فيسقط ما كان بها، وإذا ترك شيئا في الكم.. فإذا سقط.. أحس به.
و [الطريق الثاني] : قال أبو إسحاق: ليست على قولين، بل هي على حالين:
فحيث قال: (لا يضمن) أراد: إذا ربطها في الكم، وقبض عليها بيده لأنه زاده خيرا.
وحيث قال: (يضمن) أراد: إذا تركها في يده من غير أن يربطها في الكم؛ لأن الكم أحرز.
وقال الشيخ أبو حامد: هي على حالين آخرين:
فحيث قال: (لا يضمن) أراد: إذا خاف عليها في كمه الاستلاب، فتركها في يده.
وحيث قال: (يضمن) أراد: إذا تركها في يده من غير خوف.
و [الطريق الثالث] : قال المسعودي [في " الإبانة " ق \ ٤٤٣) ] : إن كان تلفها بانتزاع الغاصب من يده.. لم يضمن؛ لأن الكف أحرز في هذه الحالة، وإن كان التلف بأن نام، أو غفل، فأرسل كفه فسقطت ضمن؛ لأن الربط في الكم أحرز في هذه الحالة.
وإن أودعه وديعة، وقال: أمسكها في يدك، فربطها في كمه.. فعلى الطريقة الأولى: يكون هاهنا على قولين، وعلى الطريقين الآخرين: الكم أحرز هاهنا.
стр. 3210
وإن أمره أن يتركها في كمه، فتركها في جيبه.. لم يضمن؛ لأنه أحرز من الكم، وإن أمره أن يتركها في جيبه، فتركها في كمه.. ضمن؛ لأن الكم دون الجيب في الحرز.
[فرع: أودعه خاتما ليضعه في خنصره]
] : وإن أودعه خاتما، وقال: البسها في خنصرك، فلبسها في البنصر، واتسع الخاتم للبنصر.. لم يضمن؛ لأن الخاتم فيها أحفظ، وإن لم يتسع الخاتم للبنصر، فانكسر.. ضمنها؛ لأنه تعدى بذلك، وإن قال: البسها في البنصر، فلبسها في الخنصر.. ضمنها؛ لأن الخنصر أدق.
[مسألة: أودعه وديعة في السفر]
] : وإن أودعه وديعة في السفر.. قال المسعودي [في " الإبانة " ق \ ٤٤١] فللمودع أن يسافر بها؛ لأن الإيداع في السفر يقتضي السفر بها.
وإن أودع حاضرا، وأراد المودع السفر، فإن وجد المالك، أو وكيله المطلق أو المقيد بقبض ودائعه.. ردها إليه؛ لأن الوديعة عقد جائز، فكان له فسخها متى شاء، وإن لم يكن المودع ولا وكيله في البلد، أو كان في البلد، إلا أنه لا يقدر على الوصول إليه، بأن كان محبوسا، وهناك حاكم.. دفعها المودع إليه، كما لو أرادت المرأة أن تتزوج ووليها غائب، فإذا لم يكن حاكم في البلد.. دفعها إلى أمين؛ لما روي) «أن النبي ﷺ كانت عنده ودائع بمكة، فلما أراد الهجرة.. أودعها أم أيمن، وخلف عليا ﵁ ليردها» . فإن دفعها إلى الحاكم، أو الأمين مع قدرته على المالك، أو وكيله.. ضمنها، كما لو زوج الحاكم المرأة مع وجود وليها، وفيه وجه آخر: أنه لا يضمن إذا دفعها إلى الحاكم؛ لأن الحاكم يقوم مقام المالك، ويده كيده. وليس بشيء.
فإن دفعها إلى أمين مع وجود الحاكم.. فقد قال الشافعي: (فإذا سافر بها، فأودعها أمينا يودعه ماله.. لم يضمن) . واختلف أصحابنا فيه:
стр. 3211
فقال أبو إسحاق: لا يضمن؛ لأن الشافعي لم يفرق. وبه قال مالك؛ وأبو حنيفة، واختاره الشيخ أبو حامد؛ لأنه أودعها أمينا لعذر السفر، فهو كما لو كان الحاكم معدوما في البلد.
وقال أبو سعيد الإصطخري، وأبو علي بن خيران: يجب عليه الضمان؛ لأن الشافعي قال في (الرهن) : (وإذا وضع الرهن على يدي عدل، ثم غاب المتراهنان، أو أحدهما، وأراد العدل السفر.. دفعه إلى الحاكم) . فدل على: أن الدفع إلى غيره لا يجوز، ولأن أمانة الحاكم مقطوع بها، وأمانة الأمين مجتهد فيها، فلم يجز ترك المقطوع به إلى المجتهد فيه، كما لا يجوز ترك النص إلى القياس.
ومن قال بالأول.. حمل نص الشافعي في (الرهن) إذا تشاح المتراهنان في العدل.. فإنهما يرفعانه إلى الحاكم ليضعه عند عدل.
وإن خالف، وسافر بها، فإن لم يكن به ضرورة إلى السفر.. ضمنها، سواء كان السفر طويلا أو قصيرا، وسواء كان الطريق آمنا أو مخوفا.
وقال أبو حنيفة: (إذا كان الطريق آمنا: لم يضمن، إلا أن يكون قد نهاه عن السفر) . وبه قال بعض أصحابنا؛ لأنه يكون كنقل الوديعة من محلة في البلد إلى محلة فيها. وهذا غلط؛ لأن أمن السفر غير موثوق به، فقد يحدث الخوف في الطريق، بخلاف محال البلد.
وإن دعته إلى السفر ضرورة بأن هجم على البلد فتنة، أو حريق، أو غرق، ولم يجد من يأمن عليها من ذلك عنده.. قال الشيخ أبو حامد: فله أن يسافر بها، ولا يضمن وإن كان الطريق مخوفا؛ لأن هذا موضع ضرورة؛ لأنه لا يتمكن من شيء غير ذلك.
وذكر الشيخ أبو إسحاق في " المهذب " [١/٣٦٣] : إذا أراد السفر ولم يجد
стр. 3212
المالك، ولا وكيله، ولا الحاكم، ولا الأمين.. لزمه أن يسافر بها؛ لأن السفر في هذه الحال أحوط.. ولعله أراد: إذا خاف في البلد، كما قال الشيخ أبو حامد.
[فرع: نقل الوديعة]
] : وإن أودع وديعة وهو في قرية، فانتقل منها إلى قرية أخرى، ونقل الوديعة معه، فإن اتصل بناء إحدى القريتين بالأخرى.. نظرت:
فإن كانت القرية الثانية مثل الأولى في الأمن، أو أعلى منها.. لم يضمن، كما لو نقل الوديعة من بيت في دار إلى بيت فيه مثله.
وإن كانت الثانية دون الأولى في الأمن.. ضمنها؛ لأن الظاهر ممن أودع غيره وهو في قرية أو محلة، أنه رضي بها حرزا دون غيرها.
وإن كانت القريتان منفصلتين، فإن كان الطريق بينهما مخوفا، أو الثانية دون الأولى في الأمن.. ضمنها المودع؛ لأنه غرر بالوديعة، وإن كان الطريق آمنا، والثانية كالأولى في الأمن. ففيه وجهان:
أحدهما: لا يضمن، كما لو نقل الوديعة من دار في البلد إلى دار أخرى فيه.
والثاني: يضمن، وهو المذهب؛ لأن أمن السفر غير موثوق به.
[فرع: دفن الوديعة]
] : قال الشافعي ﵀: (فإن دفن الوديعة في منزله، ولم يعلم بها أحدا يأتمنه على ماله، ثم سافر، فهلكت.. ضمن) . وهذا كما قال: إذا أراد السفر، فدفن الوديعة، فإن دفنها في برية.. ضمنها؛ لأنه عرضها للهلاك؛ لأن ما في البرية غير محفوظ، وإن دفنها في منزله، فإن لم يعلم بالوديعة أحدا.. ضمنها؛ لأنه غرر بها؛ لأنه لا يؤمن أن يموت، فتضيع الوديعة، وربما حدث في الموضع حريق، أو غرق، فتلهك الوديعة بذلك، وإن أعلم بها غيره.. نظرت:
فإن أعلم بها فاسقا.. ضمنها؛ لأنه زاد في التغرير بها.
стр. 3213
وإن أعلم بها أمينا، فإن كان غير ساكن في تلك الدار.. ضمنها؛ لأنه لم يودعه، إذا لم يقبضه إياها، وإن كان ساكنا في تلك الدار، ولم يقدر على المالك، أو وكيله، أو الحاكم.. ففيه وجهان:
أحدهما: لا يضمن؛ لأن الشافعي قال: (إن لم يعلم بها أحدا.. ضمن) . فدل على: أنه إذا أعلم أمينا.. لم يضمن، ولأنه يجوز له إيداعها عند أمين في هذه الحالة، وهذا إيداع.
والثاني: يضمن؛ لأن هذا إعلام، وليس بإيداع؛ لأن الإيداع هو: أن يسلمها إليه، فتصير مقبوضة، وهذا لم يقبضه إياها.
قال الشيخ أبو حامد: وهذا ضعيف؛ لأنه إن كان ساكنا في الموضع، وأعلمه بالوديعة.. فقد أودعه إياها.
[فرع: ترك الوديعة في بيت المال]
] : قال الشافعي ﵀ في " الأم ": (إذا سافر المودع، فترك الوديعة في بيت المال.. ضمن) . واختلف أصحابنا في تأويلها:
فمنهم من قال: أراد: إذا كان قادرا على المالك، أو وكيله؛ لأنه لا يجوز له إيداعها مع وجود أحدهما.
ومنهم من قال: أراد: إذا لم يقدر على المالك، ولا وكيله، ولم يودعها عند الإمام، ولكن وضعها في بيت المال، فيضمن؛ لأنه ما أودعها عند أحد.
وأيهما أراد الشافعي ﵀.. فهو صحيح في الفقه.
[مسألة: مرض المودع كالسفر]
] : وإن كانت عنده وديعة، فمرض مرضا خاف على نفسه منه.. فهو كما لو أراد السفر؛ لأنه لا يمكنه حفظ الوديعة بنفسه مع الموت، فيجب عليه ردها إلى المالك، أو وكيله إن وجدهما، فإن كانا غائبين.. فعليه أن يظهر الوديعة، وهو أن يشهد
стр. 3214
عليها، أو يسلمها إلى الحاكم، أو إلى الأمين، فإن سلمها إلى الحاكم مع وجود المالك، أو وكيله.. ضمنها؛ لأنه لا ولاية له عليه.
ومن أصحابنا من قال: لا يضمن؛ لأن الحاكم يقوم مقامه، ويده كيده.
قال الشيخ أبو حامد: وهذا ضعيف، فإن لم يشهد على الوديعة، ولم يوص بها ومات.. ضمنها؛ لأنه غرر بها؛ لأن الظاهر مما في يده أنه ملكه.
وإن مات، فوجد بخطه أن الكيس الفلاني لفلان، أو وجد على الكيس اسم رجل.. لم يحكم له به؛ لأنه قد يودعه غيره شيئا، ثم يتملكه، أو يشتري كيسا عليه اسم رجل.
وإن ادعى رجل أن هذه العين وديعة لي أودعتها الميت، وأقام على ذلك شاهدين.. قال الشيخ أبو حامد: حلف معهما، وحكم له بالوديعة.
وإن قال: عندي لفلان وديعة، ووصفها بصفة، أو قامت بينة بذلك، أو أقر الورثة بذلك، فمات ولم توجد تلك الوديعة.. فقد قال الشافعي: (ضمنت في مال الميت، ويحاص بها الغرماء) . واختلف أصحابنا فيها على ثلاثة أوجه:
فـ[الأول] : قال أبو إسحاق: أراد: إذا قال ذلك عند الوفاة، وقرب الموت؛ لأن الظاهر أنه أتلفها، فيكون قوله: عندي، عبارة عن قوله: علي، فأما إذا قال في صحته: أودعني فلان وديعة، ووصفها، ومات ولم توجد.. لم يجب عليه الضمان؛ لجواز أن تكون تلفت بعد ذلك بغير تفريط، ففرق بين طول المدة، وقصرها.
و [الوجه الثاني] : منهم من قال: إن مات، ووجد في ماله من جنس تلك الوديعة، واشتبه ماله بالوديعة.. فعليه الضمان؛ لأنه فرط، إذ لم يبينها بيانا يزول به الإشكال، وإن لم يكن في ماله من جنس الوديعة.. لم يجب عليه الضمان؛ لجواز أن تكون قد تلفت من غير تفريط.
стр. 3215
و [الوجه الثالث] : منهم من قال: لا يجب عليه الضمان، وهو المذهب؛ لأن الأصل براءة ذمته من الضمان، وحمل النص عليه إن عرف أن عنده وديعة ببينة، أو إقرار الورثة، ومات ولم يوص بها.
[مسألة: إيداع الوديعة عند آخر]
] : إذا أودع الوديعة عند غيره من غير ضرورة.. ضمنها، سواء أودعها الحاكم، أو زوجته، أو غلامه.
وحكى ابن الصباغ وجها آخر: أنه إذا أودعها الحاكم مع غيبة المالك، أو وكيله من غير ضرورة.. لم يضمن.
وقال أبو العباس: إنما يضمنها إذا سلمها إلى الذي أودعها إياه لينفرد بتدبيرها، فأما إذا استعان به في سلتها، أو في إغلاق الباب، أو في فتحه، أو في الإتيان بها إليه، بحيث لا تغيب عن نظر المودع.. فلا ضمان عليه، وهذا كما نقول فيمن أودع بهيمة.. فليس عليه أن يعلفها ويسقيها بنفسه، بل إذا تقدم بذلك إلى خادمه، أو سائسه.. جاز، ولا يضمن. هذا مذهبنا.
وقال مالك: (إن أودعها زوجته.. لم يضمن، وإن أودعها غيرها، من عبده، أو غيره.. ضمنها) .
وقال أبو حنيفة: (إن أودعها من يعوله، وينفق عليه، مثل زوجته، أو خادمه أو امرأة في داره يعولها.. فلا ضمان عليه) .
ودليلنا: أنه أودع الوديعة من لم يأتمنه المودع، فضمنها، كما لو أودعها أجنبيا.
فإن هلكت الوديعة عند المودع الثاني من غير تفريط منه.. فللمالك أن يضمن إن شاء منهما؛ لأنهما متعديان؛ فإن ضمنها للمودع الثاني.. نظرت في الثاني:
стр. 3216
فإن علم الحال.. لم يرجع بما ضمنه على الأول؛ لأنه رضي بوجوب الضمان على نفسه.
وإن لم يعلم.. فهل له أن يرجع على الأول؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يرجع؛ لأنها هلكت عنده، فاستقر الضمان عليه.
والثاني: يرجع عليه؛ لأنه غره، ولم يدخل معه ليضمن، وإنما دخل معه على أنها أمانة.
وإن رجع المالك على المودع الأول، فإن كان الثاني قد علم أنها وديعة أودعت عنده من غير ضرورة. رجع الأول عليه؛ لأن الثاني رضي بوجوب الضمان عليه، وقد وجد الهلاك في يده، فاستقر الضمان عليه، وإن لم يعلم بالحال.. فهل للأول أن يرجع عليه؟ فيه وجهان:
أحدهما: يرجع عليه؛ لأن الهلاك كان في يده.
والثاني: لا يرجع عليه؛ لأنه لم يدخل معه على أن يكون ضامنا.
[مسألة: خلط مال الوديعة بماله]
] : إذا أودعه دراهم، فخلطها مع دنانير.. قال الشافعي: (لا يضمن؛ لأنهما لا يختلطان، إلا أن ينصح الدراهم، فيلزمه أرش النقص، كما لو أخذ جزءا من الدراهم، فيلزمه ضمان ما أخذ دون الباقي) .
وإن خلطها بدراهم له، أو أودعه شيئا من ذوات الأمثال، فخلطه بمثله من ماله.. لزمه الضمان، وبه قال أبو حنيفة.
وقال مالك: (لا يلزمه الضمان؛ لأنه خلطه بمثله) . وهذا غلط؛ لأنه خلطه بما لا يتميز عنه من ماله بغير إذن المالك، فلزمه الضمان، كما لو خلطها بأردأ منها.
стр. 3217
وإن خلطها بمثلها من مال المودع.. ففيه وجهان:
أحدهما: لا يضمن؛ لأن الجميع له.
والثاني: يضمن؛ لأنه لم يرض باختلاطهما.
[فرع: أعطاه دراهم ليحفظها في محفظته]
] : وإن قال: أودعتك هذه الدراهم لتحفظها في خريطتك هذه، فنقلها المودع إلى خريطة غيرها، فإن كانت الثانية دون الأولى في الحرز.. ضمنها، وإن كانت مثلها، أو أحرز منها.. لم يضمن، كما قلنا في البيت، وإن أودعه دراهم في خريطة للمودع، فنقلها المودع إلى خريطة أخرى، فإن كانت الخريطة مختومة، أو مشدودة، فحل ختمها، أو حل شدها.. ضمنها؛ لأنه تعدى بحل الختم والشد، وإن كانت غير مختومة، ولا مشدودة. ففيه وجهان، حكاهما المسعودي [في " الإبانة " ق\٤٤٢ - ٤٤٣] :
أحدهما: يضمن، ولم يذكر الشيخ أبو حامد غيره؛ لأنه ليس له تفتيش الوديعة من غير حاجة، فصار كما لو نقض الختم.
والثاني: لا يضمن؛ لأنه أودعه خريطة دراهم، فكان له أن يحفظ كل واحد منهما في بيت، كما لو أودعه خريطتين.
[فرع: أودعه دراهم في كيس]
] : وإن أودعه عشرة دراهم في كيس مشدود، أو مختوم، فحل الختم أو الشد، أو خرق موضعا من الكيس تحت الشد.. ضمن الكيس وما فيه وإن لم يأخذ منه شيئا؛ لأنه قد تعدى بهتك الحرز، وإن خرق ما فوق الشد من الكيس.. لم يلزمه الضمان في الدراهم؛ لأن حرزها ما تحت الشد، ولكن يلزمه ضمان أرش الكيس بالخرق.
стр. 3218
وإن أودعه الدراهم في شيء مكشوف، فأخذ المودع منها درهما من غير أن يحصل منه تعد في الباقي.. فإنه يضمن الدراهم؛ لأنه تعدى بأخذه، فإن لم ينفقه، بل رده بعينه على الدراهم، فإن كان ذلك الدرهم متميزا عن باقي الدراهم.. لزمه ضمانه، ولا يلزمه ضمان الباقي؛ لأنه إنما تعدى به دون غيره، وإن كان غير متميز عن باقي الدراهم.. ففيه وجهان:
أحدهما ـ وهو المنصوص ـ: (أنه لا يضمن إلا ذلك الدرهم) ؛ لأنه لم يوجد منه فعل فيما عداه.
قال المسعودي [في " الإبانة " ق\٤٤٣] : فعلى هذا: يضمن عشر الدراهم.
والثاني ـ وهو قول الربيع ـ: أنه يضمن الجميع؛ لأنه خلط المضمون بغيره، ولم يتميز، فضمن الجميع.
وإن أنفق الدرهم، ورد بدله إلى الدراهم، فإن كان المردود متميزا عن الباقي.. لم يضمن باقي الدراهم؛ لأنه لم يتعد بها، وإن لم يتميز المخلوط عن باقي الدراهم.. ضمن جميع الدراهم، خلافا لمالك، وقد مضى.
ودليلنا: أنه خلط ماله بمال المودع، ولم يتميزا، فضمنه.
[مسألة: النفقة على البهيمة المودعة]
] : إذا أودعه بهيمة، أو غيرها من الحيوان.. ففيها ثلاث مسائل:
إحداهن: أن يأمره بعلفها وسقيها، فيجب على المودع أن يعلفها ويسقيها؛ لأن للبهيمة حرمتين: حرمة بنفسها، بدليل: أن من ملك بهيمة.. يجب عليه علفها وسقيها، وحرمة لمالكها، وقد اجتمعتا. فإذا علفها وسقاها.. رجع على المالك بما أنفق عليها؛ لأنه أخرجها بإذنه، فإن اختلفا في قدر النفقة، فإن ادعى المودع أنه أنفق أكثر من قدر النفقة بالمعروف.. لم يرجع بالزيادة؛ لأنه متطوع به. وإن ادعى المودع النفقة بالمعروف، وادعى المالك أنه أنفق دون ذلك.. فالقول قول المودع مع يمينه؛ لأنه أمين، فقبل قوله في ذلك مع يمينه. وإن اختلفا في قدر المدة التي أنفق فيها..
стр. 3219
فالقول قول المالك مع يمينه في قدرها؛ لأن المودع يمكنه إقامة البينة عليها.
المسألة الثانية: أن يودعه إياها، ولم يأمره بالعلف والسقي، ولا نهاه عن ذلك، فيلزم المودع أن يعلفها ويسقيها.
وقال أبو حنيفة: (لا يلزمه ذلك) .
دليلنا: أن للبهيمة المودعة حرمة لمالكها، وحرمة بنفسها، بدليل ما روي: أن النبي ﷺ قال: «اطلعت على النار ليلة عرج بي إلى السماء، فرأيت امرأة تعذب، فقلت: ما بالها؟ فقيل: إنها ربطت هرة لها، فلم تطعمها، ولم تسقها، ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض، فهي تعذب لأجل ذلك» . فإذا سكت المودع.. لم يسقط بذلك حق البهيمة.
إذا ثبت هذا: فإن المودع يرفع الأمر إلى الحاكم، ثم ينظر الحاكم الحظ لصاحبها، فإن أراد أن يبيعها كلها، ويحفظ ثمنها لصاحبها.. فعل، وإن أراد أن يبيع جزءا منها للإنفاق على باقيها، أو يؤجرها وينفق الأجرة عليها.. فعل، وإن رأى أن يقترض على المالك من المودع، أو من غيره.. فعل، فإن اقترض من غير المودع، وأمر المودع بإنفاق ذلك.. جاز، وإن اقترض من المودع، فقبضه منه، ثم رده إليه، وأمره بإنفاق ذلك.. جاز، وإن أمره بالإنفاق عليها قرضا على المالك.. فهل يجوز ذلك؟ فيه وجهان، بناء على القولين في نفقة الحمال في الإجارة، فإذا قلنا: يجوز.. فهل يقدر له الحاكم قدر النفقة، أو يكله إلى اجتهاده؟ فيه وجهان، حكاهما ابن الصباغ.
وإن أنفق عليها المودع من غير إذن الحاكم، فإن كان قادرا على الحاكم.. لم يرجع بما أنفق؛ لأنه متطوع، وإن لم يقدر على الحاكم، فإن لم ينو الرجوع، ولم يشهد.. لم يرجع؛ لأن الظاهر أنه متطوع، وإن أشهد على الإنفاق ليرجع ـ قال ابن
стр. 3220
الصباغ: أو نوى الرجوع ـ فهل له أن يرجع؟ فيه وجهان:
أحدهما: يرجع؛ لأنه موضع ضرورة.
والثاني: لا يرجع؛ لأنه لا ولاية له عليه.
ولعل ابن الصباغ أقام نية الرجوع مقام الإشهاد عند تعذر الإشهاد.
قال أبو إسحاق المروزي: فإذا قلنا: له أن يرجع بما أنفق بنفسه.. فله أن يبيع البهيمة ويحفظ ثمنها لمالكها، أو يبيع جزءا منها، أو يؤجرها مما يرى المصلحة في ذلك؛ لأنا قد أقمناه مقام الحاكم في ذلك.
فإن اختلفا في قدر النفقة، أو في قدر المدة.. فالحكم فيها كالحكم في المسألة قبلها، فإن ترك المودع النفقة على البهيمة في هاتين المسألتين حتى تلفت.. نظرت:
فإن ترك علفها وسقيها مدة الغالب أن البهيمة تموت فيها من عدم العلف والسقي.. وجب عليه ضمانها؛ لأن الظاهر أنها ماتت من الجوع والعطش.
وإن تركها مدة قريبة الغالب أنها لا تموت فيها من ترك العلف والسقي.. لم يجب عليه ضمانها؛ لأن الظاهر أنها لم تمت من منع العلف والسقي فيها.
وإن أودعه بهيمة جائعة، ولم يعلم بها المودع، فأخر علفها وسقيها مدة لا يموت مثلها من منع العلف والسقي، فماتت، ولولا الجوع السابق لم تمت.. ففيه وجهان، حكاهما المسعودي [في " الإبانة " ق ٤٤٢] :
أحدهما: يجب عليه الضمان؛ لأنها ماتت بإجاعته لها، فصار كما لو لم تكن جائعة.
والثاني: لا يجب عليه الضمان؛ لأنها ماتت بالجوع السابق، وتأخيره لا حكم له بانفراده.
المسألة الثالثة: إذا أودعه بهيمة، وقال له: لا تعلفها ولا تسقها.. فلا خلاف على المذهب: أنه يجب عليه علفها وسقيها؛ لأن للبهيمة حرمتين: حرمة مالكها، وحرمة لها بنفسها على ما مضى، فإذا أسقط المالك حقه.. بقي حق البهيمة.
فعلى هذا: الحكم في الإنفاق عليها والرجوع حكم المودع إذا لم يأمره ولم ينهه،
стр. 3221
فإن ترك المودع علفها وسقيها مدة تموت فيها في الغالب من عدم العلف والسقي.. أثم المودع والمودع؛ لما ذكرناه، وهل يجب على المودع ضمانها؟ فيه وجهان:
[أحدهما] : قال أبو سعيد الإصطخري: يلزمه الضمان؛ لأنه منهي عن ترك العلف والسقي لحق الله تعالى، فإذا تركهما، فتلفت بذلك.. لزمه الضمان.
و [الثاني] : قال أبو العباس: لا يلزمه الضمان. وهو الأصح؛ لأن ضمان القيمة يجب للمالك، وقد أذن بما يوجب التلف، فلم تجب له القيمة، كما لو قال: اقتل عبدي، فقتله، أو احبسه عن الطعام والشراب إلى أن يموت، ففعل إلى أن مات.. فلا يجب عليه القيمة.
إذا ثبت ما ذكرناه ـ من وجوب العلف في هذه المسائل ـ: فإن علفها المودع، وسقاها بنفسه في منزله.. فهو النهاية في الاحتفاظ، وإن أمر بذلك خادمه أو غيره.. جاز، ولا ضمان عليه. واختلف أصحابنا في تعليله:
فقال أكثرهم: لأن العادة جرت في علف البهائم وسقيها هكذا.
وقال أبو العباس: لأنه لم يخرجها من يده ونظره، وإنما استعان بغيره، كما قال: إذا استعان بزوجته، أو خادمه على حفظ الوديعة.. فلا ضمان عليه.
وإن علفها، أو سقاها خارج المنزل، فإن كان المنزل ضيقا لا يتمكن من العلف فيه والسقي.. جاز، ولا ضمان عليه؛ لأنه موضع ضرورة، وإن كان يمكنه أن يفعل ذلك في منزله.. قال الشافعي: (فعليه الضمان) . واختلف أصحابنا فيه:
فقال أبو إسحاق: إن كان خارج المنزل آمنا.. فلا ضمان عليه؛ لأن ذلك يجري مجرى منزله، وقد جرت العادة بعلف البهائم والسقي خارج المنزل إذا كان آمنا، وحمل النص عليه إذا كان خارج المنزل مخوفا.
وقال أبو سعيد الإصطخري: يجب عليه الضمان بكل حال؛ لأنه أخرج الوديعة من حرزها لغير عذر، فلزمه الضمان.
стр. 3222
قال الشيخ أبو حامد: والمذهب الأول؛ لأن خارج المنزل حرز، كالمنزل، فهو كما لو نقل الوديعة من بيت إلى بيت.
[مسألة: إخراج الوديعة من الحرز بغير إذن المالك]
] : إذا أخرج المودع الوديعة من حرزها بغير إذن مالكها.. نظرت:
فإن أخرجها لمصلحتها، بأن دعت الحاجة إلى تجفيف الثياب في الشمس أو الرياح، أو تقليب الكتب.. لم يضمنها بذلك؛ لأن ذلك واجب عليه.
وإن أخرج الوديعة لينتفع بها.. ضمنها بنفس الإخراج وإن لم ينتفع بها.
وقال أبو حنيفة: (لا يضمنها ما لم ينتفع بها) .
دليلنا: أنه تناول الوديعة لمنفعة نفسه بغير إذن مالكها، فضمنها، كما لو انتفع بها.
وإن نوى أن يخرج الوديعة لينتفع بها، أو نوى أن لا يردها على مالكها.. ففيه ثلاثة أوجه:
أحدها ـ هو المذهب ـ: أنه لا يضمنها بذلك؛ لأنه لم يوجد منه فعل فيها على وجه التعدي، فلم يضمنها، كما لو نوى أن يغصب مال غيره.
والثاني ـ ويحكى عن أبي العباس ـ: أنه يضمنها بمجرد النية، كما يضمن اللقطة إذا نوى تملكها.
والثالث ـ حكاه في " المهذب " عن القاضي أبي حامد ـ: إن نوى أن لا يردها.. ضمنها بمجرد النية؛ لأنه صار ممسكا لها على نفسه، وإن نوى أن ينتفع بها.. لم يضمنها بمجرد النية؛ لأنه لا يصير ممسكا لها بذلك على نفسه.
ولا يجوز للمودع أن يقترض الوديعة.
وقال مالك: (يجوز له أن يقترضها؛ لأن كونها في ذمته أحفظ للمالك) .
دليلنا: قوله ﷺ : «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه» .
стр. 3223
فإن كان عنده وديعة، وخاف عليها التغير، ولم يجد صاحبها ولا وكيله.. فهل يجوز له أن يبيعها ويحفظ ثمنها، أو يقرضها غيره؟ فيه وجهان خراسانيان.
[فرع: زوال الضمان عن المودع]
إذا تعدى المودع في الوديعة.. لزمه ضمانها، ولا يبرأ من الضمان إلا بتسليمها إلى المودع، أو إلى وكيله.
وقال مالك، وأبو حنيفة: (إذا ردها إلى حرزها.. زال عنه الضمان) .
دليلنا: قوله ﷺ : «على اليد ما أخذت حتى يؤديه» . ولأنها وديعة مضمونة، فلم يزل عنه الضمان بفعله، كما لو جحد الوديعة، ثم اعترف بها، أو منعها، ثم بذلها.
فإن قال المالك: أودعتكها، من غير أن يقبضها، أو قال: أبرأتك من الضمان.. ففيه وجهان:
أحدهما: يزول عنه الضمان؛ لأن الضمان لحق المالك، وقد أسقط حقه.
والثاني: لا يزول عنه الضمان، وهو المذهب؛ لأن الإبراء إنما يكون من حق في الذمة، ولا حق له في ذمته.
[مسألة: الإكراه على أخذ الوديعة]
] : قال الشافعي: (وإن أكرهه رجل على أخذها.. لم يضمن) . واختلف أصحابنا في صورة هذه المسألة:
فمنهم من قال: صورتها: هو أن يكره رجل المالك على أخذها، فأخذها، فلا يضمنها إذا تلفت؛ لأنه لو تسلمها باختياره لا يضمن، فبأن لا يضمنها إذا أخذها مكرها أولى.
стр. 3224
ومنهم من قال: صورتها: أن يكره أجنبي المودع على أخذها منه، وهذا هو الصحيح.
فعلى هذا: ينظر في الذي أكرهه:
فإن كان يقدر على دفعه.. لزمه دفعه عنها، فإذا لم يفعل.. لزمه الضمان؛ لأن معنى قوله: (أودعتكها) أي: استحفظتكها، وعليه أن يحفظها ما أمكنه، فإذا لم يفعل.. لزمه الضمان.
وإن كان الذي أكرهه لا يقدر على دفعه، ويخاف على نفسه منه.. لم يلزمه دفعه، ثم ينظر:
فإن أخذها المكره بنفسه من غير مباشرة من المودع في دفعها.. لم يلزمه الضمان. وإن أكرهه حتى سلمها بيده إليه.. فهل يجب على المودع الضمان؟ فيه قولان، بناء على القولين فيمن أكره، فأكل وهو صائم، أو حلف لا يدخل دارا، فأكره حتى دخلها بنفسه.
[مسألة: رد الوديعة بطلب المالك]
] : وإذا طالب المودع برد الوديعة.. وجب على المودع الرد؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] [النساء: ٥٨] ، وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣] [البقرة: ٢٨٣] ، ولقوله ﷺ : «على اليد ما أخذت حتى تؤديه» . فإن أخر ردها من غير عذر ضمنها، وإن أخر ردها لعذر.. لم يضمنها.
قال في " الفروع ": وليس على المودع إيصالها إلى المالك، بل عليه التخلية بينه وبينها لا غير، والأخذ على المالك. وإن طالب المودع المالك بأخذ وديعته.. وجب على المالك أخذها؛ لأن قبول الوديعة ليس بواجب عليه، فكذلك استدامة حفظها.
стр. 3225
[مسألة: إنكار الوديعة]
] : وإن ادعى على رجل أنه أودعه وديعة معلومة، فقال المدعى عليه: ما أودعتني، ولا بينة للمدعي.. فالقول قول المدعى عليه مع يمينه؛ لقوله ﷺ : «البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه» . ولأن الأصل عدم الإيداع.
[فرع: الاختلاف في تلف الوديعة وسببه]
] : وإن أمره بحفظ الوديعة في مكان، فنقلها عنه، فتلفت، فقال المودع: نقلتها خشية سيل، أو حريق، أو نهب عسكر، وأنكره المالك.. لم يقبل قول المودع حتى يقيم البينة على وجود ذلك السبب؛ لأنه لا يتعذر عليه إقامة البينة عليه، فإن كان قد صدقه المالك على تلفها.. فلا كلام، وإن ادعى المالك أنها لم تتلف.. فالقول قول المودع مع يمينه: أنها تلفت؛ لأنه يتعذر عليه إقامة البينة على التلف، فقبل قوله فيه مع اليمين. وإن ادعى المودع أن الوديعة قد تلفت، فأنكر المودع، فإن ادعى تلفها بسبب ظاهر، كالسيل، والعسكر، والنهب، والحريق.. لم يقبل قوله حتى يقيم البينة على وجود ذلك السبب؛ لأنه يمكنه إقامة البينة عليه، فإن شهدت بالسبب وبالتلف.. فلا كلام، وإن شهدت البينة بالسبب الظاهر، ولم تشهد بالتلف.. فالقول قول المودع مع يمينه: أنها تلفت بذلك؛ لأنه يتعذر إقامة البينة على تلفها. وإن ادعى تلفها بسبب غير ظاهر، بأن قال: سرقت، أو ضاعت.. فالقول قوله مع يمينه؛ لأنه أمين، فقبل قوله مع اليمين. وهذا كما نقول فيمن قال لامرأته: إن ولدت.. فأنت طالق، فادعت أنها ولدت.. لم يقبل قولها من غير بينة، ولو قال: إذا حضت.. فأنت طالق، فادعت أنها حاضت.. قبل قولها مع يمينها؛ لما ذكرناه من الفرق.
следующие страницы →