← Фикх шафии

Фикх шафии · id 21721

البيان في مذهب الإمام الشافعي

العمراني

Полный текст (7 092 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

وإن عدم الماء في الحضر.. تيمم وصلى، وبه قال أبو يوسف، وحكاه الطحاوي عن أبي حنيفة. وقال زفر: لا يصلي. وروي ذلك عن أبي حنيفة، وهو قول مخرج لنا، قد مضى. دليلنا: قوله ﷺ : «الصعيد الطيب وضوء المسلم، ما لم يجد الماء» . ولم يفرق بين السفر والحضر. فإذا وجد الماء بعد ذلك.. لزمه أن يعيد الصلاة. وقال مالك: (لا إعادة عليه) . وبه قال الثوري، والأوزاعي، والمزني، وحكى المسعودي [في " الإبانة " ق\٣٣] : أنه أحد قولي الشافعي. والأول أصح؛ لأن عدم الماء في الحضر عذر نادر غير متصل، فلم يسقط عنه فرض الإعادة، كما لو صلى بنجاسة نسيها. فقولنا: (نادر) احتراز من عدم الماء في السفر. وقولنا: (غير متصل) احتراز من الاستحاضة، ومن سلس البول؛ لأن الأعذار على ثلاثة أضرب: [الأول] : عذر معتاد: وهو السفر، والمرض. و [الثاني] : عذر نادر متصل: وهو الاستحاضة، وسلس البول.. فهذان العذران يسقط معهما فرض الإعادة. و [الثالث] : عذر نادر منقطع: وهو عدم الماء في الحضر، وخوف البرد في الحضر، ومثل أن يحبس في موضع لا يمكنه فيه القيام.. فيصلي قاعدًا. أو يجبر على الصلاة قاعدًا، وما أشبه ذلك.. فهذا لا يسقط معه فرض إعادة الصلاة. [فرع: وجد المسافر الماء بعد صلاته بتيمم] وإن تيمم في السفر لعدم الماء وصلى، ثم وجد الماء، فإن كان السفر طويلاً.. لم يجب عليه إعادة الصلاة.

стр. 317

وبه قال عامة العلماء، إلا ما حكي عن طاووس، فإنه قال: عليه أن يتوضأ ويعيد الصلاة. دليلنا: ما روي: «أن رجلين كانا في سفر، فعدما الماء، فتيمما وصليا، ثم وجدا الماء، فأعاد أحدهما، ولم يعد الآخر، فأتيا النبي ﷺ فأخبراه بذلك، فقال للذي لم يعد: "أصبت السُنَّة"، وقال للذي أعاد: "لك أجران» . ولأن عدم الماء في السفر عذر عام، فهو كما لو صلى مع سلس البول. وإن كان السفر قصيرًا.. فهل يلزمه الإعادة؟ فيه قولان: أحدهما: يلزمه الإعادة؛ لأنه سفر لا يجوز له فيه القصر والفطر، فهو كالحضر. والثاني: ـ وهو الصحيح ـ: أنه لا إعادة عليه؛ لأنه موضع يعدم فيه الماء غالبًا، فهو كالسفر الطويل. وقال الشيخ أبو حامد: وإذا خرج الرجل إلى ضيعته وبستانه، فعدم الماء.. كان له أن يتيمم، وينتفل على الراحلة، ويأكل الميتة إذا اضطر إليها. فعلى مقتضى ما قاله: يكون سفرًا قصيرًا، وفي إعادة ما صلى فيه بالتيمم القولان. [فرع: التيمم في سفر المعصية] وإن كان في سفر معصية فعدم الماء.. فهل يستبيح الصلاة بالتيمم؟ فيه وجهان: أحدهما ـ حكاه في " الفروع " ـ: أنه لا يستبيحها، ولكن يقال له: تب

стр. 318

واستبح الصلاة بالتيمم، كما يقال له: تب وكل الميتة، إن كنت مضطرًا إليها. والثاني: يستبيحها، وهو المشهور؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [النساء: ٤٣] إلى قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣] [النساء: ٤٣] ولم يفرق. فعلى هذا: هل يلزمه إعادة ما صلى بالتيمم؟ فيه وجهان: أحدهما: يلزمه؛ لأن سقوط الفرض بالتيمم رخصة تختص بالسفر، فلم يستبح ذلك في سفر المعصية، كالفطر والقصر. والثاني: لا يلزمه الإعادة، لأنه صلى صلاة صحيحة بتيمم في سفر، فلم يلزمه الإعادة، كما لو كان السفر مباحًا. [فرع: تيمم لفقد الماء فجاء ركبٌ] ٌ] : قال في " الأم " [١/٤١] : (فإن تيمم، فلم يدخل في الصلاة، حتى طلع عليه ركبٌ.. لزمه أن يسألهم عن الماء، سواء علم أن معهم ماء أو لم يعلم، فإن كان معهم ماء، فلم يبذلوه له، أو وجد ماء فحيل بينه وبين الماء.. بطل تيممه الأول) . قال في " الأم " [١/٤١] : (ولو ركب البحر، ولم يكن معه ماء في مركبه، ولم يقدر على استعمال ماء البحر لشدة.. تيمم وصلى، ولا إعادة عليه؛ لأنه غير قادر على الماء) .

стр. 319

[فرع: إعادة طلب الماء إذا تيمم وثم حائل] ] : ذكر في " العدة ": ولو تيمم لعدم الماء، ثم رأى الماء ودونه سبع، فإن رآهما معًا، أو عرف مكان السبع أولاً، ثم رأى الماء.. فتيممه باقٍ. وإن رأى الماء، ثم عرف أنه محول دونه.. أعاد الطلب والتيمم؛ لأن الطلب والمصير إليه قد لزمه. وكذلك لو رأى ماء في قعر بئر، وليس معه رشاء ولا دلو، فإن علم مكان الماء، وهو عالم بأنه لا آلة معه ذاكرٌ لذلك.. لم يبطل تيممه. وإن رأى الماء وعنده أن معه آلة النزح، فلا طلب، أو تأمل [و] لم يجد.. أعاد التيمم. قال في " المذهب ": وإن تيمم، ثم وجد الماء وهو محتاج إليه لعطشه، أو لبهائمه.. لم يبطل تيممه؛ لأنه لو كان موجودًا معه.. لم يلزمه استعماله. [فرع: إراقة ما معه من الماء] وإن كان معه ماء فأراقه، وتيمم وصلى، فإن أراقه قبل دخول الوقت.. لم يلزمه إعادة ما صلى بالتيمم؛ لأنه أراقه قبل توجه فرض الطهارة عليه. وإن أراقه بعد دخول الوقت.. فهل تلزمه الإعادة؟ فيه وجهان: أحدهما: يجب عليه الإعادة؛ لأنه فرط في إتلاف الماء، وترك الطهارة به مع القدرة عليها. والثاني: لا يجب عليه الإعادة، وهو اختيار القاضي أبي الطيب؛ لأنه بعد الإراقة عادم للماء إن كان قد عصى بالإراقة.. فهو كمن قطع رجله، فإنه يعصي بذلك، وإذا صلى جالسًا ... أجزأه.

стр. 320

[فرع: رأى الماء أثناء الصلاة] وإن تيمم لعدم الماء، ودخل في الصلاة، ثم وجد الماء في أثناء الصلاة، فإن كان ذلك في الحضر، أو في سفر قصير وقلنا: يلزمه الإعادة.. بطلت صلاته؛ لأنه تلزمه الإعادة، وقد وجد الماء، فوجب أن يشتغل بالإعادة. وإن كان سفرٍ طويلٍ، أو في سفر قصير وقلنا: لا تلزمه الإعادة.. لم تبطل صلاته. وبه قال مالك، وداود. وقال أبو حنيفة، والثوري، والمزني، وأبو العباس ابن سريج: (تبطل صلاته) ، إلا أن أبا حنيفة يقول: (لا تبطل صلاة الجنازة والعيدين، ولا تبطل أيضًا الصلاة برؤية سؤر البغل والحمار) . وقال الأوزاعي: (تصير نفلاً) . دليلنا: قوله ﷺ : «إن الشيطان ليأتي أحدكم وهو في صلاته، فينفخ بين أليتيه، ويقول: أحدثت، أحدثت.. فلا ينصرف حتى يسمع صوتًا، أو يجد ريحًا» .

стр. 321

فمن قال: ينصرف إذا رأى الماء.. خالف ظاهر الخبر. ولأنه دخل في صلاة معتد بها، فلم تبطل برؤية الماء، كصلاة الجنازة والعيد. فقولنا: (معتد بها) احترازًا منه إذا رأى الماء في صلاة الحضر. إذا ثبت هذا: فهل له الخروج منها؟ من أصحابنا من قال: الأفضل له أن يخرج منها؛ لأن الشافعي قال في (الكفارات) : (إذا وجد الرقبة في أثناء الصوم.. الأفضل أن يرجع إلى العتق) . ولأنه يخرج بذلك من الخلاف. ومنهم من قال: لا يجوز له الخروج منها؛ لأنها صلاة فريضة صحيحة، فلا ينصرف عنها. والأول أصح؛ لأن الشافعي ﵀ استحب لمن دخل في الصلاة منفردًا، ثم رأى الجماعة يصلون ... أن يخرج منها؛ ليصلي مع الجماعة. والخروج إلى الطهارة أولى. [فرع: تيمم ورعف في الفرض] قال في " الأم " [١/٤١] : (وإن تيمم، فدخل في المكتوبة، ثم رعف.. انصرف، فإن وجد الماء.. لزمه أن يغسل الدم ويتوضأ. وإن لم يجد من الماء إلا ما يغسل به الدم عنه.. غسله واستأنف تيممًا؛ لأنه لما لزمه طلب الماء.. بطل تيممه) . وإن صلى متيمم بمتوضئين، ومتيممين، فرأى المتوضئ الماء في أثناء الصلاة.. لم تبطل صلاته؛ لأن رؤية المأموم المتوضئ للماء ليست برؤية للإمام المتيمم، فلم تبطل به صلاة المتوضئ، كما لو كان منفردًا.

стр. 322

[فرع: صلى بتيمم فرأى الماء ونوى الإقامة] وإن دخل المسافر في الصلاة المفروضة بالتيمم، ثم رأى الماء في أثنائها، ثم نوى الإقامة بعد ذلك.. ففيه وجهان: أحدهما ـ وهو قول ابن القاص ـ: أن تيممه يبطل، وتبطل صلاته؛ لأنه صحيح مقيمٌ واجد للماء، فبطلت صلاته، كما لو عدم الماء في الحضر، فتيمم وصلى، ثم رأى الماء في أثناء الصلاة. والثاني ـ حكاه في " العدة " ـ: لا تبطل صلاته؛ لأنه افتتحها مع عدم الماء، فكان مأذونًا فيه، فوجود الماء لا يؤثر في إبطال الصلاة، وجواز التيمم يفترق في الحضر والسفر، وإنما يختلفان في الإعادة. وأما إذا نوى الإقامة دون رؤية الماء.. لم تبطل صلاته. وقال القفال: إن كان في موضع لا يوجد فيه الماء غالبًا.. لم تبطل صلاته، وإن كان في بلد أو قرية.. بطلت صلاته. فإذا قلنا: لا تبطل صلاته.. فهل يلزمه الإعادة؟ فيه وجهان: أحدهما: تلزمه؛ لأنه يصير في حكم المتيمم للصلاة حال الإقامة لعدم الماء، فلزمته الإعادة. والثاني: لا تلزمه الإعادة، وهو قول ابن الصباغ؛ لأن الاعتبار في التيمم بالموضع الذي يوجد فيه الماء نادرًا أو معتادًا، وهذا لا يقف على النية.

стр. 323

[فرع: رأى الماء حال صلاته بتيمم] وإن دخل في الفريضة بالتيمم، ثم رأى الماء في أثناء الصلاة، فلم يفرغ من الصلاة حتى فني الماء.. فهل يجوز له أن يتنفل بذلك التيمم؟ فيه طرق: أحدها ـ وهو المشهور ـ: أنه لا يجوز له؛ لأنه إذا رأى الماء، لم يكن له استفتاح الصلاة، كما لو رآه قبل الدخول. والثاني: ـ وإليه أشار ابن الصباغ ـ: أنه يجوز له التنفل؛ لأن هذا الماء لم يلزمه استعماله لهذه الصلاة، ولا قدر على استعماله، فلم يبطل تيممه. قال: ويلزم من قال: لا يصلي النافلة بالتيمم، أن يقول: إذا مر عليه ركب، وهو في الصلاة، ففرغ منها، وقد ذهب الركب.. لا يجوز له أن يصلي النافلة. والثالث ـ حكاه أبو علي السنجي ـ: إن لم يعلم بتلفه قبل الفراغ.. لم يتنفل به، وإن علم بتلفه قبل الفراغ فوجهان. [فرع: رؤية الماء أثناء النافلة] وإن دخل في صلاة نافلة بالتيمم، ثم رأى الماء في أثنائها.. ففيه خمسة أوجهٍ: أحدها ـ وهو المشهور ـ: إن كان قد نوى عددًا.. أتمه كالفريضة، وإن لم ينو عددًا.. سلم من ركعتين، ولم يزد عليهما؛ لأن هذا هو الشرع في النافلة. والثاني: ـ وهو قول أبي علي السنجي، وأبي زيد المروزي ـ: أنه لا يزيد على ركعتين، وإن نوى أكثر منهما. والثالث ـ وهو قول أبي العباس ـ: أنه يقتصر على ما صلى منها؛ لأن ما مضى من النافلة يثاب عليه، والفريضة لا يثاب عليها إلا بإكمالها.

стр. 324

والرابع ـ وهو قول القفال ـ: أنه يزيد ما يشاء من عدد الركعات بعد رؤية الماء؛ لأنه قد صح دخوله فيها. والخامس ـ وهو قول صاحب " الفروع " و" المذهب " ـ: إن نوى عددًا.. أتمه، وإن لم ينو.. بنى على القولين فيمن نذر صلاة: فإن قلنا: يلزمه ركعتان.. صلى ركعتين، وإن قلنا: يلزمه ركعة.. لم يزد عليها. [فرع: لا يلزم المتيمم المريض إعادة صلاته] وإن تيمم للمرض، وصلى.. لم تلزمه الإعادة؛ لأنا قد قلنا: إنه من الأعذار العامة، فهو كمن يصلي مع سلس البول. وإن خاف من استعمال الماء في البرد تلف النفس، أو تلف عضو، أو حدوث مرض يكون منه ذلك، فإن كان في موضع يمكنه تسخين الماء، وأمكنه أن يغسل من بدنه عضوًا ويدثره حتى يأتي على الكل.. لم يجز له التيمم؛ لأنه قادر على استعمال الماء. وإن لم يمكنه ذلك، بأن لم يجد ما يسخنه به، أو كانت الرفقة سائرة، أو كان الماء في موضع لا يمكنه الانغماس فيه.. جاز له التيمم؛ لحديث عمرو بن العاص. وهل يلزمه الإعادة؟ إن كان ذلك في الحضر.. لزمته الإعادة قولاً واحدًا؛ لأنه عذر نادر غير متصل، فهو كما لو صلى بنجاسة نسيها. وإن كان ذلك في السفر.. ففيه قولان: أحدهما: لا تلزمه الإعادة؛ لأن النبي ﷺ لم يأمر عمرو بن العاص بالإعادة. والثاني: تلزمه الإعادة؛ لأنه عذر نادر غير متصل، فهو كعدم الماء في الحضر، وأما الخبر: فيجوز تأخير البيان إلى وقت الحاجة، ويجوز أنه لم يأمره بذلك؛ لعلمه أن عمرًا يعلم ذلك.

стр. 325

[مسألة: حكم الجبيرة على عضو التيمم] قال الشافعي: (ولو ألصق على موضع التيمم لصوقًا.. نزع اللصوق وأعاد) . واختلف أصحابنا في مراد الشافعي بذلك: فمنهم من قال: أراد إذا كان على موضع التيمم قرح أو جرح، فألصق عليه الدواء بخرق أو غيرها، ولا يخاف الضرر من نزعها.. فإنه يلزمه نزع اللصوق، وغسل الصحيح الذي تحتها، والتيمم في موضع القرح، فيصلي ولا يعيد الصلاة. ومعنى قول الشافعي: (وأعاد) يرجع إلى اللصوق، أي: إذا نزع اللصوق، وغسل الصحيح.. تيمم، وأعاد اللصوق على موضعها. ومنهم من قال: بل يراد أن يكون القرح على موضع التيمم، وعليه اللصوق، ويخاف من نزعه الضرر.. فإنه يمسح عليه. فإذا نزع اللصوق.. تيمم على القرح، وأعاد الصلاة؛ لأن التيمم لا يجزئ على حائل دون العضو. وقوله: (أعاد) يرجع إلى الصلاة. قال الشيخ أبو حامد: والتأويل الأول أصح. وقال ابن الصباغ: أي المسألتين أراد.. فالحكم على ما ذكرناه. [مسألة: حكم الجبيرة] مسألة أخرى: [حكم الجبيرة] : قال الشافعي ﵀: (ولا يعدو بالجبائر موضع الكسر، ولا يضعها إلا على وضوء) .

стр. 326

وجملة ذلك: أن (الجبائر) هي الخشب التي توضع على الكسر. وقوله: (لا يعدو موضع الكسر) يريد: لا يتجاوز. وليس هذا على ظاهره؛ لأن الكسر لا توضع عليه الجبائر خاصة، بل لا بد أن يضعها على شيء من الصحيح معه للحاجة إليه. أراد: أي: أن لا يضع على شيء من الصحيح لا حاجة به إليه. فإذا وضع الجبيرة، ثم أراد الغسل أو الوضوء، فإن كان لا يخاف من نزعها ضررًا.. نزعها وغسل ما يقدر عليه من ذلك، وتيمم عما لا يقدر عليه. وإن خاف من نزعها تلف النفس، أو تلف عضو، أو إبطاء البرء أو الزيادة في الألم إذا قلنا: إنه كخوف التلف.. لم يلزمه حلها، ولزمه غسل ما جاوز موضع الشد، والمسح على الجبيرة. والأصل فيه: ما روي «عن علي ﵁، أنه قال: (انكسر زندي، فسألت النبي ﷺ فأمرني أن أمسح على الجبائر» . وهل يلزمه أن يمسح جميعها؟ فيه وجهان: أحدهما: يلزمه مسح الجميع؛ لأنه لا ضرر عليه في استيعاب مسحها، فلزمه كالتيمم. والثاني: يجزئه ما يقع عليه اسم المسح؛ لأنه مسح على حائل منفصل عنه، فهو كالخف. وهل يتقدر المسح؟ فيه وجهان، حكاهما في " الإبانة " [ق\٣٥] :

стр. 327

أحدهما: أنه يتقدر؛ لأنه مسح على حائل منفصل عنه، فهو كالخف. والثاني: لا يتقدر، بل يمسح عليه إلى أن يبرأ، وهو طريقة البغداديين من أصحابنا، وهو الصحيح؛ لأن الحاجة تدعو إلى استدامة اللبس والمسح إلى البرء، بخلاف الخفين، فإنه إذا استدام لبسهما.. تشوشت لفائفه وحميت رجلاه، فكان به حاجة إلى نزعهما. وواضع الجبيرة ما لم ينجبر.. حاجته باقية إلى اللبس، ويجوز لواضع الجبيرة المسح عليها مع الجنابة، بخلاف لابس الخف؛ لما ذكرناه من الفرق. وهل يجب عليه أن يتيمم مع المسح؟ ذكر أصحابنا البغداديون فيها قولين: [الأول] قال في القديم: (لا يتيمم؛ لأنه لا يجب عليه بدلان من مبدل، كما لا يلزم ماسح الخف) . و [الثاني] قال في الجديد: (يتيمم؛ «لحديث جابر في الرجل الذي أصابته الشجة في رأسه، فقال النبي ﷺ : " إنما كان يكفيه أن يتيمم، ويعصب على رأسه خرقة، ويمسح عليها، ويغسل سائر بدنه» . ولأن واضع الجبيرة أخذ شبهًا من الجريح؛ لأنه يخاف الضرر من غسل العضو، كما يخافه الجريح، وأخذ شبهًا من لابس الخف؛ لأن المشقة تلحقة في نزع الجبيرة، كلابس الخف، فلما أشبههما.. وجب عليه أن يجمع بين حكميهما، وهما المسح والتيمم. وأما صاحب " الإبانة " فقال [في ق\٣٥] : هل يلزمه التيمم؟ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: يلزمه. والثاني: لا يلزمه.

стр. 328

والثالث: إن كان تحت الجبيرة جراحة. لزمه، وإن لم يكن تحتها جراحه.. لم يلزمه. فإن برئ الموضع.. لزمه حل الجبيرة، وغسل الموضع. وإن سقطت عنه الجبيرة في الصلاة.. بطلت الصلاة في مدة المسح، كالخف إذا سقط عنه في الصلاة في مدة المسح. وهل يلزمه إعادة ما صلى بالمسح؟ ينظر فيه: فإن كان قد وضع الجبيرة على طهر.. ففيه قولان: أحدهما ـ وهو الأشبه بالسنة ـ: أنه لا إعادة عليه؛ لأن النبي ﷺ لم يأمر علينا بالإعادة. والثاني: عليه الإعادة. قال أصحابنا: وهو الأحوط؛ لأن هذا عذر نادر غير متصل، فهو كعدم الماء الحضر. وأما حديث علي: فلا يصححه أهل النقل. وإن كان قد وضعها على غير طهر.. مسح عليها، وصلى، وأعاد قولاً واحدًا، كما لو لبس الخف على غير طهارة.

стр. 329

قال الشيخ أبو حامد: ومن أصحابنا من قال: في الإعادة قولان، وليس بشيء. قال ابن الصباغ: وهكذا الحكم فيه إذا كان على جرحه عصابة يخاف من نزعها. وإن كانت الجبيرة على موضع التيمم.. قال ابن الصباغ: فإن قلنا: يكفيه المسح بالماء.. أجزأه. وإن قلنا: يحتاج إلى التيمم.. فإنه يمسح بالماء ويتيمم، ويمسح بالتراب على الجبيرة وتلزمه الإعادة قولاً واحدًا؛ لأن الجبائر لا يجزئ مسحها في التيمم؛ لأن البدل لا يكون على بدل. وأما تجديد الطهارة لكل صلاة: فإن قلنا: لا يتيمم.. كفته طهارة من الحدث إلى الحدث. وإن قلنا: يتيمم.. احتاج إلى الطهارة عند كل صلاة مفروضة، ولا يجوز أن يجمع بين فرضين بتيمم. وبالله التوفيق

стр. 330

[باب الحيض] [ مسألة: المراد بالحيض والأحكام المترتبة عليه] قال الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] [البقرة: ٢٢٢] . واختلف الناس في المحيض المراد بالآية: فقال قوم: هو موضع الحيض، وهو الفرج، كما يقال: مبيت لموضع البيتوتة. وقال قوم: هو زمن الحيض. وذهب الشافعي ﵀ إلى: (أنه هو الحيض، وهو الدم؛ فكأنه قال: اعتزلوا النساء في حال وجود الدم؛ لأنه قال: ﴿هُوَ أَذًى﴾ [البقرة: ٢٢٢] [البقرة: ٢٢٢] . ولا يوصف الفرج والزمان: أنه أذى، وإنما يوصف به الدم) . وروي: «أن أسماء قالت: يا رسول الله، كيف تغتسل إحدانا من المحيض؟» . فإذا حاضت المرأة.. تعلق بها أربعة عشر حكمًا: أحدها: أنه يحرم فعل الصلاة؛ لقوله ﷺ : «إذا أقبلت الحيضة.. فدعي الصلاة» . والثاني: أنه يسقط وجوبها؛ لما روي «عن عائشة ﵂: أنها قالت: (كنا نحيض عند رسول الله ﷺ فلا نقضي الصلاة، ولا نؤمر بقضائها» .

стр. 331

الثالث: أنه يحرم عليها الصوم؛ لما روى أبو سعيد الخدري ﵁: أن النبي ﷺ قال: «إذا حاضت المرأة.. لم تصل، ولم تصم» . ولا يسقط وجوبه؛ لما روي «عن عائشة ﵂، أنها قالت: (كنا نؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة» . الرابع: أنه يحرم الطواف؛ لقوله ﷺ لعائشة رضوان الله عليها وقد حاضت وهي محرمة: «اصنعي ما يصنع الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت» . الخامس: يحرم عليها قراءة القرآن. وقال مالك: (لا يحرم عليها قراءة القرآن؛ لأنها إذا لم تقرأ.. نسيت القرآن) .

стр. 332

وحكى المسعودي [في " الإبانة " ق\٢١] : أن هذا قول للشافعي ﵀ في القديم. ووجه الأول: قوله ﷺ : «لا يقرأ الجنب، ولا تقرأ الحائض شيئًا من القرآن» . ولأنها يمكنها أن تستذكر القرآن في نفسها، فلا تنسى. السادس: يحرم عليها مس المصحف وحمله؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] [الواقعة: ٧٩] . السابع: يحرم عليها اللبث في المسجد؛ لقوله ﷺ : «لا أحل المسجد لجنب ولا لحائض» . الثامن: يمنع صحة الاعتكاف؛ لأنه إذا حرم عليها اللبث في المسجد من غير عبادة.. فلأن يحرم ذلك عليها مع نية العبادة أولى. وأما العبور في المسجد: فإن لم تستوثق في الشد والتلجم.. حرم عليها؛ لأنه لا يؤمن أن تلوث المسجد. وإن استوثقت بالشد.. ففيه وجهان: [أحدهما] : من أصحابنا من قال: يجوز؛ لما روي «عن عائشة ﵂: أنها قالت: قال لي النبي ﷺ : "ناوليني الخمرة من المسجد"، فقلت: إني

стр. 333

حائض، فقال: "ليست حيضتك في يدك» و (الخمرة) : الحصير الصغير. ولأنه حدث يمنع اللبث في المسجد، فلم يمنع العبور فيه، كالجنابة. و [الثاني] : منهم من قال: لا يجوز؛ لأن حدث الحيض أغلظ من حدث الجنابة، بدليل: أنه يمنع صحة الصوم، ويسقط الصلاة، بخلاف حدث الجنابة. التاسع: يتعلق به وجوب الغسل. وهل يجب برؤية الدم، أو بانقطاعه؟ فيه وجهان، قد مضى ذكرهما. الصحيح: أنه يجب برؤيته. فعلى هذا: إذا أجنبت المرأة، وحاضت قبل أن تغتسل، وأرادت أن تغتسل؛ لتقرأ القرآن: إذا قلنا بالقول القديم.. لم يصح غسلها؛ لأن ما أوجب الطهارة منع صحتها، كخروج البول. وإن قلنا: إن الغسل لا يجب عليها إلا بانقطاع الدم.. صح غسلها عن الجنابة قبل انقطاعه. العاشر: أنه يحكم ببلوغ المرأة به. الحادي عشر: أنه يمنع من الاعتداد بالشهور. الثاني عشر: أنه يمنع من الدخول في العدة وهو إذا طلقها حائضًا. الثالث عشر: أنه يحرم طلاق المدخول بها، ونحن نذكر أدلة هذه الأحكام في مواضعها، إن شاء الله تعالى.

стр. 334

الرابع عشر: أنه يحرم وطؤها في الفرج؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] [البقرة: ٢٢٢] . فأما مباشرتها فيما بين السرة والركبة.. فالمنصوص: (أنه لا يجوز) . وبه قال مالك، وأبو حنيفة، وأبو يوسف. وقال الثوري، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، ومحمد بن الحسن: (يجوز) . وبه قال أبو إسحاق المروزي من أصحابنا؛ لما روي عن النبي ﷺ : أنه قال: «اصنعوا كل شيء غير النكاح» . ودليلنا: ما روي عن عائشة ﵂: أنها قالت: «كان النبي ﷺ يأمر إحدانا إذا حاضت أن تأتزر، ثم يباشرها» . وفي رواية عنها: «كان يباشر نساءه فوق الإزار، وهن حيض» . وروي «عن عمر ﵁: أنه قال: سألت النبي ﷺ ما يحل للرجل من

стр. 335

امرأته، وهي حائض؟ فقال: "ما فوق الإزار» . وأما مباشرتها فيما فوق السرة، وفيما دون الركبة: فإن لم يكن عليه شيء من دم الحيض.. جاز له مباشرتها فيه بالإجماع، ولما رويناه عن عمر، وعائشة. وإن كان عليه شيء من دم الحيض.. فهل يجوز له مباشرتها؟ فيه وجهان، حكاهما المحاملي: أحدهما: لا يجوز؛ لأن به أذى الحيض. والثاني: يجوز؛ لحديث عمر، وعائشة ﵄، ولم يفرق. فإن خالف ووطئ امرأته في فرجها وهي حائض، فإن كان جاهلاً بحيضها، أو جاهلاً بتحريمه.. فلا شيء عليه. وإن كان عالمًا بحيضها، عالمًا بتحريم وطئها.. ففيه قولان: [أحدهما] : قال في القديم: (إن كان في أول الدم.. لزمه أن يتصدق بدينار. وإن كان في آخره.. لزمه أن يتصدق بنصف دينار) . وبه قال الأوزاعي، وإسحاق؛ لما روى ابن عباس: أن النبي ﷺ قال: «من أتى امرأته حائضًا.. فليتصدق بدينار، ومن أتاها وقد أدبر الدم ولم يقبل.. فليتصدق بنصف دينار» . وفي رواية: «في الذي يأتي امرأته وهي حائض.. يتصدق بدينار، أو بنصف دينار» ولهذا خيره أحمد بينهما.

стр. 336

و [الثاني] : قال في الجديد: (يأثم بذلك، وقد أتى كبيرة، فليستغفر الله ويتوب إليه، ولا كفارة عليه) ؛ لما روى أبو هريرة: أن النبي ﷺ قال: «من أتى كاهنا فصدقه بما يقوله، أو أتى امرأته في دبرها، أو حائضًا.. فقد كفر بما أنزل على محمد» ولم يأمره بالكفارة. ولأنه وطء محرم؛ للأذى، فلم تتعلق به الكفارة، كالوطء في الدبر. وفيه احتراز ممن وطئ في رمضان، أو محرمًا بالحج أو العمرة. وأما حديث ابن عباس: فقيل: إنه موقوف عليه. فإذا قلنا بالقول القديم.. فاختلف أصحابنا في إقبال الدم الذي يجب بالوطء فيه دينار، وفي إدباره نصف دينار: فقال أكثرهم: (إقباله) : هو أول الدم، وأيام كونه قويًا، و (آخره) : هو انتقاله من القوة إلى الضعف، كانتقال الأسود إلى الأحمر، وانتقال الأحمر إلى الأصفر؛ لما روي في حديث ابن عباس: أنه قال: (إن كان الدم أحمر.. فدينار، وإن كان أصفر.. فنصف دينار) . وقال أبو إسحاق الإسفراييني: (أول الدم) : هو قبل انقطاعه، و (آخره) : هو إذا انقطع، ولم تغتسل.

стр. 337

و (الدينار) الذي يجب في ذلك: هو مثقال الإسلام. وقال الحسن البصري، وعطاء: يجب فيه ما يجب على المجامع في رمضان. ودليلنا: ما ذكرناه من الخبر. قال صاحب " الفروع ": ويجب ذلك على الزوج دون الزوجة، على ظاهر المذهب، ومصرفه مصرف الكفارات. [فرع: إخبارها بالحيض] ] إذا أراد الرجل وطء امرأته فقالت: أنا حائض، ولم يعلم بحيضها.. فاختلف أصحابنا فيه: فمنهم من قال: إن كانت فاسقة.. لم يقبل قولها. وإن كانت عفيفة.. قبل قولها. وقال الشاشي: إن كانت بحيث يمكن صدقها.. قبل كلامها. وإن كانت فاسقة.. فكما نقول في العدة. [فرع: غسل الحائض بعد الانقطاع] وإذا انقطع دم الحائض.. حل لها: أن تصوم، وتغتسل؛ لأن تحريمهما بالحيض، وقد زال.

стр. 338

ولا يحل لها: الصلاة، والطواف، واللبث في المسجد، والاعتكاف، وقراءة القرآن؛ لأن المنع منه؛ لحدثها، وهو باق. ولا يحل وطؤها حتى تغتسل، وبه قال الزهري، وربيعة، والثوري، ومالك. وقال أبو حنيفة: (إن انقطع دمها لأكثر الحيض.. حل وطؤها قبل الاغتسال، وإن انقطع لدون ذلك.. لم يحل حتى تغتسل) . وقال داود: (إذا غسلت فرجها.. حل وطؤها) . دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٢] [البقرة: ٢٢٢] . فشرط الطهر والطهارة. فإن عدمت الماء فتيممت.. حل وطؤها. وقال مكحول: لا يحل وطؤها بالتيمم. وقال أبو حنيفة: (لا يحل وطؤها حتى تصلي به) . دليلنا: أن التيمم طهارة تبيح الصلاة، فأباحت الوطء، كطهارة الماء. فإن صلت بالتيمم فريضة.. فهل يحل وطؤها؟ فيه وجهان. أحدهما: لا يحل، كما لا يحل لها فعل فريضة ثانية. والثاني: يحل، وهو الأصح؛ لأن هذا التيمم قام مقام غسلها، ولهذا يجوز لها فعل النافلة. [مسألة: سن الحيض] ] الحيض له سن مخصوص، وقدر مخصوص، فإذا وجد ذلك.. تعلق به أحكام الحيض. والمرجع في إثبات ذلك إلى الوجود، وهو ما يوجد عادة مستمرة، فإذا وجد ذلك.. صار أصلاً. ومن الناس من قال: لا يرجع في ذلك إلى الوجود. ودليلنا: أن كل ما ورد به الشرع مطلقًا، ولا بد من تقديره، ولم يكن له أصل في

стр. 339

الشرع، ولا في اللغة.. رجع فيه إلى العرف والعادة، كالتفرق في البيع، والقبض، والحرز في السرقة. إذا ثبت هذا: فقال الشافعي ﵀ في " الأم ": (أعجل من سمعت من النساء يحضن نساء تهامة، يحضن لتسع سنين) . وقال في بعض كتبه: (رأيت جدة لها إحدى وعشرون سنة) . قال أصحابنا: ويجيء على أصله أن تكون جدة لها تسع عشرة سنة؛ لأنها تحبل لتسع سنين، وتضع لستة أشهر، ثم تحبل ابنتها لتسع سنين، وتضع لستة أشهر، فذلك تسع عشرة سنة. [فرع: أقل الحيض] وأما أقل الحيض: فاختلف العلماء فيه: فقال أبو حنيفة، والثوري: (أقله ثلاثة أيام) . وقال أبو يوسف: أقله يومان وأكثر اليوم الثالث. وقال مالك: (ليس لأقله حد، ويجوز أن يكون لحظة واحدة) . وأما الشافعي: فذكر في " المختصر " [١/٥٥] : (أن أقله يوم وليلة) . وقال في كتاب (العدد) : (أقله يوم) . واختلف أصحابنا فيها، على ثلاث طرق: فـ[الأول] : منهم من قال: فيه قولان.

стр. 340

و [الثاني] : منهم من قال: أقله يوم، قولاً واحدًا، وإنما قال: يوم وليلة، قبل أن يثبت عنده اليوم وحدة، فلما ثبت عنده اليوم.. رجع إليه. و [الثالث] : منهم من قال: هو يوم وليلة، قولاً واحدًا. قال الشيخ أبو حامد: وهو الصحيح الذي فرعنا عليه، وبه نفتي، وعليه نناظر، ولا يجوز أن يكون للشافعي فيها قولان؛ لأنه رجع في ذلك إلى الوجود، وقد ثبت الوجود عنده بذلك. وقوله: (يوم) أراد: بليلته؛ لأن العرب إذا أطلقت الأيام.. فالمراد بها: بلياليها، وإذا أطلقت الليالي.. فالمراد بها: بأيامها. قال الله تعالى: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ [الحاقة: ٧] [الحاقة: ٧] . وأما الوجود في ذلك: فقال الشافعي ﵀: (رأيت امرأة أثبت لي عنها: أنها لم تزل تحيض يومًا لا تزيد عليه، وأثبت لي عن نساء: أنهن لم يزلن يحضن أقل من ثلاثة أيام) . وقال عطاء: رأيت من النساء من تحيض يومًا، وتحيض خمسة عشر يومًا. وقال أبو عبد الله الزبيري: كان من نسائنا من تحيض يومًا، وتحيض خمسة عشر يومًا. وأكثر الحيض خمسة عشر يومًا. وبه قال أحمد في إحدى الروايتين عنه. وروي ذلك عن علي ﵁. وقال أبو حنيفة، والثوري: (أكثره عشرة أيام) .

стр. 341

وقال سعيد بن جبير: أكثره ثلاثة عشر يومًا. وروي عن مالك ثلاث روايات: إحداهن: كقولنا. والثانية: (لا حد لأكثره) . والثالثة: (أكثره سبعة عشر يومًا) . دليلنا: أن المرجع في ذلك إلى الوجود، وقد روينا عن عطاء، وأبي عبد الله الزبيري: أن من النساء من تحيض خمسة عشر يومًا. وقال شريك بن عبد الله: عندنا امرأة تحيض من الشهر خمسة عشر يومًا. وقال الشافعي ﵀: (رأيت نساء أثبت لي عنهن: أنهن لم يزلن يحضن ثلاثة عشر يومًا) . وغالب الحيض: ست أو سبع؛ «لقوله ﷺ لحمنة بنت جحش: "تحيضي في علم الله ستة أيام أو سبعة أيام، كما تحيض النساء ويطهرن؛ لميقات حيضهن وطهرهن» .

стр. 342

[فرع: حد الطهر] وليس لأكثر الطهر حد بلا خلاف. وأما أقله.. فاختلف العلماء فيه: فذهب الشافعي إلى: أن أقله خمسة عشر يومًا. وقال عبد الملك بن الماجشون: أقله خمسة أيام. وقال أحمد: (أقله ثلاثة أيام) . وقال يحيى بن أكثم: أقله تسعة عشر يومًا. وقال بعضهم: أقله عشرة أيام. وقال بعضهم: أقله ثمانية أيام. دليلنا: قوله ﷺ في النساء: «نقصان دينهن: أن إحداهن تمكث شطر دهرها لا تصلي» . ولأن الله أوجب على المعتدة بالأقراء ثلاثة أقراء، وأوجب على الآيسة ثلاثة أشهر، فبطل أن يكون أقام الشهر مقام أكثر الحيض وأكثر الطهر؛ لأن أكثر الطهر لا حد له. وبطل أن يكون أقامه مقام أقل الحيض وأقل

стр. 343

الطهر؛ لأن أقلهما ستة عشر يومًا. وبطل أن يكون أقامه مقام أقل الحيض وأكثر الطهر؛ لأن أكثر الطهر لا حد له، فثبت: أنه أقامه مقام أقل الطهر وأكثر الحيض، وذلك ثلاثون يومًا. [فرع: دم الحامل] وأما الدم الذي تراه الحامل.. ففيه قولان: أحدهما: أنه ليس بحيض، بل هو دم فساد. وبه قال أبو حنيفة؛ لأنها لا تحبل، فلا تحيض كالصغيرة. ولأنه لو كان حيضًا.. لحرم الطلاق، ولانقضت العدة بثلاثة أطهار منه. والثاني: أنه حيض، وهو الصحيح؛ لما روي «عن عائشة ﵂: أنها قالت: رأيت النبي ﷺ يخصف نعله، وأسارير وجهه تبرق، فقلت: يا رسول الله، أنت أحق بما قال أبو كبير الهذلي: ومبرأ من كل غبر حيضة ... وفساد مرضعة وداء مغيل وإذا نظرت إلى أسرة وجهه ... برقت كبرق العارض المتهلل فقال النبي ﷺ : "وأنت مبرأة من أن تكون أمك حملت بك في غبر الحيض» . و (الغبر) : البقية.

стр. 344

وإذا ثبت أن المرأة تحمل على الحيض.. ثبت أنها تحيض على الحمل. ولأن الحمل عارض لا يمنع دم العلة، وهو دم الاستحاضة، فلم يمنع دم الحبلة، وهو: دم الحيض، كالرضاع، أو لأنه دم لا يمنعه الرضاع، فلا يمنعه الحمل، كالاستحاضة. [فرع: أيام النقاء] إذا رأت المرأة يومًا وليلة دمًا، ويومًا وليلة طهرًا، ولم يعبر ذلك الخمسة عشر يومًا.. فلا خلاف على المذهب: أن أيام الدم حيض، ولا خلاف أنها إذا رأت النقاء.. يجب عليها أن تغتسل، وتصلي، وتصوم. ويجوز للزوج وطؤها؛ لأن الظاهر بقاء الطهر، وعدم معاودة الدم. فإذا عاودها الدم في اليوم الثالث.. فما حكم ذلك النقاء؟ فيه قولان: أحدهما: أنه حيض ـ وهو قول أبي حنيفة ـ لأن أقل الطهر خمسة عشر يومًا، ولأن الدم يسيل مرة وينقطع أخرى. فعلى هذا: لا يجزئها الصوم إن كان فرضًا، ويجب عليها قضاؤه، ولا ثواب لها فيه إن كان نفلا، ولا إثم على الزوج ولا عليها بالوطء، ولا إثم عليها بفعل الصلاة، ولا يجب عليها إعادتها؛ لأن الحائض لا يجب عليها الصلاة. والقول الثاني: أن أيام النقاء طهر، وهو قول مالك ﵀، وهو صحيح؛ لأن الله وصف الحيض بأنه: أذى [البقرة: ٢٢٢] . وأمر باعتزال النساء فيه حتى يطهرن، وليس هناك ما يستدل به على الحيض إلا وجود الدم، ولا ما يستدل به على الطهر إلا النقاء. فعلى هذا: قد وقع ما فعلت في أيام النقاء من الصلاة والصوم والوطء موقعه. فإذا رأت النقاء في اليوم الرابع، والسادس، والثامن، وما بعدها.. كان حكمه حكم اليوم الثاني. فإن قيل: هلا قلتم ـ على القول الذي يجعل أيام النقاء حيضًا، إذا تكرر ذلك

стр. 345

منها ـ: أن تؤمر فيه بما تؤمر الحائض، كما قلتم في المستحاضة في الشهر الثاني، إذا جاوز الدم عادتها؟ فالجواب: أن المستحاضة انضمت عادتها في الشهر الأول إلى الظاهر في الشهر الثاني، وهو بقاء الدم الذي تراه، ومجاوزته أكثر الحيض، فثبت على ذلك. وليس كذلك هاهنا؛ فإن الظاهر بقاء الطهر، فلم ينتقل عن هذا الظاهر بمجرد العادة. [مسألة: الصفرة والكدرة] إذا رأت المرأة الدم لسن يجوز أن تحيض فيها.. أمسكت عما تمسك عنه الحائض؛ لأن الظاهر أنه حيض. فإن انقطع لدون اليوم والليلة.. علمنا أنه دم فساد، ولم تأثم بخروج وقت الصلاة عنها؛ لأنا قد أمرنا بتركها، ووجب عليها قضاؤها لأنا قد تبينا أنه لم يكن حيضًا، ولا يفسد صومها. وإن انقطع ليوم وليلة، أو لخمسة عشر يوما، أو لما بينهما، وهو أسود أو أحمر.. فهو حيض. وإن كان في الدم صفرة أو كدورة.. فقد قال الشافعي ﵀: (الصفرة والكدورة في أيام الحيض حيض) . واختلف أصحابنا فيه، على ثلاثة أوجه: أحدهما ـ وهو قول أبي العباس، وأبي إسحاق، وأكثر أصحابنا ـ: أن الصفرة والكدرة حيض في أيام العادة، وفي غيرها من الأيام التي يمكن أن تكون أيام الحيض؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢] [البقرة: ٢٢٢] . وهذا يتناول الصفرة، والكدرة.

стр. 346

و [الثاني] : قال أبو سعيد الإصطخري: لا تكون الصفرة والكدرة حيضا، إلا إذا رأت ذلك في أيام العادة، بأن تكون قد حاضت في أيام من الشهر دمًا أسود، أو أحمر، ثم رأت ـ في الشهر الثاني في مثل تلك الأيام ـ صفرة أو كدرة. فأما إذا رأت المبتدأة صفرة، أو كدرة، أو رأت المعتادة في غير أيام العادة الصفرة أو الكدرة.. لم يكن ذلك حيضًا؛ لما روي «عن أم عطية، وكانت قد بايعت النبي ﷺ : أنها قالت: (كنا لا نعد الصفرة والكدرة بعد الغسل شيئًا» ولأنه ليس فيه أمارة الحيض، فلم يكن حيضًا. والثالث ـ وهو اختيار أبي علي الطبري ـ: إن تقدمهما دم قوي، كالأسود، والأحمر، ولو بعض يوم؛ كانا حيضًا. وإن لم يتقدمها دم قوي.. فليسا بحيض. وهو قول أبي ثور. وقال أبو يوسف: الصفرة حيض، والكدرة ليست حيض، إلا أن يتقدمها دم. والأول أصح: لأنه دم في زمان الإمكان، ولم يجاوز الأكثر، فكان حيضًا، كالأسود، وكما لو كان في أيام العادة. وما روي عن أم عطية يعارضه ما روي «عن عائشة ﵂: أنها قالت: (كنا نعد الصفرة والكدرة حيضًا» وقولها أولى؛ لأنها أعلم.

стр. 347

فإن رأت المبتدأة خمسة أيام دما أسود، ثم رأت خمسة أيام دما أصفر أو كدرة، ثم رأت خمسة أيام دمًا أسود، وانقطع.. فعلى قول أبي سعيد الإصطخري: أن الصفرة والكدرة هاهنا ليست بحيض. وعلى الوجه الذي اختاره أبو علي الطبري: الجميع هاهنا حيض. وأما على قول عامة أصحابنا: فإن أبا العباس ابن سريج قال: تكون الصفرة والكدرة هاهنا طهرًا واقعا بين الدمين. فتكون على قولين في التلفيق؛ لأن عادة دم الحيض، كلما تطاول به الأيام.. رق وضعف، وتغيرت صفته. فإذا رأت في الابتداء دما أسود، ثم رأت بعده صفرة، أو كدرة.. حمل على: أن الصفرة والكدرة بقية ذلك الدم. فإذا رأت بعده دم أسود، علم أنه ليس ببقيته، بل هو بحكم الطهر. قال ابن الصباغ: وهذا لا يجيء على قول الشافعي ﵀ وقول أبي العباس؛ لأن عندهما: أن الصفرة والكدرة في زمان الإمكان حيض. وإنما يجيء على قول أبي سعيد الإصطخري. وإن رأت الدم، وعبر على خمسة عشر يوما.. فقد اختلط الحيض بالاستحاضة؛ لأنا حكمنا بأن ابتداء الدم حيض، ولا يزيد الحيض على خمسة عشر يوما، ويجوز أن يكون قد وردت الاستحاضة على الحيض، لأن الحيض في النساء جبلة وعادة وصحة، لا تنقطع إلا من علة أو كبر، والاستحاضة مرض وسقم، والمرض يطرأ على الصحة، والصحة تطرأ على المرض، وأحدهما لا ينفي الآخر، فكذلك الحيض

стр. 348

يطرأ على الاستحاضة، والاستحاضة تطرأ على الحيض، ولا بد من التمييز بينهما. إذا ثبت هذا: فالمستحاضات على ثلاثة أضرب: مبتدأة، ومميزة، ومعتادة. وقد روي عن النبي ﷺ في الحيض ثلاثة أخبار، جعلها الشافعي ﵀ أصولا في المستحاضات، ونحن نذكر كل واحدة منهن على ما ينقسم عليه أمرها، وما يتفرع عليها. [مسألة: أحكام المستحاضة المبتدأه غير المميزة] فأما المستحاضة المبتدأة: فصفتها أن ترى المرأة أول ما طرقها الحيض دما بصفة واحدة، وعبر خمسة عشر يومًا. فالخبر الذي جعله الشافعي أصلا فيها ما روي: «أن حمنة بنت جحش ـ وقيل: أم حبيبة بنت جحش ـ قالت: (كنت أحيض حيضة كثيرة شديدة) . وروي: (أنها استحيضت سبع سنين) . قالت: فأتيت النبي ﷺ فوجدته في بيت أختي زينب، فقلت يا رسول الله، إن لي حاجة، وإنه لحديث لا بد منه وإني لأستحيي منه. فقال ﵊: (ما هو يا هنتاه؟) فقلت: إني أحيض حيضة كثيرة شديدة، فقد منعتني الصلاة والصوم، فما ترى؟ قال: (أنعت لك الكرسف، فإنه يذهب بالدم، فاحتشي به) فقلت: هو أشد من ذلك، فقال: (تلجمي) ، فقلت: هو أشد من ذلك، فقال (اتخذي ثوبا) فقلت: هو أشد من ذلك؛ إنما أثج ثجًا، فقال ﷺ (إنها ركضة من ركضات الشيطان، فتحيضي في علم الله ستا أو سبعا، ثم اغتسلي حتى إذا رأيت أنك قد طهرت واستنقأت، فصلي أربعًا وعشرين ليلة، أو ثلاثًا وعشرين ليلة وأيامها، وصومي، فإنها تجزئك، وكذلك فافعلي في كل شهر كما تحيض النساء ويطهرن، لميقات حيضهن وطهرهن» .

стр. 349

قال الشافعي ﵀: (فيحتمل أن تكون حمنة مبتدأة، فردها النبي ﷺ إلى عادات النساء، فيكون هذا الخبر أصلا للمبتدأة. ويحتمل أن تكون حمنة معتادة، فردها إلى عادتها، فترد المبتدأة إلى اليقين، ولا يكون هذا الخبر أصلا لها) . فيخرج من بين هذين التأويلين في المبتدأة وغير المميزة قولان: أحدهما: ترد إلى يوم وليلة؛ لأنه هو اليقين، وما زاد مشكوك فيه. وعلى هذا: إلى ماذا ترد إليه من الطهر؟ فيه قولان، حكاهما في " العدة ". أحدهما: إلى أقل الطهر، وهو خمسة عشر يوما، كما ردت إلى أقل الحيض. والثاني ـ وهو المشهور ـ: أنها ترد إلى غالب طهر النساء، وهو ما بقي من الشهر، فيكون لها على هذا القول ثلاثة أحوال: حيض بيقين، وهو اليوم والليلة. وطهر بيقين، وهو ما زاد على خمسة عشر يومًا. وطهر مشكوك فيه، وهو ما زاد على يوم وليلة إلى خمسة عشر يومًا. وعلى هذا ـ القول ـ: تكون حمنة معتادة، فيكون تخيير النبي ﷺ لها بين الست والسبع يحتمل: أن تكون شاكة في أن عادتها كانت ستا أو سبعًا، فقال لها: «تحيضي في علم الله ستًا أو سبعا» . أي: فيما علمك الله، ومعناه: فيما تحفظين من عادتك.

стр. 350

ويكون تأويل قوله ـ على هذا ـ: «وكذلك فافعلي في كل شهر، كما تحيض النساء ويطهرن، لميقات حيضهن وطهرهن» ؛ أي: أنك إذا حيضت نفسك ستًا أو سبعًا.. صرت بمنزلة سائر النساء اللواتي يحضن ستا أو سبعا، فذكر ذلك لها على وجه التشبية بغيرها من النساء؛ لأنه جعل عادتها كعادة غيرها. والقول الثاني ـ في أصل المسألة ـ: أنها ترد إلى ست أو سبع، وهو إذا قلنا: إن حمنة كانت مبتدأة، وهو الأصح؛ لأنه لم ينقل: أنه سألها عن حيضها قبل ذلك، ولو كانت معتادة.. لسألها عن عادتها، وردها إليها. فعلى هذا: يكون لها أربعة أحوال: حيض بيقين، وهو الليلة واليوم. وطهر بيقين؛ وهو ما زاد على خمسة عشر يومًا. وحيض مشكوك فيه، وهو ما زاد على يوم وليلة إلى الست أو السبع. وطهر مشكوك فيه، وهو ما زاد على الست أو السبع إلى تمام خمسة عشر يومًا. وأما تخيير النبي ﷺ لحمنة ـ على هذا القول ـ بين الست أو السبع.. فقال أصحابنا: يحتمل تأويلين: أحدهما: أنه خيرها في ذلك، وهو اختيار ابن الصباغ؛ لأن الست عادة غالبة في النساء، والسبع عادة غالبة فيهن، وقد روي: أنه قال لها: «فأيهما قعدت.. فلا حرج؛ لأنك لم تخرجي عن عادة النساء» . والثاني: أن النبي ﷺ شك في العادة الغالبة، فردها إلى اجتهادها في ذلك، وهو اختيار الطبري، فيكون معنى قوله: "تحيضي في علم الله تعالى". يعني: إن كانت العادة في علم الله ستًا.. فتحيضي ستًا، وإن كانت سبعًا.. فتحيضي سبعًا. فإذا قلنا بهذا التأويل.. فهل تعتبر نساء الناس. أو نساء أهلها وأقربائها وأهل بلدها؟ فيه وجهان: أحدهما: تعتبر نساء العالم؛ لقوله ﷺ : "كما تحيض النساء". والعموم يقتضي نساء العالم.

стр. 351

والثاني: تعتبر نساء أهلها وأهل بلدها؛ لأنها أقرب إليهن. إذا ثبت هذا: فإن حال هذه المستحاضة في الشهر الأول بالصلاة والصوم: أن تؤمر بالإمساك عن ذلك من حين رأت الدم، فإذا جاوز الدم الخمسة عشر.. فإنا نأمرها بالاغتسال وبالصلاة والصوم، وتقضي ما تركت فيه الصوم في مدة الخمسة عشر. وأما الصلاة: فإذا قلنا: إنها ترد إلى يوم وليلة.. قضت صلاة ما زاد على يوم وليلة إلى خمسة عشر يومًا. وإن قلنا ترد إلى ست أو سبع.. قضت صلاة ما زاد على ذلك إلى خمسة عشر يومًا. وأما في الشهر الثاني: فإنا نأمرها بالاغتسال والصوم والصلاة، عند انقضاء اليوم والليلة ـ إذا قلنا: ترد إليه ـ أو عند انقضاء الست أو السبع ـ إذا قلنا: ترد إليه ـ لأن الظاهر أنها مستحاضة في هذا الشهر كالأول. فإن انقطع الدم في هذا الشهر لخمسة عشر يومًا أو لدونها.. علمنا أنها إنما كانت مستحاضة في الشهر الأول دون الثاني. فعلى هذا: يلزمها إعادة ما صامت فيه، ولا إثم عليها بفعلها الصلاة والصوم والوطء؛ لأنا قد حكمنا لها بالطهر في الظاهر. فإذا انقطع الدم لخمسة عشر يومًا.. تيقنا أنه كان حيضًا. وإن زاد الدم في هذا الشهر على خمسة عشر يومًا.. فإنها لا تقضي ما أتت به من الصلاة بعد الخمسة عشر؛ لأنه طهر بيقين. ولا تقضي ما أتت به من الصلاة في الطهر المشكوك فيه، وهو ما بعد اليوم والليلة إلى تمام خمسة عشر يوما في أحد القولين، أو ما بعد الست أو السبع في الثاني؛ لأنها إن كانت حائضا فيه.. فلا صلاة عليها، وإن كانت طاهرا فيه.. فقد صلت. وهل تقضي ما أتت به من الصوم؟

стр. 352

قال الشيخ أبو حامد، وابن الصباغ، وعامة أصحابنا: فيه قولان، وحكاهما صاحب " المهذب " وجهين: أحدهما: يجب عليها قضاء ذلك؛ لأنا نتيقن وجوب ذلك عليها، ونشك في سقوط ذلك عنها؛ لجواز أن تكون حائضًا فيه، فلم يسقط الفرض عنها بالشك. والثاني: لا يجب عليها قضاؤه، وهو الصحيح؛ لقوله ﷺ لحمنة بنت جحش: «فإذا علمت أنك قد طهرت.. فصلى ثلاثا وعشرين ليلة وأيامها، أو أربعا وعشرين ليلة وأيامها، وصومي؛ فإنها تجزئك» . فأخبر: أن صومها يجزئها، وما أجزأها.. فلا يجب قضاؤه. هذا مذهبنا. وقال أبو حنيفة: (إذا استحاضت المبتدأة.. ردت إلى أكثر الحيض، وهو عشرة أيام) . وقال أبو يوسف: يؤخذ بالصوم والصلاة بأقل الحيض. وبتحريم الوطء بأكثر الحيض. وعن مالك ﵀ ثلاث روايات: إحداهن: (ترد إلى عادة لداتها) . والثانية: (إلى عادة نسائها، ويستظهر بعد ذلك بثلاثة أيام، ما لم يجاوز خمسة عشر يوما) . والثالثة: (أنها تقعد خمسة عشر يوما) . ودليلنا ـ عليهم ـ: ما مضى من القولين. [مسألة: المستحاضة المبتدأة المميزة] وأما المستحاضة المميزة: فهي المرأة إذا ابتدأها الحيض، وعبر الخمسة عشر، إلا أن الدم على لونين: قوي، وضعيف، بأن يكون الدم في بعض الأيام ثخينا محتدما قانيا، وفي بعضها أحمر مشرقًا.

стр. 353

فـ (المحتدم) : الحار، يقال: احتدم النهار: إذا اشتد حره. و (القاني) : هو الذي يضرب إلى السواد من شدة حمرته. فالقوي هاهنا: هو الأسود. وإن رأت بعض الأيام الدم أحمر مشرقًا، وفي بعضها أصفر.. فالقوي هاهنا: هو الأحمر. إذا ثبت هذا: فإنها لا تغتسل عند تغير صفة الدم في الشهر الأول؛ لجواز أن لا يجاوز الدم خمسة عشر يومًا، فيكون الجميع حيضًا. فإذا جاوز الدم خمسة عشر يومًا.. علمنا أنها مستحاضة، فيكون حيضها أيام الأسود مع الأحمر، أو أيام الأحمر مع الأصفر، بشرط أن لا ينقص القوي عن أقل الحيض ولا يزيد على أكثره. وبه قال مالك. وقال أبو حنيفة: (لا اعتبار بالتمييز، وإنما الاعتبار بالعادة. فإن لم يكن لها عادة.. ردت إلى أكثر الحيض) . دليلنا: ما روي: «أن فاطمة بنت أبي حبيش قالت: يا رسول الله، إني أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ فقال النبي ﷺ اأ: "إنما ذلك عرق، وليست بحيضة، إن دم الحيض أسود يعرف، فإذا كان ذلك.. فأمسكي عن الصلاة، وإذا كان الآخر.. فتوضئي وصلي» . وروي عن ابن عباس: أنه قال: (إن دم الحيض بحراني) .

стр. 354

و (البحراني) : الأحمر، يريد: شديد الحمرة. وقيل: إنه يخرج من قعر الرحم. ولأنه خارج يوجب الغسل، فجاز الرجوع إلى صفته عند الإشكال، كالمني. فإن رأت السواد أقل من يوم وليلة، أو أكثر من خمسة عشر يوما.. لم تكن مميزة؛ لأن الحيض لا ينقص عن يوم وليلة، ولا يزيد على خمسة عشر يومًا. وإن رأت خمسة أيام دما أسود، وخمسة أيام دما أحمر، وخمسة أيام دمًا أسود، وانقطع.. فالكل حيض؛ لأنه لم يزد على أكثر الحيض، بخلاف ما لو كانت الخمس الثانية كدرة، أو صفرة على قول أبي العباس؛ لأن الأحمر أشبه بصفة دم الحيض. إذا ثبت هذا: فإن المبتدأة إذا رأت يومًا وليلة دما أسود، ثم احمر الدم أو اصفر، وجاوز الخمسة عشر مع السواد.. فإنا نأمرها بالغسل عند انقضاء الخمسة عشر، وبالصلاة والصوم؛ لأنه لا يجوز أن يكون حيضًا، ثم نأمرها بقضاء صوم الخمسة عشر يومًا، وبقضاء صلاة ما زاد على يوم وليلة. فإن رأت السواد في الشهر الثاني يوما وليلة، أو ثلاثا، أو أربعًا، ثم احمر الدم أو اصفر.. فإنا نأمرها بالاغتسال عند تغير الدم، وبالصلاة والصوم؛ لأن الظاهر أنها مستحاضة في هذا الشهر كالأول. فإن لم يجاوز الدم الخمسة عشر في هذا الشهر.. علمنا أن الكل حيض، وعلمنا أنها إنما استحيضت بالأول دون الثاني. [فرع: المبتدأة المميزة] وإن رأت خمسة أيام دما أسود، وخمسة أيام طهرًا، وعشرة أيام دمًا أحمر.. فحيضها أيام الأسود، وأما أيام الأحمر: فاستحاضة؛ لأن الدم الأحمر لو زاد مع

стр. 355

الأسود على خمسة عشر يومًا، ولم يفصل بينهما طهر.. لكان استحاضة، فإذا فصل بينهما طهر أولى. قال أبو العباس: فإن رأت نصف يوم دمًا أسود، ونصف يوم دما أحمر، وكذلك فيما بعده، فلما كان يوم الخامس، رأت في جميعه دمًا أسود، ثم احمر الدم، وعبر الخمسة عشر يومًا.. فالدم الأحمر الذي وجد بعد الخامس استحاضة، وأما السواد في الخامس، وما قبله: فهو حيض، وأما الأحمر الذي وجد بين السواد: فهو في حكم الطهر، فيكون على قولين في التفليق. قال أبو العباس: والأشبه هاهنا أن يكون حيضا ـ وإن كان الصحيح من القولين في الطهر الموجود بين الدمين: أنه طهر ـ لأن الأحمر هاهنا بصفة دم الحيض، فكان إلى الحيض أقرب. [فرع: ومن صور المستحاضة غير المميزة] وإن رأت خمسة أيام دما أحمر، ثم رأت نصف يوم دما أسود، ثم احمر الدم، وعبر الخمسة عشر.. فهذه مبتدأة، لا تمييز لها؛ لأنها لم تر السواد في يوم كامل، فيكون على القولين في المبتدأة. [فرع: ومن صور الاستحاضة] وإن رأت خمسة أيام دما أحمر، وخمسة أيام دما أسود؛ ثم احمر الدم، وعبر مع ما قبله الخمسة عشر.. ففيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن حيضها أيام السواد، وما قبله وبعده استحاضة؛ لأن السواد بصفة دم الحيض، فكان حيضًا، كما لو كان متقدمًا. والثاني: أنها مبتدأة، لا تمييز لها؛ لأن الأحمر الأول له قوة السبق، والأسود له قوة الصفة، وما بعدهما مثل الأول في الصفة. فعلى هذا: يكون على قولين، كالمبتدأة.
следующие страницы →