Полный текст (7 092 стр.). Показаны 3641–3680 · переход к 3646.
стр. 3641
فإن كان العمل في ملك المستأجر أو في غير ملكه وهو مشاهد لها.. استحق الأجير أجرة ما عمل؛ لأنه كلما عمل الأجير شيئًا.. صار قابضًا له.
قال الشيخ أبو حامد: إلا أن يكون الأجير تعدى في العين حين ابتدأ في العمل، فإنه لا يستحق أجرة ما عمل؛ لأنه متعد حين العمل، فلم يستحق أجرة.
وإن كان العمل في ملك الأجير والمستأجر غير مشاهد له.. فاختلف أصحابنا فيه:
فقال الشيخ أبو إسحاق: إن قلنا: إنه أمين.. لم يستحق الأجرة؛ لأنه لم يسلم العمل، وإن قلنا: إنه ضامن.. استحق عليه الأجرة؛ لأنه يقوم عليه معمولًا، فيصير بالتضمين مسلمًا للعمل، فاستحق الأجرة.
وقال الشيخ أبو حامد، وابن الصباغ: لا يستحق الأجير الأجرة على القولين، وإن كان قد أخذ الأجرة.. ردها؛ لأن الأجرة إنما تستقر له بتسليم العمل، ولم يسلم له شيئًا من العمل.
[فرع: استأجر حائكًا لينسج غزله]
قال ابن الصباغ: إذا دفع إلى حائك غزلًا، واستأجره لينسجها له ثوبًا طوله عشرة أذرع في عرض أربعة، فنسجه دون الطول والعرض المذكورين.. استحق من الأجرة بحصة ما عمل من المسمى، وإن نسجه أكثر مما قدر له.. لم يستحق زيادة على المسمى.
وقال محمد بن الحسن: إذا جاء به أكثر من الذرع المشروط أو أقل.. فصاحب الثوب بالخيار: بين أن يطالبه بمثل غزله ويدفع إليه الثوب، وبين أن يدفع إليه بحسابه من الأجرة؛ لأن غرضه لم يسلم له. وهذا غير صحيح؛ لأنه استأجره ليعمل له عملًا، فعمل له بعضه فاستحق بقدره من الأجرة، كما لو استأجرة ليضرب له لبنا معلومًا، فضرب له بعضه.
стр. 3642
[فرع: استأجره لينسج ثوبًا صفيقًا]
قال الطبري: وإن استأجره لينسج له غزلًا ثوبًا صفيقًا، فنسجه رقيقًا.. فله أجرة المثل، وإن استأجره لينسجه رقيقاُ، فنسجه صفيقًا.. فله المسمى، ولا شيء له للزيادة في العمل.
وقال أبو حنيفة: (يضمن قيمة الغزل في الحالين، والثوب له) .
دليلنا: أن ما عمله من جنس ما استؤجر عليه، والنقص عن المشروط عبث بمال الغير، فاقتضى ضمانًا، ولا ينقل الملك قهرًا، والزيادة التي أحدثها متطوع بها، فلم يستحق لأجلها أجرة.
وإن جحد النساج الغزل، ثم نسجها ثوبًا.. فالثوب لمالك الغزل، ولا شيء للأجير.
وقال أبو حنيفة: (الثوب للنساج، وعليه قيمة الغزل) .
دليلنا: أنه صار ضامنًا له بالجحود، فلا يستحق أجرة بعد ذلك، ولا يملكها، كالغاصب.
[فرع: استأجره بريدًا]
وإن استأجر رجلًا ليحمل له إلى رجل كتابًا، ويرد الجواب، فأوصل الأجير الكتاب إلى المكتوب إليه، فمات المكتوب إليه قبل رد الجواب.. فللأجير من الأجرة بقدر ذهابه.
وقال أبو حنيفة: (لا شيء له) .
دليلنا: أنه عمل بعض ما استؤجر عليه على مقتضى الأمر، فاستحق من الأجرة بقدر ما عمل، كما لو كتب إلى جماعة، فأوصل إليهم، فرد بعضهم الجواب دون بعض.
стр. 3643
وإن استأجره ليحمل له الكتاب إلى رجل، ولم يقل: وترد الجواب، فلم يجد الأجير المكتوب إليه. استحق الأجير الأجرة.
وقال أبو حنيفة: (لا يستحق) .
دليلنا: أنه عمل المعقود عليه؛ لأن عليه قطع المسافة بالكتاب، فاستحق الأجرة، كما لو وجد المكتوب إليه، فدفع إليه الكتاب، فامتنع من أخذه.
[مسألة: إتلاف الخياط القماش]
إذا دفع إلى رجل ثوبًا، وقال: إن كان يكفيني للقميص فاقطعه لي قميصًا، فقطعه، فلم يكفه.. لزم القاطع الضمان، لأنه أذن له بالقطع بشرط، وقد قطعه من غير وجود الشرط، فضمنه.
وإن قال: أيكفينى للقميص؟ فقال: نعم، فقال: اقطعه لي قميصًا، فقطعه، فلم يكفه.. لم يلزم القاطع الضمان؛ لأنه قطعه بإذن مطلق.
وإن دفع إلى رجل ثوبًا، فقال: استأجرتك لخياطته، فإن خطته روميًا فلك درهمان، وإن خطته فارسيًا فلك درهم.. فالأجرة فاسدة.
وقال أبو حنيفة: (الأجرة صحيحة) .
دليلنا: أن المنفعة المعقود عليها غير معينة، فلم تصح، كما لو قال: بعتك أحد هذين العبدين، أو بعتك هذا الثوب بدرهم، أو هذا العبد، أو هذين العبدين بدرهمين.
[فرع: أجرة الحمامي]
واختلف أصحابنا فيما يأخذه الحمامي:
فمنهم من قال: هو ثمن الماء، وهو متطوع بحفظ الثياب، ومعير للسطل.
стр. 3644
فعلى هذا: لا يضمن الحمامي الثياب إذا تلفت من غير تفريط، وله عوض السطل إذا تلف بكل حال.
ومنهم من قال: هو أجرة الدخول والسطل ولحفظ الثياب.
فعلى هذا: لا يضمن الداخل السطل إذا تلف بغير تعد منه.
وهل يضمن الحمامي الثياب إذا لم يفرط فيها؟ على قولين؛ لأنه أجير مشترك.
[مسألة: ارتكاب الأجير محظورًا في الحج]
إذا ارتكب الأجير في الحج شيئًا من محظورات الحج، بأن تطيب أو لبس.. وجبت الفدية في ماله؛ لأنها جناية، فكان بدلها عليه.
وإن استأجره ليقرن عنه أو يتمتع.. فإن الدم يجب على المستأجر؛ لأنه وجب بإذنه.
وحكى المسعودي [في " الإبانة "] فيها قولًا مخرجًا: أنه يجب على الأجير، كدم الجبرانات. والأول هو المشهور.
فإن شرط المستأجر: أن دم القران والتمتع على الأجير.. بطلت الإجارة؛ لأنه في معنى بيع وإجارة، إلا أن الهدي مجهول، فلذلك لم يصح، قولًا واحدًا.
[فرع: إفساد الأجير الحج]
وإن أفسد الأجير الإحرام بالوطء.. فإن الإحرام ينقلب إلى الأجير، وعليه أن يمضي في فساده، ويلزمه بدنة، ويلزمه القضاء.
وقال المزني: لا ينقلب إلى الأجير، بل يمضي فيه الأجير عن المستأجر، ولا يجب القضاء على أحدهما؛ لأن الحج لا يجوز أن ينعقد عن شخص وينقلب إلى
стр. 3645
غيره، ولا يجب القضاء على الأجير؛ لأن الحج فسد على غيره ولا على المستأجر؛ لأنه لم يفسد. وهذا خطأ؛ لأنه أتى بالحج على غير الوجه المأذون فيه، فوقع عنه، كما لو وكله أن يشتري له عينًا بصفة، فاشترى له عينًا بغير تلك الصفة، وهل تنفسخ الإجارة؟
قال ابن الصباغ: إن كانت الإجارة على حج الأجير بنفسه.. انفسخت الإجارة؛ لأن المعقود عليه حجه بنفسه في هذه السنة، وقد فات ذلك، وإن كانت الإجارة على حج في الذمة.. فهل يثبت للمستأجر الخيار؟ ينظر فيه:
فإن كانت الإجارة عن حي.. ثبت له الخيار؛ لأنه يستفيد بذلك التصرف بالأجرة.
وإن كانت الإجارة عن ميت من ماله.. ففيه وجهان:
[الأول] : قال الشيخ أبو حامد: يثبت للمستأجر الخيار؛ لأن له فائدة في الفسخ، وهو أنه يتعجل عنه الاستئجار في السنة الثانية؛ لأن الأجير يقضي فيها عما أفسده.
و [الثاني] : قال ابن الصباغ: لا يثبت له الخيار؛ لأنه لا بد من استئجار غيره. وأما قضاء الأجير في الثانية: فإنه يمكنه أن يستأجر من يحج عن الميت؛ لأن الإجارة في ذمته.
[فرع: إحصار الأجير]
] : وإن أحرم الأجير عن المستأجر، وأتى ببعض النسك، ثم أحصر.. فإنه يتحلل، وعمن يقع ما فعله قبل التحلل؟ فيه وجهان، حكاهما ابن الصباغ:
[أحدهما] : قال الشيخ أبو حامد: يقع عن المستأجر؛ لأنه أتى به على الوجه المأذون فيه، بخلاف الإفساد.
و [الثاني] : قال القاضي أبو الطيب: يقع عن المحصر، والدم عليه. قال ابن الصباغ: وهو الأقيس. وهل يكون له شيء من الأجرة؟ على قولين، كما لو مات.
стр. 3646
وإن لم يتحلل الأجير، وأقام حتى فات الحج وزال الحصر.. قال ابن الصباغ: انقلب إلى الأجير في قول الشيخ أبي حامد والقاضي، ويتحلل بعمل عمرة، ولا يستحق الأجرة على ما فعل بعد الفوات؛ لأنه فعل ذلك ليتحلل من إحرامه.
وهل يستحق الأجرة لما فعله قبل الإحرام؟ على قولين.
فرع: [استأجره ليحرم من ميقات معين] :
وإن استأجره ليحرم عنه من ميقات طريق، فسلك الأجير طريقًا آخر، فأحرم من ميقاتها.. أجزأ عن المحجوج عنه، ولا يلزم الأجير الدم، ولا يرد شيئًا من الأجرة وإن كان الميقات الذي أحرم منه أقرب إلى الحرم؛ لأن الشرع جعل هذه المواقيت يقوم بعضها مقام بعض من غير نقص.
وإن أحرم عنه من دون الميقات، أو استأجره ليحرم عنه من موضع فوق الميقات، فجاوز ذلك الموضع، وأحرم دونه.. لزم الأجير دم؛ لأنه ترك الإحرام من موضع لزمه الإحرام منه، وهل يلزمه أن يرد شيئًا من الأجرة؟
روى المزني: (أنه يرد بقدره من الأجرة) . وقال في القديم: (أراق دمًا) . ولم يتعرض للأجرة. واختلف أصحابنا فيها:
فمنهم من قال: فيها قولان:
أحدهما: يرد؛ لأنه ترك بعض ما استؤجر عليه.
والثاني: لا يرد؛ لأن ما تركه قد انجبر بالدم، فهو كما لو تطيب أو قتل صيدًا.
ومنهم من قال: يرد، قولًا واحدًا، وسكوته عن الأجرة لا يدل على أنه لا يرد منها شيئًا.
فعلى هذا: يقال: كم أجرة حجه من الميقات أو من الموضع الذي عينه؟ وكم أجرة حجه من الموضع الذي أحرم منه؟ وينظر ما بينهما، فيرد من المسمى مثل تلك النسبة.
стр. 3647
فرع: [استأجره في اليمن ليحرم بحج] :
وإن استأجر رجل رجلًا من اليمن ليحرم عنه بالحج من الميقات، فلما بلغ الأجير الميقات، أحرم بعمرة عن نفسه، فلما تحلل عنها، أحرم عن المستأجر بحجة من مكة.. لزم الأجير الدم، لا لأجل المنفعة ـ لأنهما عن شخصين ـ ولكن لأجل أنه ترك الإحرام عن المستأجر من الميقات، وهل يلزم الأجير أن يرد شيئًا من الأجرة؟ على ما مضى من الطريقين.
فإذا قلنا: يلزمه أن يرد.. فكيف يقسط؟ فيه قولان:
قال في " الأم ": (يلزمه أن يرد ما بين حجه من الميقات وبين حجه من مكة، بأن يقال: كم أجرة حجة يحرم بها من الميقات؟ فإن قيل: عشرة.. قيل: فكم أجرة حجة يحرم بها من مكة؟ فإن قيل: تسعة.. لزمه أن يرد عشر المسمى؛ لأن الحج إنما هو من الميقات، وما قبله ليس بحج) .
وقال في " الإملاء ": (تقسط الأجرة هاهنا على المسافة والعمل) . فيقال: كم أجرة حجة يسافر لها من اليمن، ويحرم بها من الميقات؟ فإن قيل: عشرون.. قيل: وكم أجرة حجة يسافر لها من اليمن، ويحرم بها من مكة؟ فإن قيل: عشرة.. لزمه أن يرد نصف المسمى؛ لأنه استأجره على عمل وسفر، وقد جعل السفر عن نفسه، فرد ما في مقابلته.
والفرق بين هذه المسألة على هذا القول والتي قبلها: أن هاهنا صرف المسافة إلى نفسه؛ لأنه اعتمر عن نفسه من الميقات، وفي التي قبلها لم يصرف المسافة إلى نفسه، بل قطعها عن المستأجر؛ لأنه أحرم بالنسك عنه، وإنما ترك بعض العمل. هذا ترتيب الشيخ أبي حامد.
قال ابن الصباغ: ومن أصحابنا من قال: تقسط على حجة من اليمن وحجة من مكة؛ لأن سفره كان لنفسه. قال ابن الصباغ: وهذا فيه نظر؛ لأنه لا يعلم ذلك.
стр. 3648
فإن فرغ المعتمر من عمرته، ورجع إلى الميقات، فأحرم منه بحجة عن المستأجر.. قال الشيخ أبو حامد: فعلى قوله في " الأم ": (لا يرد شيئًا) ، وعلى قوله في " الإملاء ": (يرد ما بين الموضع الذي استأجره منه وبين الميقات) .
[فرع: استأجره لحج فترك واجبًا]
وإن استأجره للحج، فحج عنه وترك المبيت والرمي.. لزمه من الدماء ما يلزمه إذا ترك ذلك في حجة نفسه، وهل يرد من الأجرة شيئًا؟ على الطريقين فيمن أحرم دون الميقات.
فرع: [استأجره ليحج قارنًا فتمتع] :
إذا استأجره ليقرن بين الحج والعمرة، فأتى بالعمرة والحج عنه متمتعًا.. فقد زاده من وجه، ونقصه من وجه.
أما الزيادة: فلأنه استؤجر على نسكين ليأتي بهما معًا فأفردهما، وهذا أزيد، فلا شيء له بهذه الزيادة؛ لأنه تطوع بها.
وأما النقصان: فلأنه استؤجر ليأتي بهما من الميقات، وقد أتى بالحج من مكة، فيقعان عن المحجوج عنه، ويجب على المستأجر دم التمتع؛ لأنه أذن في نسك يقتضي وجوب الدم.
قال الشيخ أبو حامد: ويجب على الأجير دم لتركه الإحرام بالحج من الميقات. وقال المحاملي: يجزئ الدم الذي على المستأجر عن الأجير.
وهل يجب على الأجير أن يرد بقسط ما ترك من إحرامه بالحج من الميقات إلى مكة؟ فيه طريقان.
قال ابن الصباغ: وهذا يدل على: أن الأجير يجب عليه الدم، إذ لو لم يجب عليه الدم.. لوجب أن يرد من الأجرة، قولًا واحدًا.
стр. 3649
فرع: [استأجره ليقرن فأفرد] :
وإن استأجره ليقرن بين الحج والعمرة، فأفرد الحج عنه، فإن أتى بالحج لا غير، فقد استؤجر على نسكين ولم يأت إلا بأحدهما.. فيكون له من الأجرة بقسط ما أتى به، فيقال: كم أجرة حجة وعمرة على وجه القران؟ فإذا قيل: عشرة.. قيل: فكم أجرة حجة مفردة لا عمرة بعدها؟ فإن قيل: ثمانية.. لزمه أن يرد خمس المسمى. وإن أتى بالعمرة بعد الحج.. ففيه وجهان:
[الأول] : قال ابن الصباغ: لا تقع العمرة عن المستأجر؛ لأنه عين له أن يأتي بها في أشهر الحج، فإذا فات ذلك الوقت لم يكن له أن يأتي بها عنه.
والثاني ـ وهو قول الشيخ أبي حامد ـ: أنها تقع عن المستأجر؛ لأنه قد أذن له بها.
فعلى هذا: إن أحرم الأجير بالعمرة من الميقات.. فلا دم عليه؛ لأنه قد أتى بها من الميقات، وقد زاده خيرًا؛ لأن إفراد الحج والعمرة أفضل من القران، ولا يستحق لهذه الزيادة أجرة؛ لأنه متطوع بها. وإن أتى بالعمرة من أدنى الحل.. وجب عليه الدم؛ لأنه أخل بالإحرام بالعمرة من الميقات، وهل يرد من الأجرة شيئًا؟ فيه طريقان.
فرع: [استأجر من يتمتع فقرن] :
إذا استأجر رجلًا ليحج عنه متمتعًا، فقرن الأجير بين الحج والعمرة من الميقات عنه.. وقعًا عن المستأجر، لأنه أذن فيهما، وقد زاد الأجير من وجه، ونقص من وجه، أما الزيادة: فلأنه أتى بالنسكين من الميقات، وأما النقصان: فلأنه استؤجر على أن يأتي بالنسكين منفردين، فجمع بينهما. ويجب على المستأجر دم؛ لأنه أذن في نسك يقتضي وجوب الدم، ولا شيء للأجير بالزيادة حيث أحرم بالحج من الميقات؛ لأنه متطوع به، ولا يلزمه دم لترك إحرامه بالحج من مكة؛ لأن الميقات أبعد منها، وهل يلزمه أن يرد شيئًا من الأجرة لأجل النقصان؟ فيه وجهان:
стр. 3650
[أحدهما] : قال الشيخ أبو حامد: عليه أن يرد ما بين أجرة المتمتع والقارن من المسمى إن كان بينهما شيء.
و [الثاني] : قال ابن الصباغ: لا يلزمه أن يرد شيئًا؛ لأن ذلك العمل يجزئ في الشرع عن العبادتين.
وإن استأجره ليحج عنه متمتعًا، فحج عنه مفردًا، فإن أتى بالحج عنه لا غير.. فقد زاده من وجه، ونقصه من وجه، أما الزيادة: فلأنه كان عليه أن يحرم عنه بالحج من مكة، وقد أحرم به عنه من الميقات، فلا شيء له بهذه الزيادة؛ لأنه متطوع بها، وأما النقصان: فلأنه استأجره ليأتي بنسكين عنه، فأتى عنه بأحدهما، فيرد من الأجرة بقدر ما ترك، فيقال: كم أجرة حجة وعمرة على وجه التمتع؟ فإن قيل: عشرة.. قيل: فكم أجرة حجة يحرم بها من مكة؟ فإن قيل: خمسة.. لزمه أن يرد نصف المسمى. وإنما قلنا: كم أجرة حجة يحرم بها من مكة؛ لأنه تطوع بالإحرام بها من الميقات.
وإن أتى بالعمرة عنه بعد الحج.. قال الشيخ أبو حامد: فإن أحرم بها من الميقات.. فلا دم عليه؛ لأنه زاده خيرًا، وإن أحرم بها من أدنى الحل.. فعليه دم لتركه الإحرام بالعمرة من ميقات البلد، وهل يرد شيئًا من الأجرة؟ فيه طريقان.
وعلى قياس ما قال ابن الصباغ فيمن استؤجر ليقرن، فأفرد الحج وأتى بالعمرة بعده.. أن لا تقع العمرة هاهنا عن المستأجر؛ لأنه استأجره ليأتي بالعمرة عنه في أشهر الحج، وقد فاتت، فلا تقع عنه.
وعلى قياس قول الشيخ أبي حامد أنا إذا قلنا: إن التمتع أفضل من الإفراد.. أن يرد من الأجرة المسماة بقدر ما بين أجرة المتمتع والمفرد.
فرع: [استأجره ليفرد فقرن] :
وإن استأجر رجلًا ليحج عنه مفردًا، فقرن الأجير بين الحج والعمرة عنه.. فقد قال الشافعي ﵀ في " المناسك الكبير ": (كان الحج والعمرة عن المحجوج عنه، وقد زاده خيرًا، وعلى المستأجر دم القران) .
стр. 3651
وجملة ذلك: أن الأجير إذا استؤجر ليفرد الحج، فقرن بين الحج والعمرة، فإن كانت الإجارة عن ميت عليه فرض العمرة، أو عن حي قد كان في كلامه ما يدل على الإذن بالعمرة، بأن يقول: تحج عني وتعتمر بكذا، فيقول الأجير: بل أحج عنك لا غير هذا، ثم عقد الإجارة على إفراد الحج، ثم قرن الأجير الحج والعمرة عنه.. فإن الحج والعمرة يقعان عن المحجوج عنه؛ لأن الميت لا يمكن إذنه. وأما الحي: فقد وجد منه ما يدل على الإذن. وعلى من يجب دم القران؟ فيه وجهان:
أحدهما ـ وهو قول الشيخ أبي حامد ـ: أنه على الأجير؛ لأن المحجوج عنه لم يصرح بالرضا بوجوبه عليه.
والثاني: على المحجوج عنه؛ لأن النسكين وقعا عنه.
وإن كانت الإجارة عن ميت لا عمرة عليه، أو عن حي لم يكن في كلامه ما يدل على الإذن بالعمرة.. ففيه وجهان:
أحدهما: يقع النسكان عن المحجوج عنه؛ لأن العمرة من جنس الحج وتابعة له، فتضمن إذنه له بالحج إذنًا بالعمرة.
فعلى هذا: على من يجب دم القران؟ على الوجهين الأولين.
والثاني ـ وهو قول الشيخ أبي حامد، وهو المشهور ـ: أن النسكين يقعان عن الأجير؛ لأنه لم يوجد من المحجوج عنه الإذن في العمرة، فوقعت عن الأجير، وإذا انعقدت له العمرة.. انعقد له الحج؛ لأنهما نسك واحد، فلا يتبعض.
وإن استأجره للإفراد، فتمتع.. قال الشيخ أبو حامد: فإن أتى بالعمرة من الميقات، وبالحج من مكة.. فقد أتى بالعمرة عن المستأجر بغير إذنه.
فإن كان المحجوج عنه ميتًا عليه فرض العمرة، أو حيًا وكان في كلامه ما يدل على الإذن بالعمرة.. وقعت العمرة والحج عن المحجوج عنه، ودم التمتع على الأجير؛ لأن المحجوج عنه لم يأذن بها، ولا شيء للأجير للعمرة؛ لأنه تطوع بها، وعلى
стр. 3652
الأجير دم لترك الإحرام بالحج من الميقات، وهل يرد شيئًا من الأجرة؟ على الطريقين.
وإن كان المحجوج عنه ميتًا لا عمرة عليه، أو حيًا لم يوجد منه إذن بالعمرة ولا ما يدل عليه، ولم يعد الأجير للإحرام بالحج إلى الميقات.. فإن العمرة تقع عن الأجير، والحج يقع عن المحجوج عنه، ولا يجب على الأجير دم التمتع؛ لأنهما وقعا عن شخصين، ولكن عليه دم لترك الإحرام بالحج من الميقات، وهل يرد شيئًا من الأجرة؟ على الطريقين.
فإذا قلنا: يجب عليه. فهل تقسط على المسافة والعمل، أو على العمل دون المسافة؟ على قولين، مضى ذكرهما.
وبالله التوفيق
стр. 3653
[باب اختلاف المتكاريين]
إذا اختلفا في قدر الأجرة أو في قدر المنفعة.. تحالفا، كما قلنا في المتبايعين إذا اختلفا في الثمن أو المثمن.
وإن اختلفا في التعدي بالعين المستأجرة.. فالقول قول المكتري مع يمينه؛ لأن الأصل عدم التعدي.
وإن اختلفا في ردها.. فالقول قول المكري مع يمينه، كما قلنا في المعير.
وإن اختلف الأجير المشترك والمستأجر في رد العين التي استؤجر على العمل فيها، فإن قلنا: إنه ضامن.. فالقول قول المستأجر مع يمينه، كالمعير، وإن قلنا: إنه ليس بضامن.. ففيه وجهان، كالوكيل بجعل.
وإن قال الأجير: هلكت العين بعد العمل، فلي الأجرة، وقال المستأجر: بل هلكت قبل العمل فلا أجرة لك.. فالقول قول المستأجر مع يمينه؛ لأن الأصل براءة ذمته.
[مسألة: اختلاف المستأجر والخياط على الصنع]
إذا دفع إلى خياط ثوبًا، فقطعه قباء، فقال رب الثوب: أمرتك أن تقطعه قميصًا، وقال الخياط: بل أمرتني أن أقطعه قباء.. فقد ذكرها الشافعي ﵀ في
стр. 3654
(اختلاف العراقيين) ، ونقلها المزني، فقال: فيها قولان:
أحدهما: القول قول الخياط، وهو قول ابن أبي ليلى.
والثاني: أن القول قول رب الثوب، وهو قول أبي حنيفة.
قال الشافعي: (وهذا أشبه، وكلاهما مدخول؛ لأن الخياط يدعي الأجرة، وينفي الغرم، ورب الثوب يدعي الغرم، وينفي الأجرة. ولا أقبل قولهما، وأردهما إلى أصل السنة، فيتحالفان) .
وقال في (الإملاء) : (إذا دفع إلى صباغ ثوبًا، فصبغه أسود، فقال رب الثوب: أمرتك أن تصبغه أحمر، فقال الصباغ: بل أمرتني أن أصبغه أسود.. أنهما يتحالفان، وعلى الصباغ أرش النقص) . واختلف أصحابنا في المسألة على ثلاث طرق:
فـ[الأول] : قال أكثرهم: هي على قولين:
أحدهما: أن القول قول الخياط.
والثاني: أن القول قول رب الثوب.
و [الطريق الثانية] : منهم من قال: فيها ثلاثة أقوال:
أحدها: القول قول الخياط.
والثاني: أن القول قول رب الثوب.
والثالث: أنهما يتحالفان.
و [الطريق الثالثة] : قال الشيخ أبو حامد: الأشبه بالمذهب: أنها على قول واحد، وأنهما يتحالفان؛ لأن الشافعي ذكر القولين في (اختلاف العراقيين) ، وطعن عليهما، ولما ذكر التحالف.. لم يطعن فيه.
فإذا قلنا: القول قول الخياط.. فوجهه: أنه قد ملك القطع لاتفاقهما عليه، فكان الظاهر أنه إنما فعل ما ملكه، فكيف يحلف؟
стр. 3655
قال ابن الصباغ: يحلف بالله: ما أذنت لي في قطعه قميصًا، ولقد أذنت لي في قطعه قباء.
وقال الشيخ أبو حامد: يحلف: أن رب الثوب أذن له في قطعه قباء.
فإذا حلف.. لم يلزمه الغرم؛ لأنه حقق بيمينه أنه مأذون له فيما فعله، وهل يستحق أجرة؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يستحق؛ لأنه يسقط بيمينه ما يدعى عليه من الغرم، فلا يجوز أن يثبت بيمينه حقا له.
والثاني: أنه يستحق؛ لأنا حكمنا بيمينه أنه مأذون له بالقطع، فاستحق الأجرة.
فإذا قلنا بهذا: فأي أجرة يستحق؟
قال الشيخ أبو إسحاق: فيه وجهان:
أحدهما: الأجرة التي ادعاها أنها مسماة في العقد؛ لأنا قبلنا قوله: إن رب الثوب أذن له، فوجب له ما اقتضاه الإذن.
والثاني: لا يستحق المسمى، وإنما يستحق أجرة المثل؛ لأنا لو قبلنا قوله.. لم يؤمن أن يدعي ألفًا، وأجرة مثله درهم.
وذكر الشيخ أبو حامد، والمحاملي، وابن الصباغ: أنه يستحق المسمى، وجهًا واحدًا.
قال الشيخ أبو حامد: ما رأيت أحدًا من أصحابنا يقول: يستحق المسمى، وإن كان القياس يقتضي ذلك.
قلت: والذي يقتضي المذهب: أن الشيخ أبا حامد، ومن قال: يستحق أجرة المثل ولا يستحق المسمى، أرادوا: إذا كان ما يدعيه من المسمى أكثر من أجرة المثل، فأما إذا كان الذي يدعيه من المسمى أقل من أجرة المثل.. استحق ذلك، وجهًا واحدًا إذا قلنا: إنه يستحق الأجرة؛ لأنه لا يجوز أن يوجب له أكثر مما يدعيه.
وإذا قلنا: إن القول قول رب الثوب ـ قال في (التعليق) : وهو الأصح ـ فوجهه:
стр. 3656
قوله ﷺ : «البينة على من ادعى، واليمين على من أنكر» . والخياط يدعي على رب الثوب الإذن، ولأنهما لو اختلفا في أصل الإذن.. لكان القول قول رب الثوب، فكذلك إذا اختلفا في صفته.
قال ابن الصباغ: وعندي: أنه يكفيه أن يحلف أنه ما أذن له في قطعه قباء، ولا يحتاج إلى إثبات إذنه في قطع القميص، فإذا حلف.. وجب الغرم على الخياط؛ لأنه أثبت بيمينه أن الخياط غير مأذون له في قطعه، والقطع بغير إذن يوجب الغرم، وفي قدر الغرم قولان:
أحدهما: يجب ما بين قيمة الثوب صحيحًا ومقطوعًا قباء؛ لأنه تعدى بقطعه قباء، فلزمه أرش القطع.
والثاني: يلزمه ما بين قيمته مقطوعًا قميصًا ومقطوعًا قباء؛ لأن قطع القميص مأذون فيه. وهل يجب للأجير أجرة؟ فيه وجهان:
[الأول] : قال أبو علي بن أبي هريرة: يجب له أجرة قطع ما تحصل من قطع القباء للقميص؛ لأنه مأذون فيه.
و [الثاني]ـ المنصوص ـ: (أنه لا شيء له) ؛ لأنه لم يقطعه للقميص، فهو متعد في ابتداء القطع.
وإذا قلنا: إنهما يتحالفان ـ وهو اختيار الشيخ أبي إسحاق ـ فوجهه: أن كل واحد منهما مدع ومدعى عليه؛ لأنه الخياط يدعي الأجرة، ورب الثوب ينكرها. ورب الثوب يدعي الأرش، والخياط ينكره، فتحالفا، كالمتبايعين إذا اختلفا في قدر الثمن.
فعلى هذا: إذا حلف أحدهما ونكل الآخر.. كان الحكم فيه كما لو قلنا: إن القول قول الحالف، وحلف. وإن حلفا.. لم يستحق الخياط الأجرة؛ لأن التحالف يوجب رفع العقد، والخياطة من غير عقد لا يستحق لها أجرة.
стр. 3657
وهل يجب على الخياط أرش القطع؟ فيه قولان:
أحدهما: لا يجب عليه شيء؛ لأن كل واحد منهما قد نفى بيمينه ما ادعي عليه به.
والثاني: يجب عليه؛ لأن التحالف يوجب رفع العقد. والقطع من غير عقد يوجب الضمان.
فعلى هذا: في قدر الأرش القولان الأولان.
فكل موضع أوجبنا للخياط الأجرة.. فإن الخياط لا يرجع في الخيوط؛ لأنها إن كانت من الثوب.. فهي لصاحب الثوب، وإن كانت للخياط.. فهي تابعة للخياطة التي أخذ عليها الأجرة.
وكل موضع قلنا: لا أجرة له، فإن كان الثوب مخيطًا بخيوط من رب الثوب أو من الثوب.. فإن رب الثوب يأخذ ثوبه مخيطًا، وليس للخياط فتق الخياطة؛ لأنه قد عمل في ملك غيره عملًا لا عين له فيه، فلم يكن له إزالته، كما لو نقل ملك غيره من زاوية إلى زاوية.. فليس له رده إلا برضا المالك. وإن كانت الخيوط من الخياط.. فله أن يأخذ خيوطه؛ لأنها عين ماله. فإن بذل له رب الثوب قيمة الخيوط.. لم يجبر الخياط على قبولها؛ لأنها عين مال الخياط لا يتلف بردها ما له حرمة، فلم يلزمه أخذ عوضها. فإن قال رب الثوب: أنا أشد بطرف خيطك خيطًا، فإذا جررت خيطك دخل هذا الخيط مكان خيطك.. لم يلزم الخياط تمكينه من ذلك؛ لأنه انتفاع بملكه، ولأنه يتأخر بذلك وصوله إلى خيطه إلى أن يثبت الخيط الآخر مكانها، فلم يجبر على ذلك.
[مسألة: الأجير يحبس العين ليستوفي الأجرة]
إذا استأجر رجلًا ليعمل له عملًا في عين، مثل: خياطة، أو صياغة، فعمل الأجير ذلك.. فهل له أن يحسب العين إلى أن يستوفي الأجرة؟ فيه وجهان:
стр. 3658
أحدهما: لا يجوز له؛ لأن العين غير مرهونة عنده بالأجرة، ولأنه لو استأجره على حمل متاع فحمله.. لم يكن له حبس المتاع إلى أن يستوفي الأجرة، فكذا هذا مثله.
والثاني: له أن يحبس العين؛ لأن العمل في العين ملكه، فجاز له حبسه، كالعين المبيعة، بخلاف الحمل، فإنه لا يمكن حبسه.
[فرع: استحقاق أجرة المثل]
إذا دفع إلى رجل ثوبا ليخيطه له، أو متاعًا ليحمله له إلى مكان، فإن سمى له أجرة صحيحة.. استحق المسمى ولا كلام، وإن سمى له أجرة فاسدة، أو عرض له بالأجرة، بأن قال: اعمل وأنا أحاسبك على أجرتك، أو لا ترى مني إلا ما يسرك.. استحق أجرة المثل؛ لأنه قد عرض له بالأجرة وهي مجهولة، فاستحق أجرة المثل، كما لو سمى له عوضًا فاسدًا.
وأن دفعها إليه فعملها الأجير.. فهل يستحق أجرة الثمل؟ فيه أربعة أوجه:
أحدها: أنه يستحق أجرة المثل؛ لأنه قد أتلف عليه منافعها، فاستحق عليه بدلها، فهو كما لو أكرهه على العمل.
والثاني ـ وهو قول أبي إسحاق ـ: إن استدعى الصانع لأن يعمل، بأن قال: أعطني ثوبك لأخيطه.. لم يستحق أجرة؛ لأنه اختار إتلاف منفعة نفسه بغير عوض. وإن استدعاه رب الثوب إلى العمل، بأن قال: خط لي هذا الثوب.. لزمه أجرة المثل؛ لأنه أدى ما عليه منفعته، فاستحق عليه بدلها.
والثالث: إن كان الصانع معروفًا بأخذ الأجرة على العمل.. استحق الأجرة؛ لأن
стр. 3659
العرف في حقه كالشرط، وإن كان غير معروف بذلك.. فلا أجرة له.
والرابع ـ وهو المنصوص ـ: (أنه لا يستحق أجرة) ؛ لأن المنافع ليست بأولى من الأعيان، وقد ثبت أنه لو قدم إلى رجل طعامًا، وقال: كله.. لم يستحق عليه عوضه، فكذلك هذا مثله.
والله أعلم.
стр. 3660
[باب الجعالة]
يجوز عقد الجعالة في رد الآبق وخياطة الثوب، وكل عمل يجوز عقد الإجارة عليه، فيقول: من رد عبدي الآبق، أو خاط لي هذا القميص، أو خاط لي قميصًا. فله دينار؛ لقول تعالى: ﴿قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢] [يوسف: ٧٢] .
فذكر الله الجعالة في شرع من قبلنا ولم ينكرها، فدل على جوازها، ولأن بالناس حاجة إلى الجعالة؛ لأنه قد يأبق له عبد لا يعلم مكانه، ولا يقدر على رده بنفسه، ولا يجد من يتطوع بالمضي لرده، ولا تصح الإجارة على رده؛ للجهالة بمكانه، فجوز عقد الجعالة لذلك.
إذا ثبت هذا: فيصح أن يكون العامل في الجعالة غير معلوم، والعمل غير معلوم؛ للآية.
والفرق بين الجعالة والإجارة: أن الإجارة عقد لازم، فوجب تقدير العمل فيها والعامل، والجعالة عقد جائز، فجاز أن يكون العمل فيها غير معلوم، كالعارية.
стр. 3661
فإن قال: من رد عبدي من موضع كذا فله كذا.. صح؛ لأنه إذا صح ذلك مع جهالة العمل.. فلأن يصح إذا كان العمل معلومًا أولى.
فإن قال: من رد عبدي من البصرة في هذا الشهر فله كذا.. قال القاضي في (المجرد) : لم يصح؛ لأنه يكثر بذلك الغرر، حيث قدره بمدة معلومة.
[مسألة: تعيين قدر الجعل]
ولا تصح الجعالة حتى يكون عوض العمل معلومًا؛ لأنه عوض في عقد، فلم يصح مع الجهالة به، كالمسلم فيه.
والفرق بين العمل والعوض: أن العمل قد تدعو الحاجة إلى أن يكون مجهولًا؛ لما ذكرناه، ولا تدعو الحاجة إلى أن يكون العوض مجهولًا، ولأن العمل لا يكون لازمًا، والعوض يكون لازمًا بعد العمل.
فرع: [فيمن قال: أول من يحج عني فله كذا] :
فإن، قال: أول من يحج عني فله مائة درهم، فحج عنه رجل.. قال الشافعي في (المنثور) : (استحق المائة) .
وقال المزني: يستحق أجرة المثل. وليس بشيء؛ لأنه جعالة، والجعالة تصح لعامل غير معين.
[فرع: تفاوت الجعل في اختلاف المدة]
قال ابن الصباغ: فإن قال لرجل: إن خطت لي هذا الثوب اليوم فلك دينار، وإن خطته غدًا فلك نصف دينار.. فهو عقد فاسد، فإذا خاطه.. استحق أجرة المثل، وبه قال مالك، وزفر.
وقال أبو حنيفة: (الشرط الأول جائز، والثاني فاسد، فإن خاطه في اليوم الأول.. فله دينار، وإن خاطه بعده.. فله أجرة مثله) .
стр. 3662
وقال أبو يوسف، ومحمد: الشرطان جائزان.
دليلنا: أنه عقد واحد، فإذا اختلف فيه العوض بالتقديم والتأخير.. كان فاسدًا، كما لو قال: أجرتك هذا بدرهم نسيئة، أو بنصف درهم نقدًا.
إذا ثبت هذا: فكل موضع شرط فيه جعلًا فاسدًا، فعمل الأجير.. استحق أجرة مثله، كما قلنا في الإجارة.
[مسألة: العوض يلزم بشرط رب المال]
ولا يستحق العامل العوض إلا إذا عمل بإذن صاحب المال، وشرط العوض له، فأما إذا رد لرجل عبدًا آبقًا، أو رد له بهيمة ضالة بغير إذنه.. فإنه لا يستحق عليه عوضًا، سواء رده من موضع قريب أو بعيد، وسواء كان معروفًا برد الضوال أو لم يكن معروفًا بذلك.
وقال أبو حنيفة: (إن رد له بهيمة ضالة بغير إذنه.. لم يستحق عليه العوض ـ كقولنا ـ وإن رد له عبدا آبقًا بغير إذنه.. فالقياس: أنه لا يستحق عليه جعلًا، ولكن يعطى عليه جعلًا استحسانًا، فإن رده من مسيرة ثلاثة أيام فما زاد، وكانت قيمة العبد أربعين درهما فأكثر.. استحق عليه أربعين درهما، وإن رده من مسيرة دون ثلاثة أيام.. استحق عليه أجرة مثل عمله، وإن رده من مسيرة ثلاثة أيام، وقيمة العبد أربعون درهما.. استحق أربعين درهمًا إلا درهمًا، وإن كانت قيمته عشرة.. استحق عشرة دراهم إلا درهمًا) .
وقال أبو يوسف، ومحمد: يعطى أربعين درهمًا بكل حال حتى لو كانت قيمته عشرة دراهم.
وقال مالك: (إن كان الراد معروفًا برد الضوال والأباق.. استحق أجرة مثله،
стр. 3663
وإن كان غير معروف بذلك.. فلا شيء له) .
دليلنا: أنه رد لغيره ما لم يشرط له عليه عوضًا، فلم يستحق عليه عوضًا، كما لو رد بهيمة مع أبي حنيفة، وكما لو كان غير معروف برد الضوال مع مالك.
[فرع: الرد لا يستوجب العوض]
وإن رد عبده بإذنه، ولم يشرط له عوضًا.. فهل يستحق عليه أجرة المثل؟ على الأوجه الأربعة المذكورة في الإجارة، الصحيح: أنه لا يستحق عليه.
وإن قال: من رد عبدي فله دينار، فرده من لم يسمع قوله ولا بلغه.. لم يستحق عليه شيئًا؛ لأنه متطوع.
وإن قال رجل: من رد عبد فلان فله دينار، فرده رجل.. استحق الدينار على الذي قال ذلك؛ لأنه التزم العوض فلزمه بالعمل. وإن نادى، فقال: قال فلان: من رد عبدي فله دينار، فرده رجل.. لم يلزم المنادي شيء؛ لأنه حكى قول غيره، ولم يلتزم ضمانه. فإن أنكر مالك العبد أنه قال ذلك.. فالذي يقتضي المذهب: أنه المنادي إذا كان عدلًا وشهد عليه بذلك.. حلف من رد العبد معه إذا صدقه، واستحق على مالك العبد الدينار، وإن لم يكن عدلًا أو لم يشهد عليه.. لم يلزم المنادي شيء؛ لأنه يقول: أنا صادق، ومالك العبد كاذب، فلا يلزمني الغرم بكذبه، ولأنه لا يلتزم ضمانه، فلا يلزمه بالحكاية.
[مسألة: يستحق الجعل بتمام العمل]
فإن قال: إن جئتني بعبدي فلك دينار، فرده حتى صار على باب البلد، فهرب العبد أو مات.. لم يستحق العامل شيئًا؛ لأن المقصود رده، ولم يوجد ذلك.
стр. 3664
والفرق بينه وبين الأجير في الحج ـ إذا عمل بعض العمل فمات.. أنه يستحق بقسط ما عمل في أحد القولين ـ: أن المقصود بالحد تحصيل الثواب، وقد حصل للمحجوج عنه الثواب ببعض العمل، والمقصود هاهنا الرد، ولم يوجد، ولأن الإجارة عقد لازم.. فلزمت الأجرة بنفس العقد، وهاهنا الجعالة عقد جائز.. فلم تلزم إلا بالعمل.
فرع: [ما يستحق لبعض العمل] :
قال ابن الصباغ: فإن قال رجل لآخر: إن علمت ابني القرآن فلك كذا وكذا، فعلمه القرآن أو بعضه، ومات الصبي.. استحق الأجير بقدر ما علمه؛ لأن العمل وقع مسلمًا؛ لأن الصبي لا تثبت يد المعلم عليه.
ولو قال: إن خطت لي هذا الثوب فلك درهم، فخاط نصفه، وتلف الثوب في يد الخياط.. لم يستحق شيئًا؛ لأن رب الثوب لم يتسلم العمل.
وإن قال رجل: من رد عبدي من موضع كذا.. فله دينار، فرده رجل من نصف تلك المسافة.. استحق نصف الدينار؛ لأنه عمل نصف العمل، وإن رده من أبعد من الموضع المذكور.. لم يستحق أكثر من الجعل المسمى؛ لأنه تطوع بما زاد عليها.
وإن أبق له عبدان، فقال: من ردهما فله دينار، فرد رجل أحدهما.. استحق نصف الدينار؛ لأنه عمل نصف العمل. وإن قال: من رد عبدي فله دينار، فرده جماعة.. اشتركوا في الدينار؛ لاشتراكهم في الرد.
وإن قال لرجل: إن رددت عبدي فلك دينار، وقال لآخر: إن رددته فلك ديناران، وقال لآخر: إن رددته فلك ثلاثة، فردوه جميعًا.. استحق كل واحد منهم ثلث ما شرطه له؛ لأن كل واحد منهم عمل ثلث العمل. وإن شرط لواحد منهم جعالة فاسدة، ولآخرين جعالة صحيحة.. استحق من شرط له جعالة صحيحة ثلث ما سمى له، ويستحق من شرط له جعالة فاسدة ثلث أجرة مثله اعتبارًا بالانفراد.
стр. 3665
[فرع: معاون المجعول له لا يستحق عوضًا]
وإن قال لرجل: إن رددت عبدي فلك دينار، فرده معه رجلان آخران، فإن قالا: عاوناه في الرد.. استحق المجعول له الدينار، ولم يستحقا شيئًا؛ لأنهما عملا له بغير عوض.
وإن قالا: شاركناه في العمل لنشاركه في الجعل.. استحق المجعول له ثلث الدينار؛ لأنه عمل ثلث العمل ولا شيء للآخرين؛ لأن مالك العبد لم يشرط لهما شيئًا، وإنما شرط للثالث.
[مسألة: فسخ الجعالة]
الجعالة عقد غير لازم؛ لأنها عقد على عمل مجهول بعوض، فكانت غير لازمة، كالقرض.
إذا ثبت هذا: فيجوز لكل واحد منهما فسخها، فإن فسخها العامل قبل العمل أو قبل تمامه.. لم يستحق شيئًا، وإن فسخها رب المال، فإن كان قبل أن يبتدئ العامل شيئًا من العمل.. لم يستحق العامل شيئًا من الأجرة؛ لأنه إنما عمل بقول رب المال، وقد رفع ذلك، وإن فسخ بعد تمام العمل.. لم يسقط عنه ما بذله من الجعل؛ لأنه قد استقر بالعمل، وإن كان بعد أن عمل العامل شيئًا من العمل.. استحق العامل أجرة ما قد عمله؛ لأنه ليس له إسقاط عمله بغير عوض.
[فرع: تعداد الجعل]
إذا قال: من رد عبدي فله عشرة دراهم، ثم قال: من رده فله درهم، أو قال: من رده فله درهم، ثم قال: من رده فله عشرة.. كان الاعتبار بالبذل الأخير؛ لأنه عقد غير لازم، فجاز النقصان والزيادة في عوضه، كالربح في القراض.
стр. 3666
[مسألة: اختلفا في العوض وقدره]
وإن قال العامل: شرطت لي العوض في رد عبدك، وقال مالك العبد: لم أشرط لك، أو قال العامل: شرطت لي العوض في رد هذا العبد، فقال: بل شرطت لك في رد غيره، ولا بينة.. فالقول قول رب المال؛ لأن الأصل براءة ذمته.
وإن اختلفا في قدر العوض المشروط.. تحالفا، ووجب للعامل أجرة المثل، كما قلنا في المتبايعين إذا اختلفا في ثمن السلعة بعد هلاكها.
وإن قال: أنا رددت عبدك الآبق، وقال العبد: بل جئت بنفسي، وصدقه المولى.. فالقول قول المولى مع يمينه؛ لأن الأصل عدم رده.
وبالله التوفيق
стр. 3667
[كتاب السبق والرمي]
стр. 3668
كتاب السبق والرمي الأصل في جواز المسابقة: الكتاب، والسنة، والإجماع.
أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ﴾ [يوسف: ١٧] [يوسف: ١٧] . فذكر الله
стр. 3669
المسابقة في شرع من قبلنا، ولم ينكرها، فدل على جوازها.
وأما السنة: فقوله ﷺ : «لا سبق إلا في نصل، أو خف، أو حافر» .
وأجمعت الأمة على جواز المسابقة. إذا ثبت هذا: فتجوز المسابقة على الخيل والإبل؛ لما روي: «أن النبي ﷺ سابق بين الخيل» .
وروي: «أنه كان للنبي ﷺ ناقة تسمى العضباء لا تسبق، فجاء أعرابي على قعود له، فسابقها، فسبقها، فشق ذلك على المسلمين حتى عرفه، فقالوا: يا رسول الله، سبقت العضباء! فقال ﷺ : إنه حق على الله أن لا يرتفع شيء من
стр. 3670
الدنيا ـ وروي: من هذه القذرة ـ إلا وضعه» .
وقال ﷺ : «لا سبق إلا في نصل، أو خف، أو حافر» .
وروي: (لا سبق) بسكون الباء وبفتحها، فبسكونها: هو المصدر، وبفتحها: هو المال المسابق عليه. وأما (النصل) : فهي السهام التي يرمى بها، مثل: السهام العربية، والنشاب. وأما (الخف) : فهي الإبل. و (الحافر) : الخيل.
ويجوز ذلك بغير عوض؛ لما «روى سلمة بن الأدرع، قال: أتى علينا رسول الله ﷺ ونحن نترامى، فقال ﷺ : حسن هذا لعبًا، ارموا، فإن أباكم إسماعيل كان راميًا، ارموا، واركبوا، ولأن ترموا أحب إلي من أن تركبوا»
стр. 3671
ويجوز ذلك بعوض؛ لقوله ﷺ : «لا سبق إلا في نصل، أو خف، أو حافر» .
و (السبق) ـ بفتح الباء ـ: هو المال المتسابق عليه.
«وسئل عثمان ﵁: هل كنتم تراهنون؟ فقال: نعم، راهن رسول الله ﷺ على فرس له، فجاءت سابقة، فهش لذلك وأعجبه» والرهان
стр. 3672
لا يكون إلا على عوض. وهل تجوز على الفيل؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجوز؛ لقوله ﷺ : «لا سبق إلا في نصل، أو خف، أو حافر» . والفيل له خف، ويقاتل عليه، فهو كالإبل.
والثاني: لا يجوز، وبه قال أحمد؛ لأنه لا يصلح للكر والفر، فهو كالبقر.
قال ابن الصباغ: والأول أولى، لأنه يقال: إنه يسبق الخيل.
وفي جواز المسابقة على البغال والحمير قولان:
أحدهما: لا تجوز؛ لأنها لا تصلح للكر والفر.
والثاني: تجوز، وهو المشهور؛ لقوله ﷺ : «أو حافر» .
وتجوز المسابقة على الأقدام بغير عوض؛ لما روي «عن عائشة ﵂: أنها قالت: سابقت رسول الله ﷺ مرتين، فسبقته في المرة الأولى، فلما بدنت.. سبقني، وقال: هذه بتلك» .
يقال: بدن الرجل ـ بضم الدال وتخفيفها ـ: إذا سمن. وبدن ـ بفتح الدال وتشديدها ـ: إذا كبر، يبدن تبدينًا. قال الشاعر
وكنت خلت الشيب والتبدينا ... والهم مما يذهل القرينا
وهل تجوز المسابقة على الأقدام بعوض؟ فيه وجهان:
أحدهما: تجوز، وبه قال أهل العراق؛ لأنه يحتاج إليه الراجل في القتال، كما يحتاج إليه في الفرس للقتال.
стр. 3673
والثاني: لا تجوز، وهو المنصوص، وبه قال أحمد؛ لقوله ﵊: «لا سبق إلا في نصل، أو خف، أو حافر» . و (السبق) ـ بفتح الباء ـ: هو المال المسابق عليه.
وتجوز المسابقة على الطير بغير عوض، وهل تجوز المسابقة عليها بعوض؟ فيه وجهان:
أحدهما: تجوز؛ لأنه يستعان بها في الحرب في حمل الكتاب بالأخبار.
والثاني: لا يجوز، وهو المنصوص؛ لقوله ﵊: «لا سبق إلا في خف، أو نصل، أو حافر» . والطيور ليست بواحد منها.
وتجوز المسابقة على السفن بغير عوض، وهل تجوز المسابقة عليها بعوض؟ فيه وجهان:
أحدهما: تجوز؛ لأنه يقاتل عليها في البحر، كما يقاتل على الخيل في البر.
والثاني: لا تجوز، وهو المنصوص؛ لما ذكرناه من الخبر، ولأنها ليست بآله للحرب، وإنما الحرب فيها.
وتجوز المصارعة بغير عوض، وهل تجوز بعوض؟ فيه وجهان:
أحدهما: تجوز، وبه قال أهل العراق؛ لما روي: «أن النبي ﷺ صارع يزيد بن ركانة على مائة، فصرعه النبي ﷺ ، وكان لا يصرع، ثم عاد، فصرعه ﷺ ، ثم عاد فصرعه ﷺ ، فأسلم، ورد عليه الغنم» .
стр. 3674
والثاني: لا تجوز، وهو المنصوص؛ لقوله ﵊: «لا سبق إلى في نصل، أو خف، أو حافر» . ولأن الصراع ليس بآلة الحرب.
وأما صراع النبي ﷺ ليزيد بن ركانة: فإنما كان طمعًا منه في إسلامه، ولهذا لما أسلم.. رد عليه الغنم.
[مسألة: المناضلة بالرمي]
وتجوز المسابقة على الرمي بالقسي العربية والعجمية بعوض وغير عوض؛ لقوله ﷺ : «لا سبق إلا في نصل، أو خف، أو حافر» .
فإن قيل: فقد روي: «أن النبي ﷺ رأى مع رجل قوسًا عجمية، فقال: لعن الله حاملها، عليكم بالقسي العربية وسهامها، فإنه سيفتح عليكم بها» .
стр. 3675
فالجواب: أن الأمة أجمعت على جواز الرمي بالأعجمية، فيستدل بهذا الإجماع على أن هذا الخبر منسوخ، وإن لم نعلم ناسخه، ويحتمل أن يكون إنما نهى عنها ولعن حاملها؛ لأن العجم لم يكونوا أسلموا يومئذ، فلذلك لعنهم، ومنع العرب أن يتعرضوا بما لا يعرفون ولم يألفوه.
وتجوز المسابقة على الرمي بالمزاريق؛ لأن لها نصلًا، ويقاتل بها، فهي كالسهام، وهل تصح المسابقة بالرمح والسيف والعمود؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا تجوز، وبه قال أحمد؛ لقوله ﷺ : «أو نصل» ؛ لأنه لا يرمى بها، فلا معنى للمسابقة بها.
والثاني: تجوز، وقد قال الشافعي في (الأم) [٤/١٤٨] : (بكل ما ينكي العدو، من سيف، أو رمح، أو مزراق) ، ولأنه سلاح يقاتل به، فهو كالنشاب.
وهل تجوز المسابقة على رمي الأحجار عن المقلاع بعوض؟ فيه وجهان، حكاهما الطبري في (العدة) :
أحدهما ـ ولم يذكر ابن الصباغ غيره ـ: أنه لا يصح؛ لأنه ليس بآلة للحرب.
والثاني ـ ولم يذكر في (المهذب) غيره ـ: أنه يصح؛ لأنه آلة للحرب، فهو كالنشاب.
стр. 3676
[فرع: المسابقة على غير آلة الحرب]
وأما المسابقة على ما ليس آلة للحرب، كضرب كرة الصولجان، ورفع الأحجار، واللعب بالخاتم، وما أشبه ذلك.. فلا يصح بعوض؛ لأنه لا منفعة في ذلك للحرب.
[مسألة: ما جاز أن يدفع له من أفراد جاز البذل له من بيت المال]
] : كل موضع قلنا: تجوز المسابقة بعوض، فيجوز أن يبذله السلطان من بيت المال، أو من مال نفسه؛ لما روى ابن عمر: «أن النبي ﷺ سابق بين الخيل، وجعل بينها سبقًا» ، ولأن في ذلك حثًا على تعلم الفروسية والرمي ليتقووا به على الجهاد، ويقع فيه الصلاح للمسلمين.
стр. 3677
ويجوز أن يكون العوض من رجل من الرعية.
وقال مالك: (لا يجوز ذلك لغير الإمام) .
دليلنا: أنه بذل مال لمصلحة، فصح من غير الإمام، كوقف الخيل في سبيل الله.
ويجوز أن يكون السبق من أحدهما، بأن يقول: سبقتك عشرة، فإن سبقتني.. فهي لك، وإن سبقتك.. فلا شيء لك علي ولا شيء لي عليك.
وقال مالك: (لا يجوز) .
دليلنا: ما روي: «أن النبي ﷺ مر بحزبين من الأنصار يتناضلون وقد سبق أحدهما الآخر، فقال النبي ﷺ : "ارموا، وأنا مع الحزب الذي فيه ابن الأدرع ". فكف القوم أيديهم وقسيهم، وقالوا: يا رسول الله صلى الله عليك، غلب من كنت معه. فقال: ارموا، وأنا معكم جميعًا»
ويجوز أن يكون السبق بينهما بشرط أن يدخلا معهما محللا على فرس مماثل لفرسيهما، فإن سبقهما.. أحرز السبقين، وإن سبقاه.. فلا شيء له.
وإن أخرج كل واحد منهما مالًا، ولم يدخلا بينهما محللا.. لم يصح.
وقال مالك: (لا يصح أن يكون المال منهما، سواء كان بينهما محلل أو لم يكن) . وحكاه الطبري، وابن الصباغ، عن ابن خيران.
ودليلنا: قوله ﷺ : «من أدخل فرسًا بين فرسين وهو لا يأمن أن يسبق.. فليس بقمار، ومن أدخل فرسًا بين فرسين وقد أمن أن يسبق.. فهو قمار» .
стр. 3678
ومعنى قوله: «وقد أمن أن يسبق.. فهو قمار» أراد: إذا كان فرس المحلل بطيئًا لا يرجى له السبق.. فإن ذلك لا يجوز؛ لأن وجوده كعدمه.
ومعنى قوله: «وإن لم يأمن أن يسبق.. فليس بقمار» أراد: إذا كان مكافئًا لهما؛ لأن المكافئ يرجى له السبق.
[فرع: صحة العقد بعوض معلوم حالا أو مؤجلًا]
ولا يصح العقد إلا أن يكون العوض معلومًا، إما معينا، أو في الذمة، وإذا كان في الذمة.. جاز أن يكون حالا ومؤجلًا، كما قلنا في الثمن والإجارة.
وإن قال أحدهما لصاحبه: سبقتك عشرة، فإن سبقتني فهي لك على أن لا أسابق، أو على أن لا أرمي أبدًا.. كان باطلا؛ لأنه شرط ترك ما هو مندوب إليه.
وإن قال: سبقتك عشرة، فإن سبقتني أخذتها وتعطيني قفيز حنطة.. قال الشافعي في " الأم " [٤/١٤٨] : (لم يصح؛ لأن العقد يقتضي أن لا يكون على السابق شيء، وإنما يكون على المسبوق) .
[فرع: عمل مخرج العطاء كالجعل]
إذا كان المخرج للسبق هو السلطان، أو رجل من الرعية، أو أحد المتسابقين.. فهو كالجعالة.
وإن كان المال من المتسابقين وبينهما محلل.. ففيه قولان:
стр. 3679
أحدهما: أنه لازم، كالإجارة، لأنه عقد يشترط أن يكون العوض فيه والمعوض معلومين، فكان لازمًا، كالإجارة.
والثاني: أنه غير لازم، كالجعالة؛ لأنه عقد بذل العوض فيه على ما لا يتقين حصوله، فلم يكن لازمًا، كالقراض. والأول أصح.
فإذا قلنا: إنه كالإجارة.. كان الحكم في الرهن والضمان فيه حكم الإجارة.
وإن قلنا: إنه كالجعالة.. فحكم الرهن والضمان فيه حكم مال الجعالة، وقد مضى.
وأما الزيادة والنقصان في المال أو في السبق أو في الرمي: فإن قلنا: إنه كالإجارة.. لم يجز إلا أن يفسخا الأول، ثم يعقد ثانيًا. وإن قلنا: إنه كالجعالة، فإن اتفقا على الزيادة أو النقصان جاز، وإن طلب أحدهما ذلك، فإن كانا متساويين في السبق، أو في عدد الرمي والإصابة.. كان له ذلك، وقيل للآخر: إن رضيت بما طلب صاحبك، وإلا.. فافسخ العقد.
وإن كانا غير متساويين: فإن كان الذي يطلب الزيادة أو النقصان هو الذي له الفضل.. جاز؛ لأنه لا ضرر على الآخر بذلك.
وإن كان الذي يطلب الزيادة أو النقصان هو المفضول.. ففيه وجهان:
أحدهما: يجوز؛ لأنه عقد غير لازم.
والثاني: لا يجوز؛ لأنه لو قلنا: يجوز.. لأفضى إلى أن لا يسبق أحد أحدًا بحال.
[فرع: جعل المخرج لمن سبق]
وإن كان المخرج للسبق هو السلطان أو رجل من الرعية.. نظرت:
فإن جعله فيما بينهم، بأن قال: من سبق منكم إلى الغاية.. فله عشرة، فإن
стр. 3680
كانا اثنين، وسبق أحدهما إلى الغاية.. استحق العشرة، وإن كانوا ثلاثة، فجاء اثنان منهم إلى الغاية جميعًا.. استحقا العشرة، كما لو قال: من رد عبدي.. فله دينار، فرده اثنان، وإن جاءوا جميعًا إلى الغاية في حالة واحدة.. لم يستحق واحد منهم شيئًا؛ لأنه لم يسبق بعضهم بعضًا.
وهكذا لو قال: من سبق منكم إلى الغاية.. فله عشرة، ومن صلى.. فله عشرة، وكان المتسابقون أكثر من اثنين.. صح؛ لأن كل واحد منهم يجتهد أن يكون سابقًا أو مصليًا. فمن سبق منهم إلى الغاية.. استحق العشرة، ومن صلى استحق العشرة أيضًا. ولا شيء لمن بعد المصلي. والمصلي: هو الثاني؛ لأن رأس فرس الثاني يكون عند صلا فرس الأول، فلهذا سمي مصليًا. قال الشاعر:
إن تبتدر غاية يومًا لمكرمة ... تلق السوابق منا والمصلينا
وإن جعل السبق لجميعهم، فإن لم يفاضل بينهم، بأن كانا اثنين، فقال: من سبق منكما فله عشرة، ومن صلى فله عشرة.. لم يصح؛ لأنه لا فائدة فيه؛ لأن كل واحد منهما يعلم أنه يستحق، سواء كان سابقا أو مسبوقًا فلا يجتهد.
следующие страницы →