Полный текст (7 092 стр.). Показаны 5076–5115 · переход к 5081.
стр. 5076
[فرع: علق طلاقها بمكالمتها وعلقت عتق عبدها بمكالمته]
وإن قال لها: إن بدأتك بالكلام فأنت طالق، ثم قالت له: إن بدأتك بالكلام فعبدي حر، فكلمها.. لم تطلق ولم يعتق عبده؛ لأن يمينه انحلت بيمينها، ويمينها انحلت بكلامه.
وإن قال لها: إن كلمتك فأنت طالق، وإن دخلت الدار فأنت طالق.. طلقت؛ لأنه كلمها باليمين الثانية. وإن أعاد اليمين الأولى.. طلقت؛ لأنه كلمها.
وإن قال لها: إن كلمتك فأنت طالق فاعلمي ذلك.. طلقت؛ لأنه كلمها بقوله: فاعلمي ذلك.
ومن أصحابنا من قال: إن وصله باليمين.. لم تطلق؛ لأنه من صلة الأول. والأول أصح.
[فرع: علق طلاقها بمكالمة اثنين أو أحدهما حتى قدوم الآخر]
وإن قال لها: أنت طالق إن كلمت زيدا وعمرا وبكر مع خالد - برفع بكر - فكلمت زيدا وعمرا.. طلقت؛ لأن اليمين على كلامهما وقد وجد، وقوله: (وبكر مع خالد) لا يتعلق باليمين؛ لأنه ليس بمعطوف على الأولين.
قال ابن الصباغ: وهذا فيه نظر؛ لأن ذلك يقتضي أن يكون كلامها لزيد وعمرو في حال كون بكر مع خالد، مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٤] [آل عمران: ١٥٤] ، فكانت هذه الجملة حالا من الأولى، فكذلك هاهنا.
فإن كلمت زيدا أو عمرا.. لم تطلق؛ لأن صفة الطلاق كلامهما.
فإن قال لها: أنت طالق إن كلمت زيدا وعمرا وخالدا، فكلمت بعضهم.. لم تطلق.
стр. 5077
وإن قال: أنت طالق إن كلمت زيدا ولا عمرا ولا خالدا، فكلمت واحدا منهم.. طلقت.
وإن قال لها: إن كلمت زيدا إلى أن يقدم عمرو، أو حتى يقدم عمرو فأنت طالق، فإن كلمت زيدا قبل قدوم عمرو.. طلقت. وإن كلمته بعد قدوم عمرو.. لم تطلق؛ لأن (حتى) و (إلى) للغاية، والغاية ترجع إلى الكلام لا إلى الطلاق، فيصير كقوله: أنت طالق إن كلمت زيدا إلى أن يشاء عمرو، أو حتى يشاء عمرو.
[مسألة: طلقها على مكثها وخروجها من ماء جار أو راكد أو كانت على سلم]
إذا كانت في ماء جار، فقال لها: إن أقمت في هذا الماء فأنت طالق، وإن خرجت منه فأنت طالق.. فأكثر أصحابنا قالوا: لا تطلق، سواء أقامت فيه أو خرجت منه؛ لأن الإشارة وقعت إلى الماء الذي هي فيه، فإذا ذهب وجاء غيره.. فلم تقم في الماء الذي تناولته اليمين، ولم تخرج منه.
وقال القفال: عندي أنها على قولين، كما لو قال لها: إن لم تشربي ماء هذا الكوز اليوم فأنت طالق، فانصب ذلك الماء.. فهل تطلق؟ على قولين.
فقال أبو علي السنجي: وهذا يشبه هذا، إلا أن الشرب قد فات من كل وجه، والمقام في ذلك الماء لم يفت بالجريان؛ لأنها لو جرت في ذلك الماء بجريان الماء.. لكان يحنث، فمكثها حتى جاوزها ذلك الماء خروج منه. ألا ترى أنه لو حول ذلك الماء في الكوز إلى دار، بحيث يمكنها الذهاب إليه للشرب في هذا اليوم، فلم تفعل.. تعلقت به اليمين؛ لأن الماء قائم يمكنها شربه؟
ولو قال لها: إن لم تخرجي من هذا النهر الآن فأنت طالق، فلم تخرج.. طلقت؛ لأن النهر اسم للمكان الذي فيه الماء، والخروج منه ممكن.
стр. 5078
وإن كانت في ماء راكد، فقال لها: إن أقمت في هذا الماء فأنت طالق، وإن خرجت منه فأنت طالق.. فالخلاص من الحنث: أن تحمل منه مكرهة عقيب يمينه.
وإن كانت على سلم، فقال لها: إن صعدته فأنت طالق، وإن نزلت منه فأنت طالق، وإن أقمت عليه فأنت طالق.. فالخلاص منه: أن تتحول إلى سلم آخر، أو تنزل منه مكرهة.
[فرع: علق طلاقها على ازدراد التمرة أو لفظها وغير ذلك]
وإن كان في فيها تمرة، فقال لها: إن أكلتها فأنت طالق، وإن رميتها فأنت طالق، وإن أمسكتها فأنت طالق.. فالخلاص من الحنث: أن تأكل بعضها؛ لأنها إذا فعلت ذلك.. فما أكلتها، ولا رمتها، ولا أمسكتها.
وإن قال لها: إن أكلتها فأنت طالق، وإن لم تأكليها فأنت طالق.. فحكى ابن الصباغ: أن الشيخ أبا حامد قال: إذا أكلت بعضها.. لم تطلق، قال ابن الصباغ: وهذا ليس بصحيح؛ لأنها إذا أكلت بعضها فما أكلتها، فيجب أن يحنث.
والذي قاله ابن الصباغ إنما يتصور الحنث في عدم أكلها إذا ماتت المرأة، أو تلف باقي التمرة قبل موتها، فأما قبل ذلك.. فلا يتصور الحنث في عدم أكلها. والذي رأيته في " التعليق " عن الشيخ أبي حامد: إذا قال: إذا أكلتيها فأنت طالق، وإن أخرجتيها فأنت طالق، فإذا أكلت بعضها.. لم يحنث؛ لأنها لم تأكلها ولم تخرجها.
وإن قال: إن أكلت هذه التمرة فأنت طالق، فرماها في تمر كثير واختلطت ولم تتميز، وأكل الجميع إلا تمرة واحدة، ولم يعلم أنها المحلوف عليها أو غيرها.. لم تطلق؛ لجواز أن تكون هي المحلوف عليها، والأصل بقاء النكاح وعدم وقوع الطلاق.
стр. 5079
[فرع: علق طلاقها على إخباره بعدد ما أكلت تمرا وغير ذلك]
وإن أكلت تمرا كثيرا، وقال: إن لم تخبريني بعدد ما أكلت فأنت طالق، أو قال: إن لم تخبريني بعدد حب هذه الرمانة قبل كسرها فأنت طالق.. فالخلاص من أن يحنث: أن تقول في الأولى: أكلت واحدة، أكلت اثنتين، أكلت ثلاثا، فلا تزال تعدد واحدة بعد واحدة حتى يتيقن أن عدد الذي أكلته قد دخل فيما أخبرته به. وكذلك تقول: عدد حب هذه الرمانة واحدة اثنتان، فتعدد واحدة بعد واحدة حتى يعلم أن عدد حبها قد دخل فيما أخبرت به.
وإن أكلا تمرا واختلط النوى، فقال لها: إن لم تميزي نوى ما أكلت، أو ما أكل كل واحد منها فأنت طالق، فميزت كل نواة وحدها.. لم تطلق؛ لأنها ميزت.
وإن اتهمها بسرقة شيء، فقال لها: أنت طالق إن لم تصدقيني أنك سرقت، فقالت: سرقت وما سرقت.. لم تطلق؛ لأنها صدقته في أحد الخبرين.
وإن قال لها: إن سرقت مني شيئا فأنت طالق، فسلم إليه دراهم أو غيرها، فأخذت من ذلك شيئا.. لم تطلق؛ لأن ذلك ليس بسرقة؛ بدليل: أنها لا تقطع.
[مسألة: علق طلاقهن على من يبشره بقدوم زيد]
إذا كان له زوجات، فقال لهن: من بشرتني بقدوم زيد فهي طالق، فقالت له واحدة منهن: قد قدم، وكانت صادقة.. طلقت لوجود الصفة. فإن أخبرته الثانية بقدومه.. لم تطلق؛ لأن البشارة: ما دخل بها السرور، وقد حصل ذلك بقول الأولى. وإن كانت الأولى كاذبة.. لم تطلق؛ لأنه لا بشارة في الكذب.
وإن قال لهن: من أخبرتني بقدوم زيد.. فهي طالق، فقالت له واحدة منهن: قد قدم.. طلقت، صادقة كانت أو كاذبة؛ لأن الخبر ما دخله الصدق أو الكذب. فإن
стр. 5080
أخبرته بقدومه بعدها ثانية وثالثة ورابعة.. طلقن؛ لأنه علق الطلاق بإخبارهن إياه بقدوم زيد، والخبر قد تكرر منهن فوقع الطلاق به.
هذا نقل الشيخ أبي حامد والبغداديين من أصحابنا.
وقال المسعودي [في " الإبانة "] : إذا قال: أيتكن أخبرتني بقدوم زيد فهي طالق، فأخبرته واحدة منهن، ولم يكن قادما.. لم تطلق.
وإن قال: أيتكن أخبرتني بأن زيدا قد قدم فهي طالق، فإذا أخبرته واحدة منهن بقدومه.. طلقت وإن لم يكن قادما؛ لأنه علق الطلاق بالإخبار، وقد وجد.
وإن قال: أيتكن بشرتني بقدوم زيد فهي طالق.. ففيه وجهان:
أحدهما: أنه كالإخبار على ما ذكره.
والثاني: أنه كما ذكره البغداديون.
[مسألة: علق طلاقها على مشيئتها]
وإن قال لها: أنت طالق إن شئت، فإن قالت في الحال: شئت وكانت صادقة.. وقع الطلاق ظاهرا وباطنا؛ لوجود الصفة. وإن كانت كاذبة.. وقع الطلاق في الظاهر، وهل يقع في الباطن؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يقع؛ لأن قولها (شئت) : إخبار عن مشيئتها بقلبها واختيارها للطلاق، فإذا لم تشأ ذلك بقلبها.. لم يقع في الباطن.
والثاني: يقع في الباطن؛ لأن الصفة قولها: (شئت) وقد وجدت، فوقع الطلاق ظاهرا وباطنا، كما لو علق الطلاق على دخولها الدار فدخلت.
وإن قالت: شئت إن شئت.. لم يقع الطلاق، سواء شاء الزوج أو لم يشأ؛ لأنه علق الطلاق على مشيئتها ولم توجد منها المشيئة، وإنما وجد منها تعليق المشيئة بمشيئته، فهو كما لو قالت: شئت إذا طلعت الشمس.
стр. 5081
[فرع: علق طلاقها على مشيئة زيد أو مشيئتهما معا]
وإن قال: أنت طالق إن شاء زيد، فإن قال زيد على الفور: شئت.. وقع الطلاق. وإن لم يشأ على الفور.. لم يقع الطلاق.
وإن قال: أنت طالق إن شئت وزيد، فإن قالا في الحال: شئنا.. وقع الطلاق. وإن شاء أحدهما دون الآخر.. لم يقع الطلاق؛ لأنه علق الطلاق بمشيئتهما، وذلك لا يوجد بمشيئة أحدهما. وإن قالت: شئت إن شاء زيد، فقدم زيد: شئت.. لم تطلق؛ لأنها لم توجد منها المشيئة، وإنما وجد منها تعليق المشيئة.
[فرع: علق طلاقها على مشيئتها فشاءت مجنونة أو صغيرة وغير ذلك]
وإن علق الطلاق على مشيئتها، فشاءت وهي مجنونة.. لم تطلق؛ لأن المجنونة لا مشيئة لها. وإن شاءت وهي سكرانة.. فهي كما لو طلق السكران. وإن شاءت وهي صغيرة.. ففيه وجهان:
[أحدهما] : قال ابن الحداد: لا تطلق؛ لأن ذلك خبر عن مشيئتها واختيارها للطلاق، والصغيرة لا يقبل خبرها.
والثاني: تطلق؛ لأن الصفة قولها: (شئت) وقد وجد ذلك منها، فهو كما لو علق الطلاق على دخولها الدار فدخلت. ولأن لها مشيئة، ولهذا يرجع إلى اختيارها لأحد الأبوين.
وإن كانت خرساء، فأشارت إلى المشيئة.. وقع الطلاق، كما إذا أشار الأخرس إلى الطلاق. وإن كانت ناطقة وقت اليمين فخرست فأشارت.. ففيه وجهان:
أحدهما: لا يقع الطلاق؛ لأن مشيئتها كانت بالنطق.
стр. 5082
والثاني: يقع اعتبارا بحالها وقت المشيئة.
وإن قال: أنت طالق إن شاء الحمار.. فهو كما لو قال: أنت طالق إن طرت أو صعدت السماء.
[فرع: علق طلاقها على محبتها وغيره أو إذا لم يجر غريمه على الشوك]
وإن قال لها: أنت طالق إن كنت تحبينني، أو إن كنت تبغيضيني، أو إن كنت معتقدة لكذا، أو محبة لكذا.. رجع في ذلك إليها؛ لأنه لا يعلم إلا من جهتها.
قال الصيمري: وإن قال لغريمه: امرأتي طالق إن لم أجرك على الشوك ولا نية له.. فقد قيل: إذا ماطله مطالا بعد مطال.. بر في يمينه.
[فرع: طلق لرضا إنسان]
وإن قال: أنت طالق لفلان، أو لرضا فلان، ولا نية له.. طلقت في الحال؛ لأن معناه: لأجل فلان ولكي يرضى فلان، فصار كقوله لعبده: أنت حر لوجه الله، أو لرضا الله تعالى.
وإن قال: أردت أن رضا فلان شرط في وقوع الطلاق.. فهل يقبل في الحكم؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يقبل؛ لأنه يعدل بالكلام عن ظاهره، فلم يقبل، كما لو قال: أنت طالق، ثم قال: أردت إذا دخلت الدار.
فعلى هذا: يدين فيما بينه وبين الله تعالى؛ لأنه يحتمل ما يدعيه.
والثاني: يقبل في الحكم؛ لأن قوله: (لفلان، أو لرضا فلان) يحتمل التعليل والشرط، فإذا أخبر أنه أراد أحدهما.. قبل.
стр. 5083
[مسألة: علق طلاقها على مكالمتها أو دخول دارها مستعملا حروف عطف]
وإن قال لها: إن كلمتك أو دخلت دارك فأنت طالق، فإن كلمها أو دخل دارها.. طلقت.
وإن قال لها: إن كلمتك ودخلت دارك فأنت طالق.. لم تطلق إلا بالدخول والكلام، سواء تقدم الدخول أو الكلام؛ لأن (الواو) تقتضي الجمع دون الترتيب.
وإن قال: إن كلمتك فدخلت دارك فأنت طالق.. لم تطلق حتى يكلمها ويدخل دارها ويكون دخوله الدار عقيب كلامها؛ لأن حكم (الفاء) في العطف الترتيب والتعقيب.
وإن قال لها: أنت طالق إن كلمتك ثم دخلت دارك.. لم تطلق حتى يكلمها ويدخل دارها بعد كلامها بمدة، سواء طالت المدة أو لم تطل؛ لأن (ثم) تقتضي الترتيب والمهلة.
وإن قال: إن كلمتك وإن دخلت دارك فأنت طالق.. طلقت بكل واحدة منهما طلقة؛ لأنه كرر حرف الشرط، فكان لكل واحد منهما جزاء.
[فرع: قوله أنت طالق لو دخلت الدار]
قال ابن الصباغ: إذا قال لها: أنت طالق لو دخلت الدار.. فقد قال بعض أصحابنا: يقع الطلاق؛ لأن (لو) تقتضي الجواب؛ لأن معناه: لو دخلت الدار لكان كذا وكذا، فلما قطع الجواب.. وقع الطلاق، كأنه أراد أن يجعله يمينا، فلم يجعله، فصار واقعا.
وحكي عن أبي يوسف: أنه قال: يكون بمنزلة قوله: إن دخلت الدار.
стр. 5084
[فرع: علق طلاق زوجتيه بدخول الدار أو بأكل رغيف]
فرع: [علق طلاق زوجتيه بدخولهما دارين وغير ذلك أو إحداهما بأكل رغيف أجزاء] :
وإن قال لامرأتين له: إن دخلتما هاتين الدارين فأنتما طالقان، فإن دخلت كل واحدة منهما الدارين.. طلقتا. وإن دخلت إحداهما إحدى الدارين، والأخرى الدار الأخرى.. ففيه وجهان:
أحدهما: تطلقان؛ لأنهما دخلتا الدارين.
والثاني: لا تطلق واحدة منهما؛ لأنه يقتضي دخول كل واحدة منهما الدارين.
وإن قال لهما: أنتما طالقان إن ركبتما هاتين الدابتين، فركبت كل واحدة منهما دابة.. فعلى الوجهين في الأولى.
وإن قال: إن أكلتما هذين الرغيفين فأنتما طالقان، فأكلت كل واحدة منهما رغيفا.. قال الشيخ أبو إسحاق: فيه وجهان، كالدارين.
قال ابن الصباغ: وينبغي أن يقع الطلاق هاهنا وجها واحدا؛ لأن اليمين واحدة، واليمين لا تنعقد على أن تأكل كل واحدة منهما الرغيفين، بخلاف دخول الدارين.
وإن قال لها: أنت طالق إن أكلت هذا الرغيف، وأنت طالق إن أكلت نصفه، وأنت طالق إن أكلت ربعه، فإن أكلت جميع الرغيف.. طلقت ثلاثا.
قال الصيمري: وإن أكلت نصفه.. طلقت ثلاثا. ولم يذكر توجيهه! فيحتمل أنه أراد لأنه وجد بأكل نصفه ثلاث صفات: أكل نصفه وأكل ربعيه، إلا أن حرف (إن) لا يقتضي التكرار. ألا ترى أنه لو قال: أنت طالق إن أكلت ربعه فأكلت نصفه.. لم تطلق إلا واحدة، وينبغي أن لا تطلق إلا طلقتين؛ لأنه وجد صفتان، وهو أكل ربعه وأكل نصفه.
стр. 5085
[فرع: علق الطلاق على دخولها لمكانين]
قال ابن الصباغ: إذا قال: إن دخلت الدار، وإن دخلت هذه الأخرى فأنت طالق.. لم تطلق إلا بدخولهما؛ لأنه علق الطلاق بدخولهما.
وإن قال: أنت طالق إن دخلت هذه الدار، وإن دخلت الأخرى.. طلقت بدخول كل واحدة منهما، ويفارق الأولى؛ لأنه جعل الطلاق جوابا لدخولهما.
[مسألة: علق طلاقها على شرط من شرط]
] : إذا قال: أنت طالق إن كلمت زيدا إن كلمت عمرا إن ضربت بكرا.. لم تطلق حتى تضرب بكرا أولا، ثم تكلم عمرا، ثم تكلم زيدا؛ لأن الشرط دخل على الشرط.. فتعلق الأول بالثاني، كقوله تعالى: ﴿وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ [هود: ٣٤] [هود: ٣٤] ، وتقديره: إن كان الله يريد أن يغويكم.. فلا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم.
وإن قال: إن أكلت إن دخلت الدار فأنت طالق، أو أنت طالق إن أكلت متى دخلت الدار، أو متى أكلت متى دخلت الدار.. لم تطلق حتى تدخل الدار أولا، ثم تأكل؛ لما ذكرناه. وكذلك إذا قال لها: أنت طالق إن ركبت، إن لبست.. لم تطلق حتى تلبس ثم تركب.
وإن قال لها: أنت طالق إذا قمت إذا قعدت.. لم تطلق حتى تقعد أولا ثم تقوم.
وإن قال: أنت طالق إن أعطيتك إن وعدتك إن سألتني.. لم تطلق حتى تسأله، ثم يعدها، ثم يعطيها.
[فرع: علق الطلاق بأن دخلت الدار أو بما يفيد التعليل]
وإن قال لها: أنت طالق أن دخلت الدار، أو أن كلمتني - بفتح الهمزة - فالذي ذكر الشيخ أبو حامد: إن لم يكن الحالف من أهل الإعراب.. كان ذلك بمنزلة قوله - بكسر الهمزة - وإن كان من أهل الإعراب.. وقع الطلاق في الحال؛ لأن (أن) المفتوحة
стр. 5086
ليست للشرط، وإنما هي للتعليل، كأنه قال: أنت طالق لأنك دخلت الدار، أو لأنك كلمتني.
وقال القاضي أبو الطيب: يقع الطلاق في الحال، إلا إن كان الحالف من غير أهل الإعراب وقال: أردت به الشرط.. فيقبل؛ لأن الظاهر أنه إذا لم يكن من أهل الإعراب: أنه لا يفرق بين المفتوحة والمكسورة.
قال ابن الصباغ: وهذا أولى؛ لأنه قبل أن يتبين لنا مراده.. يجب حمل لفظه على مقتضاه في اللغة، فلا يكون لعدم معرفته بالكلام تصرف عما يقتضيه بغير قصده.
[فرع: علق طلاقها بقوله إن دخلت الدار أنت طالق أو وأنت طالق]
قال أبو العباس: وإن قال: إن دخلت الدار أنت طالق بحذف الفاء.. لم تطلق حتى تدخل الدار.
وقال محمد بن الحسن: يقع الطلاق في الحال.
دليلنا: أن الشرط يثبت بقوله: (إن دخلت الدار) ، ولهذا: لو قال: أنت طالق إن دخلت الدار.. ثبت الشرط وإن لم يأت بالفاء.
وإن قال: إن دخلت الدار وأنت طالق.. سئل، فإن قال: أردت الطلاق في الحال.. قبل قوله من غير يمين؛ لأنه أقر بما هو أغلظ عليه.
وإن قال: أردت بدخولها الدار وطلاقها شرطين لعتق أو طلاق غيرها، وهو أني أردت أن أقول: إن دخلت الدار وأنت طالق فامرأتي الأخرى طالق، أو عبدي حر، ثم سكت عن طلاق الأخرى، وعن عتق العبد.. قبل قوله مع يمينه؛ لأنه يحتمل ما يدعيه.
وإن قال: أردت أن أقول: إن دخلت الدار فأنت طالق، وأقمت (الواو) مقام (الفاء) .. قبل قوله مع يمينه؛ لأنه يحتمل ما يدعيه.
стр. 5087
[مسألة: قال لامرأته وأجنبية إحداكما طالق أو ذكر اسما مشتركا بينهما]
وإن قال لامرأته وأجنبية: إحداكما طالق.. سئل عن ذلك، فإن قال: أردت به الزوجة.. قبل. وإن قال: أردت به الأجنبية، وقالت الزوجة: بل أردتني.. فالقول قوله مع يمينه: أنه ما أرادها وإنما أراد الأجنبية؛ لأن الطلاق إنما يقع على امرأته؛ بأن يشير إليها أو يصفها، وقوله: (إحداكما) ليس بإشارة إليها ولا بصفة لها، فلم يقع عليها الطلاق.
وإن كانت له زوجة اسمها زينب، وجارة اسمها زينب، فقال: زينب طالق، وقال: أردت الجارة، وقالت زوجته: بل أردتني.. فهل يقبل قوله في الحكم مع يمينه؟ اختلف أصحابنا فيه:
فقال القاضي أبو الطيب: يقبل قوله مع يمينه، كما لو قال لزوجته وأجنبية: إحداكما طالق.
وقال أكثر أصحابنا: لا يقبل؛ لأن هذا الاسم يتناول زوجته وجارته تناولا واحدا، فإذا أوقع الطلاق على من هذا اسمها.. كان منصرفا في الظاهر إلى زوجته. ويخالف قوله: (إحداكما) ؛ لأنه لا يتناول زوجته والأجنبية تناولا واحدا، وإنما يتناول إحداهما دون الأخرى، فإذا أخبر: أنه أراد به الأجنبية دون زوجته.. قبل منه؛ لأن دعواه لا تخالف الظاهر.
[مسألة: نادى زينب فأجابته عمرة فقال أنت طالقة وأشار إلى عمرة]
مسألة: [نادى زينب فأجابته عمرة فقال: أنت طالقة أو قال: يا زينب أنت طالقة وأشار إلى عمرة] :
وإن كان له زوجتان - زينب وعمرة - فقال: يا زينب، فأجابته عمرة، فقال: أنت طالق.. سئل عن ذلك، فإن قال: علمت أن التي أجابتني عمرة، ولكني لم أرد طلاقها، وإنا أردت طلاق زينب.. طلقت زينب ظاهرا وباطنا؛ لأنه اعترف أنه طلقها، وطلقت عمرة بالظاهر؛ لأنه خاطبها بالطلاق، فالظاهر أنه أراد طلاقها، ويدين فيما بينه وبين الله تعالى؛ لأن ما قاله يحتمل ذلك.
стр. 5088
وإن قال: ما علمت أن التي أجابتني عمرة، بل ظننتها زينب وإياها طلقت.. قال الشيخ أبو حامد: فالحكم فيها كالأولى، وهو: أن زينب تطلق ظاهرا وباطنا؛ لاعترافه بذلك. وتطلق عمرة في الظاهر دون الباطن؛ لأنه واجهها بالخطاب بالطلاق.
وإن قال: طلقت التي أجابتني ولكن ظننتها زينب.. طلقت عمرة ولم تطلق زينب؛ لأنه أشار بالطلاق إلى عمرة وإن ظنها زينب، فهو كما لو قال لأجنبية: أنت طالق، وقال: ظننتها زوجتي.. لم تطلق زوجته؛ لأن الطلاق انصرف بالإشارة إلى التي أشار إليها دون التي ظنها.
وإن قال: أردت عمرة، وإنما ناديت زينب لآمرها بحاجة.. طلقت عمرة؛ لأنه خاطبها بالطلاق، ولا تطلق زينب؛ لأن النداء لا يدل على الطلاق.
وإن قال: يا زينب أنت طالق وأشار إلى عمرة.. سئل عن ذلك، فإن قال: قد علمت أن التي أشرت إليها هي عمرة، ولكني لم أردها بالطلاق، وإنما أردت طلاق زينب.. طلقت زينب ظاهرا وباطنا؛ لاعترافه بذلك، وطلقت عمرة في الظاهر؛ لإشارته بالطلاق إليها، ويدين فيما بينه وبين الله تعالى؛ لأن الحال يحتمل ما يدعيه.
وإن قال: لم أعلم أن هذه التي أشرت إليها عمرة، بل ظننتها زينب، ولم أرد بالطلاق إلا هذه التي أشرت إليها.. طلقت عمرة، ولا تطلق زينب؛ لأنه قد أشار بالطلاق إليها ولم يرد به غيرها، واعتقاده أن هذه المشار إليها زينب لا يضر، كما لو قال لأجنبية: أنت طالق وقال: ظننتها زوجتي.. فإن زوجته لا تطلق.
[فرع: علق طلاقهما بقوله كلما ولدت إحداكما ولدا]
] . وإن كان له زوجتان - زينب وعمرة - فقال: كلما ولدت إحداكما ولدا فأنتما طالقان، فولدت زينب يوم الخميس ولدا، ثم ولدت عمرة يوم الجمعة ولدا، ثم ولدت زينب يوم السبت ولدا، ثم ولدت عمرة يوم الأحد ولدا.. فإن زينب لما ولدت يوم الخميس.. وقع على كل واحدة منهما طلقة، فلما ولدت عمرة يوم الجمعة
стр. 5089
وقع على كل واحدة منهما طلقة ثانية، فلما ولدت زينب يوم السبت.. وقع على عمرة طلقة ثالثة ولم يقع على زينب بذلك طلاق؛ لأن عدتها انقضت بوضعه - إلا على الحكاية التي حكاها ابن خيران - فلما ولدت عمرة يوم الأحد.. انقضت عدتها به.
[مسألة: علق على وقوع الطلاق طلاقا قبله بالثلاث أو ما يسمى بطلاق التنافي]
إذا قال لامرأته: متى وقع عليك طلاقي، أو إذا وقع عليك طلاقي فأنت طالق قبله ثلاثا، ثم قال لها: أنت طالق.. فقد اختلف أصحابنا فيه:
فمنهم من قال: يقع عليها الطلاق الذي باشر إيقاعه - وحكاه القاضي أبو الطيب عن شريح وابن القاص، وهو اختيار ابن الصباغ - لأنه زوج مكلف أوقع الطلاق مختارا فوجب أن يقع، ولا يقع الثلاث قبله؛ لأن وقوعها يوجب ارتفاع الطلاق المباشر، ولا يصح رفع طلاق واقع. ولأنه لو قال لها: إذا انفسخ نكاحك فأنت طالق قبله ثلاثا، ثم ارتد أو أحدهما، أو اشتراها.. لوقع الفسخ ولم تطلق الثلاث قبله، كذلك هذا مثله.
وقال أبو عبد الله - ختن الإسماعيلي -: تقع الطلقة التي باشر إيقاعها، ويقع تمام الثلاث من الثلاث المعلقة بالصفة، وبه قال أصحاب أبي حنيفة.
وقال أكثر أصحابنا: لا يقع عليها الطلاق المباشر ولا الطلاق بالصفة، بل هذا حيلة لمن أراد أن لا يقع على امرأته الطلاق بعد ذلك. وبه قال المزني، والشيخان: أبو حامد، وأبو إسحاق، والقفال، وابن الحداد، والقاضي أبو الطيب، والمحاملي، والصيدلاني. وهو الأصح؛ لأنه لو وقع الطلاق الذي باشر إيقاعه.. وقع قبله الثلاث بالصفة، ولو وقع الثلاث قبله.. لم يقع الطلاق المباشر، وما أدى إثباته إلى إسقاطه.. سقط إثباته؛ قياسا على ما قاله الشافعي فيمن زوج عبده بحرة بألف في الذمة وضمنها السيد عنه، ثم باع السيد منها زوجها بالألف قبل الدخول: (أن البيع لا يصح) ؛ لأن إثبات البيع يؤدي إلى إسقاطه فسقط إثباته؛ لأنها إذا ملكت
стр. 5090
زوجها.. انفسخ النكاح، وإذا انفسخ النكاح.. سقط المهر؛ لأن الفسخ من جهتها، وإذا سقط المهر.. سقط الثمن، وإذا سقط الثمن.. بطل البيع.
وأما الجواب عما ذكره الأول: فمنتقض بالثلاث المعلقة بالصفة؛ فإنه قد أوقعها وهو زوج مكلف مختار، ولم تقع. وأما الفسخ: فإنما وقع؛ لأن إثباته لا يؤدي إلى إسقاطه، بخلاف الطلاق.
إذا ثبت هذا: فقد ذكر أصحابنا في طلاق التنافي مسائل:
إحداهن: المسألة التي مضت.
والثانية - ذكرها المزني في " المنثور " -: إذا قال لها: إذا طلقتك طلاقا أملك به عليك الرجعة فأنت طالق قبله ثلاثا، فإن طلق المدخول بها طلقة أو طلقتين بغير عوض.. لم يقع عليها طلاق؛ لأنه لو وقع عليها ذلك.. لملك عليها الرجعة، ولو ملك عليها الرجعة.. لوقع الثلاث قبله، ولو وقع الثلاث قبله.. لم يقع ما بعده.
وإن أوقع عليها الثلاث أو ما دون الثلاث بعوض، أو كانت غير مدخول بها.. وقع عليها الطلاق المباشر؛ لأنه لا يملك به الرجعة عليها، فلا يوجد صفة الثلاث قبله.
الثالثة: إذا قال لها: إذا طلقتك ثلاثا فأنت طالق قبله ثلاثا، فإن طلقها ثلاثا.. لم يقع؛ لما ذكرناه. وإن طلقها واحدة أو اثنتين.. وقع ذلك.
الرابعة: إذا قال لها: أنت طالق اليوم ثلاثا إن طلقتك غدا، فإن طلقها غدا.. لم يقع عليها طلاق. وإن طلقها بعد غد.. وقع عليها ما أوقعه.
الخامسة: إذا قال لغير المدخول بها: أنت طالق طلقة قبل طلقة.. فهل يقع عليها طلقة؟ فيه وجهان مضى ذكرهما.
السادسة: رجل قال لامرأته: إن لم أحج في هذه السنة فأنت طالق ثلاثا، ثم قال لها قبل أن يحنث: إن حنثت في هذه اليمين فأنت طالق ثلاثا قبل حنثي.. قال القاضي
стр. 5091
أبو الطيب: وهذه تعرف بالعمانية؛ لأنها وقعت في عمان وكتبوها إلى بغداد، واختلف فيها القائلون بأن طلاق التنافي لا يقع.
فمنهم من قال: لا تنحل اليمين الأولى، فإن لم يحج في سنته.. طلقت؛ لأن عقد اليمين قد صح فلم يرتفع.
ومنهم من قال: تنحل اليمين الأولى، قال القاضي أبو الطيب: وأفتيت بذلك وبه أعمل؛ لأنه يعد هذا القول كقوله قبله، فلو وقع الطلاق بالحنث.. لوقع الثلاث قبلها، ولو وقع الثلاث قبلها.. لم يقع الطلاق بالحنث. والقول الأول أن عقد اليمين إذا صح.. لم يرتفع لا يصح؛ لأنه يجوز أن يعلق الطلاق بصفة ثم يسقط حكمه بصفة أخرى، بأن يقول: إذا جاء رأس الشهر فأنت طالق ثلاثا، ثم يقول لزوجته: أنت طالق الآن.
السابعة: إذا قال لزوجته: متى دخلت جاريتي الدار وأنت زوجتي فهي حرة، ومتى عتقت فأنت طالق ثلاثا قبل عتقها بثلاثة أيام، فمضت ثلاثة أيام، ثم دخلت الأمة الدار.. لم تعتق الأمة ولم تطلق الزوجة؛ لأنا لو أعتقناها لوجدت الصفة بالطلاق الثلاث قبله؛ لأنها عتقت وقد قال لها: إذا عتقت فأنت طالق قبله ثلاثا بثلاثة أيام، وإذا وقع الطلاق الثلاث قبله.. لم تكن له زوجة في حال دخولها الدار، وإذا لم توجد صفة الزوجية.. لم تعتق، وإذا لم تعتق.. لم يقع الطلاق.
الثامنة: قال ابن الحداد: إذا كان عبد بين شريكين، فقال أحدهما للآخر: متى أعتقت نصيبك منه فنصيبي منه حر قبل عتقك إياه بثلاثة أيام - وهما موسران - فأمهل المقول له ثلاثا فأكثر، ثم أعتق نصيبه.. لم يعمل عتقه؛ لأنه لو عمل.. لدل على وقوع عتق صاحبه قبله، ولو وقع عتق صاحبه قبل عتقه.. لما وقع عتقه، وإذا لم يقع عتقه.. لم توجد الصفة في وقوع عتق الذي خاطبه.
стр. 5092
قال القاضي أبو الطيب: لا يحتاج إلى قوله بثلاث، بل يكفي قوله قبل عتقك، ولا يحتاج إلى يسار المقول له، وإنما يحتاج إلى يسار القائل وحده، فإذا أعتق المقول له نصيبه.. لم يعتق؛ لأنه لو عتق نصيبه.. لعتق نصيب القائل قبله، ولو عتق نصيب القائل.. لسرى إلى نصيب المقول له؛ لأنه موسر، وإذا سرى إلى نصيبه.. لم يصح إعتاقه لنصيبه، فكأن إثبات عتق نصيبه يؤدي إلى إسقاطه، فسقط حكم إثباته.
[مسألة: علق طلاقه على صفة ثم أبان زوجته ثم تزوجها ثم وجدت الصفة]
إذا علق طلاق امرأته على صفة فبانت منه قبل وجود الصفة، ثم تزوجها، ثم وجدت الصفة في النكاح الثاني.. فهل يعود حكم الصفة وتطلق؟ فيه قولان.
قال في القديم: (إن أبانها بدون الثلاث.. عاد حكم الصفة قولا واحدا، وإن أبانها بالثلاث.. فهل يعود حكم الصفة؟ فيه قولان) .
وقال في الجديد: (إن أبانها بالثلاث ثم تزوجها.. فإن حكم الصفة لا يعود قولا واحدا، وإن أبانها بدون الثلاث.. فهل يعود حكم الصفة؟ فيه قولان) .
فالقديم أقرب إلى عود الصفة، فحصل في المسألتين ثلاثة أقوال:
أحدها: لا يعود حكم الصفة، سواء بانت بالثلاث أو بما دونها - وهو اختيار المزني وأبي إسحاق المروزي - لقوله ﷺ : «لا طلاق قبل نكاح» فلو قلنا: يعود حكم الصفة.. لكان هذا طلاقا قبل نكاح؛ لأنه عقد قبل هذا النكاح، فلم نحكم
стр. 5093
بوقوعه، كما لو قال لأجنبية: إن دخلت الدار فأنت طالق، ثم تزوجها، ثم دخلت الدار.
والثاني: يعود حكم الصفة، سواء بانت بالثلاث أو بما دونها، وبه قال أحمد.
وقال الشيخ أبو إسحاق والمحاملي: وهو الأصح؛ لأن عقد الطلاق والصفة وجدا في ملك، فهو كما لو لم يتخللهما بينونة.
والثالث: أنه إن بانت بما دون الثلاث ثم تزوجها.. عاد حكم الصفة، وإن بانت بالثلاث ثم تزوجها.. لم يعد حكم الصفة -- وبه قال مالك وأبو حنيفة - لأنها إذا بانت بما دون الثلاث.. فإن أحد النكاحين يبنى على الآخر في عدد الطلاق، فكذلك في حكم الصفة. وإذا بانت بالثلاث.. فإن أحدهما لا يبنى على الآخر في عدد الطلاق، فكذلك في حكم الصفة.
[فرع: علق عتق عبده على صفة فباعه ثم اشتراه ثم وجدت الصفة]
وإن قال لعبده: إن دخلت الدار فأنت حر، فباعه ثم اشتراه ثم دخل الدار.. ففيه وجهان:
[أحدهما] : من أصحابنا من قال: حكمه حكم الزوجة إذا بانت بما دون الثلاث؛ لأنه يمكنه أن يشتريه بعد أن باعه، كما يمكنه أن يتزوج البائن بما دون الثلاث قبل زوج.
فعلى هذا: يعود حكم الصفة على القول القديم قولا واحدا. وعلى القول الجديد: هل يعود حكم الصفة؟ على قولين.
و [الثاني] : منهم من قال: حكمه حكم الزوجة إذا بانت بالثلاث؛ لأن علائق الملك قد زالت بالبيع، كما زالت بالبينونة بالثلاث.
فعلى هذا: لا يعود حكم الصفة على القول الجديد قولا واحدا، وعلى القول القديم هي على قولين.
стр. 5094
[فرع: الخلاص لمن علق طلاقها بالثلاث على صفة]
وإن علق طلاق امرأته على صفة بحرف لا يقتضي التكرار، مثل أن قال: إن كلمت زيدا فأنت طالق ثلاثا، فأبانها قبل كلامها لزيد، فكلمت زيدا في حال البينونة، ثم تزوجها.. فإن حكم الصفة لا يعود، فإن كلمته بعد النكاح.. لم تطلق.
وهذه حيلة في إبطال تعليق الطلاق الثلاث بصفة، بأن يخالعها بما دون الثلاث، أو بلفظ الخلع - إذا قلنا: إنه فسخ - ثم توجد الصفة في حال البينونة إن كانت الصفة غير وطئها، ثم يتزوجها، فلا يعود حكم الصفة، فأما إذا كانت الصفة وطأها.. فلا نأمره بهذه الحيلة؛ لأنه لا يحل له وطؤها في حال البينونة، فإن خالف ووطئها.. تعلق به حكم الوطء المحرم، وانحلت الصفة.
وكذلك إذا قال لعبده: إن دخلت الدار فأنت حر، فباعه ثم دخل الدار، ثم اشتراه.. فإن حكم الصفة لا يعود.
وقال أبو سعيد الإصطخري: يعود حكم الصفة - وبه قال مالك وأحمد - لأن عقد الصفة مقدر بالملك، فصار كما لو قال: إن دخلت الدار وأنت زوجتي فأنت طالق، أو قال لعبده: إن دخلت الدار وأنت عبدي فأنت حر.
وهذا غلط؛ لأن اليمين إذا علقت بصفة.. فإنها تتعلق بالصفة التي علق بها اللفظ، ولا تعتبر صفة أخرى لم يتلفظ بها، كما لو قال لها: إن دخلت هذه الدار فأنت طالق، فباع الدار ودخلتها.
وإن كان بحرف يقتضي التكرار، بأن قال لها: كلما دخلت الدار فأنت طالق، فأبانها ودخلت الدار في حال البينونة، ثم تزوجها ودخلت الدار في حال النكاح الثاني.. لم تطلق بدخولها الدار في حال البينونة. وهل تطلق بدخولها الدار بعد النكاح الثاني؟ على الأقوال الثلاثة في التي قبلها.
وبالله التوفيق
стр. 5095
[باب الشك في الطلاق واختلاف الزوجين فيه]
إذا شك الرجل: هل طلق امرأته أم لا؟ لم يلزمه الطلاق - وهو إجماع - لأن الأصل بقاء النكاح وعدم الطلاق.
وقال الشافعي: (والورع والاحتياط أن يحنث نفسه، فإن كان يعرف من عادته أنه إذا طلق امرأته طلق واحدة أو اثنتين.. راجعها، وإن كان يعرف من عادته أنه يطلق الثلاث.. طلقها ثلاثا، فتحل لغيره بيقين) .
وإن تيقن أنه طلق امرأته وشك: هل طلق واحدة أو اثنتين أو ثلاثا؟ لم يلزمه إلا الأقل، والورع أن يلتزم الأكثر. وبه قال أبو حنيفة ومحمد وأحمد.
وقال مالك وأبو يوسف: (يلزمه الأكثر) .
دليلنا: أن ما زاد على القدر الذي يتيقنه.. طلاق مشكوك فيه فلم يلزمه، كما لو شك في أصل الطلاق.
стр. 5096
[مسألة: طلق إحداهما وجهلها]
إذا كان تحته زوجتان، فطلق إحداهما وجهلها.. نظرت: فإن طلق إحداهما بعينها ثم نسيها، أو رأى شخصها في ظلمة أو سمع كلامها فقال لها: أنت طالق، ولم يدر أيتهما هي.. فإنه يتوقف عن وطئهما حتى يتبين عين المطلقة منهما؛ لأنه قد تحقق التحريم في إحداهما، فلم يحل له وطء واحدة منهما قبل البيان، كما لو اختلطت امرأته بأجنبية فلم يعرفها. ويرجع في البيان إليه؛ لأنه هو المطلق، فكان أعرف بعين من طلقها. وليس البيان إلى شهوته - وهو: أن يعين الطلاق فيمن يشتهي منهما - وإنما يرجع إلى نفسه ويتذكر من التي طلقها منهما، ويستدل على ذلك من نفسه فيخبر عنها، ويؤخذ بنفقتهما؛ لأنهما محبوستان عليه.
فإن قال: طلقت هذه.. حكم عليها بالطلاق من حين طلق، ويكون ابتداء عدتها من ذلك الوقت لا من حين عين؛ لأنه أخبر عن عين المطلقة منهما وقت طلاقه. فإن كذبته المعينة.. لم يفد تكذيبها له. وإن كذبته الأخرى وادعت: أنها هي المطلقة.. حلف لها؛ لأن الأصل عدم طلاقها. وإن أقر: أن التي طلقها هي الثانية بعد الأولى.. حكم بطلاقها بإقراره.
فإن قال: طلقت هذه، لا بل هذه.. طلقتا جميعا في الحكم؛ لأنه أقر بطلاق الأولى فقبل منه، ثم رجع عن ذلك وأخبر بطلاق الثانية، فلزمه حكم إقراره الثاني، ولم يقبل رجوعه عن طلاق الأولى.
وإن قال: لم أطلق هذه.. قال الشيخ أبو حامد: حكم عليه بطلاق الأخرى؛ لأنا قد تيقنا أنه طلق إحداهما، فإذا قال: لم أطلق هذه.. كان اعترافا منه بأن التي طلقها هي الأخرى.
стр. 5097
[فرع: طلق إحداهن بعينها وأشكلت أو بدون تعيين ولا نية]
] : وإن كان له ثلاث زوجات، فطلق واحدة بعينها وأشكلت، فقال: طلقت هذه، لا بل هذه، لا بل هذه. أو: طلقت هذه، بل هذه، بل هذه.. طلقن جميعا؛ لأنه أقر بطلاق الأولى فقبل، ثم رجع عن طلاقها وأقر بطلاق الثانية، ثم رجع عن طلاق الثانية وأقر بطلاق الثالثة.. فلزمه حكم إقراره ولم يقبل رجوعه، كما لو قال: له علي درهم، بل دينار، بل ثوب.
وإن قال: طلقت هذه، بل هذه أو هذه.. طلقت الأولى وواحدة من الأخريين، ويلزمه أن يعين الطلاق في إحدى الأخريين.
وإن قال: طلقت هذه أو هذه، لا بل هذه.. طلقت الثالثة وإحدى الأوليين، ويلزمه التعيين في إحدى الأوليين.
وإن قال: طلقت هذه وهذه، أو هذه.. طلقت الأوليان أو الثالثة، ويلزمه البيان.
وإن قال: طلقت هذه، أو هذه وهذه.. طلقت الأولى أو الأخريان، ويلزمه البيان.
وقال أبو العباس: تطلق الثالثة وإحدى الأوليين؛ لأنه عدل عن لفظ الشك إلى (واو) العطف، فينبغي أن لا يشاركها في الشك، فتكون معطوفة على الجملة.
وإن كن أربعا، فقال: طلقت هذه أو هذه، بل هذه أو هذه.. طلقت إحدى الأوليين وإحدى الأخريين وأخذ ببيانهما.
وإن قال: هذه، ثم قال بعد ذلك: لا أدري أن التي عينتها هي المطلقة أو غيرها.. لزمه الطلاق في التي عينها، ووقف عن وطء الباقيات إلى أن يتبين أن التي طلقها هي التي عين أو غيرها.
وإن قال: التي عينتها ليست المطلقة.. لم يقبل رجوعه عن طلاق المعينة، ولزمه أن يعين واحدة من الباقيات للطلاق؛ لأن هذه يتضمن الإقرار بأن واحدة من الباقيات مطلقة، فلزمه بيانها.
стр. 5098
وإن وطئ إحداهن.. لم يكن ذلك تعيينا للطلاق في غير الموطوءة؛ لأن الطلاق لا يقع بالفعل، فكذلك البيان لا يقع بالفعل. ويؤخذ بالبيان، فإن عين الطلاق في غير الموطوءة.. علمنا أنه إنما وطئ زوجته، وإن عين الطلاق في الموطوءة.. وجب عليه لها مهر المثل للوطء بعد الطلاق؛ لأنه وطء شبهة.
وأما إذا طلق واحدة من نسائه لا بعينها، بأن قال: إحداكن طالق، ولم يعين بقلبه واحدة بعينها منهن.. وقع الطلاق على واحدة منهن لا بعينها؛ لأن الطلاق يقع مع الجهالة.
وقال مالك: (يقع على جميعهن) .
دليلنا: أنه أضاف الطلاق إلى واحدة.. فلم يقع على الجماعة، كما لو عينها.
إذا ثبت هذا: فإنه يوقف عن وطئهن حتى يعين المطلقة منهن؛ لأنا نتحقق التحريم في واحدة منهن لا بعينها فوقف عن وطئهن، كما لو طلق واحدة بعينها ونسيها. ويؤخذ بتعيين المطلقة منهن؛ لتتميز المطلقة من غير المطلقة. وله أن يعين الطلاق فيمن اشتهى منه؛ لأنه أوقع الطلاق على واحدة لا بعينها.. فكان له التعيين فيمن اختار، بخلاف الأولى؛ فإنه أوقع الطلاق على واحدة بعينها وإنما أشكلت، فلذلك قلنا: لا يعينه فيمن اشتهى منهن.
إذا ثبت هذا: فإن قال: طلقت هذه.. تعين فيها الطلاق.
وإن قال: هذه التي لم أطلقها، وكانتا اثنتين.. طلقت الأخرى؛ لأن هذا يتضمن الإقرار بطلاق الأخرى.
وإن قال: طلقت هذه، لا بل هذه.. طلقت الأولى دون الثانية؛ لأن الأولى إذا تعينت للطلاق.. لم يبق ما يقع على الثانية، بخلاف المسألة الأولى؛ فإن ذلك إخبار منه فيمن طلقها بعينها. فإذا أخبر بطلاق واحدة ثم رجع عنها إلى الثانية.. لزمه حكم إقراره في الثانية، ولم يقبل رجوعه عن الأولى.
стр. 5099
وإن وطئ إحداهما.. فهل يكون وطؤه لها بيانا لإمساكها واختيارا للطلاق في الأخرى إذا كانتا اثنتين؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يكون تعيينا؛ لأنه وطء فلم تتعين به المطلقة، كما لو طلق واحدة بعينها وجهلها أو نسيها.
والثاني: يكون تعيينا، وهو الأصح؛ لأن هذا اختيار شهوة فوقع بالوطء، كما لو وطئ البائع الجارية المبيعة في حال الخيار.
وقال أحمد بن حنبل: (لا تتعين المطلقة بالقول ولا بالوطء، وإنما تتعين بالقرعة) .
دليلنا: أن القرعة لا مدخل لها في الزوجات في أصل الشرع.
إذا ثبت هذا، وعين الطلاق في واحدة.. فمتى وقع عليها الطلاق؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه يقع عليها من حين إيقاعه؛ لأن الطلاق لا يجوز أن يكون في الذمة وإن لم تتعين المطلقة، فإذا عينها.. تبينا أن الطلاق وقع من حين الإيقاع.
فعلى هذا: يكون ابتداء عدتها من ذلك الوقت.
والثاني - وهو قول أبي علي بن أبي هريرة -: أنه وقع عليها من حين التعيين - وبه قال أبو حنيفة وأصحابه - لأن الطلاق لم يوقعه على واحدة منهن، بدليل: أن له أن يختار التعيين فيمن شاء منهن، فلو قلنا: إنه من وقت الإيقاع.. لما خيره في التعيين.
فعلى هذا: يكون ابتداء عدتها من وقت التعيين.
وحكي عن أبي علي بن أبي هريرة: أنه قال: وقع الطلاق من حين الإيقاع، إلا أن العدة من وقت التعيين، كما نقول فيمن نكح امرأة نكاحا فاسدا ووطئها.
[فرع: قوله زوجتي طالق وله زوجات ولم يعينها]
إذا كان له زوجات، فقال: زوجتي طالق، ولم يعين واحدة بقلبه.. وقع الطلاق على واحدة منهن لا بعينها. وبه قال عامة العلماء.
стр. 5100
وقال أحمد: (يقع الطلاق على جميعهن) . وحكي ذلك عن ابن عباس.
دليلنا: أنه أوقع الطلاق على واحدة، فلا يقع على جميعهن، كما لو قال: إحدى نسائي طالق.
إذا ثبت هذا: فإنه يرجع في البيان إليه على ما مضى.
[مسألة: طلق إحداهما بعينها ونسيها أو إحداهما لا بعينها وحصول موت]
وإن طلق إحدى امرأتيه ثلاثا وجهلها أو نسيها، أو طلق إحداهما لا بعينها، وماتت إحداهما قبل أن يعين المطلقة.. لم يتعين الطلاق في الأخرى، بل له أن يعين الطلاق في إحداهما بعد الموت.
وقال أبو حنيفة: (يتعين الطلاق في الباقية) .
دليلنا: أنه يملك تعيين الطلاق قبل موتها.. فملكة بعد الموت، كما لو كانتا باقيتين.
إذا ثبت هذا: فإنه يوقف له من مال الميتة منهما ميراث زوج، وهو: النصف مع عدم الولد وولد الولد، أو الربع مع وجود الولد أو ولد الولد؛ لأنا نعلم أن إحداهما زوجته يرث منها والأخرى أجنبية لا يرث منها، فلم يجز أن يدفع إلى ورثة كل واحدة منهما إلا ما يتيقن أنهم يستحقونه، ونحن لا نعلم أنهم يستحقون قدر ميراث الزوج منهما فوقف. فيقال له: بين المطلقة منهما.
стр. 5101
فإن كان قد طلق واحدة منهما بعينها ثم جهلها أو نسيها، ثم قال: التي كنت طلقتها فلانة وهي الميتة.. دفع ما عزل له من تركة الميتة إلى باقي ورثتها. وإن قال: التي طلقتها هي الباقية.. دفع إليه ما عزل له من تركة الميتة. وإن ماتتا قبل التعيين.. عزل من تركة كل واحدة منهما ميراث زوج، ثم يقال له: عين المطلقة منهما، فإن قال: التي طلقتها فلانة.. دفع ما عزل له من تركتها إلى باقي ورثتها؛ لأنه أقر أنه لا يرثها، ودفع إليه ما عزل له من تركة الأخرى؛ لأنه أخبر: أنها زوجته. فإن كذبه ورثتها فقالوا: بل هي التي كنت طلقتها.. فالقول قوله مع يمينه؛ لأن الأصل بقاء نكاحها وعدم طلاقه لها إلى الموت. فإن حلف.. فلا كلام، وإن نكل عن اليمين، فحلف ورثتها: أنها هي التي طلقها.. سقط ميراثه عن الأولى بإقراره، وعن الثانية بنكوله وأيمان ورثتها.
وإن كان قد أطلق إحداهما لا بعينها فعين الطلاق في إحداهما.. دفع ما عزل له من تركة المعينة للطلاق إلى باقي ورثتها، ودفع ما عزل له من تركة الأخرى إلى الزوج. فإن كذبه ورثتها.. فلا يمين على الزوج؛ لأن هذا اختيار شهوة. هذا نقل أصحابنا البغداديين.
وقال المسعودي [في " الإبانة "] : إذا طلق إحداهما لا بعينها.. فهل له أن يعينها بعد موتها؟ فيه وجهان، بناء على أن الطلاق يقع من وقت التعيين أو من وقت الإيقاع؟
فإن قلنا: يقع وقت الإيقاع.. كان له.
وإن قلنا: يقع وقت التعيين.. لم يكن له.
فإن مات الزوج وهما باقيتان قبل أن يعين الطلاق في إحداهما، فإن قال وارث الزوج: لا أعلم المطلقة منهما.. وقف من مال الزوج ميراث زوجة - وهو: الربع مع عدم الولد وولد الولد، والثمن مع وجود أحدهما - لأنا نتيقن أن إحداهما وارثته
стр. 5102
بيقين، فلا يدفع إلى باقي ورثته إلا ما يتيقن استحقاقهم له، ويوقف ذلك بين الزوجين إلى أن يصطلحا عليه.
وإن قال وارث الزوج: أنا أعرف المطلقة منهما.. فهل يرجع إلى بيانه؟ فيه قولان، قال ابن الصباغ: ومن أصحابنا من قال: هما وجهان:
أحدهما: يرجع إلى بيان الوارث؛ لأنه يقوم مقام الزوج في الملك والرد بالعيب، وفي استحقاقه النسب بالإقرار، فقام مقامه في تعيين المطلقة.
فعلى هذا: إذا قال: المطلقة فلانة.. دفع ما عزل من تركة الزوج إلى الأخرى، وإن كذبته المطلقة.. حلف لها.
والثاني: لا يقوم مقامه؛ لأن في ذلك إسقاط حق وارث معه في الظاهر بقوله.
واختلف أصحابنا في موضع القولين:
فقال أبو إسحاق: القولان فيمن طلق إحداهما بعينها، وفيمن طلق إحداهما لا بعينها.
ومنهم من قال: القولان فيمن طلق إحداهما بعينها ثم جهلها أو نسيها، فأما إذا طلق إحداهما لا بعينها: فلا يقوم مقام المورث قولا واحدا؛ لأنه يمكنه التوصل إلى العلم بالمطلقة منهما إذا وقع الطلاق بواحدة بعينها بسماع من الزوج، فإذا طلق واحدة منهما لا بعينها.. فتعيين المطلقة إلى شهوة الزوج، فلا يقوم وارثه مقامه، كما لو أسلم وتحته أكثر من أربع نسوة وأسلمن معه، فمات قبل أن يختار.
فإن كانت بحالها وماتت واحدة منهما، ثم مات الزوج قبل البيان، وبقيت الأخرى.. عزل من تركة الزوج ميراث زوجة؛ لجواز أن تكون الباقية هي الزوجة، وعزل من تركة الميتة قبله ميراث زوج؛ لجواز أن تكون الميتة هي الزوجة.
فإن قال وارث الزوج: الميتة قبل الزوج هي المطلقة.. قبل قوله؛ لأن في ذلك إضرارا عليه من جهة أنه لا يرث من الميتة، وترث معه الباقية.
стр. 5103
وإن قال: بل الميتة قبل الزوج هي الزوجة، والباقية هي المطلقة، فإن صدقته الباقية وورثة الأولى.. ورث ميراث الزوج من الأولى، ولم ترث معه الباقية.
وإن كذبوه.. فهل يقبل قول الوارث؟ فيه قولان، وقد مضى توجيههما.
والذي يقتضي المذهب: أن يكون في موضع القولين وجهان كالتي قبلها:
فـ[أحدهما] : إذا قلنا: لا يقبل قول وارث الزوج.. كان ما عزل من تركة الميتة قبل الزوج موقوفا حتى يصطلح عليه وارثها ووارث الزوج، وما عزل من تركة الزوج موقوفا حتى يصطلح عليه وارث الزوج والزوجة الباقية.
و [الثاني] : إذا قلنا: يقوم مقام الزوج، فإن كان الزوج قد أوقع الطلاق في إحداهما بعينها ثم نسيها أو جهلها.. فإن وارث الزوج يحلف لورثة الميتة: ما يعلم أنه طلقها؛ لأنه يحلف على نفي فعل غيره، فحلف على نفي علمه، ويحلف للباقية: أنه طلقها؛ لأنه يحلف على الإثبات.. فكانت يمينه على القطع.
وإن كان الزوج طلق إحداهما لا بعينها، وقلنا: يقبل قول وارث الزوج فيها.. فلا يمين على وارث الزوج، كما لا يمين على الزوج في ذلك.
[فرع: أشكل عليه طلاق إحداهما لصفة تقديما أو تأخيرا]
وإن قال: يا حفصة، إن كان أول ولد تلدينه ذكرا فعمرة طالق، وإن كان أنثى فأنت طالق، فولدت حفصة ذكرا وأنثى أحدهما بعد الآخر وأشكل المتقدم منهما.. علمنا أن إحداهما قد طلقت بعينها وهي مجهولة، فيرجع إلى بيانه، كما لو أشرفت إحداهما من موضع فقال: هذه طالق ولم يعرفها.. فإنه يرجع إلى بيانه.
[فرع: قال إن كان هذا الطائر غرابا فنسائي طوالق فطار ولم يعرف]
فرع: [رأى طائرا فعلق الطلاق أو العتق على أنه غراب أم لا فطار ولم يعرف] :
وإن رأى رجل طائرا، فقال: إن كان هذا الطائر غرابا فنسائي طوالق، وإن كان غير غراب فإمائي حرائر، فطار الطائر ولم يعرف: هل هو غراب أو غير غراب.. فقد علمنا أنه حنث في الطلاق أو العتق؛ لأنه لا يخلو: إما أن يكون غرابا أو غير غراب،
стр. 5104
فيوقف عن وطء الجميع وعن التصرف؛ لأنا نتحقق التحريم: إما في الزوجات، وإما في الإماء وإن جهلنا عين المحرم منهما، فوقف عن الجميع تغليبا للتحريم، ويؤخذ بالبيان؛ لأنه هو الحالف ويجوز أن يكون عنده علم، فإن أقر: أن عنده علما وامتنع من البيان.. حبس وعزر إلى أن يبين، وعليه نفقة الجميع إلى أن يبين؛ لأنهن في حبسه.
فإن قال: كان الطائر غرابا.. طلقن النساء، سواء صدقنه أو كذبنه.
فإن صدقته الإماء على أنه كان غراب.. فلا يمين عليه، وإن قلن: ما كان غرابا.. فالقول قوله مع يمينه؛ لأن الأصل بقاء الملك عليهن. فإن طلبن يمينه فحلف لهن.. لم يعتقن، وإن كذبنه ولم يطلبن إحلافه.. ففيه وجهان:
أحدهما: يحلفه الحاكم؛ لما في العتق من حق الله تعالى.
والثاني: لا يحلفه؛ لأن العتق يسقط بتصديقهن أن الطائر كان غرابا، فسقطت يمينه بترك مطالبتهن.
وإن نكل فحلفن.. عتق بأيمانهن ونكوله، وطلقن النساء بإقراره السابق.
وإن قال ابتداء: كان الطائر غير غراب.. عتقن الإماء، صدقنه أو كذبنه. فإن صدقنه النساء أنه لم يكن غرابا.. فلا كلام. وإن قلن النساء: بل كان غرابا.. فالقول قوله مع يمينه؛ لأن الأصل بقاء النكاح، فإن حلف.. بقين على الزوجية، وإن نكل فحلفن.. طلقن بنكوله وأيمانهن، وعتقن الإماء بإقراره.
وإن قال: لا أعلم: هل كان غرابا أو غير غراب؟ فإن صدقته النساء والإماء أنه لا يعلم.. بقين على الوقف، وإن كذبنه وقلن: بل هو يعلم.. حلف لهن: أنه لا يعلم، وبقين على الوقف. وإن نكل عن اليمين.. حلف من ادعى منهن: أنه يعلم أنه حنث في يمينه فيه، وكان كما لو أقر.
فإن مات قبل البيان.. فهل يرجع إلى الورثة؟ فيه وجهان، حكاهما الشيخ أبو
стр. 5105
إسحاق وابن الصباغ، ويشبه أن يكونا مأخوذين من القولين في التي قبلها:
أحدهما: يرجع إليهما في البيان؛ لأن الورثة يقومون مقامه في الملك والرد بالعيب، فكذلك في بيان المطلقات والمعتقات.
والثاني: لا يرجع إليهم في البيان؛ لأن ذلك يؤدي إلى إسقاط بعض الورثة بقول البعض.
وعندي: أن الوجهين إنما هما إذا قال الورثة: كان الطائر غرابا ليطلق النساء ولا يعتق الإماء. فأما إذا قلنا: كان الطائر غير غراب.. فإنه يقبل قوله وجها واحدا؛ لأنه أقر بما فيه تغليظ عليه من جهتهن:
أحدهما: أن الإماء يعتقن عليه.
والثاني: أن الزوجات يرثن معه.
إذا ثبت هذا: فإن قال الوارث: لا أعلم: هل كان غرابا أو غير غراب، أو قال الوارث: كان الطائر غرابا ولم يصدقنه النساء والإماء، وقلنا: لا يقبل قوله.. فإنه يقرع بين النساء والإماء؛ لتمييز العتق لا لتمييز العتق لا لتمييز الطلاق، فتجعل الزوجات جزءا والإماء جزءا، ويضرب عليهن بسهم حنث وسهم بر، فإن خرج سهم الحنث على الإماء.. عتقن ولم تطلق النساء، وإن خرج سهم الحنث على النساء.. لم يطلقن ولا تعتق الإماء.
وقال أبو ثور: (يطلقن النساء كما تعتق الإماء) .
وهذا خطأ؛ لأن القرعة لا مدخل لها في الطلاق، ولهذا: لو طلق إحدى امرأتيه ومات قبل أن يعين.. لم يقرع بينهما. ولو أعتق عبديه في مرض موته ولم يحتملهما الثلث.. أقرع بينهما.
стр. 5106
فإن خرجت قرعة الحنث على الإماء.. حكم بعتقهن من رأس المال إن كان قال ذلك في الصحة، ومن الثلث إن قاله في المرض الذي مات فيه. ولا يحكم بطلاق النساء، بل تكون عليهن عدة الوفاة. ويكون للزوجات الميراث، إلا أن يكن قد ادعين الطلاق وكان الطلاق مما لا يرثن معه لو ثبت.. فلا يرثن؛ لأنهن أقررن أنهن لسن بوارثات.
وإن خرجت قرعة الحنث على الزوجات.. فقد ذكرنا: أنهن لا يطلقن.
قال الشافعي: (والورع لهن أن يدعن الميراث؛ لأن الظاهر بخروج الحنث عليهن أنه طلقهن، إلا أن القرعة ليس لها مدخل في الطلاق، فكذلك لم يحكم بوقوعه. فإن طلبن الميراث.. كان لهن) . وأراد به: إذا لم يتقدم منهن الدعوى في الحنث في الطلاق، على ما مضى.
وهل تزول الشبهة في ملك الإماء، ويكون الملك ثابتا عليهن ظاهرا وباطنا بخروج قرعة الحنث على النساء؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا تزول الشبهة؛ لأن القرعة لما لم تؤثر في الجنبة التي خرجت عليها.. لم تؤثر في الجنبة الأخرى.
فعلى هذا: يكون ملك الورثة ثابتا على الإماء مع الشبهة.
والثاني: تزول الشبهة بذلك، كما إذا خرجت قرعة الحنث عليهن. ولأن القرعة إنما تؤثر في جنبة النساء؛ لأنه لا مدخل لها فيهن في أصل الشرع، ولها مدخل في الإماء في أصل الشرع في العتق.
فعلى هذا: يكون ملك الورثة ثابتا على الإماء بلا شبهة.
وعلى الوجهين ينفذ تصرف الورثة فيهن بالبيع والاستمتاع وغيره، إلا أن في الأول يصح تصرفه مع الشك، وعلى الثاني من غير شك.
стр. 5107
[فرع: علق الطلاق أو العتق على أن الطائر غراب أو حمام فطار ولم يعرف]
وإن قال: إن كان هذا الطائر غرابا فنساؤه طوالق، وإن كان حماما فإماؤه حرائر، فطار ولم يعرف.. لم يحكم عليه بطلاق ولا عتق؛ لجواز أن لا يكون غرابا ولا حماما.
فإن ادعى النساء: أنه كان غرابا، وادعى الإماء: أنه كان حماما، ولا بينة.. حلف: أنه ليس بغراب يمينا، وأنه ليس بحمام يمينا؛ لأن الأصل بقاء النكاح والملك.
[فرع: اختلفا في عتق على طائر أنه غراب أم لا فطار ولم يعرف]
فرع: [اختلفا في عتق على طائر أنه غراب أم لا أو غراب أو حمام وطار ولم يعرف] :
وإن رأى رجلان طائرا، فقال أحدهما: إن كان هذا الطائر غرابا فعبدي حر، وقال الآخر: إن لم يكن غرابا فعبدي حر، فطار ولم يعرف.. علمنا أن أحدهما قد حنث في يمينه ولكن لا نعلمه بعينه.. فلا يحكم على أحدهما بالعتق؛ لأن كل واحد منهما يشك: هل زال ملكه عن عبده أم لا؟ والأصل بقاء ملكه.
فإن ملك أحدهما عبد الآخر بهبة أو ببيع أو إرث.. عتق عليه؛ لأن إمساكه لعبده إقرار منه بحرية عبد الآخر، وإنما لم يقبل إقراره على صاحبه؛ لأنه يقر بما لا يملكه، فإذا ملكه بعد ذلك.. لزمه حكم إقراره الأول، كما لو شهد رجل على رجل: أنه أعتق عبده، فلم تقبل شهادته عليه، ثم ملكه الشاهد بعد ذلك.. فإنه يعتق عليه بإقراره الأول.
وإن قال أحدهما: إن كان هذا الطائر غرابا فعبدي حر، وقال الآخر: إن كان حماما فعبدي حر، فطار الطائر ولم يعرف.. لم يحكم على أحدهما بعتق عبده.
فإن ملك أحدهما عبد الآخر بعد ذلك.. لم يعتق عليه؛ لجواز أن يكون ذلك الطائر ليس بغراب ولا حمام.
[مسألة: ادعت طلاقها وأنكره أو أنكر عدده]
وإن ادعت المرأة على زوجها: أنه طلقها فأنكر، أو ادعت عليه: أنه طلقها ثلاثا فقال: بل طلقتها واحدة أو اثنتين ولا بينة.. فالقول قول الزوج مع يمينه؛ لقوله ﷺ :
стр. 5108
«البينة على المدعي، واليمين على من أنكر» . ولأن الأصل عدم الطلاق وعدم ما زاد على ما أقر به الزوج.
[فرع: خيرها فاختارت أو قال: أنت طالق وكررها ثم اختلفا]
وإن خيرها الزوج، فقالت: قد اخترت، وقال: ما اخترت.. فالقول قول الزوج؛ لأن الأصل عدم الاختيار. والذي يقتضي المذهب: أنه يحلف: ما يعلم أنها اختارت؛ لأنه يحلف على نفي فعل غيره.
وإن ادعت: أنها نوت الطلاق، وقال الزوج: ما نويت.. ففيه وجهان:
أحدهما: القول قول الزوج مع يمينه؛ لأن الأصل عدم النية.
والثاني: القول قولها مع يمينها؛ لأنهما اختلفا في نيتها، ولا يعلم ذلك إلا من جهتها، فقبل قولها مع يمينها، كما لو علق الطلاق على حيضها.
وإن قال: أنت طالق أنت طالق، وادعى: أنه أراد التأكيد، وادعت: أنه أراد الاستئناف.. فالقول قوله مع يمينه؛ لأنه أعلم بإرادته.
وإن قال أردت الاستئناف، وقالت: بل أردت التأكيد.. لزمه حكم الاستئناف؛ لأنه أقر بالطلاق فلزمه، ولا يمين عليه؛ لأنه لو رجع.. لم يقبل رجوعه، فلا معنى لعرض اليمين عليه.
[فرع: عبد طلق زوجته ثنتين وأعتق وأشكل السابق أو اختلفا]
إذا تزوج العبد امرأة فطلقها طلقتين وأعتق، فإن كان العتق قبل استيفاء الطلقتين.. فله أن يطلق الثالثة، وله أن يسترجعها. وإن كان طلاق الاثنتين قبل العتق.. لم يجز له استرجاعها، ولا يملك الثالثة.
وإن أشكل السابق منهما.. لم يكن له استرجاعها، ولا يملك الثالثة عليها؛ لأنه
стр. 5109
يشك في وقت الطلاق أنه في رقه أو في حريته، والأصل فيه الرق.
وإن اختلفا، فقالت الزوجة: كان الطلاق سابقا، وقال الزوج: كان العتق سابقا.. فهو كما لو ادعى الزوج بعد انقضاء عدتها: أنه كان راجعها قبل انقضاء عدتها، وقالت: لم تراجعني إلا بعد انقضاء عدتي. ويأتي بيانه.
وبالله التوفيق
стр. 5110
[كتاب الرجعة]
стр. 5111
كتاب الرجعة
إذا طلق الرجل امرأته المدخول بها، ولم يستوف ما يملكه عليها من عدد الطلاق، وكان الطلاق بغير عوض.. فله أن يراجعها قبل انقضاء عدتها.
والأصل فيه: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] وإلى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحًا﴾ [البقرة: ٢٢٨] [البقرة: ٢٢٨] ، فقوله: ﴿بِرَدِّهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨] يعني: برجعتهن.
وقوله: ﴿إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحًا﴾ [البقرة: ٢٢٨] أي: إصلاح ما تشعث. من النكاح بالرجعة.
وقَوْله تَعَالَى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] [البقرة: ٢٢٩] ، فأخبر: أن من طلق طلقتين.. فله الإمساك وهو الرجعة، وله التسريح وهي الثالثة.
وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢] [الطلاق: ٢] إلى قَوْله تَعَالَى: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١] والإمساك: هو الرجعة. وقوله: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١] يعني: الرجعة.
وروي «عن النبي ﷺ : أنه طلق حفصة وراجعها»
стр. 5112
و «طلق ابن عمر امرأته وهي حائض، فأمره النبي ﷺ أن يراجعها» .
وروي: «أن ركانة بن عبد يزيد قال: يا رسول الله، إني طلقت امرأتي سهيمة ألبتة، والله ما أردت إلا واحدة، فقال النبي ﷺ : " والله ما أردت إلا واحدة؟ "، فقال ركانة: والله ما أردت إلا واحدة، فردها النبي ﷺ عليه» . والرد: هو الرجعة.
وأجمعت الأمة: على جواز الرجعة في العدة.
إذا ثبت هذا: فقد قال الله تعالى في آية: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ﴾ [الطلاق: ٢] [الطلاق: ٢] وقال في آية أخرى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢] [القرة: ٢٣٢] ، وحقيقة البلوغ: هو الوصول إلى الشيء، إلا أن سياق الكلام يدل على اختلاف البلوغين في الاثنتين، فالمراد بالبلوغ بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢] [الطلاق: ٢] أي: إذا قاربن البلوغ. فسمى المقاربة بلوغا مجازا؛ لأنه يقال إذا قارب الرجل بلوغ بلد: بلغ فلان بلد كذا مجازا، أو بلغها: إذا وصلها حقيقة.
والمراد بالآية الأخرى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢] [البقرة: ٢٣٢] أي إذا انقضى أجلهن، وإذا انقضت عدتها.. لم تصح الرجعة؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٢٨] [البقرة: ٢٢٨] أي: في وقت عدتهن، وهذا ليس بوقت عدتهن. وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢] [البقرة: ٢٣٢] ، فنهى الأولياء عن عضلهن عن النكاح، فلو صحت رجعتهن.. لما نهى الأولياء عن عضلهن عن النكاح.
وإن طلق امرأته قبل الدخول.. لم يملك الرجعة عليها؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٢٨] [البقرة: ٢٢٨] ، فخص الرجعة بوقت العدة، ومن لم يدخل بها.. فلا عدة عليها، فلم يملك عليها الرجعة.
стр. 5113
[مسألة: ما يجوز وما يحرم على من طلق رجعيا وماذا لو وطئها]
؟] : وللزوج أن يطلق الرجعية في عدتها، ويولي منها، ويظاهر منها. هذا نقل أصحابنا البغداديين.
وقال المسعودي [في " الإبانة "] : هل يصح إيلاؤه من الرجعية؟ فيه وجهان، وهل يصح أن يخالعها؟ فيه قولان:
أحدهما: يصح؛ لبقاء أحكام الزوجية بينهما.
والثاني: لا يصح؛ لأن الخلع للتحريم، وهي محرمة عليه.
وإن مات أحدهما قبل انقضاء العدة.. ورثه الآخر؛ لبقاء أحكام الزوجية بينهما، وهذا من أحكامها.
ويحرم عليه وطؤها، والاستمتاع بها، والنظر إليها بشهوة وغير شهوة. وبه قال عطاء ومالك وأكثر الفقهاء.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: (يجوز له وطؤها) .
وعن أحمد روايتان: إحداهما: كقولنا، والأخرى: كقول أبي حنيفة.
دليلنا: ما روي: (أن ابن عمر طلق امرأته وكان طريقه إلى المسجد على مسكنها، فكان يسلك طريقا أخرى حتى راجعها) . ولأنه سبب وقعت به الفرقة، فوقع به التحريم، كالفسخ والخلع والطلاق قبل الدخول.
فإن خالف ووطئها في العدة.. لم يجب عليهما الحد، سواء علما تحريمه أو لم يعلما؛ لأنه وطء مختلف في إباحته، فلم يجب به الحد، كما لو تزوج امرأة بغير ولي ولا شهود ووطئها.
وأما التعزيز: فإن كانا عالمين بتحريمه، مثل: أن كان شافعيين يعتقدان
стр. 5114
تحريمه.. عزرا؛ لأنهما أتيا محرما مع العلم بتحريمه.
وإن كانا غير عالمين بتحريمه، بأن كانا جاهلين أو حنفيين لا يعتقدان تحريمه.. لم يعزرا.
وإن كان أحدهما عالما بتحريمه والآخر جاهلا بتحريمه.. عزر العالم بتحريمه دون الجاهل به.
وإن أتت منه بولد.. لحقه نسبه بكل حال للشبهة.
وأما مهر المثل: فهل يلزمه؟ ينظر فيه:
فإن لم يراجعها حتى انقضت عدتها.. فلها عليه مهر مثلها بكل حال. وكذلك إذا أسلم أحد الحربيين بعد الدخول، فوطئها الزوج في عدتها، فانقضت عدتها قبل اجتماعهما على الإسلام.. فلها عليه مهر مثلها لهذا الوطء؛ لأن العدة لما انقضت قبل اجتماعهما على النكاح.. تبينا أنه وطئ أجنبية منه، فهو كما لو وطئ أجنبية بشبهة.
وإن راجعها قبل انقضاء العدة، أو اجتمعا على الإسلام قبل انقضاء العدة.. فقد قال الشافعي: (إن للرجعية مهر مثلها) ، وقال في الزوجين - إذا أسلم أحدهما ووطئها قبل انقضاء عدتها وقبل الإسلام ثم أسلم الآخر قبل انقضاء العدة -: (إنه لا مهر لها) ، وكذا قال في المرتد - إذا وطئ امرأته في العدة ثم أسلم قبل انقضاء العدة -: (لا مهر عليه) واختلف أصحابنا فيه:
فمنهم من قال: في الجميع قولان:
أحدهما: يجب عليه مهر مثلها؛ لأنه وطئ في نكاح قد تشعث، فهو كما لو لم يرجعها ولم يجتمعا على الإسلام.
والثاني: لا يجب عليه؛ لأن التشعث قد زال بالرجعة والإسلام.
ومنهم من حملهما على ظاهرهما، فقال في الرجعة: يجب عليه المهر؛ لأن النكاح انثلم بالطلاق ثلمة لا ترتفع بالرجعة؛ بدليل: أنه لا يرتفع ما أوقعه من الطلاق
стр. 5115
بالرجعة، بل تبقى معه على عدد ما بقي من عدد الطلاق، وليس كذلك إذا اجتمع الحربيان أو المرتدان على الإسلام قبل انقضاء العدة.. فإن الثلمة التي حصلت في النكاح ترتفع وتصير كأن لم تكن.
[مسألة: ما يشترط لصحة الرجعة وألفاظها]
وتصح الرجعة من غير ولي، وبغير رضاها، وبغير عوض؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٢٨] [البقرة: ٢٢٨] ، فجعل الزوج أحق بردها، فلو افتقر إلى رضاها.. لكان الحق لهما.
ولا تصح الرجعة إلا بالقول من القادر عليه أو بالإشارة من الأخرس، فأما إذا وطئها أو قبلها أو لمسها.. فلا يكون ذلك رجعة، سواء نوى به الرجعة أو لم ينو. وبه قال أبو قلابة وأبو ثور.
وقال الأوزاعي والثوري وابن أبي ليلى وأبو حنيفة وأصحابه: (تصح الرجعة بالوطء، سواء نوى به الرجعة أو لم ينو ذلك) .
قال أبو حنيفة: (إذا قبلها بشهوة، أو لمسها أو نظر إلى فرجها بشهوة.. وقعت به الرجعة) .
وقال مالك وإسحاق: (إذا وطئها ونوى به الرجعة.. كان رجعة، وإن لم ينو به الرجعة.. لم يكن رجعة) .
دليلنا: أنها جارية إلى بينونة، فلم يصح إمساكها بالوطء، كما لو أسلم أحد الحربيين وجرت إلى بينونة.. فلا يصح إمساكها بالوطء. ولأنه استباحة بضع مقصود يصح بالقول، فلم يصح بالفعل مع القدرة على القول، كالنكاح.
فقولنا: (بضع مقصود) احتراز ممن باع جاريته ووطئها في مدة الخيار.
وقولنا: (يصح بالقول) احتراز من السبي؛ فإنه لا يصح بالقول، وإنما يصح بالفعل.
следующие страницы →