Полный текст (7 092 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.
стр. 841
فمن أصحابنا من قال: إنما ذلك في القديم؛ لأن الاستخلاف لا يصح في القديم.
ومنهم من قال: إنما قال ذلك؛ ليخرج من الخلاف؛ لأن الناس قد اختلفوا في صحة الصلاة بإمامين.
وإن ذكر ذلك بعد أن صلى بهم ركعة أو أكثر، فإنهم لا ينتظرونه؛ لأنه إذا عاد وصلى بهم فإنهم يفارقونه، إذا أتموا صلاتهم، وإن كان لا بد لهم من مفارقته، لم ينتظروه.
[فرع إمامة المتيمم]
] : ويجوز أن يصلي المتوضئ خلف المتيمم.
وقال علي بن أبي طالب ﵁: (إنه لا يجوز ذلك) .
دليلنا: حديث عمرو بن العاص الذي ذكرناه في (التيمم) .
وهل تصح صلاة الطاهرة خلف المستحاضة؟ فيه وجهان.
أحدهما: تصح، كما تصح صلاة المتوضئ خلف المتيمم.
والثاني: لا تصح؛ لأن المستحاضة لم تأت بالطهارة عن النجس، ولا بما يقوم مقامها.
[مسألة مرض الإمام]
] : إذا مرض الإمام، وعجز عن القيام في الصلاة، فالأفضل أن يستخلف من يصلي بهم قائمًا؛ لـ: «أن النبي ﷺ لما مرض مرضه الذي توفي فيه، استخلف أبا بكر ﵁ فصلى بالناس سبعة عشر يومًا، وكان النبي ﷺ قد يخرج في بعض الأوقات، ويصلي بهم قاعدًا» ، وإنما فعل هذا مرة، أو مرتين؛ ليبين الجواز، وأكثر أمره الاستخلاف، فدل على أنه أفضل.
فإن صلى قاعدًا كان على المأمومين أن يصلوا قيامًا، إذا كانوا قادرين على
стр. 842
القيام، فإن صلوا قعودًا مع القدرة على القيام، لم تصح صلاتهم، وبه قال أبو حنيفة، والثوري، وأبو ثور.
وقال مالك: (لا تصح صلاة القائم خلف القاعد) ، في إحدى الروايتين، والرواية الأخرى كقولنا.
وقال الأوزاعي، وإسحاق، وأحمد: (يصلون خلفه قعودًا) ، وهو اختيار ابن المنذر.
دليلنا ما روي: «أن النبي ﷺ صلى بالناس في مرضه الأول قاعدًا، والناس خلفه قعود» ، ثم: «صلى بهم في مرضه الذي مات فيه قاعدًا، والناس خلفه قيام» ، وهذا ناسخ لما قبله.
[فرع إمامة المومئ]
] : وتصح صلاة القائم والقاعد خلف المومئ.
وقال أبو حنيفة: (لا تصح) .
دليلنا: أن المومئ طاهر يسقط فرض نفسه بطهارة كاملة، فجاز أن يأتم به القائم والقاعد، كالقائم.
فقولنا: (يسقط فرض نفسه) احتراز من المصلوب على خشبة، فلا يجوز الائتمام به؛ لأنه لا يسقط فرض نفسه.
وقولنا: (طاهر) احتراز ممن عليه نجاسة لا يقدر على إزالتها.
وقولنا: (بطهارة كاملة) احتراز من الصلاة خلف المستحاضة، في أحد الوجهين.
ولأنه عاجز عن ركن من أركان الصلاة لمرض، فجاز للقادر عليه الائتمام به، كالقيام.
فقولنا: (لمرض) احتراز من المصلوب، ومن الأمي، في أحد القولين.
стр. 843
فإن صلى خلف القاعد، أو المومئ، فقدر الإمام على القيام، أو القعود لزمه ذلك، فإن لم يفعل بطلت صلاته؛ لأنه ترك القيام مع القدرة عليه.
فإن علم المأموم بقدرته على القيام، ولم يقم نوى مفارقته، وإن لم ينو مفارقته قال الشافعي: (بطلت صلاته) .
فإن قيل: فكيف يعلم المأموم بقدرته على القيام؟
فالجواب: أن الشافعي لم يتعرض لكيفية العلم، إنما قال: (لو علم) ، وقد تكلم على ما يقل وجوده، كقوله: (إذا مات، وخلف مائة جدة) ، مع أنه قد يعلم بأن يكون الإمام منقبض الرجل لا يمكنه بسطها وقبضها، ثم رآه المأموم في أثناء الصلاة يبسطها ويقبضها، فيستدل بذلك على قدرته على القيام.
[مسألة إمامة الأمي]
] : قال الشافعي: (والأمي: من لا يحسن فاتحة الكتاب، وإن أحسن غيرها من القرآن، والقارئ: هو من يحسن فاتحة الكتاب، وإن لم يحسن غيرها من القرآن) .
إذا ثبت هذا: ففي صلاة القارئ خلف الأمي قولان منصوصان، والثالث خرجه أبو إسحاق المروزي:
أحدها: لا يصح، وبه قال مالك، وأبو حنيفة، وأحمد، وهو الصحيح؛ لقوله ﷺ : «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله» .
فإذا قدموا من لا يحسن الفاتحة، فقد دخلوا تحت النهي، وذلك يقتضي فساد المنهي عنه؛ ولأنه قد يتحمل عنه القراءة، إذا أدركه راكعًا، وهذا ليس من أهل التحمل.
стр. 844
والقول الثاني قاله الشافعي في القديم: (إن كانت الصلاة سرية، صحت صلاة القارئ خلفه، وإن كانت جهرية لم تصح) .
لأن القراءة لا تجب على المأموم في الجهرية، بل يتحملها الإمام على القول القديم، وهذا الإمام عاجز عن التحمل، فلم تصح، كالحاكم إذا كان لا يحسن الحكم، فإنه لا يصح حكمه.
وإذا كانت سرية لزمت المأموم القراءة، وهو قادر عليها، فجاز له أن يأتم بمن يعجز عنها، كصلاة القائم خلف القاعد.
والثالث خرجه أبو إسحاق المروزي على هذا التعليل: تصح صلاته خلفه بكل حال؛ لأن على القول الجديد، يلزم المأموم القراءة بكل حال، هذا مذهبنا.
وقال أبو حنيفة: (إذا صلى أمي بقارئ بطلت صلاتهما) ، أما صلاة القارئ: فلما ذكرناه، وأما صلاة الأمي: فلأنه كان يمكنه أن يقدم القارئ ويأتم به؛ لأن قراءة الإمام عنده تجزئ عن المأموم، فإذا لم يفعل فقد ترك القراءة مع القدرة عليها، فبطلت صلاته.
وكذلك إذا صلى خلفه أمي بطلت صلاته؛ لأنه علق صلاته بصلاة باطلة، وصلاة المأموم تبطل ببطلان صلاة الإمام عنده.
ودليلنا: هو أن كل من صحت صلاته، إذا ائتم بغيره صحت صلاته، وإن لم يأتم بغيره، كالقارئ خلف القارئ.
[فرع المقدم في الإمامة]
] : قال الشافعي: (فإن كان هناك رجلان: أحدهما يحسن جميع القرآن غير الفاتحة، والآخر يحسن سبع آيات من القرآن من غير الفاتحة، كان من يحسن جميع القرآن غير الفاتحة أولى ممن يحسن سبع آيات من غير الفاتحة؛ لأنه أكثر قرآنًا) ، فإن
стр. 845
أمّ الذي يحسن سبع آيات لا غير، بالذي يحسن جميع القرآن إلا الفاتحة، صحت صلاتهما، كما لو أمّ من يحسن الفاتحة لا غير، بمن يحسن الفاتحة وغيرها.
وإن كان هناك رجلان: أحدهما يحسن أول الفاتحة لا غير، والآخر يحسن آخر الفاتحة لا غير، لم يصح أن يأتم أحدهما بالآخر، إذا قلنا: لا يأتم القارئ بالأمي، وهذا مما يسأل عنه على وجه التعنت، فيقال: أيهما أحق بالإمامة؟
قال الشافعي: (فإن ائتم رجل برجل لا يدري: هل هو قارئ، أم لا؟ فصلاته صحيحة؛ لأن الظاهر أنه لا يؤم الناس إلا من يحسن الفاتحة، وأحب إليّ لو أعاد الصلاة؛ لجواز ألا يحسن الفاتحة) .
فإن كانت الصلاة مما يجهر فيها، فلم يجهر هذا الإمام بالقراءة، فعلى المأموم أن يعيد الصلاة؛ لأن الظاهر أنه لما ترك الجهر أنه لا يحسن القراءة.
فإن قال بعد الفراغ: أنا أحسن القراءة، وقد قرأت سرًّا، وإنما نسيت الجهر، أو تركته عامدًا، لم يلزم المأموم الإعادة.
والمستحب: أن يعيد؛ لجواز ألا يصدق فيما قال.
[فرع إمامة الأرت والألثغ]
] : قال الشافعي: (ولا يؤم أرت ولا ألثغ) .
قال أصحابنا: و (الأرت) : هو الذي يدغم أحد الحرفين في الآخر، فيسقط أحدهما.
و (الألثغ) : من يبدل حرفًا بحرف، بأن يأتي بالثاء مكان السين، أو بالثاء
стр. 846
مكان الكاف، أو باللام مكان الراء. وأنشدني بعض شيوخي:
وألثغ سألته عن اسمه ... فقل لي إثمي مرداث
فعدت من لثغته ألثغًا ... فقلت أين الكاث والطاث
وأراد: أن اسمه مرداس، وأراد: الكاس، والطاس.
وحكم هذين حكم الأمي، فإن ائتم بهما من هو في مثل حالهما صحت صلاته، كما إذا ائتم أمي بأمي، وإن ائتم به القارئ الفصيح؛ فعلى الأقوال الثلاثة التي مضت في صلاة القارئ خلف الأمي.
[فرع إمامة اللاحن]
] : وأما الصلاة خلف من يلحن: فاللحن على ضربين: لحن يحيل المعنى، ولحن لا يحيل المعنى.
فإن كان لا يحيل المعنى، كقوله: (أهدنا) بفتح الهمزة، أو (نستعين) بكسر النون الأولى، أو ضمهما، أو فتح الثانية، أو كسرها، وما جرى هذا المجرى، فهذا لا يمنع صحة صلاة الإمام، ولا صحة من يأتم به، سواء كان ذلك في الفاتحة أو غيرها؛ لأنه لا يحيل المعنى، ولكن يكره الائتمام به؛ لأن الإمامة موضع كمال، وهذا ليس في موضع الكمال.
وإن كان اللحن يحيل المعنى نظرت:
فإن كان في الفاتحة، مثل أن يقول: (أنعمتُ عليهم) بضم التاء، أو: (ولا الظالين) بالظاء، فإن كان لا يحسن غير ذلك، بأن لم يطاوعه لسانه، أو لم يجد من يعلمه فهذا كالأمي، تصح صلاته، وصلاة الأمي خلفه، وأما صلاة القارئ خلفه فعلى ما مضى من الأقوال.
стр. 847
وإن كان يحسن القراءة الصحيحة، فتعمد ذلك، أو لا يحسن، ولكن يقدر على التعلم، ولم يفعل فصلاته باطلة؛ لأنه ترك القراءة مع القدرة عليها.
فأما صلاة المؤتم به: فهو كمن صلى خلف جنب، فإن علم ببطلان صلاته، لم تصح صلاته خلفه، وإن كان لم يعلم بذلك، صحت صلاته خلفه.
وإن كان هذا اللحن في غير الفاتحة، مثل: أن يقول في قَوْله تَعَالَى: ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: ٣] [التوبة: ٣] ، بكسر اللام من (رسولِه) ، فإن كان لا يعرف أن هذا لحن، أو كان يعرف، ولكن نسيه، فقرأه على وجه السهو، لم يضره ذلك؛ لأنه ليس بأكثر من أن لا يقرأ هذا الآية.
وإن كان يعرف ذلك، فتعمد قراءته بطلت صلاته؛ لأنه إن كان يعتقده فهو كفر؛ لأنه يقول: (أن الله بريء من المشركين ومن رسوله) ، وإن كان لا يعتقد فهو استهزاء بالقرآن، فبطلت صلاته.
وأما المؤتم به: فهو كمن صلى خلف جنب، فإن علم بحاله لم تصح صلاته، وإن لم يعلم صحت صلاته.
قال الشيخ أبو حامد: ومن تلفظ بلفظة أعجمية في القرآن، فإن إمامته مكروهة؛ لما روي: " أن ناسًا حول مكة قدموا رجلًا من آل السائب؛ ليصلي بهم، فأخره المسور بن مخرمة، وقدم آخر، فبلغ ذلك عمر بن الخطاب ﵁، فقال له: لم فعلت ذلك؟ فقال: كان في وقت الحج، وخشيت أن يسمع بعض الحجيج قراءته، فيأخذ بعجمته، فقال: هنالك ذهبت؟ فقال: نعم، فقال: أصبت ".
وكذلك العربي إذا كان لا يبين الحروف، يكره الائتمام به.
стр. 848
[فرع صلاة الفريضة خلف المتنفل]
] : يجوز للمفترض أن يأتم بالمتنفل، مثل: أن يصلي العشاء خلف من يصلي التراويح، فإذا سلم الإمام قام المأموم، فأتم صلاته.
ويجوز للمتنفل أن يأتم بالمفترض، كمن نوى أربع ركعات تطوعًا خلف من يصلي العشاء، ويجوز للمفترض أن يأتم بالمفترض في صلاة أخرى، كمن يصلي الظهر خلف من يصلي العصر، هذا مذهبنا، وبه قال عطاء، وطاوس، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق.
وقال الزهري، وربيع، ومالك، ويحيى الأنصاري: (إذا اختلفت نية الإمام والمأموم لم يصح أن يأتم به) .
وقال أبو حنيفة وأصحابه: (يجوز للمتنفل أن يصلي خلف المفترض، ولا يجوز للمفترض أن يصلي خلف المتنفل، ولا للمفترض أن يصلي خلف المفترض، إذا اختلف فرضاهما) .
دليلنا: ما روي: «أن معاذًا كان يصلي مع النبي ﷺ العشاء، ثم يرجع إلى قومه في بني سلمة، فيصلي بهم العشاء، هي له تطوع، ولهم فريضة العشاء، فأخر النبي ﷺ ذات ليلة العشاء، ثم رجع معاذ إلى قومه، فصلى بهم، واستفتح سورة البقرة، فتنحى رجل، وصلى فقال له قومه: نافقت، فأتى النبي ﷺ ، وقال: يا رسول الله، إن معاذًا يصلي معك العشاء، ثم يرجع إلينا فيصلي بنا، فأخرت العشاء، فصلى معك، ثم رجع إلينا وصلى بنا، وافتتح بسورة البقرة، فتنحيت، وصليت وحدي، وإنا أصحاب نواضح، نعمل بأيدينا، فقال النبي ﷺ : "أفتان أنت يا معاذ؟ أفتان أنت يا معاذ؟ "، وأمره أن يقرأ سورة كذا» ، وفي رواية أخرى: أمره
стр. 849
أن يقرأ: ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾ [الطارق: ١] [الطارق] ، و ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] [الأعلى] ، و ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ [الليل: ١] [الليل] .
ولأن الاقتداء يقع في الأفعال الظاهرة، وذلك ممكن مع اختلاف النية.
[فرع صلاة الفرض خلف مصلي الجنازة والخسوف]
] : وهل يجوز أن يصلي المفترض خلف من يصلي على الجنازة، أو خلف من يصلي صلاة الخسوف؟ قال أصحابنا البغداديون: لا يصح؛ لأنه لا يمكنه الاقتداء به، مع اختلاف الأفعال.
وقال الخراسانيون: فيه وجهان:
أحدهما: لا يصح؛ لما ذكرناه.
والثاني وهو قول القفال: أنه يصح؛ لأنه مقتد بمصل.
فإذا قلنا بهذا: فإنه يقوم قائمًا حتى يسلم الإمام في صلاة الجنازة، ثم يركع هو.
وفي صلاة الخسوف يركع مع الإمام الركوع الأول، فإذا رفع الإمام رأسه من الركوع رفع معه، وثبت المأموم قائمًا، حتى يركع الإمام الثاني، ثم يتابعه في السجود.
قال المسعودي: [في " الإبانة " ق \ ٨٠] : وهل تصح صلاة الصبح والمغرب خلف من يصلي الظهر أو العصر أو العشاء؟ فيه قولان؛ لأنه يحتاج أن يخرج من صلاة الإمام قبل تمامها.
وأصحابنا البغداديون قالوا: تصح قولًا واحدًا.
стр. 850
[فرع كراهة إمامة من يكرهه المأتمون]
] : ويكره أن يؤم الرجل قومًا، وهم له كارهون؛ لما روى أبو داود في "سننه": أن النبي ﷺ قال: «ثلاثة لا يقبل الله منهم صلاة: رجل يقدم قومًا، وهم له كارهون، ورجل أتى الصلاة دبارًا -أي: بعد ما فرغوا من الصلاة- ورجل اعتبد محرره» .
وروي: أن النبي ﷺ قال: «لا يقبل الله صلاة رجل أمّ قومًا، وهم له كارهون، ولا صلاة امرأة زوجها عاتب عليها، ولا صلاة عبد آبق، حتى يرجع» .
قال الشيخ أبو حامد: قال الشافعي: (وهذا الخبر لا يثبت، ولكني أكره إمامته بهم، لكراهتهم له) .
وروى الترمذي في "سننه ": أن النبي ﷺ قال: «لعن الله ثلاثة: رجلًا أمّ قومًا وهو له كارهون، وامرأة بات زوجها عليها ساخطًا، ورجلًا سمع: حي على الفلاح، فلم يجبه» .
стр. 851
وهكذا: إذا كرهه أكثرهم كره له أن يؤمهم؛ لأن الاعتبار بالكثرة، وإن كرهه أقلهم لم يكره؛ لأن أحدًا لا يخلو ممن يكرهه، هذا نقل أصحابنا البغداديين.
وقال القفال: إن نصب الإمام رجلًا للصلاة بالناس لم يكره أن يصلي بهم، وإن كرهوه.
وإن أمّ رجل نساء من ذوي محارمه جاز، ولم يكره له الخلو بهن؛ لأنه يجوز له الخلو بهن، وإن كن من غير ذوات محارمه، فإن كن امرأة أو امرأتين كره له الخلو بهن؛ لقوله ﷺ : «لا يخلون رجل بامرأة، فإن ثالثهما الشيطان» .
فإن كن نساء كثيرًا، فهل يجوز للرجل الأجنبي الخلو بهن؟ فيه وجهان، حكاهما القاضي في (الخناثى) بناء على المرأة إذا أرادت الحج، ووجدت نساء ثقات، هل يقمن مقام المحرم؟ فيه وجهان:
стр. 852
فإن أمّ الخنثى أجنبية منه كره له الخلو بها؛ لجواز أن يكون رجلًا، فإن كن نساء كثيرًا ففيه وجهان.
وكذا: لو أمّ رجل خنثى أجنبيًّا منه، كره له الخلو به؛ لجواز أن يكون امرأة، فإن كان الخناثى كثيرًا فهل يجوز له الخلو بهم؟ فيه وجهان، كما قلنا في النساء.
وهكذا: ينبغي أن يكره للخنثى أن يخلو بالخنثى؛ لجواز أن يكون أحدهما رجلًا، والآخر امرأة، فإن كانوا كثيرًا ففيه وجهان.
[فرع إمامة التمتام ونحوه]
] : ويكره الائتمام بـ (التمتام) : وهو الذي يكرر التاء، فيقول: (إياك نستتعين) ، وبـ (الفأفاء) : وهو الذي يكرر الفاء، فيقول: (ففلله) ، وبـ (الوأواء) : وهو الذي يكرر الواو؛ لما يزيدون من الحروف، فإن صلى خلف أحدهم صح؛ لأنه يأتي بزيادة هو مغلوب عليها.
[مسألة الأولى بالإمامة]
] : الأسباب التي يتعلق بها التقديم في الصلاة خمسة: الفقه، والقراءة، والهجرة، والنسب، والسن.
ولا يختلف المذهب: أن صاحب الفقه والقراءة مقدمان على غيرهما من أصحاب الأسباب الثلاثة.
والدليل عليه: ما روي: أن النبي ﷺ قال: «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا بالسنة سواء فأقدمهم هجرة، فإن كانوا بالهجرة سواء فأقدمهم سنًّا» .
стр. 853
فإن تساويا في القراءة، وأحدهما أفقه، فالأفقه أولى؛ لأنه أكمل.
فإن كان أحدهما يحسن الفقه، ولا يحسن الفاتحة، والآخر يحسن الفاتحة، ولا يحسن الفقه فالذي يحسن الفاتحة أولى؛ لأن الصلاة لا تصح إلا بالفاتحة.
فإن كان أحدهما يحسن القرآن كله، ومن الفقه ما يحتاج إليه في الصلاة، والآخر يحسن من القرآن ما يجزئ في الصلاة، ولكنه يحسن فقهًا كثيرًا، فقد قال الشافعي: (إن قدم الفقيه فحسن، وإن قدم القارئ فحسن، ويشبه أن يكون الفقيه أولى) .
قال أصحابنا: تقديم الفقيه أولى؛ لأن ما يحتاج إليه من القرآن في الصلاة محصور، وما يحتاج إليه من الفقه في الصلاة غير محصور، وربما تحدث عليه حادثة في الصلاة تحتاج إلى الاجتهاد فيها، وإلى هذا ذهب مالك، والأوزاعي، وأبو حنيفة.
وقال الثوري، وأحمد، وأبو إسحاق: (القارئ أولى) ، واختاره ابن المنذر؛ لقوله ﷺ : «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله تعالى» .
ودليلنا: ما ذكرناه: من أن الواجب من القراءة في الصلاة محصور، وما يحتاج إليه من الفقه فيها غير محصور.
وأما الخبر: فإنما كان ذلك في الصحابة ﵃؛ لأنهم كانوا يسلمون كبارًا، فيتعلمون القراءة، ويتعلمون أحكامها.
وروي عن ابن مسعود: أنه قال: (ما كنا نتجاوز عشر آيات حتى نعرف حكمها، وأمرها ونهيها) ، ولهذا لا يوجد منهم قارئ إلا وهو فقيه، وكثير يوجد منهم فقيه غير قارئ.
وقيل: إن الذي كان يحفظ منهم جميع القرآن سبعة وهم: أبو بكر، وعثمان،
стр. 854
وعلي، وزيد بن ثابت، وأبي بن كعب، وعبد الله بن مسعود، وابن عباس، بخلاف أهل وقتنا، فإنهم يتعلمون القرآن، ثم الفقه.
وأما الأسباب الثلاثة، وهي: النسب، والسن، والهجرة، فاختلف أصحابنا في ترتيب المذهب فيها:
فذكر الشيخ أبو إسحاق في " المهذب "، وابن الصباغ، والمحاملي فيها قولين:
أحدهما وهو قوله القديم: (أن النسب مقدم، ثم الهجرة بعده، ثم السن) .
قال الشيخ أبو إسحاق: وهو الأصح، ووجهه: ما روي، عن النبي ﷺ أنه قال: «الأئمة من قريش» ، ولم يفرق بين الإمامة العظمى والصغرى.
ولقوله ﷺ : «قدموا قريشًا، ولا تقدموها» .
ولأنه قدم الهجرة على السن في حديث أبي مسعود، والنسب مقدم على الهجرة.
والثاني وهو قوله الجديد: (أن السن مقدم، ثم النسب، ثم الهجرة؛ لما روي: «أن النبي ﷺ قال للرجلين: "وليؤمكما أكبركما» .
وقال ﷺ : «صلوا كما رأيتموني أصلي، وليؤذن لك أحدكم، وليؤمكم أكبركم» ، ولم يفرق بين أن يكون الأكبر أشرف من الأصغر، أو الأصغر أشرف؛ ولأن الأكبر أخشع في الصلاة، فكان أولى.
وذكر الشيخ أبو حامد في " التعليق "، وصاحب " الفروع ": أن النسب والسن مقدمان على الهجرة، بلا خلاف على المذهب.
وفي النسب والسن قولان:
قال الشيخ أبو حامد: وأما تقديم الهجرة على السن فلم يرد به الهجرة وحدها، وإنما أراد من له هجرة ونسب؛ لأن أكثر المهاجرين كانوا من قريش.
إذا ثبت هذا: فالنسب المراد هاهنا أن من كان من بني هاشم، وبني المطلب،
стр. 855
فيقدم على غيره من قريش، ثم يقدم قريش على غيرهم، ويحتمل أن يقدم العرب على العجم.
وأما السن: فإن الرجل إذا نشأ في الإسلام، وشاخ فيه قدم على من أبلى عمره في الشرك، ثم أسلم، وكذلك يقدم من تقدم إسلامه على من تأخر إسلامه.
وأما الهجرة: فإن من هاجر يقدم على من لم يهاجر، ومن تقدمت هجرته قدم على من تأخرت هجرته، وكذلك أولاد المهاجرين، يقدمون على أولاد من لم يهاجر، وكذلك في تقدم الهجرة بالآباء أيضًا، وسواء كانت الهجرة قبل الفتح أو بعده، وأما قول النبي ﷺ : «لا هجرة بعد الفتح» ، فأراد أن الهجرة لا تجب على أهل مكة بعد الفتح.
فإن استويا في جميع الأسباب، فلا نص للشافعي فيه.
стр. 856
قال أصحابنا: فيقدم أورعهم وأزكاهم.
وقال بعض المتقدمين: يقدم أحسنهم.
فمن أصحابنا من قال: أراد أحسنهم وجهًا؛ لأن ذلك فضيلة كالنسب.
ومنهم من قال: بل أراد أحسنهم ذكرًا بين الناس.
قال ابن الصباغ: وهذا حسن.
[فرع تقديم صاحب البيت في الإمامة]
] : إذا حضر جماعة في دار رجل، وحضرتهم الصلاة، وصاحب البين يحسن من القرآن ما يجزئ في الصلاة، فصاحب البيت أحق بالإمامة ممن حضر معه، وإن كانوا أفقه منه وأقرأ، إلا أن يكون الحاضر سلطانًا فهو أحق؛ لما روى أبو مسعود البدري: أن النبي ﷺ قال: «لا يؤم الرجل في بيته، ولا في سلطانه، ولا يجلس على تكرمته في بيته إلى بإذنه» .
ولأن لصاحب البيت ولاية خاصة على الدار، لا يشاركه فيها غيره.
واختلف في التكرمة: فقال قوم: هي المائدة.
وقال آخرون: هي البساط والفراش، ولم يذكر الشيخ أبو حامد في " التعليق " غير هذا.
فإن حضر المستأجر ومالك الدار في الدار المستأجرة، فالمستأجر أحق بالتقدم من مالكها؛ لأنه أحق بمنافعها.
وإن حضر العبد وغيره في دار، جعلها السيد لسكنى العبد، فالعبد أحق؛ لأنه أحق بمنافعها.
وعلى قياس هذا: إذا استعار من رجل دارًا، فحضر المستعير وغيره، فالمستعير أولى.
стр. 857
وإن حضر العبد وسيده في الدار التي جعلها لسكناه، فالسيد أحق؛ لأنه هو المالك لرقبة الدار.
وعلى قياس هذا: إذا حضر المعير والمستعير في الدار المعارة، فالمعير أولى؛ لأنه هو المالك لرقبة الدار، ويملك الرجوع في المنفعة.
وحكى في " الإبانة " [ق \ ٨٠] : أن القفال كان يقول هكذا في الابتداء، ثم رجع عنه، وقال: بل المستعير أولى بخلاف العبد؛ لأن المستعير سكن لنفسه، والعبد سكن لسيده.
[فرع الإمام الراتب]
] : وإن حضر إمام المسجد الراتب مع غيره من الرعية، فإمام المسجد أحق بالتقديم، وإن كان هناك من هو أفقه منه وأقرأ؛ لما روي: (أن ابن عمر قدم مولى له كان إمامًا في مسجد، وقال: أنت أحق بالإمامة في مسجدك) .
وإن أذن رب الدار، أو إمام السجد لمن حضر معه أن يتقدم، فله أن يتقدم.
وقال بعض الناس: لا يجوز.
دليلنا: قوله ﷺ في الخبر: "إلا بإذنه".
فإن حضر الإمام الأعظم مع رب الدار، أو مع إمام المسجد فالإمام الأعظم أولى؛ لقوله ﷺ : "ولا في سلطانه "؛ ولأنه راع وهم رعيته، فكان تقديم الراعي أولى.
وإن قدم الإمام الأعظم رجلًا، كان أحق من غيره.
وإن دخل الإمام الأعظم بلدًا، وله فيه خليفة، كان أولى بالتقدم فيه من خليفته؛ لأن ولايته أعم.
стр. 858
قال الشافعي: (فإن اجتمع مقيمون ومسافرون، وفيهم وال، كان تقديم الوالي أولى، سواء كان من المسافرين أو من المقيمين، وإن لم يكن فيهم وال، فالمقيم أولى بالتقديم؛ لأنه صلاته أكمل، فإن تقدم مسافر وصلى بهم جاز) .
وهل يكره؟ فيه قولان.
[فرع إمامة العبد]
] : ولا تكره إمامة العبد للأحرار.
وقال أبو مجلز وأبو حنيفة: (تكره) .
وقال مالك: (لا يؤم في جمعة، ولا عيد) .
وقال الأوزاعي: (لا يؤم الناس، ويؤم أهله) .
دليلنا: قوله ﷺ : «اسمعوا وأطيعوا، ولو أمر عليكم عبد أجدع، ما أقام فيكم الصلاة» .
وروي: (أنه كان لعائشة غلام لم يعتق، يكنى أبا عمرو، وكان يؤمها، ويؤم محمد بن أبي بكر، وعروة بن الزبير) .
إذا ثبت هذا: فالحر أولى بالإمامة؛ لأنه موضع كمال، والحر أكمل.
[فرع إمامة المجهول]
] : ويكره أن يؤم من لا يعرف أبوه، وبه قال مالك، وأبو حنيفة، وأصحابه.
стр. 859
وقال الثوري، وأحمد، وإسحاق: (لا يكره) ، وروي عن مالك في ذلك رواية أخرى.
وقالت عائشة: (ما عليه من وزر أبويه شيء) .
دليلنا: ما روي: (أن رجلًا كان يؤم الناس بالعقيق لا يعرف أبوه، فنهاه عمر بن عبد العزيز) ؛ ولأنه موضع كمال، وهذا ليس في موضع الكمال.
[فرع إمامة الأعمى]
] : تجوز إمامة الأعمى بالبصير والأعمى؛ لما روي: «أن النبي ﷺ استخلف ابن أم مكتوم في بعض غزواته على المدينة، وكان يصلي به» .
وهل هو أولى أم البصير؟ فيه ثلاثة أوجه:
أحدها وهو المنصوص للشافعي: (أنهما سواء؛ لأن الأعمى لا يرى ما يشغله، والبصير يتوقى الأنجاس فاستويا) .
والثاني وهو قول الشيخ أبي إسحاق: أن البصير أولى؛ لأنه يتوقى الأنجاس التي تفسد الصلاة، وأما نظره إلى ما يشغل: فلا يفسد الصلاة.
стр. 860
والثالث وهو قول أبي إسحاق المروزي: أن الأعمى أولى؛ لأنه لا ينظر إلى ما يلهيه، فيتوفر على الخشوع.
قال ابن الصباغ: وهذان الوجهان يخالفان نص الشافعي، وما قاله أحدهما يعارضه ما قال الآخر فسقطا، واستوى البصير والأعمى.
وبالله التوفيق
стр. 861
[باب موقف الإمام والمأموم]
إذا صلى رجلان جماعة، قام المأموم عن يمين الإمام، وبه قال الفقهاء كافة، وحكي عن ابن المسيب: أنه قال: لا يقوم عن يساره.
وقال النخعي: يقوم وراءه، فإن جاء آخر وقف معه، وإن لم يجئ آخر، وركع الإمام فإنه يتقدم إلى يمين الإمام.
دليلنا: ما روي «عن ابن عباس: أنه قال: (بتُّ عند خالتي ميمونة، فقام رسول الله ﷺ من الليل، فتوضأ، وصلى، فقمت، فتوضأت كما توضأ، وقمت عن يساره، فأخذني بيدي) ، وروي (برأسي، وحولني عن يمينه) ، وروي: (فأدارني من ورائه) » .
قال أصحابنا: وفي هذا الخبر أربع عشرة فائدة:
إحداهن: أن المأموم الواحد ينبغي له أن يكون على يمين الإمام.
الثانية: أنه إذا خالف، ووقف على يساره صحت صلاته.
الثالثة: أنه لا يلزمه سجود السهو.
стр. 862
الرابعة: أنه إذا وقف عن يساره ينبغي له أن يتحول إلى يمينه.
الخامسة: أنه إذا لم يتحول حوله الإمام.
السادسة: أنه يحوله بيمينه دون يساره.
السابعة: أن يديره من خلفه.
الثامنة: أن صلاة النفل يحرم فيها الكلام؛ لأن النبي ﷺ لم يكلمه.
التاسعة: أن النفل يجوز فعله جماعة.
العاشرة: أن العمل اليسير لا يبطل الصلاة، مثل ما فعل النبي ﷺ .
الإحدى عشرة: أن المشي القليل لا يبطل الصلاة، مثل مشي ابن عباس.
الاثنتا عشرة: أن الصبي له موقف في الصف كالبالغ؛ لأن ابن عباس كان صبيًّا.
الثالثة عشرة: أن المأموم يدور هو، ولا يدور الإمام.
الرابعة عشرة: أن المرور بين يدي المصلي مكروه؛ لأن النبي ﷺ أداره من خلفه، ولم يدره بين يديه.
فإن جاء مأموم آخر، أحرم عن يسار الإمام، فإن كان قدام الإمام واسعًا ووراءهما ضيقًا، تقدم الإمام، وإن كان وراءهما واسعًا، تأخر المأمومان، سواء كان قدام الإمام واسعًا أو ضيقًا؛ لما روى جابر، قال: «صليت مع النبي ﷺ ، فقمت عن يمينه، ثم جاء جبار بن صخر، فقام عن يساره، فدفعنا جميعًا، حتى أقامنا من خلفه» .
ولأنهما تابعان للإمام، فكانا أولى بالتأخير، بدليل: (أن النبي ﷺ أدار ابن عباس، ولم يدر هو) .
فإن جاء المأموم الثاني، وهما جالسان في التشهد، ووقف عن يسار الإمام،
стр. 863
وكبر، وجلس، ولا يتأخرا جالسين؛ لأن ذلك مشقة، فإذا قاموا تأخرا، وإن سلم الإمام قام المأموم، وأتم صلاته.
وإن حضر رجلان مع الإمام، فالسنة أن يقفا خلف الإمام، وروي ذلك عن عمر، وعلي، وابن عمر.
وقال ابن مسعود: (إذا كان مع الإمام اثنان، قام أحدهما عن يمينه، والآخر عن شماله، وإن كانوا ثلاثة قاموا من خلفه) .
وروي عنه: «أنه صلى بعلقمة والأسود، فجعل أحدهم عن يمينه، والآخر عن شماله، وقال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ » .
دليلنا: ما ذكرناه من حديث جابر، وروى سمرة بن جندب، قال: «أمرنا رسول الله ﷺ إذا كنا ثلاثة أن يتقدمنا أحدنا» .
وإن حضر رجل وصبي، وقفا من خلف الإمام؛ لما روي «عن أنس: أنه قال: (صليت خلف رسول الله ﷺ أنا ويتيم لنا، وأم سليم خلفنا» .
стр. 864
وإن حضر مع الرجل والصبي امرأة وقفت خلفهما؛ لحديث أنس.
وإن حضر مع الإمام امرأة، لا رجل معها، وقفت خلف الإمام.
وإن حضر معه رجل وامرأة وقف الرجل عن يمين الإمام، والمرأة خلف الرجل؛ لحديث أنس.
وإن حضر مع الإمام خنثى وقف وراءه؛ لجواز أن يكون امرأة، ولا يقف عن يمينه لتجويز كونه رجلًا؛ لأن مخالفة المرأة الموقف أشد من مخالفة الرجل.
وإن كان مع الإمام رجل أو صبي وخنثى فإن الرجل أو الصبي يقف عن يمين الإمام، والخنثى وراءه.
وإن كان معه خنثى وامرأة وقف الخنثى خلف الإمام، والمرأة خلف الخنثى.
وإن حضر رجال وصبيان تقدم الرجال في الصف الأول، ثم الصبيان بعدهم في صف آخر.
ومن أصحابنا من قال: يقف بين كل رجلين صبي؛ ليتعلموا منهم أفعال الصلاة، وهذا ليس بصحيح؛ لقوله ﷺ : «ليلني منكم أولو الأحلام والنهى» .
وروي عن أنس: أنه قال: «كان رسول الله ﷺ يحب أن يليه المهاجرون والأنصار؛ ليحفظوا عنه» .
стр. 865
وأما التعلم: فيمكنهم، وإن كانوا خلفهم.
[فرع كراهة ارتفاع موضع الإمام]
] : ويكره أن يكون موضع الإمام أعلى من موضع المأموم.
قال الشيخ أبو حامد: وإنما يكره إذا كانت ربوة كثيرة العلو، فأما إذا كنت دكة، أو ربوة قليلة العلو لم يكره.
والدليل على الكراهة: ما روي: (أن حذيفة صلى على مكان، والناس أسفل منه، فجذبه سلمان، وقال: أما علمت أن أصحابك -يعني: الصحابة- يكرهون ذلك، فقال: بلى، قد ذكرت حين جذبتني) .
وإن أراد الإمام أن يعلم المأمومين أفعال الصلاة وترتيبها لم يكره ذلك.
стр. 866
وقال أبو حنيفة ومالك: (يكره بكل حال) .
وقال الأوزاعي: (إن كان موضع الإمام أعلى من موضع المأمومين، بطلت صلاتهم) .
دليلنا: ما روي: «أن النبي ﷺ صلى على المنبر، فركع، ورفع، ثم رجع القهقرى، فسجد، ورفع، فلما فرغ قال: "إنما صنعت هكذا لتأتموا بي» .
[مسألة استحباب الجماعة للنساء]
] : يستحب للنساء الجماعة في الصلوات التي يسن لها الجماعة، إلا أنها لا تتأكد في حقهن، كتأكدها في حق الرجال، وبه قال عطاء، والأوزاعي، والثوري، وأحمد، وإسحاق.
وقال قتادة، والشعبي، والنخعي: يكره لهن الجماعة في الفرائض، ولا تكره في النوافل.
وقال مالك، وأبو حنيفة: (يكره لهن في الفرائض والنوافل) .
стр. 867
دليلنا: ما روي: «أن النبي ﷺ كان يزور أم ورقة بنت عبد الرحمن بن الحارث بن نوفل الأنصاري، وكان يسميها الشهيدة، وكان يأمرها أن تؤم أهل دارها، وجعل لها مؤذنًا» .
إذا ثبت هذا، فالسنة أن تقف إمامتهن وسطهن.
قال ابن الصباغ: ولا يعرف فيه خلاف؛ لما روي: (أن عائشة ﵂ أمت نساء، فقامت وسطهن) .
فإن تقدمت عليهن وصلت بهن كره، وصحت صلاتهن، كما لو وقف إمام الرجل وسطهم.
والحرة أولى من الأمة في الإمامة، كما قلنا: إن الحر أولى من العبد.
فإن أمّ الخنثى نساء تقدم عليهن، ووقفن وراءه؛ لجواز أن يكون رجلًا.
ومما يسأل عنه على وجه التعنت، فيقال: إذا أمّ الخناثى واحد منهم، أين يقف؟
стр. 868
فإن قال: وسطهم أو قدامهم، فالجميع خطأ، وإنما الجواب الصحيح: أن يقال: لا يؤم الخنثى الخنثى، وقد مضى.
[مسألة صلاة نية الجماعة]
] : إذا أمّ قومًا، فليس من شرط صحة ائتمامهم أن ينوي الإمام إمامتهم.
وقال أبو حنيفة: (إن أمّ الرجل رجالًا لم تشترط نية الإمام أن يكون إمامًا لهم، وإن أمّ نساء لم تصح صلاتهن خلفه، حتى ينوي الإمام أنه إمامهن) .
وقال الأوزاعي: (لا تصح صلاة من خلفه من الرجال والنساء، حتى ينوي الإمام إمامة من خلفه) .
دليلنا على الأوزاعي: حديث ابن عباس الذي ذكرناه في أول الباب.
وروى «أنس قال: أتيت النبي ﷺ في رمضان، وهو يصلي، فوقفت خلفه، ثم جاء آخر، فوقف بجنبي، حتى صرنا رهطًا كثيرًا، فلما أحس النبي ﷺ بنا أوجز في صلاته، ثم قال: " إنما فعلت هذا لأجلكم» ، فسقط بهذا مذهب الأوزاعي.
ونقيس على أبي حنيفة المرأة على الرجل، فنقول: كل من صح ائتمامه، إذا نوى الإمام إمامته صح، وإن لم ينو إمامته كالرجل.
[فرع موقف المرأة وصلاة الرجل خلف الصف]
] : وإن وقفت المرأة مع الرجل أو قدامه صحت صلاة الرجل، وإن وقف الرجل في الصف وحده خلف المأمومين كره ذلك، وصحت صلاته.
وقال أحمد، وإسحاق: (تبطل صلاته) . واختاره ابن المنذر.
стр. 869
دليلنا: ما روي: «أن أبا بكرة دخل المسجد، وهو يلهث، وقد ركع النبي ﷺ فأحرم، وركع معه، ثم دخل الصف، فلما فرغ النبي ﷺ من صلاته قال: "أيكم الذي ركع خلف الصف وحده؟ "، فقال أبو بكرة: أنا يا رسول الله، فقال النبي ﷺ : "زادك الله حرصًا، ولا تعد» ، ولم يأمره النبي ﷺ بالإعادة.
وأما قوله: "ولا تعد": فيحتمل ثلاثة تأويلات:
أحدها: لا تعد إلى العدو الشديد؛ لأنه جاء يلهث، وهذا كقوله ﷺ : «إذا أتيتم الصلاة، فلا تأتوها وأنتم تسعون، ولكن ائتوها وأنتم تمشون، وعليكم السكينة» .
والثاني: أنه أراد: لا تعد أن تتأخر عن الصلاة، حتى تفوتك الركعة.
والثالث: لا تعد إلى الإحرام خلف الصف.
[فرع تقدم المأموم]
إذا تقدم المأموم على الإمام، وصلى بصلاته في غير المسجد الحرام، ففيه قولان:
[الأول] : قال في الجديد: (لا تصح صلاته) ، وبه قال أبو حنيفة، وهو الصحيح؛ لأنه قد وقف في موضع ليس بموقف مؤتم بحال، فأشبه إذا وقف في موضع نجس.
فقولنا: (بحال) احتراز ممن وقف على يسار الإمام وحده.
و [الثاني] : قال في القديم: (تصح صلاته) ، وبه قال مالك، وإسحاق، وأبو ثور؛ لأنه خالف سنة الوقف مع الإمام، فوجب ألا يمنع صحة الصلاة، كما لو وقف على يسار الإمام وحده، فإن صلى الإمام في المسجد الحرام إلى ناحية من نواحي
стр. 870
الكعبة، فاستدار المأمومون حول الكعبة، فإن من كان منهم في جهة الإمام، إذا تقدم على الإمام، وكان أقرب إلى الكعبة من إمامه، فعلى القولين في التي قبلها.
وأما صلاة من كان أقرب إلى الكعبة من الإمام في غير جهة الإمام، ففيه طريقان:
[الأول] : قال أبو إسحاق المروزي: هي على قولين كالأولى.
و [الثاني] : قال عامة أصحابنا: تصح قولًا واحدًا وهو المنصوص؛ لأن قرب المأموم في غير جهة الإمام لا يكاد يضبط، ويشق مراعاة ذلك، وفي جهته لا يشق عليه مراعاة خلف الإمام؛ ولأن المأموم إذا كان في غير جهة الإمام، فليس هو بين يديه، وإن كان أقرب إلى الكعبة منه، وإذا كان في جهته كان بين يديه، فلهذا افترقا؛ ولأن الشافعي قد نص في " الجامع الكبير ": (إذا كان الإمام يصلي إلى الكعبة على الأرض، والمأموم على سطحها، فصلى بصلاته، أجزأه ذلك) . والمأموم هاهنا أقرب.
[مسألة استحباب الصف الأول]
] : والمستحب: أن يتقدم في الصف الأول؛ لقوله ﷺ : «لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول، ثم لا يجدون إلا أن يستهموا عليه، لاستهموا عليه» .
وروى البراء بن عازب: أن النبي ﷺ قال: «إن الله وملائكته يصلون على الصف الأول» يعني: على أهل الصف الأول، والصلاة من الله الرحمة، ومن الملائكة الدعاء.
ويستحب أن يعتمد يمين الإمام؛ لما روي عن البراء بن عازب: أنه قال: «كان
стр. 871
يعجبنا عن يمين رسول الله ﷺ ؛ لأنه كان يبدأ بمن على يمينه، فيسلم عليه» .
فإن وجد في الصف الأول فرجة، فالمستحب: أن يسدها؛ لما روى أنس: أن النبي ﷺ قال: «أتموا الصف الأول، فإن كان نقص ففي المؤخر» .
فإن لم يجد في الصف الأول مدخلًا فاختلف أصحابنا فيه:
فقال الشيخ أبو حامد، والمحاملي، وسليم: يجذب رجلًا يصلي معه، فإن لم يفعل كره له أن يصلي وحده، وهو قول عطاء والنخعي.
وقال القاضي أبو الطيب وابن الصباغ: يقف وحده في الصف الثاني، وهو المنصوص في " البويطي "، وبه قال مالك؛ لما ذكرناه من حديث أنس؛ ولأن في جذبه رجلًا يحدث خللًا في الصف الأول، ويحرم المجذوب فضيلة الصف الأول، وليس له ذلك.
[فرع على المأموم أن يعلم حركات الإمام]
] : فإذا صلى بصلاة الإمام وهما في المسجد، فإنه يعتبر في صحة صلاة المأموم علمه بصلاة الإمام، إما أن يشاهده، أو يسمع تكبيره، أو يبلغ عنه، وسواء كان بين الإمام والمأموم قريب أو بعيد، وسواء كان بينهما حائل، أو لا حائل بينهما، وهذا إجماع لا خلاف فيه؛ لأن المسجد كله موضع للجماعة الواحدة، واعتبار رؤية الإمام ومشاهدته في المسجد لا يمكن.
قال الشيخ أبو حامد: وكذلك المساجد اللطاف المتصلة بالجامع، وأبوابها شارعة
стр. 872
إلى الجامع، فحكم من يصلي فيها بصلاة الإمام في الجامع، حكم من يصلي بصلاته في الجامع؛ لأنها إن بنيت مع الجامع فهي منه، وإن بنيت بعده فهي مضافة إليه.
قال الصيدلاني: ومثله إذا صلى في رحبة المسجد؛ لأنها من جملة المسجد.
فإن صلى على سطح المسجد بصلاة الإمام في المسجد جاز؛ لما روي: (أن أبا هريرة صلى فوق ظهر المسجد بصلاة الإمام في المسجد) .
ولأن سطح المسجد كقراره، بدليل: أن الجنب لا يلبث فيه، كما لا يلبث في قراره؛ ولأن أكثر ما فيه الحيلولة بينه وبين الإمام بالسقف، والحيلولة في المسجد لا تمنع الصلاة، كما لو كان في قرار المسجد.
إذا ثبت هذا: فيحتاج أن يقف وراء الإمام، فإن وقف حذاء رأس الإمام كره، وأجزأه.
وإن وقف، بحيث يكون قدام الإمام ففيه قولان، كما لو كانا في القرار.
قال الصيمري: وإن كان سطح المسجد مملوكًا، فصلى عليه رجل بصلاة الإمام في المسجد لم تصح صلاته؛ لأنه ليس من جملة المسجد.
[فرع صلاة المأموم خارج المسجد]
] : فأما إذا صلى خارج المسجد بصلاة الإمام في المسجد، ولم يكن بينهما حائل يمنع الاستطراق والمشاهدة، بأن لم يكن للمسجد حائط، أو كان له حائط، ووقف المأموم بحذاء الباب، وهو مفتوح، فإن كان بينهما مسافة قريبة جاز، إذا علم
стр. 873
بصلاة الإمام، وإن كان بينهما مسافة بعيدة لم يجز، هذا قول كافة العلماء.
وقال عطاء: يعتبر علمه بصلاة الإمام، وإن كان بينهما مسافة بعيدة.
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] [الجمعة: ٩] ، فأوجب الله السعي إلى الجمعة، فلو كان كل من صلى خارج المسجد بصلاة الإمام يجزئه إذا علم بصلاة الإمام، لما وجب عليه السعي.
والمسافة القريبة: ثلاثمائة ذراع، والبعيدة ما زاد، ومن أين تعتبر هذا المسافة؟ فيه وجهان.
أحدهما وهو المشهور من المذهب: أنها تعتبر من حائط المسجد.
فعلى هذا: لو وقف الإمام في محراب المسجد، ومساحة المسجد ألف ذراع أو أكثر، ثم وقف صف خارج المسجد، بينه وبين حائط المسجد ثلاثمائة ذراع، وهم عالمون بصلاة الإمام صح، وكذلك لو وقف صف آخر بينه وبين الصف الأول ثلاثمائة ذراع، ثم بعده صف، وبينهما هذه المسافة، حتى اتصلت الصفوف فراسخ صح ذلك؛ لأن المسجد كله موضع للجماعة، فجعل آخره كأوله.
والثاني حكاه في " الإبانة " [ق \ ٨٤] أنه يعتبر من موقف الإمام.
وإن كان بينه وبين الإمام حائط المسجد؛ ففيه وجهان:
أحدهما وهو قول أبي إسحاق: لا يمنع؛ لأن حائط المسجد لا يمنع صحة ائتمام من في داخل المسجد، فلم يمنع صحة ائتمام من في خارجه؛ ولأن الشافعي قال: (لو صلى في رحبة المسجد بصلاة الإمام في المسجد أجزأه) . ومعلوم أن بينهما حائط المسجد.
стр. 874
والثاني وهو قول أكثر أصحابنا، وهو الصحيح: أنه يمنع؛ لأن هذا الحائط بني للفصل بينه وبين غيره، فمنع، كحائط غير المسجد.
وأما ما ذكره من الرحبة: فلأن الرحبة من جملة المسجد، أو يحمل على من كان حذاء باب المسجد، وهو مفتوح، فعلى قول أبي إسحاق: لو كان لرجل دار بجنب المسجد، وحائط المسجد حائط داره، جاز له أن يصلي في بيته بصلاة الإمام في المسجد، إذا علم بصلاته، وعلى قول عامة أصحابنا: لا يجوز.
وإن كان بينهما حائل يمنع الاستطراق دون المشاهدة، كالشباك ففيه وجهان:
أحدهما: يمنع؛ لأنه يمنع الاستطراق، فهو كالحائط.
والثاني: لا يمنع؛ لأنه لا يمنع الشاهدة.
[فرع موقف المأموم في الفلاة]
] : فأما إذا كان الإمام يصلي في صحراء، فإن الإمام هاهنا للصف الأول، كالمسجد للصف الأول خارج المسجد، إذا كان الإمام يصلي في المسجد، فإن وقفوا من الإمام على ثلاثمائة ذراع فما دون أجزأتهم صلاتهم، وكذلك لو وقف صف، بينه وبين الصف الأول ثلاثمائة ذراع، ثم ثالث، ورابع، وهم عالمون بصلاة الإمام صح.
واختلف أصحابنا: من أين أخذ الشافعي هذا الحد؟ فذهب أبو العباس، وأبو إسحاق: إلى أنه أخذه من صلاة الخوف؛ لـ: «أن النبي ﷺ أحرم بطائفة، وصلى بهم ركعة» .
وفي رواية ابن عمر: (أنها مضت إلى وجه العدو، وهي في الصلاة، وكن بينه وبينها قدر ثلاثمائة ذراع) ؛ ولأنهم إنما يحرسون المسلمين من وقوع السهام؛ لأنها
стр. 875
أبعد وقعًا من جميع السلاح، وأكثر ما يبلغ إليه السهم ثلاثمائة ذراع.
وذهب ابن خيران، وابن الوكيل: إلى أن الشافعي لم يأخذه من هذا، وإنما أخذه من عرف الناس وعادتهم، وهو ظاهر النص؛ لأن الشافعي قال: (وقربه ما يعرفه الناس قربًا) ، وهذا اختيار الشيخ أبي حامد، وابن الصباغ.
وهل ذلك تحديد، أو تقريب؟ فيه وجهان.
[مسألة الصلاة في دار بقرب المسجد]
قال الشافعي: (ولو صلى في دار قرب المسجد لم يجز، إلا بأن تتصل الصفوف، لا حائل بينه وبينها) ، وجملة ذلك: أنه إذا صلى في داره، أو دار غيره بصلاة الإمام في المسجد، فإن كان يصلي في قرار الدار، وباب داره مفتوح، يرى منه الإمام، أو بعض المأمومين، فاختلف أصحابنا في ذلك:
فقال أبو إسحاق: لا يجوز، إلا أن تكون الصفوف متصلة إلى داره اتصال العادة؛ لأن الشافعي اشترط ذلك.
والفرق بينه وبين الصحراء: أن الصحراء مهيأة لمرافق المسلمين، ومن مرافقهم الصلاة، وداره لم تبن لذلك، وإنما هي ملك له خاص، وهذه طريقة المسعودي [في " الإبانة " ق \ ٨٦] .
وقال أبو علي في " الإفصاح ": لا فرق بين الدار وبين الطرق والصحارى، ويراعى فيه القرب والبعد الذي ذكره الشافعي.
وقوله: (إلا أن تتصل الصفوف) أراد: ألا يكون بين الصفين أكثر من ثلاثمائة ذراع؛ لأن هذا عنده حد الاتصال.
стр. 876
[فرع الصلاة في الدور]
] : قال المسعودي: [في " الإبانة " ق \ ٨٦] : إذا صلى في البنيان، فإن كان في بقعة وحدة، مثل: صفة، أو بيت، فيعتبر القرب والبعد على ما ذكرناه.
فإن اختلفت بهم البقعة، مثل: أن كان الإمام في الصفة، وهو في البيت، فيشترط اتصال الصف.
قال: واتصال الصف في الصف، من يسار الإمام ويمينه: هو أن يلتزق الجنب بالجنب، فأما إذا كان بين رجلين فرجة نظر: فإن كان أقل من موقف رجل فلا يضر ذلك، وإن كان أكثر من موقف رجل فيمنع من الاقتداء؛ لأنه لا يكون اتصال الصف، فإن كان بينهما عتبة، فإن كانت صغيرة، بحيث لا يمكن الوقوف عليها، لا تكون حائلًا، وإن كانت عريضة، بحيث يمكن الوقوف عليها كانت حائلة عن الاقتداء.
وهل يراعى وراء الإمام اتصال الصف؟ فيه وجهان:
الأصح: أنه يراعى، فيشترط ألا يكون بين الصفين أكثر من ثلاثة أذرع، فإن كان بينهما أكثر من ثلاثة أذرع لم يكن اتصال الصف.
والثاني: لا يراعى.
فعلى هذا: لو كان الإمام في الصفة مع قوم، فاقتدى به واحد في الصحراء، لم يصح اقتداؤه، وإن كان قريبًا من الصف.
стр. 877
[فرع الصلاة في علو غير المسجد تمنع الاقتداء]
] : فأما إذا صلى في علو الدار بصلاة الإمام في المسجد، قال الشافعي: (لم يجزئه بحال، وإن كانوا يرون من في الصحن؛ لأنها بائنة من المسجد، وليس بينهما قرار يمكن اتصال الصفوف به) ؛ لأن الصف لا يتصل إلى فوق، فإنما يتصل بالقرار.
وقال في " الإفصاح ": ومن كان على الصفا والمروة، أو على جبل أبي قبيس، يصلي بصلاة الإمام في المسجد، تصح صلاته، وإن كان أعلى منه؛ لأن ذلك متصل بالقرار، وقد يكون القرار مستعليًا، ومستفلًا، ومستويًا، وليس كذلك السطح؛ لأنه ليس من القرار، والصف لا يتصل.
وإن صلى رجل على سطح الدار بصلاة الإمام في الدار، أو في صحنه لم تصح صلاته؛ لأن بينهما حائلًا يمنع المشاهدة والاستطراق، والفرق بينه وبين المسجد: أن المسجد بني كله للصلاة، وسطحه منه، وليس كذلك الدار؛ لأن سطحها بني للحائل، ولم يبن للصلاة.
[فرع وجود طريق بين الإمام والمأموم]
] : إذا كان بين الإمام والمأموم شارع، أو طريق جازت صلاته، هذا نقل أصحابنا البغداديين.
وقال أبو حنيفة: (الشارع والطريق يمنع الاقتداء) . وهو قول المسعودي [في " الإبانة " ق \ ٨٤] ، إلا أن تتصل الصفوف.
دليلنا: ما روي: (أن أنسًا كان يصلي في بيوت حميد بن عبد الرحمن بن عوف
стр. 878
بصلاة الإمام في المسجد، وبينهما شارع) ، ولا مخالف له؛ ولأنه من الإمام على مسافة قريبة لا حائل بينهما، فأشبه إذا لم يكن بينهما طريق.
[فرع الصلاة في السفينة]
] : يجوز أن يصلي الفرض والنفل في السفينة، سواء كانت واقفة أو سائرة؛ لأنه يتمكن فيها من القيام، والركوع، والسجود.
قال الشيخ أبو حامد: وكذلك لو أمكنه القيام، والركوع، والسجود في الكنيسة على الراحلة، جاز أن يصلي عليها الفرض إلى القبلة، وإن كانت الراحلة تسير.
وفيها وجه مضى ذكره وهو المنصوص: (أنه لا تصح) ، ولا يجوز أن يصلي النافلة في السفينة إلا إلى القبلة؛ لأنه يمكنه ذلك من غير مشقة.
وأما وجوب القيام في الفريضة إذا كان في السفينة: فإن كان لا يخاف الغرق ولا دوران رأسه عند القيام لزمه ذلك، وإن كان يخالف الغرق، أو كان رأسه يدور عند القيام، لم يلزمه القيام.
وقال أبو حنيفة: (يجوز له أن يصلي فيها الفرض قاعدًا، بكل حال) .
دليلنا: ما روى ابن عباس: «أن النبي ﷺ قال له جعفر لما بعثه إلى الحبشة: يا رسول الله، كيف أصلي في السفينة؟ فقال له: "صل فيها قائمًا، إلا أن تخاف الغرق» .
стр. 879
ولأنه مستطيع للقيام في صلاة مفروضة، فلم يجز له تركه، كما لو كان في غير السفينة.
فإن أراد أن يأتم من في سفينة، بإمام في سفينة أخرى، فإن كانتا مغطاتين لم يجز؛ لأن بينهما حائلًا يمنع الاستطراق والمشاهدة.
وإن كان لا حائل بينهما، وكانتا متصلتين جاز، وهكذا إذا كانتا منفصلتين، وكان بينهما ثلاثمائة ذراع أو أقل جاز.
واشترط صاحب " الإفصاح " مع ذلك: إذا كانوا يجرون بريح رخاء، يأمنون أن تتقدم إحداهما على الأخرى، هذا قول عامة أصحابنا، إلا أبا سعيد الإصطخري، فإنه قال: الماء يمنع الاقتداء، وهو قول أبي حنيفة.
دليلنا: أن الماء لا يراد للحائل، وإنما يراد للمنفعة، فهو كالنار.
ويشترط أن تكون السفينة التي فيها الإمام متقدمة على التي فيها المأمومون، فإن كانت محاذية لها كره وأجزأهم، وإن تقدمت سفينة المأمومين، فهل تصح صلاتهم؟ فيها قولان.
وبالله التوفيق
стр. 880
[باب صلاة المريض]
إذا عجز عن القيام جاز له أن يصلي الفرض قاعدًا؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩١] [آل عمران: ١٩١] .
قيل في التفسير: (قيامًا) إذا قدروا عليه، و (قعودًا) إذا لم يستطيعوا القيام، و (على جنوبهم) إذا لم يقدروا على الجلوس.
وروي «عن عمران بن الحصين: أنه قال: كان بي بواسير، فسألت النبي ﷺ عن الصلاة، فقال: "صل قائمًا، فإن لم تستطع فجالسًا، فإن لم تستطع فعلى جنب» .
وروى أنس: «أن النبي ﷺ سقط من راحلته، فجحش شقه الأيمن، فصلى قاعدًا، وصلى الناس معه قعودًا» .
والعجز الذي يجوز له ترك القيام: إما أن يكون زمنًا لا يستطيع القيام أصلًا، أو يكون صحيحًا، إلا أنه لا يستطيع القيام إلا بتحمل مشقة شديدة، أو يخاف تأثيرًا ظاهرًا في العلة؛ لأن كل عبادة لم يقدر على فعلها إلا بمشقة شديدة جاز له تركها إلى بدلها؛ لأجل المشقة، كالمسافر في شهر رمضان: له أن يفطر وإن كان يقدر على الصيام لو تحمل المشقة.
إذا ثبت هذا: فكيف يقعد؟ فيه قولان:
следующие страницы →