Полный текст (1 486 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.
стр. 1016
والثاني: يصح؛ لأن الاستثناء الأول يمكن تصحيحه، فلا يبطل ببطلان غيره. وإن قال: أنت طالق طلقتين وطلقة إلا طلقة، ففيه وجهان:
أحدهما: يصح الاستثناء لما ذكرنا.
والثاني: لا يصح؛ لأن الاستثناء يعود إلى ما يليه، فيصير مستثنيا للكل؛ ولأن تصحيحه يجعل المستثنى والمستثنى منه لغوا. وإن قال: أنت طالق وطالق وطالق إلا طلقة، أو طالق طلقتين ونصفا إلا طلقة، أو إلا نصف طلقة، فكذلك لما ذكرنا. ولو كان العطف بغير الواو، لغا الاستثناء وجها واحدا. وإن قال: أنت طالق خمسا إلا طلقتين، لم يصح؛ لأنه إن عاد إلى الخمس، بقي بعده ثلاث. وإن عاد إلى الثلاث، لم يصح؛ لأنه استثنى الأكثر، وإن قال: إلا طلقة ففيه وجهان:
أحدهما: لا يصح؛ لأنه استثناء واحدة من خمس، فبقي أربع.
والثاني: يصح، ذكره القاضي، فيقع طلقتان؛ لأن الاستثناء يعود إلى ما ملكه من الطلقات دون ما زاد. ولا يصح الاستثناء من الاستثناء في الطلاق إلا في مسألة واحدة، وهي قوله: أنت طالق ثلاثا إلا اثنتين، إلا واحدة، في أحد الوجهين، بناء على استثناء النصف. وإن قال: أنت طالق ثلاثا إلا ثلاثا إلا واحدة، لم يصح، لأن الاستثناء الأول باطل، فلا يصح الاستثناء منه، ويحتمل أن يعود استثناء الواحدة إلى أول الكلام، لتعذر عوده إلى ما يليه، فيقع طلقتان.
فصل:
وإن قال: أنت طالق ثلاثا، واستثنى بقلبه إلا واحدة، طلقت ثلاثا؛ لأنه يسقط ما يقتضيه نصفه بالنية، فلم يصح. وإن قال لنسائه: أربعتكن طوالق، واستثنى بقلبه إلا فلانة، لم يصح كذلك. وإن قال: نسائي طوالق، ونوى إلا فلانة، صح، ولم تطلق لأنه لم يسقط اللفظ، وإنما يستعمل العموم في الخصوص، وذلك شائع. وإذا ادعى ذلك دين. وهل يقبل في الحكم؟ على روايتين.
[باب الشروط في الطلاق]
يصح تعليق الطلاق بشرط، كدخول الدار، ومجيء زيد، ودخول سنة. فإن علقه بشرط، تعلق به. فمتى وجد الشرط، وقع. وإن لم يوجد، لم يقع؛ لأنه إزالة ملك بني على التغليب والسراية، أشبه العتق. ولو قال: عجلت ما علقته، لم تطلق؛ لأنه تعلق بالشرط فلم يتغير. فإن قال: أردت الطلاق في الحال، وإنما سبق لساني إلى الشرط، طلقت في الحال؛ لأنه أقر على نفسه بما يوجب التغليظ من غير تهمة. وإن قال: أنت
стр. 1017
طالق، ثم قال: أردت إذا دخلت الدار، دين. وهل يقبل في الحكم؟ يخرج على روايتين.
فصل:
وأدوات الشرط المستعملة في الطلاق والعتاق ستة: إن، ومن، وإذا، ومتى، وأي، وكلما، وليس فيها ما يقتضي التكرار إلا (كلما) فإذا قال: إن قمت، أو إذا قمت، أو متى قمت، أو أي وقت قمت، أو من قام منكن، فهي طالق، فقامت، طلقت. وإن تكرر القيام، لم يتكرر الطلاق؛ لأن اللفظ لا يقتضي التكرار، وإن قال: كلما قمت، فأنت طالق، فقامت - طلقت. وإن تكرر القيام، تكرر الطلاق؛ لأن اللفظ يقتضي التكرار. وقال أبو بكر: في (متى) ما يقتضي تكرارها؛ لأنها تستعمل للتكرار. قال الشاعر:
متى تأته تعشو إلى ضوء ناره ... تجد خير نار عندها خير موقد
والصحيح: أنها لا تقتضيه؛ لأنها اسم زمان، فأشبهت إذا، وكل هذه الأدوات على التراخي إذا خلت من حرف "لم"، فإن صحبتها "لم" كانت "إن" على التراخي. و (إذا) فيها وجهان:
أحدهما: هي على الفور؛ لأنها اسم زمان، فأشبهت (متى) .
والثاني: هي على التراخي؛ لأنها أخلصت للشرط، فهي بمعنى (إن) وإن احتملت الأمرين، لم يقع الطلاق بالشك. وسائر الأدوات على الفور؛ لأنها تقتضيه. فإذا قال: إن لم أطلقك، فأنت طالق، ولم ينو وقتا بعينه، ولا دلت عليه قرينة، لم يقع الطلاق إلا عند قربه منه، وذلك في آخر جزء من حياة أحدهما. وإن قال: متى لم أطلقك، أو أي وقت لم أطلقك، فأنت طالق، أو من لم أطلقها منكن، فهي طالق، فمضى زمن يمكن طلاقها ولم يطلقها، طلقت. وإن قال: إذا لم أطلقك، فأنت طالق فهل تطلق قي الحال، أو في آخر حياة أحدهما؟ على وجهين. وإن قال: كلما لم أطلقك، فأنت طالق، فمضى زمن يمكن طلاقها ثلاثا، ولم يطلقها، طلقت ثلاثا؛ لأن معناه: كلما سكت عن طلاقك، فأنت طالق، وقد سكت ثلاث سكتات في ثلاثة أوقات.
فصل:
وإن قال: إن دخلت الدار، أنت طالق، لم تطلق حتى تدخل، كما لو قال: أنت طالق إن دخلت الدار. ويحتمل أن يقع في الحال؛ لأن جواب الشرط إذا تأخر عنه، لم يكن إلا بالفاء أو بـ "إذا"، وإن قال: إن دخلت الدار وأنت طالق، طلقت في الحال؛ لأن الواو ليست جوابا للشرط. فإن قال: أردت بها الجزاء، أو أردت أن أجعلهما شرطين لشيء، ثم أمسكت، دين؛ لأنه محتمل لما قاله. وهل يقبل في الحكم؟ يخرج على
стр. 1018
روايتين. فإن قال: أنت طالق وإن دخلت الدار، طلقت؛ لأنه معناه: ولو دخلت، كقوله ﵊: «من قال لا إله إلا الله دخل الجنة وإن زنى وإن سرق» . وإن قال: أنت طالق لو دخلت الدار، طلقت؛ لأن "لو" تستعمل بعد الإثبات لغير المنع، كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٦] . وإن قال: أردت الشرط، قُبِلَ؛ لأنه محتمل. وإن قال: أنت طالق أن دخلت بفتح الهمزة، طلقت عند أبي بكر؛ لأن (أن) للتعليل لا للشرط، كقوله تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا﴾ [الحجرات: ١٧] . وقال القاضي: قياس قول أحمد أنه إن كان نحويا، وقع طلاقه لذلك، وإن كان عاميا، فهي للشرط؛ لأن العامي لا يريد بها إلا الشرط، فأجرى عليه حكمه. وحكي عن الخلال: أن النحوي إذا لم يكن له نية، فهو كالعامي.
فصل:
فإن قال: أنت طالق إن شربت، إذا أكلت أو متى أكلت، لم تطلق حتى تشرب بعد الأكل؛ لأن إدخال الشرط على الشرط يقتضي تقديم المؤخر. وإن قال: أنت طالق إن شربت، إن أكلت، فكذلك، لما ذكرناه. وإن قال: أنت طالق إن شربت فأكلت، أو إن شربت ثم أكلت، لم تطلق حتى تأكل بعد الشرب؛ لأنهما حرفا ترتيب. وإن قال أنت طالق إن شربت وأكلت، طلقت بوجودهما على أي صفة؛ لأن الواو للجمع، ولا تقتضي ترتيبا، ولا تطلق بوجود أحدهما؛ لأنها للجمع. وإن قال: أنت طالق إن أكلت، أو شربت، طلقت بوجود أحدهما؛ لأن (أو) تقتضي تعليق الجزاء على واحد من المذكورين؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] .
فصل:
إذا قال: إن حضت فأنت طالق، طلقت بأول جزء من الحيض. فإن رأت دما وتبين أنه ليس بحيض، تبين أن الطلاق لم يقع. فإن قالت: قد حضت فكذبها، قبل قولها بغير يمين. وعنه: لا يقبل قولها، ويختبرها النساء بإدخال قطنة في الفرج، فإن ظهر الدم، فهي حائض، وإلا فلا. والمذهب الأول لقول الله تعالى: ﴿وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨] . فلولا أن قولهن مقبول، ما حرم عليهن كتمانه؛ ولأنه لا يعرف إلا من جهتها. وإن قال: قد حضتِ فأنكرته، طلقت بإقراره. وإن قال:
стр. 1019
إن حضت فضرتك طالق. فقالت: قد حضت، فكذبها لم تطلق ضرتها؛ لأن قولها يقبل في حقها دون غيرها. وإن قال الزوج: قد حضتِ فكذبته، طلقت بإقراره. فإن قال: إن حضت فأنت وضرتك طالقتان، فقالت: قد حضت فصدقها، طلقتا. وإن كذبها، طلقت وحدها، ولم تطلق الضرة وإن صدقها. وإن قال: إذا حضتما، فأنتما طالقتان، فصدقهما طلقتا. وإن كذبهما، لم تطلق واحدة منهما؛ لأن طلاق كل واحدة منهما معلق على حيضهما، ولا يقبل قول واحدة منهما في حق ضرتها. وإن صدق إحداهما وحدها، لم تطلق؛ لأن قول المكذبة غير مقبول في حقها، وطلقت المكذبة؛ لأنها مقبولة القول في نفسها، وقد صدق الزوج صاحبتها، فوجد الشرطان في طلاقها فطلقت. وإن قال لأربع نسوة له: إن حضتن، فأنتن طوالق. فقد علق طلاق كل واحدة منهن بحيض الأربع، فإن قلن: قد حضنا فصدقهن، طلقن؛ لأنه قد وجد حيضهن بتصديقه، وإن كذبهن، أو كذب ثلاثاً أو اثنتين، لم تطلق واحدة منهن؛ لأن قول كل واحدة لا يقبل إلا في حق نفسها، فلم يوجد الشرط.
وإن صدق ثلاثاً، طلقت المكذبة، لما ذكرنا في الاثنتين إذا صدق إحداهما. فإن قال: كلما حاضت إحداكن، فضرائرها طوالق، فقد جعل حيض كل واحدة شرطاً لطلاق البواقي. فإن قلن: قد حضنا فصدقهن، طلق ثلاثاً ثلاثاً؛ لأن لكل واحدة ثلاث ضرائر، فتطلق بحيض كل واحدة طلقة. وإن كذبهن، لم تطلق واحدة منهن.
وإن صدق واحدة منهن، طلقت كل واحدة من ضرائرها طلقة؛ لأن حيضها ثبت بتصديقه، ولم تطلق المصدقة؛ لأنه ليس لها صاحبة ثبت حيضها. وإن صدق اثنتين. طلقت كل واحدة منهن طلقة؛ لأن لكل واحدة منهما ضرة مصدقة، وطلقت كل واحدة من المكذبتين طلقتين؛ لأن لكل واحدة منهما ضرتين مصدقتين. فإن صدق ثلاثاً، طلقت المكذبة ثلاثاً، وطلقت كل واحدة من المصدقات طلقتين، لما ذكرنا.
فصل:
إذا قال لحائض: إذا حضت، فأنت طالق، لم تطلق حتى تطهر ثم تحيض؛ لأن " إذا " اسم لزمن مستقبل، فتقتضي فعلاً مستقبلاً. وإن قال لها: إذا طهرت فأنت طالق، طلقت بانقطاع الدم. نص عليه؛ لأنه ثبت لها أحكام الطهر من وجوب الغسل، والصلاة، وصحة الصوم.
وذكر أبو بكر قولاً آخر: أنها لا تطلق حتى تغتسل؛ لأن بعض أحكام الحيض باقية. وإن قال لطاهر: إذا طهرت فأنت طالق، لم تطلق حتى تحيض ثم تطهر، لما ذكرنا.
وإن قال لها: إذا حضت حيضة فأنت طالق، لم تطلق حتى تحيض، ثم تطهر، نص عليه؛ لأنها لا تحيض حيضة كاملة إلا بذلك.
وإن قال: إن حضت نصف حيضة، فأنت طالق، احتمل أن تطلق إذا مضى نصف عادتها؛ لأن
стр. 1020
الأحكام تعلقت بالعادة، واحتمل أنه متى مضت حيضتها، تبينا وقوع الطلاق في نصفها.
وحكي عن القاضي: أنه يلغو قوله: نصف حيضة، ويتعلق الطلاق بأول الدم. وقيل عنه: تطلق بمضي سبعة أيام ونصف؛ لأنه نصف أكثر الحيض، يعني - والله أعلم - أنه ما دام حيضها باقياً لا يحكم بوقوع طلاقها حتى يمضي نصف أكثر الحيض؛ لأن ما قبل ذلك لا يتيقن به مضي نصف الحيضة، فلا يقع الطلاق بالشك، فإن طهرت بدون ذلك، تبينا وقوع الطلاق، ونصف الحيضة، قلت أو كثرت؛ لأننا تبينا مضي نصف الحيضة بمضيها كلها فإن قال لزوجتيه: إذا حضتما حيضة واحدة، فأنتما طالقتان، لغا قوله: حيضة واحدة، لاستحالة ذلك، وصار كقوله: إذا حضتما فأنتما طالقتان. فإن قال: أردت إذا حاضت كل واحدة منهما حيضة، قبل؛ لأنه محتمل لما قاله.
فصل:
إذا قال لمن لطلاقها سنة وبدعة - وهي المدخول بها من ذوات الأقراء: - أنت طالق للسنة وهي في طهر لم يصبها فيه، طلقت في الحال، لوجود الصفة. وإن كانت حائضاً أو في طهر أصابها فيه، لم تطلق في الحال، لعدم الصفة، فإذا طهرت الحائض أو حاضت المصابة، ثم طهرت، طلقت لوجود الصفة حينئذ، وإن قال لها: أنت طالق للبدعة وهي حائض، أو في طهر أصابها فيه، طلقت في الحال.
وإن كانت في طهر لم يصبها فيه، لم تطلق لعدم الصفة، فإذا حاضت أو جامعها، طلقت. وإن قال لها: أنت طالق للسنة إن كنت الآن ممن يطلق للسنة، وكانت في زمن السنة، طلقت، لوجود الصفة، وإلا لم تطلق بحال؛ لأنه شرط لوقوعه كونها الآن ممن يطلق للسنة، ولم يوجد ذلك. وإن قال: أنت طالق طلقة للسنة، وطلقة للبدعة، طلقت في الحال واحدة. فإذا صارت إلى ضد حالها، طلقت الأخرى. وإن قال: طلقة للسنة والبدعة، لغا قوله: للسنة وللبدعة، لاستحالة اجتماعهما، وطلقت في الحال. وإن قال: أنت طالق ثلاثاً للسنة، فعلى قول الخرقي، تطلق ثلاثاً في طهر لم يصبها فيه؛ لأنه وقت السنة.
وعلى قول أبي بكر، تطلق واحدة في طهر، لم يصيبها فيه، وتطلق الثانية والثالثة في طهرين في نكاحين إن وجدا؛ لأن السنة تطليقة واحدة، ثم يدعها حتى تنقضي عدتها.
وإن قال: أنت طالق ثلاثاً، بعضهن للسنة، وبعضهن للبدعة، طلقت طلقتين في الحال، والثالثة في الحال الأخرى؛ لأن قسط الحال الأولى طلقة ونصف، فكمل، فصار
стр. 1021
طلقتين. وإن قال: أردت في هذه الحال واحدة، والباقي في الأخرى، قبل قوله؛ لأن البعض يقع على الطلقة الواحدة حقيقة، فلم تخالف دعواه الظاهر، فقبلت.
فصل:
وإن كان له امرأة صغيرة لا تحيض، أو آيسة، أو حامل، تبين حملها، أو غير مدخول بها فلا سنة لطلاقها، ولا بدعة. فإذا قال: أنت طالق لا للسنة ولا للبدعة، طلقت، لوجود الصفة، وإن قال: أنت طالق للسنة، أو للبدعة، أو للسنة والبدعة، طلقت في الحال؛ لأنه وصفها بصفة لا تتصف بها، فلغت الصفة، ووقع الطلاق. فإن قال: أردت إيقاعه بها إذا صارت من أهل سنة الطلاق وبدعته، دين. وهل يقبل في الحكم؟ يخرج على روايتين.
فصل:
إذا قال لمن لطلاقها سنة وبدعة: أنت طالق أحسن الطلاق، وأجمله، وأعدله، وما أشبه هذا من الصفات الجميلة، طلقت للسنة. وإن قال: أقبح الطلاق، وأسمجه، وما أشبهه من صفات الذم، طلقت للبدعة.
فإن قال: أردت بالأول طلاق البدعة، وبالثاني طلاق السنة؛ لأنه الأليق بها، فإن كان أغلظ عليه، قبل قوله؛ لأنه مقر على نفسه، وإن كان أخف عليه، دين. وهل يقبل في الحكم؟ يخرج على روايتين.
وإن قال: أنت طالق طلاق الحرج، فهو طلاق البدعة؛ لأنه يأثم به. وإن قال: أنت طالق طلقة حسنة قبيحة، طلقت في الحال على أي صفة كانت؛ لأنه وصف الطلقة بما لا تتصف به، فلغت الصفة، ووقع الطلاق. وإن قال لها: أنت طالق في كل قرء طلقة وهي ممن لطلاقها سنة وبدعة، طلقت في كل حيضة طلقة، إلا على قولنا: الأقراء: الأطهار، فإنه يقع في كل طهر طلقة، وإن كانت ممن لا سنة لطلاقها ولا بدعة، طلقت في الحال طلقة، ثم إن كانت ممن يتجدد لها أقراء، طلقت في كل قرء منها طلقة. ويحتمل أن لا تطلق في الحال شيئاً؛ لأن القرء والطهر بين الحيضتين، وليس ذلك لها.
فصل:
إذا قال لها: إن كنت حاملاً، فأنت طالق، حرم وطؤها. نص عليه؛ لأنه يحتمل أن تكون حاملاً فيغلب التحريم. وحكى أبو الخطاب رواية أخرى: لا يحرم وطؤها؛ لأن الأصل عدم الحمل، ثم إن ولدت لأقل من ستة أشهر، تبينا وقوع الطلاق؛ لأنها كانت حاملاً. وإن ولدت لأكثر من أربع سنين، لم تطلق؛ لأننا علمنا أنها لم تكن حاملاً. وإن ولدت فيما بين ستة أشهر وأربع سنين ولم يكن لها من يطؤها، طلقت؛ لأنها كانت حاملاً. وإن كان لها زوج يطؤها، فولدت لأقل من ستة أشهر من حين وطء، طلقت؛ لأننا علمنا أنه ليس من الوطء. وإن ولدته لأكثر من ستة أشهر من وطئه، لم
стр. 1022
تطلق؛ لأن الأصل عدم الحمل والطلاق. وإن قال لها: إن لم تكوني حاملاً فأنت طالق، حرم وطؤها قبل استبرائها؛ لأن الأصل عدم الحمل. وكل موضع يقع الطلاق في التي قبلها لا يقع هاهنا، وكل موضع لا يقع ثم وقع هاهنا؛ لأنها ضدها، إلا إذا أتت بولد لأكثر من ستة أشهر وأقل من أربع سنين، فهل يقع الطلاق هنا؟ فيه وجهان:
أحدهما: تطلق؛ لأن الأصل عدم الحمل قبل الوطء.
والثاني: لا تطلق؛ لأن الأصل بقاء النكاح، ويحصل الاستبراء بحيضة. نص عليه. لأن براءة الرحم تحصل بحيضة. وذكر القاضي رواية أخرى: أنها تستبرئ بثلاثة قروء؛ لأنه استبراء حرة، فأشبهت عدتها، والأولى أصح؛ لأن المقصود معرفة براءتها من الحيض، وهو يحصل بحيضة، وأما عدة الحرة بثلاثة قروء، ففيها نوع من التعبد، ولذلك يجب مع علمنا ببراءة الرحم، مثل أن يكون زوجها غائب عنها سنين، وقد حاضت قبل طلاقه حيضات كثيرة، فلا يجوز تعديتها إلى محل لم يرد الشرع بالتعبد فيه، ولهذا كفى استبراؤها قبل يمينه.
وإن استبرأها قبل عقد اليمين، أجزأ؛ لأن معرفة براءة الرحم تحصل به، وهو المقصود. ولو قال: إن كنت حاملاً بذكر، فأنت طالق واحدة، وإن كنت حاملاً بأنثى، فأنت طالق اثنتين، فولدت ذكراً وأنثى، طلقت ثلاثاً.
وإن قال إن كان حملك، أو ما في بطنك ذكراً، فأنت طالق واحدة، وإن كان أنثى، فأنت طالق اثنتين، فولدت ذكراً وأنثى، لم تطلق؛ لأن الشرط أن يكون جميع حملها، أو ما في بطنها ذكراً أو أنثى، ولم يوجد.
فصل:
إذا قال: إذا ولدت ولداً فأنت طالق، فولدت ولداً حياً أو ميتاً، ذكراً أو أنثى، أو خنثى، طلقت؛ لأنه ولد. وإن قال: كلما ولدت ولداً، فأنت طالق، فولدت ثلاثة دفعة واحدة، طلقت ثلاثاً؛ لأن صفة الثلاث قد وجدت وهي زوجة، وإن ولدتهم واحداً بعد واحد، من حمل واحد، طلقت بالأول طلقة، وبالثاني أخرى، وبانت بالثالث، ولم تطلق به، ذكره أبو بكر؛ لأن العدة انقضت بوضعه، فصادفها الطلاق بائناً، فلم يقع، كما لو قال: إذا مت، فأنت طالق. وقال ابن حامد: تطلق به الثالثة؛ لأن زمن الوقوع زمن البينونة، ولا تنافي بينهما، والأول أصح، وعليه التفريع. فلو قال: إن ولدت ذكراً، فأنت طالق واحدة. وإن ولدت أنثى، فأنت طالق اثنتين، فولدتهما دفعة واحدة، طلقت ثلاثاً. فإن ولدتهما واحداً بعد واحد، وقع بالأول ما علق عليه، وبانت بالثاني ولم تطلق به.
فإن أشكل الأول منهما، طلقت واحدة بيقين، ولم تلزمه الثانية بالشك. وقال القاضي: قياس المذهب أن يقرع بينهما، فمن خرجت قرعته فهو الأول. ولو قال: إن كان أول ما تلدين ذكراً، فأنت طالق واحدة، وإن كانت أنثى، فأنت طالق اثنتين، فولدتهما
стр. 1023
دفعة واحدة، لم تطلق؛ لأنه لا أول فيهما. ومتى ادعت الولادة فصدقها، أو ادعى هو ولادتها وأنكرته، طلقت بإقراره. فإن ادعته المرأة فأنكرها، لم تطلق إلا ببينة؛ لأن هذا يمكن إقامة البينة عليه بخلاف الحيض.
فصل:
إذا قال لمدخول بها: إذا طلقتك، فأنت طالق، ثم طلقها، طلقت طلقتين، واحدة بالمباشرة وأخرى بالصفة. فإن قال: أردت أنك تطلقين بما أوقعه من طلاقك لأجعله شرطاً، دين. وهل يقبل في الحكم؟ على روايتين؛ لأن الظاهر جعله شرطاً.
وإن وكل من طلقها، فهو كمباشرته؛ لأن فعل الوكيل كفعل الموكل. وإن قال: إذا طلقتك، فأنت طالق، ثم قال: إن قمت، فأنت طالق، فقامت، طلقت طلقتين، واحدة بقيامها، وأخرى بالصفة؛ لأن الصفة تطليقة لها، وتعليقه لطلاقها بقيامها إذا اتصل به القيام، تطليق لها.
وإن قال مبتدئاً: إن قمت فأنت طالق، ثم قال: إذا طلقتك فأنت طالق، فقامت، طلقت واحدة بقيامها، ولم تطلق الأخرى؛ لأن هذا يقتضي ابتداء إيقاع، ووقوع الطلاق هاهنا بالقيام، إنما هو وقوع بصفة سابقة لعقد الطلاق شرطاً.
ولو قال: إذا قمت، فأنت طالق، ثم قال: إذا وقع عليك طلاقي، فأنت طالق، فقامت، طلقت طلقتين،؛ لأن الطلاق الواقع بقيامها طلاقه، فقد وجدت الصفة. ولو قال: إذا أوقعت عليك الطلاق فأنت طالق، ثم قال: إذا قمت فأنت طالق، فقامت، طلقت اثنتين؛ لأن قوله: أوقعت عليك الطلاق، كقوله: طلقتك. وقال القاضي: لا تطلق إلا طلقة بقيامها، ولا تطلق بالصفة؛ لأن ذلك يقتضي مباشرتها به، لا وقوعه بالصفة. وإن قال: كلما طلقتك فأنت طالق، ثم قال: أنت طالق، طلقت طلقتين، إحداهما بقوله: أنت طالق، والأخرى بالصفة، ولا تقع الثالثة؛ لأن الصفة إيقاع الطلاق، ولم يتكرر، فلم يتكرر الطلاق.
وإن قال: كلما وقع عليك طلاقي، فأنت طالق، ثم وقع عليها طلاقه بمباشرة، أو صفة، طلقت ثلاثاً؛ لأن الثانية طلقة واقعة عليها، فتقع عليها الثالثة. وإن قال: كلما وقع عليك طلاقي، فأنت طالق قبله ثلاثاً، ثم قال: أنت طالق، فقال ابن عقيل: تطلق واحدة بالمباشرة، ويلغو ما علق عليها؛ لأنه طلاق في زمن ماض، فأشبه قوله: أنت طالق أمس. وقال القاضي: تطلق ثلاثاً؛ لأنه وصف المعلق بصفة يستحيل وصفه بها، فإنه يستحيل وقوعها بالشرط قبله، فلغت صفتها بالقبلية، وصار كأنه قال: إذا وقع عليك طلاقي، فأنت طالق ثلاثاً، فإن قال لزوجتيه: كلما طلقت حفصة، فعمرة طالق، وكلما طلقت عمرة فحفصة طالق، ثم طلق إحداهما، طلقتا جميعاً، إحداهما بالمباشرة، والأخرى بالصفة. فإن كانت المباشرة به حفصة، لم تزد واحدة منهما على طلقة؛ لأنه ما أحدث في عمرة طلاقاً، إنما طلقت بالصفة السابقة، وإن كانت المباشرة عمرة،
стр. 1024
طلقت أخرى بالصفة الحادثة بعد تعليقه طلاقها، وإن قال لحفصة: كلما طلقت عمرة، فأنت طالق، وقال لعمرة: كلما طلقت حفصة، فأنت طالق، ثم طلق عمرة، طلقت كل واحدة واحدة. وإن طلق حفصة طلقة، طلقت طلقتين، وطلقت عمرة واحدة.
وإن قال لأربع نسائه: أيتكن وقع عليها طلاقي، فضرائرها طوالق، ثم وقع بإحداهن طلاقه، طلق الجميع ثلاثاً.
فصل:
وإن كان له أربع نساء وعبيد، فقال: كلما طلقت امرأة، فعبد من عبيدي حر، وكلما طلقت اثنتين، فعبدان حران، وكلما طلقت ثلاثاً، فثلاثة أحرار، وكلما طلقت أربعاً، فأربعة أحرار، ثم طلق الأربع متفرقات أو متجمعات، فإنه يعتق من عبيده خمسة عشر، يعتق بطلاق الواحد واحد، وبطلاق الثانية ثلاثة؛ لأنها واحدة، وهي إلى صاحبتها اثنتان، ويعتق بطلاق الثالثة أربعة؛ لأنها واحدة، وهي مع صاحبتيها ثلاث، ويعتق بطلاق الرابعة سبعة؛ لأنها واحدة وهي مع الثالثة اثنتان، وهي مع صواحبها أربع.
وإن شئت، قلت: فيهن أربع صفات، هن أربع، فيعتق لذلك أربعة وهن أربعة، آحاد، فيعتق بذلك أربعة أخر، وهن اثنتان واثنتان، فيعتق بذلك أربعة أخر، وفيهن ثلاث، فذلك خمسة عشر، وقيل: يعتق عشرة، بالواحدة واحد، وبالثانية اثنان، وبالثالثة ثلاثة، وبالرابعة أربعة، والأول أصح؛ لأن الصفة إذا تكررت تكرر الجزاء، وإن كان في محل واحد، ولذلك لو قال: إن كلمت رجلاً، فأنت طالق، وإن كلمت أسود، فأنت طالق، وإن كلمت طويلاً فأنت طالق، فكلمت رجلاً أسوداً طويلاً، طلقت ثلاثاً. ولو قال: كلما أكلت رمانة فأنت طالق، وكلما أكلت نصف رمانة فأنت طالق، فأكلت رمانة، طلقت ثلاثاً واحدة لكونها رمانة، واثنتان بأكلها النصفين. ولو قال: إذا ولدت ولداً، فأنت طالق، وإذا ولدت غلاماً، فأنت طالق. وإذا ولدت أسود، فأنت طالق، فولدت غلاماً أسود، طلقت ثلاثاً.
فصل:
إذا قال لزوجته: إذا حلفت بطلاقك، فأنت طالق، ثم قال: إن خرجت، فأنت طالق، وإن لم تخرجي، فأنت طالق، أو إن لم يكن هذا القول حقاً، فأنت طالق، طلقت في الحال؛ لأنه حلف بطلاقها. وإن قال: إن طلعت الشمس، أو قدم الحاج، فأنت طالق، ففيه وجهان:
أحدهما: لا تطلق حتى تطلع الشمس ويجيء الحاج؛ لأن الحلف ما قصد به المنع من الشيء، أو الحنث عليه، أو التصديق، وليس في طلوع الشمس، وقدوم الحاج
стр. 1025
شيء من هذا، هذا قول القاضي في " المجرد " وابن عقيل.
والثاني: أنه حلف؛ لأنه تعليق على شرط فكان حلفاً، كما لو قال: إن خرجت فأنت طالق. هذا قول القاضي في " الجامع " وأبي الخطاب. وإن قال: إذا شئت فأنت طالق، أو إذا حضت، أو إذا طهرت، فأنت طالق، لم يكن حلفاً، وجهاً واحداً؛ لأن تعليقه على المشيئة تمليك، وتعليقه على الحيض طلاق بدعة، وتعليقه على الطهر طلاق سنة.
فإن قال: إذا حلفت بطلاقك، فأنت طالق. ثم أعاده ثانية، طلقت واحدة؛ لأنه حلف بطلاقها. فإن أعاده ثالثاً، طلقت ثانية. فإن أعاده رابعاً، طلقت ثلاثاً؛ لأن كل مرة يوجد به صفة طلاق، وتنعقد بها صفة أخرى. ومثله لو قال: إن كلمتك، فأنت طالق، وكرره أربعاً، طلقت ثلاثاً كذلك.
ولو قال لمدخول بهما: إذا حلفت بطلاقكما فأنتما طالقتان، وكرره أربعاً، طلقتا ثلاثاً، فإن كانتا غير مدخول بهما، بانتا إذا أعاده مرة ثانية، ولم يقع بهما بعده طلاق، فإن كانت إحداهما مدخولاً بها، والأخرى غير مدخول بها، فأعاده مرة، طلقت المدخول بها طلقة رجعية، والأخرى طلقة ثانية.
فإن أعاده ثانياً، لم تطلق واحدة منهما؛ لأن شرط طلاقهما الحلف بطلاقهما ولم يحلف به؛ لأن غير المدخول بها لا يصح الحلف بطلاقها. وإن قال لمدخول بهما، لإحداهما: إن حلفت بطلاق ضرتك، فأنت طالق، ثم قال للأخرى: مثل ذلك، طلقت الأولى، وإن أعاده للأولى، طلقت الأخرى، وكلما أعاده لامرأة طلقت الأخرى.
وإن قال: كلما حلفت بطلاقك، فضرتك طالق، ثم قال مثل ذلك لضرتها، طلقت، فإن أعاده للأولى طلقت الضرة، فإن أعاده للثانية، طلقت الأولى، وكلما أعاده لامرأة، طلقت ضرتها حتى تكمل ثلاثاً. وإن كانت إحداهما غير مدخول بها، فطلقت مرة، لم تطلق أخرى، ولم تطلق الأخرى بإعادته لها؛ لأنه ليس بحلف بطلاقها، لكونها بائناً.
فصل:
وإن استعمل الطلاق أو العتاق استعمال القسم، وأجابه بجوابه فقال: أنت طالق، لأقومن، أو ما قمت، أو لقد قمت، أو إني لقائم، وبر، لم يقع الطلاق؛ لأنه حلف بر فيه، فلم يحنث، كما لو حلف بالله، وإن حنث، وقع طلاقه. وإن قال: أنت طالق، لولا أبوك لطلقتك، وكان صادقاً، لم تطلق. وإن كان كاذباً. طلقت.
فصل:
إذا قال: إن كلمتك، فأنت طالق، فاعلمي ذلك، أو فتحققيه، طلقت؛ لأنه كلمها بعد عقد اليمين، إلا أن يريد بعد انقضاء كلامي هذا ونحوه، وإن زجرها فقال: تنحي أو اسكتي، حنث؛ لأنه كلام. وإن سمعها تذكره فقال: الكاذب لعنه الله، حنث؛ لأنه
стр. 1026
كلمها. وإن قال: إن بدأتك بالكلام، فأنت طالق، فقالت: إن بدأتك الكلام، فعبدي حر، انحلت يمينه بيمينها؛ لأنها كلمته، فلم يكن كلامه لها بعد ذلك بداية، فإن كلمها، انحلت يمينها؛ لأنها لم تبدأه ما لم يكن لهما نية، وإن قال: إن كلمتما هذين الرجلين، فأنتما طالقتان، فكلمت كل واحدة واحداً، ففيه وجهان:
أحدهما: يطلقان؛ لأن تكليمهما وجد منهما.
والثاني: لا يطلقان حتى تكلم كل واحدة الرجلين معاً؛ لأنه علق طلاقهما على فعليهما معاً. ولو قال: إن ركبتما هاتين الدابتين، فأنتما طالقتان، طلقتا إذا ركبت كل واحدة دابة؛ لأن العرف في ركوب دابتيهما، أن يركب كل واحد دابته.
ولو قال: أنت طالق إن كلمت زيداً ومحمد مع خالد، لم تطلق حتى تكلم زيداً في حال يكون محمد مع خالد؛ لأن الجملة حال للجملة الأولى إلا أن يريد بكلامه الاستئناف، فتطلق بكلام زيد بكل حال، وقال القاضي: يحنث بكلام زيد؛ لأن الجملة الثانية استئناف، لا تعلق لها بالأولى. وإن قال: من بشرتني بقدوم أخي، فهي طالق، فأخبره بذلك زوجتاه. وهما صادقتان، طلقت الأولى وحدها؛ لأن البشارة خبر يحصل به سرور أو غم، وإنما تحصل بالأول، وإن كانتا كاذبتين لم تطلق واحدة منهما؛ لأنه لا سرور في الكذب.
وإن كانت الأولى كاذبة، والثانية صادقة، طلقت الثانية وحدها لذلك. وإن قال: من أخبرتني بقدوم أخي فهي طالق، فقال القاضي: هي كالتي قبلها سواء؛ لأن المراد من الخبر الإعلام، ولا يحصل إلا بالخبر الأول الصدق. ويحتمل أن تطلق الثانية والكاذبة؛ لأن الخبر يقع على الجميع.
فصل:
إذا قال: أنت طالق إن شئت، أو متى شئت، أو غير ذلك من الحروف، فقالت: قد شئت طلقت، سواء شاءت على الفور، أو التراخي؛ لأنه تعليق للطلاق على شرط، فأشبه سائر التعليق. وإن قالت: قد شئت إن شئت، أو إن شاء أبي، لم تطلق وإن شاء؛ لأنها لم تشأ، إنما علقت مشيئتها بمشيئته، كما لو قالت: قد شئت إذا طلعت الشمس. ولو قال: أنت طالق إن شاء زيد، فشاء وهو مجنون أو طفل، لم تطلق؛ لأنه لا مشيئة لهما، وكذلك إن شاء وهو سكران، وخرجه أصحابنا على روايتين في طلاقه، وإن شاء وهو مميز، طلقت؛ لأن له مشيئة، ولذلك صح اختياره لأحد أبويه، وخوطب بالاستئذان في العورات الثلاث. وإن كان أخرس فأومأ بمشيئته، طلقت؛ لأن إشارته كنطق غيره.
وإن كان ناطقاً فخرس فكذلك؛ لأنه من أهل الإشارة، ويحتمل أن لا يحنث؛ لأن إشارته لا يعتد بها في تلك الحال في الشرع. وإن مات أو جن، لم تطلق؛ لأنه لم يشأ
стр. 1027
وحكي عن أبي بكر: أنها تطلق. وإن قال: أنت طالق إن شاءت البهيمة، فهو تعليق للطلاق على المستحيل. وإن قال: أنت طالق لمشيئة أبيك، أو رضاه، طلقت في الحال؛ لأن معناه: ليرضى، أو لكونه شاء، فإن قال: أردت تعليقه بذلك، قبل منه؛ لأن ذلك يستعمل للشرط في قوله: أنت طالق للسنة.
فإن قال: أنت طالق إلا أن تشائي، فشاءت في الحال، لم تطلق، وإن لم تشأ، طلقت؛ لأنه أوقعه عليها، إلا أن ترفعه مشيئتها، فإذا لم يوجد ما يرفعه، وقع. وإن قال: أنت طالق واحدة، إلا أن تشائي ثلاثاً، فشاءت ثلاثاً، طلقت ثلاثاً، وإن لم تشأ، أو شاءت دون الثلاث، وقعت واحدة؛ لأن هذا هو السابق إلى الفهم من ذلك.
وفيه وجه آخر أنها إذا شاءت ثلاثاً، لم تطلق؛ لأنه علق وقوع الواحدة على عدم مشيئتها الثلاث، ولم يوقع لمشيئتها شيئاً، فأشبه قوله: إلا أن تشائي. وإن قال: أنت طالق إن شئت وشاء أبوك، فشاء أحدهما منفرداً، لم تطلق؛ لأنه لم يوجد الشرط.
فصل:
وإن قال: أنت طالق، إن كنت تحبين أن يعذبك الله بالنار، أو قال: إن كنت تحبين ذلك [بقلبك] ، فقالت: أنا أحب ذلك، ففيه وجهان:
أحدهما: لا تطلق؛ لأنها لا تحب ذلك، وقولها كذب، لا يلتفت إليه.
والثاني: تطلق لأنه لما لم يوقف على ما في القلب، علق على النطق، كالمشيئة.
فصل:
فإن قال: أنت طالق، أو عبدي حر إن شاء الله، طلقت زوجته، وعتق عبده، لما روي عن ابن عباس ﵁ أنه قال: إذا قال الرجل لزوجته: أنت طالق إن شاء الله، فهي طالق. ولأنه استثناء يرفع جملة الطلاق حالاً ومآلاً، فلم يصح، كاستثناء الكل. فإن قال: أنت طالق، إن دخلت الدار إن شاء الله، ففيه روايتان:
إحداهما: يقع الطلاق لما ذكرنا، والأخرى: لا يقع؛ لأن الطلاق المعلق بشرط يمين، فيدخل في عموم قول النبي ﷺ : «من حلف على يمين، فقال: إن شاء الله، فلا حنث عليه» رواه الترمذي وقال: حديث حسن غريب. وإن قال: أنت طالق، إلا أن يشاء الله، طلقت لما ذكرنا، ولأنه علق رفع الطلاق على مشيئته لا يوقف عليها، وإن قال: أنت طالق ما لم يشأ الله، أو إن لم يشأ الله، طلقت؛ لأنه علقه بمستحيل، فإن
стр. 1028
وقوع طلاقها إذا لم يشأ الله محال، ويحتمل أن لا يحنث. وإن قال: أنت طالق لتدخلن الدار إن شاء الله، لم يحنث دخلت الدار أو لم تدخل؛ لأنها إن دخلت، فقد شاء الله، وإن لم تدخل، فلم يشأ الله تعالى.
فصل:
لا يصح تعليق الطلاق قبل النكاح، فلو قال لأجنبية: إن دخلت الدار، فأنت طالق، فتزوجها ودخلت الدار، لم تطلق، لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «لا طلاق ولا عتاق فيما لا يملك ابن آدم وإن عينها» رواه الدارقطني. وفي لفظ «لا طلاق فيما لا يملك» رواه الترمذي، وقال: حديث حسن. وروى أبو داود والطيالسي نحوه.
وإن قال: كل امرأة أتزوجها، فهي طالق، وإن تزوجت فلانة فهي طالق، ثم تزوجها، لم يقع كذلك. قال أبو بكر: لا يختلف قول أبي عبد الله: إن الطلاق إذا وقع قبل النكاح، لا يقع.
وقال غيره عن أحمد: ما يدل على أن الطلاق يقع؛ لأنه يصح تعليقه على الإخطار، فصح تعليقه على الملك، كالوصية. والمذهب الأول، لما ذكرنا، ولأن من لا يقع طلاقه بالمباشرة، لا يصح تعليقه، كالمجنون.
فصل:
إذا علق الطلاق بعد النكاح بوقت، طلقت بأوله؛ لأنه إذا علق بشيء، تعلق بأوله، كما لو قال: أنت طالق، إذا دخلت الدار، طلقت بدخولها أول جزء منها. فلو قال: أنت طالق في رمضان، طلقت بغروب شمس شعبان. وإن قال: أنت طالق اليوم، طلقت في الحال.
وإن قال: أنت طالق غداً، طلقت بطلوع فجره. فإن قال: أردت في آخر الشهر واليوم والغد، دين وهل يقبل في الحكم؟ يخرج على روايتين. وإن قال: أنت طالق في أول رمضان، أو في غرته، طلقت في أوله، ولم يقبل قوله: نويت آخره؛ لأنه لا يحتمله.
وإن قال: أردت بالغرة اليوم الثاني، قبل لأنه محتمل؛ لأن الثلاث الأول من الشهر، تسمى غرراً. وإن قال: أنت طالق إذا رأيت هلال رمضان، طلقت بأول جزء منه؛ لأن رؤيته في الشرع عبارة عما يعلم به دخوله، بدليل قول النبي ﷺ : «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته» . فإن قال: أردت إذا رأيته بعينيك، قبل؛ لأنه فسر اللفظ
стр. 1029
بموضوعه، ويتعلق الحكم برؤيتها إياه بعد الغروب؛ لأن هلال الشهر ما كان في أوله، ويحتمل أن يتعلق برؤيتها إياه قبل الغروب، وبعده؛ لأنه هلال للشهر يتعلق به وجوب الصوم والفطر. وإن لم تره حتى أقمر، لم تطلق؛ لأنه ليس بهلال.
واختلف فيما يقمر به، فقيل بعد ثالثة، وقيل باستدارته، وقبل إذا بهر ضوءه. وإن قال: أنت طالق إلى شهر رمضان، طلقت في أول جزء منه، كقوله: في شهر رمضان؛ لأنه جعل الشهر غاية للطلاق، ولا غاية لآخره، فوجب أن يجعل غاية لأوله.
فإن قال: أردت الإيقاع في الحال، طلقت؛ لأنه يقر على نفسه بما هو أغلظ. وإن قال: أنت طالق في آخر أول الشهر، طلقت في آخر أول يوم منه؛ لأنه أوله. وإن قال: في أول آخره، طلقت بطلوع فجر آخر يوم منه؛ لأنه آخره وقال أبو بكر: تطلق في المسألتين. بغروب شمس اليوم الخامس عشر منه؛ لأنه آخر نصف الشهر الأول وأول نصفه الآخر.
فصل:
إذا قال: إذا مضت سنة، فأنت طالق، اعتبر مضي سنة بالأهلة؛ لأنها السنة المعهودة في الشرع. فإن قاله في أثناء شهر، كمل ذلك الشهر بالعدد، ثلاثين يوماً، وأحد عشر شهراً بالأهلة. وإن قال: أردت سنة بالعدد، وهي ثلاثمائة وستون يوماً، أو شمسية وهي ثلاثمائة وخمس وستون يوماً، قبل؛ لأنه سنة حقيقية. وإن قال: إذا مضت السنة، فأنت طالق، طلقت بانسلاخ ذي الحجة؛ لأن التعريف " بالألف واللام " يقتضي ذلك. فإن قال: أردت سنة كاملة، دين. وهل يقبل في الحكم؟ يخرج على روايتين. وإن قال: أنت طالق في كل سنة طلقة، طلقت في الحال. ثم إذا مضت سنة كاملة، طلقت أخرى، وكذلك الثالثة.
وقال أبو الخطاب: تطلق الثانية بدخول المحرم، وكذلك الثالثة. فإن قال: أردت أن تكون ابتداء السنين من أول الجديدة، دين. وهل يقبل في الحكم؟ يخرج على روايتين.
فصل:
وإن قال: أنت طالق، إذا قدم فلان غداً، أو غداً إذا قدم فلان، لم تطلق حتى يقدم؛ لأن الطلاق لا يقع قبل شرطه. فإن مات قبل قدومه، لم تطلق؛ لأنها لم تبق محلاً للطلاق. وإن قدم بعد الغد، لم تطلق، لفوات محل الطلاق، وإن قال: أنت طالق يوم يقدم فلان، فقدم ليلاً، لم تطلق؛ لأن الشرط لم يوجد، إلا أن يريد باليوم الوقت، فتطلق. قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ [الأنفال: ١٦] . وإن قدم نهاراً، طلقت، وهل تطلق في أول اليوم، أو حين قدومه؟ فيه وجهان:
стр. 1030
أحدهما: تطلق من أوله، كما لو قال: أنت طالق يوم الجمعة.
والثاني: لا تطلق إلا بعد قدومه؛ لأنه جعل قدومه فيه شرطاً، فلا تطلق قبله. فإن مات قبل قدومه، طلقت على الوجه الأول، ولم تطلق على الثاني.
فصل:
وإن قال: أنت طالق اليوم، إن لم أطلقك اليوم، ولم يطلقها، طلقت في آخر اليوم إذا بقي منه ما لا يتسع، لقوله: أنت طالق؛ لأن معناه إذا فاتني طلاقك اليوم، فأنت طالق، وبهذا يفوت طلاقها. وقال أبو بكر: لا تطلق؛ لأن شرط طلاقها خروج اليوم، وبخروجه يفوت محل طلاقها.
وإن قال: أنت طالق اليوم إذا جاء غد، فقال القاضي في موضع: يقع الطلاق في الحال؛ لأنه علقه بشرط محال، فلغا شرطه، ووقع الطلاق، كما لو قال لآيسة: أنت طالق للبدعة. وقال في " المجرد ": لا تطلق؛ لأنه لا يقع في اليوم، لعدم الشرط وإذا جاء الغد، لم يمكن الطلاق في اليوم؛ لأنه زمن ماض.
فصل:
وإن قال: أنت طالق اليوم، غداً، طلقت واحدة؛ لأن من طلقت اليوم، فهي طالق غداً. وإن قال: أردت طلقة اليوم، وطلقة غداً، طلقت اثنتين؛ لأنه يقر على نفسه بما هو أغلظ. وإن قال: أردت نصف طلقة اليوم، ونصف غداً، فكذلك؛ لأن كل نصف يكمل بالسراية، فيصيران طلقتين. وإن قال: أردت نصف طلقة اليوم، وباقيها غداً، فكذلك في إحدى الوجهين؛ لأن باقيها نصف يكمل بالسراية.
والثاني: لا تطلق إلا واحدة؛ لأنه لما كمل النصف الأول، لم يبق من الطلقة شيء، فلا باقي لها. فإن قال: أنت طالق في اليوم والغد، طلقت واحدة لما ذكرنا. وإن قال: أنت طالق في اليوم وفي الغد، فكذلك في أحد الوجهين. وفي الآخر: تطلق طلقتين؛ لأن إعادة حرف الصلة يقتضي فعلاً، فكأنه قال: أنت طالق في اليوم، وأنت طالق في غد.
فصل:
إذا قال: أنت طالق بعد موتي، لم تطلق؛ لأنها بعد موته بائن، فليست محلاً للطلاق. وإن قال: أنت طالق مع موتي لم تطلق؛ لأن زمن البينونة زمن الطلاق، فلم يمكن إيقاعه.
وإن تزوج أمة أبيه، ثم قال: إذا مات أبي فأنت طالق، فمات أبوه، لم تطلق؛ لأنه يملكها بموت أبيه، فينفسخ نكاحه، فيجتمع الفسخ والطلاق، فيمتنع وقوعه، كالتي قبلها. وفيه وجه آخر، أنها تطلق؛ لأن زمن الطلاق عقيب الموت، وهو
стр. 1031
زمن الملك، والفسخ بعد الملك، فيتقدم الطلاق الفسخ فيقع. وإن قال: إن اشتريتك، فأنت طالق، واشتراها، فعلى وجهين، كالتي قبلها. وإن قال الأب لجاريته: إذا مت فأنت حرة، وقال الزوج: إذا مات أبي فأنت طالق، فمات الأب، وقعت الحرية والطلاق معاً؛ لأن الحرية تمنع ثبوت الملك له، فلا ينفسخ نكاحه، فيقع طلاقه.
فصل:
إذا قال: أنت طالق أمس، أو قبل أن أتزوجك، لم يقع الطلاق. نص عليه؛ لأنه إضافة إلى زمن يستحيل وقوعه فيه، فلم يقع، كما لو قال: أنت طالق قبل موتي بشهر، ومات قبل مضي شهر، وقال القاضي في بعض كتبه: تطلق؛ لأنه وصف الطلقة بما لا تتصف به، فلغت الصفة، ووقع الطلاق، كما لو قال لآيسة: أنت طالق للبدعة.
وحكي عن أبي بكر أن الطلاق يقع في قوله: أنت طالق قبل أن أتزوجك خاصة؛ لأنه يمكن أن يتزوجها بائناً. وهذا الوقت قبله فيقع فيه، بخلاف التي قبلها. وإن قال: أردت طلاقها في الحال، وقع؛ لأنه يقر على نفسه بما هو أغلظ. وإن قال: أردت أني طلقتها أمس، طلقت بإقراره. وإن قال: أردت أني طلقتها في نكاح آخر، أو طلقها زوج قبلي، فقد ذكرنا حكمه فيما مضى.
وإن قال: أنت طالق قبل قدوم أخي بشهر، أو قبل موتي بشهر، فقدم أخوه، أو مات مع مجيء الشهر أو قبله، لم تطلق؛ لأنه زمن ماض. وإن قدم أو مات بعد مضي شهر وجزء يقع الطلاق فيه، تبينا أنه وقع في ذلك الجزء قبل الشهر. فإن خلعها بعد تعليق طلاقها بيوم، ثم مات، أو قدم بعد التعليق بشهر وساعة، وقع الطلاق دون الخلع؛ لأنها بانت بالطلاق، فكان الخلع لبائن.
وإن مات أو قدم بعد الخلع بشهر وساعة، صح الخلع؛ لأنه صادف زوجة ولم يقع الطلاق؛ لأنها بانت بالخلع قبله. وإن قال: أنت طالق قبل موتي، طلقت في الحال؛ لأنه قبل موته، وكذلك إن قال: أنت طالق قبل قدوم زيد، سواء قدم أو لم يقدم. ذكره القاضي. وإن قال: أنت طالق قبيل موتي، أو قبيل قدوم زيد، لم يقع الطلاق إلا في الجزء الذي يلي الموت؛ لأن ذلك تصغير يقتضي الجزء اليسير.
فصل:
وإن علقه على مستحيل، كقوله: أنت طالق إن طرت، ففيه وجهان:
أحدهما: لا تطلق؛ لأنه علقه على صفة لم توجد.
والثاني: تطلق؛ لأنه علق طلاقها على ما يرتفع به جملة، فلغا الشرط، ووقع الطلاق، كقوله: أنت طالق طلقة لا تلزمك. ولو قال: أنت طالق إن لم تطيري، أو تقتلي الميت، طلقت في الحال؛ لأنه معلوم عدمه. وإن قال: أنت طالق لتطيرن
стр. 1032
فكذلك. وحكي عن القاضي أنه لا يحنث.
فصل:
إذا كتب إليها: إذا أتاك كتابي، فأنت طالق، فأتاها الكتاب، طلقت إذا أتاها، وإن ذهبت حواشيه، أو انمحى ما فيه، إلا ذكر الطلاق، طلقت؛ لأنه أتاها كتابه مشتملاً على المقصود. وإن انمحى كل ما فيه، أو انمحى ذكر الطلاق، أو ضاع الكتاب، لم تطلق؛ لأن المقصود لم يأت. وإن ذهب الكتاب إلا موضع الطلاق، ففيه وجهان:
أحدهما: تطلق؛ لأن المقصود أتاها.
والثاني: لا تطلق؛ لأن الكتاب لم يأت. وإن قال إذا أتاك طلاقي، فأنت طالق، ثم كتب: إذا أتاك كتابي، فأنت طالق، فأتاها الكتاب، طلقت طلقتين، واحدة بمجيء الكتاب، والأخرى بمجيء الطلاق.
فصل:
إذا قال إن لم تخبريني بعدد حب هذه الرمانة، فأنت طالق، فإنها تعد له عدداً يعلم أن عددها داخل فيه، ولا يحنث إذا نوى ذلك. فإن لم ينو، حنث في قياس المذهب؛ لأن الأيمان تنبني على المقاصد، وظاهر قصد الحالف العلم بكميته، ولا يحصل بهذا. فإن قال: إن لم تميزي نوى ما أكلت من نوى ما أكلت، فأنت طالق، فأفردت كل نواة وحدها، فالحكم فيها كالتي قبلها.
ولو وقعت في ماء جار، فقال: إن أقمت فيه، أو خرجت منه فأنت طالق، فقال القاضي في " الجامع ": هي كذلك؛ لأن الظاهر قصده خروجها من النهر. وقال في " المجرد " لا يحنث بحال؛ لأن الماء الذي كانت فيه جرى وصارت في غيره.
ولو قال: إن كانت امرأتي في السوق، فعبدي حر، وإن كان عبدي في السوق، فامرأتي طالق، وكانا في السوق، عتق العبد، ولم تطلق المرأة؛ لأن العبد عتق باللفظ الأول، فلما عتق، لم يبق له في السوق عبد.
ولو كان في فيها تمرة فقال: إن أكلتيها، أو أمسكتيها، أو ألقيتيها، فأنت طالق، فأكلت بعضها، ورمت بعضها، انبنى على فعل بعض المحلوف عليه. ولو كانت على سلم، فحلف عليها ألا تنزل عنه، ولا تصعد عنه، ولا تقف عليه، فإنها تنتقل إلى سلم آخر، ثم تنزل أو تصعد؛ لأن نزولها أو صعودها إنما حصل من غيره.
ولو سرقت زوجته منه شيئاً، فحلف: لتصدقني أسرقت مني شيئاً، أم لا؟ وكانت قد سرقت منه، وخشيت أن تخبره، فإنها تقول: سرقت منك ما سرقت منك. وتكون " ما " هاهنا، بمعنى الذي.
فصل:
ومتى علق طلاق زوجته على صفة، ثم أبانها، ثم تزوجها قبل الصفة، عادت
стр. 1033
الصفة؛ لأن العقد والصفة وجدا منه في الملك، فأشبه ما لو لم يتخللهما بينونة. وإن وجدت الصفة حال البينونة، لم ينحل اليمين؛ لأنه لم يحنث في يمينه، فلم تنحل، كما لو لم توجد الصفة، ولأن الملك مقدر في يمينه لتقييد الطلاق به، ويتخرج أن تنحل الصفة، بناء على قوله في العتق، وهو اختيار أبي الحسن التميمي؛ لأن الصفة وجدت فانحلت اليمين بها، كما لو وجدت حال الملك.
ولأن اليمين إذا تعلقت بعين، لم تتقيد بالملك، كما لو حلف: لا يدخل هذه الدار وهي ملكه، والله أعلم.
[باب الشك في الطلاق]
. إذا شك هل طلق، أم لا؟ لم تطلق؛ لأن النكاح متيقن، فلا يزول بالشك. وإن طلق فلم يدر، أواحدة طلق أم ثلاثا؟ بنى على اليقين كذلك، نص عليه أحمد. فإذا ارتجعها، فعليه نفقتها. واختلف أصحابنا في حلها، فقال الخرقي: هي محرمة؛ لأنه متيقن للتحريم الحاصل بالطلاق، شاك في حصول الحل بالرجعة، فلا يزول التحريم المتيقن بالشك.
وقال غيره: تحل؛ لأن الرجعة مزيلة لحكم المتيقن من الطلاق، ومنهم من منع حصول التحريم بالطلاق، لكون الرجعية مباحة، فلم يكن التحريم متيقناً. والورع أن يلتزم حكم الطلاق الأكثر، فيدعها حتى تقضي عدتها لتحل لغيره، لقول النبي ﷺ : «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» .
فصل:
وإذا قال لنسائه: إحداكن طالق، ولم ينو واحدة بعينها، أقرع بينهن، فأخرجت بالقرعة المطلقة منهن، نص عليه؛ لأن ذلك يروى عن علي وابن عباس ﵃ ولأن الطلاق إزالة ملك بني على التغليب والسراية، فتدخله القرعة، كالعتق.
وإن نوى واحدة بعينها، طلقت وحدها؛ لأنه نوى بلفظه ما يحتمله فانصرف إليه، وقوله في ذلك مقبول؛ لأنه لا يعلم إلا من جهته، فقبل منه، كقول المرأة في حيضها. وإن قال: هذه المطلقة، بل هذه، طلقتا؛ لأن إقراره بطلاق الثانية مقبول، ورجوعه عن طلاق الأولى غير مقبول.
وإن قال: طلقت هذه، بل هذه أو هذه، طلقت الأولى وإحدى الأخريين. وإن قال: هذه، أو هذه، بل هذه طلقت الثالثة وإحدى الأوليين. وإن قال: طلقت هذه وهذه أو هذه، احتمل أن يكون الشك في الجميع؛ لأنه أتى بحرف الشك بعد
стр. 1034
الأوليين، فيعود إليهما، واحتمل أن يكون الشك في الثانية والثالثة؛ لأن حرف الشك بينهما. وإن قال: طلقت هذه، أو هذه وهذه، ففي أحد الوجهين يكون شاكاً في طلاق الجميع، لا يدري أطلق الأولى وحدها، أو الأخريين جميعاً؟ وفي الأخرى يكون متيقناً لطلاق الثانية، شاكاً في الأوليين.
وكل موضع علم أنه طلق بعضهن، فاشتبهت عليه بغيرها، فحكمها حكم المنسية على ما سنذكره. وإن لم ينو واحدة بعينها، تعينت بالقرعة، وعليه نفقة الجميع حتى تتعين المطلقة؛ لأنهن محبوسات عليه.
فصل:
وإن طلق واحدة بعينها ثلاثاً وأنسيها، أو خفيت عليه، بأن طلقها في ظلمة، أو من وراء حجاب، أو يراها في طاقة، فيطلقها وتشتبه عليه، فإنه يحرم عليه الجميع؛ لأنه اشتبهت زوجته بغيرها فحرمتا، كما لو اشتبهت بمن لم يتزوجها. وإن علمها، عينها، وقبل قوله؛ لأنه لا يعلم إلا من جهته.
فإن امتنع مع العلم، حبس حتى يعينها؛ لأنه حق عليه امتنع من إيفائه. وإن ادعت غير المعينة عليه أنها المطلقة، فالقول قوله من غير يمين. فإن مات، أقرع بينهن. فمن خرجت لها القرعة فلا ميراث لها. قال إسماعيل بن سعيد: سألت أحمد عن الرجل يطلق امرأة من نسائه، ولا يعلم أيتهن طلق، قال: أكره أن أقول في الطلاق بالقرعة. قلت: أرأيت إن مات بعدها؟ قال: أقول بالقرعة، وذلك لأنه تصير القرعة على المال. وقد روي عن علي ﵁ في رجل له أربع نسوة طلق إحداهن ثم مات، لا يدري أيتهن طلق، أقرع بين الأربع، وأنذر منهن واحدة، وقسم بينهن الميراث. وكذلك إن ماتت إحداهن، أو متن جميعاً أقرعنا بينهن، فمن خرجت عليها القرعة، حرمناه ميراثها.
وقال الخرقي وكثير من أصحابنا: يقرع بينهن في حياته، فمن خرجت عليها قرعة الطلاق، بانت، وحل له البواقي، احتجاجاً بحديث علي ﵁. فإن ذكر بعد ذلك أن المطلقة غيرها، بانت المذكورة؛ لأنها المطلقة، ويكون وطؤه لها وطأ بشبهة، وترد إليه الأخرى، إلا أن تكون قد تزوجت، أو تكون القرعة بحكم حاكم، فلا ترد، نص عليه؛ لأنها إذا تزوجت، فقد تعلق بها حق غيره، فلم يقبل قوله في فسخ نكاح غيره. وقرعة الحاكم كحكمه، لا سبيل إلى نقضه. وقال أبو بكر وابن حامد: لا ترد إليه التي عينتها القرعة بحال؛ لأنه لا يقبل قوله عليها، ولا يرثها إن ماتت، وإن مات هو ورثته.
فصل:
وإن رأى طائراً فقال: إن كان غراباً فحفصة طالق، وإن كان حماماً فعمرة طالق، فطار ولم يعرف ما هو، لم يلزمه طلاق؛ لأنه يحتمل أنه غيرهما. ولو قال: إن كان غراباً، فحفصة طالق، وإن لم يكن غراباً، فعمرة طالق، ولم يعرف ما هو، طلقت
стр. 1035
إحداهما. والحكم فيها على ما ذكرنا في المشتبهة، وإن كان الحالف رجلين، فقد حنث أحدهما، فيحرم الوطء عليهما؛ لأننا علمنا التحريم في إحداهما، فأشبه ما لو كان الحالف واحداً على زوجتين، ويبقى في حق كل واحد منهما أحكام النكاح، من النفقة والكسوة والمسكن؛ لأن نكاحه كان متيقناً، وزواله مشكوك فيه. وإن قال أحدهما: إن كان غراباً، فعبدي حر، وقال الآخر: إن لم يكن غراباً، فعبدي حر، لم يعتق واحد منهما؛ لأن الأصل الرق. فإن اشترى أحدهما عبد صاحبه، عتق؛ لأن تمسكه بعبده اعتراف منه بعتق الآخر، وقد ملكه فيعتق، قاله القاضي. وقال أبو الخطاب: يقرع بينهما حينئذ؛ لأن العبدين صارا له، وقد علم عتق أحدهما لا بعينه، فيعتق بالقرعة إلا أن يكون أحدهما قد أقر أن الحانث صاحبه، فيؤخذ بإقراره.
ولو كان الحالف واحداً فقال: إن كان غراباً، فعبدي حر، وإن لم يكن غراباً فأمتي حرة، ولم يعرف، أقرع بينهما، فمن خرجت قرعته، فهو الحر؛ لأن القرعة تستعمل لتعيين الحرية.
فصل:
إن قال لحماته: ابنتك طالق، أو كان اسم زوجته زينب فقال: زينب طالق، طلقت زوجته. فإن قال: أردت ابنتك الأخرى، أو امرأة أجنبية اسمها زينب، دين؛ لأنه يحتمل ما قاله، ولم يقبل في الحكم. نص عليه. لأن غير زوجته ليست محلاً لطلاقه، فلم يقبل تفسيره بها. وإن نظر إلى زوجته وأجنبية فقال: إحداكما طالق، فكذلك؛ لما ذكرناه. وقال القاضي: هل يقبل في الحكم؟ على روايتين.
فصل:
فإن كانت له زوجتان، هند وزينب فقال: يا هند، فأجابته زينب، فقال: أنت طالق ينوي المجيبة، أو لم يكن له نية، طلقت المجيبة وحدها؛ لأنها المخاطبة بالطلاق، ولم يرد غيرها به. وإن قال: ظننت المجيبة هنداً، فطلقتها، طلقت هند رواية واحدة؛ لأنه أرادها بطلاقه، وفي زينب روايتان:
إحداهما: تطلق، اختارها ابن حامد؛ لأنه خاطبها بالطلاق فطلقت، كما لو لم يكن له نية.
والثانية: لا تطلق؛ لأنه لم يردها بكلامه، فلم تطلق، كما لو أراد أن يقول: أنت طاهر، فسبق لسانه بقوله، أنت طالق، وقال أبو بكر: لا يختلف كلام أحمد: أنها لا تطلق.
وإن قال: علمت أن المجيبة زينب وأردت طلاق هند، طلقتا معاً " هند " بإرادته، وزينب بخطابه لها بالطلاق اختياراً. ولو لقي أجنبية ظنها زوجته فقال: أنت طالق، طلقت زوجته؛ لأنه قصد زوجته بلفظ الطلاق، فطلقت، كالتي قبلها. وإن لقي زوجته
стр. 1036
فظنها أجنبية فقال: تنحي يا مطلقة، أو أمته، فقال: تنحي يا حرة يظنها أجنبية، فقال أبو بكر لا يلزمه عتق، ولا طلاق؛ لأنه لم يقصد طلاقاً ولا عتقاً. ويخرج على قول ابن حامد: أن يقع العتق والطلاق بناء على المسألة في أول الفصل.
стр. 1037
[كتاب الرجعة]
إذا طلق الحر زوجته بعد الدخول بغير عوض أقل من ثلاث، أو العبد أقل من اثنتين، فله ارتجاعها ما دامت في العدة، لقول الله سبحانه: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] إلى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٢٨] . يريد الرجعة عند جماعة أهل التفسير. وقال تعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] . وروى ابن عمر قال: «طلقت امرأتي وهي حائض، فسأل عمر ﵁ النبي ﷺ فقال: مره فليراجعها» . متفق عليه. وعن عمر «أن النبي ﷺ طلق حفصة وراجعها» . رواه أبو داود.
وإن انقضت عدتها، لم يملك رجعتها، لقوله سبحانه: ﴿أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٢٨] وإن طلق قبل الدخول، فلا رجعة له؛ لأنه لا عدة عليها، فلا تربص في حقها يرتجعها فيه، وكل هذا مجمع عليه بحمد الله.
فصل:
وإذا كانت حاملاً باثنين فوضعت أحدهما، فله رجعتها قبل وضع الثاني؛ لأن العدة
стр. 1038
لا تنقضي إلا بوضع الحمل كله. وإن طهرت ذات القرء من القرء الثالث ولم تغتسل، ففيه روايتان:
إحداهما: له رجعتها. اختاره كثير من أصحابنا؛ لأن ذلك يروى عن أبي بكر وعمر وعلي وغيرهم.
والثانية: لا رجعة له، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] . وهي الحيض، وقد زال الحيض. وهذا اختيار أبي الخطاب.
فصل:
ويملك رجعتها بغير رضاها، لقول الله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢] ولا تفتقر الرجعة إلى ولي ولا صداق لأنها إمساك. وهل تفتقر إلى إشهاد؟ فيه روايتان:
إحداهما: تفتقر إلى الإشهاد، لقول الله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] وظاهر الأمر الوجوب، ولأنه استباحة بضع مقصود، أشبه النكاح.
والثانية: لا يجب؛ لأنه إمساك لا يفتقر إلى رضى المرأة، أشبه التكفير في الظهار.
فصل:
والرجعية: زوجة، بدليل أن الله تعالى سمى الرجعة إمساكاً، وسمى المطلقين بعولة. فقال : ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨] فيلحقها طلاقه، وظهاره، ولعانه، وخلعه، ويرثها وترثه؛ لأنها زوجه، فثبت فيها ما ذكرنا، كما قبل الطلاق.
فصل:
والرجعية مباحة لزوجها، فلها التزين والتشرف له، وله السفر بها، والخلوة معها، ووطؤها في ظاهر المذهب، لقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ٥] ﴿إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون: ٦] وهذه زوجة. وعنه: أنها محرمة وهو ظاهر كلام الخرقي؛ لأنها معتدة من طلاقه فحرمت عليه، كالمختلعة. فإن وطئها، فلا حد عليه؛ لأنها زوجته، ولا مهر عليه كذلك. ويحتمل أن يجب المهر على القول
стр. 1039
بالتحريم، إذا أكرهها على الوطء؛ لأنه وطء حرمه الطلاق، فأشبه وطء المختلعة.
فصل:
وتحصل الرجعة بالوطء في ظاهر المذهب، قصد، أو لم يقصد؛ لأن سبب زوال الملك انعقد مع الخيار، والوطء من المالك يمنع زواله، كوطء البائع في مدة الخيار، ولا يحصل باستمتاع سواه من قبله أو لمس، أو نظر إلى محرم منها، في ظاهر كلام أحمد. وقال ابن حامد: يخرج فيه وجهان: مبنيان على الروايتين في تحريم المصاهرة به. فأما الخلوة بها، فليست رجعة بحال؛ لأن تحريم المصاهرة لا يثبت بها.
وقال بعض أصحابنا: يحصل بها؛ لأنه محرم من غير الزوجة، فأشبه الاستمتاع. وعن أحمد: لا تحصل الرجعة إلا بالقول. وهو ظاهر كلام الخرقي، لقول الله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] ولا يحصل الإشهاد إلا على القول، ولأنه استباحة بضع مقصود، أشبه النكاح.
[فصل في ألفاظ الرجعة]
فصل:
وألفاظ الرجعة: راجعتك، وارتجعتك، لورود السنة بهما في حديث ابن عمر. واشتهارهما في العرف بهذا اللفظ، ورددتك وأمسكتك لورود الكتب بهما، في قوله: ﴿أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨] وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٣١] ويحتمل أن يكون الصريح لفظ المراجعة وحده، لاشتهاره في العرف دون غيره. وإن قال: نكحتك، أو تزوجتك، ففيه وجهان:
أحدهما: تصح الرجعة به، اختاره ابن حامد؛ لأن الأجنبية تحل به فالزوجة أولى.
والثاني: لا يصح؛ لأنه وضع لابتداء النكاح، وهذه لاستدامته، فإن قال: راجعتك للمحبة، أو الإهانة، فهي رجعة صحيحة؛ لأنه أتى بصريح الرجعة، وما قرنه به يحتمل أن يكون بياناً للعلة، ويحتمل غيره، فلا يزول اللفظ عن مقتضاه بالشك. فإن نوى به، أنني راجعتك لمحبتي إياك، أو لأهينك، لم يقدح في الرجعة؛ لأنه ضم إليها بيان علتها. وإن لم يرد الرجعة، وإنما أراد راجعتك إلى الإهانة بفراقي إياك، أو إلى المحبة، فليس برجعة؛ لأنه قصد بلفظه غير الرجعة.
стр. 1040
فصل:
ولا يصح تعليقها على شرط؛ لأنه استباحة بضع، فأشبهت النكاح. ولو قال: راجعتك إن شئت، أو كلما طلقتك، فقد راجعتك، لم يصح. وإن راجعها في الردة. فقال أبو الخطاب لا يصح؛ لأنه استباحة بضع، فأشبه النكاح.
وقال القاضي: إن قلنا بتعجل الفرقة، فلا يصح. وإن قلنا: لا تتعجل، فهي موقوفة. إن أسلم، صحت، وإن لم يسلم، لم تصح، كما يقف الطلاق والنكاح. وهذا اختيار ابن حامد.
فصل:
وإذا ادعت المرأة انقضاء عدتها بالقروء في زمن يمكن انقضاؤها فيه، أو بوضع الحمل الممكن، فأنكرها الزوج، فالقول قولها، لقول الله تعالى: ﴿وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨] فلولا أن قولهن مقبول ما حرم عليهن كتمانه، كالشهود، لما حرم عليهم كتمان الشهادة، دل على قبولها منهم.
وإن ادعت انقضاء عدتها بالشهور، فأنكرها، فالقول قوله؛ لأنه اختلاف في وقت الطلاق، والقول قوله فيه، وإن ادعت انقضاءها في مدة لا يمكن انقضاؤها فيها، لم تسمع دعواها، مثل أن تدعي انقضاءها بالقروء في أقل من ثمانية وعشرين يوماً. إذا قلنا: الأقراء: الأطهار. أو في أقل من تسعة وعشرين إذا قلنا: هي الحيض؛ لأننا نعلم كذبها. وإن ادعت انقضاءها بالقروء في شهر، لم يقبل قولها إلا ببينه. نص عليه؛ لأنه يروى عن علي ﵁. ولأن ذلك يندر جداً. وظاهر قول الخرقي: قبول قولها بمجرده لما ذكرناه.
فصل:
وإن ادعى الزوج رجعتها في عدتها، فأنكرته، فالقول قوله؛ لأنه يملك رجعتها، فقبل قوله فيه، كالطلاق. فإن ادعى رجعتها بعد العدة، فأنكرته فالقول قولها؛ لأنه في زمن لا يملكها. والأصل عدمها. فإن كان في زمن يمكن انقضاء العدة، فيه. فقالت: قد انقضت عدتي، فقال: قد كنت راجعتك، وأنكرته، لم يقبل قوله؛ لأن قولها في انقضاء عدتها مقبول، فصار دعواه للرجعة بعد الحكم بانقضائها، ولو سبق فقال: قد كنت راجعتك، فقالت: قد انقضت عدتي قبل رجعتك، فأنكرها، فالقول قوله؛ لأنه ادعى الرجعة قبل الحكم بانقضاء عدتها. وظاهر كلام الخرقي: أن القول قولها في
стр. 1041
الحالين؛ لأن من قبل قوله سابقاً، قبل مسبوقاً كسائر الدعاوى. وإن ادعى أنه أصابها ليثبت له رجعتها، فأنكرته، فالقول قولها؛ لأن الأصل عدمها.
فصل:
فإن طلقها، فقضت عدتها وتزوجت، ثم ادعى رجعتها، [فصدقته] هي وزوجها، ردت إليه؛ لأننا تبينا أن الثاني نكحها وهي زوجة الأول. وإن صدقه أحدهما دون الآخر، قبل قوله وحده في حقه، فإن صدقه الزوج، انفسخ نكاحه لاعترافه بفساده، ولم تسلم المرأة إليه؛ لأن إقرار الزوج عليها غير مقبول.
وإن كان هذا قبل دخوله بها، فلها عليه نصف المهر. وإن كان بعده، فلها الجميع بمنزلة طلاقها. وإن صدقته المرأة وحدها، لم يقبل قولها في فسخ نكاح الزوج. فإن بانت منه بطلاق أو غيره، ردت إلى الأول؛ لأن المنع الذي كان لحق الثاني قد زال.
وإن طلقها قبل الدخول، فلا مهر لها، لاعترافها أنها ليست زوجة له. فإن أنكراه، فالقول قولهما. فإن أقام بينة بدعواه، قبلت، وردت إليه، سواء دخل بها الثاني، أو لم يدخل؛ لأننا تبينا أن الثاني نكحها وهي زوجة الأول. وعن أبي عبد الله ﵀ رواية أخرى: إن دخل بها الثاني، فهي زوجته، ويبطل نكاح الأول؛ لأنه يروى عن عمر بن الخطاب ﵁ ولأن كل واحد منهما عقد عليها وهي ممن يجوز العقد عليها في الظاهر، ومع الثاني مزية الدخول، والأول المذهب.
فصل:
وإن تزوجت الرجعية في عدتها فوطئها الثاني وحملت منه، انقطعت عدة الأول، فإذا وضعت حملها، أتمت عدة الأول، وله رجعتها في هذا التمام؛ لأنها في عدته، وإن راجعها قبل الوضع، ففيه وجهان:
أحدهما: لا يصح؛ لأنها في عدة غيره، لا في عدته.
والثاني: يصح؛ لأن الزوجية باقية وإنما انقطعت عدته لعارض، فهو كما لو وطئت في صلب نكاحه.
فصل:
وإن وطئ الزوج الرجعية، وقلنا: لا تحصل الرجعة به، فعليها استئناف العدة من الوطء ويدخل فيها بقية عدة الطلاق؛ لأنهما عدتان من رجل واحد فتداخلتا وله ارتجاعها في بقية العدة الأولى، وليس له ارتجاعها بعدها؛ لأن عدة الطلاق انقضت.
стр. 1042
فصل:
إذا طلق الحر زوجته ثلاثاً، أو طلق العبد زوجته طلقتين، حرمت عليه، ولم تحل له حتى تنكح زوجاً غيره: ويطأها، لقول الله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] ويشترط لحلها الأول شرطان:
أحدهما: نكاح زوج غيره، للآية. فلو كانت أمة فوطئها سيدها، أو وطئت بشبهة، أو استبرأها من سيدها، لم تحل له، ولا بد أن يكون نكاحاً صحيحاً، فلو نكحها نكاحاً فاسداً ووطئها، لم تحل له. وذكر أبو الخطاب وجهاً آخر، أنه يحلها، لقول النبي ﷺ : «لعن الله المحلل والمحلل له» . فسماه محللاً مع فساد نكاحه. والمذهب: الأول؛ لأن النكاح المطلق في الكتاب والسنة إنما يحمل على الصحيح، وإنما سماه محللاً، لقصده التحليل فيما لا يحل، كقوله تعالى: ﴿فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾ [التوبة: ٣٧] . فلو أحل حقيقة، لم يكن هو والزوج ملعونين.
الثاني: أن يطأها الزوج في الفرج، وأدناه تغييب الحشفة مع الانتشار، لما روت عائشة ﵂ «أن رفاعة القرظي طلق امرأته فبت طلاقها، فتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير، فجاءت رسول الله ﷺ ، فقالت: إنها كانت عند رفاعة، فطلقها آخر ثلاث تطليقات، فتزوجت بعده بعبد الرحمن بن الزبير، فقالت: والله ما معه إلا مثل هذه الهدبة، فتبسم رسول الله ﷺ وقال: لعلك تريدين أن ترجعي إلى رفاعة، لا، حتى يذوق عسيلتك، وتذوقي عسيلته» متفق عليه. فإن وطئها في الدبر، أو دون الفرج، أو غيب الحشفة من غير انتشار، لم تحل؛ لأن النبي ﷺ علق الحكم بذواق العسيلة، ولا يحصل بذلك. فإن كان الذكر مقطوعاً، فبقي منه قدر الحشفة، فأولجه، أحلها، وإلا فلا. وإن كان خصياً، أو مسلولاً، أو موجوءاً، حلت بوطئه، لدخوله في عموم الآية. وعنه: لا يحلها؛ لأنه لا تذاق عسيلته. قال أبو بكر: العمل على أنه يحلها؛ لأنه لا
стр. 1043
يفقد إلا الإنزال، وهو غير معتبر في الإحلال. ولو كانت ذمية فوطئها زوج ذمي، أحلها للمسلم، لدخوله في الآية والخبر. وكذلك المملوك والصبي والمجنون. وقال ابن حامد: لا يحلها المجنون؛ لأنه لا يذوق العسيلة، والأول المذهب، لدخوله في عموم الآية، والخبر.
ولا يصح دعوى أنه لا يذوق العسيلة، فإن المجنون كالصحيح في الشهوة واللذة، وافتراقهما في العقل لا يوجب افتراقهما في ذلك، فإنه يوجد في البهائم مع عدم العقل. وإن وطئها نائمة، أو مغمى عليها، أو وطئها يعتقدها أجنبية، أو استدخلت ذكره وهو نائم، حلت؛ لأن الوطء وجد في نكاح صحيح، ويحتمل ألا تحل بالوطء في الإغماء؛ لأنها لا تذوق عسيلته.
فصل:
واشترط أصحابنا أن يكون الوطء حلالاً، فلو وطئها زوجها في حيض، أو نفاس، أو صوم مفروض، أو إحرام، لم تحل؛ لأنه وطء حرم لحق الله تعالى فلم يحلها، كوطء المرتدة. وظاهر النص أنه يحلها، لدخوله في العموم، ولأنه وطء تام في نكاح صحيح تام فأحلها، كما لو كان التحريم لحق آدمي، مثل أن يطأ مريضة تتضرر بوطئه، فإنه لا خلاف في حلها به. فأما الوطء في ردتهما، أو ردة أحدهما، فلا يحلها؛ لأنه إن عاد إلى الإسلام، فقد وقع الوطء في نكاح غير تام؛ لانعقاد سبب البينونة، وإن لم تسلم في العدة، فلم يصادف الوطء نكاحاً.
فصل:
وإذا غابت المطلقة ثلاثاً، ثم أتت زوجها، فذكرت أنها نكحت من أصابها، وكان ذلك ممكناً، وكان يعرف منها الصدق والصلاح، حلت له؛ لأنها مؤتمنة على ما تدعيه، وقد وجد ما يغلب على ظنه صدقها.
وإن لم يوجد ما يغلب على ظنه صدقها، لم تحل له؛ لأن الأصل التحريم ولم يوجد غلبة ظن تنقل عنه، فلم يحل، كما لو أخبره فاسق غيرها. فإن كذبها، ثم غلب على ظنه صدقها فصدقها، حلت له؛ لأنه قد لا يعلم، ثم يتجدد علمه بذلك. وإن تزوجت زوجاً ثم طلقها، فادعت أنه أصابها، فأحلها واستقر عليه مهرها فأنكر. فالقول قولها في حلها؛ لأنها لا تدعي عليه حقاً، والقول قوله في استقرار مهرها؛ لأنه حق عليه، والأصل عدمه. وإن ادعت عليه طلاقها فأنكرها، لم تحل للأول؛ لأنه لم يثبت طلاقها، فتبقى على نكاح الثاني.
فصل:
وإذا عادت المطلقة ثلاثاً إلى زوجها، بعد زوج وإصابة، ملك عليها ثلاث تطليقات؛ لأنه قد استوفى ما كان يملك من الطلاق الثلاث، فوجب أن يستأنفها. وإن
стр. 1044
كان طلاقها أقل من ثلاث، رجعت إليه على ما بقي من طلاقها؛ لأنها عادت قبل استيفاء العدد، فرجعت بما بقي من العدد، كما لو رجعت قبل نكاح آخر. وعنه: أنها إن رجعت بعد نكاح زوج آخر رجعت على طلاق ثلاث؛ لأنها رجعت بعد زوج وإصابة، فأشبهت المطلقة ثلاثاً.
стр. 1045
[كتاب الإيلاء]
. وهو الحلف على ترك وطء الزوجة أكثر من أربعة أشهر، لقول الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة: ٢٢٦] ويصح من كل زوج مكلف قادر على الوطء، ولا يصح من غير زوج، كالسيد يؤلي من أمته، أو من أجنبية، ثم يتزوجها، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٢٦] ولا يصح من صبي ولا مجنون؛ لأنه لا حكم ليمينهما.
فأما العاجز عن الوطء، فإن كان لسبب يرجى زواله، كالمرض والحبس، صح إيلاؤه؛ لأنه يمنع نفسه الوطء بيمينه، فأشبه القادر، وإن كان لسبب غير مرجو الزوال، كالجب، والشلل، لم يصح إيلاؤه؛ لأنه حلف ترك مستحيل، فلم يصح، كالحلف على ترك الطيران، ولأن الإيلاء، اليمين المانعة من الجماع، وهذا لا تمنعه منه يمينه، ويحتمل أن يصح إيلاؤه، كالعاجز بالمرض. ويصح إيلاء الذمي، لعموم الآية، ولأن من صح طلاقه ويمينه عند الحاكم، صح إيلاؤه كالمسلم.
[فصل في شروط صحة الإيلاء]
فصل:
ويشترط لصحته أربعة شروط:
أحدها: الحلف؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ﴾ [البقرة: ٢٢٦] والإيلاء: الحلف. فإن حلف بالله تعالى، أو بصفة من صفاته، كان مؤلياً بغير خلاف. وإن حلف بالطلاق، أو العتاق، أو الظهار، أو صدقة المال ونحوه، ففيه روايتان:
стр. 1046
إحداهما: لا يكون مؤلياً؛ لأن ابن عباس ﵄ قال في تفسير الآية: يحلفون بالله. هكذا ذكره الإمام أحمد، ولأنه لم يحلف بالله. فلم يكن مؤلياً، كالحالف بالكعبة.
والثانية: يكون مؤلياً؛ لأنها يمين يلزم بالحنث فيها حق، فيصح الإيلاء بها، كاليمين بالله تعالى. وقال أبو بكر: ما أوجب الكفارة، كالحرام، كان به مؤلياً، وما لا كفارة فيه، كالطلاق والعتاق، لم يكن به مؤلياً، ولا يختلف المذهب أنه لا يكون مؤلياً بما لا يلزمه به حق، كقوله: إن وطئتك، فأنت زانية؛ لأنه لا يصح تعليق القذف بشرط، فلا يلزمها بالوطء حق، فلا يكون مؤلياً. ولو قال: إن وطئتك، فعلي صوم أمس، أو صوم هذا الشهر، لم يصح؛ لأنه يصير عند وجوب الفيئة ماضياً، ولا يصح نذر الماضي.
وإن قال: إن وطئتك، فسالم حر عن ظهاري، صار مؤلياً؛ لأنه يلزمه بالوطء حق، وهو تعيين عتق سالم. وإن قال: إن وطئتك فسالم حر عن ظهاري، إن تظاهرت، لم يكن مؤلياً في الحال؛ لأنه يمكنه الوطء بغير حق يلزمه. وإن تظاهر، صار مؤلياً؛ لأنه لا يمكنه الوطء، إلا بحق يلزمه.
فصل:
الشرط الثاني: أن يحلف على ترك الوطء بالفرج؛ لأنه الذي يحصل الضرر به. وإن حلف على ترك الوطء في الدبر، أو دون الفرج، فليس بمؤل؛ لأنه لا ضرر فيه. وألفاظ الإيلاء تنقسم ثلاثة أقسام:
أحدها: صريح في الظاهر والباطن، وهي قوله: والله لا آتيك، أو لا أدخل، أو أغيب، أو أولج ذكري، أو حشفتي، أو لا أفتضك، للبكر خاصة، فهذه صريحة ولا يدين فيها؛ لأنها لا تحتمل غير الإيلاء.
والقسم الثاني: صريحة في الحكم، ويدين فيها. وهي عشرة ألفاظ: لا وطئتك، لا جامعتك، لا أصبتك، لا باشرتك، لا مسستك، لا قربتك، لا أتيتك، لا باضعتك، لا باعلتك، لا اغتسلت منك، فهذه صريحة في الحكم؛ لأنها تستعمل في الوطء عرفا، وقد ورد الكتاب والسنة ببعضها، فلا يقبل تفسيرها بما يحيله، كوطء القدم، والإصابة باليد، ويدين فيما بينه وبين الله تعالى؛ لأنه يحتمل ما قاله.
القسم الثالث: كناية وهو: ما عدا هذه الألفاظ، مما يحتمل الجماع وغيره، كقوله: لأسوأنك، ولا دخلت عليك، لا جمع رأسي ورأسك شيء، فهذا لا يكون مؤلياً بها، إلا بالنية؛ لأنها ليست ظاهرة في الجماع، فلم يحمل عليه إلا بالنية، ككنايات الطلاق فيه. فإن قال: والله لا جامعتك إلا جماع سوء، ونوى به الجماع في الدبر، أو دون الفرج،
стр. 1047
فهو مؤل. وإن نوى جماعاً ضعيفاً لا يزيد على تغييب الحشفة، فليس بمؤل؛ لأن الضعيف كالقوي في الحكم.
فصل:
الشرط الثالث: أن يكون الحالف زوجاً مكلفاً، قادراً على الوطء في الجملة، وقد ذكرنا ذلك.
الشرط الرابع: أن يحلف على مدة تزيد على أربعة أشهر. فإن حلف على أربعة فما دونها، لم يكن مؤلياً، حراً كان أو عبداً، من حرة أو أمة لقول الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة: ٢٢٦] . فدل على أنه لا يكون مؤلياً بما دونها، ولأن المطالبة بالطلاق والفيئة، إنما تكون بعدها، فلا تصح المطالبة من غير إيلاء، فإذا قال: والله لا وطئتك، كان مؤلياً؛ لأنه يقتضي التأبيد. وكذلك إن قال: حتى تموتي أو أموت؛ لأنه للتأبيد. وكذلك إن علقه على مستحيل فقال: حتى تطيري، ويشيب الغراب، ويبيض القار؛ لأن معناه التأبيد. قال الله تعالى: ﴿وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: ٤٠] . أي: لا يلج الجمل في سم الخياط، أي: لا يدخلونها، أبداً، وإن علقه على فعل يقين، أو يغلب على ظنه، أنه لا يوجد في أربعة أشهر، كقيام الساعة، وخروج الدجال، ونزول عيسى من السماء، أو موت زيد، فهو مؤل؛ لأنه لا يوجد في أربعة أشهر ظاهراً، فأشبه ما لو صرح به. وإن قال: والله لا وطئتك حتى تحبلي، فهو مؤل؛ لأنها لا تحبل من غير وطئه، فهو كالحلف على ترك الوطء دائماً، وقال القاضي: إن كانت ممن يحبل مثلها، لم يكن مؤلياً، ولا أعلم لهذا وجهاً؛ لأنه لا يمكن حملها، من غير وطء.
وإن قال: أردت بـ " حتى " السببية، أي لا أطؤك لتحبلي، قبل منه؛ لأنه يحتمل ما قاله، ولا يكون مؤلياً؛ لأنه يمكن وطؤها لغير ذلك.
وإن علقه على ما يعلم وجوده قبل أربعة أشهر، كجفاف بقل، أو ما يغلب على الطن وجوده قبلها، كنزول الغيث في أوانه، وقدوم الحاج في زمانه، أو ما يحتمل الأمرين على السواء، كقدوم زيد من سفر قريب، لم يكن مؤلياً؛ لأنه لم يغلب على الظن وجود الشرط، فلا يثبت حكمه.
وإن قال: والله ليطولن تركي لجماعك، ونوى مدة الإيلاء، فهو مؤل، وإلا فلا. وإن قال: والله لأسوأنك، ولتطولن غيبتي عنك، ونوى ترك الجماع في مدة الإيلاء، فهو مؤل؛ لأنه عنى بلفظه ما يحتمله، وإلا فلا، وإن قال: والله لا وطئتك طاهراً، أو وطأ مباحاً، فهو مؤل لأنه حلف على ترك الوطء الذي يطالب به في الفيئة، فكان مؤلياً، كما لو قال: والله لا وطئتك إلا في الدبر.
стр. 1048
فصل:
وإن قال: والله لا وطئتك في هذا البيت، أو البلد، لم يكن مؤلياً؛ لأنه يمكنه الوطء بغير حنث. وإن قال: والله لا وطئتك إلا برضاك، أو، إلا أن تشائي، فليس بمؤل كذلك، وكذلك: والله لا وطئتك مريضة، أو محزونة، أو مكرهة، أو ليلاً أو نهاراً، لم يكن مؤلياً كذلك. وإن قال: والله لا وطئتك إن شئت، فشاءت، صار مؤلياً، وإلا فلا.
[فصل في حكم تعليق الإيلاء على شرط]
فصل:
ويصح تعليق الإيلاء على شرط؛ لأنه يمين. فإذا قال: إن وطئتك فوالله لا وطئتك، لم يصر مؤلياً في الحال؛ لأنه يمكنه وطؤها بغير حنث. فإذا وطئها، صار مؤلياً؛ لأنه لا يمكنه الوطء إلا بحنث. وإن قال: والله لا وطئتك في هذه السنة إلا مرة، لم يصر مؤلياً في الحال كذلك.
فإذا وطئها وقد بقي من السنة أكثر من أربعة أشهر، صار مؤلياً؛ لأنه صار ممنوعاً من وطئها بيمينه. وإن قال: والله لا وطئتك سنة إلا يوماً فكذلك؛ لأن اليوم منكر، فلم يختص يوم بعينه، فصارت كالتي قبلها، ويحتمل أن يصير مؤلياً في الحال؛ لأن اليوم المستثنى يكون من آخر السنة، كما في التأجيل.
فصل:
فإن قال: والله لا وطئتك، عاماً، ثم قال: والله لا وطئتك نصف عام، دخلت المدة الثانية في الأولى؛ لأنها بعضها، ولم يعقب إحداهما بالأخرى، فتداخلا كما لو قال: له علي مائة، ثم قال: له علي خمسون، فإن قال: والله لا وطئتك عاماً، فإذا مضى، فوالله لا وطئتك نصف عام، فهما إيلاأن في زمانين، لا يدخل حكم أحدهما في الآخر.
فإذا انقضى حكم الأول، ثبت حكم الآخر. وإن قال: والله لا وطئتك أربعة أشهر، فإذا مضت فوالله لا وطئتك أربعة أشهر، لم يكن مؤلياً؛ لأن كل واحد من الزمانين لا تزيد مدته على أربعة أشهر، ويحتمل أن يكون مؤلياً؛ لأنه ممتنع بيمينه من وطئها مدة متوالية أكثر من أربعة أشهر.
فصل:
وإن قال لأربع نسوة: والله لا أطأكن، انبنى على أصل، وهو: هل يحنث بفعل بعض المحلوف عليه، أم لا؟ فيه روايتان:
إحداهما: يحنث فيكون مؤلياً في الحال منهن؛ لأنه لا يمكنه وطء واحدة منهن، إلا بحنث، فإذا وطئ واحدة، انحلت يمينه؛ لأنها يمين واحدة، فتنحل بالحنث فيها، كما لو حلف على واحدة.
стр. 1049
وعلى الأخرى: لا يحنث بفعل البعض، فلا يكون مؤلياً في الحال؛ لأنه يمكن وطء كل واحدة بغير حنث. فإذا وطئ ثلاثاً، صار مؤلياً في الرابعة، وابتداء المدة حينئذ. فإن مات بعضهن، أو طلقها انحل الإيلاء؛ لأنه أمكنه وطء الباقيات بغير حنث. وإن قال: والله لا وطئت واحدة منكن، صار مؤلياً في الحال؛ لأنه لا يمكنه الوطء إلا بحنث.
فإن طلق واحدة منهن، أو ماتت، كان مؤلياً من الباقيات؛ لأنه تعلق بكل واحدة منفردة. وإن وطئ واحدة، سقط الإيلاء من الباقيات؛ لأنها يمين واحدة، فإذا حنث مرة، لم يعد الحنث مرة ثانية، وإن نوى واحدة بعينها، كان مؤلياً منها وحدها، ويقبل قوله في ذلك؛ لأن اللفظ يحتمله، وهو أعلم بنيته.
وإن قال: نويت واحدة معينة، قبل؛ لأنه يحتمل ذلك. وقياس المذهب: أن يخرج المؤلي منها بالقرعة، كالطلاق، وذكر القاضي: أن الحكم فيمن أطلق يمينه ولم ينو شيئاً، كذلك، والأول أولى؛ لأنه نكرة في سياق النفي، فيكون عاماً.
ولو قال: والله لا وطئت كل واحدة منكن، كان مؤلياً من جميعهن، ولم يقبل قوله: نويت واحدة؛ لأن لفظه لا يحتمل ذلك، وتنحل اليمين بوطء واحدة، لما ذكرنا. فإن طالبن بالفيئة، وقف لهن كلهن. وإن اختلفت مطالبتهن، وقف لكل واحدة عند طلبها؛ لأنه لا يؤخذ بحقها قبل طلبها، وعنه: يوقف لهن جميعهن عند طلب أولاهن؛ لأنها يمين واحدة، فكان الوقف لها واحداً. وإن قال لزوجتيه، كلما وطئت إحداكما فالأخرى طالق. وقلنا بكونه إيلاء، فهو مؤل منهما.
فصل:
فإن قال: والله لا وطئتك، ثم قال للأخرى: شركتك معها، لم يصر مؤلياً من الثانية؛ لأن اليمين بالله، لا يصح إلا بلفظ صريح من اسم، أو صفة، وهذا كناية. وقال القاضي: يكون مؤلياً منهما. وإن قال: إن أصبتك. فأنت طالق، وقال للأخرى: أشركتك معها ونوى، وقلنا بكونه إيلاء من الأولى، صار مؤلياً من الثانية؛ لأن الطلاق يصح بالكناية. ولو قال: أنت علي كظهر أمي، ثم قال للأخرى: شركتك معها، كان مظاهراً منهما؛ لأن الظهار تحريم، فصح بالكناية كالطلاق. وهل يفتقر إلى نية؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يفتقر إليها لأن التشريك لا بد أن يقع في شيء يوجب صرفه إلى المذكور كجواب السؤال.
والثاني: يفتقر إليها ذكره أبو الخطاب؛ لأنه ليس صريح في الظهار، فافتقر إلى النية، كسائر كناياته.
стр. 1050
فصل:
ولا يطالب المؤلي بشيء قبل أربعة أشهر، للآية. وابتداء المدة من حين اليمين؛ لأنها تثبت بالنص والإجماع، فلم تفتقر إلى حاكم، كمدة العدة. فإن كان بالمرأة عذر يمنع الوطء، كصغر أو مرض أو نشوز أو جنون أو إحرام أو صوم فرض، أو اعتكاف فرض، لم يحتسب عليه بمدته؛ لأن المنع منها. وإن طرأ منه شيء، انقطعت المدة؛ لأنها إنما ضربت لامتناع الزوج من الوطء، ولا امتناع منه مع العذر.
ويستأنف المدة عند زوال العذر؛ لأن من شأنها أن تكون متوالية، ويحتسب بمدة الحيض؛ لأنه عذر معتاد لا ينفك منه، فلو قطع المدة، سقط حكم الإيلاء، وكذلك لا يقطع التتابع في الصيام. وفي النفاس وجهان:
أحدهما: هو كالحيض؛ لأنه مثله في أحكامه.
والثاني: هو كالمرض؛ لأنه عذر نادر، أشبه المرض. وإن كان بالزوج عذر، حسبت عليه مدته، ولم يقطع المدة طريانه؛ لأن الامتناع من جهته، والزوجية باقية، فحسبت عليه المدة. وإن آلى من الرجعية، احتسب عليه المدة، ذكره ابن حامد. وإن طرأ الطلاق الرجعي، لم يقطع المدة؛ لأن الرجعية مباحة، ويحتمل أن تنقطع إذا قلنا بتحريمها. وإن طلقها طلاقاً بائناً، انقطعت المدة؛ لأنها حرمت عليه، فإذا تزوجها وقد بقي من مدة الإيلاء أكثر من أربعة أشهر، استؤنفت المدة، سواء كان الطلاق في المدة، أو بعدها.
فصل:
وإن وطئها، حنث وسقط الإيلاء، لزوال اليمين والضرر عنها، سواء وطئها يقظانة، أو نائمة أو عاقلة أو مجنونة. وهكذا إن وطئها في حيض، أو نفاس، أو إحرام، أو صيام، أو ظهار، لما ذكرنا. وقال أبو بكر: قياس المذهب ألا يخرج من حكم الإيلاء، بالوطء الحرام؛ لأنه لا يؤمر به في الفيئة، فهو كالوطء في الدبر، والأول أولى؛ لأن اليمين تنحل به، فيزول الإيلاء بزوالها. وإن وطئها وهو مجنون، لم يحنث؛ لأن القلم عنه مرفوع، ويسقط الإيلاء؛ لأنه وفاها حقها، ويحتمل ألا يسقط؛ لأن حكم اليمين باق، ولو أفاق، لمنعته اليمين الوطء. وقال أبو بكر: يحنث وينحل الإيلاء؛ لأنه فعل ما حلف عليه. وإن وطئها، ناسياً فهل يحنث؟ على روايتين. أصحهما: لا يحنث. فعلى هذا هل يسقط الإيلاء؟ على وجهين كما ذكرنا في المجنون.
وإن استدخلت ذكره وهو نائم، لم يحنث؛ لأنه ما وطئ، وهل يسقط الإيلاء؟ على وجهين، لما ذكرنا. وأدنى الوطء الذي تحصل به الفيئة تغييب الحشفة في الفرج؛ لأن أحكام الوطء تتعلق به، وإن
стр. 1051
وطئها في الدبر، أو دون الفرج، لم يعتد به؛ لأن الضرر واليمين لا يزولان به.
فصل:
وإذا وطئ لزمته الكفارة، لقول النبي ﷺ : «من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها، فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه» متفق عليه. وإن كان الإيلاء بتعليق عتق، أو طلاق، وقع؛ لأنه معلق على شرط قد وجد. وإن كان على نذر، خير بين الوفاء به والتكفير؛ لأنه نذر لجاج، وهذا حكمه.
وإن كان معلقاً على طلاق ثلاث، لم يحل له الوطء؛ لأنه آخره يقع في أجنبية، ويوقع طلاق البدعة من وجهين جمع الثلاث، ووقوعه بعد الإصابة، وذكر القاضي: أن كلام أحمد يقتضي روايتين. فإن وطئ فعليه النزع حين يولج؛ لأن الحنث حصل به فصارت أجنبية، فإذا فعل هذا، فلا حد عليه، ولا مهر؛ لأنه تارك للوطء، وإن لبث أو أتم الإيلاج، فلا حد أيضاً. لتمكن الشبهة منه لكونه وطأ بعضه في زوجة، وفي المهر وجهان:
أحدهما: يجب؛ لأنه وطء في محل غير مملوك، أشبه ما لو وطئ بعد النزع.
والثاني: لا يجب؛ لأنه إيلاج في محل مملوك، فكان آخره تابعا له في سقوط المهر، ويلحق النسب به. وإن نزع، ثم أولج وهما عالمان بالتحريم، فهما زانيان زنا لا شبهة فيه، فعليهما الحد، ولا مهر لها إذا كانت مطاوعة. وإن كانت مكروهة، أو جاهلة بالتحريم، فلا حد عليها، ولها عليه المهر. وإن جهلا التحريم معاً، فلا حد، ويجب لها المهر، ويلحقه النسب. وإن قال: إن وطئتك، فأنت علي كظهر أمي، فقال أحمد: لا يطأ حتى يكفر، يريد أنه إذا وطئها مرة، لم يكن له أن يطأها ثانياً، حتى يكفر؛ لأنها تصير محرمة عليه بالظهار، فأما قبل ذلك، فلا يصح منه التكفير؛ لأنه لا يجوز تقديم الكفارة على سببها.
فصل:
وإن انقضت المدة ولم يطأ، فلها المطالبة بالفيئة، أو الطلاق، لِقَوْلِهِ تَعَالَى:
стр. 1052
﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٦] ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٧] فإن سكتت عن المطالبة، لم يسقط حقها، وإن عفت عنها، سقط حقها في أحد الوجهين، كما لو عفت امرأة العنين. والآخر لا يسقط، ولها الرجوع، والمطالبة؛ لأنها ثبتت لدفع الضرر بترك الوطء، وذلك يتجدد مع الأحوال، فأشبه النفقة والقسم وإن طلب الإمهال، ولا عذر له، لم يمهل؛ لأن الحق حال عليه وهو قادر عليه.
وإن كان ناعساً فقال: أمهلوني حتى يذهب النعاس، أو جائعاً فقال: أمهلوني حتى أتغدى، أو حتى ينهضم الطعام، أو حتى أفطر من صيامي، أمهل بقدر ذلك. ولا يمهل أكثر من قدر الحاجة، كالدين الحال. فإن وطئها، فقد وفاها حقها.
وإن أبى ولا عذر له أمر بالطلاق إن طلبت ذلك، فإن طلق، وقع طلاقه الذي أوقعه، ولا يطالب بأكثر من طلقة؛ لأنها تفضي إلى البينونة، فإن امتنع، طلق الحاكم عليه؛ لأنه حق تعين مستحقه، ودخلته النيابة، فقام الحاكم مقامه عند امتناعه منه، كقضاء دينه.
وعن أحمد: لا تطلق عليه ولكن يحبس ويضيق عليه حتى يطلق؛ لأن ما خير فيه بين شيئين، لم يقم الحاكم مقامه فيه، كاختيار إحدى الزوجات إذا أسلم على أكثر من أربع.
فإن قلنا: إن الحاكم يملك الطلاق، فله أن يطلق واحدة أو ثلاثاً؛ لأنه قائم مقام الزوج، فملك ما يملكه. فإن طلق الزوج، أو الحاكم ثلاثاً حرمت عليه، إلا بزوج وإصابة. فإن طلق أحدهما أقل من ثلاث، فله رجعتها. وعن أحمد أنها تكون طلقة بائنة؛ لأنها شرعت لدفع الضرر الحاصل منه، فوجب أن لا يملك رجعتها، كالمختلعة.
وعنه: أن تفريق الحاكم يحرمها على التأبيد؛ لأنه تفريق حاكم، فأشبه فرقة اللعان، والأول أصح؛ لأنه لم يستوف عدد طلاقها، فلم تحرم على التأبيد، كما لو طلق الزوج. وإن قال الحاكم: فرقت بينكما، فهو فسخ للنكاح لا تحل له إلا بنكاح جديد، نص عليه. ومتى وقع الطلاق، ثم ارتجعها، أو تركها ثم انقضت عدتها، ثم تزوجها، أو طلق ثلاثاً فتزوجت غيره، ثم تزوجها وقد بقي من مدة الإيلاء أكثر من أربعة أشهر، وقف لها؛ لأنه ممتنع من وطئها بيمين في حال الزوجية، فأشبه ما لو راجعها. وإن بقي أقل من أربعة أشهر، لم يثبت حكم الإيلاء، لقصوره عن مدته.
فصل:
وإن انقضت المدة وهي حائض، أو نفساء، لم تطالب بالفيئة؛ لأنها لا تستحق الوطء في هذه الحال. وإن كان مغلوباً على عقله، لم يطالب أيضاً؛ لأنه لا يصلح لخطاب، ولا يصح منه جواب، وإن كان مريضاً، أو محبوساً لا يمكنه الخروج، طولب
стр. 1053
بفيئة المعذور، وهو أن يقول: متى قدرت جامعتها، أو نحو ذلك؛ لأن القصد بالفيئة، ترك ما قصده من الإضرار بما أتى به من الاعتذار، فمتى قدر على الوطء، طولب به؛ لأنه تأخر للعذر. فإن زال العذر، طولب به، كالدين. وهذا اختيار الخرقي. وقال أبو بكر: إذا فاء فيئة المعذور، لم يطالب؛ لأنه فاء مرة، فلم يلزمه فيئة أخرى، كالذي فاء بالوطء، لا يلزمه بالفيئة باللسان كفارة؛ لأنه لم يحنث. وإن كان غائباً لا يمكنه القدوم، لخوف أو نحوه، فاء فيئة المعذور.
وإن أمكنه القدوم، فلها أن توكل من يطالبه بالمسير إليها، أو حملها إليه، أو الطلاق، وإن كان محرماً، فاء فيئة المعذور في قول الخرقي لأنه عاجز عن الوطء، أشبه المريض، ويتخرج في الاعتكاف المنذور مثله.
وإن كان مظاهراً، لم يؤمر بالوطء؛ لأنه محرم. ولا يحل الأمر بمعصية الله. ويقال له: إما أن تكفر، وتفيء، وإما أن تطلق، فإن طلب الإمهال، ليطلب رقبة يعتقها، أو طعاماً يشتريه، أمهل ثلاثة أيام؛ لأنها قريبة.
وإن علم أنه قادر على التكفير، وأن قصده المدافعة. لم يمهل؛ لأن الحق حال عليه، وإنما يمهل للحاجة، ولا حاجة. وإن كان فرضه الصيام، لم يمهل حتى يصوم؛ لأنه كثير. وإن كان قد بقي عليه من الصيام مدة يسيرة، أمهل فيها، ويتخرج أن يفيء المظاهر فيئة المعذور، ويمهل ليصوم كالمحرم، فإن أراد الوطء في حال الإحرام، أو الظهار فمنعته، لم يسقط حقها؛ لأنها منعته مما يحرم، فأشبه ما لو منعته في الحيض. وذكر القاضي: أنه يسقط حقها؛ لأنها منعته من إيفائه. وإن انقضت مدة العاجز، لجب، أو شلل، ففيئته: لو قدرت، لجامعتك؛ لأنه لا قدرة له على غير ذلك.
فصل:
ومن طولب بالفيئة فقال: قد وطئتها فأنكرته، فإن كانت ثيباً فالقول قوله؛ لأن الأصل بقاء النكاح، وعدم ما يوجب إزالته. وهل يحلف؟ على روايتين:
إحداهما: يحلف وهو اختيار الخرقي؛ لأن ما تدعيه المرأة محتمل، فوجب نفيه باليمين.
والأخرى: لا يمين عليه اختاره أبو بكر؛ لأنه لا يقضى فيه بالنكول. وإن كانت بكراً، أريت النساء الثقات، فإن شهدن ببكارتها فالقول قولها؛ لأنه يعلم كذبه، وإلا فالقول قوله. وإن ادعى عجزه عن الوطء، ولم يكن علم أنه عنين، ففيه وجهان:
أحدهما: لا يقبل قوله؛ لأن الأصل سلامته، فيؤمر بالطلاق.
والثاني: يقبل قوله؛ لأنه لا يعرف إلا من جهته. وإن اختلفا في انقضاء المدة، فالقول قول الزوج؛ لأنه اختلاف في وقت حلفه، فكان القول قوله فيه. وهل يحلف؟
стр. 1054
على روايتين والله أعلم.
فصل:
وإن ترك الزوج الوطء بغير يمين، فليس بمؤل؛ لأن الإيلاء من شرطه الحلف، فلا يثبت بدونه، لكن إن تركه مضراً بها لغير عذر، ففيه روايتان:
إحداهما: لا يلزمه شيء؛ لأنه ليس بمؤل، فلا يثبت له حكم، كما لو تركه لعذر، ولأن تخصيص الإيلاء بحكمه يدل على أنه لا يثبت بدونه.
والثانية: تضرب له مدة الإيلاء، وتوقف بعدها كالمؤلي سواء؛ لأنه تارك لوطئها مضراً بها، فأشبه المؤلي، ولأن ما لا يجب إذا لم يحلف لا يجب إذا حلف على تركه، كالزيادة على الواجب، وثبوت حكم الإيلاء له، لا يمنع من قياس غيره عليه إذا كان في معناه كسائر الأحكام الثابتة بالقياس، والله أعلم.
стр. 1055
[كتاب الظهار]
وهو قول الرجل لزوجته: أنت علي كظهر أمي، أو ما أشبهه، وهو محرم؛ لقول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلا اللائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ [المجادلة: ٢] ويصح من كل زوج يصح طلاقه؛ لأنه قول يختص النكاح، أشبه الطلاق، إلا الصبي، فلا يصح منه؛ لأنه يمين موجبة للكفارة، أشبه اليمين بالله وقال القاضي: ظهاره كطلاقه، لما ذكرناه أولاً.
ويصح ظهار الذمي؛ لأنه مكلف يصح طلاقه، فصح ظهاره، كالمسلم.
ولا يصح ظهار السيد من أمته، لقول الله تعالى: ﴿مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٢٦] فخص به الزوجات، فإن ظاهر منها، أو حرمها، فعليه كفارة يمين، كما لو حرم طعامه، وعنه: عليه كفارة ظهار. قال أبو الخطاب: ويتوجه ألا يلزمه شيء، كما لو ظاهرت المرأة من زوجها، فإن ظاهر من أجنبية، ثم تزوجها، أو قال: كل امرأة أتزوجها هي علي كظهر أمي، ثم تزوجها، لم تحل له حتى يكفر، لما روى الإمام أحمد بإسناده عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال في رجل قال: إن تزوجت فلانة، فهي علي كظهر أمي، ثم تزوجها قال: عليه كفارة الظهار، ولأنها يمين مكفرة، فصح عقدها قبل النكاح، كاليمين بالله تعالى.
следующие страницы →