← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 21731

الكافي في فقه الإمام أحمد

ابن قدامة

Полный текст (1 486 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

له أن يقتص من دونه؛ لأنه أمكنه استيفاء حقه من موضعه، فلم يجز أن يستوفي من غيره. وإن قطعت يده من العضد، أو الساعد، لم يجز الاقتصاص من موضع القطع، بغير خلاف؛ لأنه لا يأمن الزيادة. وهل له أن يقتص من مفصل دونه؟ فيه وجهان: أحدهما: ليس له ذلك، اختاره أبو بكر، لما روى نمران بن جارية عن أبيه: «أن رجلًا ضرب رجلًا على ساعده بالسيف، فقطعها من غير مفصل، فاستدعى عليه النبي ﷺ فأمر له بالدية، فقال: إني أريد القصاص: قال: خذ الدية بارك الله لك فيها ولم يقض له بالقصاص» . رواه ابن ماجه، ولأنه يقتص من غير محل الجناية، فلم يجز. كما لو أمكن القصاص من محل الجناية. والثاني: له أن يقتص، اختاره بعض أصحابنا. فإذا قطعت من الساعد، فله أن يقتص من الكوع. وإن قطعت من العضد، فله أن يقتص من المرفق؛ لأنه عجز عن استيفاء حقه، وأمكنه أخذ دونه، فجاز، كما لو جرحه مأمومة، فأراد أن يقتص موضحة. وفي أخذ الحكومة للباقي وجهان. وإذا قطعت يده من العضد، لم يملك أن يقطع من الكوع؛ لأنه أمكنه استيفاء الذراع قصاصًا، فلم يكن له قطع ما دونه، كما لو قطع من المرفق. وإن قطعها من الكتف، فقال أهل الخبرة. يمكن الاقتصاص من غير جائفة، فله ذلك؛ لأنه مفصل، وليس له أن يقتص مما دونه، وإن قالوا: نخاف الجائفة، فلا قصاص منها؛ لأنها يخاف الزيادة. وفي الاقتصاص من المرفق وجهان. وحكم الرجل في القصاص من مفاصلها، من القدم والركبة والورك حكم اليد، سواء على ما بينا. فصل: ولا تؤخذ صحيحة بشلاء؛ لأنها فوق حقه، فأما الشلاء بالصحيحة، أو بالشلاء، فإن قال أهل الخبرة: لا يخاف عليه، اقتص؛ لأنه يأخذ حقه، أو دونه ولا أرش بالشلل؛ لأن الشلاء كالصحيحة في الخلقة، وإنما نقصت في الصفة، فأشبه الذمي مع المسلم، وإن قالوا: إن قطعت، خيف ألا تنسد العروق، ويدخل الهواء البدن فيفسد، لم يجز أن يقتص، لخوف الزيادة. فصل: ولا تؤخذ كاملة بناقصة. فلا تؤخذ ذات أظفار بما لا أظفار لها. ولا ذات خمس أصابع، بذات أربع. ولا بذات خمس بعضها أشل؛ لأنه أكثر من حقه. وهل له أن يقطع

стр. 1157

من أصابع الجاني بقدر أصابعه؟ على الوجهين. فإن قلنا: له قطعها. فهل يدخل أرش ما تحت الأصابع من الكف في القصاص؟ فيه وجهان: أحدهما: تدخل، كما تدخل في ديتها. والثاني: لا تدخل؛ لأنه جزء يستحق إتلافه، تعذر عليه أخذه فوجب أرشه، كالمنفرد. فإن كانت الزائدة من أصابع الجاني زائدة في الخلقة، لم تمنع القصاص عند ابن حامد؛ لأنها عيب ونقص في المعنى، فلم يمنع وجودها أخذها بالكاملة، كالسلعة فيها. واختار القاضي: أنها تمنع؛ لأنها زيادة في الأصابع، أشبهت الأصلية. فإن قطع ناقص الأصابع يدًا كاملة، وجب القصاص؛ لأنه يأخذ دون حقه. وفي وجوب الدية للأصابع الزائدة وجهان. فصل: وإن قطع ذو يد كاملة، كفًا فيها أربع أصابع أصلية، وإصبع زائدة، لم يجب القصاص؛ لأنه يأخذ أكثر من حقه، وفي جواز الاقتصاص من أصابعه الأصلية وجهان. فإن اقتص منها. فهل له حكومة في الزيادة؟ على وجهين لما تقدم. وإن قطع من له أربع أصابع أصلية، وإصبع زائدة، كفًا كاملة الأصابع، ملك القصاص، ولا أرش له، لنقصان الزائدة؛ لأنها كالأصلية في الخلقة، وإنما هي ناقصة في المعنى. وإن كان في يد كل واحد منهما إصبع زائدة، أخذت إحداهما بالأخرى، لتساويهما، وإذا قطع إصبعًا فتآكلت إلى جانبها أخرى، وسقطت من مفصل، أو تآكل الكف، وسقط من الكوع، وجب القصاص في الجميع؛ لأنه تلف بسراية قطع مضمون بالقصاص، فوجب فيه القصاص، كالنفس، وإن شلت إلى جانبها أخرى، لم يجب القصاص في الشلاء؛ لأنها لو شلت بجنايته مباشرة، لم يجب القصاص، فهاهنا أولى. فصل: وتؤخذ الأليتان بالأليتين، لقوله سبحانه: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥] ولأنهما ينتهيان إلى حد فاصل، فوجب فيهما القصاص، كالشفتين. فصل: وتؤخذ الذكر بالذكر كذلك، ويؤخذ بعضه ببعضه، لما ذكرنا في الأنف، ويؤخذ كل واحد من الأقلف والمختون بمثله؛ لأن زيادة أحدهما على الآخر بجلدة تستحق

стр. 1158

إزالتها. ولا يؤخذ صحيح بأشل؛ لأن الأشل ناقص، فلم يؤخذ به كامل، كاليد. ولا يؤخذ ذكر الفحل، بذكر الخصي؛ لأنه ناقص، لعدم الإنزال، والإيلاد، ولا بذكر خنثى؛ لأنه لا يعلم أنه ذكر. وفي أخذ الصحيح بذكر العنين. وجهان: أحدهما: لا يؤخذ به، لنقصه. والثاني: يؤخذ به؛ لأنه غير مأيوس منه، أشبه المريض. فصل: وتؤخذ الأنثيين بالأنثيين، للآية والمعنى. فإن قطع إحداهما، وقال أهل الخبرة: يمكن أخذها من غير تلف الأخرى، اقتص منه. وإن قالوا: يخاف تلف الأخرى، لم يقتص منه، لتوهم الزيادة. فصل: ولا قصاص في شفري المرأة عند القاضي؛ لأنه لحم لا مفصل له ينتهي إليه، فلم يقتص منه، كلحم الفخذ. وقال أبو الخطاب: فيهما القصاص؛ لأنه يعرف انتهاؤهما، فجرى فيهما القصاص، كالشفتين، وأجفان العينين. فصل: وإن قطع ذكر خنثى مشكل، وأنثييه وشفريه، فلا قصاص له حتى يتبين؛ لأننا لا نعلم أن المقطوع فرج أصلي. وإن طلب الدية، وكان يرجى انكشاف حاله، أعطي اليقين، وهو دية شفري امرأة، وحكومة في الذكر والأنثيين. وإن كان مأيوسًا من كشف حاله، أعطي نصف دية ذلك كله، وحكومة في نصفه الباقي، وعلى قول ابن حامد: لا حكومة فيه؛ لأنه نقص. فصل: وإن اختلف العضوان في صغر، أو كبر، أو طول، أو قصر، أو صحة، أو مرض، لم يمنع القصاص؛ لأن اعتبار التساوي في هذه المعاني، يسقط القصاص، فيسقط اعتبارها، كما في النفس. فصل: وما انقسم إلى يمين ويسار، كالعينين والأذنين، والمنخرين، واليدين، والرجلين، أو إلى أعلى وأسفل، كالجفنين، والشفتين، لم يؤخذ شيء منها بما يخالفه في ذلك. ولا تؤخذ سن بسن غيرها، ولا إصبع بإصبع تخالفها، ولا أنملة بأنملة لا تماثلها في

стр. 1159

موضعها واسمها؛ لأنها جوارح مختلفة المنافع والأماكن، فلم يؤخذ بعضها ببعض، كالعين والأنف. ولا يؤخذ أصلية من الأصابع والأسنان بزائدة، ولا زائدة بأصلية، لعدم التماثل بينهما. وتؤخذ الزائدة بالزائدة، إذا اتفق محلاهما، لتماثلهما، وإن اختلف محلاهما، لم تؤخذ إحداهما بالأخرى؛ لأنهما مختلفتان في أصل الخلقة، أشبه الوسطى بالسبابة، وإن تراضى الجاني والمجني عليه، بأخذ ما لا يجب القصاص فيه، لم يجز؛ لأن الدماء لا تستباح بالإباحة. فصل: وإن جرحه جرحًا فيه القصاص، فاندمل، ثم قتله، وجب القصاص فيهما؛ لأنهما جنايتان، يجب القصاص في كل واحدة منهما منفردة، فوجب عند الاجتماع، كاليدين. وإن قتله قبل اندمال الجرح، ففيه روايتان. إحداهما: يجب القصاص أيضًا. لما ذكرناه. والثانية: يقتل ولا قصاص في الجرح؛ لأن القصاص في النفس، أحد بدلي النفس، فدخل الطرف في حكم الجملة كالدية. فصل: وإن قتل واحد جماعة، أو قطع عضوًا من جماعة، لم تتداخل حقوقهم؛ لأنها حقوق مقصودة لآدميين، فلم تتداخل، كالديون، لكن إن رضي الكل باستيفاء القصاص منه جاز؛ لأن الحق لهم، فجاز أن يرضى الجماعة بالواحد، كما لو قتل عبدًا عبيدًا خطأً فرضوا بأخذه. وإن طلب واحد القصاص، والباقون الدية، فلهم ذلك، وإن طلب كل واحد استيفاء القصاص مستقلًا، قدم الأول؛ لأن له مزية السبق، فإن أسقط حقه قدم الثاني، ثم الثالث، ويصير حق الباقين في الدية؛ لأن القود فاتهم، فانتقل حقهم إلى الدية، كما لو مات، وإذا قتلهم دفعة واحدة، أو أشكل السابق، قدم من تقع له القرعة؛ لأن حقوقهم تساوت، فوجب المصير إلى القرعة، كالسفر بإحدى النساء، فإن عفا من له القرعة، أعيدت للباقين، لتساويهم. ومتى ثبت القصاص لأحدهم بالسبق، أو بالقرعة، فبادر غيره فقتله، كان مستوفيًا لحقه، ووجب للآخر الدية، كما لو قتل مرتدًا، كان مستوفيًا لقتل الردة. وإن أساء في الافتئات على الإمام. وإن كان الأول غائبًا، أو صغيرًا، انتظر؛ لأن الحق له. وإن كان القتل في المحاربة، فهو كالقتل في غيرها؛ لأنه قتل موجب للقصاص، فأشبه غيره. فصل:

стр. 1160

وإن قطع طرف رجل، وقتل آخر، قطع لصاحب الطرف، ثم قتل للآخر، تقدم القتل، أو تأخر؛ لأنه أمكن الجمع بين الحقين من غير نقص، فلم يجز إسقاط أحدهما، بخلاف التي قبلها. وإن قطع يد رجل، وإصبعًا من آخر، قدمنا السابق منهما، أيهما كان؛ لأن اليد تنقص بنقص الإصبع، ولذلك لا تؤخذ الصحيحة بالناقصة، بخلاف النفس، فإنها لا تنقص بقطع الطرف، بدليل أخذ الصحيح الأطراف بمقطوعها. فصل: وإن قتل وارتد، أو قطع يمينًا وسرق، قدم حق الآدمي؛ لأن حقه مبني على التشديد، لشحه وحاجته. وحق الله مبني على السهولة، لغنى الله وكرمه. [باب استيفاء القصاص] إذا قتل الآدمي، استحق القصاص ورثته كلهم، لما روى أبو شريح أن النبي ﷺ قال: «من قتل له قتيل، فأهله بين خيرتين، أن يأخذوا العقل، أو يقتلوا» . رواه أبو داود. وفي ((الصحيحين)) من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «من قتل له قتيل، فهو بخير النظيرين، إما أن يقتل، وإما أن يفدى» . ولأنه حق يستحقه الوارث من جهة موروثه، فأشبه المال. فإن كان الوارث صغيرًا، لم يستوف له الولي. وعنه: للأب استيفاؤه؛ لأنه أحد بدلي النفس، فأشبه الدية. والمذهب الأول؛ لأن القصد التشفي، ودرك الغيظ، ولا يحصل ذلك باستيفاء الأب، فلم يملك استيفاءه، كالوصي، والحاكم. فعلى هذا: يحبس القاتل إلى أن يبلغ الصغير، ويعقل المجنون، ويقدم الغائب؛ لأنه فيه حظًا للقاتل بتأخير قتله، وحظًا للمستحق بإيصال حقه إليه. فإن أقام القاتل كفيلًا، ليخلي سبيله، لم يجز؛ لأن الكفالة بالدم غير صحيحة. وإن وثب الصبي، أو المجنون على القاتل، فقتله، ففيه وجهان: أحدهما: يصير مستوفيًا لحقه؛ لأنه عين حقه أتلفه، فأشبه ما لو كانت وديعة عند رجل. والثاني: لا يصير مستوفيًا لحقه؛ لأنه ليس من أهل الاستيفاء، فتجب له دية أبيه، وعلى عاقلته دية القاتل، بخلاف الوديعة، فإنها لو تلفت من غير تعد، برئ منها المودع، ولو هلك الجاني، من غير فعل، لم يبرأ من الجناية. وإن كان القصاص بين صغير وكبير، أو مجنون وعاقل، أو حاضر وغائب، لم يجز للكبير العاقل الحاضر

стр. 1161

الاستيفاء؛ لأنه حق مشترك بينهما، فلم يجز لأحدهما الانفراد باستيفائه، كما لو كان بين بالغين عاقلين، وإن قتل من لا وارث له، فالقصاص للمسلمين؛ لأنهم يرثون ماله، واستيفاؤه إلى السلطان. فإن كان له من يرث بعضه، كزوج، أو زوجة، فاستيفاؤه إلى الوارث والسلطان، ليس لأحدهما الانفراد به، لما ذكرنا. فصل: فإن بادر بعض الورثة، فقتل القاتل بغير أمر صاحبه، فلا قصاص عليه؛ لأنه مشارك في استحقاق ما استوفاه، فلم تلزمه عقوبته، كما لو وطئ أحد الشريكين الجارية المشتركة، ويجب لشركائه حقهم من الدية، وفيه وجهان: أحدهما: يجب على القاتل. الثاني لأن نفس القاتل كانت مستحقة لهما، فإذا أتلفها أحدهما، لزمه ضمان حق الآخر، كالوديعة لهما يتلفها أحدهما. والثاني: يجب في تركة القاتل الأول؛ لأنه قود سقط إلى مال، فوجب في تركة القاتل، كما لو قتله أجنبي، ويرجع ورثة القاتل الأول على قاتل موروثهم بدية، ماعدا نصيبه من موروثهم. فلو قتلت امرأة رجلًا له ابنان، فقتلها أحدهما، كان للآخر في تركتها نصف دية أبيه، ويرجع ورثتها على قاتلها بنصف ديتها. وإن عفا بعض من له القصاص ثم قتله الآخر غير عالم بالعفو، أو غير عالم أن العفو يسقط القصاص، لم يجب عليه قصاص؛ لأن ذلك شبهة، فدرأت القصاص، كالوكيل إذا قتله بعد العفو، وقبل العلم، وإن قتله بعد العلم، فعليه القصاص؛ لأنه قتل معصومًا مكافئًا له لا حق له فيه، فوجب عليه القصاص، كما لو حكم بالعفو حاكم. فإن اقتصوا منه، فلورثته عليهم نصيبه من الدية، وإن اختاروا الدية، سقط عنه من الدية ما قابل حقه، ولزمه باقيها، وإن كان عفو شريكه على الدية، فله نصيبه منها، في تركة القاتل؛ لأنه حقه، انتقل من القصاص إلى ذمة القاتل في حياته، فأشبه الدين، بخلاف التي قبلها. فصل: ولا يجوز استيفاء القصاص إلا بحضرة السلطان؛ لأنه يفتقر إلى اجتهاد، ولا يؤمن منه الحيف مع قصد التشفي، فإن استوفاه من غير حضرة سلطان، وقع الموقع؛ لأنه استوفى حقه، ويعزر لافتئاته على السلطان. ويستحب أن يكون بحضرة شاهدين، لئلا ينكر المقتص الاستيفاء. وعلى السلطان أن يتفقد الآلة التي يستوفى بها. فإن كانت كالة، أو مسمومة، منعه الاستيفاء بها، لما روى شداد بن أوس: أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته» رواه مسلم وأبو داود ولأن

стр. 1162

المسمومة تفسد البدن، وربما منعت غسله. وإن طلب من له القصاص أن يتولى الاستيفاء، لم يمكن منه في الطرف؛ لأنه لا يؤمن أن يجني عليه بما لا يمكن تلافيه. وقال القاضي: ظاهر كلام أحمد، أنه يمكن منه؛ لأنه أحد نوعي القصاص، أشبه القصاص في النفس، وإن كان في النفس، وكان يكمل الاستيفاء بالقوة والمعرفة، مكن منه، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ [الإسراء: ٣٣] . وقول النبي ﷺ : «من قتل له بعد مقالتي هذه قتيل فأهله بين خيرتين، أن يأخذوا العقل، أو يقتلوا» . ولأن القصد من القصاص، التشفي، ودرك الغيظ، وتمكينه منه أبلغ في ذلك. فإن كان لجماعة فتشاحوا في المستوفى، أقرع بينهم؛ لأنه لا يجوز اجتماعهم على القتل؛ لأن فيه تعذيبًا للجاني، ولا مزية لأحدهم، فوجب التقديم بالقرعة. ولا يجوز لمن خرجت له القرعة الاستيفاء إلا بإذن شركائه؛ لأن الحق لهم، فلا يجوز استيفاؤه بغير إذنهم. وإن كان فيهم من يحسن، وباقيهم لا يحسنون أمروا بتوكيله. وإن لم يكن مستحق للقصاص يحسن الاستيفاء، أمر بالتوكيل. فإن لم يوجد من يتوكل بغير عوض، بذل العوض من بيت المال؛ لأنه من المصالح. فإن لم يمكن، بذل من مال الجاني؛ لأن الحق عليه، فكان أجر الإيفاء عليه، كأجر كيل الطعام على البائع، وإن قال الجاني: أنا أقتص لك من نفسي، لم يجب إلى ذلك؛ لأن من وجب عليه إيفاء حق، لم يجز أن يكون هو المستوفي، كالبائع. فصل: وإذا وجب القتل على حامل، لم تقتل حتى تضع، لما روى معاذ بن جبل: أن رسول الله ﷺ قال: «إذا قتلت المرأة عمدًا، لم تقتل حتى تضع ما في بطنها إن كانت حاملًا. وحتى تكفل ولدها، وإن زنت، لم ترجم حتى تضع ما في بطنها، وحتى تكفل ولدها» . رواه ابن ماجه ولأن قتلها يفضي إلى قتل ولدها، ولا يجوز قتله. فإذا وضعت، لم تقتل حتى تسقيه اللبأ؛ لأنه لا يعيش إلا به. وإن لم يكن له من يرضعه، لم تقتل حتى ترضعه مدة الرضاع، لقوله ﵇: «حتى تكفل ولدها»

стр. 1163

ولأنه إذا وجب حفظه وهو حمل، فحفظه وهو مولود أولى. وإن وجدت مرضعة راتبة، قتلت؛ لأنه يستغني بها عن أمه، وإن وجدت مرضعات غير رواتب، أو لبن بهيمة يسقي منه راتب، جاز قتلها؛ لأن له ما يقوم به. ويستحب للولي تأخيره إلى الفطام؛ لأن عليه ضررًا، في اختلاف اللبن عليه، وفي شرب لبن البهيمة، فإن ادعت الحمل، حبست حتى تتبين حالها؛ لأن صدقها محتمل. وللحمل أمارات خفية تعلمها من نفسها. وفيه وجه آخر، أنها ترى القوابل، فإن شهدن بحملها أخرت، وإلا قتلت؛ لأن الحق حال عليها، فلا يؤخر بدعواها من غير بينة، فإن أشكل على القوابل، أو لم يوجد من يعرف ذلك، أخرت حتى يتبين؛ لأننا إذا أسقطنا القصاص خوف الزيادة، فتأخيره أولى. فصل: ولا يجوز استيفاء القصاص في الطرف، إلا بعد الاندمال، لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: «طعن رجل رجلًا بقرن في رجله، فجاء النبي ﷺ فقال: أقدني، قال: دعه حتى يبرأ فأعادها عليه مرتين أو ثلاثًا، والنبي ﷺ يقول: دعه حتى يبرأ فأبى فأقاده منه، ثم عرج المستقيد، فجاء النبي ﷺ فقال: برأ صاحبي، وعرجت رجلي، فقال النبي ﷺ : لا حق لك فذلك حين نهى أن يستقيد أحد من جرح حتى يبرأ صاحبه» . رواه الدارقطني. ولأنه قد يسري إلى النفس، فيصير قتلًا، وقد يشاركه غيره في الجناية فينقص. فصل: وإذا اقتص في الطرف على الوجه الشرعي، فسرى، لم يجب ضمان السراية، سواء سرى إلى النفس، أو عضو آخر، لما روي أن عمر وعليًا ﵄ قالا: من مات من حد، أو قصاص، لا دية له، الحق قتله. رواه سعيد في ((سننه)) ولأنه قطع مقدر مستحق، فلم تضمن سرايته، كقطع السارق. وإن تعدى في القطع، أو قطع بآلة كالة، أو مسمومة فسرى، ضمن السراية؛ لأنه سراية قطع غير مأذون فيه، أشبه سراية الجناية. وسراية الجناية مضمونة؛ لأنها سراية قطع مضمون. فإن اقتص في الطواف قبل الاندمال، ثم سرت الجناية، كانت سرايتها هدرًا، لخبر عمرو بن شعيب، ولأنه استعجل ما ليس له استعجاله، فبطل حقه، كقاتل موروثه. وإن سرى القطعان جميعًا، فهما هدر كذلك. وإن اقتص بعد الاندمال، ثم انتقض جرح الجناية، فسرى إلى النفس وجب القصاص به؛ لأنه اقتص بعد جواز الاقتصاص، فإن اختار الدية، فله دية إلا دية الطرف

стр. 1164

المأخوذ في القصاص. فإن كانت دية الطرف كدية النفس، فليس له العفو على مال كذلك. وإن كان الجاني ذميًا قطع أنف مسلم، فاقتص منه بعد البرء، ثم سرى إلى نفس المسلم، فلوليه قتل الذمي، وهل له أن يعفو على نصف دية المسلم؟ فيه وجهان: أحدهما: له ذلك؛ لأن دية أنف اليهودي، نصف دية المسلم، فيبقى له النصف. والثاني: ليس له ذلك؛ لأنه استوفى بدل أنفه، أشبه ما لو كان الجاني مسلمًا. فصل: ولا يجوز الاقتصاص فيما دون النفس بالسيف، ولا يجوز إلا بحديدة ماضية تصلح لذلك، سواء كانت الجناية بمثلها أو بغيرها؛ لأنه لا يؤمن أن يهشم العظم، أو يتعدى إلى المحل بما يفضي إلى الزيادة، أو تلف النفس، وإن قلع عينه بأصبع، لم يجز الاستيفاء منه بالإصبع، كذلك. فصل: فأما النفس. فإن كان القتل بالسيف، لم يجز قتله إلا بالسيف؛ لأنه آلة القتل، وأوجاه، فإن ضربه مثل ضربته فلم يمت، كرر عليه حتى يموت؛ لأن قتله مستحق، ولا يمكن إلا بتكرار الضرب. وإن قتله بحجر، أو تغريق أو حبس حتى يموت، أو خنق ففيه روايتان: إحداهما: يقتل بمثل ذلك، لقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦] . ولأن «النبي ﷺ رضخ رأس يهودي رضخ رأس جارية بين حجرين» . متفق على معناه. وروي عنه ﵇: أنه قال: «من حرق حرقناه، ومن غرق غرقناه» . ولأن القصاص مشعر بالمماثلة، فيجب أن يعمل بمقتضاه. والثانية: لا يقتل إلا بالسيف، في العنق، لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «لا قود إلا بالسيف» رواه ابن ماجه. ونهى النبي ﷺ عن المثلة. وقال: «إذا قتلتم فأحسنوا القتلة» ولأنه زيادة تعذيب في القتل، فلم تجز المماثلة فيه، كما لو قتله بسيف كال. وإن قتله بمحرم لعينه، كالسحر وتجريع الخمر، واللواط، قتل بالسيف، رواية واحدة؛ لأن ذلك محرم لعينه، فسقط، وبقي القتل، وإن قتله بسيف كال، لم يقتل بمثله؛ لأن المماثلة فيه لا تتحقق، وإن حرقه، فقال القاضي: فيه روايتان، كالتغريق،

стр. 1165

وقال بعض أصحابنا: لا يحرق بحال، لقول النبي ﷺ : «لا يحرق بالنار إلا رب النار» رواه ابن ماجه. وإن قطع يده من المفصل، أو أوضحه، ثم ضرب عنقه، فهل يفعل به كما فعل، أو يقتصر على ضرب عنقه؟ على روايتين، ذكرهما الخرقي، وإن لم يضرب عنقه، بل سرت الجناية إلى نفسه، ففيه أيضًا روايتان: إحداهما: لا يقتل إلا بالسيف، في العنق، لئلا يفضي إلى الزيادة على ما أتي به. والثانية: يفعل به كما فعل، فإن مات وإلا ضربت عنقه؛ لأنه لا يمكن أن يقطع منه عضو آخر. والزيادة لضرورة استيفاء الحق محتملة، بدليل تكرار الضرب في حق من قتل بضربة واحدة، وإن جرحه جرحًا لا قصاص فيه، كقطع الساعد والجائفة، فمات، أو ضرب عنقه بعده، فقال أبو الخطاب: لا يقتل إلا بالسيف في العنق، رواية واحدة؛ لأنها جناية لا قصاص فيها، فلا يستوفي بها القصاص، كتجريع الخمر، وذكر القاضي فيها روايتين، كالتي قبلها؛ لأن «النبي ﷺ ، رض رأس اليهودي بين حجرين» ، ولأن المنع من القصاص فيها منفردة، لخوف سرايتها إلى النفس، وليس بمحذور هاهنا. فصل: وكل موضع، قلنا: ليس له أن يفعل مثل فعل الجاني، إذا خالف وفعل، فلا شيء عليه؛ لأنه حقه، وإنما منع منه، لتوهم الزيادة، ولو أجافه أو أمه أو قطع ساعده، فاقتص منه مثل ذلك، ولم يسر، فلا شيء عليه كذلك، وإن سرى، ضمن سرايته؛ لأنها سراية قطع، غير مأذون فيه. فصل: وإن جنى عليه جناية ذهب بها ضوء عينيه، فكانت مما يجب به القصاص، كالموضحة، اقتص منها، فإن ذهب ضوء عينيه، فقد استوفى حقه، وإن لم يذهب عولج بما يزيل الضوء، ولا يذهب بالحدقة، مثل أن يحمي حديدة، ويقربها منها وإن ذهب ضوء إحداهما، غطيت العين الأخرى، وقربت الحديدة إلى التي يقتص منها، لما روى يحيى بن جعدة: أن أعرابيًا، قدم بحلوبة له المدينة، فساومه فيها مولى لعثمان بن عفان ﵁، فنازعه، فلطمه، ففقأ عينه، فقال له عثمان: هل لك أن أضعف لك الدية وتعفو عنه؟ فأبى، فرفعهما إلى علي ﵁، فدعا علي بمرآة، فأحماها ثم

стр. 1166

وضع القطن على عينه الأخرى، ثم أخذ المرآة بكلبتين، فأدناها من عينه، حتى سال إنسان عينه. فإن لم يمكن إلا بالجناية، على العضو، سقط القصاص. وإن أذهب بصره بجناية لا قصاص فيها، كالهاشمة واللطمة، عولج بصره بما ذكرنا، ولم يقتص منه، للأثر، ولأنه تعذر القصاص في محل الجناية، فعدل إلى أسهل ما يمكن، كالقتل بالسحر، وله أرش الجرح، وذكر القاضي في اللطمة: أنه يفعل به، كما فعل والصحيح: الأول؛ لأن اللطمة لا يقتص منها منفردة، فكذلك إذا أذهب العين، كالهاشمة. فصل: ومن وجب له القصاص في النفس، فضرب في غير موضع الضرب عمدًا، أساء ويعزر. فإن ادعى أنه أخطأ في شيء يجوز الخطأ فيه، قبل قبوله مع يمينه؛ لأنه يدعي محتملًا، وهو أعلم بنفسه، وإن كان لا يجوز في مثله الخطأ، لم قبل قوله، لعدم الاحتمال، فإن أراد العود إلى الاستيفاء، لم يمكنه منه؛ لأنه لا يؤمن منه التعدي ثانيًا، وقال القاضي: يمكن؛ لأن الحق له. والظاهر، أنه لا يعود إلى مثله. وإن كان له القصاص في النفس فقطع طرفه، فلا قصاص عليه؛ لأنه قطع طرفًا يستحق إتلافه ضمنًا، فكان شبهة مسقطة للقصاص ويضمنه بديته؛ لأنه طرف له قيمة حين القطع، قطعه بغير حق، فوجب ضمانه، كما لو قطعه بعد العفو عنه. فصل: وإن وجب له القصاص في الطرف، فاستوفى أكثر منه عمدًا، وكان الزائد موجبًا للقصاص، مثل أن وجب له قطع أنملة، فقطع اثنتين، فعليه القود، وإن كان خطأ، أو لا يجب في مثله القود، مثل من وجبت له موضحة، فاستوفى هاشمة، فعليه أرش الزائد، كما لو فعله في غير قصاص، فإن كانت الزيادة لاضطراب الجاني، فلا شيء فيها؛ لأنها حصلت بفعله في نفسه، فهدرت. وإن استوفى من الطرف بحديدة مسمومة فمات، لم يجب القصاص؛ لأنه تلف من جائز وغيره، ويجب نصف الدية؛ لأنه تلف من فعل مضمون وغير مضمون، فقسم ضمانه بينهما. فصل: وإن وجب له قصاص في يد، فقطع الأخرى، فقال أبو بكر: يقع الموقع، ويسقط القصاص، سواء قطعها بتراضيهما، أو بغيره؛ لأن ديتهما واحدة، وألمهما واحد، واسمهما ومعناهما واحد، فأجزأت إحداهما عن الأخرى، كالمتماثلتين، ولأن إيجاب القصاص في الثانية، يفضي إلى قطع يدين بيد واحدة، وتفويت منفعة الجنس في حق من لم يفوتها. وقال ابن حامد: لا يجزئ؛ لأن ما لا يجوز أخذه قصاصًا، لا يجزئ

стр. 1167

بدلًا، كاليد عن الرجل، فعلى هذا إن أخذها بتراضيهما، فلا قصاص على قاطعها؛ لأنه قطعها بإذن صاحبها، ويسقط القصاص في الأخرى، وفي أحد الوجهين؛ لأن عدوله عن التي يستحقها، رضي بترك القصاص فيها. ولكل واحد على الآخر دية يده. والثاني: لا يسقط؛ لأنه أخذ الثانية بدلًا عن الأولى، ولم يسلم البدل، فبقي حقه في المبدل، فيقتص من اليد الأخرى، ويعطيه دية التي قطعها. وإن قطعها كرهًا عالمًا بالحال، فعليه القصاص فيها، وله القصاص في الأخرى. وإن قال: أخرج يمينك لأقتص منها، فأخرج يساره، فقطعها يظنها اليمين، وقال المخرج: عمدت إخراجها عالمًا أنها لا تجزئ، فلا ضمان فيها؛ لأن صاحبها بذلها راضيًا بقطعها، بغير بدل. وإن قال: ظننتها اليمنى، أو أنها الواجب قطع اليسرى. أو أنها تجزئ أو أخرجتها دهشة، فعلى قاطعها ديتها؛ لأنه بذلها لتكون عوضًا، فلم تكن عوضًا، فوجب بدلها كما لو اشترى سلعة بعوض فاسد، فتلفت عنده، وإن علم المستوفي حال المخرج، وحال اليد، ففيها القود، في أحد الوجهين؛ لأنه تعمد قطع يد معصومة، وفي الثاني: لا قود عليه؛ لأنه قطعها ببذل صاحبها ورضاه، وعليه ديتها. وإن جهل الحال، فلا قصاص عليه، وعليه ديتها. وإن كان القصاص على مجنون، فقال له المقتص: أخرج يمينك، فأخرج يساره، فقطعها عمدًا، فعليه القصاص. وإن كان جاهلًا، فعليه الدية؛ لأن بذل المجنون لا يصح، فصار كما لو بدأ بقطعه. وإن كان القصاص للمجنون، فأخرج إليه يساره، فقطعها، ذهبت هدرًا؛ لأنه ليس من أجل الاستيفاء، فإذا سلطه على إتلاف عضوه، لم يضمنه، كما لو أذن له في إتلاف ماله. فصل: ومن وجب عليه القصاص في نفس، أو طرف، فمات عن تركة وجبت دية جنايته في تركته؛ لأنه تعذر استيفاء القصاص من غير إسقاط، فوجبت الدية، كقتل غير المكافئ. وإن لم يخلف تركة، سقط الحق، لتعذر استيفائه. فصل: ومن قتل، أو أتى حدًا خارج الحرم، ثم لجأ إليه، لم يجز الاستيفاء منه في الحرم، لقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧] . ولما روى أبو شريح الكعبي: أن رسول الله ﷺ قال: «إن مكة حرمها الله، ولم يحرمها الناس، فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر، أن يسفك بها دمًا، ولا يعضد شجرة، فإن أحد ترخص بقتال رسول

стр. 1168

الله ﷺ ، فقولوا: إن الله أذن لرسوله، ولن يأذن لكم، وإنما أذن لي ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم، كحرمتها بالأمس، فليبلغ الشاهد الغائب» متفق عليه. ولا يبايع، ولا يشارى، ولا يطعم، ولا يؤوى، ويقال له: اتق الله، واخرج إلى الحل. فإذا خرج استوفي منه؛ لأن ابن عباس قال ذلك، ولأن في إطعامه تمكينًا في تضييع الحق الذي عليه، ولا فرق بين القتل وغيره من العقوبات. وروى حنبل عنه: أن الحدود كلها تقام في الحرم، إلا القتل؛ لأن حرمة النفس أعظم. والمذهب: الأول. قال أبو بكر: انفرد حنبل عن عمه بهذه الرواية. ولأن ما حرم النفس، حرم الطرف كالعاصم، فإن خالف واستوفى في الحرم، أساء ووقع الموقع، كما لو استوفى من غير حضرة السلطان. ومن جنى في الحرم، جاز الاستيفاء منه في الحرم؛ لأنه انتهك حرمته، فلم ينتهض عاصمًا له، ولأن أهل الحرم، يحتاجون إلى الزجر عن الجنايات، رعاية لحفظ مصالحهم، كحاجة غيرهم، فوجب أن تشرع الزواجر في حقهم. [باب العفو عن القصاص] وهو مستحب لقول الله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ [المائدة: ٤٥] . ومن وجب له القصاص، فله أن يقتص، وله أن يعفو عنه مطلقًا إلى غير بدل، وله أن يعفو على المال، لقول الله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ١٧٨] أوجب الاتباع والأداء بمجرد العفو. وروى أبو شريح الكعبي: أن النبي ﷺ قال: «ثم أنتم يا خزاعة، قد قتلتم هذا القتيل من هذيل، وأنا والله عاقله، فمن قتل بعده قتيلًا، فأهله بين خيرتين، إن أحبوا قتلوا، وإن أحبوا أخذوا الدية» . رواه أبو داود. وإذا عفا عن القصاص، أو عن بعضه، سقط كله؛ لأنه حق مبناه على الإسقاط لا يتبعض. فإذا سقط بعضه، سقط جميعه، كالرق، وإن وجب لجماعة فعفا بعضهم، سقط كله، لما روى زيد بن وهب، أن عمر ﵁ أتي برجل قتل قتيلًا، فجاء ورثة المقتول ليقتلوه، فقالت امرأة المقتول، وهي أخت القاتل:

стр. 1169

قد عفوت عن حقي، فقال عمر: الله أكبر عتق القتيل قبل أن ... رواه أبو داود، ولما ذكرناه في المعنى. ثم إن عفا على مال، انتقل حق الجميع إلى الدية. وإن عفا مطلقًا. انتقل حق الباقين إلى الدية. كما يسقط حق أحد الشريكين، إذا أعتق شريكه إلى القيمة. وقد روى زيد بن وهب: أن رجلًا دخل على امرأته، فوجد عندها رجلًا، فقتلها، فاستعدى عليه إخوتها عمر ﵁. فقال بعض إخوتها: قد تصدقت، فقضى لسائرهم بالدية. فصل: ويصح العفو، بلفظ العفو، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ﴾ [البقرة: ١٧٨] . وبلفظ الصدقة، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ﴾ [المائدة: ٤٥] . وبلفظ الإسقاط؛ لأنه إسقاط للحق، وبكل لفظ يؤدي معناه؛ لأن المقصود المعنى، فبأي لفظ حصل، ثبت حكمه كعقد البيع. فصل: واختلفت الرواية في موجب العمد. فعنه: موجبه، أحد شيئين. القصاص، أو الدية، لخبر أبي شريح؛ لأن له أن يختار أيهما شاء. فكان الواجب أحدهما، كالهدي والطعام في جزاء الصيد. وعنه: موجبه القصاص عينًا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨] . ولأنه بدل يجب حقًا لآدمي، فوجب معينًا كبدل ماله، فإن قلنا بهذا، فعفا عنه مطلقًا، سقط القصاص، ولم تجب الدية؛ لأنه لم يجب له غير القصاص وقد أسقطه بالعفو. وإن قلنا: موجبه أحد الشيئين، فعفا عن القصاص مطلقًا، وجبت الدية؛ لأن الواجب أحدهما، فإن ترك أحدهما، تعين الآخر. وإن اختار الدية، سقط القصاص، وثبت المال. وإن اختار القصاص، تعين، وقال القاضي: وله الرجوع، إلى المال؛ لأن القصاص أعلى، فكان له أن ينتقل إلى الأدنى، ولهذا قلنا: له المطالبة بالدية وإن كان القصاص واجبًا عينًا، ويحتمل أنه ليس له ذلك؛ لأنه تركها فلم يرجع إليها، كما لو عفا عنها وعن القصاص. ولو جنى عبد على حر جناية موجبة للقصاص، فاشتراه بأرشها، سقط القصاص؛ لأن شراءه بالأرش اختيار للمال، ثم إن كان أرشها مقدرًا بذهب، أو فضة، صح الشراء؛ لأنه ثمن معلوم. وإن كان إبلًا، لم يصح؛ لأن صفتها مجهولة، فلم يصح جعلها عوضًا، كما لو اشترى بها غير الجاني.

стр. 1170

فصل: ويصح عفو المفلس والسفيه عن القصاص؛ لأن الحجر عليهما في المال، وليس هذا بمال. فإن عفوا إلى مال، ثبت. وإن عفوا إلى غير مال، وقلنا: الواجب أحد شيئين، ثبت المال؛ لأنه واجب، وليس لهما إسقاط المال، وإن قلنا: الواجب القصاص عينًا، صح عفوهما؛ لأنه لم يجب إلا القصاص وقد أسقطاه. فصل: وإن وجب القصاص لصغير، فليس لوليه العفو على غير مال؛ لأنه تصرف لا حظ للصغير فيه. وإن عفا على مال، وللصغير كفاية من ماله، أو له من ينفق عليه، لم يصح عفوه؛ لأنه يسقط القصاص من غير حاجة. وإن لم يكن له ذلك، صح عفوه؛ لأن للصغير حاجة إليه، لحفظ حياته، ويحتمل أن لا يصح؛ لأن نفقته في بيت المال. وإن قُتل من لا ولي له، فالأمر إلى السلطان، إن رأى قتل، وإن رأى عفا على مال؛ لأن الحق للمسلمين فكان على الإمام فعل ما يرى المصلحة فيه. وإن أراد أن يعفو على غير مال، لم يجز لأنه لا حظ للمسلمين فيه. ويحتمل جواز العفو على غير مال؛ لأنه روي عن عثمان أنه عفا عن عبيد الله بن عمر لما قتل الهرمزان، ولم ينكره أحد من الصحابة، ولأنه ولي الدم، فجاز له العفو على غير مال، كسائر الأولياء. فصل: وإذا وكل من يستوفي له القصاص، ثم عفا عنه، ثم قتله الوكيل قبل علمه بالعفو، ففيه وجهان: أحدهما: لا يصح العفو؛ لأنه عفا في حال لا يمكن تلافي ما وكل فيه، فلم يصح، كالعفو بعد رمي الحربة إلى الجاني. والثاني: يصح؛ لأنه حق له، فصح عفوه عنه بغير علم الوكيل، كالدين، ولا قصاص على الوكيل؛ لأنه جهل تحريم القتل، وعليه الدية؛ لأنه قتل معصومًا، ويرجع بها على العافي في أحد الوجهين؛ لأنه غره، فرجع عليه بما غرم، كالمغرور بحرية الأمة. والثاني: لا يرجع عليه؛ لأنه محسن بالعفو، بخلاف الغارّ بالحرية. فصل: وإذا جنى عليه جناية، توجب القصاص فيما دون النفس، فعفا عنها، ثم سرت إلى نفسه، فلا قصاص فيها؛ لأن القصاص لا يتبعض، وقد سقط في البعض، فسقط في

стр. 1171

الكل. وإن كانت الجناية لا توجب القصاص، كالجائفة، وجب القصاص في النفس؛ لأنه عفا عن القصاص فيما لا قصاص فيه، فلم يؤثر العفو. وإن كان عفوه على مال، فله الدية كاملة في الموضعين. وإن عفا عن دية الجرح، صح عفوه؛ لأن ديته تجب بالجناية، بدليل أنه لو جنى على طرف عبد، فباعه سيده، ثم برأ، كان أرش الجناية للبائع دون المشتري، وإنما تتأخر المطالبة به، كالدين المؤجل، فعلى هذا تجب له دية النفس إلا دية الجرح. وقال القاضي: ظاهر كلام أحمد أنه لا يجب شيء؛ لأن القطع غير مضمون، فكذلك سرايته. والأول أولى؛ لأن القطع موجب، وإنما سقط الوجوب بالعفو، فيختص السقوط بمحل العفو. وإن قال: عفوت عن الجناية وما يحدث منها، صح عفوه، ولا قصاص في سرايتها ولا دية؛ لأنه إسقاط للحق بعد انعقاد سببه، فصح، كالعفو عن الشفعة بعد البيع. ولا يعتبر خروج ذلك من الثلث. نص عليه؛ لأن الواجب القصاص عينًا، أو أحد شيئين، فما تعين إسقاط أحدهما. وعنه: أنه إن مات من سرايتها، لم يصح العفو؛ لأنها وصية لقاتل، وعنه: تصح وتعتبر من الثلث. فصل: وإن قطع إصبعًا، فعفا عنها، ثم سرى إلى الكف، ثم اندمل، فالحكم فيه على ما فصلناه في سرايته إلى النفس. فإن قال الجاني: عفوت عن الجناية وما يحدث منها، فأنكر الولي العفو عن سرايتها، فالقول قوله؛ لأنه منكر، والأصل معه. فصل: وإن قطع يده، فعفا عن القصاص، وأخذ نصف الدية، فعاد الجاني فقتله، فلوليه القصاص في النفس؛ لأن القتل انفرد عن القطع، فوجب القصاص فيه، كما لو قتله غير القاطع. فإن اختار الدية، فقال أبو الخطاب: له الدية كلها؛ لأن القتل منفرد عن القطع، فلم يدخل حكمه في حكمه، كما لو كان القاطع غيره، ولأن من ملك القصاص في النفس، ملك العفو عن الدية كلها، كسائر أولياء المقتولين. وقال القاضي: له نصف الدية؛ لأن القتل إذا تعقب الجناية قبل برئها، كان بمنزلة سرايتها، ولو سرى القطع، لم يجب إلا نصف الدية، كذا هاهنا. فصل: إذا قطع يد إنسان، فسرى إلى نفسه، فاقتص وليه في اليد، ثم عفا عن النفس على غير مال، جاز، ولا شيء عليه، سواء سرى القطع، أو وقف؛ لأن العفو يرجع إلى ما بقي، دون ما استوفي، فأشبه ما لو قبض بعض ديته، ثم أبرأه من باقيها، وإن عفا على مال، فوجب له نصف الدية؛ لأنه أخذ ما يساوي نصف الدية. وإن قطع يدي

стр. 1172

رجل فسرى إلى نفسه، فاستوفى من يديه، ثم عفا عن النفس، لم يجب له شيء؛ لأنه لم يبق من الدية شيء. وإن قطع نصراني يد مسلم، فسرى، فقطع الولي يده، ثم عفا عن نفسه على مال، ففيه وجهان: أحدهما: له نصف دية مسلم؛ لأنه رضي بأخذ يد النصراني بدل يد وليه، فبقي له النصف. والثاني: يجب له ثلاثة أرباعها؛ لأنه استوفى يدًا قيمتها ربع دية مسلم، فبقي له ثلاثة أرباعها. وإن قطع يديه فسرى إلى نفسه، فاستوفى من يديه وعفا عن نفسه، فعلى الوجه الأول: لا شيء له؛ لأنه رضي بيده بدلًا من يديه، فيصير كما لو استوفى ديته. وعلى الثاني: له نصف الدية؛ لأنه أخذ ما يساوي نصفها، وبقي له نصفها. وإن كان الجاني امرأة على رجل، فعلى ما ذكرنا من التفصيل.

стр. 1173

[كتاب الديات] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كتاب الديات تجب الدية بقتل المؤمن، والذمي، والمستأمن ومن بيننا وبينه هدنة؛ لقول الله سبحانه: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢] إلى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] فأما من لم تبلغه الدعوة فلا يضمن؛ لأنه لا إيمان له ولا أمان، فأشبه الحربي. وقال أبو الخطاب: تجب ديته؛ لأنه محقون الدم من أهل القتال، أشبه الذمي، وإن قتل في دار الحرب مسلمًا كاتمًا لإسلامه يظنه حربيًا، ففيه روايتان: إحداهما: لا دية فيه؛ لقول الله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] ولم يذكر دية. والثانية: يضمنه؛ لأنه قتل مؤمنًا معصومًا خطأ، وإن أرسل سهمه إلى حربي، فتترس بمسلم، فقتله ففيه روايتان: إحداهما: يضمنه كذلك. والثانية: لا يضمنه؛ لأنه مضطر إلى رميه غير مفرط في فعله. فصل: وإن قطع طرف مسلم، فارتد ومات، ففيه وجهان:

стр. 1174

أحدهما: لا يضمن شيئًا؛ لأن القطع صار قتلًا لنفس لا ضمان فيها. والثاني: تجب دية الطرف؛ لأن الجناية أوجبت ديته، والردة قطعت سرايته، فلا يسقط ما تقدم وجوبه، كما لو قطع يده، فقتل المجروح نفسه، وفي قدر الواجب وجهان: أحدهما: أرش الجرح بالغًا ما بلغ، كما لو قتل الرجل نفسه. والثاني: أقل الأمرين من أرشه، أو دية النفس؛ لأنه لو لم يرتد، لم يجب أكثر من دية النفس، فإذا ارتد، كان أولى ألا يريد ضمانه. فصل: وإن قطع يد مسلم فارتد، ثم أسلم ومات، وزمن الردة مما لا تسري فيه الجناية، ففيه دية كاملة؛ لأنه زمن الردة لا أثر له، وإن كان مما تسري فيه الجناية، فكذلك على ظاهر كلامه؛ لأنه مسلم في حالة الجرح والموت. وقال القاضي: يحتمل وجوب دية كاملة اعتبارًا بحال استقرار الجناية، ويحتمل أن يجب نصفها؛ لأنه مات من جرح مضمون وسراية غير مضمونة، أشبه من مات من جرح نفسه وأجنبي. فصل: وإن قطع يد مرتد أو حربي فأسلم ومات لم يضمن؛ لأنه مات من سراية جرح مأذون فيه، فلم يضمن كالسارق، إذا سرى قطعه، ولو رمى حربيًا أو مرتدًا، فلم يقع به السهم حتى أسلم، فلا ضمان فيه؛ لأنه وجد السبب منه في حال هو مأمور بقتله، على وجه لا يمكن تلافيه، أشبه ما لو جرحه، ثم أسلم. ويحتمل كلام الخرقي وجوب ديته؛ لأنه قال: لو رمى إلى كافر أو عبد، فلم يقع به السهم، حتى عتق وأسلم، فعليه دية حر مسلم؛ ولأن الاعتبار في الضمان بحال الجناية دون حال السبب، بدليل ما لو حفر بئرًا لحربي، فوقع فيها بعدما أسلم، ويحتمل التفريق بين الحربي والمرتد؛ لأن قتل الحربي مأمور به، وقتل المرتد إلى الإمام، وإن أرسل سهمه إلى مسلم، فأصابه بعد أن ارتد، لم يضمنه؛ لأن الجناية حصلت وهو غير مضمون، أشبه ما لو أرسله على حي، فأصابه بعد موته. فصل: وإذا اشترك الجماعة في القتل، فعليهم دية واحدة تقسم على عددهم؛ لأنه بدل متلف يتجزأ، فيقسم بين الجماعة على عددهم، كغرامة المال، وإن جرحه أحدهم جراحات، وسائرهم جرحًا واحدًا، فهم سواء لما تقدم، وإن كان القتل عمدًا، فالدية

стр. 1175

واحدة، وقال ابن أبي موسى: إذا قلنا: له أن يقتص من جميعهم، ففيه روايتان: أظهرهما: أن على كل واحد دية كاملة، بدلًا عن نفسه. والثانية: تجب دية واحدة، وهذا أصح؛ لأن الدية بدل المحل، فلا يختلف بكثرة المتلفين وقلتهم، كبدل المال، وإن أراد الولي أن يقتص من بعضهم، ويعفو عن البعض، ويأخذ الدية من الباقين فله ذلك، ويأخذ منهم حصتهم من الدية، لما ذكرنا، والمكرِه والمكرَه مشتركان في القتل، حكمهما ما ذكرنا، وكذلك حكم الشاهدين إذا رجعا عن الشهادة؛ لما ذكرناه من حديث علي ﵁، ومن المعنى فيه. فصل: وإن طرح إنسانًا في ماء يسير، يمكنه التخلص منه، فأقام فيه قصدًا حتى هلك، لم يجب ضمانه؛ لأن طرحه لم يهلكه، وإنما هلك بإقامته، فكان هو المهلك لنفسه، وإن طرحه في نار يمكنه الخلاص منها، فلم يفعل حتى هلك، ففيه وجهان: أحدهما: لا يضمنه كذلك. والثاني: يضمنه؛ لأن تركه التخلص لا يُسقط ضمان الجناية، كما لو جرحه، فترك مداواة نفسه حتى هلك به وفارق الماء؛ لأن الناس يدخلونه للسباحة وغيرها. وإن شده في موضع، فهلك بزيادة الماء ضمنه. فإن كانت الزيادة معلومة، كمد البصرة، فهو عمد محض، وإن كانت تحتمل ويحتمل، فهو شبه عمد، وإن كانت نادرة فهو خطأ، وإن ألقاه في ماء يسير، فالتقمه حوت، فهو خطأ محض، وإن كان الماء كثيرًا، فهو شبه عمد، وإن ألقاه مكتوفًا فأكله سبع، فهو شبه عمد؛ لأنه عمد إلى فعل لا يهلك به غالبًا فهلك به، أشبه ما لو وكزه. فصل: وإن صاح بصبي، أو تغفل غافلًا فصاح به، فسقط عن شيء هلك به ضمنه؛ لأنه هلك بسببه، فإن قصده بالصياح، فهو شبه عمد، وإن لم يقصده فهو خطأ، وإن كان العاقل متيقظًا لم يضمنه؛ لأن ذلك لا يقتله، وإن اتبع إنسانًا بسيف، فوقع في شيء هلك به ضمنه؛ لأنه تسبب إلى إهلاكه، وكذلك إن طرده إلى موضع؛ فأكله به سبع. فصل وإن بعث السلطان إلى امرأة ليحضرها، ففزعت فألقت جنينًا ميتًا وجب ضمانه؛ لما روي: أن عمر بن الخطاب ﵁ أرسل إلى امرأة مغيبة كان يُدْخَل عليها، فقالت: يا ويلها، ما لها ولعمر؟ ! فبينا هي في الطريق إذ فزعت، فضربها الطلق، فألقت ولدًا، فصاح الصبي صيحتين؛ ثم مات، فاستشار عمر أصحاب رسول الله ﷺ ، فأشار

стр. 1176

بعضهم: أن ليس عليك شيء، إنما أنت مؤدب، فصمت علي، فأقبل عليه عمر، فقال: ما تقول يا أبا الحسن؟ فقال: إن كانوا قالوا برأيهم فقد أخطئوا رأيهم، وإن كانوا قالوا في هواك، فلم ينصحوا لك، إن ديته عليك؛ لأنك أفزعتها، فألقت. وإن هلكت المرأة بسبب وضعها ضمنها أيضًا؛ لأنه سبب لإتلافها، وإن فزعت فماتت، لم يضمنها؛ لأنه ليس بسبب لهلاكها غالبًا، ويحتمل أن يلزمه ضمانها؛ لأنها هلكت بفعله فضمنها، كما لو ضربها سوطًا فماتت، وإن زنى بامرأة مكرها فأحبلها، فماتت من الولادة ضمنها؛ لأنها ماتت بسببٍ تعدى به. فصل: وإن رمى إنسانًا من علو، فتلقاه آخر بسيف، فقتله، فالضمان على القاتل؛ لأنه مباشر، والملقي متسبب، فكان الضمان على المباشر، كالحافر والدافع. فصل وإن حفر بئرًا في الطريق، أو وضع حجرًا أو حديدة، أو قشر بطيخ أو ماء، فهلك به إنسان ضمنه؛ لأنه تعدى به، ولزمه ضمان ما هلك به، كما لو جنى عليه، فإن دفعه آخر في البئر أو على الحجر أو الحديدة، فالضمان على الدافع؛ لأنه مباشر، والآخر صاحب سبب، وإن حفر بئرًا، أو نصب حديدة، ووضع آخر حجرًا، فعثر بالحجر، فوقع في البئر، أو على الحديدة فمات، فالضمان على واضع الحجر؛ لأنه الذي ألقاه، فأشبه ما لو ألقاه بيده. فصل ومن حفر بئرًا في طريق لنفسه، ضمن ما هلك بها؛ لأنه ليس له أن يختص بشيء من طريق المسلمين، وكذلك إن حفرها في ملك غيره بغير إذنه؛ لأنه متعد بحفرها، وإن حفرها في الطريق لمصلحة المسلمين، وكانت في طريق ضيق، ضمن ما تلف بها؛ لأنه ليس له ذلك، وإن كانت في طريق واسع لم يضمن؛ لأنه لم يتعد بها، فلم يضمن ما تلف بها، كما لو أذن فيها الإمام. وعنه: إن حفرها بغير إذن الإمام ضمن؛ لأن ما يتعلق بمصلحة المسلمين يختص الإمام بالنظر فيه، فمن افتأت عليه، كان متعديًا به، فضمن ما هلك به، وإن بنى مسجدًا في موضع لا ضرر فيه، أو علق قنديلًا في مسجد، أو بابًا، أو فرش فيه حصيرًا، لم يضمن ما تلف به؛ لأن هذا من المصالح التي يشق استئذان الإمام فيها، فملك فعله بغير إذنه، كإنكار المنكر، وذكر القاضي: أنه كحفر البئر في الطريق، وإن حفر بئرًا في موات لينتفع بها، أو لينتفع بها المسلمون، أو ليتملكه، لم يضمن ما تلف بها؛ لأنه غير متعد بحفرها، وإن كان في داره بئر، أو كلب عقور،

стр. 1177

فدخل إنسان بغير إذنه، فهلك بها، أو عقره الكلب لم يضمنه؛ لأن التفريط من الداخل، وإن دخل بإذنه والبئر مكشوفة في موضع يراها الداخل لم يضمنه، وإن كانت مغطاة، أو في ظلمة، أو الداخل ضريرًا ضمنه؛ لأنه فرط في ترك إعلامه، وإن وضع حجرًا في ملكه، وحفر آخر بئرًا في الطريق، فتعثر بالحجر، فوقع في البئر، فالضمان على الحافر؛ لأن العدوان منه، فكان الضمان عليه، والواضع في ملكه لا عدوان منه فلم يضمن، وإن وضع جرة على سطحه، فألقتها الريح على شيء فأتلفته لم يضمنه؛ لأنه غير متعد بالوضع، ولا صنع له في إلقائها. فصل: وإن بنى حائطًا مائلًا إلى الطريق، أو إلى ملك غيره، فسقط على شيء أتلفه ضمنه؛ لأنه تلف بسببٍ تعدى به، وإن بناه في ملكه مستويًا، فمال إلى الطريق، أو إلى ملك غيره، فأمره المالك بنقضه، أو أمره مسلم أو ذمي بنقص المائل إلى الطريق، وأمكنه ذلك فلم يفعل، ضمن ما تلف به أحد الوجهين؛ لأن ذلك يضر المالك والمارة، فكان لهم المطالبة بإزالته، فإذا لم يزله ضمن، كما لو بناه مائلًا. والثاني: لا يضمن؛ لأنه وضعه في ملكه، وسقط بغير فعله، فأشبه الجرة التي ألقتها الريح، ويحتمل أن يضمن، وإن لم يطالب بنقضه؛ لأن بقائه مائلًا يضر، فلزمه إزالته وإن لم يطالب به، كالذي بناه مائلا. وإن لم يمكنه نقضه لم يضمن؛ لأنه غير مفرط. وإن أخرج جناحًا، أو ميزابًا إلى الطريق، فوقع على إنسان ضمنه؛ لأنه تلف بسبب تعدى به. فأشبه ما لو بنى حائط مائلًا. فصل: وإذا رمى إلى هدف، فمر صبي فأصابه السهم، فقتله أو مرت بهيمة فأصابها، ضمن ذلك؛ لأنه أتلفه وإن قدم إنسانٌ الصبيَ، أو البهيمةَ إلى الهدف فأصابهما السهم، فالضمان على من قدّمهما؛ لأن الرامي كالحافر، والآخر كالدافع. وإن أمر من لا يميز أن ينزل بئرًا، أو يصعد نخلة، فهلك بذلك ضمنه؛ لأنه تسبب إلى إتلافه. وإن أمر من يميز بذلك فهلك به لم يضمنه؛ لأنه يفعل ذلك باختياره. فإن كان الآمر السلطان، ففيه وجهان: أحدهما: لا يضمنه كذلك.

стр. 1178

والثاني: يضمنه؛ لأن عليه طاعة السلطان، فأشبه ما لو أكرهه على فعله، وإن غصب صبيًا، فأصابته عنده صاعقة، أو نهشته حية ضمنه؛ لأنه تلف في يده العادية. وإن مرض فمات، ففيه وجهان: أحدهما: يضمنه كذلك، فأشبه العبد الصغير. والثاني: لا يضمنه؛ لأنه حر لا تثبت اليد عليه في الغصب، فأشبه الكبير، وإن أدب المعلم صبيانه، أو الرجل ولده أو زوجته، أو السلطان رعيته، الأدب المأمور به، لم يضمن ما تلف به؛ لأنه أدب مأمور به، فلم يضمن ما تلف به كالحد، ويحتمل أن يضمن، كما لو أرسل إلى امرأة ليحضرها، فأجهضت جنينها. فصل: وما أتلفت الدابة بيدها أو فمها، ضمنه راكبها وقائدها وسائقها، وما أتلفت برجلها أو ذنبها لم يضمنه؛ لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «الرِّجْل جُبَار» رواه سعيد. فمفهومه أن جناية اليد مضمونة، والفم في معناها؛ ولأن اليد يمكن حفظها، فضمن ما تلف بها، بخلاف الرِّجل، وعنه: في السائق أنه يضمن جناية الرجل والذنب؛ لأنه يشاهدهما، فأشبه اليد في حق القائد، وإن بالت في الطريق، ضمن ما تلف به؛ لأنه كما لو صبه فيها، ويحتمل أن لا يضمن في هذا؛ لأنه لا يمكن التحرز منه، أشبه جناية الرجل، وإن كان على دابة راكبان، فالضمان على الأول منهما؛ لأنه المتصرف فيها، وإن كان لها قائد وسائق اشتركا في الضمان؛ لاشتراكهما في تمشيتها، وإن كان معهما راكب، فالضمان بينهم أثلاثًا كذلك، ويحتمل أن يختص به الراكب؛ لأنه أقوى منهما يدًا، والجمل المقطور إلى جمل عليه راكب، كالذي في يده؛ لأن يده عليه، وليس عليه ضمان ما جنى ولد البهيمة؛ لأنه لا يمكنه حفظه، وكذلك ما جنت الدابة، إذا لم يكن عليها يد، لم يضمن مالكها كذلك. فصل: وإذا اصطدم نفسان فماتا، فعلى عاقلة كل واحد منهما دية صاحبه؛ لأن كل واحد منهما مات من صدمة صاحبه، وإنما هو قرّب نفسه إلى محل الجناية عن غير قصد، وإن ماتت دابتاهما، ضمن كل واحد منهما قيمة دابة الآخر، وإذا كان أحدهما يسير والآخر واقفًا، فعلى السائر دية الواقف وضمان دابته؛ لأنه قتلهما بصدمته، ولا ضمان على الواقف؛ لأنه لا فعل منه، إلا أن يقف في طريق ضيق، فيكون الضمان عليه؛ لأنه

стр. 1179

تعدى بالوقوف فيه، فأشبه واضع الحجر فيه، وإن تصادما عمدًا، وذلك مما يقتل غالبًا، فدماؤهما هدر؛ لأن ضمان كل واحد منهما يلزم الآخر في ذمته، فيتقاصان ويسقطان. وإن ركب صبيان، أو أركبهما وليهما فاصطدما، فهما كالبالغين. وإن أركبهما من لا ولاية له عليهما، فعليه ضمان ما تلف منهما؛ لأنه تلف بسبب جنايته، وإن أركب الصبي من لا ولاية له، فصدمه كبير فقتله، فالضمان على الصادم؛ لأنه مباشر، فيقدم على المتسبب، وإن مات الكبير فقتله، فضمانه على الذي أركب الصبي؛ لأنه تلف بسبب جنايته، وإن اصطدمت امرأتان حاملان، فحكمهما في أنفسهما ما ذكرنا، وعلى كل واحد منهما نصف ضمان جنينها، ونصف ضمان جنين الأخرى؛ لأنهما اشتركا في قتلهما لجنايتهما عليهما، وإن تصادم عبدان فماتا، فهما هدر؛ لأن جناية كل واحد منهما تتعلق برقبته، فتفوت بفواته، فإن مات أحدهما فقيمته في رقبة الآخر، كسائر جناياته. فصل: وإن اصطدمت سفينتان فغرقتا، لتفريط من القيمين، مثل تقصيرهما في آلتهما، وتركهما ضبطهما مع إمكانه، أو تسييرهما إياهما في ريح شديدة لا تسير السفن في مثلها، ضمن كل واحد منها سفينة الآخر بما فيها، كالفارسين إذا اصطدما، فإن لم يفرطا، فلا ضمان عليهما؛ لأنه تلف حصل بأمر لا صنع لهما فيه، ولا تفريط منهما، أشبه التلف بصاعقة، وإن فرط أحدهما دون صاحبه، ضمن المفرط وحده. وإن فرطا جميعًا، وكان أحدهما منحدرًا، والآخر مصعدًا، فعلى المنحدر ضمان المصعد؛ لأن المنحدر كالسائر، والمصعد كالواقف، فيختص المنحدر بالضمان كالسائر. ومن غرق سفينة فيها ركبان بسبب يقتل مثله غالبًا عمدًا، فعليه القصاص، وإن كان خطأ، فعلى عاقلته دية الركبان. وإن كان عمدًا بسبب لا يقتل مثله غالبًا، فقتلهم شبه عمد. فصل: وإذا قال بعض ركبان السفينة لرجل: ألق متاعك في البحر وعلي ضمانه، وجب عليه ضمانه؛ لأنه استدعى منه إتلاف ماله بعوض، لغرض صحيح، فأشبه ما لو قال: أعتق عبدك وعلي ثمنه، وإن قال: ألقه وضمانه علي، وعلى ركبان السفينة ففعل، فعليه بحصته من الضمان. إن كانوا عشرة فعليه العشر، ويسقط سائره؛ لأنه جعل الضمان على الجميع، فلم يجب عليه أكثر من حصته، وإن قال: ألق ونحن نضمنه لك، وعلي تحصيله لك لزمه؛ لأنه تكفل له بتحصيل عوضه، وكذلك إن قال: قد أذنوا لي في الضمان عنهم، فألقه ونحن ضمنا لك، ضمن جميعه؛ لأنه غره.

стр. 1180

فصل: وإذا رمى أربعة بالمنجنيق، فقتل الحجر رجلًا، فعلى كل واحد منهم ربع ديته، وإن قتل الحجر أحدهم، ففيه وجهان: أحدهما: يسقط ربع ديته، ويلزم شركاءه ثلاثة أرباعها؛ لأنه مات بفعله وفعلهم، فهدر ما قابل فعله، ولزم شركاءه الباقي، كما مات من جراحاتهم، وجراح نفسه. الثاني: يلزم شركاءه جميع ديته، ويلغو فعل نفسه، قياسًا على المصطدمين. وإن كانوا ثلاثة فما دون، ففيه وجه ثالث، وهو أن يجب ثلث دية المقتول على عاقلته لورثته، ويجب على عاقلة الآخرين ثلثا ديته. فصل: إذا وقع رجل في بئر، ووقع آخر خلفه من غير جذب ولا دفع فمات الأول، وجبت ديته على الثاني؛ لما روى علي بن رباح اللخمي: أن بصيرًا كان يقود أعمى، فخرا في بئر، ووقع الأعمى فوق البصير فقتله، فقضى عمر بعقل البصير على الأعمى، فكان الأعمى ينشد في الموسم: يا أيها الناس لقيت منكرا ... هل يعقل الأعمى الصحيح المبصرا خرا معًا كلاهما تكسرا ولأن الأول مات بوقوع الثاني عليه، فوجبت ديته عليه، وإن مات الثاني هدرت ديته؛ لأنه لا صنع لغيره في هلاكه، وإن ماتا معًا، فعليه ضمان الأول، ودمه هدر كذلك، وإن وقع عليهما ثالث، فدية الأول على الثاني والثالث؛ لأنه مات بوقوعهما عليه، ودية الثاني على الثالث؛ لأنه انفرد بالوقوع عليه، فانفرد بديته، ودم الثالث هدر، هذا إذا كان الوقوع عليه هو الذي قتله، فإن كان البئر عميقًا يموت الواقع بمجرد وقوعه، لم يجب الضمان على أحد؛ لأن كل واحد منهم مات بوقعته، لا بفعل غيره. وإن احتمل الأمرين فكذلك؛ لأن الأصل عدم الضمان. فصل: فإن خر رجل في زبية أسد، فجذب ثانيًا، وجذب الثاني ثالثًا، وجذب الثالث رابعًا، فقتلهم الأسد، فدم الأول هدر؛ لأنه لا صنع لأحد في إلقائه، وعليه دية الثاني؛ لأنه السبب في قتله، وعلى الثاني دية الثالث كذلك، وعلى الثالث دية الرابع، كذلك.

стр. 1181

وفيه وجه آخر: أن دية الثالث على الأول، والثاني نصفين؛ لأن جذب الأول الثاني سبب في جذب الثالث، ودية الرابع على الثلاثة أثلاثًا كذلك، وقد روي عن أحمد: أنه ذهب فيها إلى قضية علي ﵁ وهو ما روى حنش الصنعاني: «أن قومًا من أهل اليمن حفروا زبية للأسد فوقع فيها، فاجتمع الناس على رأسها، فهوى فيها واحد، فجذب ثانيًا، فجذب الثاني ثالثًا، ثم جذب الثالث رابعًا، فقتلهم الأسد، فرفع ذلك إلى علي ﵁ فقال: للأول ربع الدية؛ لأنه هلك فوقه ثلاثة، وللثاني ثلث الدية؛ لأنه هلك فوقه اثنان، وللثالث نصف الدية؛ لأنه هلك فوقه واحد، وللرابع الدية كاملة، وقال: وإني أجعل الدية على من حفر رأس البئر، فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: هو كما قال» رواها سعيد بن منصور بإسناده، وذكرها أحمد. واحتج بها، وذهب إليها، فإن كان هلاكهم لوقوع بعضهم على بعض، فلا شيء على الرابع؛ لأنه لا صنع له، وتجب ديته على الثالث في إحدى الوجهين؛ لأنه المباشر لجذبه. وفي الثاني: ديته على الثلاثة أثلاثًا، وتجب دية الثالث على الثاني في أحد الوجوه، والثاني تجب ديته على الأول والثاني نصفين، ويلغى فعل نفسه، والثالث يهدر ما قابل فعله في نفسه، ويجب على عاقلة الآخرين ثلثا ديته، والرابع يهدر نصف ديته، ويجب على عاقلة الثاني نصفها، وأما الثاني: ففيه ثلاثة أوجه: أحدها: تجب ديته على الأول والثالث نصفين. والثاني: يهدر من ديته ثلثها؛ لأنه قابل فعل نفسه، ويجب ثلثاها على الأول والثالث. والثالث: تجب الدية على عواقلهم ثلاثتهم. وفي الأول ثلاثة أوجه: أحدها: تجب ديته على الثاني والثالث نصفين. والثاني: يجب عليهما ثلثاها ويسقط ثلثها. والثالث: تجب الدية على عواقلهم كلهم. فصل: إذا تجارح رجلان، وزعم كل واحد منهما، أنه جرح الآخر دفعًا عن نفسه، وجب على كل واحد منهما ضمان صاحبه؛ لأن الجرح قد وجد، وما يدعيه من القصد لم يثبت فوجب الضمان، والقول قول كل واحد منهما مع يمينه في نفي القصاص؛ لأن ما يدعيه محتمل فيندرئ به القصاص؛ لأنه يندرئ بالشبهات.

стр. 1182

فصل ومن اضطر إلى طعام إنسان، أو شرابه، فمنعه مع غناه عنه فهلك ضمنه؛ لأن عمر ﵁ قضى بذلك، ولأنه قتله بمنعه طعامًا يجب دفعه إليه فضمنه، كما لو منعه طعامه فهلك بذلك. وإن رآه في مهلكة فلم ينجيه لم يضمنه؛ لأنه لم يتسبب إلى قتله بخلاف التي قبلها، وقال أبو الخطاب ﵀: يلزمه ضمانه على قياس التي قبلها، ولا يصح؛ لأنه في الأول منعه من تناول ما تبقى حياته به، فنسب هلاكه إليه، بخلاف هذا، فإنه لا صنع له فيه. [باب مقادير الديات] دية الحر المسلم: مائة من الإبل؛ لما روى أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده: أن رسول الله ﷺ كتب إلى أهل اليمن، بكتاب فيه الفرائض والسنن: «وإن في النفس الدية؛ مائة من الإبل» رواه مالك في الموطأ، والنسائي في السنن. فصل: ودية العمد المحض، وشبه العمد أرباع، خمس وعشرون جذعة، وخمس وعشرون حقة، وخمس وعشرون بنت لبون، وخمس وعشرون بنت مخاض، في إحدى الروايتين؛ لما روى الزهري، عن السائب بن يزيد قال: «كانت الدية على عهد رسول الله ﷺ أرباعًا، خمسًا وعشرين جذعة، وخمسًا وعشرين حقة، وخمسًا وعشرين بنت لبون، وخمسا وعشرين بنت مخاض» ، ولأنه قول ابن مسعود ﵁. والثانية: يجب ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة، أي حاملًا؛ لما روى عبد الله بن عمرو: أن رسول الله ﷺ قال: «ألا في قتيل عمد الخطأ قتيل السوط والعصا مائة من الإبل، منها أربعون في بطونها أولادها» رواه أبو داود. وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن رسول الله ﷺ قال: «من قتل متعمدًا دفع إلى أولياء المقتول إن شاءوا قتلوا، وإن شاءوا، أخذوا الدية، وهي ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة، وما صولحوا عليه، فهو لهم» رواه الترمذي. وقال: حديث

стр. 1183

حسن. والخلفة: الحامل. وعن عمرو بن شعيب: أن رجلًا يقال له: قتادة، حذف ابنه بالسيف فقتله، فأخذ منه عمر ثلاثين حقة، وثلاثين جذعة، وأربعين خلفة رواه مالك في الموطأ. وهل يعتبر في الأربعين، أن تكون ثنايا؟ على وجهين: أحدهما: لا يعتبر؛ لأن النبي ﷺ أطلق الخلفات، فاعتبار السن تقييد لا يصار إليه إلا بدليل. والثاني: يجب أن تكون ثنايا؛ لأن في بعض الألفاظ، منها أربعون خلفة، ما بين ثنية عامها إلى بازل، ولأن سائر الأنواع مقدرة السن، فكذلك الخلفات. فصل: ودية الخطأ وما أجري مجراه أخماس، عشرون بنت مخاض، وعشرون ابن مخاض، وعشرون بنت لبون، وعشرون حقة، وعشرون جذعة؛ لما روى ابن مسعود: أن رسول الله ﷺ قال: «في دية الخطأ عشرون جذعة، وعشرون حقة، وعشرون بنت مخاض، وعشرون بنت لبون، وعشرون بني مخاض» رواه أبو داود. وعمد الصبي، والمجنون جار مجرى الخطأ، وحكمه حكمه؛ لأنه لا يوجب قصاصًا بحال، وكذلك فعل النائم، مثل أن ينقلب على شخص فيقتله، والقتل بالسبب مثل حفر البئر، ووضع الحجر، وسائر ما ذكرناه حكمه حكم الخطأ. فصل: وتجب الإبل صحاحًا، غير مراض، ولا عجاف، ولا معيبة؛ لأنه بدل متلف من غير جنسه، فلم يقبل فيه معيب، كقيمة المال. ومتى أحضرها على الصفة المشروطة، لزم قبولها، سواء كانت من جنس ماله، أو لم تكن؛ لأنها بدل متلف، فلم يعتبر كونها من جنس ماله، كسائر قيم المتلفات. فصل: وظاهر كلام الخرقي: أنه لا يعتبر قيمة الإبل، بل متى وجدت الصفة المشروطة وجب أخذها، قلت قيمتها أو كثرت؛ لأن النبي ﷺ أطلق الإبل، فتقييدها بالقيمة يخالف ظاهر الخبر، ولأنه خالف بين أسنان دية العمد والخطأ، تخفيفًا لدية الخطأ عن دية العمد، واعتبارها بقيمة واحدة تسوية بينهما، وإزالة للتخفيف المشروع.

стр. 1184

وعن أحمد: أنه يعتبر أن تكون قيمة كل بعير مائة وعشرين درهمًا؛ لأن عمر قومها باثني عشر ألف درهم، ولأنها إبدال محل واحد، فيجب أن تستوي قيمتها، كالمثل والقيمة في المتلفات. فصل: وظاهر كلام الخرقي: أن الإبل هي الأصل في الدية، قال أبو الخطاب: هذا إحدى الروايتين عن أحمد؛ لما روينا من الأخبار. والرواية الأخرى: أن الأصول ستة أنواع: الإبل، والبقر، والغنم، والذهب، والورق، والحلل؛ لما روي في كتاب عمرو بن حزم: «وإن في النفس المؤمنة مائة من الإبل، وعلى أهل الذهب ألف دينار» رواه النسائي. وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن عمر قام خطيبًا فقال: إن الإبل قد غلت، قال: فقوم على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق اثني عشر ألفًا، وعلى أهل البقر مائتي بقرة، وعلى أهل الشاء ألفي شاة، وعلى أهل الحلل مائتي حلة رواه أبو داود. وهذا كان بمحضر من الصحابة فكان إجماعًا. وقال القاضي: لا يختلف المذهب في أن هذه الأنواع أصول في الدية، إلا الحلل، فإن فيها روايتين، فأي شيء منها أحضره من عليه الدية، لزم الولي قبوله؛ لأنها أبدال فائت، فكانت الخيرة إلى المعطي، كالأعيان في الجنس الواحد، وإذا قلنا: الأصل الإبل خاصة، وجب عليه تسليمها، وأيهما أراد العدول إلى غيرها، فللآخر منعه؛ لأن الحق متعين فيها، كالمثل في المثليات، فإن أعوزت، أو لم توجد إلا بأكثر من ثمن مثلها، فله الانتقال إلى أحد هذه الأنواع؛ لأنها أبدال عنها، فيصار إليها عند إعوازها، كالقيمة في بدل المثليات. فصل: وقدرها من هذه الأنواع على ما جاء في حديث عمر ﵁: وهي ألف مثقال من الذهب الخالص، أو اثنا عشر ألف درهم من دراهم الإسلام التي كل عشرة منها وزن سبعة مثاقيل، أو مائتا بقرة، أو ألفا شاة مقدرة بما تجب في الزكاة، ففي البقر، النصف مسنات، والنصف أتبعة، وفي الغنم يجب النصف ثنايا، والنصف أجذعة، إذا كانت من الضأن. ويجب في الحلل المتعارف من حلل اليمن، كل حلة بردان، ويجب أن يكون كل نوع منها تبلغ قيمته اثني عشر ألف درهم على الرواية التي تعتبر فيها قيمة الإبل، فيكون قيمة كل بقرة أو حلة ستين درهمًا، وقيمة كل شاة ستة دراهم؛

стр. 1185

لما ذكرنا، ولما روى ابن عباس: «أن رجلًا من بني عدي قتل، فجعل النبي ﷺ ديته اثني عشر ألفًا» رواه أبو داود. فصل: وذهب أصحابنا إلى أن الدية تغلظ بالقتل في الحرم والإحرام والشهر الحرام، وقال أبو بكر: وتغلظ أيضًا بالرحم المحرم، وقال القاضي: ظاهر كلام أحمد أنها لا تغلظ به، ومعنى التغليظ: أن يزاد لكل واحد من هذه الحرمات ثلث الدية، فإن اجتمعت الحرمات الثلاث، وجب ديتان، وعلى قول أبي بكر: إذا اجتمعت الأربع، وجبت ديتان وثلث؛ لما روي، عن عثمان ﵁: أن امرأة وطئت في الطواف، فقضى عثمان ﵁ فيها بستة آلاف، وألفين تغليظًا للحرم. وعن ابن عمر أنه قال: من قتل في الحرم، أو ذا رحم، أو في شهر الحرام، فعليه دية وثلث. وعن ابن عباس: أن رجلًا قتل رجلًا في الشهر الحرام، وفي البلد الحرام. فقال: ديته اثنا عشر ألفًا، وللشهر الحرام أربعة آلاف، وللبلد الحرام أربعة آلاف، ولم يظهر خلاف هذا، فكان إجماعًا، ولا تغلظ لغير ما ذكرنا؛ لعدم الأثر فيه، وامتناع قياسه على ما ورد الأثر فيه، وظاهر كلام الخرقي أنها لا تزاد على مائة من الإبل؛ لقوله الله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢] وهذا عام في كل قتيل، وفسر النبي ﷺ الدية بمائة من الإبل، وإخبار النبي ﷺ في تقدير الواجب بالقتل بمائة من الإبل أو غيرها، مطلقة في الأمكنة والأزمنة والقرابة. وقد قتلت خزاعة قتيلًا من هذيل بمكة، فقال النبي ﷺ : «وأنتم يا خزاعة، قد قتلتم هذا القتيل من هذيل؟ وأنا والله عاقله، فمن قتل له قتيل بعد ذلك، فأهله بين خيرتين، إما أن يقتلوا، وإما أن يأخذوا الدية» ولم يزد. وقتل قتادة ابنه فلم يأخذ منه عمر أكثر من مائة، ولأنه بدل متلف، فلم يختلف بهذه المعاني، كسائر المتلفات. فصل: ودية الحرة المسلمة نصف دية الرجل؛ لما روي عن النبي ﷺ ، في كتاب عمرو بن حزم أنه قال: «دية المرأة على النصف من دية الرجل» ، ولأنه إجماع الصحابة؛ روي ذلك عن عمر، وعثمان، وعلي، وزيد، وابن عمر، وابن عباس ﵃، ولا مخالف لهم، وتساوي جراحها جراح الرجل إلى ثلث الدية، فإذا زادت، صارت على النصف، لما روى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : «عقل المرأة مثل

стр. 1186

عقل الرجل حتى يبلغ الثلث من ديتها» رواه النسائي. «وعن ربيعة قال: قلت لسعيد بن المسيب: كم في إصبع المرأة؟ قال: عشر. قلت: ففي إصبعين؟ قال: عشرون. قلت: ففي ثلاث أصابع؟ قال: ثلاثون. قلت: ففي أربع أصابع؟ قال: عشرون. قلت: لما عظمت مصيبتها، قل عقلها؟ قال: هكذا السنة يا ابن أخي» رواه سعيد بإسناده، وهذا يقتضي سنة رسول الله ﷺ . فصل ودية الكاتبي: نصف دية المسلم؛ لما روى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ أنه قال: «دية المعاهد نصف دية المسلم» رواه أبو داود. وروي عنه: أن ديته ثلث الدية، لما روي أن عمر: جعل دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف، إلا أنه رجع عن هذه الرواية. وقال: كنت أذهب إلى أن دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف، فأنا اليوم أذهب إلى نصف دية المسلم. فإن قتله المسلم عمدًا، أضعفت الدية على قاتله، لإزالة القود؛ لأن عثمان ﵁ حكم بذلك، ولو قتله الكافر لم تضعف ديته؛ لأن القود واجب، ونساؤهم على النصف من دياتهم، كما أن نساء المسلمين على النصف منهم، ودية المجوسي: ثمانمائة درهم؛ لما روي عن عمر، وعثمان، وابن مسعود ﵃ أنهم قالوا: ديته ثمانمائة درهم، والمستأمن: كالذمي، وإن كان وثنيًا فديته: دية المجوسي؛ لأنه كافر، لا يحل نكاح نسائه، فأما من لم تبلغه الدعوة، إن لم يكن له عهد، فلا ضمان فيه؛ لأنه كافر لا عهد له، أشبه نساء أهل الحرب، وقال أبو الخطاب: يضمن بما يضمن به أهل دينه؛ لأنه محقون الدم من أهل القتال، أشبه المستأمن. فصل: وإذا قطع طرف ذمي فأسلم، ثم مات، ففيه وجهان: أحدهما: تجب دية مسلم. اختاره ابن حامد؛ لأن الاعتبار بحال استقرار الجناية، بدليل ما لو قطع يديه ورجليه فمات، وجبت دية واحدة، اعتبارًا بحال الاستقرار. والثاني: يجب دية ذمي، وهو ظاهر قول أبي بكر والقاضي؛ لأن الجناية يراعى فيها حال وجودها، بدليل عدم وجوب القصاص فيها، وهو في حالة الجناية ذمي، فأما إن رمى إلى ذمي، فلم يقع به السهم حتى أسلم، فعليه دية مسلم؛ لأن الإصابة لمسلم.

стр. 1187

فصل ودية الخنثى المشكل: نصف دية ذكر، ونصف دية أنثى. وذلك ثلاثة أرباع دية الذكر؛ لأنه يحتمل الذكورية والأنوثية احتمالًا على السواء، فيجب التوسط بينهما كالميراث، والحكم في جراحه، كالحكم في ديته، فإن كانت دون الثلث استوى الذكر والأنثى، وفيما زاد ثلاثة أرباع دية حر ذكر. فصل: ودية العبد والأمة: قيمتهما بالغة ما بلغ ذلك؛ لأنه مال مضمون بالإتلاف لحق الآدمي بغير جنسه، فأشبه الفرس. وإن جنى عليه جناية غير مقدرة في الحر، ففيه ما نقصه بعد التئام الجرح، كسائر الأموال، وإن كانت مقدرة في الحر، فهي مقدرة في العبد من قيمته، فما وجبت فيه الدية: كالأنف، واللسان، والذكر، والأنثيين، ضمن من العبد بقيمته، وما يجب فيه ديتان، كإذهاب سمعه وبصره، ففيه مثلا قيمته، وما ضمن بجزء من الدية، كاليد والرجل والإصبع، ضمن من العبد بمثله من قيمته؛ لأن ذلك يروى عن علي ﵁، ولأنه ساوى الحر في ضمان الجناية بالقصاص والكفارة، فساواه في اعتبار ما دون النفس ببدل النفس، كالرجل والمرأة، وعن أحمد رواية أخرى: أن الجناية على العبد بما نقص من قيمته، سواء كانت مقدرة في الحر، أو لم تكن مقدرة؛ لأن ضمانه ضمان الأموال، فيجب فيه ما نقص كالبهائم، والحكم في المكاتب وأم الولد، كالحكم في القن؛ لأنهم رقيق. فأما من بعضه حر، ففيه بالحساب، من دية حر وقيمة عبد، فإن كان نصفه حرًا، ففيه نصف دية حر لورثته، ونصف قيمته لسيده، وهكذا في جراحه؛ لأن الضمان يتجزأ، فوجب أن يقسم على قدر ما فيه منهما كالكسب. فصل: إذا فقأ عيني عبد قيمته ألفان فاندمل، ثم أعتق ومات، وجبت قيمته بكاملها لسيده؛ لأنه استقر حكم الجرح وهو مملوك، وكذلك إن اندمل بعد العتق؛ لأن الضمان يجب بالجناية، وهو حينئذ مملوك، وإن سرى الجرح إلى نفسه، فروى حنبل عن أحمد، أن على الجاني قيمته السيد. وهذا اختيار أبي بكر والقاضي؛ لأن الضمان يجب بالجناية، وهو حينئذ مملوك، فأشبه ما لو اندمل الجرح، وقال ابن حامد: يجب فيه دية حر؛ لأن اعتبار مقدار الواجب بحال الاستقرار، بدليل ما لو فقأ عينه، وقطع أنفه،

стр. 1188

فمات من سراية الجرح، لم يجب إلا قيمة واحدة، ويصرف ذلك إلى السيد؛ لأن الجناية في ملكه، فإن فقأ إحدى عينيه، فسرى إلى نفسه بعد العتق، فعلى الوجه الأول تجب القيمة بكمالها للسيد، اعتبارًا بحال وجودها، وعلى قول ابن حامد: يجب دية حر، لسيده منها أقل من الأمرين، من نصف القيمة، أو كمال الدية؛ لأنه إن كان نصف القيمة أقل، فهو الذي وجب له، والزيادة حصلت حال الحرية، وإن كانت الدية أقل، فنقصها بسبب من جهته وهو العتق. فصل: وإن قطع يد عبد فأعتق، ثم قطع آخر يده الأخرى ومات، فلا قصاص على الأول، لعدم التكافؤ في حال الجناية، وعليه نصف القيمة لسيده على قول أبي بكر. وعلى قول ابن حامد: عليه نصف ديته، لسيده منها الأقل من نصف قيمته يوم القطع، أو نصف الدية؛ لأن نصف القيمة إن كان أقل، فهو أرش الجناية الموجودة في ملكه، وإن كان أكثر، فالحرية نقصت ما زاد عليه. وأما الثاني: فعليه القصاص في الطرف. إن وقف قطعه، وفي النفس إن سرى؛ لأنه شارك في القتل العمد العدوان، فأشبه شريك الأب، ويتخرج أن لا قصاص عليه، بناء على الرواية الأخرى في شريك الأب، والفرق بين هذه المسألة والتي قبلها، أن الجناية ثم من واحد، فكانت الدية جميعها عليه، وهاهنا من اثنين، فقسمت الدية عليهما. فإن عاد الأول، فذبحه بعد اندمال الجرحين، فعليه القصاص للورثة، ونصف القيمة للسيد، وعلى الثاني: القصاص في الطرف، أو نصف الدية، وإن كان قبل الاندمال، فعلى الأول القصاص في النفس دون الطرف، فإن اقتصوا، سقط حق السيد. وإن عفوا على مال، فلهم الدية لا غير، وللسيد أقل الأمرين من نصف القيمة، أو أرش المقطوع، وعلى الثاني: القصاص في الطرف، أو نصف الدية؛ لأن الذبح، قطع سرايتها، فصارت كالمندملة. فإن كان قاطع اليد الأخرى، هو قاطع الأولى، ولم يقتل، فلا قصاص في اليد الأولى لما ذكرنا. ويجب في الثانية إن وقف القطع. وإن سرى القطعان، فلا قصاص في النفس؛ لأن أحد الجرحين موجب، والآخر غير موجب، ولكن له القصاص من اليد الثانية، فإن عفا عنه على مال، وجب عليه مثل ما يجب على القاطعين في المسألة الأولى، للسيد منه نصف القيمة على قول أبي بكر، وأقل الأمرين من نصف القيمة، أو نصف الدية على قول ابن حامد، وإن اقتص منه في اليد الثانية، فعليه في اليد الأولى نصف القيمة، أو نصف الدية على اختلاف الوجهين، وإن قطع يد عبد فأعتق، ثم قطع آخر يده الأخرى، ثم قطع آخر رجله، فمات من الجراحات، فلا قصاص على الأول؛ لعدم التكافؤ حال الجناية، وعلى الآخرين القصاص في النفس في ظاهر المذهب، بناء على شريك الأب، فإن عفا على

стр. 1189

مال، فالدية عليهم أثلاثًا، وفيما يستحقه السيد وجهان: أحدهما: أقل الأمرين من نصف قيمته، أو ثلث ديته؛ لأنه بالقطع استحق النصف، فإذا صارت نفسًا، صار الواجب ثلث الدية، فله أقلهما، وعلى الآخر له أقل الأمرين من ثلث الدية، أو ثلث القيمة، اعتبارًا للجناية بما آلت إليه. فصل: وإذا جنى على عبد في رأسه، أو وجهه من دون الموضحة، فزاد أرشها على الموضحة، ففيه وجهان: أحدهما: يرد إلى أرش الموضحة، كالجناية على الحر. واحتمل أن يجب ما نقص من قيمته بالغًا ما بلغ، لأن ذلك الأصل في ضمان العبيد، خولف فيما قدر الشرع أرشه، ففيما عداه يرد إلى الأصل. فصل: ودية الجنين الحر المسلم: غرة عبد أو أمة، قيمتها خمس من الإبل، وهو: نصف عشر الدية؛ لما «روي عن عمر ﵁ أنه استشار الناس في إملاص المرأة، فقال المغيرة بن شعبة: شهدت رسول الله ﷺ ، قضى فيه بغرة: عبد أو أمة، وهو: نصف عشر الدية. قال: لتأتين بمن يشهد معك، فشهد له محمد بن مسلمة» متفق عليه. وروي عن عمر، وزيد ﵄: أنهما قالا في الغرة: قيمتها خمس من الإبل، ولأنه أقل ما قد في الشرع في الجنايات، وهو دية السن والموضحة، ولا يقبل في الغرة معيبة، وإن قل العيب، ولا خصي وإن كثرت قيمته؛ لأنه عيب، ولا قيمة الغرة مع وجودها، كما لا يجبر على قبول ما ليس بأصل في الدية فيها، فإن أعوزت، وجبت قيمتها من أحد الأصول في الدية، وسواء كان الجنين ذكرًا أو أنثى؛ لأن الخبر مطلق، ولأن المرأة تساوي الذكر فيما دون الثلث. فصل: وإنما يجب ضمانه إذا علم تلفه بالجناية، ولو ضرب بطنًا منتفخًا، أو فيه حركة فزالت، ولم يسقط لم يجب شيء؛ لأنه يحتمل أن ذلك ريح ذهبت، وإن قتل حاملًا، فلم تسقط، لم يضمن جنينها؛ لعدم التيقن لحملها، وإن ضرب بطن امرأة، فألقت يدًا،

стр. 1190

أو رجلًا، أو غيرها من أجزاء الآدمي، وجبت الغرة؛ لأننا تيقنا أنه جنين. والظاهر تلفه بالجناية، فأشبه ما لو ألقته، وإن ألقت رأسين، أو أربعة أيد، لم يجب أكثر من غرة؛ لأن ذلك يحتمل أن يكون من واحد، فلا يجب الزائد بالشك. وإن ألقت جنينين، فعليه غرتان؛ لأن في كل جنين غرة، فأشبه ما لو كانا من امرأتين. فصل: وإن ألقت جنينًا حيًا، ثم مات من الضربة. وكان سقوطه لوقت يعيش مثله، ففيه دية كاملة، لما ذكرنا من حديث عمر في التي أجهضت جنينها فزعًا منه، ولأننا تيقنا حياته، وعلمنا موته بالجناية، فأشبه غير الجنين، وإن سقط لوقت لا يعيش مثله، ففيه الغرة؛ لأنه لم يعلم منه حياة يتصور بقاؤه بها، فالواجب فيه غرة، كالذي ألقته ميتًا. فصل: وإنما يجب ضمانه إذا علم أنه سقط بالضربة ومات بها، بأن تلقيه عقيب الضرب، أو تبقى متألمة إلى أن تلقيه، ويموت عقيب وضعه، أو يبقى متألمًا إلى أن يموت، فإن بقي مدة سالمًا لا ألم به ثم مات، لم يضمنه الضارب؛ لأن الغالب أنه لم يمت من الضربة، وإن ألقته حيًا فيه حياة مستقرة، فقتله غير الضارب فضمانه عليه؛ لأنه القاتل. وإن كانت حركته حركة المذبوح، فالقاتل هو الأول، وعليه كمال ديته. فصل : وإن كان الجنين كافرًا، فألقته ميتًا، ففيه غرة، قيمتها عشر دية أمه، فإن كان أحد أبويه كتابيًا، والآخر مجوسيًا، ففيه عشر دية كتابية؛ لأن الضمان إذا وجد في أحد أبويه ما يوجب، وفي الآخر ما يسقط غلب الإيجاب، بدليل ما لو قتل المحرم صيدًا متولدًا من مأكول وغيره. وإن ضرب بطن كتابية حاملًا من كتابي فأسلمت، ثم ألقته، ففيه غرة قيمتها: خمس من الإبل على قول ابن حامد؛ لأن الضمان معتبر بحالة الاستقرار. وعلى قياس قول أبي بكر: قيمتها عشر دية كتابية، اعتبارًا بحال الجناية، وما وجب في الجنين الحر ورثه ورثته؛ لأنه بدل حر، فورث عنه كدية غيره. فصل: وإن ألقت مضغة لا صورة فيها، لم يجب ضمانها؛ لأنه لا يعلم أنها جنين، وإن شهد ثقات من القوابل: أن فيها صورة خفية، ففيها غرة؛ لأنه جنين، وإن شهدن أنه مبتدأ خلق آدمي، لو بقي تصور، ففيه وجهان: أحدهما: فيه الغرة؛ لأنه بدء خلق آدمي، أشبه المصور.

стр. 1191

والثاني: لا شيء فيه؛ لأنه غير متصور، أشبه العلقة. فصل: إذا شربت الحامل دواء، فأسقطت جنينًا، فعليها غرة لا ترث منها شيئًا؛ لأن القاتل لا يرث، وتعتق رقبة. فصل: وإن ضرب بطن مملوكة، فألقت جنينًا ميتًا، ففيه عشر قيمة أمه؛ لأنه جنين آدمية، فوجب فيه عشر دية أمة، كجنين الحرة، ولأنه جزء منها متصل بها، فقدر بدله من ديتها، كسائر أعضائها، وتعتبر قيمتها يوم الجناية كموضحتها، وإن ضرب بطنها وهي أمة، فأعتقت ثم ألقت، فعلى قول ابن حامد: فيه غرة اعتبارًا بحالة الاستقرار، وعلى قول أبي بكر: فيه عشر قيمة أمه؛ لأن الجناية على عبد، وفي جنين المعتق نصفها: نصف غرة، ونصف عشر قيمة أمه؛ لأن نصفه حر ونصفه عبد، ويستوي الذكر والأنثى؛ لأنه جنين مات بالجناية في بطن أمه، فلم يختلف بالذكورية والأنوثية، كجنين الحرة. فصل: إذا غر بحرية أمة فوطئها، فحملت منه، ثم ضربها ضارب، فألقت جنينًا، ففيه غرة؛ لأنه حر، وريثها ورثته كذلك، وعلى الواطئ عشر قيمة أمه لسيدها؛ لأنه لولا اعتقاده الحرية، لوجب لسيدها عشر قيمتها على الضارب، فقد حال بين سيدها وبين ذلك، فألزمناه إياه، سواء كان بقدر الغرة، أو أقل أو أكثر. ولو ضرب السيد بطن أمته، ثم أعتقها، فأسقطت جنينًا، ففي قياس قول أبي بكر: لا ضمان على الضارب؛ لأنه جنى على مملوكه، وعلى قياس قول ابن حامد عليه غرة؛ لأنه حر حين استقرار الجناية. [باب ديات الجروح] وهي نوعان: شجاج وغيرها. فالشجاج: جروح الرأس والوجه خاصة، وهي عشر: أولها: الحارصة: وهي التي تشق الجلد قليلًا، ثم البازلة: وهي الدامية التي يخرج منها دم يسير، ثم الباضعة: وهي التي تشق اللحم بعد الجلد، ثم المتلاحمة: وهي التي تنزل في اللحم، ثم السمحاق: وهي التي تشق اللحم كله حتى ينتهي إلى قشرة رقيقة بين العظم واللحم، تسمى السمحاق، فسميت الشجة بها، فهذه الخمس لا توقيت فيها، وعنه: في الدامية بعير، والباضعة بعيران. وفي المتلاحمة ثلاثة، وفي

стр. 1192

السمحاق أربعة؛ لأن هذا يروى عن زيد بن ثابت ورواه سعيد، عن علي، وزيد في السمحاق. والأول: ظاهر المذهب؛ لأنها جروح لم يرد الشرع فيها بتوقيت، فكان الواجب فيها الحكومة، كجروح البدن، قال مكحول: «قضى رسول الله ﷺ في الموضحة، بخمس من الإبل، ولم يقض فيما دونها» ، ثم الموضحة: وهي التي تنتهي إلى العظم، فتبدي وضحه أي بياضه، ثم الهاشمة التي تهشم العظم بعد إيضاحه، ثم المنقلة، وهي التي تنقل العظم من مكان إلى غيره، ثم المأمومة وتسمى الأمة، وهي التي تصل إلى أم الدماغ، وهي جلدة رقيقة تحيط به، ثم الدامغة، وهي التي تنتهي إلى الدماغ. فهذه الخمس فيها مقدر، ففي الموضحة خمس من الإبل، لما ذكرنا، ولما روى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ أنه قال: «في المواضح خمسٌ خمس» رواه أبو داود. وسواء في ذلك الكبيرة والصغيرة، وموضحة الرأس والوجه، وعنه: في موضحة الوجه عشر من الإبل؛ لأن شينها أكثر، ولا تسترها العمامة، والأول: المذهب للخبر، ولأننا سوينا الصغرى والكبرى مع اختلاف شينهما، كذا هاهنا. وإن أوضحه موضحتين بينهما حاجز، ففيهما عشر، فإن أزال الحاجز بينهما بفعله، أو ذهب بالسراية، ففيهما أرش موضحة؛ لأنهما صارا موضحة واحدة بفعله أو سرايته، وسراية الفعل كالفعل، وإن أزال الحاجز بعد اندمالهما، فهي ثلاث مواضح؛ لأن استقر أرش الأوليين باندمالهما، وإن أزال الحاجز أجنبي، فعليه أرش موضحة، وعلى الأول أرش موضحتين. سواء أزاله قبل اندمالهما أو بعده؛ لأن فعل أحدهما لا ينبني على الآخر، فصار كل واحد كالمنفرد بجنايته، وإن أزاله المجني عليه، فعلى الأول أرش موضحتين كذلك، وإن أوضحه موضحتين، وحرق ما بينهما في الظاهر دون الباطن، فهما موضحتان، لأن ما بينهما ليس بموضحة، وإن حرق ما بينهما في الباطن دون الظاهر، فكذلك في أحد الوجهين، وفي الثاني: هما موضحة واحدة، لا تصالهما في الباطن، وإن أوضحه في رأسه، ونزل إلى وجهه، ففيه وجهان: أحدهما: فيها أرش موضحتين؛ لأنها في عضوين. والثاني: هي موضحة واحدة؛ لأن الجميع إيضاح لا حاجز فيه، أشبه ما كان في عضو واحد، وإن أوضحه في هامته، فنزل إلى قفاه، ففيه أرش موضحة، وحكومة لجرح القفا؛ لأنه ليس بمحل للموضحة، فانفرد الجرح فيه بالضمان. ولو شق جميع رأسه سمحاقًا إلا موضعًا منه أوضحه، لم يلزمه إلا دية موضحة؛ لأنه لو أوضح الجميع لم يجب إلا دية موضحة، فهاهنا أولى، وإن أوضحه في جميع رأسه ورأس الشاج قدر

стр. 1193

ثلاثة أرباع رأس المشجوج، فاقتص منه، فله ربع أرش الموضحة؛ لأن الباقي بعد القصاص ربعها، فوجب ربع أرشها، وقال أبو بكر: لا يجب مع القصاص شيء؛ لئلا يجمع بين قصاص ودية في جرح واحد، وفي الهاشمة عشر من الإبل؛ لما روي عن زيد بن ثابت أنه قال: في الهاشمة عشر من الإبل، وإن هشمه هاشمتين بينهما حاجز، ففيهما دية هاشمتين، وسائر فروعها على ما ذكرنا في الموضحة، وإن ضربه بمثقل فهشم العظم من غير إيضاح، ففيه وجهان: أحدهما: فيه حكومة؛ لأنه كسر عظم من غير إيضاح، أشبه كسر عظم الساق. والثاني: فيه خمس من الإبل؛ لأنه لو أوضحه وهشمه وجب عشر، ولو أوضحه ولم يهشمه، وجب خمس؛ فدل على أن الخمس الأخرى وجبت في الهشم، فيجب ذلك فيه، وإن انفرد على الإيضاح، وفي المنقلة خمسة عشر من الإبل، وفي المأمومة ثلث الدية؛ لما روي عن عمرو بن حزم: أن رسول الله ﷺ كتب إلى أهل اليمن: «في الموضحة خمس من الإبل، وفي المأمومة ثلث الدية» رواه النسائي. فأما الدامغة، ففيها ما في المأمومة؛ لأن الزيادة لم يرد الشرع بإيجاب شيء فيها. وقيل: يجب للزيادة حكومة مع أرش المأمومة، لتعديه بخرق جلدة الدماغ، وإن أوضحه رجل ثم هشمه آخر، ثم جعلها آخر منقلة، ثم جعلها الرابع مأمومة، فعلى الأول أرش موضحة، وعلى الثاني خمس تمام أرش الهاشمة، وعلى الثالث خمس تمام أرش المنقلة، وعلى الرابع ثماني عشر وثلث تمام أرش المأمومة. فصل: النوع الثاني: غير الشجاج، وهي جروح سائر البدن، وذلك قسمان: أحدهما: الجائفة، وهي الجراحة الواصلة إلى الجوف من بطن، أو ظهر، أو ورك، أو صدر، أو ثغرة نحر، فيجب فيها ثلث الدية؛ لما روى عمرو بن حزم: أن رسول الله ﷺ كتب إلى أهل اليمن: «في الجائفة ثلث الدية» رواه النسائي. والكبيرة والصغيرة سواء، لما ذكرنا في الموضحة، وإن أجافه جائفتين بينهما حاجز، أو طعنه في جوفه، فخرج من جانب آخر، أو من ظهره، فهما جائفتان؛ لما روى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن عمر قضى في الجائفة إذا نفذت في الجوف، فهي جائفتان، ولأنهما جراحتان نافذتان إلى الجوف، فوجب فيهما أرش الجائفتين كالواصلتين من خارج، وإن أجافه رجل، ووسع آخر الجائفة، فعلى كل واحد منهما أرش جائفة؛ لأن فعل الثاني لو انفرد كان جائفة، وإن وسعها في الظاهر دون الباطن، أو في الباطن دون الظاهر، فعليه

стр. 1194

حكومة، لأن جنايته لم تبلغ الجائفة، وإن أجافه، ونزل بالسكين إلى الفخذ، فعليه دية جائفة، وحكومة لجرح الفخذ؛ لأنه في غير محل الجائفة؛ فأشبه ما لو أوضحه، ومد السكين إلى القفا، وإن خزق شدقه، فليس بجائفة؛ لأن حكم الفم حكم الظاهر، فإن طعنه في وجنته، فكسر العظم، ووصل إلى فيه، فليس بجائفة كذلك، وعليه دية هاشمة، لكسر العظم، وفيما زاد حكومة. وإن خاط الجائفة، ففتقها آخر قبل التحامها عزر، وعليه ضمان ما أتلف من الخيوط، وأجرة الخياط. ولا يلزمه دية الجائفة؛ لأنه لم يجفه، وإن كانت قد التحمت، فعليه دية جائفة؛ لأنها بالالتحام عادت إلى ما كانت، وإن التحم بعضها دون بعض، ففتق ما التحم، فعليه دية جائفة كذلك. وقال القاضي: ليس عليه إلا حكومة، فإن أدخل خشبة في دبر إنسان، ففتح جلده في الباطن، ففيه وجهان بناء على من وسع الموضحة في الباطن وحده، فإن وطئ مكرهة، أو امرأة بشبهة، أو زوجته الصغيرة ففتقها، وهو أن يجعل مسلك البول والمني واحدًا، فعليه ثلث الدية؛ لما روي عن عمر ﵁ أنه قضى في الإفضاء بثلث الدية، ولأنها جناية تجرح جلدة تفضي إلى جوف، أشبه الجائفة، وإن وطئ زوجته التي يوطأ مثلها، ففتقها لم يلزمه شيء؛ لأنه من أثر فعل مباح، أشبه أرش البكارة، وإن زنى بامرأة مطاوعة، فلا شيء عليه؛ لأنه فعل مأذون فيه، فلم يلزمه أرش لذلك، كما لو أذنت في قطع عضوها. فصل والقسم الثاني: غير الجائفة مثل إن أوضح عظمًا، أو هشمه أو نقله، فلا يجب سوى الحكومة؛ لأنه لا تقدير فيها، ولا يمكن قياسها على المقدر، لعدم المشاركة في الشين والخوف عليها منها، وإن لطم إنسانًا في وجهه أو غيره فلم يؤثر، فلا أرش عليه، وإن سود وجهه أو خضره، وجبت عليه دية كاملة؛ لأنه أذهب الجمال على الكمال، فلزمته دية كما لو قطع أنفه. وإن سود غيره من الأعضاء أو خضره، ففيه حكومة، وكذلك إن حمر وجهه أو صفره، أو سود بعضه، ففيه حكومة؛ لأنه لم يذهب بالجمال على الكمال. وإن صعره وهو أن يصير وجهه في جانب، ففيه الدية؛ لما روى مكحول، عن زيد بن ثابت أنه قال: في الصعر الدية، ولأنه أذهب الجمال والمنفعة، فوجبت عليه الدية، كإذهاب البصر، وإن لم يبلغ الصعر، لكن يشق عليه الالتفات، أو ابتلاع الماء، فعليه حكومة كذلك؛ لأنه لم يذهب بالمنفعة كلها، فأشبه ما لو قلل بصره. فصل ومعنى الحكومة أن يقوم المجني عليه، كأنه عبد لا جناية به، ثم يقوم وهي به قد

стр. 1195

برأت، فما نقص من القيمة، فله بقسطه من الدية، كأن قيمته وهو عبد لا جناية به مائة، وقيمته بعد الجناية تسعة وتسعون، فيجب فيه عُشر عشر ديته؛ لأن الجناية نقصته عشر عُشر قيمته؛ لأنه لما عدم النص في أرشه، وجب المصير فيه إلى الاجتهاد بما ذكرنا، كالصيد الحرمي، إذا لم يوجد نص في مثله، رجع فيه إلى ذوي عدل، ليعرف مثله، ولا يقبل التقويم إلا من عدلين من أهل الخبرة بقيم العبيد، كما في تقويم سائر المتلفات، ويجب بقدر ما نقص من الدية؛ لأنه مضمون بها، كما يجب أرش المعيب من الثمن، لكونه مضمونًا به، وإذا نقصته الجناية عشر قيمته، وجب عشر ديته، إلا أن تكون الجناية في رأس، أو وجه فتزيد الجراح بالحكومة على أرش موضحة، أو على عضو، فتزيد على ديته، فإن يرد إلى أرش الموضحة ودية العضو، وينقص عنه بقدر ما يؤدي إليها اجتهاد الحاكم؛ لأنه لا يجوز أن يجب فيما دون الموضحة ما يجب فيها؛ لأن من جرح الموضحة، فقد أتى على ما دونها، وزاد عليه، وكذلك لا يجوز أن يجب في جراح الإصبع فوق ديتها. فصل: وإن لم يحصل بالجناية نقص في جمال ولا نفع، مثل قطع إصبع زائدة، أو قلع سن زائدة، أو لحية امرأة، فاندمل الموضع من غير نقص، أو زاده جمالًا وقيمة، ففيه وجهان: أحدهما: لا يجب شيء؛ لأنه لم يحصل بفعله نقص، فلم يجب شيء، كما لو لكمه فلم يؤثر. والثاني: يجب ضمانه؛ لأنه جزء من مضمون، فوجب ضمانه كغيره، فعلى هذا يقومه في أقرب أحواله إلى الاندمال؛ لأنه لما سقط اعتباره بعد اندماله، قوم في أقرب أحواله إليه كولد المغرور يقوم في أول حال يمكن فيها التقويم بعد العلوق، وهي عند الوضع، فإن لم ينقص في تلك الحال، قوم حين جريان الدم، وإن قلع سنًا زائدة، قوم وليس خلفها سن أصلية، وإن قلع لحية امرأة، قومت كرجل لا لحية له، ثم يقوم وله لحية، ويجب ما بينهما. فصل: وإن جنى عليه جناية لها أرش، ثم ذبحه قبل اندمال الجرح، دخل أرش الجرح في دية النفس؛ لأنه مات بفعله قبل استقرار الجناية، أشبه ما لو مات من سراية الجرح.
следующие страницы →