← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 21731

الكافي في فقه الإمام أحمد

ابن قدامة

Полный текст (1 486 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

فصل: ومن حلف بالقرآن، فحنث، فقياس المذهب أن عليه كفارة واحدة؛ لأن الحلف بصفات الله تعالى وتكرر اليمين بها، لا يوجب أكثر من كفارة واحدة، فهذا أولى. والمنصوص عنه أن عليه بكل آية كفارة؛ لأن ابن مسعود قال ذلك. قال أحمد: ما أعلم شيئاً يدفعه. ويحتمل أن ذلك ندب غير واجب؛ لأنه قال: عليه بكل آية كفارة يمين، فإن لم يمكنه، فعليه كفارة يمين. ورده إلى كفارة واحدة عند العجز، دليل على أن الزائد عليها غير واجب؛ إذ لو وجب، لم يسقط بالعجز، كالواحدة. [باب جامع الأيمان] ومبنى الأيمان على النية، فمتى نوى بيمينه ما يحتمله، تعلقت يمينه بما نواه، دون ما لفظ به، سواء نوى ظاهر اللفظ أو مجازه، مثل أن ينوي موضوع اللفظ، أو الخاص بالعام، أو العام بالخاص، أو غير ذلك؛ لأن النبي ﷺ قال: «وإنما لكل امرئ ما نوى» فتدخل فيه الأيمان؛ ولأن كلام الشارع يصرف إلى ما دل الدليل على أنه أراده دون ظاهر اللفظ، فكلام المتكلم مع اطلاعه على تعين إرادته أولى. فلو حلف ليأكلن لحماً أو فاكهة، أو ليشربن ماء، أو ليكلمن رجلاً، أو ليدخلن داراً، أو لا يفعل ذلك، وأراد بيمينه معيناً، تعلقت يمينه به دون غيره، وإن نوى الفعل أو الترك في وقت بعينه، اختص بما نواه. وإن حلف لا يشرب له الماء من العطش، يريد قطع منته، تناولت يمينه كل ما يمتن به؛ لأن ذلك للتنبيه على ما هو أعلى منه، كقول الله تعالى: ﴿وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلا﴾ [النساء: ٧٧] . يريد: ولا تظلمون شيئاً. وقال الشاعر: ولا يظلمون الناس حبة خردل وإن حلف: لا يلبس شيئاً من غزلها، يريد قطع منتها، فباعه وانتفع بثمنه، حنث، ولا يتعدى الحكم إلى كل ما فيه منة؛ لأن لكونه من غزلها أثراً في داعية اليمين، فلم يجز حذفه. وإن حلف: لا يأوي معها في دار، ينوي جفاءها، ولم يكن للدار أثر في القصد، فأوى معها في غيرها، حنث، ولا يحنث بصلتها بغير الإيواء؛ لأن له أثراً فلا يحذف. وإن قال: إن رأيتك تدخلين الدار، فأنت طالق، يقصد منعها الدخول بالكلية، حنث بدخولها وإن لم يرها، وإن لم يرد ذلك، لم يحنث حتى يراها تدخل اتباعاً للفظه. وإن حلف: ليقضينه حقه في غد، يريد ألا يتجاوزه بالقضاء، فقضاه قبله، لم

стр. 1367

يحنث. وإن حلف: لا يبيع ثوبه بمائة. يريد ألا ينقصه، فباعه بأقل، حنث. وإن حلف: لا يتزوج، حنث بالعقد الصحيح. وإن حلف: ليتزوجن، بر بذلك، إلا أن يقصد بيمينه غيظ زوجته، أو يكون سبب يمينه يقتضي ذلك، فلا يبر إلا بتزويج يغيظها. فإن واطأها على التزوج والطلاق قبل الدخول، ليحل يمينه، أو يتزوج من لا يغيظها تزوجها، لم يبر. وقال أصحابنا فيمن حلف: ليتزوجن على امرأته، لا يبر حتى يتزوج نظيرتها، ويدخل بها، والصحيح أن هذا لا يعتبر؛ لأن غيظها يحصل بدونه. فصل: وإن تأول الظالم في يمينه، لم ينفعه تأويله، لما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «يمينك على ما يصدقك به صاحبك» . رواه مسلم وأبو داود؛ ولأنه لو ساغ له التأويل لبطل المعنى المبتغى باليمين، وهو تعريف الحالف ليرتدع عن جحوده، خوفاً من عاقبة اليمين الكاذبة. وإن كان مظلوماً، فله تأويله، نص عليه أحمد في رجل له امرأتان، اسم كل واحدة فاطمة، فماتت إحداهما: فحلف بطلاق فاطمة ينوي الميتة، إن كان المستحلف ظالماً، فالنية نية صاحب الطلاق، وإن كان الحالف ظالماً، فالنية نية الذي أحلفه، لما روى أبو داود بإسناده عن سويد بن حنظلة قال: «خرجنا نريد رسول الله ﷺ ومعنا وائل بن حجر، فأخذه عدو له، فتحرج القوم أن يحلفوا فحلفت: أنه أخي، فخلى سبيله، فأتينا رسول الله ﷺ ، فذكرنا ذلك له، فقال: أنت كنت أبرهم وأصدقهم، المسلم أخو المسلم» ؛ ولأنه نوى بكلامه ما يحتمله على وجه لا يبطل حق أحد، فجاز كما لو عنى به الظاهر. وإن لم يكن ظالماً، ولا مظلوماً، فظاهر كلام أحمد: أن له تأويله كذلك، ولقول النبي ﷺ : «إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب» . وكان النبي ﷺ يمزح ولا يقول إلا حقاً. وقال لرجل: «إنا حاملوك على ابن ناقة. فقال الرجل: ما أصنع بولد الناقة؟ فقال: وهل تلد الإبل إلا النوق» . رواه أبو داود. وقال بعض أهل العلم: الكلام أوسع من أن يكذب ظريف، يعني: التأويل. فصل: ومن لم تكن له نية، وكان ليمينه سبب هيجها، يقتضي معنى أعم من اللفظ، مثل من امتنت عليه زوجته، فحلف لا يشرب لها الماء من العطش، أو لا يلبس ثوباً من

стр. 1368

غزلها، أو حلف: لا يأوي معها في دار، لسبب يقتضي جفاءها، فحكمه حكم القاصد كذلك؛ لأن السبب دليل على النية والقصد، فقام مقامه. وإن كان اللفظ أعم من السبب، كرجل امتنت عليه زوجته ببيتها، فحلف لا يسكن بيتاً، أو دعاه إنسان إلى غداء، فحلف لا يتغدى، ففيه وجهان: أحدهما: يحمل اللفظ على عمومه؛ لأن كلام الشارع إذا ورد على سبب خاص، حمل على عمومه، ولم يختص محل سببه، فكذلك اليمين. والثاني: يختص بمحل السبب؛ لأن قرينة حاله دالة على إرادة الخاص، أشبه ما لو نواه؛ ولأننا أقمنا السبب مقام النية في التعميم، فكذلك في التخصيص. ولو حلف على شيء لسبب فزال، مثل من حلف لا يدخل بلداً، لظلم فيه، فزال، ثم دخله، فقال القاضي: يحنث. وذكر أن أحمد نص عليه. وإن حلف على زوجته أو عبده: ألا يخرجها إلا بإذنه، فخرجا عن ملكه، فقال القاضي: تنحل يمينه؛ لأن قرينة الحال تقتضي تخصيصهما بحالة الملك، فأشبه ما لو صرح به، فيخرج في هذه المسألة، وفي التي قبلها وجهان، قياساً لكل واحدة منهما على صاحبتها. وإن حلف لعامل: لا يخرج إلا بإذنه، فعزل، أو حلف: لا يرى منكراً إلا رفعه إلى القاضي فلان، فعزل، وأشباه هذا، ففيه وجهان كذلك. فإن قلنا: لا تنحل اليمين بعزله، فرفعه إليه بعد عزله، بر. وإن قلنا: تنحل بذلك، فرأى منكراً في ولايته وأمكنه رفعه إليه، فلم يرفعه إليه حتى عزل، ثم رفعه إليه، لم يبر. فصل: فإن عدم ذلك، تعلقت يمينه بما عينه، فمتى حلف لا أكلت هذا الرطب، أو هذا العنب، فصار دبساً، أو خلاً، أو ناطفاً، أو: لا أكلت هذا الحمل، فصار كبشاً، أو: لا أكلت هذا البر، فصار دقيقاً أو خبزاً أو هريسة، أو ما تولد من المحلوف عليه، فأكل منه، حنث، وإن حلف: لا كلمت هذا الصبي، فصار شيخاً، فكلمه، أو: لا دخلت هذه الدار، فصارت فضاء، أو مسجداً، أو حماماً، فدخلها، أو: لا لبست هذا الرداء، فلبسه قميصاً، أو سراويل، أو اعتم به، أو: لا ركبت هذه السفينة، فنقضت، ثم أعيدت وركبها، أو: لا كلمت زوجة فلان هذه، ولا عبده هذا، أو: لا دخلت داره هذه، أو: لا كلمت بكراً عند زيد، ولا هنداً زوجته، أو: لا كلمت زيداً سيد بكر، أو زوج هند، أو زيداً صديق سعد، فزال ملكه عنهن، وفعل ما حلف عليه، حنث؛ لأن عين المحلوف عليه باقية، فحنث به، كما لو حلف: لا أكلت هذا الكبش، فذبحه، وأكل من لحمه، ويحتمل أن لا يحنث في هذا كله. وإن استحالت العين، مثل أن حلف على

стр. 1369

هذا البر، فصار زرعاً، أو بيضة، فصارت فرخاً، أو على خمر، فصار خلاً، لم يحنث؛ لأن الأعيان استحالت، فزال حكم اليمين، ومتى كانت نية الحالف على شيء مقيد بصفة، تقيدت يمينه بذلك. ومتى حلف: لا يدخل دار فلان، ولا يكلم عبده ولا زوجته، ولا يركب دابته، وقصد معيناً، تعلقت اليمين بعينه، سواء بقي لفلان، أو انتفل عنه، ولا تتناول يمينه غير تلك الدار والعبد والدابة والزوجة؛ لأنه تعين بنيته. وإن لم يعين حنث بكلام كل عبد وزوجة له، ودخول كل دار مضافة إليه بملك أو إجارة أو سكنى؛ لأن الدار تضاف إلى ساكنها. قال الله تعالى: ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] . يريد: بيوت أزواجهن التي تسكنها. ولا يحنث بكلام عبد زال عنه ملك فلان، ولا دار. ولو حلف: لا يدخل دار عبد فلان، ولا يركب دابته، ولا يلبس ثوبه، فركب، أو لبس، أو سكن، أو ركب ما جعل برسمه، حنث، لما ذكرنا؛ ولأن إضافة الملكية هنا غير متحققة، فتعين صرفها إلى غير الملكية. فصل: وإن عدم التعيين، تعلقت يمينه بما تناوله الاسم، والأسماء ثلاثة أقسام: أحدها: الأسماء العرفية، وهي أسماء اشتهر في العرف استعمالها في غير موضوعها، وهي أربعة أنواع: أحدها: ما صارت الحقيقة فيه مغمورة، لا يعرفها أكثر الناس، كالراوية: للمزادة، وحقيقتها: البعير الذي يسقى عليه. والغائط والعذرة: للفضلة المستقذرة. وحقيقة الغائط: المكان المطمئن. والعذرة: فناء الدار. فهذا تنصرف اليمين عليه إلى الاسم العرفي دون الحقيقي؛ لأنه يعلم أنه لا يريد غيره، فصار كالمصرح به، ولو حلف: لا يأكل شواء، اختصت يمينه اللحم المشوي، دون المشوي من البيض وغيره، لاختصاص الشوي باللحم المشوي، دون غيره. وإن حلف على الدابة، لم تتناول يمينه آدمياً، ولا ما لا يسمى دابة في العرف، وإن حلف: لا استظل بسقف، لم تتناول يمينه السماء، وإن كان الله تعالى قد قال: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ [الأنبياء: ٣٢] . ولو حلف على السراج، لم يتناول الشمس، لعدم تسميتها عرفاً. وإن اختلف أهل بلدين في تسمية عين، انصرفت يمين الحالف إلى تسمية أهل بلده؛ لأنه لا يريد غيره، فأشبه ما لو اختلفت اللغات. النوع الثاني: ما يزيل الاسم عن الحقيقي، مثل اسم اللحم، يتناول في الحقيقة

стр. 1370

لحم السمك. قال الله تعالى: ﴿لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ [النحل: ١٤] ولا يفهم ذلك عند إطلاق الاسم، فذكر الخرقي أنه إذا حلف: لا يأكل لحماً، فأكل من لحم السمك، حنث لأن الله تعالى سماه لحماً؛ ولأنه لحم حيوان، فأشبه لحم الطير. وقال ابن أبي موسى: لا يدخل إلا أن ينويه؛ لأنه لا يطلق عليه اسم اللحم، أشبه الجراد؛ ولأن الظاهر أن الحالف لم يرده بيمينه، فأشبه النوع الذي قبله. وإن حلف: لا يدخل بيتاً، فنص أحمد على أن يمينه تتناول المسجد والحمام؛ لأن الله سمى المساجد بيوتاً، فقال سبحانه: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور: ٣٦] . وفي الأثر: «بئس البيت الحمام» . وإذا كان بيتاً في الحقيقة، ويسميه الشارع، حنث بدخوله كغيره، ويحتمل ألا يحنث؛ لأنه لا يسمى في العرف بيتاً، أشبه النوع الأول. ويدخل في يمينه بيت الشعر والمدر؛ لأنه بيت حقيقة وعرفاً، ولا تدخل فيه الخيمة؛ لأنها لا تسمى بيتاً، ولا يدخل الدهليز، ولا الصفة، ولا صحن الدار كذلك. وإن حلف على الريحان، فقال القاضي. تختص يمينه الريحان الفارسي؛ لأنه المسمى عرفاً. وقال أبو الخطاب. تتناول كل نبت أو زهر طيب الريح، كالورد، والبنفسج، والنرجس، والمرزنجوش، ونحوه؛ لأنه يتناول اسم الريحان حقيقة. ولو حلف: لا يشم ورداً، ولا بنفسجاً، حنث بشمهما، رطبين كانا أو يابسين. فإن شم دهنهما، لم يحنث عند القاضي؛ لأنه لم يشمهما، ويحنث عند أبي الخطاب؛ لأن الشم إنما هو للرائحة، وريحهما في دهنهما. وإن حلف: لا يشتريهما، فاشترى دهنهما، لم يحنث وجهاً واحداً. النوع الثالث: ما يتناوله الاسم حقيقة وعرفاً، لكن أضاف إليه فعلاً لم تجر العادة بإضافته إلا إلى بعضه، ففيه وجهان: أحدهما: يتناول الاسم جميع المسمى، لعموم الاسم فيه. والثاني: يختص بما جرت العادة بإضافة الفعل إليه؛ لأن هذا قرينة دالة على اختصاصه بالإرادة، فأشبه ما لو خصه بنيته. فإذا حلف: لا يأكل رأساً، فقال القاضي: يحنث بأكل رأس كل حيوان من النعم، والطير، والصيد، والحيتان، والجراد، لعموم الاسم فيه حقيقة وعرفاً، فأشبه ما لو حلف: لا يشرب ماء، فإنه يحنث بشرب الماء الملح، والماء النجس. ومن حلف: لا يأكل خبزاً، حنث بأكل خبز الذرة والدخن، وإن لم تجر عادة أهل بلد الحالف بأكله. ولو حلف: لا يأكل لحماً، تناول يمينه لكل اللحم المحرم. وقال أبو الخطاب: لا يحنث بأكل رأس لم تجر العادة بأكله منفرداً لأنه

стр. 1371

لا ينصرف إليه اللفظ عرفاً فلم يحنث بأكله، كما لو حلف: لا يأكل شواء، فأكل بيضاً مشوياً، وإن حلف: لا يأكل بيضاً، فعند القاضي: يحنث بأكل بيض كل حيوان، وعند أبي الخطاب: لا يحنث بأكل بيض لا يزايل بائضه في حياته، كبيض السمك والجراد. النوع الرابع: أسماء يقصد بها في الغالب معنى، فإذا أطلقها في اليمين، تعلقت يمينه بما يحصل ذلك المعنى. فإذا حلف: لا يضربه، فخنقه، أو نتف شعره، أو عصر ساقه، حنث؛ لأنه يقصد ترك تأليمه. وإن حلف ليضربنه، بر بفعل ذلك؛ لأنه يحصل مقصوده، ويسمى ضرباً. وإن ضربه بعد موته، لم يبر؛ لأنه لا يحصل مقصوده، وإن حلف: لا وطئت مدينة كذا راكباً، حنث؛ لأن ذلك يراد به اجتنابها. فصل: القسم الثاني: الأسماء الشرعية، وهي التي لها موضوع شرعي، كالوضوء، والطهارة، والصلاة، والصوم، والزكاة، والحج، والبيع. فتعلق اليمين بالموضوع الشرعي؛ لأنه الظاهر. وتعلق اليمين بالصحيح منه دون الفاسد؛ لأنه المشروع. وقال ابن أبي موسى: من حلف لا يتزوج، لم يحنث إلا بتزويج صحيح. ومن حلف لا يشتري، فاشترى شراء فاسداً، ففيه روايتان. وإن تزوج تزويجاً مختلفاً فيه، أو اشترى شراء مختلفاً فيه، حنث؛ لأنه يطلق عليه الاسم. وقال أبو الخطاب: إن باع وقت النداء، أو تزوج بغير ولي، ففيه وجهان. وإن حلف: لا يبيع خمراً ولا حراً، حنث بفعل ذلك؛ لأنه يتعذر حمل يمينه على عقد صحيح، فيتعين الفاسد محملاً لها، ويحتمل أن لا يحنث؛ لأنه ليس ببيع في الشرع. وإن حلف: ليصلين وليصومن، فأقل ذلك صوم يوم، وصلاة ركعتين، كما لو نذر ذلك، وإن حلف: لا يصلي، ولا يصوم، فكذلك عند أبي الخطاب؛ لأن ما دونه لا يبر به، فلا يحنث بفعله، كغيره من الأفعال. وقال القاضي: يحنث بابتدائهما؛ لأنه يسمى مصلياً، وصائماً. ويحتمل أن يخرج هذا على الروايتين فيمن حلف لا يفعل شيئاً، ففعل بعضه. وإن حلف: لا يبيع، لم يحنث، حتى ينعقد البيع بالإيجاب والقبول. وإن حلف: لا يهبه. أو لا يعيره، فأوجب ذلك، فلم يقبل الآخر، حنث؛ لأن المقصود من الهبة فعل الواهب، لعدم العوض فيها، بخلاف البيع. فإن مقصود البائع لا يتم إلا بالقبول. وإن حلف: لا يتصدق عليه، فوهبه، لم يحنث؛ لأن الصدقة تختص بوصف زائد، بدليل قول النبي ﷺ : «هو عليها صدقة ولنا هدية» .

стр. 1372

وإن حلف: لا يهبه، فتصدق عليه تطوعاً، لم يحنث عند أبي الخطاب كذلك. وقال القاضي: يحنث؛ لأنه تبرع بعين في حياته، أشبه ما لو أهدى إليه، والصدقة نوع من الهبة فتتناولها يمين الحالف على الهبة، ولم تدخل الهبة في يمين الحالف على الصدقة، ولا يحنث بالصدقة الواجبة، وجهاً واحداً؛ لأنه ليس بتبرع. وإن أهدى إليه، أو أعمره، حنث؛ لأنه هبة. وإن وصى له، لم يحنث؛ لأن الملك إنما يثبت بعد انحلال اليمين بالموت. وإن أعاره، لم يحنث؛ لأنها لا تسمى هبة؛ ولأن الهبة تمليك الأعيان. وقال أبو الخطاب: يحنث؛ لأنها هبة المنافع. وإن حاباه في البيع لم يحنث، لما ذكرنا في العارية. وقال أبو الخطاب: فيه وجه آخر؛ أنه يحنث؛ لأنه تبرع عليه. وإن وقف عليه، ابتنى على ملك الموقوف عليه. وإن قلنا: يملك، حنث. وإلا، فلا. وقال أبو الخطاب. يحنث؛ لأنه تبرع عليه، ويحتمل أن لا يحنث بحال؛ لأنه لا يسمى هبة. فصل: القسم الثالث: ما له موضوع لغوي، لم يغلب استعماله في غيره، فتتناوله يمينه، مثل أن يحلف: لا يأكل لبناً، فيحنث بأكل ما يسمى لبناً، حليباً كان أو مخيضاً، مائعاً أو جامداً. ولا يحنث بأكل الخبز، والزبد والسمن والأقط والكشك؛ لأنه لا يسمى لبناً. وإن حلف على الزبد، لم تتناول يمينه سمناً ولا لبناً لم يظهر زبده. فإن ظهر زبده تناولته يمينه، وإن حلف على السمن، لم تتناول يمينه زبداً ولا لبناً، ويحنث بأكل ما حلف عليه مفرداً، وفي طبيخ يظهر طعمه فيه؛ لأنه أكل المحلوف عليه وغيره، وإن لم يظهر طعمه في الطبيخ لم يحنث بأكله؛ لأنه زال اسمه وطعمه، فلم يحنث بأكله، كالكشك. وإن حلف لا يأكل حنطة، فأكلها خبزاً، أو طبيخاً، حنث؛ لأن الحنطة لا تؤكل حباً عادة، فانصرفت يمينه إلى أكلها في جميع أحوالها، وإن أكل شعيراً فيه حبات حنطة، ففيه وجهان: أحدهما: يحنث؛ لأنه أكل حنطة، فأشبه ما لو حلف لا يأكل رطباً، فأكل منصفاً. والثاني: لا يحنث؛ لأنها مستهلكة في الشعير، أشبه السمن في الخبيص. فصل: وإن حلف لا يأكل فاكهة، تناولت يمينه كل ثمرة مأكولة تخرج من الشجر، كالعنب، والزبيب، والرطب، والتمر، والجوز، واللوز؛ لأنه يسمى فاكهة، ولا تتناول

стр. 1373

القثاء، والخيار، والباذنجان؛ لأنها من الخضر. وفي البطيخ وجهان: أحدهما: فاكهة؛ لأنه ينضج ويحلو، أشبه العنب. والثاني: ليس بفاكهة؛ لأنه ثمر بقلة، أشبه القثاء. فصل: والإدام: ما يؤكل مع الخبز عادة، سواء كان مما يصطبغ به، كالمرق، واللبن، والدهن والخل، أو مما لا يصطبغ به، كالشواء، والجبن، والزيتون؛ لأن النبي ﷺ قال: «نعم الإدام الخل» وقال: «اللحم سيد الإدام في الدنيا والآخرة» . فنص على هذين. وقسنا عليهما سائر ما ذكرنا؛ لأنه يؤتدم به عادة. وفي التمر وجهان: أحدهما: هو إدام، لما روى يوسف بن عبد الله بن سلام قال: «رأيت النبي ﷺ وضع تمرة على كسرة وقال: هذه إدام هذه» . رواه أبو داود. والثاني: أنه ليس بأدم؛ لأنه فاكهة أشبه الزبيب. وأما الطعام، فهو: اسم لكل مأكول، ومشروب على سبيل الاختيار. قال الله تعالى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ [آل عمران: ٩٣] . وقال النبي ﷺ : «إنما تحرز لهم ضروع مواشيهم أطعمتهم» . والحلال والحرام سواء في اليمين. وفي الماء والدواء وجهان: أحدهما: هو طعام، لقول الله تعالى في النهر: ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [البقرة: ٢٤٩] ؛ ولأنه مشروب، والدواء مأكول ومشروب، أشبه العسل. والثاني: ليس بطعام؛ لأنه لا يطلق عليه اسمه، والدواء إنما يؤكل عند الضرورة. وأما القوت: فما تبقى به البنية، كالخبز، والتمر، والزبيب، واللحم واللبن؛ لأن كل واحد من هذه يقتاته أهل بلد، ويحتمل ألا يدخل في يمينه ما لا يقتاته أهل بلده؛ لأن يمينه تنصرف إلى المتعارف عندهم. فصل: ومن حلف على اللحم، تناولت يمينه لحم الأنعام والصيد والطير والسباع،

стр. 1374

وكل ما يسمى لحماً، ولا تتناول يمينه الشحم، والألية، والمخ، والدماغ، والكبد، والطحال، والقلب، والرئة، والكلية، والكرش، والمصران، والقانصة، والكارع؛ لأنه ليس بلحم. ولا ينفرد عنه باسمه وصفته، فأشبه الجلد، وفي اللسان وجهان: أحدهما: يدخل؛ لأنه لحم حقيقة. والثاني: لا يدخل؛ لأنه ينفرد باسمه وصفته، أشبه القلب. وفي لحم الرأس وجهان: أحدهما: لا يدخل في يمينه. أومأ إليه أحمد فيمن حلف لا يشتري لحماً، فاشترى رأساً، أو كارعاً، لا يحنث إلا أن ينوي؛ لأن اسم اللحم، لا ينصرف عند الإطلاق إليه. والثاني: يحنث؛ لأنه لحم، وفي المرق وجهان: أحدهما: لا تتناوله يمينه؛ لأنه لا يسمى لحماً. والثاني: تتناوله يمينه. اختاره القاضي؛ لأن خاصية اللحم فيه، ولا تخلو من أجزائه. وفي اللحم الأبيض الذي على الظهر والجنب، وفي تضاعيف اللحم الأحمر، وجهان: أحدهما: هو لحم. وهذا قول القاضي، وأبي الخطاب؛ لأنه يسمى لحماً، ويسمى بائعه لحاماً، ولا يفرد عن اللحم. والثاني: هو شحم، هذا ظاهر قول الخرقي. واختيار طلحة العاقولي؛ لأنه يشبه الشحم في لونه وذوبه، ولا يسمى لحماً بمفرده، فعلى هذا يكون هذا، والألية، وشحم البطن، شحم تتناوله يمين الحالف على الشحم. وعلى قول القاضي: الشحم: اسم لشحم البطن خاصة، لا يتناوله غيره. ومن حلف لا يأكل شحماً، فأكل لحماً أحمر وحده، لم يحنث؛ لأنه لا يسمى شحماً، ولا يظهر فيه شحم. وقال الخرقي: يحنث؛ لأنه لا يخلو من شحم. فصل: ومن حلف على العنب، لم تتناول يمينه حصرماً، ولا زبيباً، ولا ما يتولد من العنب. ومن حلف على الزبيب، لم تتناول يمينه عنباً. ومن حلف لا يأكل رطباً، فأكل منصفاً، وهو الذي أرطب نصفه، أو أكل القدر الذي أرطب منه، حنث؛ لأنه أكل رطباً. وإن أكل القدر الذي لم يرطب، لم يحنث ومن حلف لا يكلم شيخاً، ولا عبداً، ولا يشتري جدياً، ولا يأكل لحماً طرياً، ولا رطباً جنياً، لم يحنث بغير الموصوف بتلك الصفة؛ لأن يمينه لم تتناول غيره.

стр. 1375

فصل: ومن حلف على الحلي، تناولت يمينه الخواتيم، والأسورة، والخلاخيل وكل ما يسمى حلياً، وتتناول اللؤلؤ والجواهر في المخنقة، لقول الله تعالى: ﴿وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ [النحل: ١٤] . ولا تتناول العقيق، والسبج؛ لأنه ليس بحلي، أشبه الودع والخرز. ولا تتناول السيف المحلى؛ لأن السيف ليس بحلية. والحلية إنما هي للسيف، وفي المنطقة المحلاة وجهان: أحدهما: هي كالسيف. والثاني: تتناولها اليمين؛ لأنها من حلي الرجال. وإن لبس الخاتم في أي أصابعه كان، حنث؛ لأنه قد لبسه، فأشبه لبسه في الخنصر. فصل: والحين عند إطلاقه: اسم لستة أشهر؛ لأن ذلك يروى عن ابن عباس ﵄ وقال عكرمة، وسعيد بن جبير، وأبو عبيد في قول الله تعالى: ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ﴾ [إبراهيم: ٢٥] . هو ستة أشهر، فيحمل مطلق كلام الآدمي على المطلق من كلام الله سبحانه. والحقب: ثمانون عاماً. قاله ابن عباس في تفسير قول الله تعالى: ﴿لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ [النبأ: ٢٣] . وإن حلف لا يكلمه وقتاً، أو دهراً، أو ملياً، أو طويلاً، أو قريباً، تناول أقل الزمان؛ لأن الاسم تناوله، وكذلك إذا حلف لا يكلمه زمناً، عند أبي الخطاب؛ لأنه في معنى وقت. وقال ابن أبي موسى: هو ثلاثة أشهر، وقال العاقولي: هو كالحين. والأول أصح. وقوله: عمراً، كقوله: وقتاً، عند أبي الخطاب، وعند العاقولي، هو كالحين، ويحتمل أن يحمل على أربعين عاماً، لقول الله تعالى: ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ﴾ [يونس: ١٦] . ويعني: مدة النبي ﷺ قبل بعثه، وكان أربعين عاماً. وإن حلف لا يكلمه الدهر، أو الأبد، أو الزمان، تناول الدهر؛ لأن الألف واللام تستغرق الجميع. وإن

стр. 1376

حلف على أشهر، أو أيام، فهي ثلاثة؛ لأنها أقل الجمع. وإن حلف على شهور، فكذلك عند أبي الخطاب؛ لأنها جمع. وقال غيره: هي اثنا عشر، لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾ [التوبة: ٣٦] ولأن هذا جمع كثرة، فلا يحمل على ما يحمل عليه جمع القلة. وإن حلف لا يأوي معه بيتاً. فدخلا بيتاً، حنث وإن قل لبثهما، لقول الله تعالى: ﴿إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ﴾ [الكهف: ٦٣] . قال أحمد: ما كان ذلك إلا ساعة. فصل: وإن حلف لا يدخل داراً، فدخلها مختاراً، حنث، راكباً كان أو ماشياً، أو محمولاً، أو على مأمن بابها، أو من ثقب فيها، أو من فوق جدارها؛ لأنه قد دخلها. وإن رقى على سطحها، حنث؛ لأنها منها. وكذلك يصح الاعتكاف في سطح المسجد، ويمنع الجنب اللبث فيه، إلا أن تكون بينة أو قرينة حالة تقتضي إخراج السطح من اليمين. وإن قال: على حائطها، أو عتبة بابها، ففيه وجهان: أحدهما: يحنث؛ لأنه دخل في حدها. والثاني: لا يحنث؛ لأنه لا يسمى داخلاً. وإن تعلق على غصن شجرة منها حتى صار بين حيطانها، حنث. وإن صار مقابلاً لها، احتمل وجهين. وإن حلف لا يدخل من بابها، فحول بابها، ودخل من الثاني، حنث؛ لأنه بابها. وإن حلف لا يضع قدمه فيها، أو لا يطأها، فدخلها راكباً، أو حافياً، أو منتعلاً، حنث لأن معناه، أن لا يدخلها. فصل: وإن حلف على دار ليخرجن منها، اقتضت يمينه الخروج بنفسه، وأهله، وإن حلف ليخرجن من هذه البلد، اقتضت يمينه الخروج بنفسه؛ لأن الدار يخرج منها صاحبها كل يوم عادة. وظاهر حاله، إرادة خروج غير المعتاد، بخلاف البلد. وهل يحنث بالعود إليها؟ فيه روايتان: إحداهما: يحنث؛ لأن ظاهر حاله قصد هجرانها، ولا يحصل ذلك مع العود. والثانية: لا يحنث؛ لأن يمينه على الخروج وقد فعله، ولذلك لو حلف لا يخرج منها، حنث بمجرد الخروج. وحمل اليمين على المقصد مع عدمه وعدم سبب يقتضيه، لا يصح.

стр. 1377

فصل: وإن حلف على زوجته، أن لا تخرج إلا بإذنه، أو بغير إذنه، أو إلى أن يأذن لها، أو إلا أن يأذن لها، أو حتى يأذن لها، فخرجت بغير إذنه، حنث وانحلت يمينه. وإن خرجت بإذنه، لم يحنث، ولم تنحل يمينه؛ لأنها فعلت غير المحلوف عليه، فأشبه ما لو فعلت غير الخروج. وإن أذن لها، ثم نهاها، فخرجت، حنث؛ لأن إذنه زال، فأشبه من لم يأذن وإن أذن لها من حيث لا تعلم، فخرجت، ففيه وجهان: أحدهما: يحنث؛ لأن الإذن الإعلام، ولم يتحقق، قال الله تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٣] أي إعلام. وآذنتكم. أي: أعلمتكم. والثاني: لا يحنث؛ لأنه قد أذن، وكذلك ينعزل الوكيل بعزله قبل علمه. وإن حلف ألا تخرجي إلا بإذن زيد، فمات زيد، ثم خرجت، حنث؛ لأنها خرجت قبل إذنه، وإن حلف ألا تخرج إلى غير الحمام، فخرجت إلى الحمام وغيره، حنث؛ لأنها خرجت إلى غيره. وإن قال: إن خرجت إلا إلى الحمام، فأنت طالق، فخرجت إليه وإلى غيره، لم تطلق؛ لأنها خرجت إليه. وإن خرجت إلى الحمام، ثم عدلت إلى غيره، ففيه وجهان: أحدهما: لا يحنث؛ لأنها لم تخرج إلى غيره. والثاني: يحنث؛ لأن قصده في الظاهر صيانتها من غيره ولم يحصل ذلك. فصل: ومن حلف: لا يسكن داراً هو ساكنها، وأقام فيها زمناً يمكنه الخروج، حنث، إلا أن تكون إقامته لنقل متاعه، فلا يحنث، ويكون نقله على ما جرت به العادة قليلاً. وإن خرج بنفسه دون أهله وماله، مع إمكان نقلهم، حنث؛ لأنه يقال: فلان ساكن الدار، مع كونه خارجاً منها، إلا أن يريد بخروجه السكنى منفرداً في غيرها، فلا يحنث، فإن أقام في الدار لإكراه، أو خوف، أو ليل، أو لأنه يحول بينه وبين الخروج أبواب مغلقة، أو لعدم ما ينقل عليه متاعه، أو منزلاً ينتقل إليه، أياماً وليالي في طلب النقلة، لم يحنث؛ لأن إقامته لدفع الضرر، وانتظار السكنى. وإن أقام غير ناو للنقلة، حنث. ولو وهب رحله، أو أعاره، أو أودعه وخرج بنفسه لا يريد العود، لم يحنث، وإن تردد إلى الدار لنقل متاعه، أو عيادة مريض، لم يحنث؛ لأنه ليس بسكنى. وإن امتنعت زوجته من الخروج معه، فخرج وتركها، لم يحنث.

стр. 1378

فصل: وإن حلف لا يساكن فلاناً، فاستدام المساكنة، حنث. وإن سكنا في دارين متجاورتين، لم يحنث إلا أن ينوي، أو يكون سبب يمينه، يقتضي ذلك. وإن سكنا في دار واحدة، حنث، سواء سكنا بيتين، أو أحدهما بيتاً والآخر صفة. وإن كانا متساكنين، فأقاما حتى بنيا بينهما حاجزاً، وقسماها دارين، حنث، فإن خرجا منها، أو أحدهما، وقسماها دارين ثم سكناها، لم يحنث. فصل: وإن حلف لا يأكل شيئاً، فشربه، أو لا يشربه، فأكله، فقال الخرقي. يحنث؛ لأن هذه اليمين يقصد بها اجتناب الشيء، بدليل قَوْله تَعَالَى: ﴿تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٢] . يتناول اجتنابها، ونهي الطبيب المريض عن أكل شيء يمنع تناوله، فحملت اليمين عليه، ونقل منها عن أحمد: لا يحنث؛ لأن الأفعال أنواع، كالأعيان. فالحالف على نوع، لا يحنث بفعل آخر، كالأعيان. قال القاضي: إنما الروايتان فيما إذا عين المحلوف عليه. فإن لم يعين، لم يحنث رواية واحدة. فأما إن حلف لا يطعمه، أولا يذوقه، تناول الأمرين. فإن حلف لا يأكله، ولا يشربه، فذاقه، لم يحنث. وإن حلف لا يأكل سكراً، فتركه في فمه حتى ذاب فبلعه، خرج على الروايتين. وإن حلف لا يشرب، فمص قصب السكر، لم يحنث. نص عليه. وكذلك إن حلف لا يأكله. قاله ابن أبي موسى. ويجيء على قول الخرقي أنه يحنث. والأكلة بالفتح: المرة من الأكل. والأكلة: اللقمة. فصل: وإن حلف لا يكلمه، ثم وصل بيمينه كلاماً، مثل أن يقول: فتحقق ذلك، أو: فاذهب، أو: فاسمع، حنث ثم؛ لأنه كلمة بعد يمينه. إلا أن ينوي أن لا يكلمه كلاماً منفصلاً، ويحتمل أن لا يحنث وإن أطلق؛ لأن إتيانه بكلام متصل يدل على قصده الكلام المنفصل. وإن كلم إنساناً ليسمع المحلوف عليه، حنث، نص عليه؛ لأن ذلك تكليم له في المعنى. قال الشاعر: إياك أعني فاسمعي يا جارة وإن ناداه بحيث يسمع، فلم يسمع، حنث. نص عليه؛ لأنه أراد تكليمه بما لفظ به. وإن زجره، فقال: تنح، أو اسكت. أو سمعه يتكلم، فقال: على الكاذب لعنة الله، حنث؛ لأنه كلمه. وإن سلم عليه، أو على جماعة هو فيهم يقصده معهم،

стр. 1379

حنث؛ لأنه كلمه. وإن قصدهم دونه، لم يحنث؛ لأن اللفظ العام يصح استعماله في الخصوص. وإن أطلق، حنث؛ لأن العام يحمل على عمومه ما لم يخصه مخصص. ويحتمل أن لا يحنث؛ لأنه يصلح للبعض، فلا يحنث بالاحتمال. وإن كاتبه، أو راسله، ففيه روايتان: إحداهما: يحنث، لقول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولا﴾ [الشورى: ٥١] . فاستثنى ذلك من التكليم؛ ولأن ظاهر حاله قصد هجرانه، فتحمل يمينه عليه. والثانية: لا يحنث؛ لأنه ليس بتكليم، ولهذا صح نفيه، إلا أن ينويه، أو يكون سبب يمينه يقتضي مقاطعته وجفاءه. وفي الإشارة وجهان. بناء على الرسالة. فإن ناداه وهو غائب، أو ميت، أو أصم، أو مغمى عليه، لم يحنث؛ لأنه ليس بتكليم له. وقال أبو بكر: يحنث بتكليم الميت؛ لأن النبي ﷺ كلمهم. والأول أصح؛ لأنه قد بطلت حواسه، وذهبت نفسه، وتكليم رسول الله ﷺ لهم من خصائصه، فلا يقاس عليه. وإن حلف لا يتكلم، فقرأ، أو سبح، لم يحنث، لقول الله سبحانه: ﴿قَالَ آيَتُكَ أَلا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ﴾ [آل عمران: ٤١] . وقال النبي ﷺ : «إن الله قد أحدث أن لا تكلموا في الصلاة» . متفق عليه. فإن حلف على ترك كلامه أياماً متتابعة، دخلت الليالي التي بين الأيام في يمينه؛ لأن الله تعالى: جعل آية زكريا ترك الكلام في الأيام، فدخلت الليالي فيه. فصل: فإن حلف على غريمه: لا افترقنا حتى أستوفي حقي منك، فهرب منه، حنث؛ لأن يمينه تقتضي ألا يحصل بينهما فرقة وقد حصلت. وإن حلف: لا فارقتك، فهرب منه، لم يحنث؛ لأن اليمين على فعل نفسه، ولم توجد المفارقة إلا من غريمه. وعنه: يحنث، كما ذكرنا في التي قبلها، وإن فارقه الغريم بإذنه، أو قدر على منعه من الهرب فلم يفعل، حنث؛ لأن معنى يمينه لألزمنك ولم يلزمه اختياراً، وإن أحاله ففارقه، حنث؛ لأنه فارقه قبل استيفاء حقه. فإن ظن أنه قد بر خرج على الروايتين في الجاهل. وإن قضاه عن حقه من غير جنسه، ففارقه، فقال ابن حامد: لا يحنث؛ لأنه وصل إلى حقه من غريمه. وقال القاضي: إن كان لفظه: لا فارقتك ولي قبلك حق، لم يحنث؛ لأنه لم يبق له قبله حق. وإن قال: حتى أستوفي حقي منك، حنث؛ لأن يمينه على نفس

стр. 1380

الحق، فإن فلسه الحاكم، وألزمه فراقه، فهو كالمكره وإن لم يلزمه فراقه، ففارقه، حنث؛ لأنه فارقه اختياراً، وإن أبرأه، ثم فارقه وكان لفظه: لا فارقتك ولي قبلك حق، لم يحنث. وإن قال: حتى أستوفي حقي منك، حنث. والفراق: ما عده الناس فراقاً، كالفرقة في البيع، وغيره. فصل: ومن حلف ليضربنه عشرة أسواط، فجمعها، وضربه بها ضربة واحدة، لم يبر؛ لأن السوط أقيم مقام المصدر، تقديره: عشر ضربات بسوط، ولذلك لم يلزمه الضرب بعشرة أسواط، ولا يبر إلا بضرب يؤلم؛ لأن هذا في العرف يقصد به التأليم، فانصرفت اليمين إليه، كما لو صرح به. فإن مات المحلوف عليه قبل ضربه، أو حلف ليشربن ماء، فتبدد، أو مات الحالف بعد إمكان الفعل، حنث؛ لأنه فاته المحلوف عليه بعد الإمكان، فحنث كما لو حلف ليحجن العام ففاته الحج، وإن تلف المحلوف عليه قبل الإمكان، حنث لما ذكرنا. ويتخرج ألا يحنث؛ لأنه عجز بغير فعله. أشبه المكره. وإن حلف ليضربنه في غد. فمات العبد اليوم، ففيه الوجهان. وإن مات الحالف اليوم، فلا حنث عليه؛ لأنه لم يفته فعله في وقته إلا بعد خروجه عن أهلية التكليف. وإن ضربه اليوم لم يبر. وقال القاضي: يبر كما لو حلف ليقضينه حقه غداً، فقضاه اليوم. والأول أصح؛ لأنه لم يفعل المحلوف في وقته، أشبه ما لو حلف ليصومن يوم الخميس، فصام الأربعاء. ويفارق قضاء الحق؛ لأنه يراد به ألا يتجاوز الوقت. وإن لم يبين وقت الضرب ولم ينوه، لم يحنث حتى يموت أحدهما؛ لأنه لا يفوته المحلوف عليه إلا به، بدليل قَوْله تَعَالَى: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ [سبأ: ٣] . وهو حق وصدق ولم يأت بعد. فصل: إذا حلف ليفعلن شيئاً، لم يبر إلا بفعل جميعه. وإن حلف لا يفعله، ففعل بعضه. ففيه روايتان: إحداهما: لا يحنث؛ لأنه لا يبر بفعل البعض، فلا يحنث بفعله، كما لو نوى الجميع. والثانية: يحنث؛ لأن اليمين على الترك تقتضي المنع من فعله، فاقتضت المنع من فعل البعض، كالنهي، واليمين على الفعل يقتضي فعل الكل، كالأمر، وإذا حلف لا يأكل رغيفاً، فأكل بعضه، أو لا يكلم زيداً وعمراً، فكلم أحدهما، أو لا يدخل داراً،

стр. 1381

فأدخل بعض جسده، ففيه الروايتان. وإن حلف لا يلبس ثوباً اشتراه زيد، أو نسجه، أو خاطه، أو من غزل امرأته، أو لا يدخل داره، فلبس ثوباً اشتراه زيد وبكر، أو خاطاه، أو نسجاه، أو فيه من غزل امرأته، أو دخل داراً لهما، ففيه وجهان بناء على الروايتين، وإن حلف لا يأكل طعاماً اشتراه زيد، فأكل طعاماً اشترياه، حنث؛ لأن زيداً اشترى نصفه وقد أكله، بخلاف الثوب الذي اشتراه، فإن الاسم لجميعه، ونصفه ليس بثوب، ونصف الطعام طعام. ولو حلف لا يلبس ثوباً من غزل امرأته، فلبس ثوباً فيه من غزلها، حنث؛ لأنه لبس من غزلها. ولو اشترى زيد طعاماً فخلطه بطعام آخر، فأكل الحالف أكثر مما اشتراه الآخر، حنث؛ لأنه أكل مما اشتراه زيد. وإن أكل بقدره، أو دونه، ففيه وجهان: أحدهما: يحنث؛ لأنه يستحيل في العادة انفراد ما اشتراه أحدهما مما اشتراه الآخر، فيحنث ظاهراً. والأخر: لا يحنث؛ لأنه يحتمل أن يكون المأكول مما اشتراه غيره، فلا يحنث بالشك. وإن اشترى زيد نصفه مشاعاً، واشترى الآخر باقيه، فأكل منه، حنث؛ لأن كل جزء فيه من شراء زيد. وإن أكل طعاماً اشتراه زيد لغيره، حنث؛ لأنه فعل المحلوف عليه. وإن اشتراه زيد، ثم باع نصفه، فأكل منه، حنث أيضاً. ومن نوى بيمينه الجميع، أو البعض، أو لفظ به، أو دلت القرينة عليه، تقيدت يمينه بذلك وجهاً واحداً. فلو قال: والله لا أكلت هذا الطعام كله، أو: لا صمت هذا الشهر جميعه، أو نوى ذلك بقلبه، لم يحنث إلا بفعل الجميع. وإن حلف لا شربت ماء هذا النهر، ولا أكلت التمر، ولا كلمت الرجال، حنث بفعل البعض رواية واحدة؛ لأن فعل الجميع ممتنع بغير يمينه. ولو حلف ليفعلن ذلك، بر بفعل بعضه. وإذا حلف لا يشرب ماء النهر، فغرف منه بإناء، وشرب أو كرع فيه، حنث؛ لأنه شرب منه. وإن شرب من نهر يأخذ منه، ففيه احتمالان: أحدهما: يحنث؛ لأنه منه، أشبه ما في الإناء. والثاني: أنه إن زال عنه الاسم، لم يحنث؛ لأنه زال اسمه، فأشبه من حلف لا يأكل رطباً، فأكل تمراً. فصل: وإن حلف لا يفعل شيئين، ففعل أحدهما، ففيه الروايتان. ويحتمل أن يفرق بين اليمين بالله تعالى، والطلاق؛ لأن اليمين بالطلاق تعليق على شرط، وما علق على شرط لا يوجد قبل تمامه، وما علق على شرطين لا يوجد عند أحدهما، ولهذا إذا قال لزوجتيه: إذا حضتما فأنتما طالقتان، فحاضت إحداهما، لم تطلق واحدة منهما. ولو

стр. 1382

قال: إن كلمتك ودخلت دارك فأنت طالق، أو إن كلمتك، فدخلت دارك، أو ثم دخلت دارك، لم يحنث بفعل أحدهما وجهاً واحداً. فصل: ومن حلف لا يفعل شيئاً، فوكل من يفعله حنث؛ لأن الفعل يطلق على الموكل فيه والآمر به، فيحنث به، كما لو حلف لا يحلق رأسه فأمر من حلقه. [باب النذر] وهو أن يقول: لله علي أن أفعل كذا، أو: إن رزقني الله مالاً، لأتصدقن أو: فعلي صوم شهر، لقول الله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [التوبة: ٧٥] ﴿فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ﴾ [التوبة: ٧٦] وقال ابن عمر في الرجل يقول: علي المشي إلى الكعبة: هذا نذر، فليمش. وهو سبعة أقسام: أحدها: نذر اللجاج، والغضب، وهو الذي يخرج مخرج اليمين للمنع من شيء، أو الحث عليه، كقوله: إن دخلت الدار، فلله علي الحج، أو صوم سنة، أو عتق عبدي، أو صدقة مالي، فهذا يمين يخير الناذر بين فعله وبين كفارة يمين، لما روى عمران بن حصين قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا نذر في معصية، وكفارته كفارة يمين» رواه سعيد في سننه، وعن أحمد أنه تتعين الكفارة، ولا يجزئه غيرها، للخبر، والأول ظاهر المذهب؛ لأنه يمين، فيخير فيها بين الأمرين، كاليمين بالله تعالى؛ ولأن هذا جمع الصفتين، فيخرج عن العهد بكل واحد منهما. وإن قال: إن فعلت كذا، فعبدي حر، ففعله، عتق العبد؛ لأن العتق يصح تعليقه بالشرط، فأشبه الطلاق. فصل: القسم الثاني: النذر المبهم، أن يقول: لله علي نذر، فيجب كفارة اليمين، لما روى عقبة بن عامر، أن رسول الله ﷺ قال: «كفارة النذر - إذا لم يسم - كفارة يمين» . قال الترمذي: هذا حديث صحيح. فصل: القسم الثالث: نذر المباح، كنذر لبس ثوبه، وأكل طعامه، وطلاق زوجته، فيتخير

стр. 1383

بين الوفاء به وكفارة اليمين، لقول رسول الله ﷺ : «لا نذر إلا فيما ابتغي به وجه الله» رواه أبو داود. فإن لم يف، فعليه كفارة، لما روت عائشة أن رسول الله ﷺ قال: «لا نذر في معصية، وكفارته كفارة يمين» . رواه أبو داود. وإذا وجبت الكفارة في المعصية، ففي المباح أولى. وإن وفى به أجزأه، لما روي «أن امرأة قالت: يا رسول الله إني نذرت أن أضرب على رأسك بالدف، فقال رسو الله ﷺ : أوفي بنذرك» رواه سعيد. ويتخرج أنه لا كفارة فيه؛ لأنه لو نذر الاعتكاف أو الصلاة في موضع بعينه، جاز له الاعتكاف في غيره، ولا كفارة عليه. وقد روى ابن عباس قال: «بينا النبي ﷺ يخطب إذا هو برجل قائم، فسأل عنه، فقالوا: أبو إسرائيل نذر أن يقوم في الشمس، ولا يستظل، ولا يتكلم ويصوم، فقال النبي ﷺ : مروه فليجلس، وليستظل، وليتكلم، وليتم صومه» رواه البخاري. ولم يأمره بكفارة. فإن جمع بين مباح ومندوب، لزمه الوفاء بالمشروع، وحكمه في المباح كما لو انفرد، ولحديث أبي إسرائيل. وإن تضمن خصالاً كثيرة، أجزأته كفارة واحدة، كاليمين. وإن نذر مكروهاً، كره له الوفاء به، وإن وفى به أجزأه. فصل: القسم الرابع: نذر المعصية، كنذر شرب الخمر، وقتل النفس المحرمة، وظلم الناس، فلا يحل الوفاء به. ويوجب كفارة يمين، لحديث عائشة، ولما روى عمران بن حصين قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «النذر نذران، فما كان من نذر في طاعة الله، فذلك لله وفيه الوفاء، وما كان من نذر في معصية الله، فلا وفاء فيه، ويكفره ما يكفر اليمين» رواه الجوزجاني؛ ولأن النذر كاليمين، واليمين على المعصية توجب الكفارة، فكذلك النذر. وعن أحمد ما يدل على أنه لا كفارة فيه، لحديث أبي إسرائيل ولقول النبي ﷺ :

стр. 1384

«ليس على الرجل نذر فيما لا يملك» متفق عليه. وفي لفظ: «لا نذر في معصية الله ولا فيما لا يملك العبد» رواه مسلم؛ ولأنه نذر غير منعقد، فلم يوجب شيئاً، كيمين اللغو. وسواء كان النذر مطلقاً، أو معلقاً بشرط. وإن نذر ذبح ولده، ففيه روايتان: إحداهما: لا يوجب كفارة؛ لأنه نذر معصية، فأشبه نذر قتل أخيه. والثانية: عليه ذبح كبش؛ لأن الله تعالى أمر إبراهيم ﵇ بذبح ولده، فخرج عن عهدة الأمر بذبح كبش، فكذا نذر الآدمي يخرج عن عهدته بكبش؛ لأنه يقتضي الإكرام، كالأمر. فإذا ذبحه، فرقه على المساكين؛ لأن ما وجب كفارة، فرق على المساكين، كسائر الكفارات. وإن نذرت المرأة صوم يوم حيضها أو نفاسها، أو صوم يوم العيد، فهو نذر معصية موجبة كفارة، كشرب الخمر. وإن نذرت صوم يوم الخميس، فصادف حيضها أو يوم العيد، لم تصمه، وعليها القضاء؛ لأنها إنما قصدت الطاعة في محل يحتمل الطاعة، وهل تلزمها الكفارة مع القضاء؟ فيه وجهان: أحدهما: يلزمها لإخلالها بالمنذور في وقته، فأشبه ما لو حلفت على ذلك. والثاني: لا كفارة عليها؛ لأن المنذور محمول على المشروع. ولو أفطرت في رمضان لحيض، أو لمرض لم يلزمها إلا القضاء، فكذا هاهنا، ويتخرج أن لا يلزمها إلا الكفارة، كالتي قبلها، وإن نذر فعل طاعة على صفة محرمة، أو مكروهة، كنذر المرأة الحج حاسرة، وجب فعل الطاعة. وفي الكفارة لترك المعصية والمكروه وجهان: أحدهما: يجب، لما روى عقبة بن عامر قال: «نذرت أختي أن تمشي إلى بيت الله حافية غير مختمرة. فذكر ذلك عقبة لرسول الله فقال: مر أختك فلتركب، ولتختمر، ولتصم ثلاثة أيام» رواه الترمذي. والثاني: لا كفارة عليه، لما ذكرناه. وإن نذر أن يطوف على أربع، فقياس المذهب، أن يطوف طوافاً واحداً. وفي الكفارة وجهان. والمنصوص عن أحمد: أنه يطوف طوافين، لما روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال ذلك. وروي أيضاً عن النبي ﷺ ، أخرجه الدارقطني في سننه.

стр. 1385

فصل: القسم الخامس: نذر الواجب كنذر صوم رمضان وصلاة الفرض، فقال أصحابنا: لا يوجب شيئاً لأنه التزام للازم، فلم يصح لاستحالته، كنذر المحال. وقياس المذهب أن ينعقد موجباً للكفارة إن تركه، كنذر المباح؛ لأن النذر كاليمين. فصل: وإن نذر صوم يوم يقدم فلان، فصادف رمضان، فحكمه حكم ما لو صادف يوم العيد. وقال الخرقي: يجزئه صيامه لرمضان ونذره؛ لأنه قد فعل الصيام. فصل: القسم السادس: نذر المستحيل، كصوم أمس، فلا ينعقد؛ لأنه لا يتصور انعقاده والوفاء به، فأشبه اليمين على المستحيل. ويحتمل أن يوجب الكفارة، كيمين الغموس. فصل: القسم السابع: نذر الطاعة تبرراً، فيلزم الوفاء به، سواء نذره مطلقاً، مثل أن يقول: لله علي صوم يوم. أو علقه على شرط، مثل أن يقول: إن شفاني الله من مرضي فلله علي صدقة درهم، فإذا وجد شرطه لزمه ما نذر. سواء كان للمنذور أصل في الوجوب، كالصلاة، والصوم، أو لم يكن له أصل في الوجوب، كالاعتكاف، لما روت عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «من نذر أن يطيع الله، فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله، فلا يعصه» رواه البخاري. وإن نذر الصدقة بجميع ماله، أجزأته الصدقة بثلثه، لما روى كعب بن مالك قال: «قلت: يا رسول الله، إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله ورسوله، فقال رسول الله ﷺ : يجزئك الثلث» رواه أبو داود. وفي لفظ: «أمسك عليك مالك» متفق عليه؛ ولأن الصدقة بجميع المال مكروهة، بدليل أن النبي ﷺ ، نهى عنها كعباً، وأبا لبابة، ولا ينهى عن القرب. فإن نذر الصدقة بمعين، وكان المعين يستغرق ماله، فهي كالتي قبلها. وإن كان بعض ماله، ففيه روايتان: إحداهما: تجزئه الصدقة بثلث؛ لأنه مال نذر الصدقة به، فأشبه جميع المال.

стр. 1386

والثانية: تلزمه الصدقة بجميعه، لحديث عائشة ﵂، والقياس على سائر المنذورات، ويحتمل أنه إن كان الثلث فما دونه، لزمه. وإن كان أكثر، أخرج ثلث المال؛ لأنه حكم اعتبر فيه ثلث المال، فكان حكمه ما ذكرنا، كالوصية. فصل: ومن نذر صياماً، ولم يسم عدداً، ولم ينوه، لزمه صوم يوم؛ لأنه أقل صوم يصح في الشرع. وإن نذر صلاة، ففيه روايتان: إحداهما: يجزئه ركعة؛ لأن الوتر ركعة مشروعة. والثانية: لا يجزئه إلا ركعتان؛ لأن الركعة لا تجزئ في الفرض، فلا تجزئ في النذر كالسجدة. وإذا نذر عتق رقبة، فهي التي تجزئ عن الواجب؛ لأن المطلق يحمل على المعهود في الشرع، وذلك هو الواجب في الكفارة. وإن نذر هدياً، لم يجزئه إلا ما يجزئ في الأضحية كذلك. وعليه إيصاله إلى فقراء الحرم؛ لأن إطلاق الهدي يقتضي ذلك. قال الله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] . وإن نذر المشي إلى بيت الله الحرام أو إتيانه، لزمه المشي في حج أو عمرة؛ لأن المشي إلى البيت المعهود شرعاً هو المشي في أحد النسكين، فحمل النذر المطلق عليه، ويلزمه المشي من دويرة أهله كذلك، وإن نذر المشي إلى البلد الحرام، أو بقعة منه، فهو كنذر المشي إلى البيت الحرام؛ لأن الحرم كله محل النسك، ولذلك صح إحرام المكي بالحج منه. وإن نذر المشي إلى غير الحرم، كعرفة وغيرها، لم يلزمه، وكان كنذر المباح، وكذلك إن نذر إتيان مسجد من مساجد الحل، لم يلزمه إلا مسجد رسول الله ﷺ ، والمسجد الأقصى، فإنه يلزمه إتيانهما، لقول رسول الله ﷺ : «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا» منفق عليه. ويلزمه صلاة ركعتين فيهما؛ لأن القصد بنذره القربة، ولا يحصل إلا بالصلاة، فتضمنها نذره، كتضمن نذر المشي إلى المسجد الحرام أحد النسكين، وإن نذر الصلاة في مسجد. هو كنذر إتيانه، إلا أنه تلزمه الصلاة دون الإتيان، في غير المساجد الثلاثة، وتجزئ الصلاة في المسجد الحرام عن الصلاة في المسجدين الآخرين. والصلاة في مسجد النبي ﷺ عن الصلاة في المسجد الأقصى، لما ذكرنا في الاعتكاف.

стр. 1387

فصل: ومن عين بنذره أو بنيته شيئاً من عدد الصيام، أو الصلاة، أو الهدي، أو الرقاب، أجزأه ما عينه، صغيراً كان أو كبيراً، صحيحاً أو معيباً، مما يجزئ في الواجب، ومما لا يجزئ؛ لأن الوجوب ثبت بقوله، فيجب أن تتبع فيه صفته، كأوامر الشرع. وعنه فيمن قال: إن قدم فلان لأتصدقن بمال، هو في نفسه مال، يخرج ما شاء. وهذا يدل على أنه إنما يلزمه ما لفظ به دون ما نواه؛ لأن النذر باللفظ دون النية، والأولى أولى؛ لأنه نوى بلفظه ما يحتمله فتقيد به، كاليمين. فإن عين الهدي بغير الحيوان، جاز، ويتصدق به، أو بثمنه على مساكين الحرم؛ لأنه محل الهدي. وإن نذر هدي ما لا ينقل، كالدر ونحوه، بيع، وتصدق بثمنه. وإن عين نذر الهدي بموضع غير الحرم، لزمه ما عينه، ويتصدق به على فقراء ذلك الموضع إن لم يتضمن معصية، لما روي: «أن رجلاً نذر على عهد النبي ﷺ أن ينحر إبلاً ببوانة، فأتى النبي ﷺ . فقال النبي ﷺ : أكان فيها وثن من أوثان الجاهلية؟ قالوا: لا، قال: هل كان فيها عيد من أعيادهم، قالوا: لا، قال رسول الله ﷺ : أوف بنذرك» . رواه أبو داود؛ ولأن معهود الشرع تفرقة اللحم بالمكان الذي نذر الذبح به، فكأنه نذر فرقة اللحم على فقراء أهله. فصل: إذا نذر صيام ثلاثين يوماً، لم يلزمه التتابع. نص عليه؛ لأن لفظه لا يقتضي التتابع. وعنه فيمن نذر صيام عشرة أيام: يلزمه التتابع؛ لأن الصيام الواجب بأصل الشرع متتابع. والأول أولى، وهذا محمول على من نوى التتابع أو شرطه، لما ذكرناه. وإن نذر صيام شهر، ففيه روايتان: إحداهما: لا يلزمه التتابع؛ لأن الشهر يقع على ما بين الهلالين، وعلى ثلاثين يوماً، فلا يلزمه ما بين الهلالين، فصار كنذر ثلاثين يوماً. والثانية: يلزمه التتابع؛ لأن الشهر اسم لأيام متتابعة. فإن صام ما بين الهلالين، أجزأه، تاماً كان أو ناقصاً؛ لأنه شهر، وإن بدأ من أثناء شهر، لزمه ثلاثون يوماً؛ لأن الشهر العادي ثلاثون يوماً. وإن نذر صيام أشهر متتابعة، فبدأ من أول شهر، صامهن بالأهلة. وإن بدأ من أثناء شهر، صام شهراً بالعدد، وباقيها بالأهلة، لما ذكرنا في صوم الظهار.

стр. 1388

فإن أفطر بالصيام المتتابع لغير عذر، لزمه الاستئناف؛ لأنه أمكنه الإتيان بالمنذور على صفته، فلزمه، كحال الابتداء. وإن أفطر لعذر يوجب الفطر، كالمرض المخوف، والحيض، خير بين الاستئناف؛ لأنه يجزئه مع عدم العذر، فمع العذر أولى، وبين البناء والتكفير؛ لأن الفطر لعذر لا يقتضي التتابع حكماً، بدليل فطر المظاهر في الشهرين لعذر، ويكفر لترك صفة النذر؛ لأن النذر كاليمين. وإن أفطر لعذر يبيح الفطر، كالسفر، ففيه وجهان: أحدهما: يقطع التتابع؛ لأنه أفطر باختياره، أشبه غير المعذور. والثاني: لا يقطعه؛ لأنه عذر للفطر في رمضان، فأشبه المرض. فأما إن نذر صوم شهر بعينه، فأفطر لغير عذر، ففيه روايتان: إحداهما: يلزمه الاستئناف؛ لأنه صوم يجب متتابعاً، أشبه المنذور متتابعاً. والثانية: لا يلزمه وجوب التتابع من جهة الوقت، لا للنذر، فلم يبطله الفطر كشهر رمضان. وإن أفطر لعذر، بنى، وعليه كفارة في الموضعين، لتركه صفة نذره. وعنه: لا تجب الكفارة مع العذر؛ لأنه تركه بأمر الشرع، فلم يلزمه كفارة، كما لو نذر الصدقة بجميع ماله، وتصدق بثلثه. فصل: وإن نذر صيام سنة معينة، لم يدخل في نذره رمضان، ويوما العيدين؛ لأنه لا يقبل الصوم عن النذر، فلم يدخل في نذره، كالليل. وفي أيام التشريق روايتان. وإن نذر صوم سنة، فهل يلزمه سنة متتابعة؟ فيه روايتان على ما ذكرنا في الشهر. فإن قلنا: يلزمه التتابع، فحكمها حكم المعينة، وإن قلنا: لا يلزمه التتابع، لزمه اثنا عشر شهراً بالأهلة، إلا أن يبتدئ صوم شهر من أثنائه، أو لا يوالي بينه، فيلزمه ثلاثون يوماً، فإن صام سنة متوالية، قضى عن شهر رمضان ويومي العيدين. فصل: وإن نذر صوم يوم يقدم فلان، فقدم ليلاً، لم يلزمه شيء؛ لأنه لم يتحقق شرطه، فلم يجب نذره. وإن قدم نهاراً، لم يخل من ثلاثة أحوال: أحدها: قدم والناذر مفطر، فيه روايتان: إحداها: لا يلزمه شيء؛ لأنه قدم في وقت لا يصح فيه صومه شرعاً، أشبه ما لو قدم ليلاً.

стр. 1389

والثانية: يلزمه القضاء والكفارة؛ لأنه علق نذره بزمن المستقبل ولم يف به، فلزمه القضاء والكفارة، كما لو نذر صوم يوم الخميس فأفطره. الثاني: قدم والناذر صائم من رمضان، أو فرضاً غيره، ففيه روايتان: إحداهما: يجزئه صومه عنهما؛ لأنه نذر صومه وقد وفى به. والثانية: حكمه حكم من أفطره؛ لأنه لم يصمه عن نذره. الثالث: قدم والناذر صائم تطوعاً، أو ممسك، ففيه وجهان: أحدهما: يتم صومه، ويجزئه؛ لأن سبب الوجوب وجد في أثنائه قبل فطره، فأشبه ما لو قال: لله علي صوم بقية يومي. والثاني: يلزمه القضاء والكفارة؛ لأنه صوم واجب، فلم يصح بنية من النهار، كالقضاء. فصل: وإذا نذر الحج العام، وعليه حجة الإسلام، ففيه روايتان: إحداهما: يجزئه الحج عنهما. والثانية: يلزمه حجة أخرى، أصلها إذا نذر صوم يوم، فوافق يوماً من رمضان. فصل: وإذا عجز عن الوفاء بالنذر، لم يخل من خمسة أحوال: أحدها: أن يعجز عجزاً لا يرجى زواله، لكبر، أو مرض غير مرجو الزوال أو غيره، فعليه كفارة يمين لا غير، لما روى عقبة بن عامر قال: «نذرت أختي أن تمشي إلى بيت الله حافية، فأمرتني أن أستفتي لها رسول الله ﷺ ، فاستفتيته، فقال: لتمش ولتركب» متفق عليه؛ ولأن النذر كاليمين إلا فيما لا يطيق. قال ابن عباس ﵄: من نذر نذراً لا يطيقه، فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذراً يطيقه، فليف لله بما نذر. وسواء كان عاجزاً وقت النذر، أو تجدد العجز؛ لأنهما سواء في فوات النذر. وعن أحمد فيمن نذر صوماً، فعجز عنه لكبر، أو مرض لا يرجى برؤه: أنه يطعم عن كل يوم مسكيناً. اختاره الخرقي؛ لأنه صوم وجد سبب إيجابه عيناً، فأشبه صوم رمضان، والأول أقيس.

стр. 1390

الثاني: أن يعجز عجزاً مرجو الزوال نحو المرض. فإذا كان النذر غير موقت، أخره حتى يزول العارض ثم يأتي به، وإن كان موقتاً، كصوم شهر معين. فإذا زال العجز قضاه؛ لأنه صوم واجب يلزمه قضاؤه كرمضان، وعليه كفارة اليمين؛ لأن النذر كاليمين. وعنه: لا كفارة عليه؛ لأن المنذور محمول على المشروع، ولو أفطر في رمضان لعذر، لم يلزمه كفارة، كذا هاهنا. الثالث: أن يمنعه الشرع من الوفاء بنذره، مثل أن يصادف عيداً، أو حيضاً ففيه وجهان. بناء على الروايتين فيما قبلها. وإن صادف أيام التشريق، فكذلك في إحدى الروايتين، وفي الأخرى، يصح صيامها للفرض، لما ذكرنا في صيامها عن دم المتعة، وإن صادف رمضان لم يجزئ صومه عن النذر، وكان حكمه كما لو صادف يوم العيد. وقال الخرقي: يجزئه صيامه لرمضان، ونذره، وقد ذكر ذلك. الرابع: أن يصادفه النذر مجنوناً، فلا شيء عليه؛ لأنه خرج عن أهلية التكليف قبل وقت النذر، أشبه ما لو فاته. الخامس: أن يموت، فإن كان ذلك قبل وقت النذر، فلا شيء عليه؛ لأنه خرج عن أهلية التكليف. وإن كان بعده، أو كان النذر غير موقت، فعل ذلك وليه، لما روت عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ قال: «من مات وعليه صيام، صام عنه وليه» متفق عليه. وعن ابن عباس قال: «أتى رجل النبي ﷺ فقال: إن أختي نذرت أن تحج، وإنها، ماتت، فقال له النبي ﷺ : لو كان عليها دين، أكنت قاضيه؟ قال: نعم، قال: فاقض الله، فهو أحق بالقضاء» . رواه البخاري. فثبت القضاء للصوم والحج بالنص. وقسنا عليه غيره للمعنى المشترك بينهما. وفي الصلاة روايتان: إحداهما: تقضى عنه لما ذكرناه. والثانية: لا تقضى؛ لأنها لا تدخلها نيابة، ولا كفارة، فلم تقض عنه، كحالة الحياة وكل موضع قلنا: يقضي عنه الولي، فإنه على سبيل الندب، لا الوجوب؛ لأن قضاء دينه لا يجب على وليه. فكذلك النذر المشبه به.

стр. 1391

[كتاب الأقضية] القضاء فرض على الكفاية، بدليل قول الله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩] ولأن النبي ﷺ حكم بين الناس، وبعث علياً إلى اليمن للقضاء، وحكم الخلفاء الراشدون، وولوا القضاة في الأمصار؛ ولأن الظلم في الطباع، فيحتاج إلى حاكم ينصف المظلوم، فوجب نصبه، فإن لم يكن من يصلح للقضاء إلا واحداً، تعين عليه، فإن امتنع أجبر عليه؛ لأن الكفاية لا تحصل إلا به، وعن أحمد: أنه سئل هل يأثم القاضي إذا لم يوجد غيره ممن يوثق به؟ قال: لا يأثم. وهذا يدل على أنه لا يجب عليه الدخول فيه؛ لأن عليه في التولي خطراً وغرراً، فإن النبي ﷺ قال: «من جُعل قاضياً، فقد ذبح بغير سكين» . رواه الترمذي وقال: حديث حسن. فلم يلزمه الإضرار بنفسه لنفع غيره، فعلى هذا القول يكره له طلبه، لما فيه من الخطر؛ ولأن السلف ﵃ كانوا يأبون القضاء أشد الإباء ويفرون منه. وإن طلب فالأولى أن لا يدخل فيه؛ لأنه أسلم له. وقال ابن حامد: إن كان خاملاً، إذا ولي نشر علمه، فالأفضل الدخول فيه، لما يحصل من نشر العلم. وإن كان ينشر علمه بغير ولاية، فالأفضل أن لا يدخل فيه؛ لأن الاشتغال بنشر العلم مع السلامة أفضل. فأما من يوجد غيره ممن يصلح للقضاء، فلا يجب عليه الدخول فيه، ويكره له طلبه، لما روى أنس أن النبي ﷺ قال: «من ابتغى القضاء وسأل فيه شفعاء وكل إلى نفسه، ومن أكره عليه أنزل الله عليه ملكاً يسدده» . قال الترمذي: هذا حديث حسن. وإن طُلِبَ، فالأفضل له الامتناع إلا على قول ابن حامد على التفصيل الماضي. وأما من لا يُحسن القضاء، فيحرم عليه الدخول فيه؛ لأن النبي ﷺ قال: «القضاة ثلاثة:

стр. 1392

واحد في الجنة، واثنان في النار، إلى قوله: ورجل قضى بين الناس بجهل فهو في النار» رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه فصل: ويجوز للقاضي أخذ الرزق عند الحاجة، لما روي أن أبا بكر ﵁، لما ولي الخلافة، أخذ الذراع، وخرج إلى السوق، فقيل له: لا يسعك هذا، فقال: ما كنت لأدع أهلي يضيعون من أجلكم، ففرضوا له كل يوم درهمين. وبعث عمر ﵁ إلى الكوفة عمار بن ياسر والياً، وابن مسعود قاضياً، وعثمان بن حنيف ماسحاً، وفرض لهم كل يوم شاة، نصفها لعمار، والنصف الآخر بين عبد الله وعثمان. وكتب إلى معاذ، وأبي عبيدة في الشام: أن انظروا رجالاً من صالحي مَن قبلكم، فاستعلموهم على القضاء، وارزقوهم وأوسعوا عليهم من مال الله. فأما مع عدم الحاجة. ففيه وجهان: أحدهما: الجواز، لما ذكرنا؛ ولأنه يجوز للعامل الأخذ على العمالة مع الغنى، فكذلك القضاء. والثاني: لا يجوز؛ لأنه يختص أن يكون فاعله من أهل القربة، فلم يجز أخذ الأجرة عليه؛ كالصلاة. قال أحمد: ما يعجبني أن يأخذ على القضاء أجراً، وإن كان فبقدر شغله، مثل ولي اليتيم. وإذا قلنا: يجوز أخذ الرزق، فلم يجعل له شيء، فقال: لا أقضي بينكما إلا بجُعْل، جاز. فصل: ويشترط للقضاة عشرة أشياء: أن يكون مسلماً، عدلاً، بالغاً، عاقلاً؛ لأن هذه شروط الشهادة، فأولى أن تشترط للقضاء. الخامس: الذكورية، فلا يصح تولية المرأة؛ لقول النبي ﷺ : «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة» رواه البخاري؛ ولأن المرأة ناقصة العقل، غير أهل لحضور الرجال ومحافل الخصوم. ولا يصح تولية الخنثى؛ لأنه لم يعلم كونه ذكراً. السادس: الحرية. فلا يصح تولية العبد؛ لأنه منقوص برقه، مشغول بحقوق سيده، لا تقبل شهادته في جميع الأشياء، فلم يكن أهلاً للقضاء، كالمرأة. السابع: أن يكون متكلماً، لينطق بالفصل بين الخصوم.

стр. 1393

الثامن: أن يكون سميعاً ليسمع الدعوى، والإنكار، والبينة، والإقرار. التاسع: أن يكون بصيراً، ليعرف المدعي من المدعى عليه، والمقر من المقر له، والشاهد من المشهود عليه. العاشر: أن يكون مجتهداً، وهو العالم بطرق الأحكام، لما روي أن النبي ﷺ قال: «القضاة ثلاثة واحد في الجنة، واثنان في النار. فأما الذي في الجنة، فرجل عرف الحق فقضى به، فهو في الجنة. ورجل عرف الحق فحكم فجار في الحكم، فهو في النار. ورجل قضى للناس على جهل، فهو في النار» . رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه؛ ولأنه إذا لم يجز أن يفتي الناس وهو لا يلزمهم الحكم، فلئلا يقضي بينهم وهو يلزمهم الحكم أولى. ولا يشترط كونه كاتباً؛ لأن النبي ﷺ سيد الحكام، وهو أمي. وقيل: يشترط؛ ليعلم ما يكتبه كاتبه، فيأمن تحريفه. فصل: ينبغي أن يكون قوياً من غير عنف، لئلا يطمع فيه الظالم، فينبسط عليه. ليناً من غير ضعف، لئلا يهابه صاحب الحق، فلا يتمكن من استيفاء حجته بين يديه. حليماً ذا أناة وفطنة ويقظة، لا يؤتى من غفلة ولا يخدع لغرة. ذا ورع وعفة، ونزاهة، وصدق. قال علي ﵁: لا ينبغي للقاضي أن يكون قاضياً حتى يكون فيه خمس خصال: عفيف، حليم، عالم بما كان قبله، يستشير ذوي الألباب، لا يخاف في الله لومة لائم. فصل: ولا تصح ولاية القضاة إلا بتولية الإمام، أو من فوض إليه الإمام؛ لأنه من المصالح العظام، فلم يصح إلا من جهة الإمام، كعقد الذمة. ومن شرط صحة التولية، معرفة المولي للمولى، وأنه على صفة تصلح للقضاء. فإن كان يعرفه، وإلا سأل عنه، فإذا علم ذلك ولاه. وألفاظ التولية تنقسم إلى صريح وكناية، فصريحها سبعة: وليتك الحكم، وقلدتك، واستنبتك، واستخلفتك، ورددت إليك الحكم، وفوضت إليك، وجعلت إليك، فإذا أتى بواحدة منها واتصل بها القبول، انعقدت الولاية. وأما الكناية، فهي أربعة: اعتمدت عليك في الحكم، وعولت عليك، ووكلت

стр. 1394

إليك وأسندت إليك الحكم، فلا تنعقد التولية بها حتى تقترن بها قرينة، نحو: فاحكم فيما وكلت إليك، وانظر فيما أسندت إليك وتول فيما عولت عليك فيه؛ لأن هذه الألفاظ تحتمل التولية وغيرها، من كونه يأخذ برأيه، وغير ذلك، فلا تنصرف إلى التولية إلا بقرينة. فصل: فإن تحاكم رجلان إلى من يصلح للقضاء، فحكماه ليحكم بينهما، جاز، لما روى أبو شريح أنه «قال: يا رسول الله إن قومي إذا اختلفوا في شيء أتوني، فحكمت بينهم، فرضي علي الفريقان، فقال رسول الله ﷺ : ما أحسن هذا» . رواه النسائي؛ ولأن عمر وأبياً ﵄، تحاكما إلى زيد بن ثابت وتحاكم عثمان وطلحة إلى جبير بن مطعم. فإذا حكم بينهما، لزم حكمه؛ لأن من جاز حكمه، لزم، كقاضي الإمام. فإن رجع أحد الخصمين عن تحكيمه، قبل شروعه في الحكم، فله ذلك؛ لأنه إنما صار حكماً لرضاه به، فاعتبر دوام الرضى. وإن رجع بعد شروعه فيه، وقبل تمامه، ففيه وجهان: أحدهما: له ذلك؛ لأن الحكم لم يتم، أشبه ما قبل الشروع. والثاني: ليس له ذلك؛ لأنه يؤدي إلى أن كل واحد منهما، إذا رأى من الحكم ما لا يوافقه، رجع، فيبطل المقصود بذلك. واختلف أصحابنا فيما يجوز فيه التحكيم، فقال أبو الخطاب: ظاهر كلام أحمد أن تحكيمه يجوز في كل ما يتحاكم فيه الخصمان، قياساً على قاضي الإمام. وقال القاضي: يجوز حكمه في الأموال الخاصة. فأما النكاح والقصاص، وحد القذف، فلا يجوز التحكيم فيها؛ لأنها مبنية على الاحتياط، فيعتبر للحكم فيها قاضي الإمام، كالحدود. فصل: ويجوز أن يولي في البلد الواحد قاضيين فأكثر، على أن يحكم كل واحد منهما في موضع، وأن يجعل إلى أحدهما القضاء في حق، وإلى الآخر في حق آخر، أو إلى أحدهما في زمن، وإلى الآخر في زمن آخر؛ لأنه نيابة عن الإمام، فكان على حسب الاستنابة. وهل يجوز أن يجعل إليهما القضاء في مكان واحد وزمن واحد، وحق واحد؟ فيه وجهان:

стр. 1395

أحدهما: يجوز؛ لأنه نيابة، فجاز جعلها إلى اثنين، كالوكالة. والثاني: لا يجوز، فقد يختلفان، فتقف الحكومة. فصل: ولا يجوز تقليده القضاء على أن يحكم بمذهب معين، لقول الله تعالى: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ [ص: ٢٦] . وإنما يظهر له الحق بالدليل، فلا يتعين ذلك في مذهب بعينه. فإن قلد على هذا الشرط، بطل الشرط. وفي فساد التولية وجهان، بناء على الشروط الفاسدة في البيع. فصل: إذا ولاه قاضياً في غير بلده، كتب إليه العهد بما ولاه؛ لأن النبي ﷺ كتب لعمرو بن حزم، حين بعثه إلى اليمن. وروى حارثة بن مضرب، أن عمر كتب إلى أهل الكوفة: أما بعد، فإني بعثت إليكم عماراً أميراً، وعبد الله قاضياً وأميراً، فاسمعوا لهما وأطيعوا، فقد آثرتكم بهما. فإن كان البلد الذي ولاه بعيداً، أشهد على التولية شاهدين لتثبت التولية بهما. وإن كان قريباً، فإن شاء أشهد، وإن شاء اكتفى بالاستفاضة؛ لأنها تثبت الولاية. ويستحب للقاضي السؤال عن حال البلد الذي وليه، ومن فيه من العلماء والأمناء؛ لأنه لا بد له منهم، فاستحب تقدم العلم بهم. ويستحب أن يدخل البلد يوم الخميس؛ لأن النبي ﷺ كان يفعل ذلك. فإذا دخل قصد الجامع، فصلى فيه ركعتين، وأمر بجمع الناس، فقرأ عليهم عهده ليعلموا التولية، وما فوض إليه، ويعد الناس يوماً لجلوسه، ثم يصير إلى منزله، ويجعل منزله في وسط البلد إن أمكن ليتساووا في قربه. فصل: وإن نهاه الذي ولاه عن الاستخلاف، لم يكن له ذلك؛ لأنه نائب فيتبع قول من استنابه. وإن لم ينهه، جاز له الاستخلاف؛ لأن الغرض من القضاء الفصل بين المتخاصمين وإيصال الحق إلى مستحقه، فجاز أن يليه بنفسه وبغيره. فإذا استخلف القاضي خليفة، انعزل بموته وعزله؛ لأنه نائبه، فأشبه الوكيل. وإن ولى الإمام قاضياً، فهل ينعزل بموته وعزله؟ فيه وجهان:

стр. 1396

أحدهما: ينعزل كذلك، ولما روي عن عمر ﵁ أنه قال: لأعزلن أبا مريم - يعنى عن قضاه البصرة - وأولي رجلاً إذا رآه الفاجر فرقه، فعزله وولى كعب بن سوار. وولى علي أبا الأسود، ثم عزله فقال: لم عزلتني وما خنت ولا جنيت؟ فقال: إني رأيتك يعلو كلامك على الخصمين. والثاني: لا ينعزل؛ لأنه عقده لمصلحة المسلمين، فلم يملك عزله مع سداد حاله، كما لو عقد الولي النكاح على موليته، لم يملك فسخه. وإن اختل أحد الشروط، بأن يفسق، أو يختل عقله، أو بصره، انعزل بذلك؛ لأنه فات الشرط، فانتفى المشروط كالصلاة. فصل: وليس له أن يقضي ولا يولي ولا يسمع البينة، ولا يكاتب قاضياً في حكم في غير عمله، ولا يعتد بذلك إن فعله؛ لأنه لا ولاية له في غير عمله، أشبه سائر الرعية. فصل: ولا يجوز له أن يحكم لنفسه؛ لأنه لا يجوز أن يكون شاهداً لها، ويتحاكم هو وخصمه إلى قاض آخر. ويجوز أن يحاكمه إلى بعض خلفائه؛ لأن عمر حاكم أبياً إلى زيد. وحاكم عثمان طلحة إلى جبير. ولا يجوز أن يحكم لوالده وإن علا، ولا لولده وإن سفل؛ لأنه متهم في حقهما، فلم يجز حكمه لهما، كنفسه. وقال أبو بكر: يجوز حكمه لهما؛ لأنهما من رعيته، فجاز حكمه لهما، كالأجانب، وإن اتفقت حكومة بين والديه، أو ولديه، أو والده وولده، فالحكم فيهما، كما لو انفرد أحدهما؛ لأن ما منع منه في حق أحدهما إذا كان خصمه أجنبيا، منع منه إذا ساواه خصمه، كالشهادة. ويجوز له استخلاف والده وولده في أعماله؛ لأن غاية ما فيه أنهما يجريان مجراه. فصل: ولا يجوز له أن يرتشي في الحكم، لما روى عبد الله بن عمرو قال: «لعن رسول ﷺ الراشي والمرتشي» . قال الترمذي: هذا حديث صحيح؛ ولأنه أخذ مال على حرام، فكان حراماً، كمهر البغي. ولا يجوز له قبول الهدية ممن لم تجر عادته بها قبل الولاية، لما روى أبو حميد قال: «بعث رسول الله ﷺ رجلاً من الأزد يقال له: ابن اللتبية على الصدقه، فقال: هذا لكم، وهذا أهدي إلي، فقام النبي ﷺ على المنبر، فقال: ما بال العامل نبعثه فيقول:

стр. 1397

هذا لكم وهذا أهدي إلي، ألا جلس في بيت أبيه وأمه فينظر أيهدى إليه شيء أم لا؟ والذي نفس محمد بيده لا يبعث أحد منكم فيأخذ شيئاً إلا جاء يوم القيامة يحمله على رقبته» . متفق عليه. فدل على أن أهدي إليه مما كانت الولاية سبباً له محرم عليه. فأما من كانت عادته الهدية إليه قبل الولاية، فجائز قبولها؛ لأن قول النبي ﷺ : «ألا جلس في بيت أبيه وأمه فينظر أيهدى إليه أم لا» . يدل على تعليل تحريم الهدية، لكون الولاية سببها، وهذه لم تكن سببها الولاية فجاز قبولها إلا أن تكون في حال الحكومة بينه وبين خصم له، فلا يجوز قبولها؛ لأنه يتهم، فهي كالرشوة. والأولى الورع عنها في غير حال الحكومة؛ لأنه لا يأمن أن تكون الحكومة منتظرة. فصل: ويكره أن يباشر البيع والشراء بنفسه، لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «ما عدل وال اتجر في رعيته» . وقال شريح: شرط علي عمر حين ولاني القضاء: أن لا أبيع، ولا أبتاع، ولا أرشي، ولا أقضي وأنا غضبان؛ ولأنه يعرف، فيحابى، فيجري مجرى الهدية. ويستحب أن يوكل من لا يعرف أنه وكيله. فإذا عرف استبدل به حتى لا يحابى، فإن لم يمكنه الاستنابة، تولاه بنفسه؛ لأن أبا بكر الصديق أخذ الذراع وقصد السوق ليتجر فيه؛ ولأنه لا بد له منه. فإن كان لمن بايعه حكومة، استخلف من يحكم بينه وبين خصمه، كيلا يميل إليه. فصل: ويجوز للقاضي حضور الولائم؛ لأن النبي ﷺ أمر بإجابة الداعي. ولا يخص بإجابته قوماً دون قوم؛ لأنه جور. فإن كثرت عليه وشغلته، ترك الجميع؛ لأنه يشتغل بها عما هو أوكد منها. وله عيادة المرضى، وشهود الجنائز، ويأتي مقدم الغائب؛ لأنه قربة وطاعة. وله أن يخص بذلك قوماً دون قوم؛ لأن هذه الأمور لحق نفسه طلباً لثواب الله تعالى، فكان له فعل ما أمكن منها دون ما لم يمكن. وحضور الوليمة لحق الداعي. فإذا خص بعضهم بها، حصل مراعياً لبعضهم دون بعض، فكان ذلك ميلاً. فصل: ولا يقضي في حال الغضب، ولا الجوع، والعطش، والحزن، والفرح المفرط،

стр. 1398

والنعاس الشديد، والمرض المقلق، ومدافعة الأخبثين، والحر المزعج، والبرد المؤلم، لما روى أبو بكرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يحكم أحد بين اثنين وهو غضبان» . متفق عليه. فثبت النص في الغضب، وقسنا عليه سائر المذكور؛ لأنه في معناه؛ ولأن هذه الأمور تشغل قلبه، فلا يتوفر على الاجتهاد في الحكم وتأمل الحادثة. فإن حكم في هذه الأحوال، ففيه وجهان: أحدهما: ينفذ حكمه، لما روي «أن النبي ﷺ اختصم إليه الزبير، ورجل من الأنصار في شراج الحرة فقال النبي ﷺ للزبير: اسق زرعك ثم أرسل الماء إلى جارك فقال الأنصاري: أن كان ابن عمتك؟ فغضب رسول الله ﷺ ثم قال للزبير: اسق زرعك ثم احبس الماء حتى يبلغ الجدر» . متفق عليه. فحكم في غضبه. والثاني: لا ينفذ حكمه؛ لأنه منهي عنه، والنهي يقتضي فساد المنهي عنه، وقيل: إنما يمنع الغضب الحكم قبل أن يتضح حكم المسألة؛ لأنه يشغله عن استيضاح الحق. أما إذا حدث بعد اتضاح الحكم، لم يمنع حكمه فيها، كقصة الزبير. فصل: ويستحب للحاكم الجلوس للحكم في موضع بارز واسع يصل إليه كل أحد، ولا يحتجب من غير عذر، لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «من ولي من أمر الناس شيئاً فاحتجب دون حاجتهم وفاقتهم، احتجب الله دون حاجته وفقره» رواه الترمذي ويكون موضعاً لا يتأذى فيه بحر ولا برد ولا دخان ولا رائحة منتنة؛ لأن عمر ﵁ كتب إلى أبي موسى: إياك والقلق والضجر. وهذه الأشياء تفضي إلى الضجر، وتمنعه من التوفر على الاجتهاد، ويمنع الخصوم من استيفاء الحجة، ولا بأس بالقضاء في المساجد، لما روي عن عمر وعثمان وعلي ﵃ أنهم كانوا يقضون في المسجد. وقال مالك: هو من أمر الناس القديم. فإن اتفق لأحد الخصمين مانع من دخول المسجد، كالحيض، والكفر، وكل له وكيلاً أو انتظره حتى يخرج، فيحاكم إليه. فصل: وإن احتاج إلى أعوان لإحضار الخصوم، اتخذ أمناء كهولاً أو شيوخاً من أهل الدين،

стр. 1399

ويوصيهم بالرفق بالخصوم. وإن دعت الحاجة إلى اتخاذ حاجب اتخذه أميناً بعيداً من الطمع، ويوصيه بما يلزمه من تقديم من سبق. فصل: ويتخذ حبساً؛ لأن عمر ﵁ اشترى داراً بمكة بأربعة آلاف اتخذها سجناً. واتخذ علي سجناً؛ ولأنه قد يحتاج إليه للتأديب واستيفاء الحق من المماطل، والاحتفاظ بمن عليه قصاص أو حد، حتى يستوفى. فصل: وينبغي أن يتخذ كاتباً؛ لأن النبي ﷺ استكتب زيداً وغيره؛ ولأن الحاكم يكثر اشتغاله ونظره فلا يتمكن من الجمع بينهما وبين الكتابة. فإن أمكنة ولاية ذلك بنفسه، جاز. ومن شرط الكاتب أن يكون عارفاً بما يكاتب به القضاة من الأحكام. وما يكتبه من المحاضر، والسجلات؛ لأنه إذا لم يعرفه، أفسد ما يكتبه بجهله. وأن يكون عدلاً لأن الكتابة موضع أمانة، ولا تؤمن خيانة الفاسق. وأن يكون مسلماً؛ لأن الإسلام من شروط العدالة، ويستحب أن يكون ورعاً نزهاً، لئلا يستمال بالطمع. جيد الحفظ، ليكون أكمل. حراً، ليخرج من الخلاف. فإن كان عبداً، جاز؛ لأنه من أهل الشهادة. فصل: ولا يتخذ شهودا معينين، لا يقبل غيرهم؛ لأنه من ثبتت عدالته وجب قبول شهادته، فلم يجز تخصيص قوم بالقبول دون قوم. فصل: ويتخذ أصحاب مسائل يتعرف بهم أحوال من جهل عدالته من الشهود. ويجب أن يكونوا عدولاً برآء من الشحناء، بعداء من العصبية في نسب أو مذهب، كيلا يحملهم ذلك على تزكية فاسق، أو جرح عدل. وأن يكونوا وافري العقول ليصلوا إلى المطلوب. ولا يسألوا عدواً ولا صديقاً؛ لأن الصديق يظهر الجميل ويستر القبيح. والعدو بخلاف ذلك. فإذا شهد عنده من يعرفه بالعدالة، قبل شهادته. وإن علم فسقه لم يقبلها، ويعمل بعلمه في العدالة والفسق. وإن جهل إسلامه سأل عنه، ولم يعمل بظاهر الدار؛ لأن أعرابياً شهد عند النبي ﷺ برؤية الهلال، فلم يحكم بشهادته حتى سأله عن إسلامه؛ ولأنه يتعلق بشهادته حق على غيره، فلم يعمل بظاهر الدار. ويقبل قوله في إسلام نفسه؛ لأن النبي ﷺ قبل قول الأعرابي في ذلك؛ ولأنه بقوله يصير مسلماً. وإن لم تعرف عدالته لم يحكم حتى تثبت عدالته.

стр. 1400

وعنه: يحكم بشهادة من جهل عدالته ما لم يقل المشهود عليه: هو فاسق، لقول عمر ﵁: المسلمون عدول بعضهم على بعض؛ ولأن النبي ﷺ لما شهد عنده الأعرابي برؤية الهلال، لم يسأل عن عدالته؛ ولأن العدالة تخفى ويدل عليها الإسلام، فاكتفى به. والأول: المذهب لقول الله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] . وقال سبحانه: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] وروى سليمان بن حرب قال: شهد رجل عند عمر ﵁، فقال له عمر: إني لست أعرفك، ولا يضرك أنني لا أعرفك، فائتني برجل يعرفك، فقال رجل: أنا أعرفه يا أمير المؤمنين. قال: بأي شيء تعرفه. قال: بالعدالة. قال: فهو جارك الأدنى تعرف ليله ونهاره، ومدخله ومخرجه؟ قال: لا، قال: فمعاملك بالدينار والدرهم اللذين يستدل بهما على الورع؟ قال: لا، قال: فصاحبك في السفر الذي يستدل به على مكارم الأخلاق؟ قال: لا، قال: فلست تعرفه. ثم قال للرجل: ائتني بمن يعرفك؛ ولأنه لا يؤمن أن يكون فاسقاً. فإذا أراد أن يعرف عدالته، كتب اسمه، ونسبه، وكنيته، وحليته، وصنعته، ومسكنه، حتى لا ينسبه، ومن شهد له وعليه، لئلا يكون ممن لا تقبل شهادته للمشهود له، من والد أو ولد، ولا تقبل شهادته على المشهود عليه من عدو، وقدر ما يشهد به لئلا يكون ممن يقبل قوله في القليل دون الكثير. ويبعث ما كتبه مع أصحاب المسائل، ويجتهد أن لا يعرفهم المشهود له، ولا المشهود عليه، لئلا يحتالا في تعديل الشهود أو جرحهم، ولا المسؤولون، لئلا يحتال أعداؤهم في جرحهم، وأصدقاؤهم في تعديلهم. ويجتهد أن لا يعلم بعض أهل المسائل ببعض، كيلا يجمعهم الهوى على التواطؤ على جرح أو تعديل. ويأمرهم القاضي: أن يسألوا عنه معارفه من أهل سوقه، ومسجده، وجيرانه. فإذا عاد أهل المسائل بجرح أو تعديل، ففيه وجهان: أحدهما: يكتفي بقولهم؛ لأن الجيران لا يلزمهم الحضور للشهادة بما عندهم، فعلى هذا: يشهد أصحاب المسائل عند الحاكم بلفظ الشهادة، ويعتبر عدولهم كما في سائر المعدلين. والثاني: لا يكتفي بهم؛ لأنهم شهود فرع، فلا يكتفى بهم مع القدرة على شهود الأصل. لكن يعينون من أخبرهم بالجرح أو العدالة، ليستحضر الحاكم اثنين منهم، فيسمع منهم الجرح والتعديل بلفظ الشهادة والعدد، فعلى هذا: لا يعتبر العدد في أصحاب المسائل، بل يجوز أن يكون واحداً؛ لأنه مخبر عن شاهد، ليس بشاهد.

стр. 1401

فصل: ولا يقبل الجرح والتعديل من أقل من اثنين؛ لأنه إخبار عن صفة من يبنى الحكم على صفته، فأشبه الإحصان. وعنه: يكتفى بواحد. اختارها أبو بكر؛ لأنه إخبار عن حال من لا حق له، فأشبه أخبار الديانات؛ ولأنه يكتفى في تعديل راوي الحديث وجرحه بقول واحد، فكذلك في غيره. والأول: المذهب، لما ذكرنا. وإنما اكتفي في تعديل الراوي بواحد؛ لأنه فرع على الرواية المنقولة من واحد، بخلاف الشهادة، ويعتبر فيه اللفظ بالشهادة؛ لأنه شهادة إلا على الرواية التي قلنا: هو خبر، فلا يعتبر فيه لفظ الشهادة، ويكفي في التعديل قوله: أشهد أنه عدل. وإن لم يقل: علي ولي؛ لأنه لا يكون عدلاً، إلا له وعليه. ولا يكفي أن يقول: لا أعلم فيه إلا الخير؛ لأنه لم يصرح بالتعديل. وإن شهد بالجرح واحد، وبالتعديل اثنان، ثبتت العدالة؛ لأن بينة الجرح لم تكمل. وإن شهد بالجرح اثنان، قدم الجرح على التعديل؛ لأن الشاهد به يخبر عن أمر باطني خفي على المعدل، وشاهد العدالة يخبر عن أمر ظاهر، فقدم من يخبر عن الباطن؛ ولأن الجارح مثبت، والمعدل ناف، فقدم الإثبات. وإن شهد بالجرح اثنان، وبالعدالة أربعة، قدم الجرح؛ لأن بينته كملت، ولا يقبل الجرح إلا مفسراً بأن يذكر السبب الذي به جرح، ولا يكفي أن يشهد أنه فاسق، أنه ليس بعدل، وعنه: يكتفى بذلك، كما يكتفى في التعديل أن يشهد أنه عدل. والأول: المذهب؛ لأن الناس يختلفون فيما يفسق به الإنسان، فيحتمل أن يعتقد الشاهد فسقه بما لا يعتقده الحاكم فسقاً. والجرح والتعديل إلى الحاكم، فوجب بيانه، لينظر فيه. ولا يجوز أن يشهد بالجرح إلا من يعلم ذلك بمشاهدة الأفعال، كالسرقة، وشرب الخمر. أو بالسماع في الأقوال، كالقذف، والبدعة، أو بالاستفاضة بالخبر؛ لأنه شهادة عن علم. فإن قال: بلغني كذا، أو قيل لي، لم يجز أن يشهد به، لقول الله تعالى: ﴿إِلا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦] ولا يقبل التعديل إلا من أهل الخبرة الباطنة ممن تقدمت معرفته، وطالت صحبته، لحديث عمر ﵁. وأن المقصود علم عدالته في الباطن، ولا يعلم ذلك إلا من تقدمت معرفته، ولا يقبل الجرح والتعديل من النساء؛ لأنه شهادة بما ليس بمال، ولا المقصود منه المال، ويطلع عليه الرجال في غالب الأحوال، أشبه الحدود. فصل: وإذ لم تثبت عدالته، فقال المشهود عليه: هو عدل، حكم بشهادته؛ لأن البحث

стр. 1402

عن عدالته لحق المشهود عليه، وإنه ممن يثبت بالحق بقوله، فوجب الحكم به. وفيه وجه آخر: إنه لا يثبت؛ لأن اعتبار العدالة في الشاهد حق لله تعالى، ولهذا لو رضي المشهود عليه، أن يحكم عليه بشهادة فاسق، لم يحكم عليه بها. فصل: ومن ثبتت عدالته، ثم شهد عند الحاكم بعد ذلك بزمن قريب، حكم بشهادته. وإن كان بعده بزمن طويل، ففيه وجهان: الوجه الأول: يحكم بشهادته؛ لأن عدالته قد ثبتت، والأصل بقاؤها. والثاني: يعيد السؤال؛ لأن مع طول الزمان تتغير الأحوال. وإن شهد عنده عدول، فارتاب بشهادتهم، استحب له تفريقهم، وسؤال كل واحد منهم على الانفراد عن صفه التحمل، ومكانه، وزمانه. فإن اختلفوا سقطت شهادتهم. وإن اتفقوا، وعظهم، لما روى أبو حنيفة ﵀ قال: كنت عند محارب بن دثار، وهو قاضي الكوفة، فجاءه رجل، فادعى على رجل حقاً، فأنكره، فأحضر المدعي شاهدين، فشهدا له، فقال المشهود عليه: والذى تقوم به السماوات والأرض لقد كذبا علي، وكان محارب بن دثار متكئاً، فاستوى جالساً، وقال: سمعت ابن عمر يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الطير لتخفق بأجنحتها، وترمى بما في حواصلها من هول يوم القيامة، وإن شاهد الزور لا تزول قدماه حتى يتبوأ مقعده من النار» . فإن صدقتما فاثبتا، وإن كذبتما، فغطيا رؤوسكما وانصرفا، فغطيا رؤوسهما وانصرفا. فصل: ويستحب أن يحضر مجلسه الفقهاء من أهل كل مذهب، يشاورهم فيما يشكل عليه، لقول الله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] قال الحسن: إن كان رسول الله ﷺ عن مشاورتهم لغنياً، ولكن أراد أن يستن بذلك الحكام. وروى عبد الرحمن بن القاسم: أن أبا بكر الصديق ﵁، كان إذا نزل به أمر يريد فيه مشاورة أهل الرأي والفقه، دعا رجالاً من المهاجرين والأنصار، دعا عمر، وعثمان، وعلياً، وعبد الرحمن بن عوف، ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، فمضى أبو بكر على ذلك، ثم ولي عمر، فكان يدعو هؤلاء النفر ﵃، فإذا اتفق أمر مشكل شاورهم. فإن اتضح له الحق، حكم به. وإن لم يتضح له أخره، ولم يقلد غيره، ضاق الوقت أو اتسع؛ لأنه مجتهد فلم يقلد غيره، كما لو اتسع الوقت. وإن فوض الحكم في

стр. 1403

الحادثة إلى من اتضح له الحق، فحكم فيها، جاز. وإن حكم باجتهاده ثم تبين له الخطأ بنص أو إجماع، نقضه، لما روي عن عمر ﵁ أنه قال: ردوا الجهالات إلى السنة. وكتب إلى أبي موسى: لا يمنعنك قضاء قضيت به، ثم راجعت نفسك، فهديت لرشدك، أن تراجع الحق، فإن الحق قديم لا يبطله شيء، وإن الرجوع إلى الحق أولى من التمادي في الباطل؛ ولأنه مفرط في حكمه، غير معذور فيه، فوجب نقضه. وإن تغير اجتهاده، ولم يخالف نصاً، ولا إجماعاً، لم ينقض حكمه، لما روي عن عمر ﵁، أنه حكم في المشركة بإسقاط ولد الأبوين، ثم شرك بينهم بعد، وقال: تلك على ما قضينا، وهذه على ما قضينا. وقضى في الحد بقضايا مختلفة، ولم يرد الأولى؛ ولأنه لو نقض الحكم بمثله، لأدى إلى نقض النقض، والى أن لا تثبت قضية. فصل: وليس على القاضي تتبع قضايا من قبله؛ لأن الظاهر أنه لا يولى للقضاء إلا من يصلح، والظاهر إصابته الحق. وإن علم أن القاضي قبله لا يصلح للقضاء، نقض من أحكامه ما خالف الحق، وإن لم يخالف نصاً ولا إجماعاً؛ لأنه ممن لا يجوز قضاؤه، أشبه حكم بعض الرعية، ويبقي ما وافق الحق؛ لأن الحق وصل إلى مستحقه، فلا حاجة إلى نقضه. وقال أبو الخطاب: ينقضه أيضاً ليحكم به. وإن كان يصلح للقضاء، لم يجز أن ينقض من قضاياه، إلا ما خالف نصاً أو إجماعاً، لما ذكرنا في حكم نفسه. وإن تظلم متظلم من القاضي قبله وسأل إحضاره، لم يحضره حتى يسأله عما بينهما؛ لأنه ربما قصد تبديله. فإن قال: لي عليه مال من معاملة، أو غصب، أو رشوة، أحضره، وإن قال: حكم علي بشهادة فاسقين، أو عدوين، أو جار علي في الحكم، وله بينة، أحضره، أو وكيله، وحكم له بها. وإن لم يكن له بينة، ففيه وجهان: أحدهما: يحضره، كما لو ادعى عليه مالاً. والثاني: لا يحضره لأنه لا تتعذر إقامة البينة عليه. فإن أحضره فاعترف، حكم عليه، وإن أنكر، قبل قوله بغير يمين؛ لأن قوله مقبول بحال ولايته. فصل: ويخرج القاضي إلى مجلس قضائه على أعدل أحواله، ويقول عند خروجه: بسم الله، آمنت بالله، واعتصمت بالله وتوكلت على الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله. ويدعو بما روت أم سلمة رضى الله عنها قالت: كان رسول الله ﷺ ، إذا خرج من بيته قال: «اللهم إني أعوذ بك أن أزل أو أزل، أو أضل أو أضل، أو أظلم أو أظلم، أو أجهل أو يجهل علي» رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وقال الترمذي حديث حسن

стр. 1404

صحيح، ويسأله أن يعصمه، ويعينه. ويجلس مستقبل القبلة، لقول النبي ﷺ : «خير المجالس ما استقبل به القبلة» ويكون عليه سكينة ووقار في مشيه وجلوسه، ويبسط تحته شيئاً يجلس عليه، ليكون أوقر له، ويترك القمطر مختوماً بين يديه، ليترك فيه ما يجتمع من المحاضر، والسجلات، ويجلس الكاتب قريباً منه، ليرى ما يكتبه فإن غلط رد عليه. فصل: ويبدأ في نظره بالمحبوسين؛ لأن الحبس عقوبة، وربما كان فيهم من يجب إطلاقه، فاستحب البداءة بهم، فيكتب أسماء المحبوسين، وينادي في البلدان: القاضي ينظر في أمرهم يوم كذا، فليحضر من له محبوس، فإذا حضروا، أخرج رقعة، فأخرج صاحبها فنظر بينه وبين خصمه، فإن وجب إطلاقه أطلقه، وإن وجب حبسه أعيد. فإن قال: حبست بدين أنا معسر به، فصدقه خصمه، أو ثبت إعساره ببينة، أطلقه، وإن كذبه ولم يثبت إعساره، أعيد إلى الحبس. فإن ادعى خصمه أن له داراً، وأقام بها بينة، فقال المحبوس: هي لزيد، فكذبه زيد، بيعت الدار، وقضي الدين؛ لأن إقراره سقط بإكذابه، وإن صدقه زيد وله بينة، فهي له؛ لأن بينته قويت بإقرار صاحب اليد. وإن قال: حبست في ثمن كلب، أو خمر أرقته لذمي. فقال القاضي: يطلقه لأن غرمه ليس بواجب. وفيه وجه آخر: أن الثاني ينفذ حكم الأول؛ لأنه ليس له نقض حكم غيره باجتهاده، ويحتمل أن يتوقف ويجتهد في أن يصطلحا على شيء؛ لأنه لا يمكنه فعل الأمرين المتقدمين. وإن قال: حبست ظلماً، ولا حق علي، نادى الحاكم بذلك. فإن لم يظهر له خصم، فالقول قوله مع يمينه؛ لأنه لا خصم له، ولا حق عليه، ويخلي سبيله، والله أعلم. فصل: ثم ينظر في أمر الأوصياء والأمناء؛ لأنهم يتصرفون في حق من لا يملك المطالبة بماله. فإن ادعى رجل أنه وصي ميت، لم يقبل إلا ببينة؛ لأن الأصل عدم الوصية. فإن أقام بينة، وكان عدلاً قوياً، أقره على الوصية، وإن كان فاسقاً أو ضعيفاً، ضم إليه أميناً يتقوى به، أو أبدله إن رأى إبداله. وإن أقام بينة أن الحاكم الذي قبله أنفذ الوصية، أنفذها، ولم يسأل عن عدالته؛ لأن الظاهر أنه لا ينفذ ذلك إلا لمن هو أهل. وإن كان وصياً في تفرقة ثلثه، ففرقه وهو عدل، فلا شيء عليه. وإن كان فاسقاً والوصية لمعينين، فلا شيء عليه أيضاً؛ لأنه دفعه إلى مستحقه، وإن كان لغير معين، ففيه وجهان:

стр. 1405

أحدهما: لا غرم عليه؛ لأنه دفعه إلى مستحقه بإذن الميت، أشبه ما لو كان لمعينين. والثاني: يغرم لأنه فرقه ولم تكن له تفرقته، فغرمه، كما لو جعلت تفرقته إلى غيره، والله تعالى أعلم [باب ما على القاضي في الخصوم] يلزمه أن يسوي بين الخصمين في الدخول عليه، والمجلس، والخطاب، والإقبال عليهما، والسماع منهما، لما روت أم سلمة أن النبي ﷺ قال: «من ابتلي بالقضاء بين المسلمين، فليعدل بينهم في لحظه، وإشارته، ومقعده، ولا يرفعن صوته على أحد الخصمين، ما لا يرفعه على الآخر» رواه عمر بن شيبة في كتاب قضاة البصرة. وكتب عمر إلى أبي موسى ﵄: واس الناس في وجهك ومجلسك وعدلك، حتى لا ييأس الضعيف من عدلك، ولا يطمع شريف في حيفك. وجاء رجل إلى شريح وعنده السري، فقال: اعدل بي على هذا الجالس إلى جنبك، فقال شريح للسري: قم فاجلس مع خصمك. قال: إني أسمعك من مكاني، قال: لا. قم فاجلس مع خصمك، إن مجلسك برتبته، وإني لا أدع النصرة وأنا عليها قادر؛ ولأن إيثار أحد الخصمين في بعض ما ذكرنا يكسر خصمه. والمستحب أن يجلسهما بين يديه، لما روى ابن الزبير قال: «قضى رسول الله ﷺ أن يجلس الخصمان بين يدي القاضي» . رواه أبو داود ولأنه أمكن لخطابهما، فإن كان أحدهما مسلماً والآخر ذمياً، جاز رفع المسلم عليه، لما روى إبراهيم التيمي: أن علياً ﵁ حاكم يهودياً إلى شريح، فقام شريح من مجلسه، فأجلس علياً فيه، فقال علي ﵁: لو كان خصمي مسلماً لجلست معه بين يديك، ولكني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تساووهم في المجالس» . ولا ينبغي أن يضيف أحد الخصمين دون صاحبه، لما روي عن علي كرم الله وجهه أنه نزل به رجل، فقال: ألك خصم؟ قال: نعم. قال: تحول عنا، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تضيفوا أحد الخصمين إلا ومعه خصمه» . ولا يسار أحدهما، ولا يلقنه حجته، ولا يأمره بإقرار ولا إنكار، لما فيه من الضرر. فإن لم يحسن الدعوى، ففيه وجهان:
следующие страницы →