Полный текст (1 486 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
فصل:
ولا تجوز الصلاة على كافر، لقول الله تعالى: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤] ، وقال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ [التوبة: ١١٣] . ومن حكمنا بكفره من أهل البدع لم يصل عليه، قال أحمد: لا أشهد الجهمي ولا الرافضي، ويشهدهما من أحب.
[باب حمل الجنازة والدفن]
وهما فرض على الكفاية؛ لأن في تركها هتكاً لحرمتها، وأذى للناس بها، وأولى الناس بذلك أولاهم بغسله، وأولى الناس بإدخال المرأة قبرها محارمها الأقرب فالأقرب. وفي تقديم الزوج عليهم وجهان. بناء على ما مر في الصلاة، فإن لم يكن فالمشايخ من أهل الدين.
وعنه: النساء بعد المحارم، اختاره الخرقي، والأول أولى؛ «لأن النبي ﷺ أمر أبا طلحة فنزل على قبر ابنته دون النساء» . رواه البخاري. «ورأى النبي ﷺ نساء في جنازة فقال: أتدلين فيمن يدلي؟ قلن: لا، قال: فارجعن مأزورات غير مأجورات» أخرجه ابن ماجه. ولأن الدفن يحتاج إلى قوة وبطش، ويحضره الرجال فتولي المرأة له، تعريض لها للهتك.
والتربيع في حمل الجنازة مسنون، لما روي عن ابن مسعود أنه قال: إذا اتبع أحدكم جنازة فليأخذ بجوانب السرير الأربع، ثم ليتطوع بعد أو ليذر، فإنه من السنة. رواه سعيد بن منصور. وصفته أنه يبدأ فيضع قائمة السرير اليسرى على كتفه اليمنى من عند رأس الميت، ثم من عند رجليه، ثم يضع قائمة السرير اليمنى على كتفه اليسرى من كتفه اليمنى من عند رأسه، ثم من عند رجليه.
وعنه: أن يدور فيأخذ بعد ياسرة المؤخرة، يامنة المؤخرة، ثم المقدمة وإن حمل بين العمودين فحسن. روي عن سعد بن مالك وأبي هريرة وابن عمر وابن الزبير أنهم حملوا بين عمودي السرير. والسنة الإسراع في المشي بها، لقول النبي ﷺ : «أسرعوا بالجنازة، فإن تكن صالحة فخير تقدمونها إليه، وإن تكن غير ذلك فشر تضعونه عن رقابكم» متفق عليه. ولا يفرط بالإسراع فيمخضها ويؤذي متبعها.
стр. 352
فصل:
واتباع الجنازة سنة، وهو على ثلاثة أضرب:
أحدها: أن يصلي وينصرف.
والثاني: أن يتبعها إلى القبر ثم يقف حتى تدفن، لما روى أبو هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «من شهد جنازة حتى يصلي عليها فله قيراط، ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان قيل: وما القيراطان؟ قال: مثل الجبلين العظيمين» متفق عليه.
الثالث: أن يقف بعد الدفن يستغفر له، ويسأل الله له التثبيت. كما روي عن النبي ﷺ أنه «كان إذا دفن ميتاً وقف وقال: استغفروا له واسألوا له التثبيت، فإنه الآن يسأل» [رواه أبو داود] . والمشي أمامها أفضل، لما روى ابن عمر قال: «رأيت النبي ﷺ وأبا بكر وعمر ﵄ يمشون أمام الجنازة.» رواه أبو داود. ولأنهم شفعاء لها، والشافع يتقدم المشفوع. وحيث مشى قريباً منها فحسن. وإن كان راكباً فالسنة أن يكون خلفها، لما روى المغيرة بن شعبة عن النبي ﷺ أنه قال: «الراكب خلف الجنازة والماشي حيث شاء منها» حديث صحيح. ويكره الركوب لمشيعها إلا من حاجة؛ لأنه يروى أن النبي ﷺ ما ركب في جنازة ولا عيد، ولا بأس بالركوب في الانصراف لما روى جابر بن سمرة «أن النبي ﷺ اتبع جنازة ابن الدحداح ماشياً، ورجع على فرس» حديث حسن، رواه الترمذي ورواه مسلم.
فصل:
وإذا سبقها فجلس لم يقم عند مجيئها، وإن مرت به جنازة لم يستحب له القيام.
وعنه: يستحب لقول النبي ﷺ : «إذا رأى أحدكم الجنازة فليقم حين يراها حتى تخلفه» رواه مسلم. والأول أولى، لقول علي ﵁: «قام رسول الله ﷺ ثم قعد» ، ورواه مسلم. وهذا ناسخ للأول، فأما من مع الجنازة فيكره أن يجلس حتى توضع عن الأعناق، لما روى أبو سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : «من تبع جنازة فلا يجلس
стр. 353
حتى توضع» رواه البخاري ومسلم. وفي لفظ: «حتى توضع في الأرض» رواه أبو داود.
ويكره اتباع النساء الجنائز لما روت أم عطية قالت: «نهينا عن اتباع الجنائز» . متفق عليه. ويكره أن تتبع بنار أو صوت، لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «لا تتبع الجنازة بصوت ولا نار» رواه أبو داود.
فصل:
ويجوز الدفن في البيت؛ لأن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر دفنوا في بيت. والدفن في الصحراء أفضل؛ لأن النبي ﷺ كان يدفن أصحابه بالبقيع وإنما دفن في البيت كراهة أن يتخذ قبره مسجداً ولولا ذلك لأبرز قبره، كذلك قالت عائشة ﵂. متفق عليه. ويدفن الشهيد في مصرعه؛ «لأن النبي ﷺ أمر بشهداء أحد أن يردوا إلى مصارعهم» رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي وقال: صحيح وكان بعضهم قد حمل إلى المدينة.
وحمل الميت إلى غير بلده لغير حاجة مكروه؛ لأنه أذى للأحياء والميت لغير فائدة.
وإن تنازع وارثان في الدفن في مقبرة المسلمين أو البيت دفن في المقبرة لأن له في البيت حقاً فلا يجوز إسقاطه، ويستحب الدفن في المقبرة التي فيها الصالحون لينتفع بمجاورتهم. وجمع الأقارب في الدفن حسن، لتسهل زيارتهم والترحم عليهم، وقد روي «أن النبي ﷺ ترك عند رأس عثمان بن مظعون صخرة وقال: أعلم قبر أخي وأدفن إليه من مات من أهلي» رواه أبو داود.
وإن تشاح اثنان في مقبرة مسبلة قدم السابق، لقول النبي ﷺ : «من سبق إلى ما لم يسبق إليه فهو أحق به» . وإن استويا في السبق أقرع بينهما. ولا يدفن ميت في موضع فيه ميت حتى يبلى الأول، ويرجع فيه إلى أهل الخبرة بتلك الأرض.
فصل:
ويستحب تعميق القبر وتوسيعه وتحسينه؛ لأن النبي ﷺ قال: «احفروا وأوسعوا
стр. 354
وأعمقوا» رواه أبو داود، قال أحمد يعمق إلى الصدر؛ لأن الحسن وابن سيرين كانا يستحبان ذلك، ولأن في تعميقه أكثر من ذلك مشقة، وقال أبو الخطاب: يعمق قدر قامة وبسطة والسنة أن يلحد له، لقول سعد بن مالك: «ألحدوا لي لحداً، وانصبوا علي اللبن نصباً، كما صنع برسول الله ﷺ » . رواه مسلم.
قال أحمد ﵁: ولا أحب الشق، لقول النبي ﷺ : «اللحد لنا والشق لغيرنا» رواه أبو داود. ومعنى الشق أنه إذا وصل إلى الأرض شق في وسطه شقاً نازلاً، فإن كانت الأرض رخوة لا يثبت فيها اللحد شق فيها للحاجة.
فصل:
ولا يدفن في القبر اثنان؛ لأن النبي ﷺ كان يدفن كل ميت في قبره، فإن دعت الحاجة إليه جاز؛ لأن النبي ﷺ «لما كثر القتلى يوم أحد، كان يجمع بين الرجلين في القبر الواحد، ويسأل أيهم أكثر أخذاً للقرآن؟ فيقدمه في اللحد» . حديث صحيح. ويقدم أفضلهم إلى القبلة للخبر، ويجعل بين كل اثنين حاجزاً من تراب، ليصير كل واحد منفرداً كأنه في قبر منفرد، وإن دفن رجل وصبي وامرأة في قبر واحد جعل الرجل في القبلة، والصبي خلفه، والمرأة خلفهما، وقال الخرقي: تقدم المرأة على الصبي، وقال أحمد: وإن حفروا شبه النهر رأس هذا عند رجل هذا جاز، ويجعل بينهما حاجز لا يلصق أحدهما بصاحبه، فإن مات له أقارب بدأ بمن يخاف تغيره، فإن استووا بدأ بأقربهم إليه على ترتيب النفقات، فإن استووا قدم أسنهم وأفضلهم.
فصل:
ولا توقيت في عدد من يدخل القبر، إنما هو بحسب الحاجة إليه، نص عليه.
ويسل الميت من قبل رأسه، وهو أن يجعل رأسه عند رجلي القبر، ثم يسل سلاً؛ لأن النبي ﷺ سل من قبل رأسه، وإن كان الأسهل غير ذلك فعل الأسهل ويقول الذي يدخله، بسم الله، وعلى ملة رسول الله ﷺ ، لما روى ابن عمر أن النبي ﷺ كان يقوله إذا أدخل الميت القبر من " المسند "، ويضعه في اللحد على جانبه الأيمن، مستقبل القبلة، لقول النبي ﷺ : «إذا نام أحدكم فليتوسد يمينه» ويتوسد رأسه بلبنة أو نحوها كالحي إذا نام ويجعل خلفه تراب يسنده لئلا يستلقي على قفاه، وإن وطأ تحته بقطيفة فلا بأس؛ لأن النبي ﷺ ترك تحته قطيفة كان يفترشها، وينصب عليه اللبن نصباً لحديث سعد، وإن جعل عليه: طن قصب جاز، لما روى عمرو بن شرحبيل أنه قال: إني رأيت المهاجرين يستحبون ذلك.
стр. 355
ويكره الدفن في التابوت، وأن يدخل القبر آجراً أو خشباً أو شيئاً مسته النار؛ لأن إبراهيم قال: كانوا يستحبون اللبن ويكرهون الخشب والآجر، ولأنه آلة بناء المترفين، وسائر ما مسته النار يكره للتفاؤل بها.
فصل:
ولا يخمر قبر الرجل، لما روي عن علي ﵁، أنه مر بقوم وقد دفنوا ميتاً وبسطوا على قبره الثوب، فجذبه وقال: إنما يصنع هذا بالنساء، ويستحب ذلك للنساء للخبر ولئلا ينكشف منها شيء فيراه الحاضرون.
فصل:
ويرفع القبر عن الأرض قدر شبر، لما روى الساجي أن النبي ﷺ رفع قبره عن الأرض قدر شبر، ولأنه يعلم أنه قبر فيتوقى، ويترحم عليه، ولا يزاد عليه من غير ترابه، لقول عقبة بن عامر: لا تجعلوا على القبر من التراب أكثر مما خرج منه. رواه أحمد. ويستحب أن يرش عليه الماء ليتلبد. وروى أبو رافع «أن رسول الله ﷺ سل سعداً ورش على قبره الماء» . رواه ابن ماجه. وتسنيمه أفضل من تسطيحه. لما روى البخاري عن سفيان التمار: أنه رأى قبر النبي ﷺ مسنماً، ولأن السطح يشبه أبنية أهل الدنيا. ولا بأس بتعليمه بصخرة ونحوها لما ذكرنا من حديث عثمان بن مظعون، ولأنه يعرف قبره فيكثر الترحم عليه.
فصل:
ويكره البناء على القبر، وتجصيصه والكتابة عليه، لقول جابر: «نهى رسول الله ﷺ أن يجصص القبر، وأن يبنى عليه، وأن يقعد عليه» . رواه مسلم. زاد الترمذي: «وأن يكتب عليها» . وقال: حديث صحيح، ولأنه من زينة الدنيا فلا حاجة بالميت إليه، ولا يجوز أن يبنى عليه مسجد، لقول النبي ﷺ : «لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» يحذر مثل ما صنعوا. متفق عليه. ويكره الجلوس عليه، والاتكاء إليه، والاستناد إليه، لحديث جابر. ويكره المشي عليه، لما روى عقبة بن عامر قال: قال النبي ﷺ : «لأن أطأ على جمرة أو سيف أحب إلي من أن أطأ على قبر مسلم ولا أبالي أوسط القبور قضيت حاجتي أو وسط السوق» . رواه ابن ماجه. فإن لم يكن طريق إلى قبر من يزوره إلا بالوطء جاز لأنه موضع حاجة.
стр. 356
فصل:
ولا يجوز الدفن في الساعات المذكورة في حديث عقبة عن النبي ﷺ أنه قال: «ثلاث ساعات كان رسول الله ﷺ ينهانا أن نصلي فيهن، وأن نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة، وحين تضيف الشمس للغروب حتى تغرب» . رواه مسلم. ويجوز الدفن في سائر الأوقات ليلاً ونهاراً؛ لأن النبي ﷺ دفن ليلاً، ودفن ذا البجادين ليلاً. والدفن في النهار أولى؛ لأنه روي عن النبي ﷺ أنه زجر عن الدفن ليلاً. رواه مسلم. ولأن النهار أمكن وأسهل على مشيعيها، وأكثر لمتبعيها.
فصل:
وإذا ماتت ذمية حامل من مسلم لم تدفن في مقبرة المسلمين لكفرها، ولا تدفن في مقبرة الكفار لأن ولدها مسلم، وتدفن مفردة، ظهرها إلى القبلة لأن وجه الجنين إلى ظهرها. وإن ماتت امرأة حامل، وولدها يتحرك، ورجيت حياته، سطت عليه القوابل فأخرجنه، ولا يشق بطنها؛ لأن فيه هتكاً لحرمة متيقنة، لإبقاء حياة موهومة بعيدة، فإن لم يخرج تركت حتى يموت، ثم تدفن، ويحتمل أن يشق بطنها إن غلب على الظن أنه يحيا لأن حفظ حرمة الحي أولى. وإن بلع الميت جوهرة لغيره شق بطنه. وأخذت؛ لأن فيه تخليصاً له من مأثمها، ورداً لها إلى مالكها، ويحتمل أن يغرم قيمتها من تركته، ولا يتعرض له صيانة عن المثلة به، فإن لم يكن له تركة تعين شقه، فإن كانت الجوهرة له ففيه وجهان:
أحدهما: يشق بطنه لأنها للوارث فهي كجوهرة الأجنبي.
والثاني: لا يشق؛ لأنه استهلكها في حياته فلم يتعلق بها حق الوارث. وإن بلع مالاً يسيراً لم يشق بطنه، ويغرم القيمة من تركته. وإن وقع في القبر ما له قيمة نبش وأخذ؛ لأنه يمكن رده إلى صاحبه بغير ضرورة فوجب. وإن دفن الميت بغير غسل، أو إلى غير القبلة نبش، وغسل ووجه؛ لأن هذا مقدور على فعله فوجب، إلا أن يخاف عليه الفساد فلا ينبش؛ لأنه تعذر فسقط كما يسقط وضوء الحي لتعذره. وإن دفن قبل الصلاة عليه احتمل أن يكون حكمه كذلك؛ لأنه واجب فهو كغسله، واحتمل أن يصلى على القبر ولا تهتك حرمته لأنه عذر.
فصل:
سئل أحمد ﵁ عن تلقين الميت في قبره فقال: ما رأيت أحداً يفعله،
стр. 357
إلا أهل الشام. قال: وكان أبو مغيرة يروي فيه عن أبي بكر بن أبي مريم عن أشياخهم أنهم كانوا يفعلون. وقال القاضي وأبو الخطاب: يستحب ذلك، ورويا فيه حديث عن أبي أمامة أن النبي ﷺ قال: «إذا مات أحدكم فسويتم عليه التراب فليقم أحد عند رأس قبره، ثم ليقل: يا فلان بن فلانة فإنه يسمع ولا يجيب، ثم ليقل: يا فلان ابن فلانة، الثانية، فيستوي قاعداً، ثم ليقل: يا فلان بن فلانة، فإنه يقول: أرشدنا يرحمك الله، ولكن لا تسمعونه فيقول: اذكر ما خرجت عليه من الدنيا، شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، وأنك رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد ﷺ نبياً، وبالقرآن إماماً، فإن منكراً ونكير يتأخر كل واحد منهما، فيقول: انطلق فما يقعدنا عند هذا وقد لقن حجته ويكون عند الله حجيجه دونهما فقال الرجل: يا رسول الله، فإن لم يعرف اسم أمه؟ قال: فلينسبه إلى حواء» رواه الطبراني في " معجمه " بمعناه.
[باب التعزية والبكاء على الميت]
التعزية سنة لما روى ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: «من عزى مصاباً فله مثل أجره» وهو حديث غريب. وتجوز التعزية قبل الدفن وبعده لعموم الخبر. ويكره الجلوس لها؛ لأنه محدث، ويقول في تعزية المسلم بالمسلم: أعظم الله أجرك، وأحسن عزاءك، ورحم ميتك، وفي تعزيته بكافر: أعظم الله أجرك، وأحسن عزاءك، وتوقف أحمد ﵁ عن تعزية أهل الذمة، وهي تخرج على عيادتهم، وفيها روايتان:
إحداهما: يعودهم؛ لأنه روي «أن غلاماً من اليهود كان يخدم النبي ﷺ فأتاه النبي ﷺ يعوده فقعد عند رأسه، فقال له: أسلم فنظر إلى أبيه وهو عند رأسه فقال له، أطع أبا القاسم، فأسلم، فقام النبي ﷺ وهو يقول: الحمد لله الذي أنقذه من النار» رواه البخاري.
والثانية: لا يجوز؛ لأن النبي ﷺ قال: «لا تبدؤوهم بالسلام» فإن قلنا: نعزيهم فإن تعزيتهم عن مسلم: أحسن الله عزاءك، وغفر لميتك، وعن كافر: أخلف الله عليك، ولا نقص عددك.
فصل:
والبكاء غير مكروه إذا لم يكن معه ندب ولا نياحة، لما روي «أن النبي ﷺ دخل على سعد بن عبادة، فوجده في غاشية، فبكى وبكى أصحابه وقال: ألا تسمعون أن الله
стр. 358
لا يعذب بدمع العين، ولا يحزن القلب، ولكن يعذب بهذا، وأشار إلى لسانه أو يرحم» متفق عليه. ولا يجوز لطم الخدود، وشق الجيوب، والدعاء بدعوى الجاهلية، لما روى ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: «ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية»
وعن أبي مسعود «أن النبي ﷺ برئ من الصالقة والحالقة والشاقة» متفق عليهما. ويكره الندب والنوح. ونقل حرب عن أحمد كلاماً يحتمل إباحتهما، واختاره الخلال وصاحبه؛ لأن واثلة وأبا وائل كانا يستمعا النوح ويبكيان وظاهر الأخبار التحريم.
قال أحمد في قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ [الممتحنة: ١٢] . هو النوح، فسماه معصية. وقالت أم عطية: «أخذ علينا النبي ﷺ في البيعة أن لا ننوح» . متفق عليه.
وينبغي للمصاب أن يستعين بالله تعالى وبالصبر والصلاة، ويسترجع، ولا يقول إلا خيراً، لقول الله تعالى: ﴿اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ [البقرة: ١٥٣] الآيات. وقالت أم سلمة: «سمعت رسول الله ﷺ يقول: ما من عبد مسلم تصيبه مصيبة فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم آجرني في مصيبتي، وأخلف لي خيراً منها، إلا آجره الله في مصيبته، وأخلف له خير منها. قالت: فلما توفي أبو سلمة قلتها. فأخلف الله لي خيراً منه رسول الله ﷺ » . رواه مسلم. وقال: لما مات أبو سلمة: «لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير، فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون» . رواه مسلم.
стр. 359
فصل:
ويستحب لأقرباء الميت وجيرانه إصلاح طعام لأهله؛ لأن رسول الله ﷺ لما جاء نعي جعفر قال: «اصنعوا لآل جعفر طعاماً فإنهم قد أتاهم أمر شغلهم» رواه أبو داود.
فأما صنيع أهل الميت الطعام للناس فمكروه؛ لأن فيه زيادة على مصيبتهم، وشغلاً لهم إلى شغلهم.
فصل:
ويستحب للرجال زيارة القبور؛ لأن النبي ﷺ قال: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها إنها تذكركم الموت» رواه مسلم. وإن مر بها أو زارها قال ما روى مسلم قال: «كان رسول الله ﷺ يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر، فكان قائلهم يقول: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإن شاء الله بكم للاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية» . وفي حديث آخر: «يرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين» وفي حديث آخر: «اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم» ، وإن زاد: «اللهم اغفر لنا ولهم» كان حسناً.
فأما النساء ففي كراهية زيارة القبور لهن روايتان:
إحداهما: لا يكره، لعموم ما رويناه؛ ولأن عائشة ﵂ زارت قبر أخيها عبد الرحمن.
والثانية: يكره؛ لأن النبي ﷺ قال: «لعن الله زوارات القبور» وهذا حديث صحيح، فلما زال التحريم بالنسخ، بقيت الكراهية؛ ولأن المرأة قليلة الصبر، فلا يؤمن تهيج حزنها برؤية قبور الأحبة، فيحملها على فعل ما لا يحل لها فعله، بخلاف الرجل.
فصل:
ويستحب لمن دخل المقابر خلع نعليه، لما روى بشير بن الخصاصية قال: «بينما أنا أماشي رسول الله ﷺ إذ حانت منه نظرة، فإذا رجل يمشي بالقبور عليه نعلان فقال: يا صاحب السبتيتين ويحك ألق سبتيتيك فنظر الرجل، فلما عرف رسول الله ﷺ خلعهما فرمى بهما» ، رواه أبو داود. فإن خاف الشوك إن خلع نعليه فلا بأس بلبسهما
стр. 360
للحاجة، ولا يدخل في هذا الخفاف؛ لأن نزعها يشق، وفي التمشكات ونحوها وجهان:
أحدهما: هي كالنعل لسهولة خلعها.
والثاني: لا يستحب؛ لأن خلع النعلين تعبد فيقصر عليهما.
فصل:
وإن دعا إنسان لميت، أو تصدق عنه، أو قضى عنه ديناً واجباً عليه، نفعه ذلك بلا خلاف؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ﴾ [الحشر: ١٠] . «وقال سعد بن عبادة للنبي ﷺ ، أينفع أمي إذا تصدقت عنها؟ قال: نعم» متفق عليه. وإن فعل عبادة بدنية كالقراءة والصلاة والصوم، وجعل ثوابها للميت نفعه أيضاً؛ لأنه إحدى العبادات فأشبهت الواجبات، ولأن المسلمين يجتمعون في كل مصر، ويقرؤون ويهدون لموتاهم، ولم ينكره منكر، فكان إجماعاً.
стр. 361
[كتاب الزكاة]
وهي أحد أركان الإسلام لقول النبي ﷺ : «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان وحج البيت» متفق عليه. وتجب على الفور، فلا يجوز تأخيرها مع القدرة على أدائها؛ لأنها حق يصرف إلى آدمي توجهت المطالبة به، فلم يجز تأخيرها، كالوديعة، ومن جحد وجوبها لجهله، ومثله يجهل ذلك، كحديث العهد بالإسلام، عرف ذلك ولم يحكم بكفره؛ لأنه معذور. وإن كان ممن لا يجهل مثله ذلك كفر، وحكمه حكم المرتد؛ لأن وجوب الزكاة معلوم ضرورة، فمن أنكرها كذب الله ورسوله، وإن منعها معتقداً وجوبها أخذها الإمام منه وعزره، فإن قدر عليه دون ماله استتابه ثلاثاً، فإن تاب وأخرج، وإلا قتل، وأخذت من تركته، وإن لم يمكن أخذها إلا بالقتال قاتله الإمام؛ لأن أبا بكر الصديق ﵁ قال: لو منعوني عناقاً كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم عليها. رواه البخاري. وتابعه الصحابة على ذلك، فكان إجماعاً.
وإن كتم ماله حتى لا تؤخذ زكاته، أخذت منه وعزر، وفي جميع ذلك يأخذها الإمام من غير زيادة، بدليل أن العرب منعت الزكاة، فلم ينقل أنه أخذ منهم زيادة عليها.
وقال أبو بكر: يأخذ معها شطر ماله، بدليل ما روى بهز بن حكيم عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ أنه كان يقول: «في كل سائمة في كل أربعين بنت لبون، من أعطاها مؤتجراً فله أجرها، ومن أبى فإنا آخذوها وشطر ماله، عزمة من عزمات ربنا» رواه أبو
стр. 362
داود. وقال أحمد ﵁: هو عندي صالح.
وهل يكفر من قاتل الإمام على الزكاة؟ فيها روايتان:
إحداهما: يكفر؛ لقول الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١١] دل هذا على أنه لا يكون أخانا في الدين إلا بأدائها، ولأن الصديق ﵁ قال لمانعي الزكاة: لا حتى تشهدوا أن قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار.
والثانية: لا يكفر؛ لأن الصحابة ﵃ امتنعوا من قتالهم ابتداء، فيدل على أنهم لم يعتقدوا كفرهم، ثم اتفقوا على القتال وبقي الكفر على الأصل.
فصل:
ولا تجب إلا بشروط أربعة: الإسلام، فلا تجب على كافر أصلي ولا مرتد؛ لأنها من فروع الإسلام، فلا تجب على كافر كالصيام.
فصل:
والشرط الثاني: الحرية فلا تجب على عبد، فإن ملَّكه سيده مالاً، وقلنا: لا يملك، فزكاته على سيده؛ لأنه مالكه، وإن قلنا: يملك، فلا زكاة في المال؛ لأن سيده لا يملكه، ومِلْك العبد ضعيف لا يحتمل المواساة، بدليل أنه لا يعتق عليه أقاربه إذا ملكهم، ولا تجب عليه نفقة قريبه، والزكاة إنما تجب بطريق المواساة، فلا تجب على مكاتب لأنه عبد، وملكه غير تام لما ذكرنا، فإن عتق وبقي في يده نصاباً استقبل به حولاً، وإن عجز استقبل سيده بماله حولاً؛ لأنه يملكه حينئذ، وما قبض من نجوم مكاتبه استقبل به حولاً لذلك، وإن ملك المعتق بعضه بجزئه الحر نصاباً لزمته زكاته؛ لأنه يملك ذلك ملكاً تاماً فأشبه الحر.
فصل:
والشرط الثالث: تمام الملك، فلا تجب الزكاة في الدين على المكاتب لنقصان الملك فيه، فإن له أن يعجز نفسه ويمتنع عن أدائه، ولا في السائمة الموقوفة؛ لأن الملك لا يثبت فيها في وجه، في وجه يثبت ناقصاً لا يتمكن من التصرف فيها بأنواع التصرفات.
стр. 363
وروى مهنا عن أحمد: فيمن وقف أرضاً أو غنماً في السبيل لا زكاة عليه ولا عشر، هذا في السبيل.
إنما يكون ذلك إذا جعله في قرابته، وهذا يدل على إيجاب الزكاة فيه إذا كان لمعين؛ لعموم قوله ﵇: «في كل أربعين شاة شاة» .
ولا تجب في حصة المضارب من الربح قبل القسمة؛ لأنه لا يملكها على رواية، وعلى روية يملكها ملكاً ناقصاً غير مستقر؛ لأنها وقاية لرأس المال، ولا يختص المضارب بنمائها.
واختار أبو الخطاب أنها جائزة في حول الزكاة لثبوت الملك فيها، وفي المغصوب والضالّ. والدين على من لا يمكن استيفاؤه منه لإعسار أو جحد أو مطل روايتان:
إحداهما: لا زكاة فيه؛ لأنه خارج عن يده وتصرفه، أشبه دين الكتابة، ولأنه غير تام أشبه الحلي.
والثانية: فيه الزكاة؛ لأن الملك فيه مستقر، ويملك المطالبة به فوجبت الزكاة فيه كالدين على مليء، ولا خلاف في وجوب الزكاة في الدين الممكن استيفاؤه. ولا يلزمه الإخراج حتى يقبضه، فيؤدي لما مضى؛ لأن الزكاة مواساة وليس في المواساة إخراج زكاة مال لم يقبضه. وظاهر كلام أحمد ﵁ أنه لا فرق بين الحالّ والمؤجل؛ لأن المؤجل مملوك له تصح الحوالة به، والبراءة منه.
ولو أجر داره سنين بأجرة ملكها من حين العقد، وجرت في حول الزكاة، وحكمها حكم الدين، وحكم الصداق على الزوج حكم الدين على الموسر والمعسر؛ لأنه دين، وسواء في هذا قبل الدخول أو بعده؛ لأنها مالكة له.
فأما إن أسر رب المال وحِيلَ بينه وبين ماله، أو نسي المودع لمن أودع ماله، فعليه فيه الزكاة؛ لأن تصرفه في ماله نافذ، ولهذا لو باع الأسير ماله أو وهبه صح. وإذا حصل الضال في يد ملتقط فهو في حول التعريف على ما ذكرناه، وفيما بعده يملكه الملتقط، فزكاته عليه دون ربه، ويحتمل أن لا تلزمه زكاته، ذكره ابن عقيل؛ لأن ملكه غير مستقر؛ إذ لمالكه انتزاعه منه عند مجيئه، والأول أصح؛ لأن الزكاة تجب في الصداق قبل الدخول، وفي المال الموهوب للابن مع جواز الاسترجاع.
فإن أبرأت المرأة زوجها من صداقها عليه، أو أبرأ الغريم غريمه من دينه ففيه روايتان:
إحداهما: على المبرئ زكاة ما مضى؛ لأنه تصرف فيه، أشبه ما لو أحال به أو قبضه.
стр. 364
والثانية: زكاته على المدين؛ لأنه ملك ما ملك عليه قبل قبضه منه، فكأنه لم يزل ملكه عنه.
ويحتمل أن لا تجب الزكاة على واحد منهما؛ لأن المبرئ لم يقبض شيئاً، ولا تجب الزكاة على رب الدين قبل قبضه، والمدين لم يملك شيئاً؛ لأن من أسقط عنه شيئاً لم يملكه بذلك، فأما ما سقط من الصداق قبل قبضه بطلاق الزوج فلا زكاة فيه؛ لأنها لم تقبضه، ولم يسقط بتصرفها فيه، بخلاف التي قبلها، وإن سقط لفسخها النكاح احتمل أن يكون كذلك؛ لأنها لم تتصرف فيه، واحتمل أن يكون كالموهوب؛ لأن سقوطه بسبب من جهتها.
فصل:
الشرط الرابع: الغنى، بدليل قول النبي ﷺ لمعاذ بن جبل: «أعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم» متفق عليه؛ ولأن الزكاة تجب مواساة للفقراء، فوجب أن يعتبر الغنى، ليتمكن من المواساة، والغنى المعتبر: ملك نصاب خال عن دين، فلا يجب على من لا يملك نصاباً، لما روى أبو سعيد عن النبي ﷺ أنه قال: «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة ولا فيما دون خمسة ذود صدقة ولا فيما دون خمسة أواق صدقة» متفق عليه. ومن ملك نصاباً، وعليه دين يستغرقه أو ينقصه فلا زكاة فيه، إن كان من الأموال الباطنة وهي الناضّ وعروض التجارة رواية واحدة؛ لأن عثمان بن عفان ﵁ قال بمحضر من الصحابة: هذا شهر زكاتكم، فمن كان عليه دين فليؤده حتى تخرجوا زكاة أموالكم. رواه أبو عبيد في الأموال ولم ينكر، فكان إجماعاً؛ ولأنه لا يستغني به، ولا تجب الصدقة إلا عن ظهر غنى، وإن كان من الأموال الظاهرة وهي المواشي والزروع والثمار ففيه ثلاث روايات:
إحداهن: لا تجب فيها الزكاة لذلك.
والثانية: فيها الزكاة؛ لأن النبي ﷺ كان يبعث سعاته، فيأخذون الزكاة من رؤوس الأموال الظاهرة، من غير سؤال عن دين صاحبه، بخلاف الباطن.
الثالثة: أن ما استدانه على زرعه لمؤنته حسبه، وما استدان لأهله لم يحسبه؛ لأنه ليس من مؤونة الزرع فلا يحسبه على الفقراء. فإن كان له مالان من جنسين، وعليه دين يقابل أحدهما؛ جعله في مقابلة ما يقضي منه، وإن كانا من جنس، جعله في مقابلة ما الحظ للمساكين في جعله في مقابلته تحصيلاً لحظهم.
فصل:
وتجب الزكاة على مال الصبي والمجنون. لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «ابتغوا
стр. 365
في أموال اليتامى كيلا تأكلها الزكاة» . أخرجه الترمذي وفي إسناده مقال، وروي موقوفاً على عمر ﵁، ولأن الزكاة تجب مواساة، وهما من أهلها، ولهذا تجب عليهما نفقة القريب، ويعتق عليهما ذو الرحم، وتخرج عنهما زكاة الفطر والعشر، فأشبها البالغ العاقل.
فصل:
ولا يعتبر في وجوبها إمكان الأداء؛ لقوله ﷺ : «لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول» . يدل بمفهومه على وجوبها فيه عند تمام الحول؛ ولأنه لو أتلف النصاب بعد الحول ضمنها، ولو لم تجب لم يلزمه ضمانها كقبل الحول، فإن تلف النصاب بعد الحول لم تسقط الزكاة، سواء فرط أو لم يفرط؛ لأنه مال وجب في الذمة، فلم يسقط بتلف النصاب كالدين، وروى عنه التميمي وابن المنذر أنه إن تلف قبل التمكن سقطت الزكاة؛ لأنها عبادة تتعلق بالمال، فتسقط بتلفه قبل إمكان الأداء كالحج؛ ولأنه حق تعلق بالعين فسقط بتلفها من غير تفريط كالوديعة والجاني، فإن تلف بعض النصاب قبل التمكن سقط من الزكاة بقدره، وإن تلف الزائد عن النصاب لم يسقط شيء؛ لأنها تتعلق بالنصاب دون العفو. ولا تسقط الزكاة بموت من وجبت عليه؛ لأنه حق واجب تصح الوصية به فلم يسقط بالموت كدين الآدمي.
فصل:
وفي محل الزكاة روايتان:
إحداهما: أنها تجب في الذمة؛ لأنه يجوز إخراجها من غير النصاب، ولا يمنع التصرف فيه فأشبهت الدين.
والثانية: يتعلق بالعين، لقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ [المعارج: ٢٤] ﴿لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [المعارج: ٢٥]
стр. 366
وفي للظرفية. فإن ملك نصاباً مضت عليه أحوال لم تؤد زكاته، وقلنا: هي في الذمة، لزمته الزكاة لما مضى من الأحوال؛ لأن النصاب لم ينقص، وإن قلنا: تتعلق بالعين لم يلزمه إلا زكاة واحدة؛ لأن الزكاة الأولى تعلقت بقدر الفرض فينقص النصاب في الحول الثاني، وهذا ظاهر المذهب، نقله الجماعة عن أحمد. فإن كان المال زائداً عن نصاب نقص منه كل حول بقدر الفرض، ووجبت الزكاة فيما بقي، فإن ملك خمساً من الإبل لزمه لكل حول شاة؛ لأن الفرض يجب من غيرها فلا يمكن تعلقه بعينها. وإن ملك خمساً وعشرين من الإبل فعليه للحول الأول ابنة مخاض، وفيما بعد ذلك لكل حول أربع شياه.
فصل:
وتجب الزكاة في خمسة أنواع:
أحدها: المواشي. ولها ثلاثة شروط:
أحدها: أن تكون من بهيمة الأنعام؛ لأن الخبر ورد فيها وغيرها لا يساويها في كثرة نمائها ونفعها ودرّها ونسلها واحتملت المواساة منها دون غيرها، ولا زكاة في الخيل والبغال والحمير والرقيق؛ لقول النبي ﷺ : «ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة» متفق عليه. ولأنه لا يطلب درها، ولا تقتنى في الغالب إلا للزينة، والاستعمال، لا للنماء ولا زكاة في الوحوش لذلك، وعنه في بقر الوحش الزكاة، لدخولها في اسم البقر، والأول أولى؛ لأنها لا تدخل في إطلاق اسم البقر، ولا تجوز التضحية بها، ولا تقتنى لنماء ولا دَرّ، فأشبهت الظباء.
وما تولد بين الوحشي والأهلي فقال أصحابنا: فيه الزكاة تغليباً للإيجاب، والأولى أن لا تجب؛ لأنها لا تقتنى للنماء والدر، أشبهت الوحشية، ولأنها لا تدخل في إطلاق اسم البقر والغنم.
فصل:
الشرط الثاني: الحول؛ لأن ابن عمر ﵄ روى أن النبي ﷺ قال: «لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول» رواه الترمذي وابن ماجه وأبو داود؛ ولأن الزكاة إنما تجب في مال نَامٍ فيعتبر له حول يكمل النماء فيه، وتحصل الفائدة منه، فيواسي من نمائه. فإن هلك النصاب، أو واحدة منه في الحول، أو باعها، انقطع، ثم إن نتجت له أخرى مكانها، أو رجع إليه باع، استأنف الحول، سواء ردت إليه ببيع أو إقالة أو
стр. 367
باعها بالخيار فردت به؛ لأن الملك يزول بالبيع، والرد تجديد ملك، وإن قصد بشيء من ذلك الفرار من الزكاة لم تسقط؛ لأنه قصد إسقاط نصيب من انعقد سبب استحقاقه فلم يسقط، كالطلاق في مرض الموت. وإن نتجت واحدة ثم هلكت واحدة لم ينقطع الحول؛ لأنه لم ينقص. وإن خرج بعضها ثم هلكت أخرى قبل خروج بقيتها انقطع الحول؛ لأنها لا يثبت لها حكم الوجود في الزكاة حتى يخرج جميعها. وإن أبدل نصاباً بجنسه لم ينقطع الحول؛ لأنه لم يزل في ملكه نصاب من الجنس جاز في حول الزكاة، فأشبه ما لو نتج النصاب نصاباً، ثم ماتت الأمهات. وإن باع عيناً بورق انبنى على ضم أحدهما إلى الآخر. فإن قلنا: يضم لم ينقطع الحول؛ لأنهما كالجنس الواحد، وإن قلنا: لا يضم انقطع الحول لأنهما جنسان. وما نتج من النصاب فحوله حول النصاب، لما روي عن عمر ﵁ أنه قال: اعتد عليهم بالسلخة يروح بها الراعي على يديه؛ ولأنه من نماء النصاب فلم يفرد عنه بحول، كربح التجارة. وإن ماتت الأمهات فتم الحول على السخال وهي نصاب وجبت فيها الزكاة؛ لأنها جملة جارية في الحول لم تنقص عن النصاب، أشبه ما لو بقي من الأمهات نصاب. وإن ملك دون النصاب، وكمل بالسخال احتسب الحول من حين كمال النصاب.
وعنه: يستحب من حين ملك الأمهات، والأول المذهب؛ لأن النصاب هو السبب فاعتبر مضي الحول على جميعه. وأما المستفاد بإرث أو عقد فله حكم نفسه؛ لأن مال ملكه أصلاً فيعتبر له الحول شرطاً، كالمستفاد من غير الجنس. ولا يبني الوارث حوله على حول الموروث؛ لأنه ملك جديد، فإن كان عنده ثلاثون من البقر، فاستفاد عشرة في أثناء الحول، فعليه من الثلاثين إذا تم حولها تبيع، لكمال حولها. فإذا تم حول العشرة فيها ربع مسنة؛ لأنه تم نصاب المسنة، ولم يمكن إيجابها لانفراد الثلاثين بحكمها، فوجبت في العشرة بقسطها منها.
وإن ملك أربعين من الغنم في المحرم، وأربعين في صفر وأربعين في ربيع فتم حول الأولى فعليه شاة؛ لأنها نصاب كامل مضى عليه حول، لم يثبت له حكم الخلطة في جميعه، فوجب فيه شاة، كما لو لم يملك غيرها، فإن تم حول الثاني ففيه وجهان:
أحدهما: لا شيء فيه، ولا في الثالث؛ لأنه لو ملكه مع الأول لم يجب فيه شيء، فكذلك إذا ملكه بعده؛ لأنه يحصل وقص بين نصابين.
والثاني: فيه الزكاة؛ لأنه نصاب منفرد بحول، فوجبت زكاته كالأول. وفي قدرها وجهان:
стр. 368
أحدهما: شاة لذلك.
والثاني: نصف شاة؛ لأنه لم ينفك عن خلطة في جميع الحول. وفي الثالث ثلث شاة؛ لأنه لم ينفك عن خلطة لثمانين، فكان عليه بالقسط وهو ثلث شاة.
وإن ملك عشرين من الإبل في المحرم، وخمساً في صفر، وخمساً في ربيع، فعليه في العشرين عند دخولها أربع شياه، وفي الخمس الأولى عند حولها خمس بنات مخاض، وفي الخمس الثانية ثلاثة أوجه:
أحدها: لا شيء فيها.
والثاني: عليه سدس بنت مخاض.
والثالث: عليه شاة.
فصل:
الشرط الثالث: السوم، وهو أن تكون راعية، ولا زكاة في المعلوفة، لقول النبي ﷺ : «في الإبل السائمة في كل أربعين بنت لبون وفي سائمة الغنم في كل أربعين شاة» فيدل على نفي الزكاة عن غير السائمة؛ ولأن المعلوفة لا تقتنى للنماء، فلم يجب فيها شيء، كثياب البذلة. ويعتبر السوم في معظم الحول؛ لأنها لا تخلو من علف في بعضه، فاعتباره في الحول كله يمنع الوجوب بالكلية، فاعتبر في معظمه. وإن كان غصبها غاصب فعلفها معظم الحول فلا زكاة فيها، لعدم السوم المشترط. وإن غصب معلوفة فأسامها ففيه وجهان:
أحدهما: لا زكاة فيها لأن مالكها لم يسمها فلم يلزمه زكاتها كما لو علفها.
والثاني: تجب زكاتها؛ لأن الشرط تحقق، فأشبه ما لو كمل النصاب في يد الغاصب.
[باب زكاة الإبل]
وهي مقدرة بما قدره به رسول الله ﷺ ، فروى البخاري بإسناده، عن أنس أن أبا بكر الصديق ﵁ كتب له حين وجهه إلى البحرين: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ هذه فريضة الصدقة التي فرضها رسول الله ﷺ على المسلمين، والتي أمر الله بها رسول
стр. 369
الله ﷺ ، فمن سألها من المسلمين على وجهها فليعطها، ومن سأل فوقها فلا يعطه.
في أربع وعشرين من الإبل فما دونها من الغنم في كل خمس شاة؛ فإذا بلغت خمساً وعشرين إلى خمس وثلاثين ففيها بنت مخاض؛ فإن لم يكن بنت مخاض فابن لبون ذكر، فإذا بلغت ستاً وثلاثين إلى خمس وأربعين ففيها بنت لبون أنثى، فإذا بلغت ستاً وأربعين ففيها حقة طروقة الفحل، إلى ستين فإذا بلغت إحدى وستين إلى خمس وسبعين ففيها جذعة، فإذا بلغت ستاً وسبعين إلى تسعين ففيها ابنتا لبون، فإذا بلغت إحدى وتسعين إلى عشرين ومائة ففيها حقتان، طروقتا الفحل، فإذا زادت على عشرين ومائة ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة ومن لم يكن معه إلا أربع من الإبل فليست فيها صدقة، إلا أن يشاء ربها. فإذا بلغت خمساً من الإبل ففيها شاة أوجب دون خمس وعشرين غنماً لأنه لا يمكن المواساة من جنس المال؛ لأن واحدة منها كثير، وإخراج جزء تشقيص يضر بالمالك والفقير، والإسقاط غير ممكن فعدل إلى إيجاب الشياه جمعاً بين الحقوق، وصارت الشياه أصلاً لو أخرج مكانها إبلاً لم يجزئه لأنه عدل عن المنصوص عنه إلى غير جنسه فلم يجزئه، كما لو أخرجها عن الشياه الواجبة في الغنم. ولا يجزئ إلا الجذع من الضأن والثني من المعز؛ لأنها الشاة التي تعلق بها حكم الشرع، في سائر موارده المطلقة، ويعتبر كونها في صفة الإبل، ففي السمان الكرام شاة سمينة كريمة، وفي اللئام والهزال لئيمة هزيلة؛ لأنها سببها فإن كانت مراضاً لم يجز إخراج مريضة؛ لأن المخرج من غير جنسها، ويخرج شاة صحيحة على قدر المال، ينقص من قيمتها على قدر نقيصة الإبل، ولا يعتبر كونها من جنس غنمه، ولا غنم البلد؛ لأنها ليست سبباً لوجوبها، فلم يعتبر كونها من جنسها، كالأضحية، ولا يجزئ فيها الذكر كالمخرجة عن الغنم، ويحتمل أن يجزئ؛ لأنها شاة مطلقة، فيدخل فيها الذكر كالأضحية، فإن عدم الغنم لزمه شراء شاة، وقال أبو بكر: يجزئه عشرة دراهم؛ لأنها بدل الشاة للجبران ولا يصح؛ لأن هذا إخراج قيمة فلم يجز، كما في الشاة المخرجة عن الغنم، وليست الدراهم في الجبران بدلاً، بدليل إجزائها مع وجود الشاة.
فصل:
فإذا بلغت خمساً وعشرين أمكنت المواساة من جنسها، فوجبت فيها بنت مخاض، وهي التي لها سنة ودخلت في الثانية، سميت بذلك لأن أمها ماخض أي: حامل بغيرها، قد حان ولادتها، فإن عدمها أخرج ابن لبون ذكراً، وهو الذي له سنتان ودخل في الثالثة، سمي بذلك لأن أمه لبون أي ذات لبن، وصار نقص الذكورية مجبوراً بزيادة
стр. 370
السن. فإن عدمه أيضاً لزمه شراء بنت مخاض؛ لأنهما استويا في العدم، فأشبه ما لو استويا في الوجود، ولأن تجويز ابن لبون للرفق به، إغناء له عن كلفة الشراء، ولم يحصل الإغناء عنها ههنا، فرجع إلى الأصل. ومن لم يجد إلا بنت مخاض معيبة فهو كالعادم؛ لأنه لا يمكن إخراجها، وإن وجدها أعلى من صفة الواجب أجزأته، فإن أخرج ابن لبون لم يجزئه لأن ذلك مشروط بعدم ابنة مخاض مجزئة، وإن اشترى بنت مخاض على صفة الواجب جاز، ولا يجبر نقص الذكورية بزيادة السن في غير هذا الموضع. وقال القاضي: يجوز أن يخرج عن بنت لبون حقاً، وعن الحقة جذعاً مع عدمهما؛ لأنه أعلى وأفضل، فيثبت الحجم فيه بالتنبيه، ولا يصح لأنه لا نص فيهما، وقياسهما على ابن اللبون ممتنع؛ لأن زيادة سنة يمتنع بها من صغار السباع، ويرعى الشجر بنفسه، ويرد الماء ولا يوجد هذا في غيره.
فصل:
فإذا بلغت ستاً وثلاثين ففيها بنت لبون، وفي ست وأربعين حقة وهي التي لها ثلاث سنين ودخلت في الرابعة، سميت بذلك لأنها استحقت أن يطرقها الفحل وتركب، ولهذا قال في الحديث: «طروقة الفحل» .
وفي إحدى وستين جذعة، وهي التي ألقت سناً ولها أربع سنين ودخلت الخامسة، وهي أعلى سن يؤخذ في الزكاة، وفي ست وسبعين ابنتا لبون.
وفي إحدى وتسعين حقتان إلى عشرين ومائة، وإذا زادت واحدة ففيها ثلاث بنات لبون.
وعنه: لا يعتبر الفرض حتى تبلغ ثلاثين ومائة، فيكون فيها حقة وبنتا لبون، والصحيح الأول؛ لأن في حديث الصدقات الذي كتبه رسول الله ﷺ ، وكان عند آل عمر بن الخطاب «فإذا كانت إحدى وعشرين ومائة ففيها ثلاث بنات لبون» وهذا نص، وهو حديث حسن. ولو ملك زادت جزءاً من بعير لم يتغير الفرض به لذلك، ولأن سائر الفروض لا تتغير بزيادة جزء، ثم في كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة، للحديث الصحيح.
فصل:
فإذا بلغت مائتين، اتفق الفرضان، أربع حقاق أو خمس بنات لبون، أيهما أخرج
стр. 371
أجزأه، فإن كان الآخر أفضل منه، والمنصوص عنه في أربع حقاق، وهذا محمول على أن ذلك فيها بصفة التخيير؛ لأن في كتاب الصدقات الذي عند آل عمر ﵁، فإذا كان مائتين ففيها أربع حقاق أو خمس بنات لبون، أي السنين وجدت عنده أخذت منه، ولأنه اتفق الفرضان في الزكاة فكانت الخيرة لرب المال كالخيرة في الجبران، وإن كان المال ليتيم لم يخرج عنه إلا أدنى السنين، لتحريم التبرع بمال اليتيم، فإن أراد إخراج الفرض من السنين، على وجه يحتاج إلى التشقيص، كزكاة لمائتين لم يجز، وإن لم يحتج إليه كزكاة ثلاثمائة يخرج عنها حقتين وخمس بنات لبون جاز، وإن وجدت إحدى الفريضتين دون الأخرى، أو كانت الأخرى ناقصة، تعين إخراج الكاملة؛ لأن الجبران بدل، لا يصار إليه مع وجود الفرض الأصلي، وإن احتاجت كل فريضة إلى جبران أخرج ما شاء منها، فإذا كانت عنده ثلاث حقاق وأربع بنات لبون فله إخراج الحقاق وبنت لبون مع الجبران أو بنات اللبون وحقة، ويأخذ الجبران، وإن أعطى حقة وثلاث بنات لبون مع الجبران لم يجزئه؛ لأنه يعدل عن الفرض مع وجوده إلى الجبران، ويحتمل الجواز، فإن كان الفرضان معدومين، أو معيبين فله العدول إلى غيرها مع الجبران، فيعطي أربع جذعات، ويأخذ ثماني شياه، أو يخرج خمس بنات مخاض وعشر شياه، وإن اختار أن ينتقل من الحقاق إلى بنات المخاض مع الجبران، أو من بنات اللبون إلى الجذعات مع الجبران، لم يجز؛ لأن الحقاق وبنات اللبون منصوص عليهن فلا تصعد إلى الحقاق بجبران، ولا ينزل لبنات اللبون بجبران.
فصل:
ومن وجبت عليه فريضة فعدمها فله أن يخرج فريضة أعلى منها بسنة، ويؤخذ شاتين، أو عشرين درهماً، أو فريضة أدنى منها بسنة، ومعها شاتان أو عشرون درهما، لما روى أنس في كتاب الصدقات الذي كتبه أبو بكر ﵁ قال: من بلغت عنده من الإبل صدقة الجذعة، وليست عنده جذعة وعنده حقة، فإنها تقبل منه، ويجعل معها شاتين إن استيسرتا له، أو عشرين درهماً، ومن بلغت عنده صدقة الحقة، وليست عنده الحقة، وعنده الجذعة فإنها تقبل منه الجذعة، ويعطيه المصدق شاتين أو عشرين درهماً، ومن بلغت عنده صدقة الحقة، وليست عنده إلا بنت لبون، فإنها تقبل منه بنت لبون، ويعطى شاتين أو عشرين درهماً، ومن بلغت صدقته بنت لبون، وعنده حقة، فإنها تقبل منه، ويعطيه المصدق شاتين أو عشرين درهماً، فأما من وجبت عليه جذعة، فأعطى مكانها ثنية بغير جبران جاز، وإن طلب جبراناً لم يعط؛ لأن زيادة سن الثنية غير معتبر في الزكاة، وإن عدم بنت المخاض لم يقبل منه فصيل بجبران ولا غيره؛ لأنه ليس بفرض ولا أعلى منه، والخيرة في النزول والصعود، والشياه والدراهم إلى رب المال؛
стр. 372
للخبر، فإن أراد أعطى شاة وعشرة دراهم، أو أخذ ذلك جاز ذكره القاضي؛ لأن الشاة مقام عشرة دراهم، وقد كانت الخيرة إليه فيهما مع غيرهما، فكانت الخيرة إليه فيهما مفردين ويحتمل المنع؛ لأن الشارع جعل له الخيرة في شيئين، وتجويز هذا يجعل له الخيرة في ثلاثة أشياء، وإن كان النصاب مريضاً لم يجز له الصعود إلى الفرض الأعلى بجبران؛ لأن الشاتين جعلتا جبراناً، لما بين صحيحين، فيكون أكثر مما بين المريضين، وإن أراد النزول ويدفع الجبران جاز؛ لأنه متطوع بالزيادة، ومن وجب عليه فرض فلم يجد إلا أعلى منه بسنتين، فقال القاضي: يجوز أن يصعد إلى الأعلى، ويأخذ أربع شياه أو أربعين درهماً، أو ينزل إلى الأنزل، ويخرج معه أربع شياه أو أربعين درهماً لأن الشارع جوز له الانتقال إلى الذي يليه، وجوز الانتقال من العدول إلى ما يليه [إذا كان هو الفرض، وهنا لو كان موجوداً فإذا عدم جاز العدول إلى ما يليه] ، وقال أبو الخطاب: لا يجوز؛ لأن النص إنما ورد بالانتقال إلى ما يليه فأما إن وجد سناً يليه لم يجز له الانتقال إلى الأبعد؛ لأن النبي ﷺ ، أقام الأقرب مقام الفرض، ولو وجد الفرض لم ينتقل عنه، فكذلك إذا وجد الأقرب لم ينتقل عنه، وإن أراد أن يخرج مكان الأربع شياه شاتين وعشرين درهماً جاز؛ لأنهما جبران فيهما كالكفارتين، ولا مدخل للجبران في غير الإبل لأن النص فيها ورد وليس غيرها في معناها.
[باب صدقة البقر]
روى الإمام أحمد ﵁ عن يحيى بن الحكم، أن معاذاً قال: «بعثني رسول الله ﷺ أصدق أهل اليمن، فأمرني أن آخذ من البقر من كل ثلاثين تبيعاً، ومن كل أربعين مسنة، ومن الستين تبيعين، ومن السبعين مسنة وتبيعاً، ومن الثمانين مسنتين، ومن التسعين ثلاث أتباع، ومن المائة مسنة وتبيعين، ومن العشرة ومائة مسنتين وتبيعاً، ومن العشرين ومائة ثلاث مسنات أو أربعة أتباع، وأمرني أن لا آخذ فيما بين ذلك شيئاً إلا أن تبلغ مسنة أو جذعاً.» فأول نصابها ثلاثون وفيها تبيع أو تبيعة، وهو الذي له سنة ودخل في الثانية. وفي الأربعين مسنة، وهي التي لها سنتان ودخلت في الثالثة. ويتفق الفرضان في مائة وعشرين، فيخرج رب المال أيهما شاء للخبر، ولما ذكرنا في الإبل.
فصل:
ولا يؤخذ في الصدقة إلا الأنثى، لورود النص بها. وفضلها بدرها ونسلها، إلا
стр. 373
الأتبعة في البقر حيث وجبت، وابن لبون مكان بنت مخاض، إذا عدمت، فإن كانت ماشيته كلها ذكوراً جاز إخراج الذكر في الغنم وجهاً واحداً لأن الزكاة وجبت مواساة، والمواساة إنما تكون بجنس المال. ويجوز إخراجه في البقر في أصح الوجهين لذلك. وفي الإبل وجهان:
إحداهما: يجوز لذلك.
والآخر: لا يجوز، لإفضائه إلى إخراج ابن لبون عن خمس وعشرين وست وثلاثين، وفيه تسوية بين النصابين. فعلى هذا يخرج أنثى ناقصة بقدر قيمة الذكر، وعلى الوجه الأول يخرج ابن لبون عن النصابين، ويكون التعديل بالقيمة. ويحتمل أن يخرج بن مخاض عن خمس وعشرين فيقوم الذكر مقام الأنثى التي في سنه، كسائر النصب [ويحتمل أن لا يخرج الذكر فعلى هذا يخرج أنثى ناقصة بقدر قيمة الذكر وعلى الوجه الأول يخرج ابن لبون عن نصابين ويكون التعديل بالقيمة] .
فصل:
والجواميس نوع من البقر، والبخاتي نوع من الإبل، والضأن والمعز جنس واحد. فإذا كان النصاب نوعين، أو كان فيه سمان ومهازيل، وكرام ولئام؛ أخرج الفرض من أيهما شاء على قدر المالين. فإذا كان نصفين، وقيمة الفرض من أحدهما عشرة، ومن الآخر عشرين أخذه من أيهما شاء قيمته خمسة عشر، إلا أن يرضى رب المال بإخراج الأجود.
[باب صدقة الغنم]
وأول نصابها أربعون: وفيها شاة، إلى مائة وعشرين. فإذا زادت واحدة، ففيها شاتان إلى مائتين، فإن زادت واحدة ففيها ثلاث شياه. ثم في كل مائة شاة شاة، لما روى أنس في كتاب الصدقات: «وفي سائمة الغنم إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائة شاة؛ فإذا زادت على عشرين ومائة ففيها شاتان، فإذا زادت على مائتين إلى ثلاثمائة ففيها ثلاث شياه: فإذا زادت على ثلاثمائة ففي كل مائة شاة، فإذا كانت سائمة الرجل ناقصة عن أربعين شاة شاة واحدة فليس فيها صدقة، إلا أن يشاء ربها» .
وعن أحمد: أن في ثلاثمائة وواحدة أربع شياه، ثم في كل مائة شاة شاة. اختارها
стр. 374
أبو بكر؛ لأن النبي ﷺ جعل الثلاثمائة غاية، فيجب تغير الفرض بالزيادة عليها، والأول أصح؛ لأن النبي ﷺ جعل حكمها إذا زادت على الثلاثمائة، في كل مائة شاة. فإيجاب أربع فيما دون الأربعمائة يخالف الخبر، وإنما جعل الثلاثمائة حداً لاستقرار الفرض.
فصل:
ولا يجزئ من الغنم إلا الجذع من الضأن، وهو الذي له ستة أشهر، والثني في المعز، وهو الذي له سنة لما روى سعر بن ديسم قال: «أتاني رجلان على بعير فقالا: إنا رسولا رسول الله ﷺ لتؤدي صدقة غنمك. قلت: فأي شيء تأخذان؟ قالا: عناقاً جذعة أو ثنية» . رواه أبو داود. لأن هذا السن هو المجزئ في الأضحية دون غيره، كذلك في الزكاة، فإن كان في ماشيته كبار وصغار لم يجب فيها إلا المنصوص، ويؤخذ الفرض بقدر قيمة المالين، ولذلك قال عمر ﵁: اعتد عليهم بالسخلة، يروح بها الراعي على يديه، ولا تأخذها منهم. فإن كانت كلها صغاراً جاز إخراج الصغير؛ لقول الصديق ﵁: لو منعوني عناقاً كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ ، لقاتلتهم عليها. ولا تؤدى العناق إلا عن صغار؛ ولأن الزكاة تجب مواساة، فيجب أن تكون من جنس المال.
وقال أبو بكر: لا تجزئ إلا كبيرة، للخبر. فإن كانت ماشيته الصغار إبلاً أو بقراً ففيها وجهان:
أحدهما: تجزئه الصغيرة، لما ذكرناه في الغنم، وتكون الصغيرة الواجبة في ست وأربعين زائدة على الواجبة في ست وثلاثين بقدر تفاوت ما بين الحقة وبنت اللبون، وهكذا في سائر النصب تعدل بالقيمة.
والثاني: لا يجزئ إلا كبيرة؛ لأن الفرض يتغير بنهاية السن، فيؤدي إخراج الصغيرة إلى التسوية بين النصابين. فعلى هذا يخرج كبيرة ناقصة القيمة بقدر نقص الصغار عن الكبار. وعنه أيضاً: لا ينعقد عليها الحول حتى تبلغ سناً يجزئ في الزكاة، لئلا يلزم هذا المحذور.
فصل:
لا يجزئ في الصدقة هرمة، ولا معيبة، ولا تيس، لقول الله تعالى: ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧] . وروى أنس في كتاب الصدقات: «لا يخرج في
стр. 375
الصدقة هرمة، ولا ذات عوار، ولا تيس» . وروى أبو داود عن النبي ﷺ أنه قال: «ثلاث من فعلهن فقد طعم طعم الإيمان: من عبد الله وحده وأنه لا إله إلا هو، وأعطى زكاة ماله طيبة بها نفسه، رافدة عليه كل عام، ولم يعط الهرمة ولا الدرنة ولا المريضة ولا الشرط اللئيمة، لكن من وسط أموالكم فإن الله لم يسألكم خيره، ولم يأمركم بشره» . الشرط: رذالة المال، والدرنة: الجرباء، فإن كان بعض النصاب مريضاً، وبعضه صحيحاً لم يأخذ إلا صحيحة على قدر المالين، وإن كان كله مريضاً أخذت مريضة منه. وقال أبو بكر: لا يؤخذ إلا صحيحة بقيمة المريضة، والقول في هذا كالقول في الصغار.
فصل:
ولا يؤخذ في الصدقة الربى، وهي التي تربي ولدها، ولا الماخض، وهي الحامل، ولا التي طرقها الفحل؛ لأن الغالب أنها حامل، ولا الأكولة وهي السمينة، ولا فحل الماشية المعد لضرابها، ولا حزرات المال، وهو خياره تحزره العين لحسنه، لقول النبي ﷺ لمعاذ: «إياك وكرائم أموالهم» متفق عليه. وقوله ﷺ : «إن الله لم يسألكم خيره» وقال عمر ﵁ لساعيه: لا تأخذ الربى ولا الماخض ولا الأكولة ولا فحل الغنم. قال الزهري: إذا جاء المصدق قسم الشاء: أثلاثاً، ثلثاً خياراً، وثلثاً شراراً، وثلثاً وسطاً، ويأخذ المصدق من الوسط. فإن تبرع المالك بدفع شيء من هذا، أو أخرج عن الواجب أعلى منه من جنسه جاز؛ لأن المنع من أخذه، لحقه فجاز برضاه، كما لو دفع فرضين مكان فرض. فإذا دفع حقة عن بنت لبون، أو تبيعين مكان الجذعة جاز لذلك، ولأن التبيعين يجزئان عن الأربعين مع غيرها فلأن يجزئان عنها مفردة أولى. وقد روى أبو داود عن أبي بن كعب «أن رجلاً قدم على النبي ﷺ فقال: يا نبي الله أتاني رسولك ليأخذ مني صدقة مالي، فزعم أن ما علي فيه بنت مخاض، فعرضت عليه ناقة فتية سمينة، فقال له رسول الله ﷺ : ذاك الذي وجب عليك فإن تطوعت بخير آجرك الله فيه وقبلناه منك فقال: ها هي ذه يا رسول الله، فأمر رسول الله ﷺ بقبضها، ودعا له بالبركة» .
فصل:
ولا تجزئ القيمة في شيء من الزكاة. وعنه: يجزئ لأن المقصود غنى الفقير بقدر المال. والأول المذهب؛ لأن النبي ﷺ ذكر هذه الأعيان المنصوص عليها بياناً لما فرضه تعالى، فإخراج غيرها ترك للمفروض. وقوله: فإن لم تكن بنت مخاض، فابن
стр. 376
لبون ذكر، يمنع إخراج ابن اللبون مع وجود ابنة المخاض، ويدل على أنه أراد العين دون المالية، فإن خمساً وعشرون لا تخلوا عن مالية ابنة المخاض، وإخراج القيمة يخالف ذلك، ويفضي إلى إخراج الفريضة مكان الأخرى من غير جبران، وهو خلاف النص، واتباع السنة أولى. وقد روي عن معاذ أن النبي ﷺ لما بعثه إلى اليمن قال: «خذ الحب من الحب، والشاة من الغنم، والبعير من الإبل، والبقرة من البقر» رواه أبو داود.
[باب حكم الخلطة]
وهي ضربان:
خلطة أعيان: بأن يملكا مالاً مشاعاً يرثانه أو يشتريانه أو غير ذلك.
وخلطة أوصاف: وهو أن يكون مال كل واحد منهما متميزاً فخلطاه، ولم يتميزا في أوصاف نذكرها، وكلاهما يؤثر في جعل مالهما كمال الواحد في شيئين:
أحدهما: أن الواجب فيهما كالواجب في مال واحد؛ فإن بلغا معاً نصاباً ففيهما الزكاة، وإن زادا على النصاب لم يتغير الفرض حتى يبلغا فريضة ثانية. فلو كان لكل واحد منهما عشرون كان عليهما شاة، وإن كان لكل واحد منهما ستون، لم يجب أكثر من شاة، وإن كان لهما مال غير مختلط، تبع المختلط في الحكم فلو كان لكل واحد منهما ستون، فاختلط في أربعين لم يلزمهما إلا شاة في مالهما كله؛ لأن مال الواحد يضم بعضه إلى بعض في الملك، فتضم الأربعين المنفردة إلى العشرين المختلطة، فيلزم انضمامها إلى العشرين التي لخليطه، فيصير الجميع كمال واحد، ولو كان لرجل ستون، كل عشرين منها مختلطة بعشرين لآخر، فالواجب شاة واحدة، نصفها على صاحب الستين، ونصفها على الخلطاء، على كل واحد سدس شاة، لما ذكرناه، فإن كان لأحدهم شاة مفردة، لزمهم شاتان.
والثاني: أن الساعي أخذ الفرض من مال أيهما شاء، سواء دعت إليه حاجة لكون الفرض واحداً أو لم تدع إليه حاجة، بأن يجد فرض كل واحد منهما في ماله؛ لأن مالهما صار كالمال الواحد في الإيجاب، فكذلك في الإخراج، ولذلك قال النبي ﷺ : «وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية» رواه البخاري. يعني: إذا أخذ الفرض من مال أحدهما. والأصل في الخلطة ما روى أنس في حديث الصدقات: «ولا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية» . ولأن المالين صارا كالمال الواحد في المؤن، فكذلك في الزكاة.
стр. 377
فصل:
ويعتبر في الخلطة شروط خمس:
أحدها: أن تكون في السائمة ولا تؤثر الخلطة في غيرها.
وعنه: تؤثر فيها خلطة الأعيان لعموم الخبر، ولأنه مال تجب فيه الزكاة فأثرت الخلطة فيه كالسائمة، ولنا قول النبي ﷺ : «والخليطان ما اجتمعا على الحوض والراعي والفحل» رواه الدارقطني وهذا تفسير للخلطة المعتبرة شرعاً، فيجب تقديمه، ولأن الخلطة في السائمة أثرت في الضرر لتأثيرها في النفع، وفي غيرها لا تؤثر في النفع لعدم الوقص فيها، وقول النبي ﷺ : «لا يجمع بين متفرق خشية الصدقة» دليل على اختصاص ذلك بالسائمة التي تقل الصدقة بجمعها لأجل أوقاصها، بخلاف غيرها.
الثاني: أن يكون الخليطان من أهل الزكاة، فإن كان أحدهما مكاتباً أو ذمياً فلا أثر لخلطته؛ لأنه لا زكاة في ماله، فلم يكمل النصاب به.
الشرط الثالث: أن يختلطا في نصاب، فإن اختلطا فيما دونه، مثل أن يختلطا في ثلاثين شاة لم تؤثر الخلطة، سواء كان لهما مال سواه أو لم يكن؛ لأن المجتمع دون النصاب فلم تجب الزكاة فيه.
الشرط الرابع: أن يختلطا في ستة أشياء لا يتميز أحدهما عن صاحبه فيها وهي: المسرح، والمشرب، والمحلب، والمراح، والراعي، والفحل لما روى الدارقطني بإسناده عن سعد بن أبي وقاص قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة والخليطان ما اجتمعا في الحوض والفحل والراعي» نص على هذه الثلاثة، فنبه على سائرها، ولأنه إذا تميز كل مال بشيء مما ذكرناه لم يصيرا كالمال الواحد في المؤن ولا يشترط حلب المالين في إناء واحد؛ لأن ذلك ليس بمرفق بل ضرر، لاحتياجهما إلى قسمته.
الشرط الخامس: أن يختلطا في جميع الحول، فإن ثبت لهما حكم الانفراد في بعضه زكيا زكاة المنفردين فيه؛ لأن الخلطة، معنى يتعلق به إيجاب الزكاة فاعتبرت في جميع الحول كالنصاب، فإن كان مال كل واحد منهما منفرداً فخلطاه، زكياه في الحول الأول زكاة الانفراد، وفيما بعد زكاة الخلطة، فإن اتفق حولاهما مثل أن يملك كل واحد منهما أربعين في أول المحرم، وخلطاها في صفر، فإذا تم حولهما الأول أخرجا شاتين، فإذا تم الثاني فعليهما شاة واحدة. وإن اختلف حولاهما، فملك أحدهما أربعين في المحرم، والآخر أربعين في صفر، فخلطاها في ربيع، أخرجا شاتين للحول الأول، فإذا
стр. 378
تم حول الأول والثاني فعليه نصف شاة، فإن أخرجا من غير النصاب فعلى الثاني عند تمام حوله نصف شاة، وإن أخرجها من النصاب فعلى الثاني من الشاة بقدر ماله من جميع المالين، فإذا كان ماله أربعين، ومال صاحب أربعون إلا نصف شاة، فعليه أربعون جزءاً من تسع وسبعين جزءاً ونصف من شاة، وإن ثبت لأحدهما حكم الانفراد دون صاحبه: نحو أن يملكا نصابين فخلطاهما، ثم باع أحدهما ماله أجنبياً، فعلى الأول شاة عند تمام حوله؛ لأنه ثبت له حكم الانفراد، فإذا تم حول الثاني فعليه زكاة الخلطة؛ لأنه لم يزل مخلطاً في جميع الحول.
فصل:
فإن كان بينهما نصابان مختلطان، فباع أحدهما غنمه بغنم صاحبه وأبقياه على الخلطة، لم ينقطع حولهما ولم تزل خلطتهما، وكذلك إن باع البعض بالبعض من غير إفراد، قل المبيع أو كثر، فأما إن أفرداها، ثم تبايعا ثم خلطاها، وطال زمان الإفراد بطل حكم الخلطة، وإن لم يطل ففيه وجهان:
أحدهما: لا ينقطع حكم الخلطة لأن هذا زمن يسير فعفي عنه.
والثاني: يبطل حكم الخلطة؛ لأنه قد وجد الانفراد في بعض الحول فيجب تغليبه، كالكثير وإن أفردا بعض النصاب وتبايعاه، وكان الباقي على الخلطة نصاباً، لم تنقطع الخلطة؛ لأنها باقية في نصاب، وإن بقي أقل من نصاب فحكمه حكم إفراد جميع المال.
وذكر القاضي: أن حكم الخلطة، ينقطع في جميع هذه المسائل ولا يصح؛ لأن الخلطة لم تزل في جميع الحول، والبيع لا يقطع حكم الحول في الزكاة فكذلك في الخلطة، ولو كان لكل واحد أربعون، مخالطة لمال آخر، فتبايعاها مختلطة، لم يبطل حكم الخلطة، وإن اشترى بالمخالطة، مفردة، أو بالمفردة مختلطة، انقطعت الخلطة، وزكى زكاة المنفرد؛ لأن زكاة المشتري تجب ببنائه على حول المبيع، وقد ثبت لأحدهما حكم الانفراد في بعض الحول فيجب تغليبه.
فصل:
[إذا كان لرجل نصاب، فباع نصفه مشاعاً في الحول] ، فقال أبو بكر: ينقطع حول الجميع؛ لأنه قد انقطع في النصف المبيع، فكأنه لم يجر في حول الزكاة أصلاً، فلزم انقطاعه في الباقي.
стр. 379
وقال ابن حامد: لا ينقطع الحول فيما لم يبع؛ لأنه لم يزل مخالطاً لمال جار في حول الزكاة، وحدوث الخلطة لا يمنع ابتداء الحول، فلا يمنع استدامته، وهكذا لو كان النصاب لرجلين، فباع أحدهما نصيبه أجنبياً فعلى هذا إذا تم حول ما لم يبع ففيه حصته من الزكاة، فإن أخرجت منه نقص النصاب، فلم يلزم المشتري زكاة، وإن أخرجت من غيره، وقلنا الزكاة تتعلق بالعين، فلا شيء على المشتري أيضاً لأن تعلق الزكاة بالعين يمنع وجوب الزكاة.
وقال القاضي: لا يمنع، فعلى قوله: على المشتري زكاة حصته إذا تم حوله، وإن قلنا تتعلق بالذمة لم يمنع وجوب الزكاة على المشتري؛ لأن النصاب لم ينقص، فأما إن أفرد بعض النصاب وباعه، ثم خلطه المشتري بمال البائع، فقال ابن حامد: ينقطع حولهما، لثبوت حكم الانفراد لهما. وقال القاضي: يحتمل أن لا ينقطع حكم حول البائع؛ لأن هذا زمن يسير.
ولو كان لرجلين نصاب خلطة، فاشترى أحدهما نصيب صاحبه، أو ورثه، أو اتهبه في أثناء الحول فهذه عكس المسألة الأولى صورة ومثلها معنى؛ لأنه في الأولى كان خليط نفسه ثم صار خليط أجنبي، وههنا كان خليط أجنبي فصار خليط نفسه، والحكم فيها كالحكم في الأولى، لاشتراكهما في المعنى.
ولو استأجر أجيراً يرعى غنمه بشاة منها، فحال الحول ولم يفردها فهما خليطان، ولو أفردها فنقص النصاب فلا زكاة فيها، لنقصانها، وإن استأجره بشاة موصوفة صح وجرت مجرى الدين في منعها من الزكاة على ما مضى من الخلاف فيه.
فصل:
وذكر القاضي شرطاً سادساً وهو نية الخلطة؛ لأنه معنى يتغير به الفرض فافتقر إلى النية، كالسوم، والصحيح أنه لا يشترط؛ لأن النية لا تؤثر في الخلطة فلا تؤثر في حكمها؛ لأن المقصود بها الارتفاق بخفة المؤونة، وذلك يحصل في عدم النية.
فصل:
إذا أخذ الساعي الفرض من مال أحدهما رجع على خليطه بقدر حصته من المال، لقول رسول الله ﷺ : «وما كان من خليطين، فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية» فإذا كان لأحدهما الثلث فأخذ الفرض من ماله، رجع على خليطه بقيمة ثلثيه، وإن أخذه من صاحبه، رجع صاحبه عليه بقيمة ثلثه، فإن اختلفا في القيمة فالقول قول المرجوع عليه، إذا عدمت البينة؛ لأنه غارم فالقول كالغاصب، وإن أخذ الساعي أكثر من الواجب بغير
стр. 380
تأويل، فأخذ مكان الشاة اثنتين، لم يرجع على صاحبه إلا بقدر الواجب؛ لأن الزيادة ظلم، فلا يرجع بها على غير ظالمه، وإن أخذه بتأويل فأخذ صحيحة كبيرة عن مراض صغار رجع على صاحبه؛ لأن ذلك إلى اجتهاد الإمام، فإذا أداه اجتهاده إلى أخذه وجب دفعه إليه، وكان بمنزلة الواجب، وإن أخذ القيمة رجع بالحصة منها لأنه مجتهد فيه.
فصل:
فإن كانت سائمة الرجل في بلدين لا يقصر بينهما الصلاة فهي كالمجتمعة وإن كان بينهما مسافة القصر فكذلك اختاره أبو الخطاب؛ لأنه مال واحد يضم إلى بعض، كغير السائمة، وكما لو تقارب البلدان، والمشهور عن أحمد: أن لكل مال حكم نفسه، لظاهر قوله ﵇: «لا يفرق بين مجتمع ولا يجمع بين متفرق خشية الصدقة» ، ولا يختلف المذهب في سائر الأموال أنه يضم مال الواحد بعضه إلى بعض، تقاربت البلدان أو تباعدت، لعدم تأثير الخلطة فيها.
[باب زكاة الزرع والثمار]
وهي واجبة: بقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٦٧] . وقول النبي ﷺ : «فيما سقت السماء والعيون أو كان عثرياً العشر، وما سقي بالنضح نصف العشر» أخرجه البخاري، وبالإجماع. ولا تجب إلا بخمسة شروط:
أحدها: أن يكون حباً أو ثمراً، لقول رسول الله ﷺ : «لا زكاة في حب أو ثمر حتى تبلغ خمسة أوسق» رواه مسلم. وهذا يدل على وجوب الزكاة في الحب والثمر وانتفائها عن غيرهما.
الشرط الثاني: أن يكون مكيلاً، لتقديره بالأوسق، وهي مكاييل، فيدل ذلك على اعتبارها.
الشرط الثالث: أن يكون مما يدخر؛ لأن جميع ما اتفق على زكاته مدخر، ولأن غير المدخر لا تكمل ماليته لعدم التمكن من الانتفاع به في المال. فتجب الزكاة في جميع الحبوب المكيلة، المقتات منها، والقطاني، والأبازير والبزور والقرطم، وحب القطن، ونحوها، وفي التمر، والزبيب، واللوز، والفستق، والعناب، لاجتماع هذه
стр. 381
الأوصاف الثلاثة، [وقال ابن حامد: لا زكاة في الأبازير والبزور ونحوها] ، ولا تجب في الخضر كالقثاء، والبطيخ، والباذنجان، لعدم هذه الأوصاف فيها، وقد روى موسى بن طلحة أن معاذاً لم يأخذ من الخضر صدقة: ولا تجب في سائر الفواكه كالجوز، والتفاح، والإجاص، والكمثرى، والتين، لعدم الكيل فيها، وعدم الادخار في بعضها، وقد روى الأثرم بإسناده أن عامل عمر ﵁ كتب إليه في كروم فيها من الفرسك ما هو أكثر غلة من الكرم أضعافاً مضاعفة، فكتب إليه عمر: ليس عليها عشر هي من العضاه. والفرسك: الخوخ، ولا زكاة في الزيتون؛ لأنه لا يدخر، وعنه: فيه الزكاة لقول الله تعالى: ﴿وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] .
وقيل: لم يرد بهذه الآية الزكاة؛ لأنها مكية نزلت قبل وجوب الزكاة، ولهذا لم تجب الزكاة في الرمان. ولا زكاة في تين، ولا ورق، ولا زهر؛ لأنه ليس بحب ولا ثمر ولا مكيل.
وعنه في القطن والزعفران: زكاة لكثرته، وفي الورس والعصفر وجهان. بناء على الزعفران.
وقال أبو الخطاب: تجب الزكاة في الصعتر، والأشنان؛ لأنه مكيل مدخر والأول أولى؛ لأنه ليس بمنصوص عليه، ولا في معنى المنصوص.
فصل:
الشرط الرابع: أن ينبت بإنبات الآدمي في أرضه، فأما النابت بنفسه، كبزر قطونا والبطم وحب الأشنان والثمام، فلا زكاة فيه. ذكره ابن حامد؛ لأنه إنما يملك بحيازته. والزكاة إنما تجب ببدو الصلاح، ولم يكن ملكاً له حينئذ، فلم تجب زكاته، كما لو اتهبه. وقال [القاضي] : فيه الزكاة، لاجتماع الأوصاف الأول فيه. وما يلتقطه اللقاطون من السنبل لا زكاة فيه. نص عليه أحمد ﵁ وقال: هو بمنزلة المباحات ليس فيه صدقة. وما يأخذه الإنسان أجرة لحصاده، أو يوهب له لا زكاة عليه
стр. 382
فيه، لما ذكرنا. ومن استأجر أرضاً، أو استعارها فالزكاة عليه فيما زرع؛ لأن الزرع ونفع الأرض له دون المالك. ومن زرع في أرض موقوفة عليه، فعليه العشر؛ لأن الزرع طلق غير موقوف. فإن كان الوقف للمساكين فلا عشر فيه؛ لأنه ليس لواحد معين إنما يملك المسكين ما يعطاه منه، فلم يلزمه عشره، كما لو أخذ عشر الزرع غيره.
فصل: [في نصاب الزروع] الشرط الخامس: أن يبلغ نصاباً قدر خمسة أوسق، لقول النبي ﷺ : «ليس فيها دون خمسة أوسق صدقة» متفق عليه. والوسق: ستون صاعاً لما روى أبو سعيد عن النبي ﷺ أنه قال: «الوسق ستون صاعاً» رواه أبو داود. والصاع خمس أرطال وثلث، والمجموع ثلاثمائة صاع، وهي ألف وستمائة رطل بالعراقي، والرطل مائة وثمانية وعشرون درهماً وأربعة أسباع، وهو بالرطل الدمشقي المقدر بستمائة درهم، ثلاثمائة رطل واحد وأربعون رطلاً وستة أسباع رطل. والأوساق مكيلة، وإنما نقل إلى الوزن ليحفظ وينقل. قال أحمد: وزنته، يعني الصاع، فوجدته خمسة أرطال وثلثاً حنطة، وهذا يدل على أن قدره ذلك من الحبوب الثقيلة. فإن كان ما وجبت فيه الزكاة موزوناً كالقطن والزعفران اعتبر بالوزن؛ لأنه موزون ذكره القاضي. وحكي عنه أنه قال: إذا بلغت قيمته قيمة خمسة أوسق من أدنى ما تخرجه الأرض ففيه الزكاة، فإن كان الحب [قيمته قيمة خمسة أوسق] مما يدخر في قشره كالأرز، فإنه علم أنه يخرج عن النصف، فنصابه عشرة أوسق مع قشره، وإن لم يعلم ذلك، أو شك في بلوغ النصاب، خير بين أن يستنظر ويخرج عشره قبل قشره وبين قشره واعتباره بنفسه. والعلس: نوع من الحنطة، يزعم أهله أنه إذا خرج من قشره لا يبقى بقاء الحنطة، ويزعمون أنه يخرج عن النصف، فنصابه عشرة أوسق مع قشره، ويعتبر أنه يبلغ النصاب من الحب مصفى، ومن الثمار يابساً.
وعنه: يعتبر النصاب في الثمرة رطباً ثم يخرج منه قدر عشر رطبه ثمراً، ولا يصح؛ لأنه إيجاب لزيادة على العشر، والنص يرد ذلك.
فصل:
وتضم أنواع الجنس بعضها إلى بعض ليكمل النصاب، كما ذكرنا في الماشية، فيضم العلس إلى الحنطة، والسلت إلى الشعير؛ لأنهما نوعا جنس واحد، ويضم زرع
стр. 383
العام الواحد بعضه إلى بعض، سواء اتفق وقت إطلاعه وإدراكه أو اختلف، فيقدم بعضه على بعض ويضم الصيفي إلى الربيعي. ولو حصدت الذرة ثم نبتت مرة أخرى يضم أحدهما إلى الآخر لأنه زرع عام واحد فضم بعضه إلى بعض كالمتقارب. ويضم ثمرة العام الواحد بعضها إلى بعض لذلك. فإن كان له نخل يحمل حملين في العام، ضم أحدهما إلى الآخر كالزرع. وقال القاضي في موضع: لا يضم الحمل الثاني إلى شيء. والأول أولى.
فصل:
ولا يضم جنس إلى غيره؛ لأنهما جنسان مختلفان، فلم يضم أحدهما إلى الآخر كالماشية.
وعنه: تضم كل الحبوب بعضها إلى بعض، اختارها أبو بكر لأنها تتفق في قدر النصاب، والمخرج، والمنبت، والحصاد، أشبهت أنواع الجنس.
وعنه: تضم الحنطة إلى الشعير، والقطنيات بعضها إلى بعض، اختاره الخرقي والقاضي؛ لأنها تتقارب في المنفعة فأشبهت نوعي الجنس. وهذا ينتقض بالتمر والزبيب، لا يضم أحدهما إلى الآخر مع ما ذكروه.
فصل:
وقدر الزكاة: العشر فيما سقي بغير كلفة، كماء السماء والعيون والأنهار، ونصف العشر فيما سقي بكلفة كالدوالي والنواضح ونحوها للحديث الذي في أول الباب، ولأن للكلفة تأثيراً في تقليل النماء، فيؤثر على الزكاة كالعلف في الماشية، فإن سقي نصف السنة بكلفة، ونصفها بما لا كلفة فيه، ففيه ثلاث أرباع العشر، وإن سقي بأحدهما أكثر من الآخر اعتبر بالأكثر؛ لأن اعتبار السقي في عدد مراته، وقدر ما يشرب في كل مرة يشق ويتعذر، فاعتبر بالأكثر، كالسوم. وقال ابن حامد: يجب بالقسط لأن ما وجب فيه بالقسط عند التماثل، ويجب عند التفاضل كزكاة الفطر عن العبد المشترك. وإن جهل المقدار غلبنا إيجاب العشر، نص عليه لأنه الأصل. وإن اختلف الساعي ورب المال في قدر شربه، فالقول قول رب المال من غير يمين؛ لأن الناس لا يستحلفون على صدقاتهم، فإن كان له حائطان، فسقى أحدهما بمؤنة، والآخر بغير مؤنة، ضم أحدهما إلى الآخر في كمال النصاب، وأخذ من كل واحدة فرضه، ويجب فيما زاد على النصاب بحسابه، قل أو كثر؛ لأنه يتجزأ فوجب فيه بحسابه كالأثمان.
стр. 384
فصل:
وإذا بدا الصلاح في الثمار واشتد الحب وجبت الزكاة؛ لأنه حينئذ يقصد للأكل والاقتيات به، فأشبه اليابس، وقيل: لا يقصد لذلك، فهو كالرطبة. فإن تلف قبل ذلك، أو أتلفه فلا شيء فيه؛ لأنه تلف قبل الوجوب، فأشبه ما لو أتلف السائمة قبل الحول، إلا أن يقصد بإتلافها الفرار من زكاتها فتجب عليه لما ذكرنا، وإن تلف بعد وجوبها، وقبل حفظها في بيدرها وجرينها بغير تفريط، فلا ضمان عليه، سواء خرصت أو لم تخرص؛ لأنها في حكم ما لم تثبت اليد عليه. ولو تلف بجائحة رجع بها المشتري على البائع. وإن أتلفها أو فرط فيها ضمن نصيب الفقراء بالخرص، أو بمثل نصيبهم. وإن أتلفها أجنبي ضمن نصيب الفقراء بالقيمة؛ لأن رب المال عليه تخفيف هذا بخلاف الأجنبي. والقول في تلفها وقدرها والتفريط فيها، قول رب المال؛ لأنه خالص حق الله تعالى، فلا يستحلف فيه كالحد، وإن تلف بعد جعلها في الجرين فحكمها حكم تلف السائمة بعد الحول.
فصل:
ويستحب الإمام أن يبعث من يخرص الثمار حين بدو الصلاح، لما روت عائشة ﵂ «أن النبي ﷺ كان يبعث عبد الله بن رواحة إلى يهود فيخرص عليهم النخل حين يطيب قبل أن يؤكل منه» . رواه أبو داود. وعن عتاب بن أسيد قال: «أمرنا رسول الله ﷺ أن نخرص العنب كما نخرص النخل. فيؤخذ زكاته زبيباً كما تؤخذ زكاة النخل تمراً» . رواه أبو داود. ويجزئ خارص واحد لحديث عائشة، ولأنه يفعل ما يؤديه إليه اجتهاده، فجاز أن يكون واحداً كالحاكم.
ويعتبر أن يكون مسلماً أميناً غير متهم ذا خبرة، فإن كانت الثمرة أنواعاً خرص كل نوع على حدته؛ لأن الأنواع تختلف، منها ما يكثر رطبه ويقل يابسه، ومنها خلاف ذلك، فإن كانت نوعاً واحداً خير بين خرص كل شجرة منفردة، وبين خرص الجميع دفعة واحدة، ثم يعرف المالك قدر الزكاة، ويخيره بين حفظها إلى الجذاذ، وبين التصرف فيها وضمان حق الفقراء فإن اختار حفظها فعليه زكاة ما يؤخذون منها قل أو كثر؛ لأن الفقراء شركاؤه، فليس عليه أكثر من حقهم منها، وإن اختار التصرف ضمن حصة الفقراء بالخرص، فإن ادعى غلط الساعي في الخرص، دعوى محتملة، فالقول قوله بغير يمين، وإن ادعى غلطاً كثيراً لا يحتمل مثله لم يلتفت إليه لأنه يعلم كذبه، فإن اختار التصرف فلم يتصرف، أو تلفت فهو كما لو لم يخير؛ لأن الزكاة أمانة فلا تصير مضمونة في الشرط كالوديعة.
стр. 385
فصل:
ويخرص الرطب والعنب، لحديث عتاب، ولأن الحاجة داعية إلى أكلهما رطبين، وخرصهما ممكن لظهور ثمرتهما، واجتماعها في أفنانها وعناقيدها، ولم يسمع بالخرص من غيرهما، ولا هو في معناهما؛ لأن الزيتون ونحوه حبه متفرق في شجره مستتر بورقه.
فصل:
وعلى الخارص أن يترك في الخرص الثلث أو الربع توسعة على رب المال، لحاجته إلى الأكل منها والإطعام، ولأنها قد يتساقط منها وينتابها الطير والمارة، وقد روى سهل بن أبي حثمة أن النبي ﷺ قال: «إذا خرصتم فخذوا ودعوا الثلث، فإن لم تدعوا أو تجدوا الثلث فدعوا الربع» رواه أبو داود. وعن مكحول قال: «كان رسول الله ﷺ إذا بعث الخراص قال: خففوا عن الناس فإن في المال العرية والواطئة والأكلة» رواه أبو عبيد. فالعرية: النخلات يهب رب المال ثمرتها لإنسان، والواطئة: السابلة، والأكلة: أرباب الأموال ومن تعلق بهم. فإن لم يترك الخارص شيئاً فلهم الأكل بقدر ذلك، ولا يحتسب عليهم، وإن لم يخرص عليهم، فأخرج رب المال خارصاً فخرص، وترك قدر ذلك، جاز. ولهم أكل الفريك من الزرع ونحوه، مما جرت العادة بمثله، ولا يحتسب عليهم.
فصل:
وإذا احتيج إلى قطع الثمرة قبل كمالها، لخوف العطش أو غيره، أو لتحسين بقية الثمرة جاز قطعها؛ لأن العشر وجب مواساة، فلا يكلف منه ما يهلك أصل المال، ولأن حفظ الأصل أحظ للفقراء من حفظ [الثمرة، لتكرر حقهم فيها كما هو أحظ للمالك. فإن كفى التجفيف لم يجز قطعها] ، فإن لم يكف جاز قطعها كلها، وإن كانت الثمرة عنباً، لا يجيء منه زبيب، أو زبيبه رديء كالخمري، أو رطب لا يجيء منه تمر جاز كالبربنا قطعه.
قال أبو بكر: وعليه قدر الزكاة في جميع ذلك يابساً، وذكر أن أحمد نص عليه.
وقال القاضي: لا يلزمه ذلك لأن الفقراء شركاؤه فلم يلزمه مواساتهم بغير جنس ماله. ويتخير الساعي بين مقاسمة رب المال الثمرة قبل الجذاذ بالخرص، ويأخذ نصيبهم
стр. 386
شجرات منفردة، وبين مقاسمة الثمرة بعد جذها بالكيل، ويقسم الثمرة في الفقراء، وبين بيعها للمالك أو لغيره قبل الجذاذ وبعده، ويقسم ثمنها في الفقراء، فإن أتلفها رب المال فعليه قيمتها؛ لأنه لا يلزمه تجفيفها، فأشبه الأجنبي.
فصل:
وما عدا ذلك لا يجوز إخراج الواجب من ثمرته إلا يابساً، ومن الحبوب إلا مصفى؛ لأنه وقت الكمال وحالة الادخار، فإن كان نوعاً واحداً أخرج عشره منه، جيداً كان أو رديئاً؛ لأن الفقراء بمنزلة الشركاء فيه. وإن كان أنواعاً أخرج من كل نوع حصته كذلك، ولا يجوز إخراج الرديء عن الجيد، ولا يلزم إخراج الجيد عن الرديء، لما ذكرنا، ولا مشقة في هذا؛ لأنه لا يحتاج إلى تشقيص.
وقال أبو الخطاب: إن شق ذلك لكثرة الأنواع واختلافها، أخذ من الوسط، وإن أخرج رب المال الجيد عن الرديء جاز، وله ثواب الفضل لما ذكرنا في السائمة.
فصل:
فأما الزيتون فإن لم يكن ذا زيت أخرج عشر حبه، وإن كان ذا زيت فأخرج من حبه جاز كسائر الحبوب، وإن أخرج زيتاً كان أفضل لأنه يكفي الفقراء مؤنته، ويخرجه في حال الكمال والادخار.
فصل:
ويجوز لرب المال بيعه بعد وجوب زكاته؛ لأن الزكاة إذا كانت في ذمته لم يمنع التصرف في ماله كالدين، وإن تعلقت بالمال، لكنه تعلق ثبت بغير اختياره، فلم يمنع التصرف فيه كأرش الجناية، فإن باعه فزكاته عليه دون المشتري ويلزمه إخراجها كما تلزمه لو لم يبعه.
فصل:
ويجتمع العشر والخراج في كل أرض فتحت عنوة، الخراج في رقبتها والعشر في غلتها؛ لأن الخراج مؤنة الأرض فهو كالأجرة في الإجارة، ولأنهما حقان يحيان لمستحقين، فيجتمعان كالكفارة، والقيمة في الصيد المملوك على المحرم.
وقال الخرقي: يؤدي الخراج ثم يزكي ما بقي؛ لأن الخراج دين من مؤنة الأرض، فأشبه ما استدانه لينفقه على زرعه. وقد ذكرنا فيما استدانه رواية أخرى: أنه لا يحتسب به فكذلك يخرج ههنا.
стр. 387
فصل:
ويجوز لأهل الذمة شراء الأرض العشرية، ولا عشر عليهم في الخارج منها؛ لأنهم من غير أهل الزكاة، فأشبه ما لو اشتروا سائمة. ويكره بيعها لهم لئلا يفضي إلى إسقاط الزكاة.
وعنه: يمنعون شراءها لذلك، اختاره الخلال وصاحبه، فعلى هذا إن اشتروها، ضوعف العشر عليهم، كما لو اتجروا إلى غير بلدانهم ضوعف عليهم ما يؤخذ من المسلمين.
فصل:
وفي العسل العشر، لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده «أن رسول الله ﷺ كان يؤخذ في زمانه من قرب العسل، من كل عشر قرب قربة من أوسطها» . رواه أبو عبيد. وعن ابن عمر قال: قال النبي ﷺ : «في العسل في كل عشر قرب قربة» رواه أبو داود والترمذي. وقال الترمذي: في إسناده مقال، ولا يصح في هذا الباب عن النبي ﷺ كبير شيء. ومقتضى هذا أن يكون نصابه عشر قرب، والقربة مائة رطل. كذلك ذكره العلماء في تقرير القرب التي قدروا بها في القلتين. وقال أصحابنا: نصابه عشر أفراق؛ لأن الزهري قال: في عشرة أفراق فرق، ثم اختلفوا، فقال ابن حامد والقاضي في المجرد: الفرق ستون رطلاً، وحكي عن القاضي أنه قال: الفرق ستة وثلاثون رطلاً، والمشهور عند أهل العربية الفرق الذي هو ثلاثة آصع، هو ستة عشر رطلاً.
[باب زكاة الذهب]
والفضة وهي واجبة لقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: ٣٤] ، ولما نذكره من النصوص، ولأنهما معدان للنماء، فأشبها السائمة، ولا زكاة إلا في نصاب، ونصاب الورق مائتا درهم، ونصاب الذهب، عشرون مثقالاً؛ لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ أنه قال: «ليس في أقل من عشرين مثقالاً من الذهب، ولا أقل من مائتي درهم صدقة» رواه أبو عبيد. والاعتبار بدراهم الإسلام، التي وزن كل عشر منها سبعة مثاقيل بغير خلاف فإن نقص النصاب كثيراً فلا زكاة فيه للحديث، ولقوله ﷺ : «ليس فيما دون خمسة أواق صدقة» . والأوقية أربعون درهماً، وإن كان يسيراً كالحبة والحبتين فظاهر كلام الخرقي لا
стр. 388
زكاة فيه للخبر؛ وقال غيره من أصحابنا: فيه الزكاة؛ لأن هذا لا يضبط، فهو كنقص الحول ساعة أو ساعتين. ولا يضم الذهب إلى الفضة في إكمال النصاب؛ لأنهما جنسان. اختارها أبو بكر، وفرق بينها وبين الحبوب لاختلاف نصابهما واتفاق نصاب الحبوب. وعن أحمد ﵁: أنه يضم؛ لأن مقاصدها متفقة، فهما كنوعي الجنس، ويضم أحدهما إلى الآخر بالأجزاء فيحسب كل واحد من نصابه، ثم يضم إلى صاحبه؛ لأن الزكاة تتعلق بأعيانها فلا تعتبر قيمتها كسائر الأموال.
وعنه: تضم بالقيمة إن كان ذلك أحظ للفقراء فيقوم الأعلى منهما بالآخر، فإذا ملك مائة درهم وتسعة دنانير، قيمتها مائة درهم، وجبت زكاتها، مراعاة للفقراء، ويجب في الزائد على النصاب بحسابه؛ لأنه يتجزأ من غير ضرر فأشبه الحبوب.
فصل:
والواجب فيها ربع العشر. لقول النبي ﷺ : «في الرقة ربع العشر» رواه البخاري. والرقة: الدراهم المضروبة، فيجب في المائتين خمسة دراهم وفي العشرين مثقال، نصف مثقال ويخرج عن كل واحد من الرديء والجيد، وعن كل نوع من جنسه، إلا أن يشق ذلك لكثرة الأنواع واختلافها فيؤخذ من الوسط لما ذكرنا في الماشية، وإن أخرج الجيد عن الرديء كان أفضل، فإن أخرج رديئاً عن جيد زاد بقدر ما بينهما من الفضل؛ لأنه لا ربا بين العبد وسيده.
وقال القاضي: هذا في المكسرة عن الصحيحة، أما المبهرجة فلا يجزئه، بل يلزمه إخراج جيده، ولا يرجع فيما أخرج لله تعالى، وفي إخراج أحد النقدين عن الآخر روايتان. بناء على ضم أحدهما إلى الآخر. ومن ملك مغشوشاً منهما فلا زكاة فيه حتى يبلغ قدر الذهب والفضة نصاباً، فإن شك في بلوغه، خير بين سبكه ليعرف، وبين أن يستظهر ويخرج، ليسقط الفرض بيقين.
فصل:
ولا زكاة في الجواهر واللآلئ؛ لأنها معدة للاستعمال، فأشبهت ثياب البذلة، وعوامل الماشية، وأما الفلوس فهي كعروض التجارة تجب فيها زكاة القيمة.
فصل:
ومن ملك مصوغاً من الذهب أو الفضة محرماً كالأواني، وما يتخذه الرجل لنفسه من الطوق ونحوه، وخاتم الذهب وحلية المصحف والدواة والمحبرة والمقلمة والسرج
стр. 389
واللجام وتازير المسجد، ففي الزكاة؛ لأن هذا فعل محرم فلم يخرج به عن أصله. فإن كان مباحاً كحلية النساء المعتادة من الذهب والفضة، وخاتم الرجل من الفضة، وحلية سيفه وحمائله ومنطقته، وجوشنه وخوذته وخفه ورانه من الفضة وكان معداً للتجارة، أو نفقة أو كراء بيت؛ ففيه الزكاة؛ لأنه معد للنماء، فهو كالمضروب، وإن أعد للبس والعارية، فلا زكاة فيه، لما روى جابر عن النبي ﷺ أنه قال: «ليس في الحلي زكاة» ولأنه مصروف عن جهة النماء إلى استعمال مباح فلم تجب فيه زكاته كثياب البذلة. وحكى ابن أبي موسى عنه أن فيه الزكاة، لعموم الأخبار.
فصل:
ولا فرق بين كثير الحلي وقليله لعدم ورود الشرع بتحديده. وقال ابن حامد: إن بلغ حلي المرأة ألف مثقال فهو محرم وفيه الزكاة؛ لأن جابراً قال: إن ذلك لكثير. ولأنه سرف لم تجز العادة به، فأشبه ما لو اتخذت حلي الرجال.
فصل:
فإن انكسر الحلي كسراً لا يمنع اللبس فهو كالصحيح، إلا أن ينوي ترك لبسه، وإن كان كسراً يمنع الاستعمال، ففيه الزكاة لأنه صار كالنقرة. ولو نوى بحلي اللبس التجار والكرى انعقد عليه حول الزكاة من حين نوى؛ لأن الوجوب الأصل فانصرف إليه بمجرد النية، كما لو نوى بمال التجارة القنية.
فصل:
ويعتبر النصاب في المصوغ بالوزن لعموم الخبر، فإن كانت قيمته أكثر من وزنه لصناعة محرمة فلا عبرة بزيادة القيمة؛ لأنها معدومة شرعاً، وإن كانت مباحة كحلي التجارة فعليه قدر ربع عشره في زنته وقيمته؛ لأن زيادة القيمة ها هنا بغير محرم، فأشبه زيادة قيمته لنفاسة جوهره، فإن أخرج ربع عشره مشاعاً جاز، وإن دفع قدر ربع عشره وزاد في الوزن بحيث يستويان في القيمة جاز؛ لأن الربا لا يجري ها هنا، وإن أراد كسره، ودفع ربع عشره مكسوراً لم يجز؛ لأنه ينقص قيمته، وإن كان في الحلي جواهر ولآلئ وكان للتجارة قوم جميعه، وإن كان لغيرها فلا زكاة فيها؛ لأنها لا زكاة فيها منفردة فكذلك مع غيرها.
[باب زكاة المعدن]
وهو ما استخرج من الأرض مما خلق فيها من غير جنسها كالذهب والفضة
стр. 390
والحديد والنحاس والزبرجد والبلور والعقيق والكحل والمغرة وأشباهها، والقار والنفط والكبريت ونحوه، فتجب فيه الزكاة، لقول الله تعالى: ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٦٧] . وروى الجوزجاني بإسناده عن بلال بن الحارث المزني: «أن رسول الله ﷺ أخذ من معادن القبلية الصدقة» . وقدرها ربع العشر؛ لأنها زكاة في الأثمان، فأشبهت زكاة سائر الأثمان، أو تتعلق بالقيمة أشبهت زكاة التجارة، ولا يعتبر لها حول؛ لأنه يراد لتكامل النماء، وبالوجود يصل إلى النماء فلم يعتبر له حول كالعشر. ويشترط له النصاب وهو مائتا درهم من الورق، أو عشرون مثقالاً من الذهب، أو ما قيمته ذلك من غيرهما، لقوله ﷺ : «ليس فيما دون خمس أواق صدقة» ولأنها زكاة تتعلق بالأثمان أو بالقيمة فاعتبر لها النصاب كالأثمان أو العروض. ويعتبر إخراج النصاب متوالياً، فإن ترك العمل ليلاً أو نهاراً للراحة، أو لإصلاح الأداة، أو لمرض أو إباق عبد فهو كالمتصل؛ لأن ذلك العادة. وإن خرج بين النيلين تراب لا شيء فيه فاشتغل به فهو مستديم للعمل، وإن تركه ترك إهمال فلكل دفعة حكم نفسها. قال القاضي: ويعتبر النصاب في كل جنس منفرداً، والأولى ضم الأجناس إلى المعدن الواحد في تكميل النصاب؛ لأنها تتعلق بالقيمة فيضم، وإن اختلفت الأنواع، كالعروض. ولا يحتسب بما أنفق على المعدن في إخراجه وتصفيته؛ لأنه كمؤن الحصاد والزراعة. ولا تجب على من ليس من أهل الزكاة؛ لأنه زكاة. ويمنع الدين وجوبه، كما يمنع في الأثمان. وتجب في الزائد على النصاب بحسابه؛ لأنه مما يتجزأ، ويخرج زكاته من قيمته كما يخرج من قيمة العروض.
فصل:
فأما الخارج من البحر كاللؤلؤ والمرجان والعنبر ففيه روايتان:
إحداهما: لا شيء فيه؛ لأن ابن عباس قال: لا شيء في العنبر إنما هو شيء ألقاه البحر، ولأنه قد كان على عهد رسول الله ﷺ وخلفائه فلم يسبق فيه سنة.
والثانية: فيه زكاة؛ لأنه معدن أشبه معدن البر. ولا شيء في السمك؛ لأنه صيد فهو كصيد البر.
وعنه: فيه الزكاة قياساً على العنبر.
فصل:
ويجوز بيع تراب معادن الأثمان بغير جنسه، ولا يجوز بجنسه لإفضائه إلى الربا،
следующие страницы →