Полный текст (1 486 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
[باب مواقيت الحج]
باب المواقيت وللحج ميقاتان:
ميقات مكان، وميقات زمان، فأما ميقات المكان فالمنصوص عليه خمسة. لما روى ابن عباس قال: «وقت رسول الله ﷺ لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرن، ولأهل اليمن يلملم. قال: فهن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن، ممن كان يريد الحج والعمرة، فمن كان دونهن فمهله من أهله، وكذلك أهل مكة يهلون منها» متفق عليه. وعن عائشة أن رسول الله ﷺ وقت لأهل العراق ذات عرق. رواه أبو داود. فهذه المواقيت لكل من مر عليها من أهلها ومن غيرهم للخبر. ومن منزله بين الميقات ومكة، فميقاته: منزله؛ للخبر، وميقات من بمكة منها، وسواء في ذلك أهلها أو غيرهم للخبر، ولأن النبي ﷺ أمر المتمتعين من أصحابه فأحرموا منها، وعنه فيمن اعتمر في أشهر الحج من أهل مكة: أهل من الميقات. فإن لم يفعل فعليه دم. وذكر القاضي فيمن دخل مكة محرماً عن غيره بحج، أو عمرة، ثم أراد أن يحج عن نفسه، أو دخل مكة محرماً لنفسه ثم أراد أن يحرم عن غيره بحج أو عمرة، أنه يلزمه الإحرام من الميقات، فإن لم يفعل فعليه دم؛ لأنه جاز الميقات مريداً للنسك لنفسه وأحرم دونه فلزمه دم، كما لو تجاوزه غير محرم، ولنا الخبر. وإن كل ميقات لمن أتى عليه فكذلك مكة، ولأن هذا حصل بمكة حلالاً على وجه مباح، فكان له الإحرام منها بلا دم، كما لو كان الإحرامان لشخص، واحد ومن أي موضع في مكة أحرم جاز؛ لأنها كلها موضع للنسك، وإن أحرم خارجاً منها من الحرم جاز أيضاً؛ لأن النبي ﷺ قال لأصحابه في حجة الوداع: «إذا أردتم أن تنطلقوا إلى منى فأهلوا من البطحاء» وهي خارج من مكة، ولأن ما اعتبر فيه الحرم استوت البلدة فيه وغيرها كالبحر. وميقات العمرة للمكي ومن في الحرم، من الحل؛ لما «روت عائشة ﵂ أن النبي ﷺ أمر أخاها عبد الرحمن فأعمرها من التنعيم.» متفق عليه. وكانت بمكة يومئذ. ومن أي الحل أحرم جاز. لأن المقصود بالإحرام منه الجمع بين الحل والحرم في النسك؛ لأن أفعال العمرة كلها في الحرم، إلا الإحرام، بخلاف الحج فإنه يفتقر إلى الحل للوقوف بعرفة، فيحصل الجمع بين الحل والحرم.
فصل:
ومن جاوز الميقات مريداً لموضع قبل مكة، ثم بدا له الإحرام، أحرم من موضعه،
стр. 457
كما أن من دخل مكة يحرم منها، وإن مر به كافر أو عبد أو صبي، فأسلم الكافر، وأعتق العبد، وبلغ الصبي دونه، أحرموا من موضعهم ولا دم عليهم؛ لأنهم أحرموا من الموضع الذي وجب عليهم الإحرام فيه، فأشبهوا المكي والمتجاوز غير مريد لمكة.
وعنه في الكافر يسلم: يخرج إلى الميقات، فإن خشي الفوات أحرم من موضعه وعليه دم، والصبي والعبد في معناه؛ لأنهم تجاوزوا الميقات غير محرمين، قال أبو بكر: وبالأول أقول، وهو أصح لما ذكرناه، ومن لم يكن طريقه على ميقات، فإذا حاذى أقرب المواقيت إليه أحرم؛ لما روى ابن عمر قال؛ «لما فتح هذان المصران أتوا عمر فقالوا: يا أمير المؤمنين إن رسول الله ﷺ حد لأهل نجد قرناً، وهو جور عن طريقنا، وإنا إن أردنا قرنا شق علينا، قال: فانظروا وخذوها من طريقكم، فحد لهم ذات عرق.» رواه البخاري. ولأن هذا مما يدخله الاجتهاد والتقدير، فإذا اشتبه على الإنسان صار إلى اجتهاده فيه كالقبلة، فإن لم يعلم حذو الميقات احتاط فأحرم قبله؛ لأن تقديم الإحرام عليه جائز وتأخيره حرام.
فصل:
والأفضل أن لا يحرم قبل الميقات؛ لأن النبي ﷺ وأصحابه أحرموا من ذي الحليفة، فإن أحرم قبله، جاز؛ لأن الصبي بن معبد أحرم قبل الميقات قارناً فذكر ذلك لعمر فقال: هديت لسنة نبيك. ومن بلغ الميقات مريداً للنسك؛ لم يجز له تجاوزه بغير إحرام؛ لما تقدم من حديث ابن عباس، فإن تجاوزه غير محرم؛ لزمه الرجوع ليحرم منه؛ لأن من قدر على فعل الواجب لزمه، فإن رجع فأحرم منه فلا دم عليه؛ لأنه أدى الواجب فأشبه من لم يتجاوزه، فإن لم يمكنه الرجوع لخوف أو خشية الفوات فأحرم من موضعه، أو أحرم من موضعه لغير عذر، فعليه دم لأنه ترك الواجب من مناسك الحج، فإن رجع بعد ذلك إلى الميقات لم يسقط الدم؛ لأنه استقر عليه بإحرام من دونه، فأشبه من لم يرجع، فإن أحرم المكي بالحج من الحل الذي يلي عرفة، فهو كالمحرم من دون الميقات، وإن أحرم من الحل الذي يلي الجانب الآخر، ثم سلك الحرم فهو كالمحرم قبل الميقات، وإن أحرم بالعمرة من الحرم انعقد إحرامه كالذي يحرم بعد ميقاته، ثم إن خرج قبل الطواف إلى الحل وعاد، ففعل أفعاله تمت عمرته، وعليه دم، وإن لم يخرج وفعل أفعالها ففيه وجهان:
أحدهما: يجزئه، ويجبرها بدم، كالذي يحرم من دون ميقاته.
والثاني: لا يجزئه؛ لأنه نسك فكان من شرطه الجمع بين الحل والحرم كالحج، فعلى هذا لا يعتد بأفعاله، وهو باق على إحرامه حتى يخرج إلى الحل ثم يأتي بها.
стр. 458
فصل:
وميقات الزمان: شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة؛ لقول الله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] معناه: وقت الحج؛ لأن الحج أفعال وليس بأشهر فلم يكن بد من التقدير. وعن ابن مسعود وجابر وابن الزبير أنهم قالوا: أشهر الحج شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة، والاختيار أن لا يحرم بالحج قبل أشهره؛ لأنه تقديم للعبادة على وقتها فكره، كتقديمها على ميقات المكان، فإن فعل انعقد إحرامه؛ لأنه أحد الميقاتين فانعقد الإحرام بالحج قبله كالآخر، فأما العمرة فلا ميقات لها في الزمان، ويجوز الإحرام بها في جميع السنة؛ لأن النبي ﷺ قال: «عمرة في رمضان تعدل حجة.»
стр. 459
متفق عليه. «واعتمر في ذي القعدة وفي ذي الحجة مع حجته» ، رواه أنس، وهو حديث صحيح.
[باب الإحرام]
يستحب الغسل للإحرام؛ لما «روى زيد بن ثابت أنه رأى النبي ﷺ تجرد لإهلاله واغتسل.» حديث حسن. وعن جابر قال: «أتينا ذا الحليفة فولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبي بكر، فأرسلت إلى رسول الله ﷺ : كيف أصنع؟ قال: اغتسلي واستثفري بثوب وأحرمي» رواه مسلم. فإن لم يجد ماء لم يتيمم؛ لأنه غسل مسنون يراد للتنظيف فلا يسن التيمم عند العجز عنه كغسل الجمعة. وقال القاضي: يستحب له التيمم قياساً على غسل الجنابة، ويستحب له التنظيف بإزالة الشعر والشعث وقطع الرائحة وتقليم الأظفار؛ لأن الغسل شرع لذلك، ثم يتجرد من المخيط في إزار ورداء أبيضين نظيفين جديدين أو غسيلين؛ لما روى ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «وليحرم أحدكم في إزار ورداء ونعلين» ، ويستحب أن يتطيب في بدنه؛ لما «روت عائشة ﵂ قالت: كنت أطيب، رسول الله ﷺ لإحرامه قبل أن يحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت» ، وقالت: «كأني أنظر إلى وبيص الطيب في مفارق رسول الله ﷺ وهو محرم.» متفق عليهما، ولا يتطيب في ثوبه، فإن فعل فله استدامته حتى ينزعه، فمتى نزعه ثم لبسه فعليه الفدية؛ لأن الإحرام يمنع ابتداء الطيب دون استدامته. ولو نقل الطيب عن بدنه من موضع إلى موضع آخر فعليه الفدية، وإن سال بالحر وغيره إلى موضع آخر، فلا فدية عليه؛ لأنه ليس من جهته.
فصل:
ويستحب أن يحرم عقيب صلاة إما مكتوبة أو نافلة، وروى الأثرم قال: سألت أبا
стр. 460
عبد الله: أيما أحب إليك الإحرام في دبر الصلاة أو إذا استوت به ناقته؟ فقال: كل قد جاء، في دبر الصلاة، وإذا علا البيداء، وإذا استوت به ناقته، فوسع فيه كله.
والمشهور الأول؛ لما روى سعيد بن جبير قال: ذكرت لابن عباس إهلال رسول الله ﷺ فقال: «أوجب رسول الله ﷺ حين فرغ من صلاته ثم خرج، فلما ركب رسول الله ﷺ راحلته واستوت به قائمة أهل، فأدرك ذلك منه قوم فقالوا: أهل حين استوت به راحلته، وذلك أنهم لم يدركوا إلا ذلك، ثم سار حتى علا البيداء فأهل، فأدرك ذلك منه قوم فقالوا: أهل حين علا البيداء» رواه أبو داود، وهذا فيه فضل بيان وزيادة علم، فيتعين الأخذ به، وتقديمه على ما خالفه.
فصل:
وينوي الإحرام بقلبه، ولا ينعقد من غير نية؛ لقول النبي ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات» ولأنها عبادة محضة فافتقرت إلى النية كالصلاة، فإن لبى من غير نية لم يصر محرماً، وإن نوى الإحرام من غير تلبية، انعقد إحرامه؛ لأنه عبادة لا يجب النطق في آخرها فلم يجب في أولها كالصوم، فإن نوى إحراماً فسبق لسانه إلى غيره، انعقد إحرامه بما نواه، دون ما نطق به؛ لأن النية هي الإحرام، فاعتبرت دون النطق.
فصل:
ويستحب أن ينطق بما أحرم به ويعينه، ويشترط فيه: أن محلي حيث يحبسني، فيقول: اللهم إني أريد النسك الفلاني فيسره لي وتقبله مني، فإن حبسني حابس فمحلي حيث يحبسني؛ لما روت عائشة ﵂ قالت: «خرجنا مع رسول الله ﷺ فمنا من أهل بعمرة، ومنا من أهل بحج وعمرة، ومنا من أهل بحج» . وعنها قالت: «دخل النبي ﷺ على ضباعة بنت الزبير فقالت: يا رسول الله إني أريد الحج وأنا شاكية فقال: حجي واشترطي أن محلي حيث حبستني» متفق عليهما. ويفيد هذا الشرط شيئين:
أحدهما: أنه متى عاقه عائق من مرض أو غيره فله التحلل.
والثاني: أنه إذا حل لذلك فلا شيء عليه من دم ولا غيره، وغير هذا اللفظ مما يؤدي معناه يجري مجراه، قال ابن مسعود: اللهم إني أريد العمرة إن تيسرت لي وإلا فلا حرج علي. لأن المقصود المعنى، وإنما اعتبر اللفظ لتأديته له.
فصل:
ويجوز الإحرام بنسك مطلق وله صرفه إلى أيها شاء، وإن أحرم بمثل ما أحرم به
стр. 461
فلان، صح؛ لما روى أبو موسى قال: «قدمت على رسول الله ﷺ وهو منيخ بالبطحاء فقال لي: بم أهللت؟ قال: قلت: لبيك بإهلال كإهلال رسول الله. قال: أحسنت، فأمرني فطفت بالبيت وبالصفا، والمروة، ثم أمرني أن أحل» متفق عليه، ثم إن تبين له ما أحرم به فلان فإحرامه مثله، وإن تبين أن فلاناً لم يحرم فله صرفه إلى ما شاء كالمطلق؛ لأنه عقد الإحرام، وعلق عين النسك على إحرام فلان، فلما لم يحرم فلان، بطل التعيين وبقي المطلق.
وإن علم أن فلاناً أحرم ولم يعلم بما أحرم، أو شك هل أحرم أم لا، فهو كالناسي لإحرامه، وللناسي لما أحرم به صرفه إلى أي نسك شاء لأنه إن صادف ما أحرم به، فقد أصاب، وإن صرفه إلى عمرة، وكان إحرامه بغيرها، فإن فسخه إليها جائز مع العلم فمع الجهل أولى، فإن صرفه إلى قران وكان إحرامه بعمرة، فقد أدخل عليها الحج وهو جائز، وإن كان مفرداً فقد أدخل العمرة على الحج وهو لغو لا يفيد، ولا يقدح في حجه، كما لو فعله مع العلم.
وإن صرفه إلى الإفراد وكان معتمراً، فقد أدخل الحج على العمرة فصار قارناً، ولا تبطل العمرة بترك نيتها، فإن كان قارناً فهو على حاله لذلك.
والنصوص عن أحمد ﵁ أنه يجعل المنسي عمرة.
قال القاضي: هذا على سبيل الاستحباب؛ لأن ذلك مستحب مع العلم فمع عدمه أولى، فعلى هذا إن صرفه إلى عمرة، فهو متمتع حكمه حكم من فسخ الحج إلى العمرة، وإن صرفه إلى القران لم يجزئه عن العمرة إذ من المحتمل أن يكون مفرداً فلم يصح إدخال العمرة على حجة، ولا يلزمه دم القران؛ لأنه شاك فيما يوجبه، ويصح له الحج هاهنا، وفيما إذا صرفه إلى الإفراد، فإن كان شكه بعد الطواف لم يكن له صرفه إلا إلى العمرة؛ لأن إدخال الحج على العمرة بعد الطواف غير جائز، فإن صرفه إلى إفراد أو قران، تحلل بأفعال الحج ولم تجزئه عن واحد من النسكين؛ لأنه شاك في صحته ولا دم عليه للشك فيما يوجبه، إلا أن يكون معه هدي فيجزئه عن الحج؛ لأن إدخال الحج على العمرة في حقه جائز بعد الطواف.
فصل:
وإن أحرم بحجتين أو عمرتين، انعقد إحرامه بإحداهما، ولا يلزمه للأخرى قضاء ولا غيره؛ لأنهما عبادتان لا يلزم المضي فيهما، فلم يصح الإحرام بهما كالصلاتين، ولو أفسد نسكه ثم أحرم بغيره من جنسه؛ لم يلزمه للثاني شيء ولم يصح لذلك.
стр. 462
فصل:
وهو مخير إن شاء أحرم متمتعاً، أو مفرداً قارناً؛ لحديث عائشة. والتمتع: هو الإحرام بعمرة من الميقات، فإن فرغ منها أحرم بالحج من مكة في عامه، والإفراد: الإحرام بالحج مفرداً، والقران: الإحرام بهما معاً أو يحرم بالعمرة ثم يدخل عليها الإحرام بالحج قبل الطواف؛ لما روت عائشة قالت: «أهللنا بعمرة فقال رسول الله ﷺ : من كان معه هدي فليهل بالحج مع العمرة ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعاً» متفق عليه. فإن أحرم بحج ثم أدخل عليه عمرة؛ لم يصح ولم يصر قارناً لأنه لم يرد بذلك أثر ولا هو في معنى ما جاء به الأثر؛ لأن إحرامه بها لا يزيده عملاً على ما لزمه بإحرام الحج، ولا بغير ترتيبه بخلاف إدخال الحج على العمرة. ومن طاف للعمرة ثم أحرم بالحج معها؛ لم يصح لأنه قد أتى بمقصودها وشرع في التحلل منها، إلا أن يكون معه هدي فله ذلك؛ لأن من ساق هدياً لا يجوز له التحلل حتى ينحر هديه لقول الله تعالى: ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦] ، فلا يتحلل بطواف، ويتعين عليه إدخال الحج على العمرة، ويصير قارناً بخلاف غيره.
فصل:
وأفضل الأنساك التمتع؛ لما «روى جابر أنه حج مع النبي ﷺ وقد أهلوا بالحج مفرداً فقال لهم: حلوا من إحرامكم بطواف بالبيت ومن الصفا والمروة، وقصروا وأقيموا حلالاً حتى إذا كان يوم التروية فأهلوا بالحج واجعلوا التي قدمتم بها متعة، فقالوا: كيف نجعلها متعة وقد سمينا الحج؟ قال: افعلوا ما أمرتكم، فلولا أني سقت الهدي لفعلت مثلما أمرتكم به، ولكن لا يحل مني حرام حتى يبلغ الهدي محله قال: ففعلوا» . متفق عليه. وعنه: إن ساق الهدي فالقران أفضل؛ لأن النبي ﷺ لم يحل إذا كان معه الهدي. وقد روى أنس «أن النبي ﷺ قرن بين الحج والعمرة» . متفق عليه. والأول أصح؛ لقول النبي ﷺ : «لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولحللت» فيدل هذا على فضيلة المتعة، وقد روى عمر وعلي وسعد وابن عمر وحفصة وعائشة وعمران بن حصين - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - أن النبي ﷺ كان متمتعاً، وإنما منعه الحل سوق الهدي، ومعنى حديث أنس: أن النبي ﷺ أدخل الحج على العمرة حين امتنع عليه الحل منها. ثم بعد التمتع الإفراد؛ لأنه يأتي بنسكين كاملين، والقارن يقتصر على عمل الحج، ثم القران بعدهما.
стр. 463
فصل:
ويستحب للقارن والمفرد إذا لم يكن معهما هدي أن يفسخا نيتهما بالحج، وينويا عمرة مفردة، ويحلا من إحرامهما بطواف وسعي وتقصير ليصيرا متمتعين؛ لحديث جابر.
ويروى عن إبراهيم الحربي أنه قال: قال سلمة بن شبيب لأحمد بن حنبل: يا أبا عبد الله كل شيء منك حسن جميل إلا خلة واحدة، تقول بفسخ الحج! فقال أحمد: وقد كنت أرى أن لك عقلاً، عندي ثمانية عشر حديثاً صحاحاً جياداً كلها في فسخ الحج، أتركها لقولك؟ فأما من ساق الهدي فليس له ذلك؛ للحديث، ولقول الله تعالى: ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦] .
فصل:
ويجب على المتمتع دم لقول الله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] والدم الواجب شاة أو سبع بدنة؛ للآية. قال أبو حمزة: سألت ابن عباس عن المتعة فأمرني بها، وسألته عن الدم فقال: فيها جزور أو بقرة أو شاة أو شرك في دم. متفق عليه، ولا يجب الدم إلا بشروط خمسة.
أحدها: أن لا يكون من حاضري المسجد الحرام؛ لقول الله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦] ، وحاضرو المسجد: أهل الحرم، ومن بينه وبينه مسافة القصر؛ لأن الحاضر القريب، والقريب: دون مسافة القصر.
الثاني: أن يعتمر في أشهر الحج لأن المعتمر في غير أشهره لم يجمع بين النسكين، فلم يجب عليه دم كالمفرد، ولو أحرم بالعمرة من غير أشهر الحج، وحل منها في أشهره؛ لم يكن متمتعاً لأن الإحرام نسك لا تتم العمرة إلا به، ولأنه أتى به من غير أشهر الحج فلم يصر متمتعاً كالطواف.
الثالث: أن يحج من عامه، فإن أخر الحج إلى عام آخر؛ لم يكن متمتعاً لأن التمتع بالعمرة إلى الحج يقتضي الموالاة بينهما، ولم يوال، فأشبه المعتمر في غير أشهر الحج.
الرابع: أن لا يسافر بينهما سفر يقصر فيه؛ لما روي عن عمر ﵁ قال: إذا اعتمر في أشهر الحج ثم أقام فهو متمتع، فإن خرج ثم رجع فليس بمتمتع،
стр. 464
ولأنه إذا سافر لزمه الإحرام من الميقات، أو من حيث انتهى إليه، فلا يترفه بأحد السفرين، فأشبه المفرد.
الخامس: أن يحل من عمرته، فإن أدخل عليها الحج لم يجب دم المتعة؛ لما روت عائشة ﵂ قالت: «أهللنا بعمرة فقدمنا مكة وأنا حائض؛ لم أطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة، فشكوت ذلك إلى رسول الله ﷺ فقال: انقضي رأسك وامتشطي وأهلي بالحج ودعي العمرة. قالت: ففعلت، فلما قضينا الحج أرسلني رسول الله ﷺ مع عبد الرحمن بن أبي بكر إلى التنعيم فاعتمرت معه، فقال: هذه مكان عمرتك فقضى الله حجها وعمرتها ولم يكن في شيء من ذلك هدي ولا صوم ولا صدقة» . متفق عليه. ولأنه يصير قارناً، أشبه ما لو أحرم بهما، وذكر القاضي أنه يشترط أن ينوي في ابتداء العمرة أو أثناءها أنه متمتع؛ لأنه جمع بين عبادتين، فافتقر إلى النية كالجمع بين الصلاتين، وظاهر الآية يدل على عدم اشتراط هذا؛ لأنه يوجد التمتع بدونه والترفه بترك أحد السفرين فلزمه دم كما لو نوى.
فصل:
وفي وقت وجوبه روايتان:
إحداهما: إذا أحرم بالحج لقول الله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] وبإحرام الحج يفعل ذلك فيجب الدم.
والثانية: إذا وقف بعرفة؛ لأن الحج لا يحصل إلا به، وهو معرض للفوات قبله فلا يحصل التمتع، فأما وقت ذبحه فقال أحمد: إن قدم مكة قبل العشر ومعه هدي نحره عن عمرته؛ لئلا يضيع أو يموت أو يسرق، فإن قدم في العشر لم ينحره حتى ينحره بمنى؛ لأن أصحاب النبي ﷺ قدموا في العشر فلم ينحروا حتى نحروا بمنى، فجوز النحر قبل إحرامه بالحج؛ لأنه حق مال يتعلق بشيئين فجاز تقديمه على أحد سببيه كالزكاة.
فصل:
فإن لم يجد الهدي فعليه صوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع؛ لقول الله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦] وتعتبر القدرة
стр. 465
في موضعه لأنه موقت له بدل، فاعتبرت قدرته في وقته كالوضوء، ووقت صيام الثلاثة قبل يوم النحر لقول الله تعالى: ﴿فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦] . والأفضل أن يكون آخرها يوم عرفة؛ ليحصل صومها أو بعضه بعد إحرام. وإن قدمه على ذلك بعد إحرام العمرة، جاز؛ لأنه وقت جاز فيه نحر الهدي فجاز فيه الصيام كبعد إحرام الحج، ومعنى قوله: ﴿فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦] أي في وقته. ولا يجوز تقديم النحر ولا الصوم قبل إحرام العمرة؛ لأنه تقديم له على سببه، فأشبه تقديم الزكاة على النصاب، ويصوم السبعة إذا رجع إلى أهله للآية، ولما روى ابن عمر أن النبي ﷺ قال: «فمن لم يجد فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله» متفق عليه. فإن صامها بعد حجه بمكة أو في طريقه جاز؛ لأنه صوم واجب جاز تأخيره في حق من يصح منه الصوم فجاز تقديمه، كرمضان في حق المسافر، ولا يجب التتابع في شيء من صوم المتعة؛ لأن الأمر فيه مطلق فلم يجب التتابع فيه كقضاء رمضان، فإن لم يصم الثلاث قبل أيام النحر صام أيام منى في إحدى الروايتين لقول ابن عمر وعائشة: لم يرخص في صوم أيام التشريق إلا للمتمتع إذا لم يجد الهدي.
والثانية: لا يصومها؛ لنهي النبي ﷺ عن صوم أيام التشريق، ويصوم بعد ذلك عشرة أيام. وهل يلزمه لتأخيره دم؟ فيه روايتان:
إحداهما: يلزمه؛ لأنه أخر الواجب من المناسك عن وقته فلزمه دم كتأخير الجمار.
والثانية: لا يلزمه دم؛ لأنه صوم واجب يجب القضاء بفواته، فلم يجب عليه بفواته كفارة كصوم رمضان.
وقال القاضي: إن أخره لغير عذر لتفريطه؛ لزمه، وإن أخره لعذر لم يلزمه وإن أخر الهدي الواجب لعذر من ضياع نفقة ونحوها فليس عليه إلا قضاؤه كسائر الهدي الواجب، وإن أخره لغير عذر ففيه روايتان:
إحداهما: لا يلزمه إلا قضاؤه لذلك.
والثانية: عليه هدي آخر؛ لما روي عن ابن عباس أنه قال: من تمتع فلم يهد إلى قابل يهدي هديين. ولأنه من نسك موقت فوجب بتأخيره دم كالرمي.
فصل:
ومن دخل في الصوم ثم قدر على الهدي؛ لم يلزمه الانتقال إليه؛ لأنه صوم شرع
стр. 466
فيه لعدم الهدي فلم يلزمه الانتقال عنه كصوم السبعة، وله الانتقال عنه كصوم السبعة، وله الانتقال إليه؛ لأنه الأصل وهو أكمل. وإن وجب عليه الصوم فلم يشرع فيه حتى قدر على الهدي ففيه روايتان:
إحداهما: لا يلزمه الهدي؛ لأن الصوم استقر عليه، أشبه الشارع فيه.
والثانية: يلزمه لأنه وجد المبدل قبل شروعه في البدل أشبه الواجد له حال الوجوب.
فصل:
ويجب على القارن دم؛ لأنه يروى عن ابن مسعود وابن عمر ﵄، ولأن القران نوع تمتع فيدخل في عموم الآية، ولأنه ترفه بترك أحد السفرين فلزمه دم كالمتمتع، ويشترط أن لا يكون من حاضري المسجد الحرام، وحكمه حكم دم المتعة فيما ذكرناه.
فصل:
وإذا حاضت المتمتعة قبل الطواف للعمرة فخشيت فوات الحج، أو خشي ذلك غيرها، أحرم بالحج مع العمرة وصار قارناً لحديث عائشة، ولأنه يجوز إدخال الحج على العمرة لغير عذر فمع خشية الفوات أولى.
فصل:
وتجزئ عمرة القارن وعمرة المفرد من أدنى الحل عن عمرة الإسلام، وعنه: لا تجزيان؛ «لقول النبي ﷺ لعائشة لما أعمرها أخوها: هذه مكان عمرتك» والصحيح: الأول؛ لقول الصبي بن معبد لعمر إني وجدت الحج والعمرة مكتوبين علي فأهللت بهما، يعني أهللت بالمكتوبتين. فقال عمر: هديت لسنة نبيك، ولأنها عمرة صحيحة فكانت مجزئة كعمرة المتمتع والمكي، ولأن الحج مع تأكيده يجزئ الإحرام به من مكة، فالعمرة من أدنى الحل أولى، وأما حديث عائشة فهو حجة على إجزاء إحدى العمرتين المختلف فيهما، ولا حجة فيه على عدم الإجزاء في الأخرى؛ لأنه إنما أعمرها من التنعيم تطييباً لقلبها لما سألته ذلك، ولم يبدأها به.
فصل:
ويسن للمحرم التلبية؛ لأن النبي ﷺ لبى ورفع صوته وأمر برفع الصوت بها، وصفتها: لبيك اللهم لبيك؛ لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك؛ لا شريك لك؛ لما روى ابن عمر أن هذه تلبية رسول الله ﷺ . متفق عليه. وتجوز الزيادة عليها لأن عمر زاد: لبيك ذا النعماء والفضل الحسن؛ لبيك مرهوباً ومرغوباً
стр. 467
إليك؛ لبيك، وزاد ابنه: لبيك وسعديك، والخير بيديك لبيك، والرغباء إليك والعمل. وزاد أنس لبيك حقاً حقاً تعبداً ورقاً، وسمعهم النبي ﷺ فلم ينكر، ولا تستحب الزيادة لاقتصار النبي ﷺ عنها. قال جابر: «وأهل الناس بهذا الذي يهلون، ولزم رسول الله ﷺ تلبيته» ، رواه مسلم. ويستحب أن يصلي على النبي ﷺ بعدها؛ لأنه موضع شرع فيه ذكر الله تعالى فشرع فيه ذكر رسوله كالأذان، ثم يسأل الله الجنة ويستعيذ من النار، ويستحب ذكر إحرامه في تلبيته لقول أنس: «سمعت رسول الله ﷺ يقول: لبيك عمرة وحجاً» متفق عليه، وقول ابن عباس: «قدم رسول الله ﷺ وأصحابه وهم يلبون بالحج» ، قال أحمد: إذا لبى القارن بهما بدأ بالعمرة؛ لحديث أنس. وقال أبو الخطاب لا يستحب ذكر الإحرام فيها.
فصل:
ويستحب البداءة بالتلبية إذا ركب راحلته؛ لقول ابن عباس، «أوجب رسول الله ﷺ الإحرام حين فرغ من صلاته، فلما ركب راحلته واستوت به قائمة أهل، أي لبى» ، ويستحب رفع الصوت بها لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال» حديث صحيح، ولا يجهد نفسه بذلك لئلا ينقطع صوته فتنقطع تلبيته، ولا ترفع المرأة صوتها إلا بقدر ما تسمع رفيقتها؛ لأنه يخاف الافتتان بها، ويستحب الإكثار منها؛ لأنها ذكر، ولأنه يروى عن رسول الله ﷺ أنه قال: «ما من مسلم يضحى لله يلبي حتى تغيب الشمس إلا غابت بذنوبه، فعاد كما ولدته أمه» رواه ابن ماجة، ويتأكد استحبابها في ثمانية مواضع: إذا علا نشزاً أو هبط وادياً، أو تلبس بمحظور ناسياً، وفي دبر الصلوات المكتوبات وإذا التقت الرفاق وفي إقبال الليل والنهار وبالأسحار؛ لأن النخعي قال: كانوا يستحبون التلبية دبر الصلوات المكتوبة، وإذا هبط وادياً وإذا علا نشزاً، وإذا لقي راكباً، وإذا استوت به راحلته، ولأن في هذه المواضع ترتفع الأصوات، ويكثر الضجيج، وقد قال النبي ﷺ : «أفضل الحج: العج والثج» وهو حديث غريب. والعج: رفع الصوت، والثج: إسالة الدماء. وحكم
стр. 468
التلبية دبر الصلاة حكم التكبير في أيام عيد النحر، وتجزئ التلبية مرة واحدة؛ لعدم الأثر في تكرارها، ولا بأس بالزيادة؛ لأنها زيادة ذكر، وتستحب التلبية في المسجد الحرام ومنى وسائر مساجد الحرم وبقاعه؛ لأنها مواضع النسك، ولا يستحب إظهارها في مساجد الحل وأمصاره؛ لما روي عن ابن عباس أنه سمع رجلاً يلبي بالمدينة، فقال: إن هذا لمجنون إنما التلبية إذا برزت.
[باب محظورات الإحرام]
وهي تسعة، أحدها: الجماع؛ لقول الله تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧] ، وقال ابن عباس الرفث: الجماع. وتحرم المباشرة فيما دون الفرج لشهوة؛ لأنه محرم للوطء فحرم المباشرة لشهوة كالصيام، ويحرم عليه النظر لشهوة؛ لأنه نوع استمتاع فأشبه المباشرة.
فصل:
الثاني: عقد النكاح؛ لا يجوز للمحرم أن يعقده لنفسه ولا لغيره، ولا يجوز عقده لمحرم، ولا على محرمة؛ لما روى عثمان بن عفان ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لا ينكح المحرم ولا ينكح ولا يخطب» ، رواه مسلم. ولأن الإحرام يحرم الطيب فحرم النكاح كالعدة، وإن فعل فالنكاح باطل؛ لأن النهي يقتضي فساد المنهي عنه، ولا
стр. 469
بأس بالرجعة؛ لأنها إمساك للزوجة، بدليل قول الله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٣١] .
стр. 470
ولأنها تجوز بغير ولي ولا شهود، ولا إذنها، فلم تحرم كإمساكها بترك الطلاق.
وعنه: لا يحل لأنه عقد وضع لإباحة البضع، أشبه النكاح. ويجوز أن يشهد في النكاح لأن العقد الإيجاب والقبول، وليس للشاهد فيهما شيء. وتكره الخطبة للمحرم وخطبة المحرمة؛ للخبر، ولا يجب بالتزويج فدية؛ لأنه عقد فسد للإحرام فأشبه شراء الصيد.
فصل:
الثالث: قطع الشعر؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦] . نص على حلق الرأس، وقسنا عليه سائر شعر البدن؛ لأنه يتنظف ويترفه به، فأشبه حلق الرأس، وقص الشعر وقطعه ونتفه كحلقه، ولا يحرم عليه حلق شعر الحلال؛ لأنه لا يترفه بذلك. وإن خرج في عينه شعر أو استرسل شعر حاجبيه فغطى عينيه، فله إزالته ولا فدية عليه؛ لأن الشعر آذاه فكان له دفع أذاه من غير فدية كالصيد، وإن كان الأذى من غير الشعر، كالقمل فيه، والقروح برأسه، أو صداع، أو شدة الحر عليه لكثرة شعره فله إزالته، وعليه الفدية؛ لما نذكره، ولأنه فعل المحرم لدفع ضرر غيره، فلزمته الفدية، كما لو قتل الصيد لمجاعة، بخلاف من آذاه الشعر.
فصل:
الرابع: تقليم الأظافر، يحرم لأنه جزء ينمى، ويترفه بإزالته، أشبه الشعر، وإن
стр. 471
انكسر ظفره فله إزالته ولا فدية عليه كالشعر المؤذي، وإن قص أكثر مما انكسر فعليه فديته، وإن احتاج إلى مداواة قرحة لا يمكنه مداواتها إلا بقص ظفره فعل، وعليه الفدية، كحالق الرأس دفعاً لأذى قمله.
فصل:
الخامس: لبس المخيط، يحرم عليه لبس كل ما عمل للبدن على قدره أو على قدر عضو منه، كالقميص والبرنس والسراويل والخف؛ لما روى ابن عمر ﵁ «أن رجلاً قال: يا رسول الله ما يلبس المحرم من الثياب؟ قال رسول الله ﷺ : لا يلبس القميص ولا العمائم ولا السراويلات ولا البرانس ولا الخفاف، إلا أحداً لا يجد نعلين فيلبس الخفين، وليقطعهما أسفل من الكعبين، ولا يلبس من الثياب شيئا مسه زعفران أو ورس» متفق عليه، وسواء في هذا ما كان من خرق أو جلد، مخيط بالإبر أو ملصق بعضه ببعض؛ لأنه في معنى المخيط، والتبان والران كالسراويل؛ لأنه في معناه وإن شق الإزار، وجعله ذيلين شدهما على ساقيه؛ لم يجز؛ لأنه كالسراويل، وتجب الفدية باللبس؛ لأنه محرم في الإحرام فتعلقت به الفردية كالحلق، ولا يجوز له عقد ردائه عليه؛ لأن ابن عمر قال: لا تعقد عليك شيئاً، ولأنه يصير بالعقد كالمخيط، ولا يجوز له أن يزره عليه، ولا يخله بشوكة ولا غيرها، ولا يغرز طرفيه في إزاره؛ لأنه في معنى عقده، وله أن يعقد إزاره؛ لأنه يحتاج إليه لستر العورة، ولذلك جاز للمرأة لبس المخيط في إحرامها لكونها عورة، وله أن يشد وسطه بعمامة أو حبل، ولا يعقده، ولكن يدخل بعضه في بعض، وله أن يلبس الهميان الذي فيه نفقته، ويدخل السيور بعضها في بعض، فإن لم يثبت عقده؛ لقول عائشة ﵂: أوثق عليه نفقتك، ولأن هذا مما تدعو الحاجة إلى عقده فجاز كالإزار، فأما المنطقة وما لا نفقة فيه، فلا يجوز عقده لعدم الحاجة إليه، فإن احتاج إلى عقد المنطقة؛ لوجع ظهره، فعل وفدى، نص عليه؛ لأن هذا نادر، فأشبه حلق الشعر لوجع الرأس.
فأما القباء ونحوه فقال الخرقي: يطرحه على كتفيه، ولا يدخل يديه في كميه؛ لأنه لا يحيط ببدنه، أشبه الاتشاح بالقميص.
وقال القاضي: عليه الفدية؛ لأنه لبس المخيط على العادة في لبسه، فلزمه الفدية، كما لو أدخل يديه في كميه. ومن لم يجد إزاراً، فله لبس السراويل ولا فدية عليه؛ لما روى ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: «من لم يجد إزاراً فليلبس السراويل، ومن لم يجد نعلين فليلبس الخفين» متفق عليه. ومن عدم الرداء لم يبح له لبس القميص؛ لأنه يمكنه أن يرتدي به على صفته، ولا يمكن أن يتأزر بالسراويل، ومتى وجد الإزار لزمه
стр. 472
خلع السراويل للخبر. ويحرم على المحرم لبس الخفين للخبر، فإن لم يجد نعلين؛ لبس خفين، ولا يقطعهما، ولا فداء عليه؛ لحديث ابن عباس، وعنه: لا يلبسهما حتى يقطعهما أسفل من الكعبين، فإن فعل افتدى؛ لأن في حديث ابن عمر زيادة، والزيادة من الثقة مقبولة، وإن لبس خفاً مقطوعاً مع وجود النعل، فعليه الفدية للخبر، وليس له لبس الجمجم، واللالكة في ظاهر كلام أحمد؛ لأنه في معنى الخف المقطوع، فإن لم يجد النعلين، فله لبس ذلك من غير فداء كالخفين.
قال أحمد: لا يلبس نعلاً لها قيد، وهو السير المعترض على الزمام، ويقطع العقب يعني الشراك.
قال القاضي: إذا كانا عريضين يستران القدم فلا فدية فيه؛ لأن حكمهما أخف من حكم الخف، وقد أباح لبسه عند عدم النعل من غير قطع، فها هنا أولى.
ومن وجد نعلاً لا يمكنه لبسها لبس الخف، وافتدى، نص عليه؛ لأن إسقاط الفدية مشروط بعدم النعل، والقياس أنه لا فدية عليه؛ لأن العجز كالعدم في الانتقال إلى البدل، وقد قام مقامه هاهنا في الجواز، فكذلك في سقوط الفدية. فأما المحرمة، فلها لبس المخيط كله، إلا النقاب والقفازين والبرقع وشبهه؛ لما روى ابن عمر أنه «سمع رسول الله ﷺ نهى النساء في إحرامهن عن القفازين والنقاب، وما مس الورس والزعفران من الثياب، ولتلبس بعد ما أحبت من ألوان الثياب، من معصفر، أو خز، أو حلي، أو سراويل، أو قميص أو خف» . رواه أحمد بإسناده.
وروى البخاري منه: «لا تتنقب المرأة، ولا تلبس القفازين» . ولأن إحرام المرأة في وجهها فحرم عليها تغطيته. وإن احتاجت إلى سترة، سدلت على وجهها من فوق رأسها ما يستره؛ لما روت عائشة ﵂ أنها قالت: «كان الرجال يمرون بنا ونحن مع رسول الله ﷺ محرمات، فإذا حاذونا، سدلت إحدانا جلبابها على رأسها، فإذا جاوزونا كشفناه» . رواه أبو داود.
قال القاضي: ويكون ما تسدله متجافياً، ولا يصيب البشرة، قال الشيخ ﵀: ولم أجد هذا عن أحمد، ولا في الحديث، والظاهر أنه غير معتبر.
стр. 473
فصل:
السادس: تغطية الرأس؛ لنهي النبي ﷺ عن لبس العمائم، ولقوله في الذي مات محرماً «لا تخمروا رأسه فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً» ويحرم تغطية بعضه؛ لأن النهي تناول جميعه، ولا يجوز أن يعصبه بعصابة ولا سير، ولا يجعل عليه شيئاً يلصق به، سواء كان فيه دواء، أو لا دواء فيه، ولا يطينه بطين ولا حناء، ولا دواء يستره؛ لأنه نوع تغطية، وفيه الفداء لما ذكرنا في اللباس. فإن حمل عليه طبقاً، أو وضع يده عليه، فلا بأس؛ لأنه لا يقصد به الستر، ولو ترك فيه طيباً قبل إحرامه؛ لم يمنع من استدامته؛ لقول عائشة: «كأني أنظر إلى وبيص الطيب في رأس رسول الله وهو محرم» ، ولا يمنع من تلبيده بصمغ، وعسل؛ ليتلبد ويجتمع الشعر، فإن رسول الله ﷺ قال: «إني لبدت رأسي» وهو محرم. متفق عليه، ولا يمنع من تغطية وجهه؛ لأن عثمان وسعداً وعبد الرحمن بن عوف وزيد بن ثابت أجازوه، وعنه: يمنع منه؛ لأنه في بعض لفظ حديث ابن عباس في الميت المحرم، «ولا تخمروا وجهه ولا رأسه» متفق عليه وفي تظليل المحمل روايتان:
إحداهما: ليس له أن يتظلل به؛ لأن ابن عمر قال: اضح لمن أحرمت له، أي: ابرز للشمس، ولأنه ستر رأسه بما يقصد به الترفه، أشبه تغطيته، وتلزمه الفدية؛ لما ذكرنا.
والثانية: له أن يتظلل؛ لأنه ليس بمباشر للرأس، أشبه الخيمة، وله أن يتظلل بثوب على عود؛ لما روت أم الحصين قالت: «حججت مع رسول الله ﷺ حجة الوداع فرأيت أسامة وبلالاً وأحدهما آخذ بخطام ناقة النبي ﷺ والآخر رافع ثوبه يستره من الحر، حتى رمى جمرة العقبة» . رواه مسلم. ولا بأس بالتظلل بالخيمة والسقف والشجرة وأشباه ذلك؛ لأنه لا يلازمه، أشبه ظل الجبال والحيطان.
فصل:
السابع: الطيب، يحرم عليه استعماله في بدنه وثيابه؛ لقول النبي ﷺ في الميت المحرم «ولا تقربوه طيباً» وقوله ﷺ : «لا يلبس من الثياب ما مسه ورس أو زعفران» وتجب به الفدية لما ذكرنا في اللباس، ويحرم عليه المبخر بالطيب والمصبوغ به، قياساً على المزعفر، ولا يجوز أن يأكل طيباً، ولا يكتحل به، ولا يستعط به، ولا يحتقن به؛ لأنه استعمال للطيب، وإن كان في الطعام طيب يظهر ريحه؛ لم يجز أكله لأنه يأكل طيباً، وإن لم يظهر له ريح جاز أكله، وإن ظهر لونه، وإن ظهر طعمه فظاهر كلام أحمد المنع منه؛ لأن الطعم لا يكاد ينفك عن الرائحة، وإن
стр. 474
لبس ثوباً كان مطيباً فانقطع ريحه، وكان بحيث إذا رش فيه ماء فاح ريحه، فعليه الفدية لأنه مطيب، وإلا فلا، وإن فرش فوق المطيب ثوب صفيق يمنع الرائحة والمباشرة، فلا فدية عليه بالنوم عليه، وإن كان الحائل بينهما ثياب بدنه، فعليه الفدية؛ لأنه يمنع من استعمال الطيب في ثيابه، كما يمنع منه في بدنه. والطيب كل ما يتطيب به، أو يتخذ منه طيب، كالمسك والكافور والعنبر والزعفران والورس والورد والبنفسج، والأدهان المطيبة بشيء من ذلك، كدهن الورد والبنفسج والخيري والزنبق ونحوها.
وفي الريحان الفارسي روايتان:
إحداهما: ليس بطيب؛ لأن عثمان بن عفان ﵁ قال في المحرم: يدخل البستان ويشم الريحان، ولأنه إذا يبس ذهبت رائحته أشبه بنت البرية.
والثانية: هو طيب؛ لأنه يتخذ للطيب، أشبه الورد في سائر النبات الطيب الرائحة الذي لا يتخذ منه طيب كالمرزنجوش والنرجس والبرم، وجهان قياساً على الريحان، وقال أبو الخطاب: في الورد والخيري والبنفسج والياسمين روايتان، كالريحان، والصحيح أنه طيب؛ لأنه يتخذ منه طيب، فهو كالزعفران، فأما نبت البرية، كالشيح والقيصوم والإذخر والخزامى والفواكه كالأترج والتفاح والسفرجل والحناء، فليس بطيب؛ لأنه لا يقصد للطيب ولا يتخذ منه طيب، فأشبه العصفر، وقد ثبت أن العصفر ليس بطيب؛ لقول النبي ﷺ : «ولتلبس ما شاءت من ألوان الثياب من معصفر» وكان أزواج رسول الله ﷺ يحرمن في المعصفرات، وإن مس المحرم طيباً يعلق بيده، فعليه الفدية؛ لأنه طيب يده، وإن مس ما لا يعلق بيده، كقطع الكافور والعنبر فلا فدية؛ لأنه لم يتطيب، وإن شمه فعليه الفدية؛ لأنه يستعمل هكذا، وإن شم العود فلا فدية عليه؛ لأنه لا يستعمل هكذا ولا تقصد رائحته، وإن تعمد لشم الطيب، مثل أن دخل الكعبة، وهي تجمر، أو حمل مسكاً ليشم رائحته، أو جلس عند العطار لذلك، فعليه الفدية؛ لأنه شمه قاصداً له، مبتدئاً به في الإحرام، فأشبه ما لو باشره، وإن لم يقصد ذلك، كالجالس عند العطار لحاجة أخرى، أو دخل الكعبة ليتبرك بها أو حمل الطيب من غير مس للتجارة، فلا يمنع منه؛ لأنه لا يمكن التحرز منه فعفي عنه.
فصل:
الثامن: الصيد، حرام صيده وقتله وأذاه لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥]
стр. 475
وقوله: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦] . فإن أخذه لم يملكه؛ لأن ما حرم لحق غيره؛ لم يملكه بالأخذ من غير إذنه، كمال غيره، وعليه إرساله من موضع يمتنع فيه، فإن تلف من يده ضمنه كمال الآدمي، وإن كان الصيد لآدمي، فعليه رده إليه؛ لأنه غصبه منه، ويحرم عليه تنفيره؛ لقول النبي ﷺ في مكة: «لا ينفر صيدها» متفق عليه. وهذا في معناه، فإن نفره، فصار إلى شيء هلك به، ضمنه؛ لخبر عمر ﵁، ولأنه هلك بسبب من جهته، فأشبه من نصب له شركاً فهلك به. ويحرم عليه الإعانة على قتله، بدلالة، بقول أو إشارة، أو إعارة آلة؛ لما «روى أبو قتادة أنه كان مع أصحاب له، محرمين وهو لم يحرم، فأبصرو حماراً وحشياً، وأنا مشغول أخصف نعلي، فلم يؤذنوني به، وأحبوا لو أني أبصرته، فركبت ونسيت السوط والرمح، فقلت لهم: ناولوني السوط والرمح، قالوا: والله لا نعينك عليه» . وهذا يدل على اعتقادهم تحريم الإعانة عليه، ولما سألوا النبي ﷺ قال: «هل منكم أحد أمره أن يحمل عليها، أو أشار إليها؟ قالوا: لا، قال: فكلوا ما بقي من لحمها» متفق عليه. ولأن ما حرم قتله حرمت الإعانة عليه، كالآدمي، فإن فعل فقتله حلال فالجزاء على المحرم؛ لأن ذلك يروى عن علي وابن عباس ﵄، ولأن فعله سبب إتلافه، فتعلق به الضمان كتنفيره، وإن قتله محرم آخر، فالجزاء بينهما، وإن كان المدلول رأى الصيد قبل الدلالة، فلا شيء فيها؛ لأنها لم تكن سبباً لإتلافه، وإن ضحك المحرم عند رؤية الصيد ففطن الحلال، فلا شيء فيه؛ لأن في حديث أبي قتادة: «فبينا أنا مع أصحابي فضحك بعضهم، فنظرت فإذا حمار وحش» .
وفي رواية: «إذ أبصرت بأصحابي يتراؤون شيئاً فنظرت فإذا حمار وحش» ، ويحرم عليه الأكل مما أشار عليه أو أعان عليه، أو كان له أثر في ذبحه، مثل أن يعيره سكيناً؛ لحديث أبي قتادة، ويحرم عليه أكل ما صاده، أو صيد لأجله؛ لما روى جابر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «صيد البر لكم حلال، ما لم تصيدوه أو يصاد لكم» قال الترمذي: هذا أحسن حديث في الباب. ويباح أكل ما عدا ذلك للحديثين، فإن أكل مما منع من أكله مما لزمه ضمانه كالذي صاده، أو دل عليه؛ لم يضمنه بالأكل لأنه قد ضمنه بالقتل، فلم يضمنه بالأكل كشاة غيره، وكذلك إن وجب على غيره ضمانة، وإن لم يكن ضمن بالقتل، كالذي صاده حلال من أجله، ضمنه بالأكل بمثله لحماً؛ لأنه إتلاف جزء للصيد، حرمه الإحرام، فتعلق به الضمان، كإتلاف أجزاء الحي، وإن ذبح المحرم الصيد، حرم على كل أحد؛ لأنه منع من الذبح لحق الله، فلم يبح ذبحه كالمجوسي، وما حرم عليه لدلالة، أو إعارة آلة، أو صيد من أجله؛ لم يحرم على الحلال؛ لأن لا فعل منه فيه.
стр. 476
فصل:
ويحرم عليه شراء الصيد واتهابه؛ لما روى ابن عباس، «أن الصعب بن جثامة، أهدى إلى النبي ﷺ حماراً وحشياً، فرده عليه، فلما رأى ما في وجهه قال: إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم» متفق عليه، ولأنه سبب يتملك به الصيد، فلم يملكه به المحرم، كالاصطياد، ومتى ملك الصيد بجهة محرمة، حتى حل؛ لم يبح له، وعليه إرساله، فإن تلف أو أتلفه فعليه فداؤه؛ لأنه تلف بسبب كان في إحرامه فضمنه كما لو جرحه فمات بعد حله، وإن ذبحه بعد التحلل لم يبح عند القاضي؛ لأنه صيد لزمه ضمانه، فلم يبح ذبحه، كحلال الإحرام.
وقال أبو الخطاب: يباح؛ لأنه ذبحه في حال حله، فأبيح كغيره، وإن أحرم وفي ملكه صيد؛ لم يزل ملكه عنه؛ لأنه ملك فلا يزول بالإحرام، كملك البضع، وله بيعه وهبته، وإن كان في يده المشاهدة أو قفص أو حبل معه، فعليه إرساله، فإن لم يفعل فأرسله إنسان، فلا ضمان عليه؛ لأنه ترك فعل الواجب، فإن ترك حتى تحلل، فحكمه حكم ما صاده، قال في الشرح: فملكه باق عليه، وإن مات من يرثه وله صيد، ورثه؛ لأن الملك بالإرث يثبت حكماً، بغير اختياره، ويثبت للصبي والمجنون، فأشبه استدامة الملك، ويحتمل أن لا يملكه؛ لأنه ابتداء ملك فأشبه الشراء.
فصل:
والصيد المحرم: ما جمع صفات ثلاث:
أحدها: أن يكون من صيد البر؛ لأن صيد البحر حلال؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ [المائدة: ٩٦] وصيد البحر ما يفرخ فيه ويأوي إليه، فأما طير الماء فهو من صيد البر المحرم لأنه يتعيش في البحر ولا يعيش فيه، وفي الجراد الجزاء لأن ذلك يروى عن عمر ﵁، ولأنه لا يعيش إلا في البر فهو كسائر الطير، وعنه: لا جزاء فيه؛ لأنه يروى عن ابن عباس ﵄ أنه من صيد البحر، ويروى عن النبي ﷺ من طريق ضعيف.
الثاني: أن يكون وحشياً، فأما الأهلي كبهيمة الأنعام، والدجاج، فليس بمحرم؛ لأنه ليس بصيد، ولذلك يذبح الهدايا والأضاحي، والاعتبار في ذلك بالأصل لا بالحال، فلو تأنس الوحشي كحمار الوحش والغزال والحمام لم يحل وفيه الجزاء، ولو توحش الإنسي لم يحرم.
стр. 477
الثالث: أن يكون مباحاً، فلا يحرم قتل غيره بالإحرام ولا جزاء فيه؛ لقول النبي ﷺ : «خمس من الدواب ليس على المحرم جناح في قتلهن: الحدأة والغراب والعقرب والفأرة والكلب العقور» متفق عليه. فثبت إباحة هذه الخمس بالنص، وقسنا عليهن ما في معناهن مما فيه أذى، فأما غير المأكول مما لا أذى فيه، فيكره قتله ولا جزاء فيه؛ لأن الصيد ما كان مأكولاً، إلا أن ما تولد بين مأكول وغيره، كالسمع وهو ولد الضبع من الذئب، والعسبار: ولد الذئبة من الضبع، يحرم قتله وفيه الجزاء تغليباً لحرمة القتل، كما غلبت فيه حرمة الأكل. والمتولد بين أهلي ووحشي يحرم قتله وفيه الجزاء تغليباً للتحريم، وفي الثعلب الجزاء، مع الخلاف في أكله، تغليباً للتحريم، وفي القمل روايتان:
إحداهما: لا شيء فيه لتحريم أكله وأذاه فهو كالبراغيث.
والثانية: فيه الجزاء لأنه يترفه بإزالته، وأي شيء تصدق به كان خيراً منه. قال القاضي: وإنما الروايتان في ما ألقاه من شعره، أما ما ألقاه من ظاهر بدنه أو ثوبه، فلا شيء فيه رواية واحدة لشبهه بالبراغيث.
فصل:
وما حرم من الصيد، حرم كسر بيضه؛ لما روي عن النبي ﷺ أنه «قال في بيض النعام، يصيبه المحرم: يضمنه» رواه الدارقطني. ولأنه خارج من الصيد يصير منه مثله فهو كالفرخ، وإن كسر بيضاً لم يحل أكله، ولا يحرم على حلال؛ لأنه لا يحتاج إلى زكاة. وقال القاضي: يحرم على كل أحد قياساً على الصيد، وإن كسر بيضاً مذراً فلا شيء عليه؛ لأنه ليس بحيوان ولا يخلق منه حيوان فهو كالأحجار، قال أصحابنا: إلا بيض النعام فإن لقشره قيمة، والأول أولى. وإن نقل بيض صيد فجعله تحت آخر فحضنه وأفرخ، فلا شيء عليه، وكذلك إن كسره فخرج منه فراخ فعاشت، وإن لم تعش الفراخ أو لم تحضنه، أو ترك مع بيضه شيئاً نفر من الصيد فلم يحضنه، ضمنه؛ لأنه أتلفه، وإن باض في طريقه أو على فراشه، فنقله فلم يحضنه الصيد حتى تلف ففيه وجهان:
أحدهما: يضمنه؛ لأنه أتلفه لمصلحته فأشبه ما لو قتله للمجاعة.
والثاني: لا شيء عليه؛ لأنه ألجأه إلى إتلافه فأشبه ما لو صال عليه صيد فدفعه فقتله، وإن افترش الجراد في طريقه فقتله بالمشي عليه ففي الجزاء وجهان كذلك.
فصل:
وإن احتاج المحرم إلى لبس المخيط، أو تغطية رأسه، أو الطيب لمرض، أو شدة
стр. 478
حر، فعله، وعليه الفدية، قياساً على الحلق، وإن اضطر إلى الصيد فله أكله وعليه جزاؤه؛ لأنه أتلفه لمصلحته فأشبه ما ذكرناه، وإن صال عليه صيد فقتله دفعاً عن نفسه فلا جزاء فيه؛ لأنه حيوان قتله لدفع شره فلم يضمنه كالآدمي.
وقال أبو بكر: عليه الجزاء لأنه قتله لمصلحة نفسه، فأشبه ما لو قتله لأكله والأول أصح. وإن خلص صيداً من سبع أو شبكة ليرسله فتلف ففيه وجهان:
أحدهما: يضمنه؛ لأنه تلف بفعله فيضمنه كالمخطئ.
والثاني: لا يضمنه؛ لأنه تلف بفعل مباح لمصلحته فلم يضمنه، كالآدمي يتلف بمداواة وليه.
فصل:
يكره للمحرم حك شعره بأظفاره كيلا ينقطع، فإن انقطع به شعره لزمته فديته، ويكره الكحل بالإثمد غير المطيب؛ لأنه زينة، والحاج أشعث أغبر، وهو في حق المرأة أشد كراهة؛ لأنها محل الزينة ولا فدية فيه؛ لأن وجوبها من الشارع، ولم يرد بها ههنا، ويكره لبس الخلخال، والتزين بالحلي لذلك، وهو مباح لحديث ابن عمر، ويكره أن ينظر في المرآة لإصلاح شيء لأنه نوع تزين، ويكره أن يدهن بدهن غير مطيب لذلك، وعن أحمد ﵁ في جوازه روايتان، إلا أنه يحتمل أن تختص الروايتان بدهن الشعر؛ لأنه يذيل الشعث، ويسكن الشعر، ويزينه، ويباح التدهن في غيره؛ لأن للمحرم أكل الدهن فكان له أن يدهن به. وقد روى ابن عمر ﵁ أن «النبي ﷺ ادهن بدهن غير مقتت» ، أي: غير مطيب، يعني وهو محرم [والأولى أصح] . إلا أنه من رواية فرقد وهو ضعيف. ولا فدية فيه بحال لما ذكرنا، وينبغي أن ينزه إحرامه عن الكذب والشتم والكلام القبيح والمراء لقول الله: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧] قال ابن عباس: الفسوق: المنابزة بالألقاب، وتقول لأخيك: يا فاسق يا ظالم، والجدال: أن تماري صاحبك حتى تغضبه. وروى أبو هريرة: أن النبي ﷺ قال «من حج فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه» متفق عليه.
ويستحب له قلة الكلام إلا فيما ينفع؛ لقول النبي ﷺ : «من حسن إسلام المرء
стр. 479
تركه ما لا يعنيه» ففي حال الإحرام والتلبس بطاعة الله تعالى والاستشعار بعبادته أولى.
فصل:
ولا بأس أن يغتسل المحرم بالماء والسدر والخطمي ولا فدية عليه. وعنه: عليه الفدية، والأول أصح؛ لقول النبي ﷺ في الميت المحرم: «اغسلوه بماء وسدر» . وقال عبد الله بن حنين: «امترى ابن عباس والمسور بن مخرمة في غسل المحرم رأسه، فأرسلوني إلى أبي أيوب الأنصاري، أسأله كيف رأيت رسول الله ﷺ يغسل رأسه وهو محرم؟ قال: فصب على رأسه مقبلاً ومدبراً وقال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يفعل» . متفق عليه. ويجوز أن يحتجم ولا يقطع شعراً؛ لما روى ابن عباس «أن رسول الله ﷺ احتجم وهو محرم.» متفق عليه.
ويجوز أن يفتصد، كما يجوز أن يحتجم، ويتقلد بالسيف عند الضرورة؛ لأن أصحاب رسول الله ﷺ دخلوا في عمرة القضية، متقلدين سيوفهم، ولا بأس بالتجارة والتكسب والصناعة؛ لقول الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] . قال ابن عباس: كان ذو المجاز وعكاظ متجراً للناس في الجاهلية، فلما جاء الإسلام كأنهم كرهوا ذلك، حتى نزلت: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] في مواسم الحج. رواه البخاري.
فصل:
ومن جامع، أفسد حجه وعليه بدنة، سواء كان عالماً أو جاهلاً، عامداً أو ناسياً؛ لأنه في معنى يتعلق به قضاء الحج، فاستوى عمده وسهوه، كالفوات. وإن حلق أو قلم ناسياً أو جاهلاً، فعليه الفدية؛ لأنه إتلاف، فاستوى عمده وسهوه، كإتلاف مال الآدمي. ويتخرج أن لا فدية عليه، قياساً على اللبس، وإن قتل الصيد مخطئاً، فعليه جزاؤه؛ لأنه ضمان مال، فأشبه ضمان مال الآدمي.
وعنه: لا جزاء عليه؛ لقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥] .
стр. 480
مفهومه أن لا شيء في الخطأ، وإن تطيب ولبس ناسياً أو جاهلاً، فلا فدية عليه؛ لما روى يعلى بن أمية: «أن رجلاً أتى إلى النبي ﷺ وعليه جبة، وعليه أثر خلوق، فقال: يا رسول الله كيف تأمرني أن أصنع في عمرتي؟ قال: اخلع عنك هذه الجبة، واغسل عنك أثر الخلوق، واصنع في عمرتك كما تصنع في حجتك» متفق عليه. . ولم يأمره بفدية لجهله، وقسنا عليه الناسي؛ لأنه في معناه، وعنه: عليه الفدية؛ لأنه فعل حرمه الإحرام، فاستوى عمده وسهوه كالحلق، والأول: المذهب. والحلق إتلاف لا يمكن تلافيه، ومتى ذكر الناسي أو علم الجاهل، فعليه إزالة ذلك، فإن استدامه فعليه الفدية؛ لأنه تطيب ولبس من غير عذر فأشبه المبتدئ به. وحكم المكره حكم الناسي؛ لأنه أبلغ منه في العذر.
وإن مس طيباً يظنه يابساً فبان رطباً، ففيه وجهان:
أحدهما: عليه الفدية؛ لأنه قصد مس الطيب.
والثاني: لا فدية عليه؛ لأنه جهل تحريمه، فأشبه من جهل تحريم الطيب. ومن طيب أو حلق رأسه، بإذنه فالفدية عليه؛ لأن ذلك ينسب إليه، وإن حلق رأسه مكرهاً أو نائماً، فالفدية على الحالق؛ لأنه أمانة عنده فالفدية على من أتلفه بغير إذنه، كالوديعة. وإن حلق وهو ساكت لم ينكر، فالفدية عليه، كما لو أتلف الوديعة وهو يقدر على حفظها فلم يفعل، وإن كشط من جلده قطعة عليها شعر، أو قطع إصبعاً عليها ظفر، فلا فدية عليه؛ لأنه زال تبعاً لغيره، فلم يضمنه، كما لو قطع أشفار عيني إنسان، فإنه لا يضمن أهدابها.
[باب الفدية في الحج]
باب الفدية
من حلق رأسه وهو محرم، فعليه ذبح شاة، أو إطعام ثلاثة آصع لستة مساكين؛ لكل مسكين نصف صاع، أو صيام ثلاثة أيام؛ لقول الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] وروى كعب بن عجرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لعلك تؤذيك هوام رأسك؟ قال: نعم يا رسول الله. فقال رسول الله ﷺ : احلق رأسك وصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين؛ لكل مسكين نصف صاع تمر، أو نسك شاة» متفق عليه، وسواء حلق لعذر أو غيره. وعنه: فيمن
стр. 481
حلق لغير عذر، عليه الدم، من غير تخيير؛ لأن الله تعالى خير بشرط العذر فإن عدم الشرط، زال التخيير، والأول أولى؛ لأن الحكم ثبت من غير عذر المعذور تبعاً له، والتبع لا يخالف أصله، وإنما الشرط لإباحة الحلق؛ لا التخيير، وفي حلق أربع شعرات ما في حلق الرأس كله؛ لأنها كثير، فتعلقت بها الفدية كالكل، وفي الثلاث روايتان:
إحداهما: هي كالكل، قال القاضي: هو المذهب لأنه يقع عليها، اسم الجمع المطلق، فهي كالأربع.
والثانية: لا يجب فيها ذلك، وهي اختيار الخرقي. لأن الثلاث آخر القلة، وآخر الشيء منه.
وفيما دون ذلك ثلاث روايات:
إحداهن: في كل شعرة مد من طعام؛ لأن الله تعالى عدل الحيوان بالطعام هاهنا وفي الصيد، وأقل ما يجب منه مد من طعام فوجب.
والثانية: قبضة من طعام؛ لأنه لا تقدير له في الشرع، فيجب المصير إلى الأقل؛ لأنه اليقين.
والثالثة: درهم؛ لأن إيجاب جزء من الحيوان يشق، فصرنا إلى قيمته وأقل ذلك درهم، وإزالة الشعر بالقطع والنتف والنورة وغيرها كحلقه؛ لأنها في معناه، والأظفار كالشعر في الفدية؛ لأنها في معناها، وفي بعض الشعرة أو الظفر ما في جميعه، كما أن في القصيرة مثل ما في الطويلة، وإن حلق شعر رأسه وبدنه، فعليه فدية واحدة؛ لأنه جنس واحد فأجزأته فدية واحدة، كما لو لبس عمامة وقميصاً، وهذا اختيار أبي الخطاب.
وحكي رواية أخرى: أن عليه فديتين، اختاره القاضي؛ لأن حلق الرأس يتعلق به نسك، دون شعر البدن فيخالفه في الفدية، ومن أبيح له الحلق، فهو مخير في الفدية قبله وبعده كما يتخير في كفارة اليمين، قبل الحنث وبعده.
فصل:
ومن لبس أو غطى رأسه أو تطيب، فعليه الفدية، مثل حلق رأسه؛ لأنه في معناه، فقسناه عليها، وإذا لبس عمامة وقميصاً وسراويل وخفين، فعليه فدية واحدة؛ لأنه جنس واحد فأشبه ما لو طيب رأسه وبدنه، وإن لبس وتطيب وحلق وقلم، فعليه لكل جنس فدية؛ لأنها أجناس مختلفة، فلم تتداخل كفاراتها بالأيمان والحدود، وعنه: إن فعل
стр. 482
ذلك دفعة واحدة، ففديته واحدة؛ لأن الكل محظور فأشبه اللبس في رأسه وبدنه. وإن كرر محظوراً واحداً فلبس ثم لبس، أو تطيب ثم تطيب، أو حلق ثم حلق، ففدية واحدة، ما لم يكفر عن الأول قبل فعل الثاني.
وعنه: إن فعله لأسباب، مثل من لبس أول النهار للبرد، ووسطه للحر، وآخره للمرض ففديات؛ لأن أسبابه مختلفة، فأشبه الأجناس المختلفة، والأول أولى؛ لأن الحكم يتعلق بالمحظور لا بسببه، فأشبه الحالف بالله ثلاثة أيمان، على شيء واحد؛ لأسباب مختلفة، وقليل اللبس والطيب وكثيره سواء، وحكم كفارة الوطء في التداخل مثل ما ذكرنا؛ لأنها ليست ضماناً.
فأما جزاء الصيد، فلا تداخل فيه، وكلما قتل صيداً حكم عليه.
وعنه: أنه يتداخل، كسائر الكفارات.
وعنه: لا يجب الجزاء، إلا في المرة الأولى؛ لقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٩٥] ولم يذكر جزاء، والأول المذهب؛ لقول الله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥] . وهذا يقتضي كل قاتل، ومثل الصيدين، أكثر من مثل واحد، ولأنه ضمان مال يختلف باختلافه فوجب في كل مرة، كضمان مال الآدمي.
قال أحمد: روي عن عمر وغيره أنهم حكموا في الخطأ، وفيمن قتل ولم يسألوه، هل كان قتل قبل هذا أم لا؟ .
فصل:
وإذا وطئ المحرم، في الفرج، في الحج، قبل التحلل الأول، فعليه بدنة؛ لأن ذلك يروى عن ابن عباس ﵁، وسواء كان الفرج قبلاً أو دبراً، من آدمي أو من بهيمة؛ لأنه وطء في فرج، أشبه وطء الآدمية، وإن وطئت المحرمة مطاوعة، فعليها بدنة؛ لأنها أفسدت حجها بالجماع فوجبت عليها البدنة كالرجل، وإن وطئ الرجل محرمة مطاوعة، فعلى كل واحد منهما بدنة لأن ابن عباس قال للمجامع: اهد ناقة، ولتهد ناقة، ولأنه إفساد حج شخصين فأوجبت بدنتين كالوطء من رجلين.
وعنه: يجزئهما هدي واحد؛ لأنه جماع واحد، فأشبه ما لو أكرهها، فإن وطئها نائمة، أو مكرهة، ففيها روايتان:
стр. 483
إحداهما: أن الواجب هدي واحد عليه دونها؛ لأنها معذورة؛ لم يلزمها كفارة، كالمكرهة على الوطء في الصيام.
والثانية: يجب هديان؛ لأنه إفساد حج اثنين، فعلى هذا يحتمل الرجل عنها؛ لأن الإفساد وجد منه، فكان موجبه عليه، كما تجب عليه نفقة قضائها، ويحتمل أن تكون عليها؛ لأنها وجبت لفساد حجها، وإن وطئ في العمرة، أو وطئ في الحج بعد التحلل الأول، فعليه شاة؛ لأنه فعل محظور لم يفسد حجاً، فلم يوجب بدنة، كالقبلة.
ومتى وطئ المحرم دون الفرج، أو قبل أو لمس لشهوة، فلم ينزل، فعليه شاة لأنه فعل محرم بالإحرام؛ لم يفسد الحج، فوجبت به الشاة كالحلق، وإن أنزل فعليه بدنة؛ لأنه استمتاع، بالمباشرة أوجب الغسل، فأوجب البدنة كالوطء في الفرج، وإن نظر فلم ينزل، فلا شيء عليه. وإن نظر فصرف بصره فأنزل، فعليه شاة، وإن كرر النظر حتى أنزل ففيه روايتان:
إحداهما: شاة، يروى ذلك عن ابن عباس، ولأنه ليس بمباشرة، فلم يوجب البدنة، كما لو صرف بصره.
والثانية: فيه بدنة، اختارها الخرقي لأنه إنزال باستمتاع، فأوجب البدنة كالمباشرة، وإن فكر فأنزل، فلا شيء عليه؛ لما ذكرنا في الصوم، وإن أمذى في هذه المواضع، فهو كمن لم ينزل؛ لأنه خارج؛ لا يوجب الغسل أشبه البول.
فصل:
ومن لزمته بدنة، أجزأته بقرة؛ لأن جابراً قال: وهل هي إلا من البدن، ولأنها تقوم في الأضاحي والهدايا مقامها، فكذا هاهنا، ويجزئه سبع من الغنم لذلك، وإن لم يجد هدياً، فعليه صيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع، ولأن ابن عمر وابن عباس وعبد الله بن عمرو، قالوا للواطئين: اهديا هدياً، فإن لم تجدا فصوما، ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجعتم، وهم الأصل في ثبوت حكم الوطء، وإليهم المرجع فيه، فكذا في بدله، وقال أصحابنا: تقوم البدنة فيشتري بقيمتها طعاماً يتصدق به، فإن لم يجد صام عن كل مد يوماً قياساً على البدنة الواجبة في فدية النعامة.
[باب جزاء الصيد]
يجب الجزاء في الصيد لقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥] الآية. وهو ضربان:
стр. 484
ما له مثل من النعم: وهي بهيمة الأنعام، فيجب فيه مثله للآية، وهو نوعان، ما قضت الصحابة فيه، فيجب فيه ما قضت؛ لأنه حكم مجتهد فيه، واجتهادهم أحق أن يتبع.
فمن ذلك الضبع، قضى فيها عمر وابن عباس بكبش، وقد روي «أن النبي ﷺ قضى فيها بذلك» . رواه أبو داود وغيره، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
والنعامة، قضى فيها عثمان وعلي وزيد وابن عباس ومعاوية ببدنة.
وحمار الوحش، وفيه روايتان:
إحداهما: فيه بقرة؛ لأن عمر قضى فيه بها.
والثانية: فيه بدنة؛ لأن أبا عبيدة وابن عباس قضيا فيه بها، وقضاء عمر أولى. لأنه أقرب إلى ما قضي به، وعن ابن مسعود أنه قضى في بقرة الوحش، ببقرة.
وقال ابن عباس: في الإبل، بقرة. وقال ابن عمر: في الأروى، بقرة.
وقضى عمر في الظبي، بشاة، وفي اليربوع بجفرة وهي التي لها أربعة أشهر في المعز.
وفي الأرنب بعناق، وهي أصغر من الجفرة. وفي الضب بجدي.
والضرب الثاني: ما لم تقض فيه الصحابة، فيرجع فيه إلى قول عدلين من أهل الخبرة؛ لقول الله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: ٩٥] ويجوز أن يكون القاتل أحدهما؛ لدخوله في العموم، ولما روى طارق بن شهاب قال: خرجنا حجاجاً، فأوطأ منا رجل - يقال له إربد - ضباً، ففزر ظهره، فقدمنا على عمر فسأله إربد، فقال له: احكم فيه يا إربد. قال: أنت خير مني يا أمير المؤمنين وأعلم، فقال عمر: إنما أمرتك أن تحكم، ولم آمرك أن تزكيني، فقال إربد: أرى فيه جدياً، قد جمع الماء والشجر، فقال عمر: فذلك فيه. رواه سعيد بن منصور، ولأنه واجب لحق الله فجاز أن يكون من وجب عليه أميناً فيه كالزكاة.
وفي كبير الصيد كبير مثله، وفي الصغير صغير مثله، وفي كل واحد من الصحيح والمعيب مثله، وإن فدى الذكر بالأنثى، جاز؛ لأنها أفضل، وإن فدى الأنثى بالذكر، ففيه وجهان:
стр. 485
أحدهما: لا يجزئ لذلك.
والآخر: يجزئ؛ لأن لحمه أوفر وهو المقصود، وإن فدى أعور من عين، بأعور من أخرى، جاز لأن المقصود منهما واحد، وإن فدى معيباً بمعيب من جنس آخر؛ لم يجز؛ لأنهما مختلفان.
وإن أتلف صيداً ماخضاً، ففيه قيمة مثله ماخض، قال القاضي؛ لأن قيمته أكثر من مثله.
وقال أبو الخطاب: فيه مثله ماخض للآية. وإن جنى على ماخض، فأتلف جنينها، ففيه ما نقصها، كما لو جرحها، وإن جرح حياً ثم مات ضمنه بمثله.
فصل:
الضرب الثاني: ما لا مثل له: وهو الطير وشبهه من صغار الصيد، ففيه قيمته، إلا الحمام، فإن فيه شاة؛ لأن عمر، وعثمان، وابن عمر، وابن عباس قضوا في حمام الحرم بشاة، والحمام: كل ما عب الماء وهدر، كالحمام المعروف، واليمام والجوازل والقماري، والرقاطي، والدباسي، والقطا؛ لأن هذا كله حمام، وقال الكسائي: كل مطوق حمام، فعلى قوله يكون الحجل حماماً، وعلى الأول ليس بحمام، وما كان أصغر من الحمام، ففيه قيمته؛ لأن لا مثل له، وما كان أكبر منه، ففيه وجهان:
أحدهما: فيه قيمته لأن القياس يقتضيها في جميع الطير، تركناه في الحمام؛ لقضاء الصحابة، ففيما عداه يبقى على القياس.
والثاني: فيه شاة؛ لأن إيجابها في الحمام تنبيه على إيجابها فيما هو أكبر منه. وقد روي عن ابن عباس وجابر، أنهما قالا في الحجلة والقطا والحبارى: شاة شاة. وإن نتف ريش طائر ففيه ما نقص، فإن عاد فنبت، ففي ضمانه وجهان، كغصن الشجرة إذا نبت، وفي بيض الصيد قيمته.
فصل:
ومن وجب عليه جزاء صيد، فهو مخير بين إخراج المثل، أو يقوم المثل، ويشتري بقيمته طعاماً، ويتصدق به، أو يصوم عن كل مد يوماً؛ لقول الله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة: ٩٥] و [أو] للتخيير، وعنه: أنها على الترتيب، فيجب
стр. 486
المثل، فإن لم يجد [أطعم فإن لم يجد] صام، ككفارة القتل. وعنه: لا طعام في الجزاء، وإنما ذكره ليعدل به الصيام، والمذهب الأول؛ لأنه ظاهر النص فلا تعويل على ما خالفه.
فصل:
وإن اشترك جماعة في قتل صيد، فعليهم جزاء واحد.
وعنه: على كل واحد جزاء؛ لأنها كفارة قتل، أشبهت كفارة قتل الآدمي.
وعنه: إن كفروا بالمال فجزاء واحد، وإن كفروا بالصيام فكفارات، والأولى أولى؛ لأن ذلك يروى عن عمر وابنه وابن عباس ﵃، ولأنه بدل متلف يتجزأ، فيقسم بدله بين المشتركين، كالديات وقيم المتلفات، وإن اشترك حلال وحرام، فلا شيء على الحلال. وهل يكمل الجزاء على الحرام، أو يكون حكمه، حكم المشارك لحرام؟ فيه وجهان:
وإن جرح صيدا، ضمنه، وفي ضمانه وجهان:
أحدهما: يضمنه بمثله؛ لأن ما وجب ضمان جملته بمثله، وجب في بعضه مثله، كالمكيلات.
والآخر تجب قيمة قدره، من مثله؛ لأن الجزء يشق إخراجه، فصرنا إلى قيمته.
وإن جرح صيدا فأزال امتناعه، فقتله حلال، أو سبع، فعلى المحرم جزاء جميعه؛ لأنه سبب تلفه، وإن قتله محرم آخر، فعلى الأول ما نقصه، والباقي على الثاني. وإن برئ وزال نقصه فلا شيء فيه، كالآدمي، وإن نقص فعليه نقصه، وإن برئ غير ممتنع، فعليه جزاء جميعه؛ لأنه عطله، فصار كالتالف، وإن غاب ولم يعلم خبره، فعليه نقصه؛ لأنه المتيقن.
فصل:
والقارن والمفرد والمعتمر سواء في جزاء الصيد، وسائر الكفارات؛ لأنهم سواء في الإحرام، فوجب استواؤهم في ذلك.
فصل:
وصيد الحرم حرام على الحلال والحرام؛ لما روى ابن عباس أن رسول الله ﷺ -
стр. 487
قال: «إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة؛ لا يختلى خلاها، ولا يعضد شوكها ولا ينفر صيدها، فقال العباس: إلا الإذخر فإنه لقينهم ولبيوتهم. فقال النبي ﷺ : إلا الإذخر» متفق
стр. 488
عليه. وحكمه في الجزاء حكم صيد الإحرام؛ لأنه مثله في التحريم فكان مثله في الجزاء، والسمك في التحريم كصيد البر؛ لعموم قوله: «لا ينفر صيدها» ولأن حرمته بمحله، وهما في المحل سواء، وعنه: لا يحرم؛ لأنه لا يحرمه الإحرام، فلم يحرمه الحرم كالسباع. وسائر الحيوانات حكمها في الحرم حكمها في الإحرام، فما حرمه الإحرام من الصيد حرمه الحرم، وما أبيح فيه من الأهلي وغير المأكول؛ لم يحرمه الحرم، ولهذا قال النبي ﷺ : «خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم» رواه مسلم. إلا أن القمل لا يحرمه الحرم، رواية واحدة. ويجب الجزاء على كل قاتل في الحرام، مسلماً كان أو كافراً، صغيراً أو كبيراً؛ لأن حرمته لمحله، وهو ثابت بالنسبة إلى كل قاتل، ولو قتل محرم صيداً حرمياً؛ لزمه جزاء واحد؛ لأن المقتول واحد، فكان جزاؤه واحداً كما لو قتله حلال.
فصل:
ومن ملك صيداً في الحل، فأدخله الحرم؛ لزمه رفع يده عنه وإرساله، فإن تلف في يده أو أتلفه، ضمنه، وإن ذبحه، صار ميتة؛ لأن الحرم سبب لتحريم الصيد، فحرم استدامة إمساكه، كالإحرام. وإن أمسكه في الحرم، فأخرجه إلى الحل؛ لزمه إرساله كالمحرم إذا مسك الصيد حتى حل.
وإن رمى من الحرم صيداً في الحل، أو أرسل كلبه عليه، أو قتل صيداً على غصن في الحل، أصله في الحرم، فلا ضمان فيه؛ لأنه صيد حل، قاتله حلال فلم يضمن، كما لو كان قاتله في الحل، وقول النبي ﷺ : «لا ينفر صيدها» يدل بمنطوقه على تحريمه في المسألة الأولى، وبمفهومه على حله في الثانية. وإن رمى من الحل صيداً في الحرم، أو أرسل كلبه عليه فقتله، أو قتل صيداً على غصن في الحرم، أصله في الحل، ضمنه؛ لأنه صيد حرمي معصوم بمحله. وعن أحمد فيهما جميعاً روايتان.
стр. 489
فإن كانا جميعاً في الحل، فدخل السهم أو الكلب الحرم، ثم خرج، فقتل صيداً في الحل؛ لم يضمن بحال؛ لأن الصيد والصائد جميعاً في الحل.
وإن رمى صيداً في الحل، فدخل السهم الحرم، فقتل فيه صيداً، ضمنه لأن العمد والخطأ واحد في الضمان. وإن أرسل كلبه على صيد في الحل، فدخل فقتله في الحرم، أو قتل غيره، ففيه روايتان:
إحداهما: لا يضمن؛ لأن للكلب اختياراً، وقد دخل باختياره، فلم يضمن جنايته، بخلاف السهم.
والثانية: إن كان الصيد قريباً من الحرم، ضمنه؛ لتفريطه بتعرضه للاصطياد في الحرم وإن كان بعيداً؛ لم يضمن؛ لعدم تفريطه، ولا يؤكل لأنه صيد حرمي.
وقال أبو بكر: عليه الضمان بكل حال. وإن جرحه في الحل، فدخل الحرم فمات فيه؛ لم يضمنه، وحل أكله لأنه ذبحه في الحل. وإن وقف صيد في الحرم والحل، فقتله ضمنه، تغليباً للتحريم.
وإن أمسك طائراً في الحل، فهلك فراخه في الحرم، ضمن الفراخ وحدها؛ لأنه أتلفها في الحرم.
وإن أمسك الطائر في الحرم، فهلك الفراخ في الحل، ضمن الطائر وحكم الفراخ، حكم ما لو رمى من الحرم صيداً في الحل؛ لأن صيد الحل، هلك بسبب كان منه في الحرم.
وإن نفر صيداً حرمياً، فهلك في نفوره بسبع أو غيره، في حل أو حرم ضمنه؛ لأنه هلك بتنفيره المنهي عنه، وإن سكن من نفوره، ثم هلك؛ لم يضمنه لأن هلاكه بغير سببه. وقد روي عن عمر ﵁: أنه دخل دار الندوة، فعلق رداءه، فوقع عليه حمام، فخاف أن يبول عليه، فأطاره، فانتهزته حية فقال: أنا أطرت، فسأل من معه، فحكم عليه عثمان ونافع بن عبد الحارث بشاة.
فصل:
ويحرم قلع شجر الحرم، وحشيشه كله؛ لحديث ابن عباس، «إلا الإذخر» . وما زرعه الإنسان؛ لأنه كالحيوان الأهلي، وإن غرس شجرة، فقال أبو الخطاب: له قلعها لأنه أنبتها الآدميون، فأشبه الزرع. وإن أخذه من الحرم، فغرسه؛ لم يبح قلعه؛ لأنه حرمي، ويحتمل كلام الخرقي تحريم قلع الشجر كله؛ لقوله ﵇: «لا يعضد
стр. 490
شجرها» وذكر القاضي وأبو الخطاب: أنه يباح قطع الشوك والعوسج؛ لأنه بمنزلة السباع من الحيوان، والحديث صريح في أنه لا يعضد شوكها، واتباعه أولى.
ولا بأس بقطع ما يبس؛ لأنه بمنزلة الميت، وأخذ ما تناثر أو يبس من الورق، أو تكسر من الشجر والعيدان بغير فعل الآدمي لذلك، وما قطعه الآدمي لم يبح له ولا لغيره الانتفاع به لظاهر كلام أحمد؛ لأنه قطع محرم؛ لحرمة الحرم، فأشبه ذبح الصيد. ولا يجوز أخذ ورق الشجر الأخضر؛ لأن في بعض الألفاظ: «ولا يخبط شجرها» ولأنه يضر بالشجر، أشبه نتف ريش الطير.
فصل:
ويجب الجزاء في ذلك، فيجب في الشجرة الكبيرة، بقرة، وفي الصغيرة شاة؛ لما روي عن ابن عباس أنه قال: في الدوحة بقرة، وفي الجزلة شاة، والدوحة: الكبيرة، والجزلة: الصغيرة. وإن قطع غصناً، ضمنه بما نقص، كأغصان الحيوان، فإن خلف مكانه، فهل يسقط الضمان؟ على وجهين:
أحدهما: لا يضمنه، كشعر الآدمي وسنه.
والثاني: يضمنه؛ لأنه أتلفه.
وإن قلع شجرة؛ لزمه ردها إلى موضعها، كمن صاد صيداً لزمه إرساله، فإن أعادها فيبست، ضمنها؛ لأنه أتلفها، وإن نبتت كما كانت؛ لم يضمنها، كالصيد إذا أرسله، وإن نقصت، ضمن نقصها، كالصيد سواء.
فصل:
ويحرم قطع حشيش الحرم؛ لقول النبي ﷺ : «لا يختلي خلاها» ويضمنه بقيمته، كما يضمن صغار الصيد بقيمته، وإن استخلف فهل يسقط الضمان؟ على وجهين.
وفي إباحة رعيه وجهان:
أحدهما: يباح؛ لأن الحاجة تدعو إليه فأشبه قطع الإذخر.
والثاني: يحرم؛ لأنه تسبب في إتلافه، فهو كإرسال الكلب على الصيد، وتباح الكمأة لأنه لا أصل لها، فأشبهت الثمرة.
فصل:
ويكره إخراج تراب الحرم وحصاه؛ لما روي عن ابن عمر وابن عباس أنهما
стр. 491
كرهاه. ولا يكره إخراج ماء زمزم؛ لأنه يستخلف، ويعد للإتلاف، فأشبه الثمرة.
فصل:
ويحرم صيد مدينة النبي ﷺ وشجرها؛ لما روى أنس أن النبي ﷺ أشرف على المدينة فقال: «اللهم إني أحرم ما بين جبليها، مثل ما حرم إبراهيم مكة» وفي لفظ: «ولا يقطع شجرها» متفق عليه.
ولا جزاء في صيدها وشجرها؛ لأنه موضع يجوز دخوله بغير إحرام، فأشبه صيد وج، ولأن الإيجاب من الشارع، ولم يرد به، وعنه: فيه الجزاء، وهو سلب القاتل لأخذه؛ لما روي «أن سعداً ركب إلى قصره بالعقيق، فوجد عبداً يقطع شجراً أو يخبطه فسلبه، فلما رجع سعد، جاء أهل العبد، فكلموه أن يرد عليهم، فقال: معاذ الله أن أرد شيئاً نفلنيه رسول الله ﷺ وأبى أن يرد عليهم» . رواه مسلم. وفي لفظ. قال: «إن رسول الله ﷺ حرم هذا الحرم» وقال: «من وجد أحداً يصيد منه فليسلبه» رواه أبو داود.
وحد حرمها: ما بين لابتيها، بريد في بريد، وقال أحمد: كذا فسر أنس بن مالك، وقد روى أبو هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «ما بين لابتيها حرام» متفق عليه.
فصل:
ويفارق حرم مكة، في أن من أدخل إليها صيداً من خارج، فله إمساكه وذبحه؛ لأن النبي ﷺ كان يقول: «يا أبا عمير ما فعل النغير»
стр. 492
متفق عليه. وهو طائر كان يلعب به، فلم ينكر عليهم إمساكه.
ويجوز أن يأخذ من شجرها ما تدعو الحاجة إليه للمساند والوسائد والرحل، ومن حشيشها ما تدعو الحاجة إليه للعلف؛ لما روى جابر «أن النبي ﷺ لما حرم المدينة قالوا: يا رسول الله إنا أصحاب عمل وأصحاب نضح، وإنا لا نستطيع أرضا غير أرضنا، فرخص لنا. فقال: القائمتان والوسادة والعارضة والمسند، فأما غير ذلك فلا يعضد ولا يخبط منها شيء» رواه الإمام أحمد، فأما صيد وج وشجره، وهو واد من أودية الطائف، فحلال؛ لأن الأصل الحل. وقد روي فيه حديث، ضعفه أحمد، وذكره الخلال في كتاب العلل.
فصل:
وما وجب من الهدي والإطعام جزاء للصيد؛ لزمه إيصاله إلى مساكين الحرم؛ لقول الله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] . وكذلك دم التمتع والقران؛ لأنه نسك، فأشبه الهدي. ودم فدية الأذى، يختص بالمكان الذي وجب سببه فيه؛ لأن النبي ﷺ أمر كعب بن عجرة بالذبح والإطعام بالحديبية، ولم يأمر بإيصاله إلى الحرم، ونحر علي ﵁ حين حلق رأس الحسين بالسقبا. وفي معناه ما وجب بلبس أو طيب أو نحوه، وقال القاضي: ما وجب بفعل محظور، فيه روايتان:
إحداهما: محله، حيث وجد سببه، كفدية الأذى والإحصار.
والثانية: محله الحرم؛ لقول الله تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣] وقال ابن عقيل: إن فعل المحظور لعذر يبيحه، فحمل هديه موضع فعله، وإن فعل لغير عذر، فمحله الحرم. وأما هدي المحصر، فمحل نحره محل حصره؛ لما روى ابن عمر «أن رسول الله ﷺ خرج معتمراً، فحالت كفار قريش بينه وبين البيت، فنحر هديه، وحلق رأسه بالحديبية» ، روى البخاري نحوه، وبين الحديبية والحرم ثلاثة أميال، ولأنه جاز التحلل في غير موضعه للحصر، فيجوز النحر في غير موضع النحر، وعن أحمد: لا يجوز نحره إلا في الحرم. لقول الله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] فعلى هذا يبعثه إلى الحرم، ويواطئ من يبعثه على اليوم الذي ينحره فيه، فيحل حينئذ. وأما الصيام كله
стр. 493
فيجزئه بكل مكان؛ لأنه لا نفع فيه لأهل المكان، فلا يختص بالمكان، كرمضان.
فصل:
وما وجب لمساكين الحرم؛ لم يجز ذبحه إلا في الحرم، وفي أي موضع منه ذبح جاز؛ لقول النبي ﷺ : «كل منى منحر، وكل فجاج مكة منحر وطريق» رواه ابن ماجة. مفهومه أنه لا يجوز النحر في غيره مما ليس في معناه. إذا نحر ففرقه على المساكين، فإن أطلقها لهم يقتطعونها، جاز «لأن النبي ﷺ نحر بدنات خمساً، ثم قال: من شاء فليقتطع» رواه أبو داود. ومساكين الحرم من حله من أهله وغيرهم؛ لأن النبي ﷺ أطلقها لمن حضره.
[باب دخول مكة وصفة العمرة]
ويستحب لمن أراد دخول مكة أن يغتسل، ويدخلها من أعلاها من ثنية كداء، ويخرج من أسفلها؛ لما روي «عن ابن عمر أنه كان يغتسل، ثم يدخل مكة، ويذكر أن النبي ﷺ كان يفعله» ، وقال: «دخل رسول الله ﷺ مكة من ثنية العليا التي بالبطحاء، وخرج من الثنية السفلى» ، متفق عليهما، ويستحب أن يدخل المسجد من باب بني شيبة؛ لقول جابر: «إن النبي ﷺ دخل مكة ارتفاع الضحى، فأناخ راحلته عند باب بني شيبة، ودخل المسجد.» رواه مسلم.
ويستحب أن يدعو عند رؤيته البيت، ويرفع يديه؛ لما روى ابن جريح «أن رسول الله ﷺ كان إذا رأى البيت رفع يديه، وقال: اللهم زد هذا البيت تشريفاً وتعظيماً ومهابة وبراً، وزد من شرفه وكرمه ممن حجه واعتمر تشريفاً وتعظيماً وبراً» رواه الشافعي في مسنده، وعن سعيد بن المسيب: أنه كان حين ينظر إلى البيت يقول: ((اللهم أنت السلام ومنك السلام، حينا ربنا بالسلام)) . ذكر الأثرم هذا الدعاء وزاد: الحمد لله رب العالمين كثيراً كما هو أهله، وكما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله، الحمد لله الذي بلغني بيته، ورآني لذلك أهلاً، الحمد لله على كل حال، اللهم إنك دعوت إلى حج بيتك الحرام، وقد جئتك لذلك، اللهم تقبل مني، واعف عني، وأصلح لي شأني كله؛ لا إله إلا أنت، وما زاد من الدعاء فحسن.
стр. 494
فصل:
ويبدأ بالطواف؛ لما روت عائشة «أن النبي ﷺ حين قدم مكة، توضأ ثم طاف بالبيت» ، متفق عليه، ولأن الطواف تحية المسجد، فاستحبت البداءة به، كالركعتين في غيره من المساجد، وينوي المتمتع به طواف العمرة، وينوي المفرد والقارن الطواف للقدوم.
ويسن الاضطباع فيه، وهو أن يجعل وسط الرداء تحت منكبه الأيمن، ويتركه مكشوفاً، ويرد طرفيه على منكبه الأيسر؛ لما روى ابن عباس «أن النبي ﷺ وأصحابه اعتمروا من الجعرانة فرملوا بالبيت، وجعلوا أرديتهم تحت آباطهم، ثم قذفوها على عواتقهم اليسرى» رواه أبو داود.
ويطوف سبعاً، يبتدئ بالحجر الأسود فيستلمه؛ لقول جابر: «حتى أتينا البيت معه، استلم الركن، فرمل ثلاثاً، ومشى أربعاً» ، ومعنى استلامه: مسحه بيده، ويستحب تقبيله؛ لما روى أسلم قال: «رأيت عمر بن الخطاب قبل الحجر، وقال: إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ قبلك ما قبلتك.» متفق عليه، فإن لم يمكنه تقبيله، استلمه، وقبل يده؛ لما روي «أن النبي ﷺ استلمه وقبل يده» ، رواه مسلم، فإن استلمه بشيء في يده قبله؛ لما روى ابن عباس قال: «رأيت رسول الله ﷺ يطوف في البيت، ويستلم الركن بمحجن معه ويقبل المحجن» . رواه مسلم. وإن لم يمكنه أشار بيده إليه؛ لما روى ابن عباس، «أن النبي ﷺ طاف على بعير كلما أتى الركن أشار إليه، وكبر.»
ويستحب أن يقول عنده ما روى عبد الله بن السائب: «أن النبي ﷺ قال عند استلامه: بسم الله والله أكبر إيماناً بك، وتصديقاً بكتابك، ووفاء بعهدك، واتباعاً لسنة نبيك محمد، ﷺ » . ويحاذي الحجر بجميع بدنه؛ ليستوعب جميع البيت بالطواف، ثم يأخذ في الطواف على يمين نفسه، ويجعل البيت على يساره، ويطوف سبعاً يرمل في الثلاث الأول منها، وهو إسراع المشي مع مقاربة الخطى، ولا يثب وثباً، ويمشي أربعاً لحديث جابر، وروى ابن عمر قال: «كان رسول الله ﷺ إذا طاف بالبيت الطواف الأول خب ثلاثاً، ومشى أربعاً.» متفق عليه. ولا يرمل في غير هذا الطواف لذلك. فإن ترك الرمل في الثلاث لم يقضه في الأربع؛ لأنه سنة فات محلها، فلم يقضه في غيره كالجهر في الأوليين، ولا يقضى في الأخريين.
ولو فاته الرمل والاضطباع في هذا الطواف؛ لم يقضه فيما بعده، كمن فاته الجهر في الصبح لم يقضه في الظهر، ويكون الحجر داخلاً في طوافه؛ لأن الحجر في البيت،
стр. 495
ولا يطوف على جدار الحجر، ولا شاذروان الكعبة؛ لأنه من البيت، فيجب أن يطوف به.
ولا يستلم الركن العراقي ولا الشامي؛ لما روى ابن عمر: «أن رسول الله ﷺ كان لا يستلم إلا الحجر والركن اليماني، وما تركت استلامهما منذ رأيت رسول الله ﷺ يستلمهما في شدة ولا رخاء» ، رواه مسلم، وقال: «ما أرى النبي ﷺ استلم الركنين اللذين يليان الحجر، إلا لأن البيت لم يتم على قواعد إبراهيم ﵇.» متفق عليه، ولا طاف الناس من وراء الحجر إلا لذلك، كلما حاذى الحجر كبَّر. ويقول بين الركنين: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١] لما روى عبد الله بن السائب: أنه «سمع رسول الله ﷺ يقول ذلك ما بين ركن بني جمح والركن الأسود.» رواه أبو داود. ويقول في بقية الطواف: «اللهم اجعله حجاً مبروراً وسعياً مشكوراً، وذنباً مغفوراً رب اغفر وارحم، واعف عما تعلم، وأنت الأعز الأكرم» ، ويصلي على النبي ﷺ ويدعو بما أحب، ويستحب أن يدنو من البيت؛ لأنه المقصود.
فإن كان يمكنه الرمل بعيداً، ولا يمكنه قريباً، فالبعيد أولى؛ لأنه يأتي بالسنة المهمة.
ولا بأس بقراءة القرآن في الطواف؛ لأنه صلاة، والصلاة محل القرآن.
ويجوز الشرب في الطواف؛ «لأن النبي ﷺ شرب في الطواف» . رواه ابن المنذر.
ويستحب أن يدع الحديث كله، إلا ذكر الله أو قراءة القرآن، أو دعاء أو أمراً بمعروف، أو نهياً عن منكر؛ لما روى ابن عباس أن النبي ﷺ قال: «الطواف في البيت صلاة، إلا أن الله أباحكم فيه الكلام، فمن تكلم فلا يتكلم إلا بخير» رواه الترمذي.
فصل:
فإذا فرغ من الطواف، صلى ركعتين خلف مقام إبراهيم، يقرأ فيهما بـ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] وسورة الإخلاص. لما روى جابر «أن النبي ﷺ طاف في البيت سبعاً وصلى خلف المقام ركعتين، قرأ فيهما: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] » رواه مسلم. وإن صلاهما في غير هذا الموضع، أو قرأ غير ذلك أجزأه.
فصل:
ويشترط لصحة الطواف تسعة أشياء:
следующие страницы →