← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 21731

الكافي في فقه الإمام أحمد

ابن قدامة

Полный текст (1 486 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

يضحي فلا يأخذ من شعره، ولا من أظافره شيئاً حتى يضحي» . رواه مسلم. وقال القاضي: هذا نهي كراهية، لا تحريم بدليل قول عائشة: «كنت أفتل قلائد هدي رسول الله ﷺ ، ثم يقلدها بيده، ثم يبعث بها، ولا يحرم عليه شيء أحله الله له حتى ينحر الهدي» . متفق عليه. ويمكن حمل الحديث على ظاهره في التحريم، ولا تعارض بين الحديثين؛ لأن أحدهما في الأضحية والآخر في الهدي المرسل. ولو تعارضا لكان حديث أم سلمة خاصاً في الشعر والظفر، فيجب تقديمه. فإن فعل، استغفر الله تعالى ولا فدية عليه. فصل: ولا يجزئ إلا بهيمة الأنعام؛ لقول الله تعالى: ﴿لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٣٤] . ولا يجزئ إلا الجذع من الضأن، والثني من غيره؛ لقول رسول الله ﷺ : «لا تذبحوا إلا مسنة، فإن عسر عليكم، فاذبحوا الجذع من الضأن» رواه مسلم. والثنية من البقر هي المسنة. ومن الإبل ما كمل لها خمس سنين. قاله الأصمعي. ويستحب استحسانها، وأفضلها البياض؛ لأنه صفة أضحية رسول الله ﷺ . ثم ما كان أحسن لوناً. فصل: وتجزئ البدنة عن سبعة، وكذلك البقرة لقول جابر: «كنا نتمتع مع رسول الله ﷺ نذبح البقرة عن سبعة، نشترك فيها» . رواه مسلم. ويجوز أن يشتركوا فيها، سواء أراد جميعهم القربة، أو بعضهم القربة والباقون اللحم لأن كل سبع مقام شاة، ويجوز أن يقسموا أنصباءهم لأن القسمة إفراز حق والحاجة داعية إليه. فصل: ويستحب أن ينحر الهدي والأضحية بيده، لحديث أنس. ويجوز أن يستنيب فيه، لما ذكرنا في الهدي، ويجوز أن يستنيب كتابياً؛ لأنه من أهل الذكاة. ولا يستحب أن يذبحها إلا مسلم؛ لأنها قربة، فالأفضل أن لا يليها كافر بالله. وعنه: لا يجوز أن يليها كافر لذلك. ويستحب لمن استناب أن يحضرها، لما

стр. 527

روى أبو سعيد أن رسول الله ﷺ قال لفاطمة: «أحضري أضحيتك، يغفر لك بأول قطرة تقطر من دمها» ويقول عند الذبح: بسم الله والله أكبر. لحديث أنس، وإن قال: اللهم هذا منك ولك، اللهم تقبل مني أو من فلان فحسن، لما روى جابر: أن النبي ﷺ قال على أضحيته: «اللهم هذا منك، ولك عن محمد وأمته، بسم الله والله أكبر» ثم ذبح وفي رواية قال: «بسم الله اللهم تقبل من محمد وآل محمد وأمة محمد ثم ضحى» . رواه مسلم، وليس عليه أن يقول عن فلان؛ لأن النية تجزئ. فصل: وأول وقت الذبح في حق أهل المصر إذا صلى الإمام وخطب يوم النحر، لما روى البراء قال: قال رسول الله ﷺ : «من صلى صلاتنا، ونسك نسكناً فقد أصاب النسك، ومن ذبح قبل أن يصلي فليعد مكانها أخرى» متفق عليه. وفي حق غير أهل المصر قدر الصلاة والخطبة؛ لأنه تعذر في حقهم اعتبار حقيقة الصلاة، فاعتبر قدرها. وقال الخرقي: المعتبر قدر الصلاة والخطبة في حق الجميع؛ لأنها عبادة يتعلق آخرها بالوقت، فتعلق أولها بالوقت، كالصوم، فمن ذبح قبل ذلك لم يجزئه، وعليه بدلها إن كانت واجبة، لحديث البراء. وآخر وقتها آخر اليومين الأولين من أيام التشريق؛ «لأن النبي ﷺ نهى عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث» . متفق عليه. قال الخرقي: لا يجوز الذبح ليلاً؛ لقول الله تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٢٨] . وقال غيره من أصحابنا: يجوز ليلاً لأنه زمن يصح فيه الرمي، فصح فيه الذبح كالنهار، وقال بعضهم: فيه روايتان. فإن فات وقت الذبح، ذبح الواجب قضاء؛ لأنه قد وجب ذبحه، فلم يسقط بفوات وقته. وإن كان تطوعاً فقد فاتته سنة الأضحية. فصل: ولا يجزئ في الأضحية معيبة عيباً ينقص لحمها، لما روى البراء قال: قام فينا رسول الله ﷺ ، فقال: «أربع لا تجوز في الأضاحي: العوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها، والعرجاء البين ظلعها، والعجفاء التي لا تنقى» رواه أبو داود، يعني: التي لا مخ فيها، والعوراء البين عورها: التي انخسفت عينها، وذهبت، فنص على هذه الأربعة الناقصة اللحم، وقسنا عليها ما في معناها.

стр. 528

ولا تجزئ العضباء، لما روى علي ﵁ قال: «نهى رسول الله ﷺ أن يضحى بأعضب الأذن، أو القرن» . قال سعيد بن المسيب: العضب النصف فأكثر من ذلك. رواه النسائي. يعني التي ذهب أكثر من نصف أذنها، أو قرنها، وتجزئ الجماء التي لم يخلق لها قرن، والصمعاء: وهي الصغيرة الأذن والبتراء: التي لا ذنب لها، والشرقاء: التي شقت أذنها، والخرقاء: التي انشقت أذنها؛ لأن ذلك لا ينقص لحمها، ولا يمكن التحرز منه، وغيرها أفضل منها؛ لقول علي ﵁: «أمرنا رسول الله ﷺ أن نستشرف العين والأذن، وأن لا نضحي بمقابلة، ولا مدابرة، ولا خرقاء، ولا شرقاء» . قال أبو إسحاق السبيعي: المقابلة: قطع طرف الأذن، والمدابرة: القطع من مؤخرة الأذن، والخرقاء: تشق الأذن للمسة، والشرقاء: تشق أذنها السمة. رواه أبو داود. وهذا نهي تنزيه لما ذكرنا. وقال ابن حامد: لا تجزئ الجماء، ويجزئ الخصي؛ لأن النبي ﷺ ضحى بكبشين موجوءين، ولأنه يذهب عضو غير مستطاب، يطيب اللحم بذهابه. فصل: ويستحب أن يأكل الثلث من الأضحية، ويهدي الثلث، ويتصدق بالثلث، لما روى ابن عمر عن النبي ﷺ في الأضحية قال: «ويطعم أهل بيته الثلث، ويطعم فقراء جيرانه الثلث، ويتصدق على السؤال بالثلث» قال الحافظ أبو موسى: هذا حديث حسن. ولقول ابن عمر: الضحايا والهدايا: ثلث لك وثلث لأهلك، وثلث للمساكين. وإن أطعمها كلها أو أكثرها فحسن، وإن أكلها كلها إلا أوقية تصدق بها جاز، وإن أكلها كلها، ضمن القدر الذي تجب الصدقة به؛ لقول الله تعالى: ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: ٣٦] . والأمر يقتضي الوجوب. وإن نذر الأضحية، فله الأكل منها؛ لأن النذر محمول على المعهود قبله، والمعهود من الأضحية الشرعية ذبحها، ولأكل منها، ولا يغير النذر من صفة المنذور إلا الإيجاب. قال القاضي: ومن أصحابنا من منع الأكل منها، قياساً على الهدي المنذور. فصل: ولا يجوز بيع شيء من الهدي، والأضحية، ولا إعطاء الجازر بأجرته شيئاً منها، لما روي عن علي ﵁ قال: «أمرني رسول الله ﷺ ، أن أقوم بدنه، وأن أقسم

стр. 529

جلودها وجلالها، وأن لا أعطي الجازر منها شيئاً، وقال: نحن نعطيه من عندنا» متفق عليه. ويجوز أن ينتفع بجلدها، ويصنع منه النعال، والخفاف والفراء والأسقية، ويدخر منها، لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث فأمسكوا ما بدا لكم» رواه مسلم. ولأن الجلد جزء من الأضحية، فجاز الانتفاع به كاللحم. فصل: وإذا أوجب الأضحية بعينها، فالحكم فيها كالحكم في الهدي المعين، في ركوبها، وولدها، ولبنها، وصوفها، وتلفها، وإتلافها، ونقصانها، وذبحها على ما ذكرنا؛ لأن الأضاحي والهدايا معناهما واحد. وإيجابها قوله: هذه أضحيتي، أو هذه لله، ونحوه من القول. ولا يحصل ذلك بالشراء مع النية؛ لأنه إزالة ملك على وجه القربة، فلم تؤثر فيها النية المفارقة للشراء، كالوقف والعتق، فإن أوجبها ناقصة نقص يمنع الإجزاء، فعليه ذبحها؛ لأن إيجابها كنذر ذبحها، فيلزمه الوفاء به، ولا يكون أضحية؛ لقول النبي ﷺ : «أربع لا تجزئ في الأضاحي» ولكنه يتصدق بلحمها، ويثاب عليه، كمن أعتق عبداً عن كفارة به عيب يمنع الإجزاء، ولا يلزمه البدل، إلا أن تكون الأضحية واجبة؛ لأنها تطوع، وإن زال عيبها قبل ذبحها أجزأت عن الأضحية؛ لأن القربة تتعين فيها بالذبح وهي سليمة حينئذ، وإن اشتراها معيبة فأوجبها، ثم علم عيبها، خرج جواز ردها على جواز إبدالها، وقد ذكرناه وله أخذ أرشها، وحكمه حكم أرش الهدي المعيب. [باب العقيقة] وهي الذبيحة عن المولود، وهي سنة، لما روى سمرة أن النبي ﷺ قال: «كل غلام رهينة بعقيقته، تذبح عنه يوم سابعه، ويسمى ويحلق رأسه» رواه أبو داود. وليست واجبة، لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «من ولد له مولود، فأحب أن ينسك عنه فليفعل» رواه مالك في الموطأ. والسنة أن يذبح عن الغلام شاتان متساويتان، وعن الجارية شاة، لما روت أم كرز الكعبية قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «عن الغلام شاتان مكافئتان، وعن الجارية شاة» رواه أبو داود. ويستحب ذبحها يوم السابع، ويجزئ فيها من بهيمة الأنعام ما يجزئ في الأضحية، ويمنع فيها من العيب ما يمنع فيها، وسبيلها في الأكل والهدية والصدقة سبيلها، إلا أنه يستحب تفصيلها أعضاء، ولا

стр. 530

يكسر لها عظم؛ لأنها أول ذبيحة ذبحت عن المولود، فاستحب أن لا تكسر عظامها، تفاؤلاً بسلامة أعضائه. قالت عائشة ﵂: «السنة شاتان مكافئتان عن الغلام، وعن الجارية شاة» . وكان عطاء يقول: تطبخ جدولاً ولا يكسر عظمها، ويأكل ويطعم ويتصدق، وذلك يوم السابع، فإن ذبحها قبل السابع جاز؛ لأنه فعلها بعد سببها، فجاز كتقديم الكفارة قبل الحنث، وإن أخرها عنه، ذبحها في الرابع عشر، فإن فات، ففي إحدى وعشرين، لما روى بريدة عن النبي ﷺ قال: «في العقيقة تذبح لسبع، ولأربع عشر، ولإحدى وعشرين» أخرجه الحسين بن يحيى بن عياش القطان. فإن أخرها عنه، ذبحها بعده؛ لأنه قد تحقق سببها. فصل: ويستحب حلق رأس الصبي يوم السابع، وتسميته، لحديث سمرة. وإن سماه قبل ذلك جاز، لما روى أنس أنه «أتى النبي ﷺ بأخ له حين ولد، فحنكه بتمرة، وسماه عبد الله» . متفق عليه. وسمى النبي ﷺ ولده إبراهيم ليلة ولد. متفق عليه. ويستحب تحسين اسمه، لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «إنكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم وأسماء آبائكم فأحسنوا أسماءكم» رواه أبو داود. وقال النبي ﷺ : «أحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن» حديث صحيح رواه مسلم ويكره لطخ رأس الصبي بالدم؛ لأنه تنجيس له، وهو من عمل أهل الجاهلية. قال بريدة كنا نلطخ رأس الصبي بدم العقيقة، فلما جاء الإسلام كنا نلطخه بالزعفران. [باب الذبائح] لا يحل شيء من الحيوان المقدور عليه بغير ذكاة؛ لقول الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] . إلا السمك وما شبهه مما لا يعيش إلا في الماء، فإنه يباح بغير ذكاة، وإن طفا؛ لقول النبي ﷺ في البحر: «هو الطهور ماؤه، الحل ميتته» والجراد؛ لقول النبي ﷺ : «أحل لنا ميتتان ودمان، السمك والجراد والكبد والطحال» ولأن ذكاتهما في العادة لا تمكن، فسقط اعتبارها، وما يعيش من البحري في البر لا يحل إلا بالذكاة؛ لأنه مقدور على ذبحه إلا السرطان فإنه لا ذكاة له، فأشبه الجراد [وقال القاضي: لا يباح بغير ذكاة] . وعن أحمد ﵁: أن الجراد لا

стр. 531

يباح إلا أن يموت بسبب، كتغريقه وطبخه، والأول المذهب. ولو وجد سمكة في بطن أخرى، أو في حوصلة طائر أو جراد أو حباً، أو وجد الحب في روث بعير حل؛ لأنه في محل طاهر، ولا ذكاة له، فأشبه ما مات في الماء، وعنه: ما أكل مرة لا يؤكل ثانية؛ لأنه رجيع، فيكون مستخبثاً. ولو صاد الوثني حوتاً حل، وعنه: لا يحل، والأول أصح لأنه لا ذكاة له، فأشبه ما لو أخذه ميتاً. فصل: وللذكاة أربعة شروط: أهلية المذكي، بأن يكون مسلماً أو كتابياً أو عاقلاً؛ لقول الله تعالى: ﴿إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] وقول سبحانه: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] . يعني: ذبائحهم. ولا تحل ذكاة وثني ولا مجوسي، ولا مرتد، وإن تدين بدين أهل الكتاب؛ لأنه لم يثبت له حكم أهل الكتاب، ومفهوم الآية تحريم ذبائح من سواهم، وفي نصارى بني تغلب روايتان: أصحهما: حل ذبائحهم، لعموم الآية. والثانية: تحريمها؛ لأن ذلك يروى عن علي ﵁. قال أصحابنا: ولا تحل ذبيحة من أحد أبويه وثني أو مجوسي؛ لأنه اجتمع فيه ما يقضي الحظر والإباحة، فغلب الحظر. وإن ذبح اليهودي ما حرم عليهم، وهو كل ذي ظفر. قال قتادة: هو الإبل والنعام والبط، وما ليس بمشقوق الأصابع، أو ذبح بقرة أو شاة، لم يحرم علينا منه شيء في ظاهر كلام أحمد ﵁، واختيار ابن حامد؛ لأنه من أهل الذكاة ذبح ما يحل لنا فأشبه المسلم. واختار أبو الحسن التميمي أنه يحرم علينا ما يحرم عليه من الشحم، وذي الظفر؛ لأنه لم يبح لذابحه، فلم يبح لغيره كالدم، ويعتبر العقل، فلا تحل ذكاة مجنون، ولا سكران ولا طفل غير عاقل؛ لأنه أمر يعتبر له العقل والدين، فاعتبر له العقل كالغسل، وكذلك لو رمى هدفاً فذبح صيداً، لم يحل. ويصح من العدل والفاسق، والذكر والأنثى، والصبي العاقل والأعمى، لما روى كعب بن مالك «أن جارية له كانت ترعى غنماً بسلع، فأصيب منها شاة، فأدركتها فذكتها بحجر، فأمره النبي ﷺ بأكلها» . رواه البخاري. وقال ابن عباس: من ذبح من ذكر وأنثى وصغير وكبير، وذكر اسم الله عليه فكل.

стр. 532

فصل: الشرط الثاني: الآلة وهو أن يذبح بمحدد، أي شيء كان من حديد أو حجر أو خشب أو قصب إلا السن والظفر، فإنه لا يباح الذبح بهما، لما روى رافع بن خديج قال: قال النبي ﷺ : «ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا، ليس السن والظفر، وسأخبركم عن ذلك، أما السن فعظم، وأما الظفر فمدى الحبشة» متفق عليه. فإن ذبح بعظم غير السن، أبيح في ظاهر كلامه، لدخوله في عموم اللفظ. وعنه: لا يباح؛ لأن النبي ﷺ علل تحريم الذبح بالسن، لكونه عظماً. ويستحب تحديد الآلة، لما روى شداد بن أوس أن النبي ﷺ قال: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته» رواه مسلم. فصل: الشرط الثالث: أن يسمي الله؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] . وحديث رافع، فإن تركها عمداً لم تحل ذبيحته، وإن تركها سهواً حلت لما روى راشد بن سعد قال: قال رسول الله ﷺ : «ذبيحة المسلم حلال، وإن لم يسم الله تعالى إذا لم يتعمد» أخرجه سعيد. وعنه: لا تسقط التسمية في عمد، ولا سهو للآية والخبر، وعنه: لا تجب في الحالين، لما روي عن عائشة ﵂ «أن قوماً قالوا: يا رسول الله إن قوماً من الأعراب يأتونا باللحم، لا ندري أذكر اسم الله عليه أم لا؟ قال: سموا أنتم وكلوا» رواه البخاري، والمذهب الأول. وإن شك في تسمية الذابح حل لحديث عائشة، ولأن حال المسلم تحمل على الصحة، كالذبح في المحل. والتسمية: قول بسم الله، وإن كان بغير العربية، وموضعها عند الذبح، يجوز تقديمها عليه بالزمن اليسير. وإن سمى على شاة وذبح أخرى لم تبح؛ لأنه لم يذكر اسم الله عليها. وإن سمى على قطيع وذبح منه شاة لم تبح، وإن سمى على شاة، ثم ألقى السكين وأخذ أخرى، أو تحدث ثم ذبحها حلت؛ لأنه سمى عليها. وتقوم إشارة الأخرس مقام تسميته، كسائر ما يعتبر فيه النطق.

стр. 533

فصل: الشرط الرابع: المحل، وهو الحلق واللبة، لما روي عن عمر ﵁، أنه نادى: «النحر في اللبة والحلق لمن قدر» . أخرجه سعيد. وروي مرفوعاً عن النبي ﷺ . ويشترط قطع الحلقوم، وهما مجرى الطعام والنفس. وعنه: يشترط فري الودجين، أو أحدهما، وهما عرقان محيطان بالحلقوم، لما روى أبو هريرة قال: «نهى رسول الله ﷺ عن شريطة الشيطان» وهي التي تذبح فيقطع الجلد، ولا تفرى الأوداج، ثم تترك حتى تموت. رواه أبو داود. والأول أولى؛ لأنه قطع لا تبقى الحياة معه في محل الذبح، وإن قطع الأوداج وحدها، فينبغي أن تحل استدلالاً بالحديث والمعنى، والأولى قطع الجميع؛ لأنه أوحى وأبلغ من سيلان الدم وتنظيف اللحم منه. فصل: والسنة نحر الإبل قائمة، معقولة يدها اليسرى؛ لقول الله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ [الحج: ٣٦] ومر ابن عمر «على رجل قد أناخ بدنته لينحرها، فقال: ابعثها قياماً مقيدة. سنة محمد ﷺ » . متفق عليه. ثم يجؤها بالحربة في الوهدة التي بين أصل العنق والصدر؛ لقول الله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢] ونحر النبي ﷺ بدنة. ويذبح سائر الحيوان؛ لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧] . وذبح النبي ﷺ الكبشين اللذين ضحى بهما. فإن ذبح ما ينحر، أو نحر ما يذبح جاز؛ لأنه لم يتجاوز محل الذبح، ولأن النبي ﷺ قال: «ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل» ويستحب توجيه الذبيحة إلى القبلة؛ لأن ابن عمر ﵁ كان يستحب ذلك، ولأنها أولى الجهات بالاستقبال. فصل: فإن ذبحها من قفاها، فأتت السكين على موضع ذبحها وفيها حياة مستقرة حلت؛ لأنها ماتت بالذبح، وكذلك ما جرح من غير مذبحه. والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة، وما أكل السبع والمريضة ما أدرك ذكاتها، وفيها حياة مستقرة حلت؛ لقول الله

стр. 534

تعالى: ﴿إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] . ولحديث جارية كعب: «إذا أصيبت منها شاة، فأدركتها فذكتها بحجر، فأمر النبي ﷺ بأكلها» وما لم يبق فيه إلا مثل حركة المذبوح لا يباح؛ لأنه صار في حكم الميت، وكذلك لو ذبحها بعد ذبح الوثني لها لم تبح. فصل: ويكره أن يبين الرأس بالذبح، وقطع عضو مما ذكى، أو سلخه حتى تزهق نفسه؛ لأن عمر ﵁ قال: لا تعجلوا الأنفس حتى تزهق ولا يحرم المقطوع؛ لأن إبانته حصلت بعد ذبحها وحلها. ولو ذبحها، فسقطت في ماء، أو تردت تردياً يقتلها مثله، فقال أكثر أصحابنا: لا تحرم لما ذكرنا. وقال الخرقي: تحرم، وهو المنصوص عليه؛ لأن النبي ﷺ قال لعدي بن حاتم: «فإن وقعت في الماء فلا تأكل» ولأن ذلك يعين على زهوق نفسها، فيحصل بسبب مبيح ومحرم. فصل: وإذا ذبح حاملاً، فخرج جنينها ميتاً، أو فيه حركة كحركة المذبوح أبيح، لما روى أبو سعيد قال: «قيل يا رسول الله: إن أحدنا ينحر الناقة، ويذبح البقرة والشاة. فيجد في بطنها الجنين، أيأكله أم يلقيه؟ قال: كلوه إن شئتم، فإن ذكاته ذكاة أمه» رواه أبو داود، ولأنه متصل بها يتغذى بغذائها فكانت ذكاتها ذكاة له، كسائر أجزائها. ويستحب أن يذبحه ليخرج دمه الذي في بطنه، نص عليه. وإن خرج وفيه حياة مستقرة لم يبح إلا بالذكاة؛ لأنه مستقل بحياته، فأشبه ما ولدته قبل ذبحها. فصل: وإذا ند بعيره أو غيره، فلم يقدر عليه، صار حكمه حكم الصيد، لما روى رافع بن خديج قال: «كنا مع النبي في غزاة، فأصاب القوم غنماً وإبلاً، فند بعير من الإبل، فرماه رجل بسهم، فحبسه الله به، فقال رسول الله ﷺ : إن لهذه البهائم أوابد كأوابد الوحش، فما غلبكم منها فاصنعوا به هكذا» متفق عليه. ولأنه تعذر ذكاته في الحلق، فأشبه الصيد. ولو تردى في بئر، فلم يقدر على ذبحه، فجرحه في أي موضع قدر عليه من جسده، أبيح لما ذكرناه إلا أن يكون رأسه في الماء، أو في شيء يموت به غير الذبح، فلا يباح لأننا لا نعلم أن الذبح قتله.

стр. 535

[باب الصيد] وهو مباح لقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢] . وقَوْله تَعَالَى: ﴿أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤] . قال ابن عباس: هي الكلاب المعلمة والبازي، وكل ما تعلم الصيد. فصل: من صاد صيداً فذكاه حل بكل حال، لحديث أبي ثعلبة. وإن أدرك ميتاً حل بشروط سبعة. أحدها: أهلية الصائد على ما ذكرنا في الذكاة؛ لأن الاصطياد كالذكاة، وقائم مقامها. الثاني: التسمية عند إرسال الجارح أو السهم لما ذكرنا في الذكاة، ولا يعفى عنهما في عمد ولا سهو؛ لقول النبي ﷺ : «إذا أرسلت كلبك وسميت فكل، وإن وجدت معه غيره فلا تأكل، فإنك إنما سميت على كلبك، ولم تسم على الآخر» متفق عليه. وعنه: يعفى عنها في السهو، لما ذكرنا في الذكاة. وعنه: يعفى عن السهو في إرسال السهم؛ لأنه آلته فهو كسكينة، ولا يعفى عنه في إرسال الكلب، للحديث، والأول المذهب. الشرط الثالث: إرسال الجارح؛ لقول النبي ﷺ : «إذا أرسلت كلبك، وسميت فكل» ولأن إرسالها أقيم مقام الذبح، فاعتبر وجوده، فإن استرسل الكلب بنفسه، لم يبح صيده فإن سمى صاحبه وزجره، فزاد في عدوه حل صيده؛ لأنه أثر فيه، فصار كإرساله، وإن لم يزد في عدوه لم يبح؛ لأنه لم يؤثر. الشرط الرابع: أن يكون الجارح معلماً؛ لقول الله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ﴾ [المائدة: ٤] . ولما روى أبو ثعلبة الخشني أن رسول الله ﷺ قال: «ما صدت بكلبك المعلم، وذكرت اسم الله فكل، وما صدت بكلبك الذي ليس بمعلم فأدركت ذكاته فكل» متفق عليه.

стр. 536

ويعتبر في تعليمه إن كان سبعاً ثلاثة أشياء: أن يسترسل إذا أرسل، وأن ينزجر إذا زجر، ولا يأكل إذا أمسك. وهل يعتبر تكرار ذلك منه، فيه وجهان: أحدهما: يعتبر ثلاثاً، ذكره القاضي؛ لأن ترك الأكل في المرة الواحدة يحتمل أنه لشبع أو عارض، فيعتبر تكراره، ليعلم أنه لتعلمه. والثاني: لا يعتبر، ذكره أبو جعفر الشريف، وأبو الخطاب؛ لأنه تعلم صنعة، فلم يعتبر تكراره كسائر الصنائع، وأما الطائر كالبازي والصقر، فيعتبر أن يسترسل إذا أرسله، ويجيبه إذا دعاه، ولا يعتبر ترك الأكل؛ لأن تعليمه بأكله، وكل حيوان يقبل التعليم يحل صيده، لعموم الآية إلا الكلب الأسود البهيم، فإنه لا يحل اقتناؤه ولا صيده؛ لأن النبي ﷺ أمر بقتله، وقال: «إنه شيطان» وما وجب قتله حرم اقتناؤه وتعليمه، فوجب أن لا يحل صيده. الشرط الخامس: أن يرسله على صيد، فإن أرسله على غير شيء، أو على إنسان، أو حجر أو بهيمة، فأصاب صيداً لم يحل؛ لأنه لم يرسله على صيد، فأشبه ما استرسل بنفسه، ويحتمل أن يحل كما لو أرسله على صيد، فصاد غيره، وإن أرسله على صيد فأصاب غيره، أو قتل جماعة حلت للخبر، ولأنه أرسله على صيد فحل ما صاده، كما لو أرسله على كبار فتفرقت عن صغار فصادها. ولو سمع حساً أو رأى سواداً، فظنه صيداً، فأرسل عليه كلبه أو سهمه فأصاب صيداً حل؛ لأنه قصد الصيد، وإن لم يظنه صيداً لم يبح صيده؛ لأن صحة قصده تبنى على ظنه، سواء كان الذي رآه صيداً، أو لم يكن. الشرط السادس: أن يجرح الصيد، فإن قتله بخنقه، أو صدمته لم يحل لأنه قتله بغير جرح، أشبه ما لو رمى بالبندق والحجر. وقال ابن حامد: يباح لعموم قَوْله تَعَالَى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤] وعموم الخبر. الشرط السابع: أن يختص السباع، وهو ترك الأكل من الصيد، وفيه روايتان: إحداهما: هو شرط، فمتى أكل الجارح من الصيد لم يحل، لما روى عدي بن حاتم أن النبي ﷺ قال: «فإذا أرسلت كلبك المعلم، وذكرت اسم الله عليه فكل ما أمسك عليك، وإن قتل إلا أن يأكل الكلب، فإن أكل فلا تأكل فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه» متفق عليه.

стр. 537

والثانية: لا يحرم، لما روى أبو ثعلبة قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا أرسلت كلبك المعلم، وذكرت اسم الله عليه فكل وإن أكل» رواه أبو داود. والأولى أولى؛ لأن حديثنا أصح، ولا يحرم المتقدم من صيوده؛ لأنها وجدت مع اجتماع شروط التعلم فيه، فلا تحريم بالاحتمال، وإن شرب من دم الحيوان، لم يحرم رواية واحدة؛ لأنه لم يأكل، ولأن الدم لا ينفع الصائد، فلا يخرج بشربه عن أن يكون ممسكاً على صائده. فصل: وما أصاب فم الكلب، وجب غسله سبعاً إحداهن بالتراب، كغيره من المحال ويحتمل أن لا يجب؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤] ولم يأمر بالغسل، ولأنه يشق إيجاب غسله فسقط. فصل: ويباح الصيد بغير الحيوان؛ لقول النبي ﷺ لأبي ثعلبة: «ما صدت بقوسك وذكرت اسم الله عليه فكل» ولأن أبا قتادة شد على حمار وحشي فقتله، قال النبي ﷺ : «إنما هي طعمة أطعمكموها الله» متفق عليهما. فما كان محدداً كالسهم والسيف، حل ما قتل به إذا اجتمعت الشروط، كالمعلم من الجوارح، وما لم يكن محدداً كالشباك، والأشراك والعصي والحجارة والبندق، فما أدرك ذكاته حل، وما لم يدرك ذكاته لم يحل، كغير المعلم؛ لأنه لم يقتل بجروحه، فيكون قتيله منخنقة أو موقوذة. ولو قتل المحدد الصيد بعرضه أو ثقله لم يبح لذلك، ولما روى عدي قال: «سئل رسول الله ﷺ عن صيد المعراض، فقال: ما خزق فكل، وما قتل بعرضه فهو وقيذ فلا تأكل» متفق عليه. ولو نصب المناجل لصيد وسمى، فجرحت الصيد وقتلته أبيح لأنها آلة محددة فأشبهت السهم، ولو وقع السهم على الأرض ثم وثب فقتل الصيد، أو أعانته الريح، ولولاها ما وصل حل لحديث أبي ثعلبة. فصل: إذا اجتمع في الصيد مبيح ومحرم، مثل أن يقتله بمثقل ومحدد، أو بسهم مسموم، أو بسهم مسلم، وبسهم مجوسي، أو سهم غير مسمى عليه، أو كلب مسلم وكلب مجوسي، أو غير مسمى عليه، أو غير معلم، أو اشتركا في إرسال الجارحة عليه، أو وجد مع كلبه كلباً لا يعرف مرسله، أو لا يعرف حاله، أو وجد مع سهمه سهماً كذلك لم يبح الصيد؛ لقول النبي ﷺ : «إذا أرسلت كلبك وسميت فكل وإن وجدت معه غيره فلا تأكل، فإنما سميت على كلبك ولم تسم على الآخر» ولأن

стр. 538

الأصل الحظر، فإذا شككنا في المبيح رد إلى أصله. وإن علم أن كلبه أو سهمه القاتل دون الآخر، مثل أن يجرح في المقتل، والآخر في غيره، أو يكون الآخر رد عليه الصيد أبيح لعدم الاشتباه، وكذلك إن علم أن شريك كلبه أو سهمه مما يباح صيده حل لذلك. ولو خرج الصيد، فوقع في ماء، أو تردى تردياً يقتله لم يبح لذلك. وقد روى عدي عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا رميت الصيد، فوجدته بعد يوم أو يومين، ليس به إلا أثر سهمك فكل، وإن وجدته غريقاً في الماء فلا تأكل» متفق عليه. فصل: ولو صاد المسلم بكلب المجوسي حل، وعنه: لا يحل؛ لقول الله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ﴾ [المائدة: ٤] . والأول المذهب؛ لأن هذا آلة فأشبه ما لو صاد بقوسه وسهمه. ولو صاد المجوسي بكلب مسلم لم يبح، كما لو صاد بقوسه. فصل: وإن رمى صيداً، أو أرسل كلبه عليه، فغاب عنه، ثم وجده ميتاً وسهمه فيه، أو وجده مع كلبه ولا أثر به، يحتمل أن يقتله غيره حل، لحديث عدي، وعنه: إن غاب نهاراً حل، وإن غاب ليلاً لم يحل. وعنه: إن غاب يسيراً أكله، وإن غاب كثيراً لم يأكله؛ لأنه يروى عن ابن عباس ﵄، والأول أولى للخبر، ولأنه قد وجد سبب إباحته يقيناً، والمعارض مشكوك فيه، فلا يزول عن اليقين بالشك. وإن شك في سهمه، أو من قتل به، أو وجد به أثر يحتمل أنه قتله، أو وجد غريقاً لم يبح للخبر، ولأنه شك في حله فوجب رده إلى أصله. فصل: إذا أدرك الصيد، وفيه حياة غير مستقرة، فتركه حتى مات حل لأن عقره قد ذبحه، وكذلك إن لم يبق من الزمان ما يتمكن من ذبحه فيه، وإن وجد فيه حياة مستقرة في زمن يمكن ذبحه فيه، فلم يذبحه حتى مات لم يحل لأنه صار مقدوراً على ذبحه، فلم يبح بغيره، كغير الصيد، فإن لم يكن معه ما يذكيه به، ففيه روايتان: إحداهما: لا يباح لذلك. والثانية: يرسل عليه صائده حتى يقتله فيحل، اختارها الخرقي. لأنه صيد قتله صائده قبل إمكان ذبحه، فأشبه الذي قتله قبل إدراكه.

стр. 539

فصل: إذا ضرب صيداً فأبان منه عضواً، وبقيت فيه حياة مستقرة، فالعضو حرام لقول النبي ﷺ : «ما أبين من حي فهو ميت» رواه أبو داود. وإن قطعه نصفين أو قطع رأسه، حل جميعه؛ لأنه مات بضربته، وإن قطع منه عضواً وبقي في سائره حياة غير مستقرة حل جميعه؛ لأنها ذكاة لبعضه فكانت ذكاة لجميعه، كما لو أبان رأسه. وقد استحسن أبو عبد الله ﵁ قول الحسن: لا بأس بالطريدة، قال أبو عبد الله: الطريدة: الغزال، يمر بالعسكر فيضربه القوم بأسيافهم، فيأخذ كل واحد منهم قطعة. قال الحسن: ما زال الناس يفعلون ذلك في مغازيهم، وعن أبي عبد الله ﵁: أنه لا يؤكل منه ما أبين في حياته، يؤكل سائره، للخبر. وإن بقي معلقاً بجلده حل رواية واحدة؛ لأنه متصل بجملته، أشبه سائر أعضائه. فصل: وإذا أثبت الصيد برميته أو شبكته أو غيرهما من آلات الصيد ملكه، فإن انفلت من الشبكة زال ملكه عنه؛ لأنه لم يستقر، فزال بانفلاته، فإن أخذ الشبكة معه، فصاده آخر رد الشبكة على صاحبها، وملك الصيد إلا أن يكون غير ممتنع بها، فيكون لصاحبها؛ لأنها التي أمسكته. ومن أمسك صيداً، واستقرت يده عليه ثم انفلت لم يزل ملكه عنه لأن اليد استقرت عليه، فلم تزل عنه بانفلاته كبهيمة، فإن أرسله، وقال: قد أعتقتك، لم يزل ملكه عنه؛ لأنه ليس بمحل للعتق. فصل: وإن أثبت الصيد بسهمه، فرماه آخر فقتله حرم؛ لأنه صار مقدوراً عليه، فلم يبح بغير الذبح، وعلى الثاني قيمته مجروحاً لصاحبه؛ لأنه أتلفه عليه إلا أن يكون سهم الثاني ذبحه فيحل؛ لأنه ذكاه، فإن ادعى كل واحد منهما أنه الأول حلف كل واحد منهما، وبرئ من الضمان؛ لأن الأصل براءة ذمته، وإن اتفقا على السابق، وأنكر الثاني كون الأول أثبته، فالقول قوله؛ لأن الأصل بقاء امتناعه، ويحرم على الأول اعترافه بتحريمه، ويحل للثاني. وإن رمياه فوجداه مثبتاً، لم يعلما من أثبته منهما، فهو بينهما، وإن وجداه ميتاً، ولم يعلما هل أثبته الأول أم لا؟ حل؛ لأن الأصل بقاء امتناعه والله أعلم. [باب ما يحل وما يحرم من الحيوان] باب ما يحل ويحرم الحيوان ثلاثة أقسام: أهلي، فيباح منه بهيمة الأنعام؛ لقول الله تعالى:

стр. 540

﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ﴾ [المائدة: ١] والخيل كلها، لما روى جابر قال: «نهى رسول الله ﷺ عن لحوم الحمر الأهلية، وأذن في لحوم الخيل» . وقالت أسماء: «نحرنا فرساً على عهد رسول الله ﷺ ، فأكلناه، ونحن بالمدينة» . متفق عليهما، والدجاج لما روى أبو موسى، قال: «رأيت رسول الله ﷺ يأكل لحم الدجاج» . متفق عليه. والإوز والبط؛ لأنها طيبات، فتدخل في قَوْله تَعَالَى: ﴿أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة: ٤] وتحرم الحمر، لحديث جابر. والبغال؛ لأنها متولدة منها، والمتولد بين الوحشي والأهلي كذلك، وما تولد بين حلال وحرام، كالسمع والعسبار كذلك. وتحرم الكلاب والسنانير؛ لأنها من السباع، وتأكل الخبائث. فصل: القسم الثاني: الوحشي، فيباح منه الحمر، لحديث أبي قتادة. والأرانب، لما روى أنس «أنه أخذ أرنباً، فذبحها أبو طلحة، وبعث بوركها إلى النبي ﷺ فقبله» . متفق عليه. والضباع لما روى جابر قال: «سألت رسول الله ﷺ عن الضبع، فقال: هو صيد ويجعل فيه كبش إذ صادفه المحرم» . رواه أبو داود والترمذي وقال هذا حديث حسن صحيح. والضباب، لما روى ابن عباس قال: «أتي النبي ﷺ بضب، فرفع يده فقلت أحرام هو يا رسول الله؟ قال: لا، ولكنه لم يكن بأرض قومي، فأجدني أعافه فاحتزه خالد فأكله، ورسول الله ﷺ ينظر إليه» متفق عليه. ويباح البقر والظباء والنعام والأوبار واليرابيع؛ لأنها مستطابة، قضت الصحابة فيها بالجزاء على المحرم، وتباح الزرافة، نص عليه؛ لأنها من الطيبات المستحسنات. وعنه في اليربوع: أنه محرم؛ لأنه يشبه الفأرة، وفي الثعلب روايتان: إحداهما: يحرم؛ لأنه من السباع. والثانية: يحل؛ لأنه يفدى من الإحرام، وفي سنور البر روايتان لذلك. ويباح من الطير الحمام وأنواعه، والعصافير والقنابر والحجل والقطا، والحبارى والكركي، والكروان، وغراب الزرع، والزاغ وأشباهها مما يلتقط الحب، أو يفدى من الإحرام، وقد روى سفينة قال: «أكلت مع النبي ﷺ لحم حبارى» . رواه أبو داود. وفي الهدهد والصرد روايتان: إحداهما: يباح؛ لأنها تشبه المباح. والثانية: يحرم؛ لأن النبي ﷺ «نهى عن قتل الهدهد والصرد» رواه أبو داود وابن ماجه. وكل طير لا يصيد بمخلبه، ولا يأكل الجيف، ولا يستخبث، فهو حلال.

стр. 541

فصل: يحرم الخنزير، لنص الله تعالى على تحريمه، وكل ذي ناب من السباع، كالكلب والأسد والفهد، والنمر والذئب، وابن آوى والنمس، وابن عرس، والفيل والقرد، لما روى أبو ثعلبة «أن النبي ﷺ نهى عن كل ذي ناب من السباع» . متفق عليه. وتحريم سباع الطير، كالعقاب والبازي والصقر والشاهين، والحدأة والبومة، لما روى ابن عباس ﵁ قال: «نهى رسول الله عن كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير» رواه مسلم وأبو داود. ويحرم ما يأكل الجيف، كالنسر والرخم، وغراب البين، والأبقع والعقعق؛ لأنها مستخبثة لأكلها الخبائث، وقد قال النبي ﷺ : «خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم» ذكر منها الحدأة والغراب. وما أبيح قتله، لم يبح أكله. وتحرم الخبائث كلها، كالفأر والجراذين والأوزاغ والعظا والورل، والقنفذ والحرباء والصراصير والجعلان والخنافس والحيات والعقارب والدود والوطواط والخفاش والزنابير واليعاسيب والذباب والبق والبراغيث والقمل وأشباهها؛ لقول الله تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] وقد روى أبو هريرة «أن القنفذ ذكر عند رسول الله ﷺ فقال: هو خبيثة من الخبائث» رواه أبو داود. وما لم يذكره يرد إلى أقرب الأشياء شبهاً به، فيلحق به بالإباحة والتحريم؛ لأن القياس حجة، وما لم يكن شبيهاً بشيء منها فهو حلال؛ لقول الله تعالى: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] . خرج من عمومها ما قام الدليل على تحريمه، والباقي يبقى على الأصل. فصل: القسم الثالث: حيوان البحر يباح جميعه؛ لقول الله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ [المائدة: ٩٦] إلا الضفدع؛ لأن النبي ﷺ نهى عن قتلها، ولأنها مستخبثة. وكره أحمد ﵁ التمساح؛ لأنه ذو ناب، فيحتمل أنه محرم؛ لأنه سبع ويحتمل أنه مباح للآية. وقال ابن حامد: يحرم الكوسج؛ لأنه ذو ناب، وقال أبو علي النجاد: لا يؤكل من البحري ما يحرم نظيره في البر، ككلب الماء وخنزيره وإنسانه، والأول أولى. وقد قال أحمد ﵁ في كلب الماء: يذبحه، وركب الحسن بن علي على سرج عليه جلد كلب ماء.

стр. 542

فصل: وكره أحمد لحوم الجلالة وألبانها. قال القاضي: هي أكثر علفها النجاسة، فإن كان أكثره الطاهر فليست جلالة، قال: ولحمها ولبنها حرام. وفي بيضها روايتان. وقال ابن أبي موسى عن أحمد رواية أخرى إن أكلها غير محرم، لعموم قَوْله تَعَالَى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ﴾ [المائدة: ١] . والأولى ظاهر المذهب، لما روى ابن عمر قال: «نهى رسول الله الله ﷺ عن أكل الجلالة وألبانها» . رواه أبو داود. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: «نهى رسول الله ﷺ عن الإبل الجلالة أن يؤكل لحمها، ولا يشرب لبنها، ولا يحمل عليها إلا الأدم، ولا يركبها الناس حتى تعلف أربعين ليلة» . رواه الخلال ويزول تحريمها، وكراهتها بحبسها عن أكل النجاسات ويحبس البعير أربعين ليلة للخبر والبقرة في معناه، ويحبس الطائر ثلاثاً لأن ابن عمر ﵁ كان إذا أراد أكلها حبسها ثلاثاً. وعن أحمد: أن الجميع يحبس ثلاثا لخبر ابن عمر. فصل: وما سقي من الزروع والثمار بالنجاسات أو سمد بها نجس، كالجلالة؛ لأنه يتغذى بالنجاسات، وتترقى فيه أجزاؤها، فأشبه الجلالة، ويطهر بسقيها بالطهارات، كالجلالة إذا أكلت الطهارات. فصل: وتحرم الميتة والدم للآية، وتحرم النجاسات كلها؛ لأنها من الخبائث، وتحرم السموم المضرة، كما يحرم عليه إتلاف شيء من جسده. فصل: فإن اضطر إلى شيء مما حرم عليه، أبيح تناوله؛ لقول الله تعالى: ﴿إِلا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩] وفي قدر ما يباح روايتان:

стр. 543

إحداهما: قدر ما يسد رمقه، اختارها الخرقي؛ لأنه يخرج بأكله عن كونه مضطراً، فتزول الإباحة بزواله. والثانية: له الشبع؛ لأنه طعام جاز له سد الرمق منه، فجاز له الشبع، كالحلال. وهل يجب عليه أكل ما يسد رمقه، فيه وجهان: أحدهما: يجب لقول الله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] . والثاني: لا يجب؛ لأنه تجنب ما حرم عليه. وقد روي عن عبد الله بن حذافة صاحب رسول الله ﷺ أن ملك الروم حبسه، ومعه لحم خنزير مشوي، وماء ممزوج بخمر ثلاثة أيام، فأبى أن يأكله، وقال: لقد أحله الله لي، ولكن لم أكن لأشمتك بدين الإسلام، ومن اضطر إلى طعام من ليس به مثل ضرورته لزمه بذله له؛ لأن في منعه منه إعانة على قتله، وإن بذله بثمن مثله لمن يقدر على ثمنه لزمه أخذه، ولم تحل له الميتة؛ لأنه غير مضطر، وإن امتنع من بذله إلا بأكثر من ثمن مثله فاشتراه به لم يلزمه إلا ثمن مثله؛ لأنه اضطر إلى بذل الزيادة بغير حق، فلم يلزمه كالمكره، وإن منعه منه بالكلية فله قتاله عليه؛ لأنه صار أحق به من مالكه وإن وجد المضطر ميتة، وطعاماً لغائب، فطابت نفسه بأكل الميتة فهي أولى؛ لأن إباحتها ثبتت بالنص، فكانت أولى مما ثبت بالاجتهاد، وإن لم تطب نفسه بأكلها أكل طعام الغير؛ لأنه مضطر إليه. وإن وجد المحرم ميتة وصيداً فكذلك؛ لأن المحرم إذا ذبح الصيد صار ميتة، ولزمه الجزاء، فيجتمع فيه تحريمان، ومن لم يجد إلا آدمياً معصوماً لم يبح له قتله؛ لأنه لا يحل وقاية نفسه بأخيه، ولا يحل له قطع شيء من نفسه ليأكله؛ لأنه يتلفه يقيناً ليحصل ما هو موهوم. وإن وجد آدمياً مباح الدم، فله قتله وأكله؛ لأن إتلافه مباح، وإن وجد ميتاً معصوماً، فالأولى إباحته، لدخوله في عموم الآية؛ ولأن فيه حفظ الحي، فأشبه غير المعصوم، اختار هذا أبو الخطاب. وقال غيره من أصحابنا: لا يباح؛ لأن كسر عظم الميت ككسر عظم الحي، وإن وجد المضطر خمراً لم يبح شربها؛ لأنها لا تدفع جوعاً ولا عطشاً، ولا فيها شفاء، لما روت أم سلمة أن النبي ﷺ قال: «إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم» وإن وجد ماء ممزوجاً بخمر يدفع العطش فله الشرب منه؛ لأنه يدفع به الهلاك. وإن غُص بلقمة، ولم يجد مائعاً يدفعها به، وخاف الهلاك فله دفعه بها لأنه يحصل بها.

стр. 544

فصل: ومن مر بثمرة لا حائط لها، ولا ناطر، ففيه ثلاث روايات: إحداهن: أنه يأكل ولا يحمل، لما روي عن أبي زينب، قال: سافرت مع أنس بن مالك، وعبد الرحمن بن سمرة، وأبي برزة، فكانوا يمرون بالثمار، فيأكلون في أفواههم. وقال عمر: يأكل ولا يتخذ خبنة. والثانية: يباح ما سقط، ولا يرمي بحجر ولا يضرب، لما روى رافع أن رسول الله ﷺ قال: «لا ترم وكُلْ ما وقع» حديث صحيح. والثالثة: له الأكل إن كان جائعاً، ولا يأكل إن لم يكن جائعاً، لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ «أنه سئل عن الثمر المعلق، فقال: ما أصاب منه ذي الحاجة، غير متخذ خبنة، فلا شيء عليه، ومن خرج منه بشيء فعليه غرامة مثليه، والعقوبة» هذا حديث حسن وفي الزرع روايتان: إحداهما: هو كالثمرة؛ لأن العادة جارية بأكل الفريك والباقلاء ونحوهما. والثانية: لا يباح؛ لأن الفاكهة خلقت للأكل رطبة والنفوس إليها أميل بخلاف الزرع، وما كان محوطاً أو له ناطر، فليس له الدخول بحال؛ لقول ابن عباس: إذا كان عليها حائط، فهو حريم، فلا تأكل، وإن لم يكن حائط فلا بأس. وفي لبن الماشية روايتان: إحداهما: هو كالثمرة، لما روى الحسن عن سمرة أن النبي ﷺ قال: «إذا أتى أحدكم على ماشية فيها صاحبها، فليستأذنه فإن أذن، فليحتلب وليشرب وإن لم يكن فيها فليصوت ثلاثاً، فإن لم يجب، فليحتلب وليشرب، ولا يحمل» حديث صحيح. والثانية: لا يحل له الحلب؛ لقول رسول الله ﷺ : «لا يحلبن أحد ماشية أحد إلا بإذنه» متفق عليه.

стр. 545

[كتاب البيع] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كتاب البيع البيع حلال، لقول الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] . وهو نوعان. أحدهما: الإيجاب والقبول، فيقول البائع: بعتك أو ملكتك أو لفظاً بمعناهما، ثم يقول المشتري: ابتعت أو قبلت أو نحوهما، فإن تقدم القبول الإيجاب بلفظ الماضي، فقال: ابتعت هذا منك بكذا، فقال: بعتك صح، لأن المعنى حاصل، فأشبه التعبير بلفظ آخر، وإن تقدم بلفظ الطلب، فقال: بعني، فقال: بعتك صح، لأنه تقدم القبول، أشبه لفظ الماضي. وعنه: لا يصح، لأنه لو تأخر عن الإيجاب لم يصح، فلم يصح متقدماً، كلفظ الاستفهام. وإن أتى بلفظ الاستفهام، فقال: أبعتني ثوبك؟ فقال: بعتك، لم يصح متقدماً، ولا متأخراً، لأنه ليس بقبول ولا استدعاء. الثاني: المعاطاة مثل أن يقول: أعطني بهذا خبزاً، فيعطيه ما يرضيه، أو يقول: خذ هذا الثوب بدينار، فيأخذه فيصح، لأن الشرع ورد بالبيع، وعلق عليه أحكاماً، ولم يعين له لفظاً، فعلم أنه ردهم إلى ما تعارفوه بينهم بيعاً، والناس في أسواقهم وبياعاتهم على ذلك. وحكي عن القاضي: أنه يصح في الأشياء اليسيرة دون الكثيرة، لأن العرف إنما جرى به في اليسير، والحكم في الهبة والهدية والصدقة، كالحكم في البيع، وذلك لاستواء الجميع في المعنى. فصل ويشترط له الرضى، لقول الله تعالى: ﴿إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]

стр. 546

إلا فيما يجب، فإن أكره على بيع غير واجب، لم يصح لعدم الرضى المشترط، وإن أكره على بيع واجب صح، لأنه قول حمل عليه بحق، فصح كإسلام المرتد. ولا يصح من غير عاقل، كالطفل والمجنون والسكران، والنائم والمبرسم، لأنه قول يعتبر له الرضى، فلم يصح من غير عاقل كالإقرار. [باب ما يجوز بيعه وما لا يجوز] كل عين مملوكة يباح نفعها واقتناؤها من غير ضرورة يجوز بيعها، كالمأكول والمشروب، والملبوس والمركوب، والعقار والعبيد والإماء، لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] . وقد «اشترى النبي ﷺ من جابر بعيراً» ، «ومن أعرابي فرساً» . «ووكل عروة بن الجعد في شراء شاة» ، وباع مدبراً وحلساً وقدحاً، وأقر أصحابه على بيع هذه الأعيان وشرائها. ويجوز بيع دود القز وبزره، لأنه منتفع به، وبيع النحل في كوارته ومنفرداً عنها إذا رئي وعلم قدره، وبيع الطير الذي يقصد صوته كالهزار والبلبل والببغة، لأنه يشتمل على منفعة مباحة، أشبه الأنعام. ويجوز بيع الهر وسباع البهائم، والطير التي تصلح للصيد، كالفهد والبازي ونحوهما غير الكلب في إحدى الروايتين، وهي اختيار الخرقي والأخرى: لا يجوز وقال أبو بكر وابن أبي موسى: لا يجوز بيعها لنجاستها، فأشبهت الكلب والأول أصح، لأنه حيوان أبيح نفعه واقتناؤه من غير وعيد في جنسه، فجاز بيعه، كالحمار وبهذا يبطل ما ذكراه ويجوز بيع الجحش الصغير، والفهد الصغير، وفرخ البازي، لأنه يصير إلى حال ينفع، فأشبه طفل العبيد. وما ينفع من بيض الطير لمصيره فرخاً فهو كفرخه، لأن مآله إلى النفع. وقال القاضي: لا يجوز بيعه، لعدم نفعه في الحال. قال أحمد: أكره بيع القرد، قال ابن عقيل: هذا محمول على بيعه للإطافة به واللعب وأما بيعه لحفظ المتاع فيجوز، لأنه منتفع به. وقال أحمد: أكره بيع لبن الآدميات، فيحتمل التحريم، لأنه مائع خارج من آدمية، أشبه العرق ويحتمل كراهية التنزيه، لأنه طاهر منتفع به، أشبه لبن الشاة. فصل: ويجوز بيع العبد المرتد، لأنه مملوك منتفع به، وخشية هلاكه لا يمنع بيعه كالمريض، فإن علم المشتري حاله، فلا شيء له، لأنه رضي بعيبه، وإن لم يعلم فله

стр. 547

الرد أو الأرش، قتل أو أسلم كالمعيب. ويصح بيع العبد الجاني عمداً أو خطأ على النفس أو ما دونها، لأنه حق تعلق برقبته غير متحتم، فأشبه القتل بالردة، فإن كانت الجناية موجبة للقصاص فهي كالردة، وإن كانت موجه للمال فهو على السيد، لأنه رضي بالتزام ما عليه، فإن كان معسراً فللمجني عليه رقبة العبد، إن شاء فسخ العقد ورجع به، وإن شاء رجع على البائع بالأرش. وإن كان قاتلاً في المحاربة، فكذلك في قول بعض أصحابنا، لأنه ينتفع به إلى قتله ويعتقه، فيجر ولاء ولده، فصح بيعه كالزمن وحكمه حكم المرتد. وقال القاضي: لا يصح بيعه، لأنه متحتم القتل، فلا منفعة فيه، فأشبه الميت. فصل: وفي بيع رباع مكة وإجارتها روايتان: إحداهما: يجوز لأن عمر ﵁ اشترى من صفوان بن أمية داراً بأربعة آلاف، واشترى معاوية من حكيم بن حزام دارين بمكة، ولأنها أرض حية لم ترد عليها صدقة محرمة، فجاز بيعها كغيرها. والثانية: لا يجوز، لأنها فتحت عنوة، ولم تقسم بين الغانمين، فصارت وقفاً على المسلمين، فحرم بيعها كسواد العراق. والدليل على فتحها عنوة قول النبي ﷺ : «إن الله حبس عن مكة الفيل، وسلط عليها رسوله والمؤمنين، وإنما أحلت لي ساعة من نهار» . متفق عليه. وقالت أم هانئ: «يا رسول الله إني أجرت حموين لي، فزعم ابن أم هانئ علي أنه قاتلهما، فقال النبي ﷺ : قد أجرنا من أجرت» حديث صحيح وقتل ابن خطل ومقيس بن صبابة، ولو فتحت صلحاً لم يجز قتل أهلها. فصل: ولا يجوز بيع الشام، وسواد العراق ونحوهما مما فتح عنوة، لأن عمر ﵁ وقفه على المسلمين، وأقره في يد أربابه بالخراج الذي ضربه يكون أجرة له في كل عام، ولم يقدر مدتها لعموم المصلحة فيها، وقد اشتهر ذلك في قصص نقلت عنه.

стр. 548

وعن أحمد: أنه كره بيعها، لأنه يأخذ ثمن الوقف، وأجاز شراءها، لأنه كالاستنقاذ لها، فجاز كشراء الأسير، وتجوز إجارتها لأنها مستأجرة في يد أربابها، وإجارة المستأجر جائزة، فأما المساكن في المدائن فيجوز بيعها، لأن الصحابة ﵃ اقتطعوا الخطط في الكوفة والبصرة في زمن عمر ﵁، وبنوها مساكن، وتبايعوها من غير نكير فكان إجماعاً. فصل: قال أحمد: لا أعلم في بيع المصحف رخصة، ورخص في شرائه وقال: هو أهون، وذلك لأن ابن عمر وابن عباس وأبا موسى كرهوا بيعه، ولأنه يشتمل على كلام الله تعالى، فيجب صيانته عن الابتذال، والشراء أسهل، لأنه استنقاذ له فلم يكره كشراء الأسير. وقال أبو الخطاب: يجوز بيعها مع الكراهة، وفي شرائها وإبدالها روايتان، فإن بيعت لكافر لم يصح رواية واحدة، لأن «النبي ﷺ نهى على المسافرة بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن تناله أيديهم» حديث صحيح متفق عليه فلم يجز تمليكهم إياه، وتمكينهم منه، ولأنه يمنع من استدامة ملكه، فمنع ابتداء، كنكاح المسلمة. فصل: ولا يجوز بيع الخمر والميتة، والخنزير والأصنام. لما روى جابر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول «إن الله ورسوله حرم بيع الخمرة والميتة، والخنزير والأصنام» متفق عليه. ولا يجوز بيع ما لا نفع فيه، كالحشرات، وسباع البهائم، والطير التي لا يصاد بها، وما لا يؤكل من الطير، ولا بيضه، لأنه لا نفع فيها، فأشبهت الخنزير. ولا يجوز بيع الحر لأن النبي ﷺ قال: «قال الله تعالى: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة، ذكر منهم رجلاً باع حراً، فأكل ثمنه» . رواه البخاري. ولا يجوز بيع ما ليس بمملوك، كالمباحات قبل حيازتها، لأنها غير مملوكة أشبهت الحر. ولا يجوز بيع الدم، ولا السرجين النجس، لأنه مجمع على تحريمه، ونجاسته، أشبه الميتة. ولا يجوز بيع شحم الميتة، لأنه منها. وفي حديث جابر قيل: «يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة؟ فإنه تدهن بها الجلود، وتطلى بها السفن، ويستصبح بها الناس؟ فقال: لا هو

стр. 549

حرام» . متفق عليه وما نجس من الأدهان كالزيت، فظاهر المذهب تحريم بيعها قياساً على شحم الميتة، ولقول رسول الله ﷺ «إن الله إذا حرم شيئاً حرم ثمنه» رواه أبو داود وعنه: يباع لكافر، ويعلم بحاله، لأنه يعتقد حله. وفي جواز الاستصباح بها روايتان: إحداهما: لا يجوز لأنه دهن نجس، أشبه شحم الميتة. والثانية: يجوز، لأنه أمكن الانتفاع بها من غير ضرر، أشبه الانتفاع بالجلد اليابس. قال أبو الخطاب: ويتخرج على جواز الاستصباح بها جواز بيعها. قال القاضي: ولا تطهر بالغسل، لأنه لا يتأتى فيها العصر، ويتخرج أنها تطهر بصبها في ماء كثير، ثم تُترك حتى تطفو فتؤخذ، والعصر: إنما يعتبر فيما يتأتى العصر فيه، بدليل الخشب والأحجار، اختاره أبو الخطاب، فأما غير الأدهان، كالخل، واللبن، فلا تطهر وجهاً واحداً. فصل: ولا يجوز بيع الكلب، وإن كان معلماً، لما روى أبو مسعود الأنصاري، «أن رسول الله ﷺ نهى عن ثمن الكلب» ، وقال «ثمن الكلب خبيث» متفق عليهما. ولا غرم على قاتله، لأنه لا قيمة له، وقد أساء من قتل كلباً يباح اقتناؤه، ولا يباح اقتناء كلب، إلا لصيد، أو حفظ ماشية، أو حرث، لما روى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال «من اتخذ كلباً إلا كلب ماشية، أو صيد، أو زرع نقص من أجره كل يوم قيراط» متفق عليه. ويجوز تربية الجرو الصغير لذلك، لأنه قصد به ما يباح، فيأخذ حكمه، كالجحش الصغير، ولأنه لو لم يقتن غير المعلم، لم يمكن تعليمه، وتعذر اقتناء المعلم وفيه وجه آخر، أنه لا يجوز اقتناؤه، لأنه ليس من الثلاثة، فإن اقتنى كلب الصيد، من لا يصيد به جاز للحديث. وفيه وجه آخر أنه لا يجوز، لأن اقتناءه لغير حاجة أشبه من اقتناه للماشية، ولا ماشية له. فصل: ولا يجوز بيع معدوم، لما روى أبو هريرة: «أن النبي ﷺ نهى عن بيع الغرر»

стр. 550

رواه مسلم. وبيع المعدوم بيع غرر، ولأن تحريم بيع الثمرة قبل بدو صلاحها، تنبيه على تحريم بيعها قبل وجودها، فلا يجوز بيع الثمرة قبل خلقها، ولا بيع الماء العد الذي له مادة، كماء العيون والآبار، لأنه بيع لما يتجدد، وهو في الحال معدوم. فصل: ولا يجوز بيع ما لا يُقدر على تسليمه، كالطير في الهواء، والسمك في الماء، والعبد الآبق، والجمل الشارد، والفرس العائر، والمغصوب في يد الغاصب، لحديث أبي هريرة. وقال ابن مسعود: لا تشتروا السمك في الماء، فإنه غرر. ولأن القصد بالبيع تمليك التصرف، ولا يمكن ذلك فيما لا يقدر على تسليمه، فإن باع طيراً له في برج مغلق الباب، أو سمكاً له في بركة معدة للصيد وكان معروفاً بالرؤية مقدوراً على تناوله بلا تعب جاز بيعه، لعدم الغرر فيه. وإن اختل بعض ذلك لم يجز. وإن باع الآبق لقادر عليه، أو المغصوب لغاصبه، أو لقادر على أخذه منه جاز لذلك وإلا فلا. فصل: ولا يجوز بيع ما تُجهل صفته، كالحمل في البطن، واللبن في الضرع والبيض في الدجاج، والنوى في التمر، لحديث أبي هريرة: وروى ابن عمر «أن النبي ﷺ نهى عن بيع المجر» والمجر: شراء ما في الأرحام. وعن أبي هريرة: «أن النبي ﷺ نهى عن بيع المضامين والملاقيح» قال أبو عبيدة: الملاقيح: ما في البطون، وهي الأجنة، والمضامين: ما في أصلاب الفحول. وما سواه يقاس عليه. وروي «أن النبي ﷺ نهى أن يباع صوف على ظهر، أو لبن في ضرع» رواه ابن ماجة. وعنه: في بيع الصوف على الظهر روايتان: إحداهما: لا يجوز للخبر، ولأنه متصل بالحيوان فلم يجز إفراده بالبيع، كأعضائه. والثانية: يجوز بشرط جزه في الحال، لأنه معلوم ممكن تسليمه، فجاز بيعه كالزرع في الأرض.

стр. 551

فصل: ولا يجوز بيع الأعيان من غير رؤية أو صفة يحصل بها معرفة المبيع في ظاهر المذهب، لحديث أبي هريرة، ولأنه مجهول عند العاقد، فلم يصح بيعه، كالنوى في التمر، فعلى هذا يشترط رؤية ما هو مقصود بالبيع، كداخل الثوب، وشعر الجارية. وعنه: يجوز لأنه عقد معاوضة، فأشبه النكاح، فعلى هذا هل يثبت له خيار الرؤية؟ فيه روايتان: إحداهما: لا خيار له لأنه عقد معاوضة صح من الغيبة، فأشبه النكاح. والثانية: يثبت له الخيار عند الرؤية في الفسخ والإمضاء، لأنه يروى عن النبي ﷺ أنه قال «من اشترى ما لم يره فهو بالخيار إذا رآه» ويكون خياره على الفور، للحديث، وقيل: يتقيد بالمجلس، لأنه خيار ثابت بمقتضى العقد، فتقيد بالمجلس، كخيار المجلس، فإن اختار إمضاء العقد قبل الرؤية لم يلزم، لأنه تعلق بالرؤية، ولأنه يؤدي إلى إلزام العقد في مجهول الصفة. وإن اختار الفسخ انفسخ، لأن الفسخ يصح في مجهول الصفة، ويعتبر لصحة العقد الرؤية من المتعاقدين جميعاً، لأن الرضا معتبر منهما، فتعتبر الرؤية التي هي مظنة له منهما جميعاً. فصل: فإن رأيا المبيع، ثم عقدا بعد ذلك بزمن لا تتغير العين فيه صح في صحيح المذهب. وعنه: لا يصح، لأن ما كان شرطاً يعتبر وجوده حال العقد كالشاهدة في النكاح. ولنا أنه معلوم عندهما، أشبه ما لو شاهداه حال العقد، أو اشترى منه داراً كبيرة، وهو في طرفها، والشرط العلم، وهو مقارن للعقد، ثم إن وجد المبيع لم يتغير لزم، وإن وجده ناقصاً فله الخيار لأن ذلك كالعيب، وإن اختلفا في التغيير فالقول قول المشتري، لأن الثمن يلزمه، فلا يلزمه إلا ما اعترف به. وإن عقدا بعد الرؤية بزمن يفسد فيه ظاهراً، لم يصح لأنه غير معلوم. وإن احتمل الأمرين، ولم يظهر التغير فالعقد صحيح، لأنه الأصل سلامته. فصل: ويصح البيع بالصفة في صحيح المذهب إذا ذكر أوصاف السلم، لأنه لما عدمت المشاهدة للمبيع وجب استقصاء صفاته كالسلم، وإذا وجد على الصفة لزم العقد، وإن وجده على خلافها فله الفسخ، فإن اختلفا في التغير فالقول قول المشتري لما ذكرناه.

стр. 552

وعنه: لا يصح البيع بالصفة، لأنه لا يمكن استقصاؤها. والمذهب الأول، لأنه مبيع معلوم بالصفة، فصح بيعه كالمسلم فيه. وبيع الأعمى، وشراؤه بالصفة كبيع البصير بها، فإن عدمت الصفة، وأمكنه معرفة المبيع بذوق أو شم صح بيعه وإلا لم يصح، لأنه مجهول في حقه. فصل: ولا يجوز بيع عبد من عبيد ولا شاة من قطيع، ولا ثوب من أثواب ولا أحد هذين العبدين، لأنه غرر، فيدخل في الخبر، ولأنه يختلف فيفضي إلى التنازع ويجوز بيع قفيز من صبرة، ورطل زيت من دن أو ركوة، لأن أجزاءه لا تختلف، فلا يفضي إلى التنازع، فإن باع جريباً من ضيعة يعلمان جربانها صح، وكان المبيع مشاعاً منها، وإن كانت عشرة أجربة فالمبيع عشرها، وإن لم يعلما جربانها لم يصح، لأنه لا يعلم قدره منها، فيكون مجهولاً. فصل: وما لا تختلف أجزاؤه، كصبر الطعام، وزق الزيت، يكتفى برؤية بعضه، لأنها تزيل الجهالة، لتساوي أجزائه، ولأنه تتعذر رؤية جميعه فاكتفي ببعضه كأساسات الحيطان، وما تشق رؤيته، كالذي مأكوله في جوفه يكتفى برؤية ظاهره لذلك وكذلك أساسات الحيطان وطي الآبار وشبهها ويجوز بيع الباقلا والجوز واللوز في قشريه والحب في سنبله، لأن «النبي ﷺ نهى عن بيع الحب حتى يشتد» رواه أبو داود. فمفهومه جواز بيع المشتد، ولأنه مستور بما خلق فيه فجاز بيعه، كالذي مأكوله في جوفه، ولأن قشره الأعلى من مصلحته، لأنه يحفظ رطوبته، وادخار الحب في سنبله أبقى له، فجاز بيعه فيه، كالسلت والأرز، وما لا تشق رؤية جميعه ويشترط رؤية جميعه على ما أسلفناه. فصل: إذا قال: بعتك هذه الصبرة صح، وإن لم يعلم قدرها، لأن ابن عمر قال: «كنا نبتاع الطعام من الركبان جزافاً على عهد رسول الله ﷺ » . متفق عليه. ولأن غرر ذلك مُنْتَفٍ بالمشاهدة فاكتفي بها. وإن باعه نصفها أو ثلثها أو جزءاً منها مشاعاً صح لأن من عرف شيئاً عرف جزأه. وإن قال: بعتكها كل قفيز بدرهم صح، لأن المبيع معلوم بالمشاهدة، والثمن معلوم لإشارته إلى من يعلم مبلغه بجهة، لا تتعلق بالمتعاقدين، وهو

стр. 553

كيل الصبرة فجاز كما لو باعه مرابحة لكل عشرة درهم. ولو قال: بعتك بعض هذه الصبرة لم يصح، لأنه البعض مجهول. ولو قال: بعتك منها كل قفيز بدرهم لم يصح، لأنه باعه بعضها، ولو قال: بعتكها على أن أزيدك قفيزاً لم يصح، لأن الزائد مجهول، فإن قال: على أن أزيدك قفيزاً من هذه الأخرى صح لأن معناه بعتكها وقفيزاً من هذه، وإن قال على أن أزيدك من هذه أو أنقصك قفيزاً لم يصح، لأنه لا يدري أيزيده أم ينقصه، وإن قال: بعتكها كل قفيز بدرهم على أن أزيدك قفيزاً من هذه الأخرى، وهما يعلمان قدر قفزانها صح لأنهما إذا علماها عشرة، فمعناه: بعتك كل قفيز، وعشراً بدرهم، وإن لم يعلما قدرها لم يصح لجهالة الثمن، لأنه يصير قفيزاً وشيئاً لا يعلمان قدره بدرهم، لجهلهما بكمية قفزانها، وكذلك إن قال: على أن أنقصك قفيزاً. وإن جعلا للقفيز الزائد ثمناً مفرداً صح في الحالين. فصل: ويكتفى بالرؤية فيما لا تتساوى أجزاؤه، كالأرض والثوب، والقطيع من الغنم، لما ذكرنا في الصبرة، وفيه نحو من مسائلها. ولو قال: بعتك من الدار من هاهنا إلى هاهنا جاز، لأنه معلوم. وإن قال: عشرة أذرع ابتداؤها من هاهنا لم يصح، لأنه لا يدري إلى أين ينتهي. ولو قال: بعتك نصف داري مما يلي دارك لم تصح، نص عليه لذلك. وإن قال: بعتك من هذا الثوب من أوله إلى هاهنا صح، لأنه معلوم. وقال القاضي: إن كان ينقصه القطع لم يصح لعجزه عن التسليم إلا بضرر، والأول أصح، لأن التسليم ممكن، والضرر لا يمنع الصحة إذا التزمه، كما لو باعه نصفاً مشاعاً، أو نصف حيوان. فصل: ويشترط لصحة المبيع معرفة الثمن، لأنه أحد العوضين، فيشترط العلم به، كالمبيع ورأس مال السلم. وإن باعه بثمن مطلق في موضع فيه نقد معين انصرف إليه، وإن لم يكن فيه نقد معين لم يصح لجهالته. وإن باعه سلعة برقمها أو بما باع به فلان، وهما لا يعلمان ذلك، أو أحدهما، أو بما ينقطع به السعر لم يصح، لأنه مجهول. وإن قال: بعتك بألف درهم ذهباً وفضة لم يصح، لأنه لم يبين القدر من كل واحد منهما. وإن باعه بعشرة نقداً أو بخمس عشرة نسيئة، أو بعشرة صحاحاً، أو بعشرين مكسرة لم يصح، لأن «النبي ﷺ نهى عن بيعتين في بيعة» حديث صحيح.

стр. 554

وهو هذا. ولأنه لم يعقد على ثمن بعينه، أشبه إذا قال: بعتك أحد هذين العبدين. ويتخرج أنه يصح بناء على قوله في الإجارة، وقيل: معنى " بيعتين في بيعة " أن يقول: بعتك هذا بمائة على أن تبيعني دارك بألف، أو على أن تصرفها لي بذهب. وأياً ما كان فهو غير صحيح. وإن باع بثمن معين تعين، لأنه عوض، فتعين بالتعيين، كالمبيع فعلى هذا إن وجده مغصوباً بطل العقد، وإن وجده معيباً فرده انفسخ العقد لرد المعقود عليه، فأشبه رد المبيع. وعن أحمد: أن الثمن لا يتعين إلا بالقبض، فتنعكس هذه الأحكام. وإن باعه بثمن في الذمة لم يتعين، فإذا قبضه فوجده مغصوباً لم يبطل العقد، وإن رده لم ينفسخ، لأن الثمن في الذمة. فصل: ولا يجوز بيع الملامسة والمنابذة، لما روى أبو سعيد الخدري «أن النبي ﷺ نهى عن بيعتين: الملامسة والمنابذة» . والمنابذة: أن يقول: إذا نبذت إلي هذا الثوب فقد وجب البيع. والملامسة: أن يمسه بيده ولا ينشره. متفق عليه. ولأنه إذا علق البيع على نبذ الثوب ولمسه، فقد علقه على شرط، وهو غير جائز. وإذا باعه قبل نشره فقد باعه مجهولاً، فيكون غرراً ولا يجوز بيع الحصاة، لما روى أبو هريرة «أن النبي ﷺ نهى عن بيع الحصاة» . رواه مسلم. وهو أن يقول: ارم هذه الحصاة فعلى أي ثوب وقعت، فهو لك بكذا. وقيل: هو أن يقول: بعتك من هذه الضيعة بقدر ما تبلغ هذه الحصاة إذا رميتها بكذا. وكلاهما غير صحيح، لأنه غرر، ولا يجوز بيع حبل الحبلة، لما روى ابن عمر قال: «نهى النبي ﷺ عن بيع حبل الحبلة» متفق عليه. قال أبو عبيدة: هو بيع ما يلد حمل الناقة. وقيل: هو بيع السلعة بثمن إلى أن يلد حمل الناقة، وكلاهما لا يجوز، لأنه على التفسير الأول: بيع معدوم مجهول، وعلى الثاني: بيع بثمن إلى أجل مجهول. ولا يجوز تعليق البيع على شرط مستقبل كمجيء المطر، وقدوم زيد، وطلوع الشمس، لأنه غرر، ولأنه عقد معاوضة فلم يجز تعليقه على شرط مستقبل، كالنكاح. فصل: ولا يجوز بيع العنب والعصير لمن يتخذه خمراً، ولا السلاح لأهل الحرب، أو

стр. 555

لمن يقاتل به في الفتنة، ولا الأقداح لمن يشرب فيها الخمر، لأنه معونة على المعصية فلم يجز، كإجارة داره لبيع الخمر. ولا يجوز بيع العبد المسلم لكافر، لأنه يمنع من استدامة ملكه عليه فلم يصح عقده عليه، كالنكاح فإن أسلم في يده، أو يد موروثه، ثم انتقل إليه بالإرث أجبر على إزالة ملكه عنه، لأن في تركه في ملكه صغاراً، فإن باعه، أو وهبه لمسلم أو أعتقه جاز. وإن كاتبه ففيه وجهان: أحدهما: يجوز، لأنه يصير كالخارج عن ملكه في التصرفات. والثاني: لا يجوز، لأنه لا يزيل الملك فلم يقبل، كالتزويج. وإن ابتاع الكافر مسلماً، يعتق عليه بالشراء، ففيه روايتان: إحداهما: لا يصح، لأنه عقد يملك به المسلم. والثانية: يجوز لأن ملكه يزول حال ثبوته، فلا يحصل به صغار، وإن حصل فقد حصل له من الكمال بالحرية، فوق ما لحقه برق لحظة. وإن قال الكافر لمسلم: أعتق عبدك عني وعلي ثمنه ففيه وجهان، بناء على ما ذكرناه، لأنه بقدر بيعه للكافر، وتوكيل البائع في عتقه. فصل: ولا يجوز أن يفرق في البيع بين ذوي رحم محرم قبل البلوغ، لما روى أبو أيوب عن النبي ﷺ أنه قال: «من فرق بين والدة وولدها فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة» حديث حسن. وعن علي ﵁ قال: «وهب لي رسول الله ﷺ غلامين أخوين، فبعت أحدهما، فقال رسول الله ﷺ : ما فعل غلامك؟ فأخبرته، فقال: رده رده» رواه الترمذي. وقال حديث حسن. فإن فرق بينهما فالبيع باطل، رضيت الأم ذلك أم كرهته، نص عليه، لأنه فيه إسقاطاً لحق الولد. وهل يجوز التفريق بينهما بعد البلوغ؟ فيه روايتان: إحداهما: لا يجوز لعموم الخبر. والثانية: يجوز لأن «سلمة بن الأكوع أتى أبا بكر الصديق ﵁ بامرأة وابنتها في غزوة فنفله أبو بكر ابنتها، ثم استوهبها النبي ﷺ من سلمة فوهبها له» . رواه مسلم. وهذا تفريق. ولأن «النبي ﷺ أهديت له أختان مارية وسيرين، فأمسك مارية ووهب أختها لحسان بن ثابت» .

стр. 556

فصل: ولا يجوز أن يبيع عيناً لا يملكها ليمضي ويشتريها ويسلمها، لما روى حكيم بن حزام أنه قال للنبي ﷺ : «إن الرجل يأتيني يلتمس من البيع ما ليس عندي، فأمضي إلى السوق فأشتريه ثم أبيعه منه، فقال النبي ﷺ : لا تبع ما ليس عندك» حديث صحيح. ولأنه بيع ما لا يقدر على تسليمه أشبه بيع الطير في الهواء فإن باع مال غيره بغير إذنه، ففيه روايتان: إحداهما: لا يصح لذلك. والثانية: يصح، ويقف على إجازة المالك، فإن أجازه جاز، وإن أبطله بطل، لما «روى عروة بن الجعد البارقي أن النبي ﷺ أعطاه ديناراً ليشتري به شاة، فاشترى به شاتين، ثم باع إحداهما بدينار في الطريق، قال: فأتيت النبي ﷺ بالدينار وبالشاة فأخبرته، فقال: بارك الله لك في صفقة يمينك» رواه الإمام أحمد والأثرم ﵄. ولأنه عقد له مجيز حال وقوعه فوقف على إجازته كالوصية. وإن اشترى بعين مال غيره شيئاً بغير إذنه فهو كبيعه، فإن اشترى له شيئاً بغير إذنه بثمن في ذمته، ثم نقد ثمنه من مال الغير صح الشراء لأنه تصرف في ذمته لا في مال غيره، ويقف على إجازة المشتري له، لأنه قصد الشراء له، فإن أجازه لزمه وإن لم يجزه لزم من اشتراه، لأنه لا يلزمه ما لم يأذن فيه، والبيع صحيح فيلزم المشتري، فإن باع مال غيره، وهو حاضر، فلم ينكر ذلك فهو كبيعه في غيبته، فإن السكوت ليس بإذن، فإنه محتمل كغير الإذن، فلا يتعين كونه إذناً والله أعلم. [باب بيع النجش والتلقي وبيع الحاضر لباد وبيعه على بيع غيره والعينة] وهي بيوع محرمه، لما روى أبو هريرة أن رسول ﷺ قال: «لا تلقوا الركبان، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، ولا تناجشوا، ولا يبع حاضر لباد» متفق عليه. ومعنى النجش: أن يزيد في السلعة من لا يريد شراءها ليغتر به المشتري، ويقتدي به فهو حرام، لأنه خداع، والشراء صحيح. وعنه: أنه باطل، لأن النهي يقتضي الفساد، والأولى أصح لأن النهي عاد إلى غير العقد، فلم يؤثر فيه، وللمشتري الخيار إن غبن غبناً يخرج عن العادة، سواء كان بمواطأة من البائع، أو لم يكن، لأنه غبن للتغرير

стр. 557

بالعاقد، فأثبت الخيار، كتلقي الركبان، ولو قال البائع: أعطيت بهذه السلعة كذا كاذباً، فاشتراها المشتري لذلك فالبيع صحيح، وله الخيار لما ذكرناه. فصل: وتلقي الركبان: أن يخرج الرجل من المصر يتلقى الجلب قبل دخوله، فيشتريه، فيحرم للخبر، ولأنه يخدعهم ويغبنهم، فأشبه النجش، والشراء صحيح. وعنه: أنه باطل للنهي، والمذهب الأول، لما روى أبو هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «لا تلقوا الجلب، فمن تلقاه فاشترى منه، فإذا أتى السوق فهو بالخيار» رواه مسلم. والخيار لا يكون إلا في عقد صحيح، ولأن النهي لضرب من الخديعة، أمكن استدراكها بالخيار، فأشبه بيع المصراة وللبائع الخيار إن غبن غبناً يخرج عن العادة، فإن لم يغبن فلا خيار له. ويحتمل أن له الخيار للخبر، والأول المذهب، لأنه إنما يثبت لدفع الضرر عن البائع، ولا ضرر مع عدم الغبن، والحديث يحمل على هذا، وجعل النبي ﷺ له الخيار إذا هبط السوق يفهم منه الإشارة إلى معرفته بالغبن، فإن خرج لحاجة غير قصد التلقي، فقال القاضي: لا يجوز له الشراء لوجود معنى النهي، ويحتمل الجواز، لعدم دخوله في الخبر. والبيع للركبان كالشراء منهم، لأن النهي عن تلقيهم لدفع الغبن، والشراء والبيع فيه واحد. فصل: وبيع الحاضر للبادي: هو أن يخرج الحاضر إلى جلاب السلع، فيقول أنا أبيع لك، فهو حرام للخبر، ولأن فيه تضييقاً على المسلمين، إذ لو ترك الجالب يبيع متاعه باعه برخص، فإذا تولاه الحاضر لم يبعه برخص، وقد أشار النبي ﷺ إلى ذلك بقوله: «لا يبع حاضر لباد، دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض» . وعنه: لا بأس به، وحمل الخبر على أنه اختص بأول الإسلام، لما كان عليهم من الضيق، والمذهب الأول للخبر والمعنى. قال أصحابنا: إنما يحرم بشروط خمسة: أحدها أن يكون الحاضر قد قصد البادي، ليتولى ذلك، والثاني: أن يكون البادي جاهلاً بالسعر، لأنه إذا كان عالماً به، فهو كالحاضر. والثالث: أن يكون جلب السلعة لبيعها، فإن جلبها ليدخرها، فلا ضرر على الناس

стр. 558

في بيع الحاضر له، ذكر الخرقي هذه الثلاثة. وذكر القاضي شرطين آخرين: أن يقصد بيعها بسعر يومها، ويتضرر الناس بتأخير بيعه، فإذا اجتمعت هذه الشروط، فالبيع باطل للنهي عنه. وعنه: أنه صحيح، لأن النهي عنه لمعنى في غيره، فأما شراء الحاضر للبادي فصحيح، لأنه لا ضيق على الناس فيه، وإذا شرع ما يدفع به الضرر عن أهل المصر لا يلزم شرع ما يتضرر به أهل البدو، فإن الخلق في نظر الشارع على السواء. فصل: وأما البيع على بيع أخيه، فهو أن يقول لمن اشترى شيئاً في مدة الخيار: أنا أبيعك مثله بدون هذا الثمن، أو أجود منه بهذا الثمن، فيفسخ العقد، ويشتري سلعته، فيحرم للخبر، ولأن فيه إفساداً أو إنجاشاً. وإن فسخ البيع، واشترى سلعته فالشراء باطل للنهي عنه، وشراؤه على شراء أخيه، كبيعه على بيعه ويحتمل أن البيع صحيح، لأن النهي لمعنى في غير العقد. فصل: فأما سومه على سوم أخيه فننظر فيه، فإن كان البائع أنعم للمشتري البيع بثمن معلوم، حرم على غيره سومه، لما روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: «لا يسم الرجل على سوم أخيه» رواه مسلم. وإن لم ينعم له جاز سومها، لما روى أنس «أن رجلاً شكا إلى النبي ﷺ الشدة والجهد، فقال له: ما بقي لك شيء، قال: بلى قدح وحلس، فأتاه بهما فقال: من يبتاعهما؟ فقال رجل: أنا أبتاعهما بدرهم، فقال النبي ﷺ : من يزيد على درهم؟ فأعطاه رجل درهمين، فباعهما منه» . قال الترمذي: هذا حديث حسن. ولأن «فاطمة بنت قيس ذكرت للنبي ﷺ أن معاوية وأبا جهم خطباها، فأمرها أن تنكح أسامة» . متفق عليه. فإن ظهرت منه أمارة الرضى منى غير تصريح به، فقال القاضي: لا تحرم المساومة لخبر فاطمة، ويحتمل أن تحرم لعموم النهي، وليس في خبر فاطمة أمارة على الرضى. فصل: فأما بيع العينة فهو أن يبيع سلعة بثمن مؤجل، ثم يشتريها منه بأقل من الثمن حالاً، فلا يجوز لما روى سعيد، عن غندر، عن شعبة، عن أبي إسحاق عن امرأته العالية بنت أيفع بن شرحبيل قالت: دخلت على عائشة أنا وأم ولد زيد بن أرقم، فقالت

стр. 559

أم ولد زيد: إني بعت غلاماً من زيد بن أرقم بثمانمائة درهم إلى العطاء، ثم اشتريته منه بستمائة درهم، فقالت لها: بئس ما شريت وبئسما اشتريت أبلغي زيد بن أرقم أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله ﷺ إلا أن يتوب. ولا تقول مثل هذا إلا توقيفاً سمعته من النبي ﷺ ولأن ذلك ذريعة إلى الربا، لأنه أدخل السلعة، ليستبيح بيع ألف بخمسمائة والذرائع معتبرة. فإن اشتراها بسلعة، جاز لأنه لا ربا بين الأثمان والعروض إن اشتراها بنقد غير الذي باعها به، فقال أصحابنا: يجوز لأن التفاضل بينهما جائز، ويحتمل التحريم، لأن النساء بينهما محرم، وإن اشتراها من غير المشتري أو اشتراها أبو البائع أو ابنه جاز. وإن نقصت السلعة لتغير صفتها جاز لبائعها شراؤها بأقل من الثمن، لأن نقص الثمن لنقصان السلعة. وإن نقصت لتغير السوق، أو زادت لم يجز شراؤها بأقل لما ذكرناه. فصل: فإن باعها بثمن حال نقده، ثم اشتراها بأكثر منه نسيئة لم يجز نص عليه، لأنها في معنى التي قبلها سواء. فصل: وإن باع طعاماً إلى أجل بثمن، فلما حل الأجل أخذ منه بالثمن طعاماً لم يجز، لأنه ذريعة إلى بيع طعام بطعام نسيئة، فهو في معنى ما تقدم. وكل شيئين حرم النساء فيهما لم يجز أخذ أحدهما عن الآخر قبل قبض ثمنه، وقياس قول أصحابنا في مسألة العينة، أنه يجوز هاهنا أخذ ما يجوز التفاضل بينه وبين الطعام المبيع. فصل: ومن اشترى مكيلاً أو موزوناً لم يجز له بيعه حتى يقبضه في ظاهر كلام أحمد ﵁ والخرقي، وما عداهما يجوز بيعه قبل القبض، لقول النبي ﷺ : «من ابتاع طعاماً فلا يبعه حتى يستوفيه» . وقال ابن عمر: «رأيت الذين يشترون الطعام مجازفة يضربون على عهد رسول الله ﷺ أن يبيعوه حتى يؤوه إلى رحالهم» . متفق عليهما. وهذا لا يخلو من كونه مكيلاً أو موزوناً، والحديث يدل بصريحه على منع بيعه قبل قبضه، وبمفهومه على حل بيع ما عداه. وعن أحمد: أن المنع من البيع قبل القبض يخص المطعوم، لاختصاص الحديث به، وما ليس بمطعوم من المكيلات والموزونات يجوز بيعه قبل

стр. 560

القبض. وعنه: أن المنع يختص ما ليس بمتعين، كقفيز من صبرة، ورطل زيت من دن. وما بيع صبرة، أو جزافاً جاز بيعه قبل قبضه، وهو قول القاضي وأصحابه، لأنه يتعلق به حق توفية بخلاف غيره. وعنه: أن كل مبيع لا يجوز بيعه قبل قبضه. لما روي عن النبي ﷺ أنه «نهى أن تباع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التجار» رواه أبو داود. وقال ابن عباس: أحسب كل شيء بمنزلة الطعام. ولأنه لم يتم ملكه عليه أشبه المكيل، والمذهب الأول. وما بيع بصفة أو برؤية متقدمة فهو كالمكيل، لأنه لا يتعلق به حق توفية، فأشبه المكيل والموزون، وما حرم بيعه قبل قبضه لم يجز بيعه لبائعه، لعموم النهي، ولا الشركة فيه، لأنه بيع لبعضه، ولا التولية، لأنه بيع بمثل الثمن الأول. فأما الثمن في الذمة، فيجوز بيعه لمن هو في ذمته لما روى ابن عمر قال: «كنا نبيع الإبل بالبقيع بالدراهم فنأخذ بدل الدراهم الدنانير، ونبيع بالدنانير فنأخذ بدلها الدراهم، فسألنا النبي ﷺ عن ذلك، فقال: لا بأس إذا افترقتما وليس بينكما شيء» رواه أبو داود، ولا يجوز بيعه لغير من هو في ذمته، لأنه معجوز عن تسليمه، فأشبه بيع المغصوب لغير غاصبه، وما كان من الدين مستقرا كالقرض فهو كالثمن، وما كان غير مستقراً كالمسلم فيه لم يجز بيعه بحال، لا لصاحبه ولا لغيره، لقوله ﵇: «من أسلم في شيء فلا يصرفه إلى غيره» رواه أبو داود. فصل: وكل عقد ينفسخ بتلف عوضه قبل قبضه كالإجارة، والصلح حكمه حكم البيع فيما ذكرناه، وما لا ينفسخ كالخلع، والعتق على مال والصلح عن دم العمد جاز التصرف في عوضه قبل قبضه، طعاماً كان أو غيره، وكذلك أرش الجناية، وقيمة المتلف، والمملوك بإرث أو وصية أو غنيمة إذا تعين ملكه فيه، لأنه لا يتوهم غرر الفسخ بهلاك المعقود عليه جاز بيعه كالوديعة، والصداق كذلك. قاله القاضي لأنه لا ينفسخ العقد بتلفه، فهو كعوض الخلع. وقال الشريف وأبو الخطاب: هو كالمبيع، لأنه يخشى رجوعه بانفساخ النكاح بالردة فأشبه المبيع. فصل: وقبض كل شيء بحسبه، المكيل المبيع مكايلة قبضه كيله، لما روى أبو هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «من اشترى طعاماً فلا يبعه حتى يكتاله» رواه مسلم. وإن بيع جزافاً فقبضه نقله لما روى ابن عمر قال: «كنا نشتري الطعام من الركبان جزافاً فنهانا

стр. 561

رسول الله ﷺ أن نبيعه حتى ننقله من مكانه» . رواه مسلم. وقبض الذهب والفضة والجوهر باليد، وسائر ما ينقل قبضه نقله. وقبض الحيوان أخذه بزمامه، أو تمشيته من مكانه، وما لا ينقل قبضه التخلية بين مشتريه وبينه، لا حائل دونه، لأن القبض مطلق في الشرع، فيجب الرجوع فيه إلى العرف، كالإحياء والإحراز، والعادة ما ذكرناه، وعنه: أن القبض في جميع الأشياء بالتخلية. مع التميز، لأنه قبض فيما لا ينقل فكان قبضاً في غيره. فصل: وما يعتبر له القبض إذا تلف قبل قبضه إذا انفسخ العقد، وهو من مال البائع، لأنه تلف قبل تمام ملك المشتري عليه، فأشبه ما تلف قبل تمام البيع. وإن أتلفه المشتري استقر عليه الثمن، لأنه تلف بتصرفه، فاستقر الثمن عليه كما لو قبضه. وإن أتلفه أجنبي لم ينفسخ العقد، لأن له بدلاً يرجع إليه، فلم ينفسخ العقد، كما لو تعيب. ويخير المشتري بين الفسخ والرجوع على البائع بالثمن، لأنه تلف بغير فعل المشتري، أشبه ما لو تلف بفعل الله تعالى، وبين إتمام العقد والرجوع ببدله، لأن الملك له، وإن أتلفه البائع احتمل أن يبطل العقد، لأنه يضمنه إذا تلف في يده بالثمن، فكذلك إذا أتلفه. وقال أصحابنا: الحكم فيه حكم ما لو أتلفه أجنبي، وإن تعيب قبل قبضه، فهو كما لو تعيب قبل بيعه، لأنه من ضمان البائع. فصل: وإذا باع شاة بشعير، فأكلته قبل قبضه ولم تكن يد بائعها عليها انفسخ البيع، لأن الثمن هلك قبل القبض بغير فعل آدمي، فإن كانت يده عليها، فهو كإتلافه له، وإن باعها مشتريها ثم هلك الشعير قبل قبضه انفسخ العقد الأول، ولم يبطل الثاني، لأن ذلك كان قبل فسخ العقد، وعلى بائعها الثاني قيمتها، لأنه تعذر عليه ردها، وهكذا إن كان بدله شقصاً فأخذه الشفيع انفسخ البيع الأول، وعلى المشتري رد قيمة الشقص، ويأخذ من الشفيع قيمة الطعام، لأنه الذي اشترى به الشقص. فصل: وما لا يحتاج إلى قبض إذا تلف، فهو من مال المشتري. لما روى حمزة بن عبد الله بن عمر عن أبيه. قال: «مضت السنة أن ما أدركته الصفقة حياً مجموعاً، فهو من مال المشتري» . ذكره البخاري. وهذا ينصرف إلى سنة النبي ﷺ إلا أن يمنعه البائع قبضه فيضمنه، لأنه تلف تحت يد عادية، أشبه ما لو تلف تحت يد الغاصب، وسواء حبسه على قبض الثمن أو غيره إلا أن يكون قد اشترط عليه الرهن في البيع.

стр. 562

[باب تفريق الصفقة] إذا باع ما يجوز بيعه، وما لا يجوز بيعه صفقة واحدة، كعبد وحر، وخل وخمر، وعبده وعبد غيره، أو دار له ولغيره ففيه روايتان: إحداهما: تفرق الصفقة، فتجوز فيما يجوز بيعه بقسطه من الثمن، ويبطل فيما لا يجوز، لأن كل واحد منهما، له حكم منفرد، فإذا اجتمعا بقيا على حكمهما، كما لو باع شقصاً وسيفاً. والثانية: يبطل فيهما، لأنه عقد واحد جمع حلالاً وحراماً فبطل، كالجمع بين الأختين، ويحتمل أن يصح فيما يجوز فيما ينقسم الثمن فيه على الأجزاء، كدار له ولغيره ونحوها، والقفيزين المتساويين، لأن الثمن فيما يجوز بيعه معلوم، ويبطل العقد فيما عدا هذا كالعبدين، لأن ثمن ما يجوز بيعه مجهول، لكون الثمن ينقسم عليهما بالقيمة، وقسط الحلال منهما مجهول لو صرح به، فقال: بعتك هذا العبد بقسطه من الثمن لم يصح، فكذا هاهنا. فإن قلنا يصح، وعلم المشتري الحال فلا خيار له، لأنه دخل على بصيرة ولا خيار للبائع بحال، وإن لم يعلم المشتري الحال فله الخيار، لأن عليه ضرراً في تفريق الصفقة، وإن اشترى معلوماً ومجهولاً بطل العقد فيهما، لأن ما يخص المعلوم من الثمن مجهول. ولو باع قفيزين من الحلال بثمن واحد، فتلف أحدهما قبل قبضه لم ينفسخ العقد في الباقي منهما، سواء كانا من جنس واحد أو جنسين، لأن حدوث الجهل بثمن الباقي منهما لا يوجب جهالة المبيع حال العقد. قال القاضي: ويثبت للمشتري خيار الفسخ، لتفريق الصفقة عليه فأشبه ما قبلها. فصل فإن جمع بين عقدين مختلفي الحكم، كبيع وإجارة، أو صرف بعوض واحد صح فيهما، لأن اختلاف حكم العقدين لا يمنع الصحة، كما لو جمع بين ما فيه شفعة، وما لا شفعة فيه، وفيه وجه آخر لا يصح، لأن حكمهما مختلف، وليس أحدهما أولى من الآخر فبطل فيهما، فإن البيع فيه خيار. ولا يشترط التقابض فيه في المجلس، ولا ينفسخ العقد بتلف المبيع والصرف، ويشترط له التقابض، وينفسخ العقد بتلف العين في الإجارة، وإن جمع بين نكاح وبيع بعوض واحد، فقال: زوجتك ابنتي، وبعتك داري بمائة صح في النكاح، لأنه لا يفسد بفساد العوض، وفي البيع وجهان. وإن جمع بين بيع وكتابة، فقال لعبده: بعتك عبدي هذا، وكاتبتك بمائة بطل البيع وجهاً واحداً، لأنه باع عبده لعبده فلم يصح، كبيعه إياه من غير كتابة، وهل تبطل الكتابة؟ يخرج على الروايتين في تفريق الصفقة.

стр. 563

فصل ولو باع رجلان عبداً لهما بثمن واحد صح لأن حصة كل واحد منهما من الثمن معلومة. ولو كان لكل واحد منهما قفيز، وكانا من جنس واحد فباعاهما صفقة واحدة صح لذلك. وإن كان المبيع مما لا ينقسم الثمن عليه، مثل إن كان لكل واحد منهما عبد فباعاهما صفقة واحدة، أو وكلا رجلاً فباعهما أو وكل أحدهما الآخر فباعهما بثمن واحد لم يصح، لأن كل واحد منهما مبيع بحصته من الثمن فلم يصح، كما لو صرح به، ويحتمل أن يصح بناء على تفريق الصفقة، أو كما لو كاتب عبدين كتابة واحدة بعوض واحد. [باب الثنيا في البيع] باب الثنيا إذا باع حائطاً واستثنى شجرة بعينها، أو قطيعاً واستثنى شاةً بعينها صح لأن النبي ﷺ «نهى عن الثنيا، إلا أن تعلم» . قال الترمذي: هذا حديث صحيح. وهذه معلومة، وإن استثنى شجرة أو شاة يختارها لم يصح للخبر. وإن استثنى آصعاً معلومة أو باع نخلة، واستثنى أرطالاً معلومة، فعنه: أنه يصح للخبر. والمذهب أنه لا يصح، لأن المبيع إنما علم بالمشاهدة، والاستثناء يغير حكم المشاهدة، فإنه لا يدري كم يبقى في حكم المشاهدة، ولو باعه الصبرة إلا قفيزاً لم يصح لذلك. وإن باعه قفيزاً من هذه الصبرة إلا مكوكاً صح، لأن القفيز معلوم، والمكوك منه معلوم. وإن باعه داراً إلا ذراعاً، وهما يعلمان ذرعانها جاز، وكان مشاعاً منها، وإلا لم يجز، كما لو باعه ذراعاً منها، وإن باعه سمسماً إلا كسبه، أو قطناً إلا حبه، أو شاة إلا شحمها، أو فخذها لم يصح، لأنه مجهول فيدخل في الخبر. وإن استثنى حملها، فعنه أن يصح، لأن ابن عمر أعتق جارية، واستثنى ما في بطنها. وعنه: لا يصح، وهو أصح للخبر. فإن باع جارية حاملاً بحر، وقلنا: يصح استثناء الحمل صح هاهنا، وإن قلنا: لا يصح ثم، ففيه وجهان: أحدهما: لا يصح، لأنه استثناه في الحقيقة. والثاني: يصح، لأنه قد يقع مستثنى بالشرع ما لا يصح استثناؤه بالشرط، بدليل بيع الأمة المزوجة. وإن باع حيواناً مأكولاً واستثنى رأسه وجلده وسواقطه صح. نص عليه، لأنها ثنيا معلومة وقد روي «أن النبي ﷺ حين هاجر إلى المدينة مر براع فذهب أبو بكر وعامر بن فهيرة، فاشتريا منه شاة، وشرطا له سلبها» . فإن امتنع المشتري من ذبحها لم يجبر

стр. 564

وعليه قيمة ذلك لما روي عن علي ﵁: أنه قضى في رجل اشترى ناقة، وشرط ثنياها فقال: اذهبوا معه إلى السوق، فإن بلغت أقصى ثمنها، فأعطوه حساب ثنياها من ثمنها. وعن الشعبي قال: قضى زيد بن ثابت، وأصحاب رسول الله ﷺ في بقرة باعها رجل، واشترط رأسها بالشروى. يعني أن يعطيه رأساً مثل رأس. فصل: ومن باع شيئاً، واستثنى منفعته مدة معلومة، كجمل اشترط ركوبه إلى موضع معين، وداراً استثنى سكناها شهراً، وعبداً استثنى خدمته سنة صح لما روى جابر: أنه «باع النبي ﷺ جملاً واشترط ظهره إلى المدينة» . متفق عليه. ولأنها ثنيا معلومة، فتدخل في خبر أبي هريرة، فإن عرض المشتري على البائع عوضها لم يلزمه قبوله، لأن حقه تعلق بعينها، فأشبه ما لو استأجرها، وإن أراد البائع إجارتها تلك المدة، فقال ابن عقيل: يصح في قياس المذهب، لأنه استحق نفعها فملك إجارتها كالمستأجر. وإن أتلف المشتري العين، فعليه قيمة المنفعة، لتفويته حق غيره. وإن تلف بغير تفريط، فكلام أحمد ﵁ يقتضي ذلك بعمومه، ويحتمل أن لا يضمن، لأن البائع لم يملك المنفعة من جهة المشتري، فلم يلزمه عوضها له، كما لو تلفت النخلة المبيعة مؤبرة بثمرتها والحائط الذي استثني منه شجرة، ويحمل كلام أحمد على من فرط. وإن باع المشتري العين صح وتكون المنفعة مستثناة في يد المشتري، فإن لم يعلم به فله الخيار، لأنه عيب، فهو كالتزويج في الأمة، ومن باع أمة واستثنى وطأها لم يصح، لأنه لا يحل إلا في تزويج، أو في ملك يمين، ومن استثنى مدة غير معلومة لم يصح للخبر. [باب الشروط في البيع] وهي على أربعة أضرب: أحدها: ما هو من مقتضى البيع، كالتسليم والرد بالعيب فهذا لا أثر له، لأنه بيان وتأكيد لمقتضى العقد. الثاني: ما هو من مصلحته، كالخيار والأجل والرهن والضمين، فهذا شرط صحيح لازم، ورد الشرع به نذكره في مواضعه. الثالث: شرط ينافي مقتضى العقد وهو نوعان: أحدهما: ما لم يبن على التغليب والسراية، كشرط أن لا يملك، ولا يتصرف، ولا يسلم أو لا يعتق، أو إن أعتق فالولاء له أو متى نفق المبيع وإلا رده، أو إن

стр. 565

خسر فيه، فعلى البائع فهذا شرط باطل، لقول النبي ﷺ لعائشة لما أرادت شراء بريرة، فاشترط أهلها ولاءها: «اشتريها فأعتقيها، فإنما الولاء لمن أعتق ثم قال: من اشترط شرطاً ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط» متفق عليه. وهل يفسد البيع به؟ فيه روايتان: إحداهما: لا يفسد، لحديث بريرة. والثانية: يفسد، لأنه إذا فسد الشرط وجب رد ما في مقابلته من الثمن، وذلك مجهول فيصير الثمن مجهولاً. النوع الثاني: أن يشتريه بشرط أن يعتقه ففيه روايتان: إحداهما: الشرط فاسد، لأنه ينافي مقتضى البيع، فأشبه ما قبله. والثانية: يصح لأن عائشة اشترت بريرة لتعتقها، فأجازه النبي ﷺ ، فعلى هذا إن امتنع المشتري من العتق أجبر عليه في أحد الوجهين، لأنه عتق مستحق عليه، فأجبر عليه كما لو نذر عتقه. والثاني: لا يجبر عليه لأن الشرط لا يوجب فعل المشروط، كما لو شرط رهناً أو ضميناً لم يجبر، ولكن يثبت للبائع خيار الفسخ كمشترط الرهن، فإن مات العبد رجع البائع على المشتري بما نقصه شرط العتق، وإن كان المبيع أمة فأحبلها أعتقها وأجزأه لأن الرق باق فيها. الرابع: ما لا ينافي مقتضى العقد، ولا هو من مصلحته، وهو نوعان: أحدهما: أن يشرط عقداً آخر، مثل أن يبيعه بشرط أن يبيعه عيناً أخرى أو يؤجره أو يسلفه، أو يشتري منه، أو يستسلف، فهذا شرط فاسد يفسد العقد به، لأن النبي ﷺ قال: «لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع» . قال الترمذي: هذا حديث صحيح. ونهى عن بيعتين في بيعة وهذا منه. الثاني: أن يشترط المشتري منفعة البائع في المبيع، فيصح إذا كانت معلومة، مثل أن يشتري ثوباً، ويشترط على بائعه خياطه قميصاً، أو فلعة ويشترط حذوها نعلاً، أو حطباً ويشترط حمله، لأن محمد بن مسلمة اشترى من نبطي جرزة حطب وشرط عليه حملها، واشتهر ذلك فلم ينكر، ولأنه بيع، وإجارة فصح، كما لو باعه عبده وأجره داره في عقد واحد. وقال الخرقي: إن شرط مشتري الرطبة جزها على بائعها بطل
следующие страницы →