Полный текст (1 486 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
فصل
وإن شرط جعله في يد اثنين، صح الشرط، ولم يكن لأحدهما الانفراد بحفظه؛ لأن المتراهنين لم يرضيا إلا بحفظهما معاً، فلم يجز لأحدهما الانفراد به، كالوصيين، فإن سلمه أحدهما إلى صاحبه، ضمن نصفه؛ لأنه القدر الذي تعدى فيه، فإن مات أحدهما أو تغير حاله، أقيم مقامه عدل.
فصل
وكل من جاز توكيله، جاز جعل الرهن على يديه، مسلماً كان أو كافراً، عدلاً أو فاسقاً، ذكراً أو أنثى؛ لأنه جاز توكيله في غير الرهن، فجاز فيه، كالعدل. ولا يجوز أن يكون صبياً أو مجنوناً؛ لأنه غير جائز التصرف، فإن فعلا، كان قبضه له وعدمه واحداً. وإن كان عبداً، فله حفظه بإذن سيده، ولا يجوز بغير إذنه؛ لأن منافعه لسيده، فلا يجوز تضييعها في الحفظ من غير إذنه، وإن كان مكاتباً وكان بغير جعل، لم يجز؛ لأنه ليس له التبرع، وإن كان بجعل جاز؛ لأن له الكسب بغير إذن سيده، فإن لم يشرط جعله في يد أحد، فهو في يد المرتهن؛ لأنه المستوجب للعقد، فكان القبض له كالمتهب، فإن قبضه ثم تغيرت حاله في الثقة، أو الحفظ، أو حدث بينهما عداوة، فللراهن دفعه إلى الحاكم، ليزيل يده، ويجعل في يد عدل؛ لأنه لم يرض بحفظه في هذه الحال. وإن اختلفا في تغير حاله، بحث الحاكم، وعمل بما بان له، وإن مات المرتهن، نقل عن الوارث إلى عدل؛ لأن الراهن لم يرض بحفظه.
فصل
إذا شرط أن يبيعه المرتهن، أو العدل عند حلول الحق، صح شرطه؛ لأن ما صح توكيل غيرهما فيه، صح توكيلهما فيه، كبيع عين أخرى. فإن عزلهما الراهن، صح عزله؛ لأن الوكالة عقد جائز، فلم يلزم المقام عليهما، كما لو وكل غيرهما، أو وكلهما في بيع غيره، ولو مات المرتهن، لم يكن لوارثه البيع؛ لأنه لم يؤذن له، ويتخرج أنه لا يملك عزلهما؛ لأنه يفتح باب الحيلة، فإن عزل المرتهن العدل عن البيع، لم يملكه إلا في الحال الذي يملكه الراهن؛ لأنه وكيله خاصة، وإن أذنا له في بيع الرهن، فتلف بجناية قيمته مكانه، فقال القاضي: قياس المذهب أن له بيعها؛ لأنه يجوز له بيع نمائه تبعاً، فبيع قيمته أولى، والصحيح أنه لا يملك بيعها؛ لأنه لم يؤذن له فيه، ولا هي تبع لما أذن فيه، بخلاف النماء.
فصل
وإن أذنا له في البيع بنقد، لم يكن له خلافهما؛ لأنه وكيلهما، وإن أطلقا أو
стр. 632
اختلفا، باع بنقد البلد؛ لأن الحظ فيه، فإن كان فيه نقود، باع بأغلبها، فإن تساوت، باع بما يرى الحظ فيه؛ لأن الغرض تحصيل الحظ، فإن تساوت، باع بجنس الدين؛ لأنه يمكن القضاء منه، فإن لم يكن فيها جنس الدين، عين له الحاكم ما يبيع به. وحكمه حكم الوكيل في وجوب الاحتياط في الثمن على ما سنذكره، فإذا باع وقبض الثمن، فتلف في يده من غير تعد، فلا ضمان عليه؛ لأنه أمين وهو من ضمان الراهن؛ لأنه ملكه. فإن أنكر الراهن تلفه، فالقول قول العدل مع يمينه؛ لأنه أمين فهو كالمودع. فإن قال: ما قبضته من المشتري، فالقول قول العدل لذلك، ويحتمل أن لا يقبل قوله؛ لأن هذا إبراء للمشتري. وإن خرج الرهن مستحقاً، فالعهدة على الراهن دون العدل؛ لأنه وكيل، وإن استحق بعد تلف الثمن في يد العدل، رجع المشتري على الراهن دون العدل؛ لأنه قبض منه على أنه أمين في قبضه، وتسليمه إلى المرتهن، وإن كان الثمن باقياً في يد العدل، أو المرتهن، رجع المشتري فيه؛ لأنه عين ماله قبض بغير حق، وإن وجد المشتري بالمبيع عيباً فرده بعد قبض المرتهن ثمنه، لم يرجع عليه؛ لأنه قبضه بحق ولا على العدل؛ لأنه أمين، ويرجع على الراهن، إلا أن يكون العدل لم يعلم المشتري أنه وكيل، فيكون رجوعه عليه، ثم يرجع هو على الراهن، فإن تلف المبيع في يد المشتري، ثم بان مستحقاً، فلمالكه تضمين من شاء من الراهن والعدل والمرتهن؛ لأن كل واحد منهم قبض ماله بغير حق، ويستقر الضمان على المشتري؛ لأن التلف حصل في يده، ويرجع على الراهن بالثمن الذي أخذ منه، وإذا باع العدل الرهن بيعاً فاسداً، وجب رده، فإن تعذر رده، فللمرتهن تضمين من شاء من العدل والمشتري أقل الأمرين، من قيمة الرهن، أو قدر الدين؛ لأنه يقبض ذلك مستوفياً لحقه، لا رهناً، فلم يكن له أكثر من دينه، وما بقي للراهن يرجع به على من شاء منهما، وإن وفى الراهن المرتهن، رجع بقيمته على من شاء منهما، ويستقر الضمان على المشتري، لحصول التلف في يده.
فصل
وإذا ادعى العدل دفع الثمن إلى المرتهن، فأنكره، ففيه وجهان:
أحدهما: القول قول العدل؛ لأنه أمين. فإذا حلف برئ ويرجع المرتهن على الراهن.
والثاني: القول قول المرتهن؛ لأنه منكر. والعدل إنما هو أمينه في الحفظ، لا في دفع الثمن إليه. فإذا حلف، رجع على من شاء منهما، فإذا رجع على العدل، لم يرجع العدل على الراهن؛ لأنه يقر ببراءة ذمته منه، ويدعي أن المرتهن ظلمه وغصبه. وإن
стр. 633
رجع على الراهن، رجع الراهن على العدل، لتفريطه في القضاء بغير بينة، إلا أن يكون قضاؤه بحضرة الراهن، أو ببينة فماتت، أو غابت فلا يرجع عليه، لعدم تفريطه، وعنه: لا يرجع على العدل بحال؛ لأنه أمين، ولو غصب المرتهن الرهن من العدل ثم رده إليه، زال الضمان؛ لأنه رده إلى وكيل الراهن في إمساكه، فأشبه ما لو أذن له في دفعه إليه. ولو كان الرهن في يده، فتعدى فيه، ثم زال التعدي، لم يزل الضمان؛ لأن استئمانه زال بذلك، فلم يعد بفعله.
فصل
وإذا رهن أمة رجلاً، وشرط جعلها في يد امرأة، أو ذي رحم لها، أو ذي زوجة أو أمة، جاز؛ لأنه لا يفضي إلى الخلوة بها. وإن لم يكن كذلك، فسد الرهن، لإفضائه إلى خلوة الأجنبي بها، ولو اقترض ذمي من مسلم مالاً، ثم رهنه خمراً، لم يصح؛ لأنها ليست مالاً، وإن باعها الذمي أو وكيله، وأتاه بثمنها، فله أخذه، فإن امتنع، لزمه، وقيل له: إما أن تقبض، أو أن تبرئ؛ لأن أهل الذمة إذا تقابضوا في العقود الفاسدة، جرى مجرى الصحيح.
فصل
فإن شرط ما ينافي مقتضى الرهن، نحو أن يشترط أن لا يسلمه، أو لا يباع عند الحلول، أو لا يستوفى الدين من ثمنه، أو شرط أن يبيعه بما شاء، أو لا يبيعه إلا بما يرضيه، فسد الشرط؛ لأن المقصود مع الوفاء به مفقود. وإن شرط أنه متى حل الحق، ولم توفني، فالرهن لي بالدين، أو بثمن سماه، فسد؛ لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «لا يغلق الرهن» رواه الأثرم. ومعناه: استحقاق المرتهن له لعجز الراهن عن فكاكه، ولأنه علق البيع على شرط مستقبل، فلم يصح، كما لو علقه على قدوم زيد. وإن قال: أرهنك على أن تزيدني في الأجل، لم يصح؛ لأن الدين الحال لا يتأجل، وإذا لم يثبت الأجل فسد الرهن؛ لأنه في مقابلته. وإن شرط أن ينتفع المرتهن بالرهن في دين القرض، لم يجز، وإن كان بدين مستقر في مقابلة تأخيره عن أجله، لم يجز؛ لأنه بيع للأجل، وإن كان في بيع، فعن أحمد جوازه إذا جعل المنفعة معلومة، كخدمة شهر ونحوه، فيكون بيعاً وإجارة. وإن لم تكن معلومة، بطل الشرط للجهالة، وبطل البيع لجهالة ثمنه، وما عدا هذا، فهو إباحة لا يلزم الوفاء به، وإن قال: رهنتك ثوبي هذا يوماً، ويوماً لا أوقته، فالرهن فاسد؛ لأن ينافي مقتضاه، وكل شرط يسقط به دين الرهن يفسده، وما لا يؤثر في ضرر أحدهما كاشتراط جعل الأمة في يد أجنبي عزب، لا يفسده. وفي سائر الشروط الفاسدة وجهان:
стр. 634
أحدهما: يفسد بها الرهن.
والآخر: لا يفسد بناء على الشروط الفاسدة في البيع، ويحتمل أن ما ينقص المرتهن، يبطله وجهاً واحداً، وفي سائرها وجهان:
أحدهما: يبطل الرهن؛ لأنه شرط فاسد، فأبطله كالأول.
والثاني: لا يبطله؛ لأنه زائد، فإذا بطل، بقي العقد بأحكامه.
[باب اختلاف المتراهنين]
إذا قال: رهنتني كذا فأنكر، أو اختلفا في قدر الدين، أو قدر الرهن، فقال: رهنتني هذين، قال: بل هذا وحده، أو قال: رهنتني هذا بجميع الدين قال: بل نصفه، أو قال: رهنتنيه بالحال، قال: بل بالمؤجل، فالقول قول الراهن؛ لأنه منكر. والأصل عدم ما أنكره، ولأن القول قوله في أصل العقد، فكذلك في صفته، فإن قال: رهنتني عبدك هذا. قال: بل ثوبي هذا؛ لم يثبت الرهن في الثوب؛ لرد المرتهن له، وحلف الراهن على العبد، وخرج بيمينه. وإن قال: أرسلت وكيلك فرهن عبدك على ألفين قبضها مني، فقال: ما أذنت له في رهنه إلا بألف، سئل الرسول، فإن صدق الراهن، حلف على أنه ما رهنه إلا بألف، ولا قبض غيرها، ولا يمين على الراهن؛ لأن الدعوى على غيره. وإن صدق المرتهن، حلف الراهن، وعلى الرسول ألف؛ لأنه أقر بقبضها، ويبقى العبد رهناً على ألف واحدة. ومن توجهت عليه اليمين فنكل، فهو كالمقر سواء.
فصل
فإن قال: رهنتني عبدك هذا بألف، فقال: بل بعتكه بها، أو قال: بعتنيه بألف، فقال: بل رهنتكه بها، حلف كل واحد منهما على نفي ما ادعى عليه، فسقط، ويأخذ السيد عبده، وتبقى الألف بغير رهن.
فصل
وإن قال الراهن: قبضت الرهن بغير إذني فقال: بل بإذنك، فالقول قول الراهن؛ لأنه منكر. وإن قال: أذنت لك، ثم رجعت قبل القبض، فأنكر المرتهن، فالقول قوله؛ لأن الأصل عدم الرجوع، وإن كان الرهن في يد الراهن، فقال المرتهن: قبضته ثم غصبتنيه، فأنكر الراهن، فالقول قوله؛ لأن الأصل معه. وإن أقر بتقبيضه، ثم قال: أحلفوه لي أنه قبض بحق، ففيه وجهان:
أحدهما: يحلف؛ لأن ما ادعاه محتمل.
стр. 635
والثاني: لا يحلف؛ لأنه مكذب لنفسه. وإن رهنه عصيراً، ثم وجد خمراً، فقال المرتهن: إنما أقبضني خمراً، فلي فسخ البيع. وقال الراهن: بل كان عصيراً، فقال أحمد ﵁: فالقول قول الراهن؛ لأنه يدعي سلامة العقد، وصحة القبض، فظاهر حال المسلم استعمال الصحيح، فكان القول قول من يدعيه، كما لو اختلفا في شرط يفسد المبيع. ويحتمل أن القول قول المرتهن بناء على اختلاف المتبايعين في حدوث العيب. ولو كان الرهن حيواناً فمات، واختلفا في حياته وقت الرهن، أو القبض، فحكمه حكم العصير. وإن أنكر المرتهن قبضه، فالقول قوله؛ لأن الأصل معه. وإن وجده معيباً واختلفا في حدوثه، ففيه وجهان مبنيان على الروايتين في البيع.
فصل
إذا كان لرجل على آخر ألف برهن، وألف بغير رهن، فقضاه ألفاً وقال: قضيت دين الرهن، فقال: هي عن الألف الآخر، فالقول قول الراهن، سواء اختلفا في لفظه أو نيته؛ لأنها تنتقل منه، فكان القول قوله في صفة النقل، وهو أعلم بنيته. ولو دفعها بغير لفظ ولا نية، فله صرفها إلى أيهما شاء، كما لو دفع زكاة أحد الألفين، فإن أبرأه المرتهن من أحدهما، فالقول قول المرتهن لذلك. وإن أطلق، فله صرفها إلى أيهما شاء. ذكره أبو بكر.
فصل
وإن كان عليه ألفان لرجلين، فادعى كل واحد منهما أنه رهنه عبده بدينه فأنكرهما، حلف لهما. وإن صدق أحدهما، أو قال: هو السابق، سلمه إليه وحلف للآخر. وإن نكل والعبد في يد أحدهما، فعليه للآخر قيمته تجعل رهناً؛ لأنه فوته على الثاني بإقراره للأول، أو بتسليمه إليه. وقال القاضي: هل يرجح صاحب اليد أو المقر له؟ يحتمل وجهين. فإن قال: لا أعلم المرتهن منهما، أو السابق، حلف على ذلك، والقول قول من هو في يده منهما مع يمينه. وإن كان في أيديهما، أو يد غيرهما، فالحكم في ذلك كالحكم فيما إذا ادعيا ملكه.
فصل
فإن ادعى على رجلين أنهما رهناه عبدهما بدينه فأنكراه، فالقول قولهما. وإن شهد كل واحد منهما على الآخر، قبلت شهادته؛ لأنه لا يجلب بهذه الشهادة نفعاً، ولا يدفع بها ضرراً. وإن أقر أحدهما وحده، لزم في نصيبه، وتسمع شهادته على صاحبه لما ذكرناه.
стр. 636
فصل
وإن ادعى المرتهن هلاك الرهن بغير تفريط، فالقول قوله؛ لأنه أمين فأشبه المودع. وإن ادعى الرد، ففيه وجهان:
أحدهما: يقبل قوله لذلك.
والثاني: لا يقبل؛ لأنه قبضه لنفسه، فلم يقبل قوله في الرد كالمستأجر. وإن أعتق الراهن الجارية، أو وطئها، فادعى أنه بإذن المرتهن فأنكره، فالقول قول المرتهن؛ لأن الأصل معه، فإن نكل، قضى عليه. وإن صدقه فأتت بولد، فأنكر المرتهن مدة الحمل، فالقول قوله؛ لأن الأصل عدمها، وإن وطئها المرتهن بإذن الراهن، وادعى الجهالة، وكان مثله يجهل ذلك، فلا حد عليه؛ لأن الحد يدرأ بالشبهات. ولا مهر؛ لأنه حق للسيد فسقط بإذنه، والولد حر يلحق نسبه؛ لأنه من وطء شبهة، ولا تصير أم ولد؛ لأنه لا ملك له فيها. وإن لم تكن له شبهة، فعليه الحد والمهر وولده رقيق.
стр. 637
[كتاب التفليس]
ومن لزمه دين مؤجل، لم يجز مطالبته به؛ لأنه لا يلزمه أداؤه قبل أجله، ولا يجوز الحجر عليه به؛ لأنه لا يستحق المطالبة به، فلم يملك منعه من ماله بسببه، فإن أراد سفراً يحل دينه قبل قدومه منه، فلغريمه منعه، إلا برهن أو ضمين مليء؛ لأنه ليس له تأخير الحق عن محله، وفي السفر تأخيره. وإن لم يكن كذلك، ففيه روايتان:
إحداهما: له منعه؛ لأن قدومه عند المحل غير متيقن ولا ظاهر، فملك منعه منه كالأول.
والثانية: ليس له منعه؛ لأنه لا يملك المطالبة به في الحال، ولا يعلم أن السفر مانع منها عند الحلول، فأشبه السفر القصير. وإن كان الدين حالاً، والغريم معسراً، لم تجز مطالبته، لقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] ولا يملك حبسه ولا ملازمته؛ لأنه دين لا يملك المطالبة به، فلم يملك به ذلك، كالمؤجل. فإن كان ذا صنعة، ففيه روايتان:
إحداهما: يجبر على إجارة نفسه؛ لما «روي أن رجلاً دخل المدينة، وذكر أن وراءه مالاً، فداينه الناس، ولم يكن وراءه مال، فسماه النبي ﷺ سرقا، وباعه بخمسة أبعر» ، وروى الدارقطني نحوه وفيه أربعة أبعرة. والحر لا يباع، فعلم أنه باع منافعه، ولأن الإجارة عقد معاوضة، فجاز أن يجبر عليه، كبيع ماله، وإجارة أم ولده.
والثانية: لا يجبر؛ لما روى أبو سعيد: «أن رجلاً أصيب في ثمار ابتاعها فكثر دينه، فقال النبي ﷺ : تصدقوا عليه فتصدقوا عليه، فلم يبلغ وفاء دينه، فقال النبي
стр. 638
- ﷺ خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك» رواه مسلم. ولأنه نوع تكسب، فلم يجبر عليه كالتجارة.
فصل
وإن كان موسراً، فلغريمه مطالبته، وعليه قضاؤه؛ لقول النبي ﷺ : «مطل الغني ظلم» متفق عليه. فإن أبى، فله حبسه، لقول النبي ﷺ : «لي الواجد يحل عقوبته وعرضه» من المسند. فإن لم يقضه، باع الحاكم ماله وقضى دينه، لما روي أن عمر ﵁ قال: إن أسيفع جهينة رضي من دينه وأمانته أن يقال: سابق الحاج، فادان معرضاً، فمن كان له عليه مال فليحضر، فإنا بائعو ماله وقاسموه بين غرمائه رواه مالك في الموطأ بنحوه، فإن غيب ماله، حبسه وعزره حتى يظهره. ولا يجوز الحجر عليه مع إمكان الوفاء، لعدم الحاجة إليه. وإن تعذر الوفاء، وخيف من تصرفه في ماله، حجر عليه إذا طلبه الغرماء، لئلا يدخل الضرر عليهم.
فصل
فإن ادعى الإعسار من لم يعرف له مال، فالقول قوله مع يمينه؛ لأن الأصل عدمه. وإن عرف له مال، أو كان الحق لزمه في مقابلة مال، كثمن مبيع، أو قرض، لم يقبل قوله إلا ببينة؛ لأن الأصل بقاء المال، ويحبس حتى يقيم البينة. فإن قال: غريمي يعلم إعساري، فعلى غريمه اليمين أنه لا يعلم ذلك. وإن أقام البينة على تلف المال، فعليه اليمين معها أنه معسر؛ لأنه صار بهذه البينة كمن لم يعرف له مال. وإن شهدت بإعساره، فادعى غريمه أن له مالاً باطناً، لم يلزمه يمين؛ لأنه أقام البينة على ما ادعى، وتسمع البينة على التلف. وإن لم يكن ذا خبرة باطنة؛ لأنه أمر يعرف بالمشاهدة ولا تسمع على الإعسار إلا من أهل الخبرة بحاله؛ لأنه من الأمور الباطنة. فإن كان في يده مال فأقر به لغيره، سئل المقر له، فإن كذبه، بيع في الدين، وإن صدقه، سلم إليه. فإن قال الغريم: أحلفوه أنه صادق لم يستحلف؛ لأنه لو رجع عن الإقرار، لم يقبل منه. وإن طلب يمين المقر له؛ لأنه لو رجع قبل رجوعه.
فصل
فإن كان ماله لا يفي بدينه، فسأل غرماؤه الحاكم الحجر عليه، لزمته إجابتهم؛ لما روى «كعب بن مالك: أن رسول الله ﷺ حجر على معاذ، وباع ماله» رواه سعيد بن منصور بنحوه عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، ولأن فيه دفعاً للضرر عن الغرماء، فلزم ذلك كقضائهم. ويستحب الإشهاد على الحجر، ليعلم الناس حاله، فلا يعاملوه إلا على بصيرة، ويتعلق بالحجر عليه أربعة أحكام:
стр. 639
أحدها: منع تصرفه في ماله، فلا يصح بيعه ولا هبته، ولا وقفه، ولا غير ذلك؛ لأنه حجر ثبت بالحاكم، فمنع تصرفه، كالحجر للسفه. وفي العتق روايتان:
إحداهما: لا يصح لذلك، ولأن حق الغرماء تعلق بماله، فمنع صحة عتقه، كما لو كان مريضاً.
والثانية: يصح؛ لأنه عتق من مالك رشيد صحيح، أشبه عتق الراهن. وإن أقر بدين، أو عين في يده، كالقصار والحائك يقر بثوب، لم يقبل إقراره لذلك، ويلزم في حقه، يتبع به بعد فك الحجر عنه، وإن توجهت عليه يمين فنكل عنها، فهو كإقراره. وإن تصرف في ذمته بشراء، أو اقتراض أو ضمان، أو كفالة، صح؛ لأنه أهل للتصرف، والحجر إنما تعلق بماله دون ذمته. ولا يشارك أصحاب هذه الديون الغرماء؛ لأن من علم منهم بفلسه فقد رضي بذلك، ومن لم يعلم، فهو مفرط. ويبيعونه بعد فك الحجر عنه كالمقر له، وهل للبائع والمقرض الرجوع في أعيان أموالهما إن وجداها؟ على وجهين:
أحدهما: لهما ذلك، للخبر، ولأنه باعه في وقت الفسخ، فلم يسقط حقه منه، كما لو تزوجت المرأة معسراً بنفقتها.
والثاني: لا فسخ لهما؛ لأنهما دخلا على بصيرة بخراب الذمة، أشبها من اشترى معيباً يعلم عيبه.
وإن جنى المفلس جناية توجب مالاً، لزمه وشارك صاحبه الغرماء؛ لأنه حق ثبت بغير رضى مستحقه، فوجب قضاؤه من المال كجناية عبده وإن ثبت عليه حق بسبب قبل الفلس ببينة، شارك صاحبه الغرماء؛ لأنه غريم قديم، فهو كغيره.
فصل
الحكم الثاني: أنه يتعلق حقوق الغرماء بعين ماله، فليس لبعضهم الاختصاص بشيء منه سوى ما سنذكره. ولو قضى المفلس أو الحاكم بعضهم وحده، لم يصح. لأنهم شركاؤه فلم يجز اختصاصه دونهم. ولو جنى عليه جناية أوجبت مالاً، أو ورث مالا تعلقت حقوقهم به. وإن أوجبت قصاصاً لم يملكوا إجباره على العفو إلى مال؛ لأن فيه ضرراً بتفويت القصاص الواجب لحكمة الإحياء، ولا يجبر على قبول هبة، ولا صدقة، ولا قرض عرض عليه، ولا المرأة على التزوج؛ لأنه فيه ضرراً بلحوق المنة، أو التزوج من غير رغبة. ولو باع بشرط الخيار، لم يجبر على ما فيه الحظ من رد، أو إمضاء؛ لأن الفلس يمنعه إحداث العقود، لا إمضاؤها وليس للغرماء الخيار؛ لأن الخيار لم يشرط لهم. وإن وهب هبة بشرط الثواب، لزم قبوله؛ لأنه عوض عن مال، فلزم
стр. 640
قبوله، كثمن المبيع. ولا يملك إسقاط ثمن مبيع ولا أجرة، ولا أخذه رديئاً، ولا قبض المسلم فيه صفته، إلا بإذن الغرماء، لما ذكرناه. وإن ادعى مالاً له به شاهد، حلف وثبت المال، وتعلقت حقوقهم به، وإن نكل لم يكن للغرماء أن يحلفوا؛ لأن دعواهم لهذا المال غير مسموعة، فلا يثبت بأيمانهم، كالأجانب، ولأنهم لو حلفوا لحلفوا على إثبات مال لغيرهم، وكذلك الحكم في غرماء الميت، إذا لم يحلف الوارث، لم يحلفوا لما ذكرنا.
فصل
والحكم الثالث: أن للحاكم بيع ماله، وقضاء دينه. ويستحب أن يحضره عند البيع؛ لأنه أعرف بثمن ماله، وجيده ورديئه، فيتكلم عليه، وهو أطيب لقلبه، ويحضر الغرماء؛ لأنه أبعد من التهمة، ربما رغب بعضهم بشراء شيء، فزاد في ثمنه، أو وجد عين ماله فأخذها، فإن لم يفعل جاز؛ لأن ذلك موكول إليه، ويقيم منادياً ينادي على المتاع. فإن عين المفلس والغرماء منادياً ثقة، أمضاه الحاكم. وإن لم يكن ثقة رده؛ لأن للحاكم نظراً، فإنه ربما ظهر غريم آخر. وإن اختلفوا في المنادي، قدم الحاكم أوثقهما وأعرفهما، فإن تطوع بالنداء ثقة، لم يستأجر؛ لأن فيه بذل الأجرة من غير حاجة، وإن عدم، بذلك الأجرة من مال المفلس؛ لأن البيع حق عليه، ويقدم على الغرماء بها؛ لأنه لو لم يعط، لم يناد. وكذلك أجرة من يحفظ المتاع والثمن، ويحمله ويباع كل شيء في سوقه؛ لأن أهل السوق أعرف بقيمة المتاع وأرغب، وطلابه فيه أكثر. فإن باعه في غيره بثمن مثله، جاز؛ لأنه ربما أداه اجتهاده إلى ذلك لمصلحة فيه، ويبدأ ببيع ما يسرع إليه الفساد؛ لأن في تأخيره هلاكه، ثم بالحيوان؛ لأنه يحتاج إلى العلف، ويخشى عليه التلف، ثم بالأثاث؛ لأنه يخشى تلفه، وتناله اليد، ثم بالعقار؛ لأنه أبعد تلفاً، وتأخيره أكثر لطالبيه، فيزداد ثمنه. ومن وجد من الغرماء عين ماله، فهو أحق بها. ومن اكترى من المفلس داراً، أو ظهراً بعينه قبل الحجر عليه، فهو أحق به؛ لأنه استحق عينه قبل إفلاسه، فأشبه ما لو اشترى منه عبداً. وإن اكترى منه ظهراً في الذمة، فهو أسوة الغرماء؛ لأن دينه في الذمة أشبه سائر الغرماء، وإن كان في المتاع رهن أو جان، قدم الراهن والمجني عليه بثمنه؛ لأن المرتهن لم يرض بمجرد الذمة، بخلاف سائر الغرماء، وحق المجني عليه يقدم على حق المرتهن، فعلى غيره أولى. وإن فضل منه فضل، رده على التركة، وإن لم يف بحقهما، فلا شيء للمجني عليه؛ لأنه لا حق له في غير الجاني، ويضرب المرتهن مع الغرماء بباقي دينه؛ لأن حقه متعلق بالذمة مع تعلقه بالعين، وإن بيع له متاع، فهلك ثمنه، أو استحق المبيع، رجع المشتري بثمنه. وهل يقدم على الغرماء؟ فيه وجهان:
стр. 641
أحدهما: يقدم؛ لأن في تقديمه مصلحة، فإنه لو لم يقدم، تجنب الناس شراء ماله خوفاً من الاستحقاق، فيقل ثمنه، فقدم به، كأجرة المنادي.
والثاني: لا يقدم؛ لأنه حق لزمه بغير رضى صاحبه، أشبه أرش جنايته، ثم يقسم ما اجتمع من ماله بين الغرماء على قدر ديونهم. فإن ظهر غريم بعد القسمة، نقضت وشاركهم؛ لأنه غريم، لو كان حاضراً لشاركهم، فإذا ظهر بعد ذلك، قاسمهم كما لو ظهر للميت غريم بعد قسم ماله. وإن أكرى داره عاماً، وقبض أجرتها فقسمت، ثم انهدمت الدار، رجع المكتري على المفلس بأجرة ما بقي وشاركهم فيما اقتسموه؛ لأنه دين وجب بسبب قبل الحجر، فشارك به الغرماء كما لو انهدمت قبل القسمة.
فصل
الحكم الرابع: أن من وجد عين ماله عنده، فهو أحق به؛ لما روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: «من وجد متاعه بعينه عند إنسان قد أفلس، فهو أحق به» متفق عليه. وله الخيار بين أخذه أو تركه، وله أسوة الغرماء، سواء كانت السلعة مساوية لثمنها، أو أقل أو أكثر؛ لأن الإعسار ثبت للفسخ فلا يوجبه كالعيب، ولا يفتقر إلى حاكم؛ للخبر، ولأنه فسخ ثبت بنص السنة، فلم يفتقر إلى حاكم، كفسخ النكاح بالعتق تحت العبد. وفيه وجهان:
أحدهما: أن الخيار على التراخي؛ لأنه رجوع لا يسقط إلى عوض، كان على التراخي كالرجوع في الهبة.
والثاني: هو على الفور. اختاره القاضي؛ لأن في تأخيره إضراراً بالغرماء، لتأخير حقوقهم، ولأنه خيار يثبت في المبيع، لنقص في العوض، أشبه الرد بالعيب، فإن حكم حاكم بسقوط الخيار، فقال أحمد ﵁: ينقض حكمه؛ لأنه يخالف صريح السنة، ويحتمل أن لا ينقض؛ لأنه مختلف فيه. ولو بذل الغرماء لصاحب السلعة ثمنها ليتركها، لم يلزمه قبول؛ للخبر، ولأنه تبرع بدفع الحق من غير من هو عليه، فلم يجبر المستحق على قبوله، كما لو أعسر بنفقة زوجته فبذلها غيره. وسواء ملكها المفلس ببيع أو قرض، لعموم الخبر. ولو أصدق امرأة مالاً، وأفلست قبل دخوله بها، ثم ارتدت أو طلقها، ووجد عين ماله فهو أحق بها. ولو استأجر شيئاً فأفلس قبل مضي شيء من المدة، فللمؤجر الرجوع فيه؛ لأنه وجد عين ماله، وإن كان بعد مضي المدة، فهو غريم بالأجرة، وإن كان بعد مضي شيء منها، فهو غريم؛ لأن المدة كالمبيع، ومضي بعضها، كتلف بعضه. وقال القاضي: له الفسخ. فإن كان للمفلس زرع فعليه تبقيته بأجرة مثله.
стр. 642
فصل
ولا يملك الرجوع إلا بشروط خمسة:
أحدها: أن يجدها سالمة. فإن تلف بعضها، أو باعه المفلس، أو وهبه، أو وقفه، فله أسوة الغرماء؛ لقوله ﵇: «من أدرك متاعه بعينه فهو أحق به» والذي تلف بعضه لم توجد عينه. فإن كان المبيع عبدين، أو ثوبين، فتلف أحدهما أو بعضه، ففي السالم منهما روايتان:
إحداهما: له الرجوع فيه بقسطه؛ لأنه وجده بعينه.
والثانية: لا يرجع؛ لأنه لم يجد المبيع بعينه، أشبه العين الواحدة. وإن كان المبيع شجرة مثمرة، فتلفت ثمرتها، فله أسوة الغرماء؛ لأنهما كالعين الواحدة، إلا أن تكون الثمرة مؤبرة حين البيع، فاشترطها المبتاع، فهما كالعينين؛ لأن الثمرة لا تتبع الأصل، فهي كالولد المنفصل. وإن نقص المبيع صفة، مثل أن هزل، أو نسي صناعة، أو كبر، أو كان ثوباً فخلق، لم يمنع الرجوع؛ لأن فقد الصفة لا يخرجه عن كونه عين المال، فيتخير بين أخذه ناقصاً، أو يكون أسوة الغرماء بكل الثمن. وإن فقئت عينه، فهو كتلف بعضه، وإن شج، أو جرح، أو افتضت البكر، فكذلك في قول أبي بكر؛ لأنه نقص جزء ينقص قيمته، فأشبه ما لو فقئت عينه. وقال القاضي: قياس المذهب أن له الرجوع؛ لأنه فقد صفة، فهو كالهزال، ثم إن كان لا أرش له لكونه حصل بفعل الله تعالى، أو فعل المفلس، فلا شيء للبائع مع الرجوع، وإن كان له أرش، فللبائع إذا رجع أن يضرب مع الغرماء بحصة ما نقص من ثمنه، فينظر ما نقص من قيمته فيرجع بقسطه من الثمن؛ لأنه مضمون على المشتري للبائع بالثمن والأرش للمفلس على الجاني.
فصل
فإن كان المبيع زيتاً، فخلطه بزيت آخر، أو لت به سويقاً، أو صبغاً فصبغ به ثوباً، أو مسامير فسمر بها باباً، أو حجراً فبنى به، أو لوحاً فجعله في سفينة، أو سقف أو نحو ذلك، لم يكن له الرجوع؛ لأنه لا يقدر على أخذ عين ماله في بعض الصور، ولا يقدر في بعضها إلا بإتلاف مال المفلس، ولا يزال الضرر بالضرر. وإن كانت حنطة، فطحنها أو زرعها، أو دقيقاً فخبزه، أو زيتاً فعمله صابوناً، أو غزلاً فنسجه، أو ثوباً فجعله قميصاً، أو حباً فصار زرعاً، أو بيضاً فصار فرخاً، أو نوى فنبت شجراً، أو نحوه مما يزيل اسمه، فلا رجوع له؛ لأنه لم يجد متاعه بعينه، لتعذر اسمه وصفته.
стр. 643
فصل
وإن اشترى ثوباً فصبغه أو قصره، أو سويقاً فلته بزيت، فلصاحبهما الرجوع فيهما؛ لأن عين مالهما قائمة مشاهدة، لم يتغير اسمها، ولا صفتها، ويصير المفلس شريكهما بما زاد عن قيمتهما؛ لأن ما حصل من زيادة القيمة بالصبغ وغيره، فهي للمفلس؛ لأنها حصلت بفعله في ملكه. وإن نقص الثوب، لم يمنع الرجوع؛ لأنه نقص صفة، فهو كالهزال. وإن لم يزد بالقصارة، سقط حكمها، لعدم أثرها في الزيادة. وإن اشترى أرضاً فزرعها، ثم أفلس، فللبائع الرجوع فيها، لما ذكرنا، ويكون الزرع مبقى إلى الحصاد بغير أجرة؛ لأن العوض في مقابلة الأرض، لا في مقابلة المنفعة فإذا فسخ، عادت إليه الرقبة دون المنفعة المستثناة شرعاً، كما لو باعه أمة فزوجها ثم رجع فيها دون منفعة بضعها.
فصل
الشرط الثاني: أن لا يكون البائع قبض من ثمنها شيئاً، فإن قبض بعضه، فلا رجوع له، لما روى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «أيما رجل باع سلعة، فأدرك سلعته بعينها عند رجل قد أفلس، ولم يكن قبض من ثمنها شيئاً، فهي له، وإن كان قد قبض من ثمنها شيئاً، فهو أسوة الغرماء» رواه أبو داود، ولأن في الرجوع بالباقي تبعيض الصفقة على المفلس، فلم يجز، كما لو لم يقبض شيئاً.
فصل
الشرط الثالث: أن لا يتعلق بها حق غير المفلس، فإن خرجت عن ملكه ببيع أو غيره، لم يرجع؛ لأنه تعلق بها حق غيره، أشبه ما لو أعتقها. وإن رهنها، سقط الرجوع لذلك، وإن تعلق بها أرش جناية، سقط الرجوع؛ لأنه يقدم على حق المرتهن، فهو أولى بالمنع، ويتوجه أن لا يمنع؛ لأنه لا يمنع تصرف المشتري بخلاف الرهن، فعلى هذا إن شاء رجع فيه ناقصه بعيب الجناية، وإن شاء فله أسوة الغرماء، فإن كان دين الرهن، أو أرش الجناية بقدر بعضه، منع الرجوع في الجميع؛ لأنه معنى منع الرجوع في بعضها، فمنعه في جميعها، كبيع بعضها. وقال القاضي: يرجع في باقيها بقسطه؛ لأنه لا مانع فيه، وإن كان المبيع شقصاً مشفوعاً، ففيه وجهان:
أحدهما: للبائع الرجوع، اختاره ابن حامد؛ للخبر، ولأنه إذا رجع فيه، عاد
стр. 644
الشقص إليه، فزال الضرر عن المبيع، لعدم شركه غير البائع.
والثاني: الشفيع أحق؛ لأن حقه آكد بدليل أنه ينزع الشقص من المشتري، وممن نقله إليه المشتري، بخلاف البائع. وإن باعه المفلس أو وهبه، ثم عاد إليه، ففيه وجهان:
أحدهما: له الرجوع للخبر، ولأنه وجد عين ماله خالياً عن حق غيره، أشبه إذا لم يبعه.
والثاني: لا يرجع؛ لأن هذا الملك لم ينتقل إليه منه، فلم يملك فسخه. وإن كان المبيع صيداً، فوجده البائع بعد أن أحرم، سقط الرجوع؛ لأنه تملك للصيد، فلم يجز مع الإحرام كشرائه.
فصل
الشرط الرابع: كون المفلس حياً، فإن مات فالبائع أسوة الغرماء، لما روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: فإن مات فصاحب المتاع أسوى الغرماء رواه أبو داود. وفي لفظ: «أيما امرئ مات وعنده مال امرئ بعينه، اقتضى من ثمنه شيئاً، أو لم يقتض فهو أسوة الغرماء» رواه ابن ماجه. ولأن الملك انتقل عن المفلس، فسقط الرجوع فيه كما لو باعه.
فصل
الشرط الخامس: أن لا يزيد زيادة متصلة، كالسمن والكبر، وتعلم صنعة، فإن وجد ذلك، منع الرجوع، ذكره الخرقي؛ لأنه فسخ بسبب حادث، فمنعته الزيادة المتصلة، كالرجوع في الصداق للطلاق قبل الدخول. وعن أحمد ﵁: له الرجوع للخبر، ولأنه فسخ فلم تمنعه الزيادة، كالرد بالعيب. فأما الزيادة المنفصلة، كالولد والثمرة الظاهرة والكسب، فلا يمنع الرجوع؛ لأنه يمكن الرجوع في العين دونها، والزيادة للمفلس في ظاهر المذهب؛ لأنها نماء ملكه المنفصل، فكانت له، كما لو ردها بعيب، ورجعت إلى الزوج بالطلاق، ولأن قول النبي ﷺ : «الخراج بالضمان» رواه أبو داود. يدل على أن النماء للمشتري، لكون الضمان عليه. وقال أبو بكر: هي للبائع قياساً على المتصلة، والفرق ظاهر؛ لأن المتصلة تتبع في الفسوخ دون المنفصلة.
فصل
فإن باعها حائلاً فحملت، فالحمل زيادة متصلة؛ لأنه يتبع أمه في العقود والفسوخ، ولا يمكن الرجوع فيها دونه، فهو كالسمن، ويحتمل أن يرجع فيها دون
стр. 645
ولدها، يتربص به حتى تضع؛ لأنه جزء لانفصاله غاية، فأشبه الثمرة. وإن أفلس بعد وضعها، فهو زيادة منفصلة، له الرجوع في الأم دون الولد، إلا أن تكون أمة، فلا يجوز التفريق بينهما، ويخير بين دفع قيمة الولد ليملكهما، وبين بيعهما معاً، فيكون له من الثمن ما يخص الأم. وإن باعها حاملاً، فلم تزد قيمتها، فله الرجوع، وإن زادت القيمة لكبر الحمل أو وضعه، فهي زيادة متصلة. وإن زاد أحدهما خرج على الروايتين فيما إذا كان المبيع عينين، فتلفت إحداهما. وقال القاضي: له الرجوع فيهما على كل حال. ومن جعل الحمل لا حكم له، جعل حكمها حكم المبيعة حائلاً سواء.
فصل
فإن باع نخلاً حائلاً فأطلعت، ثم أفلس المشتري قبل تأبيرها، فالطلع زيادة متصلة؛ لأنها تتبع في البيع. وقال ابن حامد: حكمها حكم المنفصل؛ لأنه يمكن فصله، وإفراده بالبيع بخلاف السمن، وإن أفلس بعد تأبيرها، فهي زيادة منفصلة، تكون للمفلس متروكة إلى الجذاذ، كما لو اشترى النخل، وكذلك الحكم في سائر الشجر، وفي الأرض ينبت فيها الزرع، فإن اتفق المفلس والغرماء على تبقيته أو قطعه، فلهم ذلك، وإن اختلفوا، وله قيمته مقطوعاً، قدم قول من طلب القطع؛ لأنه أقل عذراً، ولأن الطالب للقطع، إما غريم يطلب حقه، أو مفلس يطلب تبرئة ذمته، فإن أقر المفلس للبائع بالطلع، لم يقبل إقراره؛ لأنه يسقط به حق الغرماء، فلم يقبل كإقراره بغريم آخر، وعلى الغرماء اليمين؛ لأنهم لا يعلمون برجوع البائع قبل التأبير؛ لأن اليمين تثبت في جنبهم ابتداء. وإن أقر الغرماء، لم يقبل؛ لأن الملك للمفلس، ويحلف المفلس، ويثبت الطلع له، ينفرد به دونهم، لإقرارهم أنه لا حق لهم فيه، وله تخصيص بعضهم به، وقسمته بينهم، فمن أباه قيل له: إما أن تأخذه أو تبرئه؛ لأنه للمفلس حكماً، فقد قضاهم ما ثبت له، فلزمهم، قبوله، كما لو أدى المكاتب نجومه، فادعى سيده تحريمه. فإن قبضوا الثمرة بعينها، لزمهم ردها إلى البائع لإقرارهم له بها، وإن قبضوا ثمنها، لم يلزمهم رده؛ لأنهم إنما اعترفوا له بالعين له بالثمن. وإن شهد الغرماء للبائع بالطلع، وهم عدول، قبلت شهادتهم لأنهم غير متهمين.
فصل
وإن اشترى أرضاً فغرسها، أو بنى فيها، ثم أفلس، فللبائع الرجوع في الأرض، ثم إن طلب المفلس والغرماء، قلع الغراس والبناء، فلهم ذلك، وعليهم ضمان ما نقصها القلع وتسوية الحفر؛ لأنه نقص حصل بفعلهم، لتخليص ملكهم، فأشبه المشتري مع الشفيع. وإن أبوا القلع، فللبائع دفع قيمته ويملكه؛ لأنه حصل لغيره في ملكه بحق، فملك ذلك، كالشفيع، فإن أبى ذلك سقط الرجوع؛ لأن فيه ضرراً على المشتري، ولأن
стр. 646
عين ماله مشغولة بملك غيره، أشبه الحجر المبني عليه، هذا قول ابن حامد.
وقال القاضي: يحتمل أن له الرجوع؛ لأن شغل ملكه بملك غيره لا يمنع الرجوع إذا كان أصلاً، كالثوب إذا صبغ، فإذا رجع، فاتفق الجميع على البيع، بيع، وأعطي كل واحد حقه، وإن أبى بعضهم احتمل أن يجبر عليه؛ لأنه معنى ينفصل به أحدهما عن صاحبه، أشبه بيع الثوب المصبوغ، واحتمل أن لا يجبر صاحب الأرض، ويباع الشجر وحده؛ لأنه ممكن بخلاف الصبغ.
فصل
وإن اشترى غراساً فغرسه، ثم أفلس فلم يزد، فللبائع الرجوع فيه، ويقلعه، ويضمن النقص، فإن أتى قلعه فبذل المفلس والغرماء قيمته ليملكوه، فلهم ذلك كالتي قبلها، وإن أرادوا قلعه، فلهم ذلك، ولا ضمان عليهم؛ لأن المفلس اشتراه مقلوعاً، فلم يلزمهم مع رده لذلك شيء آخر، ولا إبقاءه في أرضهم بغير استحقاق. وإن زاد سقط الرجوع في قول الخرقي، وعلى رواية الميموني يحتمل ذلك أيضاً؛ لأن النماء فيه قد حصل من أرض المفلس، فلم يملك البائع أخذه، ويحتمل أن له الرجوع، كما لو سمن العبد من طعامه. وإن اشترى من رجل أرضاً، ومن آخر غرساً، فغرسه فيها، فلصاحب الأرض الرجوع، وفي صاحب الغرس التفصيل الذي ذكرناه، فإن رجعا معاً، فالحكم فيهما، كما لو كان الغرس في أرض المفلس.
فصل
وإن أفلس، وعليه دين مؤجل لم يحل؛ لأنه التأجيل حق له، فلم يبطل بفلسه، كسائر حقوقه، قال القاضي: لا يحل رواية واحدة. وقال أبو الخطاب: فيه رواية أخرى أنه يحل؛ لأن الفلس معنى يوجب تعلق الدين بماله، فأسقط الأجل كالموت، فإن قلنا: لا يحل اختص أصحاب الديون الحالة بماله دونه؛ لأنه لا يستحق استيفاء حقه قبل أجله، وإن حل دينه قبل القسمة، شاركهم لمساواته إياهم في استيفائه، فأشبه من تجدد له دين بجناية المفلس عليه، وإن أدرك بعض المال، شاركهم فيه لذلك، فإن كان المؤجل برهن خص به؛ لأن حقه تعلق بعينه، فإن وجد عين ماله، فقال أحمد: يكون موقوفاً إلى أن يحل فيختار الفسخ أو الترك؛ لأن حقه تعلق بالعين، فقدم على غيره كالمرتهن، فإن كان ماله سلماً، فأدرك عين ماله، رجع فيها، وإن لم يدركها، وحل دينه قبل القسمة، ضرب بالمسلم فيه، وأخذ بقسطه من جنس حقه إن كان في المال وإلا اشترى به من جنس حقه، ودفع إليه، ولا يجوز أن يأخذ غير ما أسلم فيه؛ لقول النبي ﷺ : «من أسلم في شيء فلا يصرفه إلى غيره» رواه ابن ماجه وأبو داود.
стр. 647
فصل
فإن مات إنسان، وعليه دين مؤجل، ففيه روايتان:
إحداهما: لا يحل، اختارها الخرقي، لقول النبي ﷺ : «من ترك حقاً فلورثته» والتأجيل حق له. فينتقل إلى ورثته؛ لأنه لا يحل به ماله، فلا يحل ما عليه كالجنون.
والثاني: يحل؛ لأن بقاءه ضرر على الميت لبقاء ذمته مرتهنة به، وعلى الوارث لمنعه التصرف في التركة، وعلى الغريم تأخير حقه، وربما تلفت التركة، وعلى كلتا الروايتين يتعلق الحق بالتركة، كتعلق الأرش بالجاني، ويمنع الوارث التصرف فيها إلا برضى الغريم، أو توثيق الحق بضمين مليء، أو رهن يفيء بالحق إن كان مؤجلاً، فإنهم قد يكونون أملياء، فيؤدي تصرفهم إلى فوات الحق، فإن تصرفوا قبل ذلك، صح تصرفهم كتصرف السيد في الجاني، ويلزمهم أقل الأمرين من قضاء الدين، أو قيمة التركة؛ لأنه لا يلزمهم أكثر من وفاء الدين، ولا أكثر من التركة، ولهذا لو كانت باقية، لم يلزمهم أكثر من تسليمها. وإن تلفت التركة قبل التصرف فيها والتوثيق منها، سقط الحق كما لو تلف الجاني. وإن قضى الورثة الدين من غير التركة أو منها، جاز. وإن أبى الجميع، باع الحاكم من التركة ما يقضي به الدين. وإن مات المفلس وعليه دين مؤجل، فوثق الورثة للمؤجل، اختص أصحاب الحالة بالتركة، وإن أبوا ذلك، حل دينه فشاركهم، لئلا يفضي إلى إسقاط دينه بالكية.
فصل
وإذا حجر على المفلس، وهو ذو كسب يفيء بمؤنته ومؤنة من تلزمه مؤنته، فلذلك في كسبه؛ لأن ماله لا يخرج فيما لا حاجة إلى إخراجه فيه. وإن لم يف كسبه بمؤنته، كملناها من ماله. وإن لم يكن ذا كسب، أنفق عليه وعلى من تلزمه مؤنته من ماله بالمعروف في مدة الحجر؛ لقول النبي ﷺ : «ابدأ بنفسك ثم بمن تعول» وفيمن يعوله من تكون نفقته ديناً، كالزوجة. وإذا قدم نفقة نفسه على نفقة الزوجة، وجب تقديمها على سائر الديون، ولأن تجهيز الميت يقدم على دينه اتفاقاً، فنفقة الحي أولى؛ لأن حرمته آكد من حرمة الميت. ويقدم نفقة من تلزمه مؤنته من أقاربه؛ لأنهم جروا مجراه، وكذلك عتقوا عليه إذا ملكهم. وكذلك نفقة زوجته؛ لأنها آكد من نفقة أقاربه، وتجب كسوتهم أيضاً؛ لأن ذلك مما لا بد منه، ويكون ذلك من أدنى ما ينفق على مثلهم، أو
стр. 648
يكتسي مثلهم، فإن كانت له ثياب هي أرفع من كسوة مثله، بيعت واشتري لهم كسوة مثلهم، ورد الفضل على الغرماء. وإن مات منهم ميت، كفن من ماله؛ لأنه يجري مجرى كسوة الحي، ويكفن في ثلاثة أثواب كغيره، ويحتمل أن يكفن في ثوب واحد؛ لأن الزائد فضل يستغنى عنه. ولا تباع داره التي لا غناء له عن سكناها؛ لأنه لا بد منه أشبه الكسوة، فإن كانت واسعة، يكفيه بعضها بيع الفاضل منها إن أمكن وإلا بيعت كلها، واشتري له مسكن مثله، وإن لم يكن له مسكن، استؤجر له مسكن؛ لأن ذلك مما لا بد منه. ورد الفضل على الغرماء ولا يباع خادمه الذي لا يستغني عن خدمته. وإن كان مسكنه وخادمه وثيابه أعيان أموال الناس، أفلس بها ووجدوها، فلهم أخذها؛ للخبر، ولأن حقوقهم تعلقت بالعين، فكانت أقوى من غيرها. ويحتمل أن من لم يكن له مسكن، ولا خادم، فاستدان ما اشتراهما به، وأفلس بذلك الدين أن يباع مسكنه وخادمه؛ لأنهما بأموال الغرماء، فتبقيتهما له إضرار بهم، وفتح باب الحيلة للمفاليس في استدانة ما يشترون به ذلك فيبقى لهم.
فصل
وإذا قسم ماله بين غرمائه، ففيه وجهان:
أحدهما: يزول الحجر عنه؛ لأن المعنى الذي حجر عليه من أجله حفظ المال، وقد زال ذلك، فيزول الحجر، لزوال سببه.
والثاني: لا يزول إلا بفك الحاكم له؛ لأنه حجر ثبت بالحاكم فلا يزول إلا به، كالحجر على السفيه. وإذا فك الحجر عنه فلزمته ديون ثم حجر عليه ثانياً، شارك غرماء الحجر الأول غرماء الحجر الثاني، إلا أن الأولين يضربون ببقية ديونهم، والآخرون يضربون بجميع ديونهم.
[باب الحجر]
يحجر على الإنسان لحق نفسه لثلاثة أمور: صغر، وجنون، وسفه؛ لقول الله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦] .
стр. 649
فدل على أن لا تسلم إليهم قبل الرشد، وقوله: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء: ٥] . ولأن إطلاقهم في التصرف يفضي إلى ضياع أموالهم، وفيه ضرر عليهم. ويتولى الأب مال الصبي والمجنون؛ لأنها ولاية على الصغير، فقدم فيها الأب، كولاية النكاح. ثم وصيه بعده؛ لأنه نائبه. فأشبه وكيله في الحياة، ثم الحاكم؛ لأن الولاية من جهة القرابة قد سقطت، فثبت للسلطان، كولاية النكاح. ولا تثبت لغيرهم؛ لأن المال محل الخيانة، ومن سواهم قاصر الشفقة، غير مأمون على المال، فلم يله كالأجنبي. ومن شرط ثبوت الولاية العدالة بلا خلاف؛ لأن في تفويضها إلى الفاسق تضييعاً لماله، فلم يجز، كتفويضها إلى سفيه.
[تصرفات الولي في مال المحجور عليه]
فصل
وليس لوليه التصرف في ماله بما لا حظ له فيه، كالعتق والهبة والتبرعات والمحاباة، لقول الله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢] وقوله ﵇: «لا ضرر ولا ضرار» من المسند. وفي هذه إضرار، فلا يملكه ولا يأكل من ماله إن كان غنياً؛ لقوله سبحانه: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ [النساء: ٦] . ومن كان فقيراً جاز لقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦] وليس له إلا أقل الأمرين من أجرته، أو قدر كفايته؛ لأنه لا يستحقه بالعمل والحاجة معاً، فلم يملك إلا ما وجدا فيه. ثم إن كان أباً، فلا شيء عليه؛ لأن له أن يأخذ من مال ولده، وإن كان غيره ففيه روايتان:
إحداهما: يضمن عوض ما أكله إذا أيسر؛ لأنه استباحة للحاجة، فلزمه عوضه كالمضطر.
والثانية: لا شيء عليه؛ لأن الله تعالى أمر بالأكل ولم يذكر عوضاً، ولأنه أجيز له الأكل بحق الولاية، فلم يضمنه، كرزق الإمام من بيت المال. وإذا كان خلط مال اليتيم بماله أرفق له، مثل أن يكون ألين في الخبز، وأمكن في الأدم، خلطه. وإن كان إفراده خيراً له أفرده؛ لقول الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠] .
стр. 650
فصل
وله أن يتجر بماله؛ لما روي أن النبي ﷺ قال: «من ولي يتيماً فليتجر بماله، ولا يتركه حتى تأكله الصدقة» رواه الترمذي. ولأنه أحظ لليتيم؛ لتكون نفقته من ربحه، كما يفعل البالغ في ماله، ولا يتجر إلا في المواضع الآمنة. لئلا يغرر بماله، والربح كله لليتيم؛ لأن المضارب إنما يستحق بعقد، وليس له أن يعقد مع نفسه لنفسه. فإن أعطاه لمن يضارب له به، جاز؛ لأن العلاء بن عبد الرحمن روى عن أبيه عن جده: أن عمر بن الخطاب أعطاه مال يتيم مضاربة. ولأن ذلك يفعله الإنسان في مال نفسه طلباً للحظ، وللمضارب من الربح ما وافقه الولي عليه؛ لأن الولي نائبه فيما فيه مصلحته، وهذا من مصلحته، فجاز كفعله له في ماله.
فصل
ويجوز أن يشتري له العقار؛ لأن الحظ فيه يحصل منه الفضل ويبقى الأصل، فهو أحظ من التجارة، وأقل غرراً، وله أن يبنيه؛ لأنه في معنى الشراء، قال أصحابنا: ويبنيه بالآجر والطين، ليسلم الآجر عند انهدامه. والصحيح أنه يبنيه بما جرت عادة أهل بلده؛ لأنه أحظ وأقل ضرراً. ولا يجوز تحمل ضرر عاجل، لتوهم نفع عند الهدم فالظاهر أنه لا ينهدم إلا بعد زوال ملكه عنه. ولا يجوز بيع عقاره لغير حاجة، لما فيه من تفويت الحظ الحاصل به، ويجوز للحاجة. قال أصحابنا: لا يجوز إلا لحاجة إلى نفقة، أو قضاء دين، أو غبطة لزيادة كثيرة في ثمنه، كالثلث فما فوقه، والمنصوص: أن للوصي بيعه إذا كان نظراً لهم من غير تقييد بهذين. وقد يكون الحظ في بيعه لغير هذا، لكونه في مكان لا غلة له، أو له غلة يسيرة، فيبيعه ويشتري بثمنه ما يكثر عليه، أو يكون له عقاران، يعمر أحدهما بثمن الآخر، فلا وجه لتقييده بهذين.
فصل
ولا يجوز أن يودع ماله إلا لحاجة، ولا يقرضه إلا لحظه، مثل أن يخاف هلاكه، أو نقصانه ببقائه، فيقرضه ليستوفيه كاملاً، لا يقرضه إلا لمليء يأمن جحده، أو مطله. ويأخذ بالعوض رهنا استيثاقاً له، وإن لم يأخذ، جاز في ظاهر كلامه، وإن أراد الولي السفر لم يكن له المسافرة بماله؛ لأنه يخاطر به، لكنه يقرضه، أو يودعه أميناً، والقرض أولى؛ لأنه مضمون بخلاف الوديعة.
فصل
وله كتابة رقيقه وعتقه على مال، للحظ فيه، مثل أن يكاتبه، أو يعتقه بمثلي قيمته؛ لأنها معاوضة فتجوز للحظ فيها كالبيع، ولا يجوز ذلك بمثل قيمته؛ لأنه لا حظ
стр. 651
فيه. قال أبو بكر: يتوجه جواز العتق بغير عوض للحظ، مثل أن يكون له جارية وابنتها تساويان مائة؛ لأجل اجتماعهما، وتساوي إحداهما مفردة مائتين، فتساوي قيمة الباقية مثلي قيمتها مجتمعتين.
فصل
وينفق عليه نفقة مثله بالمعروف من غير إسراف ولا إقتار؛ لقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ [الفرقان: ٦٧] . ويقعده في المكتب بغير إذن الحاكم، ويؤدي أجرته؛ لأن من مصالحه العامة فجرى مجرى نفقته. ويشتري له الأضحية إن كان موسراً؛ لأن فيه توسعة للنفقة عليه في يوم جرت فيه العادة بها، وتطييباً لقلبه، فجرى مجرى رفيع الثياب لمن عادته ذلك.
فصل
وللأب بيع ماله بماله؛ لأنه غير متهم عليه، لكمال شفقته، وليس ذلك للوصي ولا للحاكم؛ لأنهما متهمان في طلب الحظ لأنفسهما، فلم يجز ذلك لهما.
[فصل في اختلاف الولي والحجور عليه]
فصل
وإذا زال الحجر عنه فادعى وليه الإنفاق عليه، أو تلف ماله، فالقول قوله؛ لأنه أمين عليه، فقبل قوله، كالمودع. وإن ادعى أنه لا حظ له في بيع عقار لم يقبل إلا ببينة. وإن قال الولي: أنفقت عليك عامين، فقال: ما مات أبي إلا منذ عام، فالقول قول الغلام؛ لأن الأصل حياة أبيه، وقد اختلفا فيما ليس الوصي أميناً فيه، فكان القول قول مدعي الأصل.
[فصل فيما ينفك به الحجر]
فصل
وإن بلغ الصبي، وعقل المجنون، ورشد، انفك الحجر عنهما من غير حاكم، ولا يفك قبل ذلك، لقول الله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦] . وقسنا عليهم المجنون؛ لأنه في معناهم. والبلوغ للغلام بأحد ثلاثة أشياء:
أحدها: إنزال المني، لقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ [النور: ٥٩] . وقول النبي ﷺ : «رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى
стр. 652
يحتلم» . رواه أبو داود.
والثاني: كمال خمسة عشر سنة؛ لما روى «ابن عمر قال: عرضت على النبي ﷺ وأنا ابن أربع عشرة سنة، فلم يجزني في القتال، وعرضت عليه وأنا ابن خمسة عشر فأجازني» متفق عليه.
والثالث: إنبات الشعر الخشن حول القبل؛ لما روى «عطية القرظي. قال: عرضت على رسول الله ﷺ يوم قريظة، فشكوا في فأمر رسول الله ﷺ أن ينظر إلي هل أنبت؟ فنظروا فلم يجدوني أنبت، فخلوا عني وألحقوني بالذرية.» رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي وقال: حسن صحيح. ولأنه خارج يلازمه البلوغ غالبا يستوي فيه الذكر والأنثى، فكان بلوغاً كالاحتلام، وبلوغ الجارية بهذه الثلاث. وتزيد بشيئين: الحيض؛ لقول رسول الله ﷺ : «لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار.» رواه الترمذي. وقال: حديث حسن، ولأنه خارج يلازم البلوغ غالباً، أشبه المني. والثاني: الحمل؛ لأنه لا يكون إلا من المني. فإذا ولدت المرأة، حكمنا ببلوغها حين حكمنا بحملها. فإن كان خنثى مشكل، فحيضه علم على بلوغه، وكونه امرأة، وخروج المني من ذكره، علم على بلوغه، وكونه رجلاً؛ لأن الحيض من الرجل ومني الرجل من المرأة مستحيل، أو نادر. وقال القاضي: ليس ذلك بدليل، لجواز أن يكون من خلقة زائدة، لكن إن اجتمعا، فقد بلغ؛ لأنه إن كان رجلاً فقد أمنى، وإن كانت امرأة فقد حاضت.
فصل
ويستوي الذكر والأنثى في أنه ينفك عنه الحجر برشده وبلوغه، للآية؛ ولأن المرأة أحد نوعي الآدميين، فأشبهت الرجل. وعنه: لا يدفع إليها مالها حتى تلد، أو تتزوج ويمضي عليها حول في بيت الزوج؛ لأن ذلك يروى عن عمر ﵁، فإن لم تتزوج، فقال القاضي: عندي أن يدفع إليها مالها إذا عنست، وبرزت للرجال.
[فصل في تعريف الرشد وما يعرف به]
فصل
والرشد: الصلاح في المال؛ لأن ابن عباس قال في قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ [النساء: ٦]
стр. 653
قال: إصلاحاً في أموالهم، ولأن الحجر عليه، لحفظ ماله، فيزول بصلاحه، كالعدل. ولأن الفسق معنى، لو طرأ بعد الرشد، لم يوجب الحجر، فلم يمنع من الرشد، كالمرض. فإن كان فسقه يؤثر في تلف ماله، كشراء الخمر ودفعها في الغناء والقمار، فليس برشيد؛ لأنه مفسد لماله.
فصل
وإنما يعرف رشده باختباره؛ لقول الله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ [النساء: ٦] . يعني: اختبروهم. واختبارهم: تفويض التصرفات التي يتصرف فيها أمثالهم إليهم، من تجارة أو نيابة. ويفوض إلى المرأة ما يفوض إلى ربة البيت، من استئجار الغزالات، وتوكيلها في شراء الكتان، والاستيفاء عليهن. ووقت الاختيار قبل البلوغ في ظاهر المذهب؛ لقوله سبحانه: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ [النساء: ٦] . ولأن تأخيره يؤدي إلى الحجر على البالغ الرشيد حتى يختبره، ولا يختبر إلا المراهق المميز الذي يعرف البيع والشراء، فإذا تصرف بإذن وليه، صح تصرفه؛ لأنه متصرف بأمر الله تعالى، فصح تصرفه كالرشيد. وفيه رواية أخرى لا يختبر إلا بعد البلوغ؛ لأنه قبله ليس بأهل للتصرف؛ لأنه لم يوجد البلوغ الذي هو مظنة العقل، فكان عقله بمنزلة المعدوم. وفي تصرف الصبي المميزة بإذن وليه روايتان. بناء على هذا. فأما غير المأذون، فلا يصح تصرفه إلا في الشيء اليسير؛ لأن أبا الدرداء اشترى من صبي عصفوراً فأرسله.
فصل
ومن لم يؤنس منه رشد، لم يدفع إليه ماله، ولم ينفك الحجر عنه، وإن صار شيخاً، للآية. ولأنه غير مصلح لماله، فلم يدفع إليه، كالمجنون. وإن فك الحجر عنه فعاود السفه، أعيد عله الحجر؛ لما روى عروة بن الزبير: أن عبد الله بن جعفر ابتاع بيعاً، فأتى الزبير فقال: إني قد ابتعت بيعاً، وإن علياً يريد أن يأتي أمير المؤمنين عثمان فيسأله الحجر علي، فقال الزبير: أنا شريكك في البيع، فأتى علي عثمان فقال: إن ابن جعفر قد ابتاع بيع كذا فاحجر عليه، فقال الزبير: أنا شريكه، فقال عثمان: كيف أحجر على رجل شريكه الزبير؟ وهذه قصة يشتهر مثلها، ولم تنكر فتكون إجماعاً. ولأن السفه يقتضي الحجر لو قارن، فيقتضيه إذا طرأ، كالجنون. ولا يحجر عليه إلا الإمام، أو
стр. 654
نائبه؛ لأن علياً سأل عثمان الحجر على ابن جعفر، ولم يفعله بنفسه. ولأن معرفة التبذير تحتاج إلى نظر؛ لأن الغبن قد يكون تبذيراً، وقد يكون غير تبذير، فيحتاج إلى نائب الإمام، كالحجر للفلس، ولأنه مختلف فيه، أشبه الحجر للفلس، ولا يلي عليه إلا الإمام، أو نائبه؛ لأنه حجر ثبت به، فكان هو الولي، كحجر المفلس.
فصل
ويستحب الإشهاد عليه والجهار بالحجر، لتجتنب معاملته. فمن عامله ببيع، أو قرض، لم يصح، ولم يثبت به الملك. فإن وجد المعامل له مالاً، أخذه. وإن أتلفه السفيه، فهو من ضمان مالكه، علم أو لم يعلم؛ لأنه سلطه عليه برضاه. وإن غصب مالاً أو أتلفه، ضمنه؛ لأن صاحبه لم يرض ذلك، ولأن الحجر على الصبي والمجنون لا يسقط عنهما ضمان المتلف، فهذا أولى. وإن أودع مالاً فتلف، لم يضمنه، سواء فرط في الحفظ أو لم يفرط؛ لأنه تلف بتفريط صاحبه بتسليمه إليه. وإن أتلفه، ففيه وجهان:
أحدهما: يضمنه؛ لأن صاحبه لم يرض إتلافه، أشبه المغصوب.
والثاني: لا يضمنه؛ لأن صاحبه فرط في التسليم إليه. وإن أقر بمال، لم يلزمه حال حجره؛ لأنه حجر عليه لحظه، فلم يقبل إقراره بالمال، كالصبي والمجنون. ولأن قبول إقراره يبطل معنى الحجر؛ لأنه يداين الناس، ويقر لهم. قال أصحابنا: ويلزمه ما أقر به بعد فك الحجر عنه، كالمفلس. وفيه نظر؛ لأن الحجر عليه لعدم رشده، فهو كالصبي. ولأن ثبوت إقراره في ذمته لا يفيد الحجر معه إلا تأخير الضرر إلى أكمل حالتيه إلا أن يريدوا أن يلزمه فيما بينه وبين الله تعالى: فإن ما كان ثابتاً في ذمته لا يسقط بالحجر عليه. وإن أقر بحد أو قصاص، لزمه؛ لأنه محجور عليه في ماله لا في نفسه. فإن عفا ولي القصاص إلى ماله، ففيه وجهان:
أحدهما: له ذلك؛ لأن من ثبت له القصاص ثبتت له الخبرة. كما لو ثبت ببينة.
والثاني: لا يصح، لئلا يواطئ من يقر له بالقصاص، ليعفو على مال يأخذه. وإن أقر بنسب قبل؛ لأنه ليس بمال، وينفق على الغلام من بيت المال؛ لأن إقرار السفيه بما يوجب المال غير مقبول. وإن طلق امرأته، صح؛ لأن الحجر يحفظ المال، والطلاق يوفره ولا يضيعه. فإن خالع، جاز؛ لأنه إذا جاز الطلاق بغير مال فبالمال أولى ولا تدفع المرأة إليه المال، فإن فعلت، لم يصح القبض، ولم تبرأ منه إلا بالدفع إلى وليه. وإن تلف، كان من ضمانها.
стр. 655
[فصل في تصرفات المحجور عليه]
فصل
وإن أذن له في النكاح، صح منه؛ لأن حاجته تدعوه إلى ذلك. وليس بآلة للتبذير. وقال القاضي: يصح من غير إذن الولي؛ لما ذكرنا. وإن أذن له في البيع، ففيه وجهان:
أحدهما: يصح منه؛ لأنه عقد معاوضة فصح منه بالإذن. كالنكاح.
والثاني: لا يصح؛ لأن المقصود منه المال وهو محجور عليه فيه. ولأن الحجر عليه لتبذيره، فالإذن له إذن فيما لا مصلحة فيه. وإن حلف، انعقدت يمينه؛ لأنه مكلف. ويكفر بالصوم؛ لأنه ممنوع من التصرف في المال فأشبه العبد. وإن أحرم بالحج، صح. لأنه من أهل العبادات، فإن كان فرضاً، لزمه إتمامه ويجب الإنفاق عليه إلى أن يفرغ منه؛ لأنه مال يحتاج إليه لأداء الفرض فوجب. وإن كان تطوعاً لا تزيد نفقته على نفقة الإقامة، أو تزيد وله كسب، إذا أضافه إليه، أمكنه الحج، لزمه إتمامه. وإن لم يكن كذلك، ففيه وجهان:
أحدهما: على الولي تحليله؛ لأن في إتمامه تضييعاً للمال فيما لا يلزمه.
والثاني: ليس له تحليله، بناء على إحرام العبد بغير إذن سيده، ويتحلل بالصوم كالعبد.
فصل
وإن وجب له القصاص، فله استيفاؤه؛ لأن القصد التشفي ودرك الثأر، وله العفو على مال؛ لأنه تحصيل. فإن عفا إلى غير مال، وقلنا: الواجب القصاص عيناً، سقط إلى غير شيء. وإن قلنا: الواجب أحد شيئين، وجبت الدية؛ لأنه ليس له إسقاط المال.
فصل
ولا ينفذ عتقه؛ لأنه إتلاف لماله. وحكي عنه: أنه يصح؛ لأنه مكلف مالك، أشبه الراهن. ويصح تدبيره ووصيته؛ لأنه محض مصلحة، لتقربه به إلى الله تعالى عند غناه عن المال. وإن نذر عبادة بدنية انعقد نذره؛ لأنه لا حجر عليه في بدنه. وإن نذر صدقة مال، لم يصح، ويكفر عن نذره بالصيام. وقياس قول أصحابنا: أنه يلزمه الوفاء به عند فك حجره كالإقرار.
فصل
وهل للمرأة الرشيدة التبرع من مالها بغير إذن زوجها؟ فيه روايتان:
إحداهما: لها ذلك لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦] .
стр. 656
وقول النبي ﷺ : «يا معشر النساء تصدقن ولو من حليكن» وقبوله لصدقتهن حين تصدقن، ولأن من وجب دفع ماله إليه لرشده، نفذ تصرف فيه بغير إذن غيره كالرجل. وعنه: لا تهب شيئاً إلا بإذن زوجها، ولا ينفذ عتقها؛ لما روى عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ قال: «لا يجوز لامرأة عطية إلا بإذن زوجها» . رواه أبو داود، وكلام أحمد ﵁ عام في القليل والكثير. وقال أصحابنا: لها التبرع بالثلث فما دون، وما زاد فعلى روايتين.
فصل
وهل لها الصدقة من ماله بالشيء اليسير بغير إذنه؟ فيه روايتان:
إحداهما: لها ذلك؛ لأن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : «ما أنفقت المرأة من بيت زوجها غير مفسدة كان لها أجرها، وله مثله بما كسب، ولها بما أنفقت، وللخازن مثل ذلك من غير أن ينتقص من أجورهم شيء» وعن «أسماء أنها قالت: يا رسول الله، ليس لي شيء إلا ما أدخل علي الزبير، فهل علي جناح أن أرضخ مما أدخل علي؟ قال: ارضخي ما استطعت، ولا توعي، فيوعي الله عليك» متفق عليهما.
ولأن العادة السماح بذلك، فجرى مجرى صريح الإذن.
والثانية: لا يجوز؛ لما روى أبو أمامة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تنفق المرأة شيئاً من بيتها إلا بإذن زوجها، قيل: يا رسول الله، ولا الطعام، قال: ذلك أفضل أموالنا» رواه سعيد والترمذي. ولأنه تبرع بمال غيرها، فلم يجز، كالصدقة بثيابه والله تعالى أعلم.
стр. 657
[كتاب الصلح]
وهو ضربان:
أحدهما: الصلح في الأموال وذلك نوعان:
أحدهما: الصلح على الإنكار. مثل أن يدعي على إنسان عيناً في يده، أو ديناً في ذمته، لمعاملة أو جناية، أو إتلاف أو غصب، أو تفريط في وديعة، أو مضاربة ونحو ذلك، فينكره ثم يصالحه بمال، فإنه يصح إذا كان المنكر معتقداً بطلان الدعوى، فيدفع المال افتداءً ليمينه، ودفعاً للخصومة عن نفسه. والمدعي يعتقد صحتها، فيأخذه عوضاً عن حقه الثابت له؛ لأنه يصح مع الأجنبي، فيصح بين الخصمين، كالصلح في الإقرار ويكون بيعاً في حق المدعي؛ لأنه يأخذ المال عوضاً عن حقه. فيلزمه حكم إقراره، حتى لو كان العوض شقصاً، وجب الشفعة. وإن وجد به عيباً، فله رده ويكون إبراء في حق المنكر، لاعتقاده أن ملكه للمدعى لم يتجدد بالصلح، وأنه إنما دفع المال افتداء لنفسه لا عوضاً، فلو كان المدعى شقصاً، لم تجب فيه شفعة. ولو وجد به عيباً، لم يملك رده، كمن اشترى عبداً قد أقر بحريته، فإن كان أحدهما يعلم كذب نفسه فالصلح باطل في الباطن، وما يأخذه بالصلح حرام؛ لأنه يأكل مال أخيه بباطله، ويستخرجه منه بشره، وهو في الظاهر صحيح؛ لأن ظاهر حال المسلمين الصحة والحق، فإن صالح عن المنكر أجنبي، صح. فإن كان بإذنه، فهو وكيله وقائم مقامه. وإن كان بغير إذنه، فهو افتداء له، وإبراء لذمته من الدين أو الدعوى، وذلك جائز بغير إذنه، بدليل أن أبا قتادة قضى دين الميت. ولا إذن له. لكن إن كان بغير إذنه لم يرجع
стр. 658
عليه؛ لأن الدين لم يثبت عليه، ولأنه أدى عنه ما يلزمه أداؤه، فكان متبرعاً، وإن كان بإذنه، رجع عليه. لأنه وكيله.
وإن صالح الأجنبي عن نفسه ليصير الحق له من غير اعتراف للمدعي بصحة الدعوى، لم يصح؛ لأنه يشتري ملك غيره. وإن اعترف بصحة دعواه، والمدعى دين، لم يصح؛ لأن بيع الدين لا يصح مع الإقرار، فمع الإنكار أولى. وإن كان عيناً لا يقدر المصالح على تخليصها، لم يصح؛ لأن بيعها لا يصح مع الإقرار، فمع الإنكار أولى. وإن كان يقدر على استنقاذها، صح؛ لأنه اشترى منه ماله الممكن تسلمه، فصح كما قلنا في بيع المغصوب. ثم إن قدر على انتزاعها، استقر الصلح، وإن عجز، فله الفسخ؛ لأنه لم يسلم له المعقود عليه، فرجع في بدله. فإن قال الأجنبي للمدعي: أنا وكيل المنكر في صلحك، وهو معترف لك في الباطن، جاحد في الظاهر فصالحه، لم يصح؛ لأن الصلح في هذه الحال لا يصح من المنكر، فكذلك من وكيله. وقال القاضي: يصح. ومتى صدقه المنكر، ملك العين، ولزمه ما أدى عنه. وإن أنكر، حلف وبرئ. وإن دفع المدعي إلى المنكر مالاً ليقر له ففعل، ثبت الحق، وبطل الصلح؛ لأنه يجب عليه الإقرار بالحق. فلم يحل له أخذ العوض عما وجب عليه. ولو صالح امرأة لتقر له بالزوجية، أو بالرق، لم يصح لذلك، ولأنه يحرم عليها بذل نفسها لمن يطأها بعوض. وإن بذلت عوضاً للمدعي عن دعواه، صح؛ لأنها تدفع شره عن نفسها، ويأخذ العوض عن حقه فيها، كعوض الخلع. وقيل: لا يصح في الزوجية؛ لأن الزوج لا يأخذ عوضاً عن الزوجية في غير الخلع. ولو صالح شاهداً ليترك الشهادة عليه، أو سارقاً، لئلا يرفعه إلى السلطان، فالصلح باطل؛ لأنه لا يحل أخذ العوض عن ترك الشهادة الواجبة، وليس رفعه إلى السلطان حقاً يجوز الاعتياض عنه.
فصل
النوع الثاني: الصلح مع الاعتراف، وهو ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يعترف له بدين فيبرئه من بعضه، ويستوفي باقيه، فلا بأس بذلك؛ لأن الإنسان لا يمنع من إسقاط حقه، ولا من استيفائه. قال أحمد ﵁: ولو شفع فيه شافع، لم يأثم؛ لأن النبي ﷺ كلم غرماء جابر، فوضعوا عنه الشطر. وكلم كعب بن مالك، فوضع عن غريمه الشطر. ويجوز للقاضي فعل ذلك؛ لأن النبي ﷺ فعله. وإن أمكن الغريم الوفاء، فامتنع حتى أبرئ من بعضه، لم يجز؛ لأنه هضم للحق، وأكل مال بالباطل. ولو قال الغريم: أبرأتك من بعضه، بشرط أن توفيني بقيته، أو على أن توفيني، أو لتوفيني باقيه لم يصح؛ لأنه جعل إبراءه عوضاً عما أعطاه، فيكون معاوضاً
стр. 659
لبعض حقه ببعض، ولا يصح بلفظ الصلح؛ لأن معنى صالحني عن المائة بخمسين، أي بعني، وذلك غير جائز، لما ذكرنا، ولأنه ربا. ولو صالحه عن مائة مؤجلة بخمسين حالة، لم يجز لذلك؛ لأن بيع الحلول غير جائز. وإن صالحه عن الحالة بأقل منها مؤجلة، لم يصح؛ لأن الحال لا يتأجل بالتأجيل، وما يسقطه لا مقابل له، إلا أن يسقطه اختياراً منه بغير عوض، ولو اعترف له بداره، فصالحه على أن يسكنه فيها مدة، أو يبني عليها غرفة، ونحو ذلك، لم يصح؛ لأنه لا عوض له.
فصل
القسم الثاني: أن يعترف له بعين في يده، فيهب له بعضها، ويستوفي باقيها، فيصح، لما ذكرنا في الإبراء إذا فعل هذا اختياراً من غير منع الغريم، ووهب له بغير شرط، كما ذكرنا في الإبراء.
فصل
القسم الثالث: أن يعترف له بعين، أو دين، فيصالحه على غيره. وذلك ثلاثة أضرب:
أحدها: أن يعترف له بنقد، فيصالحه على نقد، فهذا صرف يعتبر له شروطه.
الثاني: أن يعترف له بنقد، فيصالحه على عرض، أو بعرض فيصالحه على نقد أو عرض، فهذا بيع تثبت فيه أحكامه كلها.
الثالث: أن يعترف له بنقد أو عرض، فيصالحه على منفعة كسكنى دار، أو خدمة، فهذا إجارة تثبت فيه أحكامها. ولو تلفت العين التي صالح عليها، بطل الصلح. فإن كان قد مضى بعض المدة، بطل فيما بقي بقسطه. ولو اعترفت المرأة بدين فصالحته على أن تزوجه نفسها، صح، وكان صداقاً لها، ولو اعترفت له بعيب في مبيع، فصالحته على نكاحها، صح. فإن زال العيب، رجعت بأرشه؛ لأنه الصداق ولم يسم الخرقي الصلح في الإنكار صلحاً.
فصل
وإذا اعترف له بشيء، لم يجز أن يصالح بأكثر منه من جنسه؛ لأن الزائد لا مقابل له. ولو اعترف بقتل خطأ فصالحه بأكثر من الدية من جنسها، لم يجز. وإن كان من غير جنسها، جاز؛ لأنه معاوضة. ولو أتلف شيئاً قيمته مائة، فصالحه على مائة وعشرة، لم يجز لذلك. وإن صالحه على عرض جاز، وإن كثر؛ لأنه بيع. ولو أجل العوض الواجب بالإتلاف، لم يصر مؤجلاً بتأجيله.
стр. 660
[فصل في صلح المكاتب والمأذون له من العبيد والصبيان]
فصل
وصلح المكاتب والمأذون له، من العبيد والصبيان من دين لهم ببعضه، لا يصح إلا إذا كان لهم به بينة، أو أقر لهم به؛ لأنه تبرع وليس لهم التبرع. فإن كان على الإنكار، صح؛ لأن استيفاءهم للبعض عند العجز عن استيفاء الكل أولى من تركه.
[فصل في الصلح عن المجهول]
فصل
ويصح الصلح عن المجهول الذي لا سبيل إلى معرفته، عيناً كان أو ديناً؛ لما روي «عن النبي ﷺ أنه قال في رجلين اختصما إليه في مواريث درست: استهما وتوخيا الحق، وليحلل أحدكما صاحبه» رواه أبو دواد. وسواء كان الجهل من الجانبين كالحقوق الدارسة، أو ممن عليه الحق، لأن الحاجة تدعو إليه. فأما ما يمكن معرفته، فلا يجوز، قال أحمد: إن صالحوا امرأة من ثمنها، لم يصح. ولو قال الوارث لبعضهم: نخرجك عن الميراث بألف، أكره ذلك، حتى يعرفه. ويعلم ما هو؟ إنما يصالح الرجل عن الشيء لا يعرفه، ولا يدري ما هو؟ أو يكون رجلاً يعلم ماله على الآخر، والآخر لا يعرفه فيصالحه. فأما إذا علم فلم يصالحه إنما يريد أن يهضم حقه. ولأن هذا لا حاجة إليه، فلم يجز كبيع المجهول.
[باب الصلح فيما ليس بمال]
يصح الصلح عن دم العمد بما يزيد على الدية وينقص عنها؛ لأن المال لم يتعين فإن خرج العوض حراً أو مستحقاً، رجع بقيمته. ولو صالح عن دار فخرج العوض مستحقاً، رجع في الدار؛ لأنه بيع، فإذا فسد عوضه تبينا فساده، والصلح في الدم إسقاط، فلم يعد بعد سقوطه، ورجع ببدل العوض وهو القيمة.
[فصل حقوق الارتفاق والجوار]
فصل
وإذا أراد أن يجري في أرض غيره ماء، له غنى عن إجرائه فيها، لم يجز إلا برضاه لأن فيه تصرفاً في أرض غيره بغير إذنه، فلم يجز، كالزرع فيها، فإن صالحه على موضع القناة، جاز، إذا بينا موضعها وطولها وعرضها لأنه بيع لموضع من أرضه، ولا حاجة إلى بيان عمقها؛ لأن قرارها لمشتريها يعمق ما شاء، وإن شرط أن أرضهما لرب الأرض، كان إجارة، يفتقر إلى معرفة عمقها، ومدتها كإجارتها للزرع، فإن كان رب الأرض مستأجراً لها، جاز أن يصالح على إجراء ماء فيها في ساقية محفورة مدة لا تتجاوز مدة إجارته، وليس له حفر ساقية؛ لأنه إحداث شيء لم تتناوله الإجارة، وكذلك إن كانت الأرض وقفاً عليه. وإن صالح رجلاً على أن يجري على سطحه، أو أرضه ماء المطر، جاز، إذا كان السطح الذي يجري ماؤه معلوماً؛ لأن الماء يختلف بصغره،
стр. 661
وكبره، ومعرفة موضع الميزاب الذي يجري الماء إليه؛ لأن ضرره يختلف. ولا يفتقر إلى ذكر المدة؛ لأن الحاجة تدعو إلى هذا، ولأن هذا لا يستوفي به منافع السطح، بخلاف الساقية. ومن كانت له أرض، لها ماء، لا طريق له، إلا في أرض جاره، وفي إجرائه ضرر بجاره، لم يجز إلا بإذنه؛ لأنه لا يملك الإضرار به، بالتصرف في ملكه، بغير إذنه، وإن لم يكن فيه ضرر، ففيه روايتان:
إحداهما: لا يجوز، لما تقدم.
والثانية: يجوز؛ لما روي أن الضحاك بن خليفة، ساق خليجاً من العريض، فأراد أن يمر به على محمد بن مسلمة فمنعه، فقال له عمر: لم تمنع جارك ما ينفعه ولا يضرك، تشربه أولاً وآخراً؟ فقال له محمد: لا والله، فقال عمر: والله ليمرن به ولو على بطنك، فأمره عمر ﵁ أن يمر به، ففعل. رواه سعيد بن منصور. ولأنه نفع لا ضرر فيه، فأشبه الاستظلال بحائطه.
فصل
ولا يجوز أن يشرع إلى الطريق النافذ جناحاً، وهو الروشن، على أطراف خشب مدفونة في الحائط، ولا ساباطاً، وهو المستولي على هواء الطريق على حائطين؛ لأنه بناء في ملك غيره، بغير إذنه، فلم يجز، كالبناء في أرض الطريق، ولا ميزاباً، ولا يبني فيها دكة لذلك، ولأنه يضر بالمارة، أشبه بناء بيت، ولا يباح ذلك بإذن الإمام؛ لأنه ليس له الإذن فيما يضر المسلمين، وسواء أضر في الحال، أو لم يضر؛ لأن هذا يراد للدوام، وقد يحدث الضرر فيه. وقال ابن عقيل: يجوز أن يأذن الإمام فيما لا ضرر فيه؛ لأنه نائب عن المسلمين، فجرى مجرى إذنه في الجلوس.
فصل
ولا يجوز أن يفعل هذا في ملك إنسان، ولا درب غير نافذ، إلا بإذن أهله؛ لأنه حقهم، فلم يجز التصرف فيه بذلك، بغير إذنهم، فإن صالحه المالك، أو أهل الدرب بشيء معلوم، جاز؛ لأنه يجوز بإذنهم بغير عوض، فجاز بعوض، كما في القرار. وقال القاضي: لا يصح الصلح عن الجناح والساباط؛ لأنه بيع للهواء دون القرار.
فصل
وإذا حصلت أغصان شجرته في هواء ملك غيره، فطالبه بإزالتها، لزمه ذلك؛ لأن هواء ملكه ملكه، فإن لم يزله، فلمالك الأرض إزالتها، بالقطع وغيره، كما لو دخلت بهيمة جاره داره، ملك إخراجها، فإن صالحه على تركها بعوض، جاز عند ابن حامد، وابن عقيل؛ لأن الجهالة هاهنا لا تمنع التسليم، فلم تمنع الصحة، كالصلح عن
стр. 662
المواريث الدارسة، ولأن هذا مما يحتاج إليه، ويسامح فيه، فجرى سمن المستأجر للركوب، وهزاله. وقال القاضي: يصح في اليابس، المعتمد على حائط، ولا يصح في الرطب؛ لأنه يزيد ويتغير، ولا في غير المعتمد؛ لأنه لا قرار له. وقال أبو الخطاب: لا يصح في الجميع؛ لأن الرطب يزيد ويتغير، واليابس ينقص ويذهب. وإن صالحه بجزء من ثمرتها معلوم، ففيه وجهان:
أحدهما: المنع؛ للجهالة فيه وفي عوضه.
والثاني: يجوز؛ لأن هذا يكثر في الأملاك المتجاورة، وفي القطع إتلاف وإضرار، فدعت الحاجة إلى الصلح بجزء من الثمرة؛ لأنه أسهل، ولو امتدت عروق شجرة، حتى أثرت في بناء غيره، أو بئره، فعليه إزالته؛ لأن قرار ملك الإنسان ملكه، فهو كهوائه، ولو مال حائطه إلى ملك جاره، أو طريق، لزمه إزالته.
فصل
ليس للإنسان أن يفتح في حائط جاره طاقاً، ولا يغرز فيه وتداً، ولا مسماراً، ولا يحدث عليه حائطاً، ولا سترة بغير إذنه؛ لأنه يصرف في ملك غيره، بما يضر به، فلم يجز، كهدمه. وليس له وضع خشبة عليه، إن كان يضر بالحائط، أو يضعف عن حمله؛ لقول النبي ﷺ : «لا ضرر ولا ضرار» وإن كان لا يضر، وبه غنى عنه، لم يجز عند أكثر أصحابنا؛ لأنه تصرف في ملك غيره، بما يستغني عنه، فلم يجز، كفتح الطاق، وغرز المسمار، وأجازه ابن عقيل لخبر أبي هريرة. ولأن ما أبيح لا تعتبر له حقيقة الحاجة، كانتزاع الشقص المشفوع، والفسخ بالعيب. وإن احتاج إليه، بحيث لا يمكنه التسقيف إلا به جاز؛ لما روى أبو هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «لا يمنع أحدكم جاره، أن يضع خشبة على جداره» متفق عليه. ولأنه انتفاع، لا ضرر فيه، دعت الحاجة إليه، فوجب بذله، كفضل الماء لبهائم غيره، وذكر القاضي، وأبو الخطاب: أنه لا يجوز، إلا لمن ليس له إلا حائط واحد، ولجاره ثلاثة، وقد يتعذر التسقيف على الحائطين غير المتقابلين، فالتفريق تحكم، فأما وضع الخشب في حائط المسجد مع الشرطين، ففيه روايتان:
إحداهما: يجوز؛ لأن تجويزه في ملك الآدمي المبني حقه على الضيق، تنبيه على جوازه في حق الله، المبني على المسامحة والسهولة.
والثانية: المنع، اختارها أبو بكر؛ لأن الأصل المنع، خولف في الآدمي المعين، فيبقى فيما عداه على مقتضى الأصل، ويتخرج من هذه الرواية، أن يمنع من وضعه في ملك الجار إلا بإذنه؛ لما ذكرنا للرواية الأولى، فإن صالحه المالك على وضع خشبه
стр. 663
بعوض في الموضع الذي يجوز له وضعه، لم يجز؛ لأنه يأخذ عوض ما يجب عليه بذله، وإن كان في غيره، جاز، سواء كانت إجارة في مدة معلومة، أو على التأبيد، بشرط كون الخشب معلوماً برؤية، أو صفة، والبناء معلوم، والآلة معلومة، ومتى زال الخشب، لسقوط الحائط أو غيره، فله إعادته؛ لأنه استحق بقاءه بعوض، ولو كان له رسم طرح خشب، فصالحه المالك بعوض، على أن لا يعيده عليه، أو ليزيله عنه، جاز؛ لأنه لما جاز أن يصالح على وضعه، جاز على نزعه.
فصل
فإن كان له دار، بابها في زقاق غير نافذ، وظهرها إلى الشارع، فله فتح باب إلى الشارع؛ لأن له حقاً في الاستطراق فيه، وإن كان بابها إلى الشارع لم يكن له فتح باب إلى الزقاق للاستطراق؛ لأنه لا يجوز له أن يجعل لنفسه حق الاستطراق، في مكان مملوك لأهله، لاحق له فيه، ويحتمل الجواز لما نذكره في الفصل الذي يليه، وله أن يفتح مكاناً للضوء والنظر لا يصلح للاستطراق؛ لأن له رفع جميع حائطه، فرفع بعضه أولى. وإن فتحه باباً، يصلح للاستطراق، وقال: لا أجعله طريقاً، بل أغلقه وأسمره، ففيه وجهان:
أحدهما: له ذلك؛ لما ذكرنا.
والثاني: لا يجوز؛ لأن الباب دليل على الاستطراق فيجعل لنفسه حقاً. وإن كان له داران، باب إحداهما أو بابهما في زقاقين غير نافذين، بينهما حائط، فأنفذ إحداهما إلى الأخرى، جاز في أحد الوجهين؛ لأن رفع الحائط من بينهما، وجعلهما داراً واحدة، فرفع بعضه أولى.
والثاني: لا يجوز؛ لأنه يجعل الزقاقين، ويجعل الاستطراق في كل واحد منهما من دار، لاحق لها فيه. وكل موضع لا يجوز إذا صالح أهل الدرب بعوض، أو أذنوا له بغير عوض، جاز لأن المنع لحقهم، فجاز لهم أخذ العوض عنه، كسائر حقوقهم.
فصل
فإن كان بابه في زقاق، غير نافذ، فأراد تقديمه نحو أوله، جاز؛ لأنه يترك بعض حقه، وإن قدمه نحو آخره، لم يجز؛ لأنه يجعل لنفسه الاستطراق في موضع، لم يكن له ويحتمل الجواز؛ لأن له رفع حائطه كله، فيملك رفع بعضه، ولأن ما يلي حائطه فيئاً له، فملك فتح الباب فيه، كحالة ابتداء البناء، فإن له في ابتداء البناء جعل بابه حيث شاء، فتركه له لا يسقط حقه منه. ولو تنازع صاحبا البابين في الدرب، ففيه وجهان:
стр. 664
أحدهما: يحكم بالدرب من أوله إلى الباب الأول لهما؛ لأن يدهما عليه، واستطراقهما فيه، وسائر الدرب للآخر؛ لأن اليد له لاستطراقه وحده.
والثاني: هو بينهما؛ لأن لهما جميعا يداً وتصرفاً، فعلى الوجه الأول لصاحب الباب الصدراني جعل آخر الدرب دهليزاً يختص به عن سائر أهل الدرب؛ لأنه ملكه خاصة، وعلى الثاني لا يجوز؛ لأنه مشترك بين الجميع.
فصل
إذا كان بينهما حائط مشترك، فانهدم، فدعا أحدهما صاحبه إلى عمارته فأبى، أجبر؛ لأنه إنفاق على ملك مشترك يزيل الضرر عنهما، فأجبر عليه كإطعام العبد المشترك، ولأن في تركه ضرراً فأجبر عليه كالقسمة، فإن لم يفعل، باع الحاكم ماله، وأنفق عليه، فإن لم يكن له مال، اقترض عليه وأنفق، وإن أنفق الشريك بإذنه، أو إذن الحاكم، رجع عليه بالنفقة والحائط بينهما، كما كان قبل انهدامه، وعنه: لا يجبر؛ لأنه إنفاق على ملك لا يجب لو انفرد به، فلم يجب مع الاشتراك، كزرع الأرض، وإن أراد شريكه بناءه، لم يمنع؛ لأنه يعيد رسماً في مشترك، فلم يمنع كوضع الخشب الذي له رسم، فإن بناه بآلته، عاد بينهما كما كان برسومه وحقوقه؛ لأنه عاد بعينه، وليس للباني فيه إلا أثر تأليفه، وإن بناه بآلة من عنده، فهو للباني ليس لشريكه الانتفاع به، وللباني نقضه إن شاء؛ لأنه ملكه خاصة. ولو بذل له شريكه نصف قيمته لئلا ينقضه، لم يجبر على قبولها؛ لأنه لما لم يجبر على إنشائه، لم يجبر على إبقائه، وعلى الرواية الأولى يجبر على تركه؛ لأنه يجبر على إنشائه، فيجبر على إبقائه. فإن كان للشريك على الحائط رسم انتفاع قلنا للباني: إما أن تأخذ منه نصف القيمة، وتمكنه من إعادة رسمه، وأما أن تأخذ بناءك ليبني معك؛ لأن القرار مشترك بينهما، فلم يجز أن يسقط حق شريكه.
فصل
وإن كان السفل لأحدهما، والعلو للآخر، فانهدم السقف الذي بينهما، فالحكم فيه كالحائط المشترك سواء؛ لأنه ينفعهما فهو كالحائط بينهما، وأيهما هدم الحائط أو السقف، فعليه إعادته إلا أن يخاف سقوطه، ويجب هدمه، فيصير كالمنهدم بنفسه. وإن انهدمت حيطان صاحب السفل، لم يملك صاحبه إجبار صاحب العلو على مباناته؛ لأنه ملكه خاصة، وعنه: يجبر؛ لأنهما ينتفعان به، فأشبه الحائط المشترك. وهل لصاحب العلو إجبار صاحب على بنائه؟ على روايتين. وليس لصاحب السفل منع صاحب العلو من بنائه إن أراده، فإن بناه بآلته، فهو على ما كان لا يملك أحدهما نقضه، وإن بناه بغير
стр. 665
آلته، قال أحمد ﵁: لا ينتفع به صاحب السفل حتى يؤدي القيمة، فيحتمل أن ليس له السكنى؛ لأن فائدة الحيطان أكثرها للسكنى، ويحتمل أنه ليس له طرح الخشب، ونصب الوتد ونحوه دون السكنى؛ لأن ذلك هو الانتفاع بالحائط مباشرة ولبانيه نقضه لأنه ملكه، ولا يجبر على إبقائه بالقيمة؛ لأنه لا يجبر على ابتدائه.
فصل
فإن كان بينهما دولاب، أو ناعورة يحتاج إلى عمارة، فذلك كالحائط المنهدم سواء. وإن كان بينهما قناة أو عين، ففي إجبار الممتنع من عمارتها روايتان. فإن بناها أحدهما، لم يملك منع صاحبه من نصيبه؛ لأنه ليس له فيها إلا أثر الفعل.
فصل
ليس للمالك التصرف في ملكه بما يضر جاره، نحو أن يبنيه حماماً بين الدور، أو مخبزاً بين العطارين، أو يجعله دار قصارة تهز الحيطان، أو يحفر بئراً تجتذب ماء بئر جاره؛ لقول النبي ﷺ : «لا ضرر ولا ضرار» رواه ابن ماجه والدارقطني بنحوه، ولأنه تصرف يضر بجيرانه، فمنع منه، كالدق الذي يهز الحيطان.
وليس له سقي أرضه بما يهدم حيطانهم، وإن كان له سطح أعلى من سطح جاره، فعلى الأعلى بناء سترة بين ملكيهما، ليدفع عنه ضرر نظره إذا صعد سطحه.
[باب الحوالة]
وهو نقل الدين من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه. وهي عقد إرفاق منفرد بنفسه ليست بيعاً، بدليل جوازها في الدين بالدين وجواز التفرق قبل القبض، واختصاصها بالجنس الواحد واسم خاص، فلا يدخلها خيار؛ لأنها ليست بيعاً ولا في معناه؛ لكونها لم تبن على المغابنة. والأصل فيها قول النبي ﷺ : «مطل الغني ظلم، وإذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع» متفق عليه. ولا تصح إلا بشروط أربعة:
أحدها: أن يحيل على دين مستقر؛ لأن مقتضاها إلزام المحال عليه الدين مطلقاً، ولا يثبت ذلك فيما هو بعرض السقوط، ولا يعتبر استقرار المحال به، لجواز أداء غير المستقر. فلا تجوز الحوالة بدين السلم ولا عليه؛ لأنه لا تجوز المعاوضة عنه به، ولا عنه. ولو أحال الزوج زوجته قبل الدخول بصداقها، صح، وإن أحالت المرأة به عليه، لم يصح؛ لأنه غير مستقر. وإن أحال المشتري البائع بثمن المبيع في مدة الخيار، صح، وإن أحال البائع به عليه، لم يصح لذلك. وإن أحال الكاتب سيده بنجم، فدخل عليه، صح، وإن أحال سيده به عليه، لم يصح لذلك. وإن أحيل على المكاتب بدين
стр. 666
غير مال الكتابة، صح؛ لأن حكمه حكم الأحرار في المداينات. وإن أحال من عليه دين على من لا دين عليه. فهو توكيل في الاقتراض، وإن أحال على من له عليه دين، فهو كتوكيل في الاستيفاء، وإن أحال من عليه دين على من لا عليه دين، فهو ملتمس إيفاء دينه وليس شيء من ذلك حوالة؛ إذ الحوالة تحول الحق وانتقاله، ولا حق هاهنا يتحول، وإنما جاز التوكيل بلفظ الحوالة لاشتراكهما في معنى، وهو تحول المطالبة من الموكل إلى الوكيل، كتحولها من المحيل إلى المحتال.
فصل
الشرط الثاني: تماثل الحقين؛ لأنها تحويل الحق، فيعتبر تحوله على صفته، ويعتبر التماثل في ثلاثة أشياء: الجنس، فلو أحال من عليه أحد النقدين بالآخر، لم يصح. والصفة، فلو أحال عن المصرية بأميرية، أو عن المكسرة بصحاح، لم يصح. والحلول والتأجيل، فإن كان أحدهما حالاً والآخر مؤجلاً، أو أجل أحدهما مخالفاً لأجل الآخر، لم يصح. وإن صحت الحوالة، فتراضيا على خير مما أحيل به، أو دونه أو تعجيله، تأخيره، أو الاعتياض عنه، جاز؛ لأنه دين ثابت، فجاز فيه ذلك كغير المحال به.
فصل
الشرط الثالث: أن يكون بمال معلوم على مال معلوم؛ لأنه يعتبر فيهما التسليم والتماثل والجهالة تمنعها. ولا يصح فيما لا يصح السلم فيه؛ لأنه لا يثبت في الذمة، وإنما تجب قيمته بالإتلاف. ويصح في كل ما يثبت مثله في الذمة بالإتلاف، من الأثمان والحبوب والأدهان، وفيما يصح السلم فيه غير ذلك، كالمذروع والمعدود وجهان:
أحدهما: لا تصح الحوالة به؛ لأن المثل لا يتحرر فيه، ولهذا لا يضمن بمثله.
والثاني: يصح؛ لأنه يثبت في الذمة، ويحتمل أن يبنى الحكم فيه على القرض، إن قلنا: يقضى في هذا بمثله، صحت الحوالة به؛ لأنه يثبت في الذمة بغير السلم، وإلا فلا؛ لأنه لا يثبت في الذمة إلا بالسلم، ولا تصح الحوالة في السلم. وإن كان عليه إبل من قرض وله مثل ذلك على آخر، صحت الحوالة بها؛ لأنه إن ثبت في الذمة مثلها صحت الحوالة، وإن ثبت قيمتها فالحوالة بها صحيحة. وإن كان له إبل من دية، فأحال بها على من له عليه مثلها، من دية أخرى، صح ويلزمه إعطاؤه أدنى ما يتناوله الاسم. وقال أبو الخطاب: فيه وجه آخر، أنه لا يصح. وإن كان عليه إبل من الدية، وله مثلها قرضاً، فأحال بها، ففيه وجهان:
стр. 667
أحدهما: يصح؛ لأن الخيرة في التسليم إلى المحيل، وقد رضي بتسليم ما له في ذمة المقترض.
والثاني: لا يصح؛ لأن الواجب في القرض في إحدى الروايتين القيمة، فقد اختلف الجنس. وإن أحال المقرض من له الدية بها، لم يصح، وجهاً واحداً؛ لأننا إن قلنا: الواجب القيمة، فالجنس مختلف، إن قلنا: يجب المثل، فللمقرض مثل ما أقرض في صفاته وقيمته، والذي عليه الدية لا يلزمه ذلك.
فصل
الشرط الرابع: أن يحيل برضاه؛ لأن الحق عليه، فلا يلزمه أداؤه من جهة بعينها، ولا يعتبر رضى المحال عليه؛ لأن للمحيل أن يستوفي الحق بنفسه وبوكيله، وقد أقام المحتال مقام نفسه في القبض، فلزم المحال عليه الدفع إليه، كما لو وكله في الاستيفاء منه. وأما المحتال، فإن كان المحال عليه مليئاً، وهو الموسر غير المماطل، لم يعتبر رضاه؛ لقول النبي ﷺ : «إذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع» ولأن للمحيل إيفاء الحق بنفسه وبوكيله، وقد أقام المحال عليه مقامه في الإيفاء، فلم يكن للمحتال الامتناع. وإن لم يكن مليئاً، لم يلزمه أن يحتال؛ للحديث. ولأن عليه ضرراً في قبولها، فلم يلزمه. كما لو بذل له دون حقه في الصفة، فإن رضي بها مع ذلك، صحت، كما لو رضي بدون حقه.
[فصل في آثار الحوالة]
فصل
إذا صحت الحوالة برئ المحيل من الدين. لأنه قد تحول من ذمته، فإن تعذر الاستيفاء من المحال عليه، لموت أو فلس حادث، أو مطل، لم يرجع على المحيل، كما لو أبرأه. وإن كان مفلساً حين الحوالة، ولم يرض المحتال بالحوالة، فحقه باق على المحيل؛ لأنه لا يلزمه الاحتيال على مفلس. وإن رضي مع العلم بحاله، لم يرجع؛ لأن الذمة برئت من الحق، فلم يعد إلى الشغل، كما لو كان مليئاً. وإن رضي مع الجهل بحاله، ففيه روايتان:
إحداهما: لا يرجع، لذلك.
والثانية: يرجع؛ لأن الفلس عيب في المحال عليه، فكان له الرجوع كما لو اشترى معيباً ثم علم عيبه. وإن شرط ملاءة المحال عليه، فله شرطه؛ لقول النبي ﷺ : «المؤمنون على شروطهم» رواه أبو داود " والمسلمون " ولأنه شرط شرطاً مقصوداً، فإذا بان خلافه، ملك الرد. كما لو شرطه في المبيع.
стр. 668
فصل
إذا اشترى عبداً، فأحال البائع بثمنه، أو أحال البائع عليه بثمنه، فبان حراً أو مستحقاً، فالحوالة باطلة؛ لأن البيع باطل، ولا دين على المشتري يحيل به ولا يحال به عليه، فإن اتفق المحيل والمحال عليه على ذلك، وكذبهما المحتال، لم يسمع قولهما، كما لو باعا عبداً ثم أقرا بحريته، ولا تسمع لهما بينة؛ لأنهما أكذباها بدخولهما في البيع، وإن أقامها العبد سُمِعَتْ، وبطلت الحوالة. وإن صدقهما المحتال في حرية العبد، وادعى أن الحوالة بدين آخر، فالقول قوله مع يمينه؛ لأن الأصل صحة الحوالة، فكان صدقه أظهر، فإن أقاما بينة بذلك، سمعت؛ لأنهما لم يكذباها.
فصل
وإن اشترى عبداً وأحال البائع بثمنه، ثم وجده معيباً فرده قبل قبض المحتال من المحال عليه، بطلت الحوالة لأنها بالثمن، وقد سقط بالفسخ، ذكره القاضي. ويحتمل أن لا يبطل؛ لأن المشتري نقل حقه إلى ما في ذمة المحال عليه، فلم يبطل بالفسخ، كما لو أعطاه عن الثمن ثوباً ثم فسخ العقد، لم يرجع في الثوب. وإن كان الرد بعد قبض المحتال، لم تبطل؛ لأن ذمة المحال عليه برئت بالقبض منه، ويرجع المشتري على البائع، وإن اشترى عبداً فأحال البائع عليه أجنبياً بالثمن، فرده المشتري بعيب، لم تبطل الحوالة؛ لأن ذمة المشتري برئت بالحوالة من البائع، فصار كأنه قبض منه، وتعلق به هاهنا حق غير المتعاقدين، وهو المحتال بخلاف التي قبلها، ويرجع المشتري على البائع بالثمن.
فصل
وإذا أمر رجلاً بقبض دين له من غريمه، ثم اختلفا، فقال أحدهما: كانت وكالة بلفظها، وقال الآخر: كانت حوالة بلفظها، فالقول قول مدعي الوكالة؛ لأنه يدعي بقاء الحق على ما كان، وينكر انتقاله. وإن اتفقا على أنه قال: أحلتك بالألف، وقال أحدهما: كانت حوالة حقيقية، وقال الآخر: كانت وكالة بلفظ الحوالة، ففيه ووجهان:
أحدهما: القول قول مدعي الوكالة لذلك.
والثاني: القول قول مدعي الحوالة؛ لأن الظاهر معه، لموافقته الحقيقة، ودعوى الآخر المجاز، وإن قال: أحلتك بدينك، فهي حوالة بكل حال.
فصل
وإذا قال المدين لغريمه: قد أحلت بدينك فلاناً فأنكر، فالقول قوله مع يمينه. فإن أقام المدين بينة بذلك، سمعت ليسقط عنه حق المحيل. فإن كانت بحالها، فادعى
стр. 669
أجنبي على المدين أن رب الدين أحاله به، فأنكره فأقام الأجنبي بينة، ثبت في حقه وحق الغائب؛ لأن البينة يقضى بها على الغائب، ولزم دفع الدين إليه، فإن لم تكن له بينة، فاعترف المدين له بصحة دعواه، ففيه وجهان:
أحدهما: يلزمه الدفع إليه؛ لاعترافه له بوجوب حقه عليه، وانتقال دينه إليه، فأشبه ما لو قامت به بينة.
والثاني: لا يلزمه الدفع إليه؛ لأنه لا يأمن إنكار المحيل ورجوعه عليه، فكان له الاحتياط في تخليص نفسه، كما لو ادعى الوكالة، فإن دفعه إليه، ثم أنكر المحيل الحوالة، وحلف ورجع على المحال عليه، فأخذ منه، لم يرجع المحال عليه على المحتال؛ لأنه معترف له أنه استوفى حقه، وإنما المحيل ظلمه. وإن أنكر المدين الحوالة، انبنى على الوجهين، إن قلنا: يلزمه الدفع مع الإقرار، لزمته اليمين على الإنكار، وتكون على العلم؛ لأنها على نفي فعل الغير. وإن قلنا: لا يلزمه الدفع مع الإقرار، لم تلزمه اليمين مع الإنكار، لعدم فائدتها. وليس للمحتال الرجوع على المحيل، لاعترافه ببراءة ذمته، ويسأل المحيل، فإن صدق المحتال، ثبتت الحوالة؛ لأن رضى المحال عليه غير معتبر، وإن كذبه، حلف له، وسقطت الحوالة. وإن نكل المحال عليه عن اليمين فقضى عليه، واستوفى منه، ثم أنكر المحيل الحوالة، فله أن يستوفي من المحال عليه؛ لأنه معترف له بالألف، مدع أن المحتال ظلمه.
فصل
فإن كان عليه دين، فادعى رجل أنه وكيل ربه في قبضه، فصدقه، لم يلزمه دفعه إليه لما ذكرنا في الحوالة. وإن أنكر، لم تلزمه اليمين؛ لأنه لا يلزمه الدفع مع الإقرار، فلم تلزمه اليمين مع الإنكار. فإن دفعه إليه، فأنكر رب الدين الوكالة، حلف ورجع على الدافع، ثم رجع الدافع على الوكيل، إن لم يكن اعترف بصدقه؛ لأنه لم يثبت أنه وكيل، وإن كان اعترف له، لم يرجع عليه؛ لأنه اعترف بصحة دعواه، وأن الموكل ظلمه، فلم يرجع على غير ظلمه وإن كان المدفوع وديعة، فوجده ربها، أخذها، وإن تلفت في يد الوكيل تلزمه مطالبة من شاء منهما، فإن طالب الوكيل، لم يرجع على أحد؛ لأن التلف حصل في يده، فاستقر الضمان عليه. وإن طالب المودع، وكان قد اعترف بالوكالة، لم يرجع على أحد لما ذكرناه في الدين، وإن لم يكن اعترف للوكيل رجع عليه.
فصل
فإن كان عند رجل دين أو وديعة، فجاء رجل، فادعى أنه وارث صاحبهما، وقد
стр. 670
مات ولا وارث له سواه، فصدقه، لزمه الدفع إليه، لأنه لا يخشى تبعة، وإن كذبه، فعليه اليمين أنه لا يعلم ذلك؛ لأنه لزمه الدفع مع الإقرار، فلزمته اليمين مع الإنكار.
فصل
فإن كان لرجل ألف على اثنين، كل واحد منهما ضامن لصاحبه، فأحاله أحدهما بها، برئا منها؛ لأن الحوالة كالتقبيض. وإن أحال صاحب الألف به على أحدهما، صحت الحوالة؛ لأنها مستقرة في ذمة كل واحد منهما. وإن أحال عليهما جميعاً، ليستوفي من كل واحد منهما نصفها، صحت؛ لأن ذلك للمحيل، فملك الحوالة به، وإن أحل عليهما ليستوفي من أيهما شاء، صحت أيضاً؛ لأنه لا فضل في نوع ولا عدد ولا أجل، وإنما هو زيادة استيثاق، فأشبه حوالة المعسر على المليء، ولهذا لو أحالاه على واحد، صح
следующие страницы →