← Фикх малики

Фикх малики · id 21735

المقدمات الممهدات

ابن رشد الجد

Полный текст (1 626 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

فصل فالعبد يملك على مذهب مالك ما ملكه سيده أو ملكه غيره، ما لم ينتزعه منه سيده، فملكه لماله ليس كملك الحر الذي لا يحل لأحد أن يأخذ شيئا من ماله إلا عن طيب نفسه؛ إلا أنه مال له على مذهبه يجوز له أن يتسرى فيه إذا أذن له سيده، ويطأ بملك يمينه- ولو لم يكن عنده ماله لم يجز له أن يطأ بملك يمينه؛ لأن الله لم يبح الفرج إلا بالنكاح، أو ملك اليمين، فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ٥] ﴿إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون: ٦] ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون: ٧] وعلى هذا أسقط الزكاة عن السيد في مال عبده وقال: إنه إذا حلف بعتق عبيده فحنث لا يعتق عليه عبيد عبيده؛ فهذا أصل مذهبه. وأما قوله: إن العبد إذا ملك من يعتق على سيده يعتق عليه. وقوله: إن الرجل إذا حلف ألا يركب دابة رجل فركب دابة عبده أنه حانث؛ فقد حمل بعض الناس ذلك على أنه اضطراب من قوله في أن العبد يملك، وجريان منه على غير أصله في ذلك، وليس ذلك بصحيح؛ لأنه إنما حنثه في ركوب دابة عبده، من أجل أنه لا يجوز له ركوبها- وإن أذن له العبد إلا بإذن سيده؛ والحنث يقع بأقل الوجوه؛ وإنما قال: إنه يعتق عليه من ملك العبد ممن يعتق عليه من أجل أنه يملك انتزاعهم منه، فلما كان يملك انتزاعهم عتقوا عليه، إذ لو انتزعهم لعتقوا عليه بإجماع، فيجري ذلك على الاختلاف في الرجل يشتري من يعتق عليه على أنه فيه بالخيار ولا يدخل الاختلاف على هذا في الزكاة في مال العبد، ولا في عتق عبيد عبيده بالحنث؛ لأن الحنث والزكاة قد وجبا قبل الانتزاع، فلا يلزم بالانتزاع شيء وذهب الشافعي وأبو حنيفة وأصحابهما إلى أن العبد لا يملك شيئا بحال من الأحوال، فكل ما بيده من مال على مذهبهم، فإنما هو للسيد فلم يجيزوا له

стр. 947

التسري بوجه من الوجوه ولا يحل له عندهم وطء فرج إلا بنكاح يأذن له سيده فيه، واستدلوا على ذلك بالإجماع على أن لسيده أن ينتزع منه كل ما له من المال من كسبه وغير كسبه، وبالإجماع على أنه لا يرث قرابته، قالوا فلما أجمعوا أن للسيد أن ينتزع مال عبده، دل ذلك على أنه كان لا يملكه، إذ لو كان يملكه لما صح له انتزاعه منه كما لا ينتزع الرجل مال مكاتبه؛ قالوا أيضا: ولما أجمعوا أن العبد لا يرث، دل على أن ما يحصل بيده من مال، إنما هو لسيده، وأنه لا يملكه؛ وحملوا إضافة رسول الله ﷺ المال إلى العبد في قوله: «من باع عبدا وله مال فماله للبائع إلا أن يشترطه المبتاع» - على المجاز، كما يقال: غنم الراعي، وسرج الدابة، وباب الدار، وهذا كله لا يصح. فأما احتجاجهم بالإجماع على أن للسيد أن ينتزع مال عبده، فلا حجة لهم فيه؛ لأن الإجماع لا يتناول موضع الخلاف، إذ الخلاف بيننا وبينهم إنما هو قبل الانتزاع، وكذلك احتجاجهم بالإجماع على أن العبد لا يرث لا حجة لهم فيه؛ إذ لا يسلم لهم أن العلة في منع ميراث العبد أنه لا يملك، فلا يصح لهم ما استدلوا به إلا بعد إقامة الدليل على صحة العلة، ولا دليل لهم على صحتها إلا غالب ظنهم، إذ ليس في الكتاب ولا في السنة نص ولا تنبيه على أنها هي العلة، ولا أجمعت الأمة على ذلك، فليسوا بأسعد ممن يقول: إن العلة في ذلك عدم استقرار ملك العبيد على أموالهم. فصل فالعبد محجور عليه في ماله لا يجوز له فيه فعل بغير إذن سيده، ولا يجوز له أن يتجر إلا أن يأذن له سيده في التجارة؛ فإن أذن له فيها جاز له أن يتجر بالدين

стр. 948

والنقد- وإن لم يأذن له في التجارة بالدين ولزمه ما داين به في جميع أنواع التجارات؛ وإن لم يأذن له إلا في نوع واحد منها على مذهب ابن القاسم في المدونة، إذ لا فرق بين أن يحجر عليه في التجارة بالدين، أو يحجر عليه في التجارة في نوع من الأنواع؛ وهو قول أصبغ في التحجير في الدين؛ وذهب سحنون إلى أنه ليس له أن يتجر بالدين إذا حجر عليه في التجارة به، وكذلك يلزم على قوله إذا حجر عليه في التجارة في نوع من الأنواع، إلا أن يشهر ذلك ويعلنه في الوجهين جميعا، فلا يلزمه. قاله بعض شيوخ صقلية، وهو صحيح في المعنى، قائم من المدونة والعتبية بدليل؛ ولا يجوز له في ماله معروف إلا ما جر إلى التجارة؛ فأما هبته وصدقته وعتقه، فموقوف على إجازة السيد، أو رده، فإن لم يعلم بذلك حتى يعتق مضى ولزم ذلك العبد ولم يكن للسيد أن يرده. فصل ومما يشبه هذا عتق المرأة ذات الزوج وهبتها وصدقتها فيما زاد على الثلث بغير إذن زوجها، وعتق المديان بغير إذن غرمائه، وعتق السفيه بغير إذن وليه أو بإذنه؛ فأما الغريم فينفذ عليه العتق والصدقة إن بقي ذلك بيده إلى أن ارتفعت علة المنع بزوال الدين، وإن كان قد أخرج ذلك من يده قبل زوال الدين ببيع أو ما أشبه ذلك، نفذ ولم يلزمه شيء، وسواء في هذا- كان السلطان قد رد العتق أو لم يرده؛ لأن رد السلطان ليس برد للعتق وإنما هو توقيف إلى أن يكشف حال الغريم؛ وأما الزوجة فالمعلوم من قول مالك وأصحابه أنه إذا لم يعلم الزوج أو علم ولم يقض برد ولا إجازة حتى مات عنها أو طلقها، أن ذلك لازم لها، وانظر وإن كانت قد فوتت ذلك من يدها قبل زوال العصمة ببيع أو هبة، هل ينقض البيع والهبة وينفذ عليها العتق والصدقة أم لا؛ ففي كتاب الاعتكاف من المدونة أن الأمة لا تلزمها الصدقة بعد العتق إلا أن يكون المال بيدها، وقد يمكن أن يفرق بين المسألتين فيقال: إن العتق والصدقة يلزمها كان المال بيدها أو لم يكن- إذا لم يرد الزوج حتى زالت العصمة؛ لأن تحجير السيد على عبده، أقوى من تحجير الزوج على امرأته؛ ومسألة كتاب الاعتكاف ليس فيها بيان أن ذلك كان قبل الرد- وهذا هو المعنى

стр. 949

فيها؛ ومن تأول أن معنى ذلك بعد الرد فلا يصح، لأن المعلوم من قولهم في الزوجة أن الصدقة والهبة لا تلزمها بعد زوال العصمة- وإن بقي المال بيدها، إذا كان الزوج قد رده وإنما اختلفوا في العتق على ما سنذكره، وهذا أحرى أن لا يختلف فيه، لقوة تحجير السيد على عبده، وقد كان يجب في الزوجة ألا يلزمها العتق والصدقة على مذهب من يرى أفعالها فيما زاد على الثلث على الرد- حتى يجيزه الزوج، وإن بقي المال بيدها لم تفوته حتى مات عنها أو طلقها قبل أن يعلم بذلك، أو قبل أن يرده إن كان قد علم- وقد رأيت ذلك لبعض أصحاب مالك؛ فإن رد الزوج ذلك، وبقي المال بيدها لم تفوته- إلى أن زالت العصمة، لم يلزمها شيء في الهبة والصدقة؛ وأما العتق، فاختلف فيه على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه لا يلزمها إنفاذه بفتيا ولا قضاء- وهو قول أشهب. والثاني: أنه يلزمها ذلك بالقضاء - وهو قول ابن الماجشون ومطرف. والثالث: أنها تؤمر بذلك- ولا يقضى عليها به وهو مذهب ابن القاسم. واختلف إذا لم يعلم الزوج حتى ماتت هل له أن يرد ذلك بعد الموت أم لا؟ على قولين منصوص عليهما في المذهب جاريين على الاختلاف في فعلها هل هو على الجواز- حتى يرد؛ أو على الرد حتى يجاز؟ وأما العبد فيما وهب أو أعتق، فإذا لم يعلم السيد بذلك، أو علم فلم يقض فيه برد ولا إجازة حتى عتق العبد- والمال بيده، فإن ذلك لازم له، ولا أعلم في هذا نص خلاف، وهو دليل على أن فعله على الإجازة- حتى يرد وهو القياس على ما أوضحناه من صحة ملكه على مذهب مالك، إلا أن الاختلاف الذي حكيناه عن بعض أصحاب مالك في الزوجة على ضعفه- داخل في العبد بالمعنى. فصل فإن فوت العبد المال في يده قبل أن يعتق ببيع أو هبة، بطلت الصدقة والعتق - قاله في الصدقة في كتاب الاعتكاف؛ والعتق مقيس عليه إلا أن يفرق بينهما

стр. 950

مفرق، بحرمة العتق- وهو بعيد، فإن رد السيد ذلك وبقي المال بيده لم يفوته إلى أن أعتق، لم يلزمه شيء قاله في المدونة في الهبة والصدقة، والعتق مقيس على ذلك لا يدخل فيه من الاختلاف ما يدخل في الزوجة- والله أعلم؛ وأما السفيه فلا يلزمه بعد أن ولي نفسه إنفاذ ذلك، كان الولي قد رده أو لم يرده، واختلف إن كان ذلك بيمين فحنث فيها بعد ولاية نفسه، واختلف أيضا إن لم يعلم بذلك حتى مات هل للورثة رد ذلك على قولين- حكاهما ابن حبيب في الواضحة. فصل فلا يصح للإنسان التصرف في ماله إلا بأربعة أوصاف، وهي: البلوغ، والحرية، وكمال العقل، وبلوغ الرشد؛ فأما اشتراط الحرية في ذلك، فإن العبد لا يملك ماله ملكا مستقرا، إذ لسيده انتزاعه منه، فهو محجور عليه فيه بحق الملك- وقد مضى الكلام على ذلك مستوفى. وأما الرشد فلأن الله ﵎ جعل الأموال قوام العيش وسببا للحياة وصلاحا للدين والدنيا، ونهى عن إضاعتها وتبذيرها في غير وجوهها، نظرا منه لعباده ورأفة بهم، فقال: ﴿وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٦] ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ [الإسراء: ٢٧]- وقال: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧]، وأمرنا ألا نمكن منها السفهاء حراسة لها من أن تبذر وتنفق في غير وجوهها- فقال تعالى: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلا مَعْرُوفًا﴾ [النساء: ٥]، وقال: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦]. وأما اشتراط البلوغ وكمال العقل في ذلك،

стр. 951

فلأنهما جميعا مشترطان في صحة الرشد وكماله؛ إذ لا يصح رشد من صبي لضعف ميزه بوجوه منافعه، ولا من مجنون لسقوط ميزه وذهاب رأيه؛ فوجب الاحتياط للأموال وقطع مادة الضرر عنها بأن يمنع من التصرف فيها من ليس بأهل التصرف فيها، ويحجر عليه فيها ويحال بينه وبينها- خشية الإضاعة لها امتثالا لأمر الله فيها. فصل فأما البلوغ فحده الاحتلام في الرجل، والحيض في النساء أو أن يبلغ أحدهما من السن أقصى سن من لا يحتلم، واختلف فيه من خمسة عشر عاما إلى ثمانية عشر عاما، واختلف قول مالك فيمن وجب عليه حد وقد أنبت ولم يبلغ أقصى سن من لا يحتلم، فادعى أنه لم يحتلم، هل يصدق فيما ادعاه أو يقام عليه الحد بما ظهر من إنباته على قولين، الأصح منهما تصديقه وألا يقام عليه الحد بشك في احتلامه؛ ولا اختلاف- عندي أنه لا يعتبر بالإنبات فيما بينه وبين الله تعالى من الأحكام؛ وأما العقل، فمحله القلب، وحده: علوم يتميز من وصف بها من البهيمة والمجنون، وهي كالعلم بأن الاثنين أكثر من الواحد، وأن الضدين لا يجتمعان، وأن الجزءين لا بد أن يكونا مجتمعين أو مفترقين، وأن السماء فوقنا والأرض تحتنا، وما أشبه ذلك. فصل فحد البلوغ وكمال العقل بينان تدرك معرفتهما بأدنى حظ من النظر والاستدلال، وأما الرشد فحده حسن النظر في المال ووضع الأمور في مواضعها، واختلف هل من شرط كماله الصلاح في الدين أم لا؟ - على قولين، وهو مما يخفى ولا يدرك معرفته إلا بطول الاختبار في المال والتجربة له فيه، ولهذا المعنى وقع

стр. 952

الاختلاف بين أهل العلم في الحد الذي يحكم للإنسان فيه بحكم الرشد ويدفع إليه ماله ويمكن من التصرف فيه. فصل والاختلاف في هذا إنما هو على حسب الأحوال وهي تنقسم على أربعة أقسام، حال الأغلب من صاحبها السفه، فيحكم له فيها بحكمه وإن ظهر رشده. وحال الأغلب من صاحبها الرشد، فيحكم له فيها بحكمه- وإن علم سفهه. وحال محتملة للرشد والسفه، والأظهر فيها السفه؛ فيحكم له بحكم ما لم يظهر رشده؛ وحال محتملة أيضا للرشد والسفه، والأظهر من صاحبها الرشد فيحكم له فيها بحكمه ما لم يظهر سفهه على اختلاف كثير بين أصحابنا في بعض هذه الأقسام. فصل فأما الحال التي يحكم له فيها بحكم السفه- وإن ظهر رشده - فمنها حال الصغر، لا اختلاف بين مالك وأصحابه أن الصغير الذي لم يبلغ الحلم من الرجال والمحيض من النساء، لا يجوز له في ماله معروف من هبة ولا صدقة ولا عطية ولا عتق- وإن أذن له في ذلك الأب أو الوصي- إن كان ذا أب أو وصي، وإن باع أو اشترى أو فعل ما يشبه البيع والشراء مما يخرج على عوض ولا يقصد فيه إلى فعل معروف، كان موقوفا على نظر وليه- إن كان له ولي، فإن رآه سدادا وغبطة أجازه وأنفذه، وإن رآه بخلاف ذلك رده وأبطله، وإن لم يكن له ولي قدم له ولي ينظر له في ذلك بوجه النظر والاجتهاد، وإن غفل عن ذلك حتى يلي أمره كان النظر إليه في إجازة إنفاذ ذلك أو رده. واختلف إذا كان فعله سدادا ونظرا مما كان يلزم الولي أن يفعله: هل له أن يرده وينقضه إن آل الأمر إلى خلاف ذلك بحوالة الأسواق أو نماء فيما باعه أو نقصان فيما ابتاعه، أو ما يشبه ذلك، فالمشهور المعلوم في المذهب أن ذلك له، وقيل: إن ذلك ليس له وهو الذي يأتي على ما وقع لأصبغ في

стр. 953

الخمسة، وعلى رواية يحيى في كتاب التخيير والتمليك- خلاف ما يقوم مما وقع لأصبغ في نوازله من كتاب المديان والتفليس، ويلزمه ما أفسد وكسر في ماله مما لم يؤتمن عليه؛ واختلف فيما أفسد وكسر مما أؤتمن عليه، ولا يلزمه بعد بلوغه ورشده عتق ما حلف بحريته وحنث به في حال صغره، واختلف فيما حلف به في حال صغره، وحنث به في حال رشده، فالمشهور أنه لا يلزمه؛ وقال ابن كنانة: ذاك يلزمه ولا يلزمه يمين فيما ادعي عليه فيه واختلف إذا كان له شاهد واحد هل يحلف مع شاهده لم لا؟ فالمشهور أنه لا يحلف ويحلف المدعى عليه، فإن نكل غرم- ولم يكن على الصغير يمين- إذا بلغ، وإن حلف برئ- إلى بلوغ الصغير فإذا بلغ حلف وأخذ حقه، وإن نكل لم يكن له شيء، ولا يحلف المدعى عليه ثانية، وقد روي عن مالك والليث أنه يحلف مع شاهده ولا شيء عليه فيما بينه وبين الله من الحقوق والأحكام؛ لقول النبي ﷺ : «رفع القلم عن ثلاث» - فذكر فيهم الصبي حتى يحتلم. فصل ومنها حال البكر ذات الأب والوصي ما لم تعنس على مذهب من يعتبر تعنيسها، وقد اختلف في حده على ما سنذكره بعد- إن شاء الله- أو ما لم تتزوج ويدخل بها زوجها- على مذهب من لا يعتبر تعنيسها؛ ومنها حال من تثبت عليه ولاية من قبل الأب أو من قبل السلطان حتى تطلق منها على قول مالك وكبراء أصحابه- خلافا لابن القاسم. فصل وأما الحال التي يحكم له فيها بحكم السفه- ما لم يظهر رشده، فمنها ..

стр. 954

حال الابن بعد بلوغه في حياة الأب على المذهب. وحال البكر ذات الأب أو اليتيمة التي لا وصي لها- إذا تزوجت ودخل بها زوجها من غير حد، ولا تفرقة بين ذات الأب واليتيمة على رواية ابن القاسم عن مالك، خلافا لمن حد في ذلك حدا، أو فرق بين ذات الأب واليتيمة- على ما سنذكره- إن شاء الله. فصل وأما الحال التي يحكم له فيها بحكم الرشد ما لم يظهر سفهه، فمنها حال البكر المعنس على مذهب من يعتبر تعنيسها، واختلف في حده أو التي دخل بها زوجها ومضى لدخوله بها العام أو العامان أو السبعة الأعوام على الاختلاف في الحد المؤقت في ذلك بين من وقته، أو حال الابن ذي الأب بعد بلوغه، والابنة ذات الأب بعد بلوغها على رواية زياد عن مالك. فصل ولا يخرج عن هذا التفصيل الذي فصلناه وقسمناه إلى أربعة أقسام - شيء من الاختلاف الحاصل ببين أصحابنا في هذا الباب، وأنا أذكر من ذلك ما حضر لي حفظه بالاختصار- ما أقدر عليه- إن شاء الله تعالى؛ وأما الابن فهو في ولاية أبيه ما دام صغيرا لا يجوز له فعل إلا بإذنه، ولا هبة ولا صدقة؛ وإن كان ذلك بإذنه، فإذا بلغ فلا يخلو أمره من ثلاثة أحوال: أحدها: أن يكون معلوم الرشد. والثاني: أن يكون معلوم السفه. والثالث: أن يكون مجهول الحال لا يعلم رشده من سفهه. فأما إذا كان معلوما بالرشد فأفعاله جائزة ليس للأب أن يرد شيئا منها وإن لم يشهد على إطلاقه من الولاية فقد خرج منها ببلوغه مع ما ظهر من رشده؛ وأما إن

стр. 955

كان معلوما بالسفه، فلا يخرجه الاحتلام من ولاية أبيه- وأفعاله كلها مردودة غير جائزة، وأما إن كان مجهول الحال لا يعلم رشده من سفهه، فاختلف فيه على قولين: أحدهما: أنه محمول على السفه حتى يثبت رشده- وهو نص رواية يحيى عن ابن القاسم في كتاب الصدقات والهبات، قال فيها ليس الاحتلام بالذي يخرجه من ولاية أبيه حتى تعرف حاله ويشهد العدول على صلاح أمره- وهو ظاهر سائر الروايات عنه، وعن مالك ﵀ في المدونة وغيرها من ذلك ما وقع في المدونة في الكتاب الأول من النكاح، وفي كتاب الهبة والصدقة، وفي كتاب الجعل والإجارة. والثاني: أنه محمول على الرشد حتى يثبت سفهه ويخرج بالاحتلام من ولاية أبيه إذا لم يعرف سفهه- وإن لم يعرف رشده، روى ذلك زياد عن مالك وهو ظاهر ما وقع في أول كتاب النكاح من المدونة قوله: إذا احتلم الغلام فله أن يذهب حيث شاء، إلا أن يتأول إن أراد بنفسه لا بماله- كما تأول ابن أبي زيد ﵀؛ واستحسن بعض الشيوخ ألا يخرج من ولاية أبيه حتى يمر به بعد الاحتلام العام ونحوه، وإلى هذا ذهب ابن العطار في وثائقه، على أنه قد اضطرب في ذلك قوله - فذكر أنه لا يجوز للرجل تسفيه ابنه إلا أن يكون معلوما بالسفه ولم يفرق بين قرب ولا بعد، وحكى غيره من الموثقين أن تسفيهه جائز وإن لم يعلم سفهه إذا كان بحرارة بلوغه قبل انقضاء عامين. فصل فإن مات الأب- وهو صغير وأوصى به إلى أحد، أو قدم عليه السلطان، فلا يخرج من ولاية وصي أبيه أو مقدم السلطان- حتى يخرجه منها الوصي أو السلطان، إن كان الوصي مقدما من قبله، وأفعاله كلها مردودة- وإن علم رشده ما لم يطلق من الحجر، إن هذا قول ابن زرب أن الوصي من قبل القاضي لا يطلق من الولاية إلا بإذن القاضي، وقد قيل: إن إطلاقه من إلى نظره بغير إذن القاضي

стр. 956

جائز وإن لم يعرف رشده إلا بقوله، وقيل: لا يجوز إطلاقه إياه بغير إذن القاضي إلا أن يكون معروفا بالرشد، فإذا عقد له بذلك عقدا ضمنه معرفة شهدائه لرشده؛ وأما وصي الأب فإطلاقه جائز- وهو مصدق فيما يذكر من حاله وإن لم يعرف ذلك إلا من قوله؛ وقيل: إن إطلاقه لا يجوز إلا أن يتبين حاله ويعلم رشده، وهي رواية أصبغ عن ابن القاسم في كتاب الوصايا من العتبية. فصل وقولنا: إن أفعاله كلها مردودة- وإن علم رشده ما لم يطلق من ثقاف الحجر أن الذي لزمه هو المشهور في المذهب المعمول به، وقد قيل: إن حاله مع الوصي كحاله مع الأب، وأنه يخرج من ولايته إذا علم رشده أو جهل حاله على الاختلاف المتقدم، وهو ظاهر ما وقع في كتاب الهبة والصدقة من المدونة؛ قوله فقد منعهم الله من أموالهم مع الأوصياء بعد البلوغ إلا بالرشد، فكيف مع الآباء الذين هم أملك بهم من الأوصياء، وإنما الأوصياء بسبب الآباء؛ ونحوه لابن الماجشون في الواضحة قال: إن البكر إذا عنست أو نكحت جازت أفعالها - كانت ذات أب أو وصي؛ وأما ابن القاسم فمذهبه أن الولاية لا يعتبر ثبوتها إذا علم الرشد، ولا سقوطها إذا علم السفه- أعني في اليتيم لا في البكر؛ وقد روى ابن وهب عن مالك مثل قول ابن القاسم، وروى زونان عن ابن القاسم أن من ثبت عليه ولاية، فلا تجوز أفعاله حتى يطلق منها- وإن ظهر رشده مثل قول مالك وكبار أصحابه. فصل فإن مات الأب ولم يوص به إلى أحد ولا قدم عليه السلطان وصيا ولا ناظرا، ففي ذلك أربعة أقوال: أحدها: قول مالك وكبراء أصحابه: إن أفعاله كلها بعد البلوغ جائزة نافذة - رشيدا كان أو سفيها، معلنا بالسفه أو غير معلن به؛ اتصل سفهه من حين بلوغه، أو سفه بعد أن آنس منه الرشد من غير تفصيل في شيء من ذلك.

стр. 957

والثاني: قول مطرف وابن الماجشون أنه إن كان متصل السفه من حين بلوغه، فلا يجوز شيء من أفعاله؛ وأما إن سفه بعد أن آنس منه الرشد فأفعاله جائزة عليه ولازمة له ما لم يكن بيعه بيع سفه وخديعة بينة، مثل أن يبيع ثمن ألف دينار بمائة دينار، وما أشبه ذلك؛ فلا يجوز ذلك عليه ولا يتبع بالثمن إن أفسده من غير تفصيل بين أن يكون معلنا بالسفه أو غير معلن به. والثالث: قول أصبغ إنه إن كان معلنا بالسفه، فأفعاله غير جائزة، وإن لم يكن معلنا به، فأفعاله جائزة من غير تفصيل بين أن يتصل سفهه أو لا يتصل؛ وذهب ابن القاسم إلى أنه ينظر إلى حاله يوم بيعه وابتياعه، فإن كان رشيدا جازت أفعاله، وإن كان سفيها، لم يجز منها شيء من غير تفصيل بين أن يتصل سفهه أو لا يتصل؛ واتفق جميعهم أن أفعاله جائزة لا يرد منها شيء إن جهلت حاله ولم يعلم بسفه ولا رشد. فصل وأما الابنة البكر فلا اختلاف أيضا بين أصحابنا أن أفعالها مردودة غير جائزة ما لم تبلغ المحيض، فإذا بلغت المحيض لا يخلو أمرها من ثلاثة أحوال: أحدها: إن تكون ذات أب. والثاني: أن تكون يتيمة ذات وصي قد أوصى عليها الأب أو السلطان. والثالث: أن تكون يتيمة لا وصي لها من قبل أبيها ولا مقدما من قبل السلطان. فأما ذات الأب فاختلف فيها على ثمانية أقوال:

стр. 958

أحدها: رواية زياد عن مالك أنها تخرج بالحيض من ولاية أبيها، ومعنى ذلك- عندي- إذا علم رشدها أو جهل حالها؛ وأما إن علم سفهها، فهي باقية في ولايته. والثاني: قول مالك في الموطأ والمدونة، وفي الواضحة من رواية مطرف عنه أنها في ولاية أبيها حتى تتزوج ويدخل بها زوجها ويعرف من حالها أي يشهد العدول على صلاح أمرها، فهي على قول مالك هذا ما لم تنكح ويدخل بها زوجها في ولايته مردودة أفعالها وإن علم رشدها فإذا دخل بها زوجها حملت على السفه وأقرت في ولايته وردت أفعالها- ما لم يظهر رشدها؛ فإن علم رشدها وظهر حسن حالها، جازت أفعالها وخرجت من ولاية أبيها- وإن كان ذلك بقرب بناء زوجها عليها إلا أن مالكا استحب في رواية مطرف عنه أن يؤخر أمرها العام ونحوه استحبابا من غير إيجاب. والثالث: أنها في ولاية أبيها ما لم تعنس أو يدخل بها زوجها ويعرف من حالها، فهي على هذه الرواية بعد التعنيس محمولة على الرشد مجوزة أفعالها- ما لم يعلم سفهها- وقبله مردودة أفعالها وإن علم رشدها؛ ولا يخلو إن تزوجت أن يكون دخول زوجها بها قبل حد التعنيس أو بعده، فإن دخل بها قبل حد التعنيس فهي من حين يدخل بها إلى أن تبلغ حد التعنيس محمولة على السفه حتى يتبين رشدها وبعد بلوغها حد التعنيس محمولة على الرشد حتى يتبين سفهها- وإن دخل بها بعد التعنيس، فلا يؤثر دخوله بها في حكمها الذي قد ثبت لها بالتعنيس من كونها محمولة على الرشد حتى يتبين سفهها؛ وقد اختلف في حد تعنيس هذه فقيل أربعون عاما، وقيل من الخمسين إلى الستين وروي عن مالك أن هباتها وصدقاتها وأعطياتها وعتقها جائزة بعد التعنيس- إن أجازها الوالد، معناه إن قال الوالد في المجهولة الحال: إنها رشيدة في أحوالها، إذ التي علم سفهها لا يجوز للوالد إجازة أعطياتها، والتي علم رشدها، لا يجوز للوالد رد أعطياتها، فعلى هذه

стр. 959

الرواية لم يحمل المعنسة المجهولة الحال على السفه ولا على الرشد، وأعمل قول الوالد في ذلك، فهذا القول الثالث يتفرع إلى ثلاثة أقوال- على ما بيناه- تتمة خمسة أقوال. والقول السادس أنها في ولاية أبيها حتى تمر بها سنة بعد دخول زوجها بها- وهو قول مطرف في الواضحة، وظاهر قول يحيى بن سعيد في المدونة؛ فعلى هذا القول تكون أفعالها قبل دخول زوجها بها مردودة- وإن علم رشدها وبعد دخول زوجها بها ما بينها وبين انقضاء العام- مردودة. ما لم يعلم رشدها، وبعد انقضاء العام جائزة ما لم يعلم سفهها، ووافقه ابن الماجشون في تحديد السنة وخالفه في تركه الاعتبار بالتعنيس، فرأى أنها إذا عنست وعلم حسن مالها خرجت من ولاية أبيها ووصيها. والقول السابع: أنها في ولاية أبيها حتى يمر بها عامان- وهو قول ابن نافع في كتاب الصدقات والهبات في العتبية. والقول الثامن أنها في ولاية أبيها حتى يمر بها سبعة أعوام، وهذا القول يعزى إلى ابن القاسم، وبه جرى العمل عندنا؛ وقال ابن أبي زمنين إن الذي أدرك عليه الشيوخ أن تجوز أفعالها وتخرج من ولاية أبيها - إذا مضى لها في بيت زوجها من الستة الأعوام إلى السبعة- ما لم يجدد الأب عليها السفه قبل ذلك؛ وهذا قريب من القول الثامن، فيكون حالها بعد هذا الأمر محمولا على الرشد حتى يعلم خلافه على ما بيناه. وقول ابن أبي زمنين ما لم يجدد الأب عليها السفه قبل ذلك به كان يفتي القاضي ابن زرب ﵀، وإليه ذهب ابن العطار في وثائقه وهو أمر مختلف فيه، كان أبو عمر الإشبيلي ﵀ يذهب إلى أن ذلك لا يجوز عليها ولا يلزمها، إلا أن يكون قد تضمن عقد التجديد للسفه معرفة شهدائه لسفهها، وبه كان يفتي أبو عمر بن القطان ﵀؛ وهو القياس على مذهب من حد لجواز أفعالها حدا؛ لأنه حملها ببلوغها إليه على الرشد، وأجاز أفعالها فلا يصدق الأب في إبطال هذا الحكم لها بما يدعيه من سفهها، إلا أن يعلم صحة قوله؛ ويتخرج قول ابن أبي زمنين ومن ذهب مذهبه على الرواية التي رويت عن مالك أن عتقها وهباتها وصدقاتها جائزة بعد التعنيس - إن أجازها الوالد وقد تكلمنا على معنى الرواية بما يؤيد تأويلنا هذا فيها.

стр. 960

فصل واختلف أيضا المتأخرون من شيوخنا الذين حكموا بأعمال التسفيه عليها في الأب يولي على ابنته بعد دخول زوجها بها وقبل أن تبلغ الحد الذي وقت لجواز أفعالها، ثم تتراخى مدته إلى أن تبلغ ذلك الحد، ثم تموت بعد ذلك، هل يلزمه حكم تلك الولاية الثابتة أم لا على قولين: فمنهم من رأى أن إيصاءه عليها لازم لها، كتجديد السفه عليها الذي لا تنفك ولا تخرج منه إلا بثبات رشدها بالبينة العادلة. ومنهم من لم ير ذلك لازما لها بخلاف تجديد السفه عليها، وقالوا مثل ذلك الأب يولي على ابنته وهي بكر ثم يزوجها فتقيم مع زوجها سبع سنين أو أكثر فيموت، أن الإيصاء ساقط عنها؛ واحتجوا أيضا برواية أشهب عن مالك الواقعة في كتاب الوصايا من العتبية، ولم أعلمهم اختلفوا في لزوم الولاية لها إذا أوصى عليها بعد دخول زوجها بها، ثم مات قبل بلوغها الحد الذي وقت لخروجها من ولايته، ولا يبعد دخول الاختلاف في ذلك بالمعنى، وأما من أوصى على ابنته وهي صغيرة أو بكر ثم مات وهي بكر قبل دخول زوجها بها أو بعد دخول زوجها بها قبل مضي المدة المؤقتة لخروجها من ولايته، فالولاية لها لازمة. فصل وأما إن كانت يتيمة ذات وصي من قبل أبيها أو مقدم من قبل القاضي، فلا تخرج من الولاية- وإن عنست أو تزوجت ودخل بها زوجها وطال زمانها وحسنت حالها- ما لم تطلق من ثقاف الحجر أن الذي لزمها بما يصح إطلاقها منه به، وقد بينا ذلك قبل هذا، هذا هو المشهور في المذهب المعمول به؛ وقد تقدم من قول ابن الماجشون أن حالها مع الوصي، كحالها مع الأب في خروجها من ولايته بالتعنيس أو النكاح- يريد مع طول المدة وتبين الرشد، وهي رواية مطرف، وابن عبد الحكم، وعبد الرحيم - عن مالك.

стр. 961

فصل وأما إن كانت يتيمة لم يول عليها بأب ولا وصي، فاختلف فيها على قولين: أحدهما: أن أفعالها جائزة- إذا بلغت المحيض، وهو قول سحنون في العتبية، وقول غير ابن القاسم في المدونة، ورواية زياد عن مالك. والثاني: أن أفعالها مردودة ما لم تعنس، واختلفت في حد تعنيس هذه على خمسة أقوال: أحدها: ثلاثون سنة- وهو قول ابن الماجشون، وقيل أقل من الثلاثين وهو قول ابن نافع. وقيل أربعون- وهي رواية مطرف عن مالك، وأصبغ عن ابن القاسم. وقيل من الخمسين إلى الستين، وهي رواية سحنون عن ابن القاسم؛ وفي المدونة لمالك من رواية ابن القاسم عنه- أن أفعالها لا تجوز حتى تعنس وتقعد عن المحيض، أو ما لم تتزوج ويدخل بها زوجها وتقيم معه مدة يحمل أمرها فيها على الرشد، قيل: أقصاها العام. وهو قول ابن الماجشون، وإليه ذهب ابن العطار في وثائقه. وقيل ثلاثة أعوام ونحوها؛ وقال ابن أبي زمنين إن الذي أدرك الشيوخ عليه ألا تجاز أفعالها حتى يمر بها في بيت زوجها مثل السنتين والثلاث. فصل قد أتينا بحمد الله على ما شرطنا من بيان الحدود المميزة بين من يجوز

стр. 962

فعله ممن لا يجوز في الأبكار وغيرهن، فنرجع الآن إلى ذكر القول في أحكام أفعال من لا تجوز أفعاله من السفهاء البالغين، إذ قد تقدم القول في أحكام أفعال الصبيان؛ فنذكر من ذلك ما أمكن ذكره وحضر حفظه على شرط الإيجاز والاختصار، وترك التطويل والإكثار- إن شاء الله، وهو المستعان. اعلم- وفقنا الله وإياك أن السفيه البالغ يلزمه جميع حقوق الله التي أوجبها الله على عباده في بدنه وماله، ويلزمه ما وجب في بدنه من حد أو قصاص، ويلزمه الطلاق- كان بيمين حنث فيها أو بغير يمين، وكذلك الظهار وينظر له وليه فيه بوجه النظر، فإن رأى أن يعتق عنه ويمسك عليه زوجته فعل، وإن رأى ألا يعتق عنه - وإن آل ذلك إلى الفراق بينهما، كان ذلك له ولا يجزيه الصيام ولا الإطعام إذا كان له من المال ما يحمل عتق رقبة، وقال محمد بن المواز إذا لم ير له وليه أن يكفر عنه بالعتق فله هو أن يكفر بالصيام. ولا يطلق عليه في مذهبه إلا بعد أن يضرب له أجل الإيلاء- إذا طلبت امرأته ذلك؛ لأن له أن يكفر بالصيام، وعلى القول الأول تطلق عليه من غير أن يضرب له أجل الإيلاء إذا رفعت المرأة ذلك، وهو قول أصبغ ولا حد في ذلك عند ابن القاسم؛ وقال ابن كنانة لا يعتق عنه وليه إلا في أول مرة، فإن عاد إلى الظهار لم يعتق عنه؛ لأن المرة الواحدة تأتي على الحليم والسفيه، وإلى هذا ذهب محمد بن المواز؛ وأما الإيلاء فإن دخل عليه بسبب يمين بالطلاق وهو فيها على حنث، أو بسبب امتناع وليه عن أن يكفر عنه في الظهار لزمه، وأما إن كان حلف على ترك الوطء، فينظر إلى يمينه: فإن كانت بعتق أو صدقة أو ما أشبه ذلك مما لا يجوز له فعله ويحجر عليه في ذلك وليه، لم يلزمه به إيلاء، وإن كانت بالله تعالى، لزمه الإيلاء- إن لم يكن له مال، ولم يلزمه إن كان له مال، وإن

стр. 963

كانت يمينه بصيام أوجبه على نفسه أو صلاة أو ما أشبه ذلك مما يلزمه، لزمه به الإيلاء؛ وعلى قول محمد بن المواز يلزمه الإيلاء باليمين بالله- وإن كان له مال، ولا يلزمه هبة ولا صدقة ولا عطية ولا عتق ولا شيء من المعروف في ماله، إلا أن يعتق أم ولده فيلزمه عتقها، لأنها تشبه الزوجة التي ليس له فيها إلا الاستمتاع بالوطء، واختلف هل يتبعها مالها أم لا على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يتبعها وهو قول مالك في رواية أشهب عنه. والثانية: أنه لا يتبعها. وهي رواية يحيى عن ابن القاسم. والثالث: التفرقة بين أن يكون مالها قليلا أو كثيرا- وأراه قول أصبغ، وقال المغيرة وابن نافع لا يلزمه عتقها، ولا يجوز عليه، بخلاف الطلاق، ولا يجوز إقراره بالدين إلا أن يقر في مرضه فيكون في ثلث ماله- قاله ابن كنانة، واستحسن ذلك أصبغ - ما لم يكثر. وإن حمله الثلث؛ وأما بيعه وشراؤه ونكاحه وما أشبه ذلك مما يخرج على عوض ولا يقصد به قصد المعروف، فإنه موقوف على نظر وليه- إن كان له ولي: إن رأى أن يجيزه أجازه، وإن رأى أن يرده رده بوجه النظر له والاجتهاد، وإن لم يكن له ولي، قدم له القاضي ناظرا ينظر له في ذلك نظر الوصي؛ فإن لم يفعل حتى ملك أمره، كان هو مخيرا في رد ذلك أو إجازته؛ فإن رد بيعه وابتياعه وكان قد أتلف الثمن الذي باع به، أو السلعة التي ابتاعها لم يتبع ماله بشيء من ذلك. واختلف إن كانت أمة فأولدها: فقيل: إن ذلك فوت ولا ترد، وقيل: إن ذلك ليس بفوت كالعتق وترد، ولا يكون عليه من قيمة الولد شيء؛ واختلف إن كان قد أنفق الثمن فيما لا بد له منه مما يلزمه إقامته: هل يبيع ماله بذلك أم لا على قولين: وإن كان الذي اشترى المشتري منه أمة فأولدها أو أعتقها، أو غنما فتناسلت، أو بقعة فبناها، أو شيئا له غلة فاغتله، كان حكمه في جميع ذلك حكم من اشترى من ملك فيما يرى فاستحق من يده ما اشترى بعد أن أحدث فيه ما ذكرت، يرد إلى المولى عليه الأمة التي أعتقت، وينتقض العتق فيها، ويأخذ

стр. 964

الأمة التي ولدت منه وقيمة ولدها على الاختلاف المعلوم في ذلك؛ وإن كان الولد من غيره بتزويج، أخذهم مع الأم، وكذلك يأخذ الغنم ونسلها- وكان عليه فيما بناه قيمة بنيانه قائما، وكانت الغلة التي اغتل له بالضمان؛ هذا كله إن كان لم يعلم بأنه مولى عليه لا يجوز بيعه؛ وأما إن علم أنه مولى عليه متعد في البيع بغير إذن وليه لسفه يقصده، فحكمه حكم الغاصب يرد الغلة ويكون له فيما بناه قيمته منقوضا؛ واختلف فيما فوت السفيه من ماله بالبيع والهبة والصدقة والعتق، وما أشبه ذلك، فلم يعلم به حتى مات؛ هل يرد بعد الموت أم لا على قولين، واختلف إذا تزوج فلم يعلم وليه بنكاحه حتى مات، هل ترثه المرأة ويلزمه الصداق أم لا على ثلاثة: أحدها: أنه لا ميراث لها ولا صداق، إلا أن يكون قد دخل بها فيكون لها منه قدر ما استحل به. والثاني: أن لها الميراث وجميع الصداق. والثالث: أن لها الميراث وينظر الولي في النكاح: فإن كان نكاح غبطة مما لو نظر فيه الولي في حياته لم يفسخه وأجازه، فلها الصداق مع الميراث- دخل بها أو لم يدخل، وإن كان نكاحه نكاح فساد وعلى غير وجه غبطة، وجب لها الميراث وردت الصداق- دخل بها أو لم يدخل، ويترك لها في الدخول ربع دينار؛ وهذا قول أصبغ في الخمسة، والقولان المتقدمان لابن القاسم - وهما جاريان على الاختلاف في فعله: هل هو على الجواز حتى يرد، أو على الرد حتى يجاز؛ واختلف هل يزوجه الولي بغير أمره كالصغير، أم لا يزوجه إلا بأمره على قولين قائمين من المدونة، ومنصوصين في الواضحة؛ وكذلك اختلف أيضا هل يخالع عنه بغير إذنه أم لا على قولين، فله في المدونة أنه لا يخالع عنه إلا بإذنه، وروى عيسى عن ابن القاسم أنه يخالع عنه بغير إذنه كالصبي، ويلزمه في ماله ما أفسد

стр. 965

وكسر مما لم يؤتمن عليه باتفاق، ومما اؤتمن عليه باختلاف، ولا يلحقه يمين فيما ادعي عليه به في ماله. وأما ما ادعي عليه مما يجوز عليه فيه إقراره، فتلحقه فيه اليمين؛ ويحلف مع شاهده في حق يكون له، فإن حلف، استحق حقه، فإن نكل عن اليمين حلف المدعى عليه وبرئ في مذهب ابن القاسم؛ وقال ابن كنانة إن نكل عن اليمين، حلف المدعى عليه وبرئ إلى أن يحسن حاله فيكون له أن يحلف مع شاهده ويستحق حقه كالصغير - إذا بلغ، ويعقل مع العاقلة ما لزم العاقلة من الجرائر؛ ويجوز عفوه عن دمه خطأ كان أو عمدا؛ واختلف في عفوه عما دون النفس مما في بدنه من الجراح أو الشتم، هل يجوز ذلك أم لا على قولين؟ أحدهما: قول مطرف وابن الماجشون: أن عفوهم لا يجوز في شيء من ذلك. والثاني: قول ابن القاسم: أن عفوهم عن كل ما ليس بمال جائز، واختلف في شهادته إذا كان مثله لو طلب ماله أخذه- وهو عدل، فروى أشهب عن مالك أن شهادته جائزة، وقال أشهب لا تجوز- وهو الذي يأتي على المشهور من مذهب مالك: أن المولى عليه لا تجوز أفعاله- وإن كان رشيدا في أحواله حتى يخرج من الولاية، وبالله التوفيق.

стр. 966

كتاب الرهون فصل في جواز الرهن في السفر والحضر مذهب مالك ﵀ وجل أهل العلم- إجازة الرهن في السفر والحضر؛ لأن الله- ﵎ نص على جوازه في السفر؛ لقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، وأجازته السنة في الحضر على ما ثبت في الآثار الصحاح، من ذلك ما روي عن النبي ﷺ في الصحيح من رواية عائشة وغيرها «أن رسول الله ﷺ : اشترى من يهودي طعاما إلى أجل ورهنه درعه»: وروي أن «رجلا جاء إلى رسول الله ﷺ يتقاضاه، فأغلظ له في القول، فقال له رجل من القوم: ألا أراك تقول لرسول الله ﷺ ما تقول؛ فقال: "دعه فإنه طالب حق "، ثم قال للرجل: "انطلق إلى فلان فليبعنا طعاما إلى أن يأتينا شيء"، فأبى اليهودي فقال لا أبيعه إلا بالرهن؛ فقال رسول الله ﷺ : اذهب إليه بدرعي أما والله إني لأمين في السماء وأمين في الأرض». - وتوفي رسول الله ﷺ ودرعه مرهونة عند يهودي. - وهو حاضر غير مسافر.

стр. 967

فصل ولا أعلم أحدا من أهل العلم منع من الرهن في الحضر، وأجازه في السفر بظاهر الآية غير مجاهد، ولا تعلق له بظاهرها، إذ ليس في ذكره تعالى الرهن في السفر دليل على المنع منه في الحضر، وإنما أرشدنا الله تعالى إلى التوثق بالرهن عند عدم التوثق بالكتاب والإشهاد، فذكر تعالى السفر؛ لأنه الحال الذي يتعذر فيها الكتاب في الأغلب من الأحوال. فصل روي عن النبي ﷺ أنه قال: «لا يغلق الرهن»، وأنه قال: «الرهن محلوب ومركوب بنفقته»، وأنه قال: «الرهن بما فيه»، وأنه قال: «الرهن ممن رهنه له غنمه وعليه غرمه»، فدلت هذه الآثار كلها على جواز الرهن؛ لأن تعلق الأحكام به يفيد جوازه، واقتضت بعمومها السفر والحضر وهذا بين. فصل فأما قوله: «لا يغلق الرهن»، فمعناه ما فسره به مالك ﵀ في موطئه وذلك أنه قال تفسيره فيما نرى- والله أعلم- أن يرهن الرجل الرهن عند الرجل بالشيء - وفي الرهن فضل عما رهن فيه، فيقول الراهن للمرتهن إن جئتك بحقك إلى أجل كذا وكذا وإلا فالرهن لك بما فيه؛ قال: فهذا لا يصلح ولا يحل، وهذا الذي نهى عنه، وإن جاء صاحبه بالذي رهن به بعد الأجل، فهو له، وأرى

стр. 968

هذا الشرط مفسوخا، وتفسيره صحيح؛ لأن غلق الرهن معناه ألا يفك، قال: زهير. وفارقتك برهن لا فكاك له ... يوم الوداع فأمسى الرهن قد غلقا وأما قوله- ﷺ : «الرهن محلوب ومركوب بنفقته»، فالذي تأوله عليه أصحابنا على المذهب أن الراهن الذي له الرقبة هو يركبه ويحلبه أي له أجر الركوب وما يحلب منه من اللبن، إذ عليه النفقة؛ وأما قوله الرهن بما فيه، فمعناه إذا هلك وعميت قيمته، وكذلك قال أشهب وابن القاسم وأصبغ "؛ وأما قوله «الرهن ممن رهنه له غنمه وعليه غرمه»، فغنمه نماؤه وزيادته، وغرمه تلفه ونقصانه؛ فأما النماء والزيادة، فلا خلاف أنها للراهن على ما ورد في الحديث؛ وإنما الاختلاف هل يدخل في الرهن على ما سنبينه- إن شاء الله. وأما قوله- ﷺ : عليه غرمه فيتناول فيما لا يغاب عليه أو فيما يغاب عليه، إذا قامت البينة على تلفه من غير تعدي المرتهن. فصل فالرهن يجوز ويلزم بالعقد ولا يتم وينبرم ويصح التوثق به إلا بالحيازة لقول الله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣]. ومن أهل العلم من قال إنه لا يكون رهنا حتى يكون مقبوضا - وهذا مذهب الشافعي وأهل العراق، وفائدة الخلاف بيننا وبينهم في ذلك أنه إذا قال رهنتك هذا الثوب فقبل المرتهن، ثم بدا للراهن في إرهانه، فإنه يجبر عندنا على أن يقبضه؛ لأن الرهن قد تم عقده؛ وعندهم أنه يكون مخيرا بين أن يقبض فيلزم، وبين ألا يقبضه فلا يلزم؛ فإذا قبضه لزم؛ واستدلوا على ذلك، بقوله- عزو جل: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، وقالوا لما وصفها الله- بالقبض، وجب أن يكون ذلك من شروط كونها رهنا، وأن يكون القبض مصاحبا لها كما أنه لما وصف الرقبة بالإيمان، كان الإيمان شرطا فيها، مصاحبا

стр. 969

لها. وقالوا فلأن قوله: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، لا يخلو أن يكون خبرا، أو أمرا، فإن كان خبرا، كان شرطا فيه لامتناع أن يقع الخبر بخلاف مخبره؛ وإن كان أمرا، فهو على وجوبه؛ والدليل على صحة قولنا، قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]. والعقد قد حصل؛ لأنه الإيجاب والقبول- وذلك موجود، وأيضا فإنه قال: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، فجعل القبض من صفاتها فدل ذلك على أنها تكون رهنا قبل القبض؛ لأن وصف الشيء بصفة، يجب أن يكون معنى زائدا على وجوده ولا ناقد، اتفقنا على أنه إذا أقبضه الرهن، فإنه يصح ويلزم وليس يخلو أن يكون القول الأول الذي تلاه القبض قد انعقد به الرهن أو لم ينعقد، فإن كان قد انعقد به، فذلك ما قلناه؛ لأنه إنما أقبضه ما ثبت رهنا، - فيجب أن يكون كونه رهنا سابقا للإقباض؛ وإن كان لم ينعقد به لم يجز أن يصير رهنا بهذا القبض؛ لأن مجرد القبض لا يجعل المقبوض رهنا، ففي اتفاقنا على لزومه بالقبض دليل بين على انعقاده بالقول. فصل واختلف إذا جعل الرهن على يدي عدل، فقالت طائفة ليس بمقبوض، والذي ذهب إليه مالك أنه مقبوض، فيكون بذلك شاهدا له، ويكون أحق به من الغرماء. حكى هذا عن مالك إسماعيل القاضي في الأحكام، وقاله ابن المواز - وهو ظاهر الروايات في المدونة وغيرها؛ وقال أصبغ في سماع يحيى من كتاب الرهون أنه لا يكون له شاهدا إذا كان على يدي عدل، وهو ظاهر قول مالك في موطئه. فصل ولما جعل الله- الرهن بدلا من الكتاب والإشهاد في التوثقة عند عدم الكاتب، فقال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣]،

стр. 970

دل أن الرهن يقوم مقام الكتاب في بعض أحواله، إذ لا يجوز أن يعوض شيء من شيء وهو لا ينوب منابه في حال، ألا ترى أن التيمم لما جعله الله بدلا من الوضوء فقال تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣]، ناب منابه في استباحة الصلاة به، فنوبه مناب التوثق بالإشهاد، هو ما ذهب إليه مالك ﵀ أن الرهن شاهد لمرتهنه إلى مبلغ قيمته؛ لأنه إنما صار رهنا من أجل قيمته، فكان الرهن شاهدا بقيمته، كما أن الشهود قيام بما أشهدوا به، خلافا لأهل العراق - في قولهم إن القول قول الراهن؛ لأنه مقر مدعى عليه؛ وهذا غلط منهم، بل الراهن مدع؛ لأنه يدعي أنه مستحق لقبض الرهن بما يذكره، فمن أجل هذه النكتة دخل في حيز المدعين فلم يجز أن يعطى بدعواه. وكذلك أصول مالك ﵀، يقول في الزوجين إذا اختلفا في الصداق قبل الدخول أنه لا جائز أن يحكم للزوج بدعواه؛ لأنه يقول إنه مستحق لقبض المرأة وبضعها بما يذكره فهو مدع. وكذلك المتبايعان إذا اختلفا في الثمن قبل القبض، أن المشتري يقول إنه مستحق لقبض السلعة بما يذكره من الثمن فهو في هذه الحال مدع؛ فكذلك الراهن مدع لقبض الرهن بما يذكره، والمرتهن يقول غير ذلك؛ فأعدل الأمور ما ذهب إليه مالك ﵀ أن يرد الأمر إلى مبلغ قيمة الوثيقة. وهي الرهن، ويستحلف مع ذلك لإمكان أن يرهن بأقل من قيمته وأكثر. فصل وما يدعي المرتهن من الفضل على قيمة الرهن لا وثيقة له به، فهو فيه مدع؛ فإذا ضاع الرهن، أو دخل الزوج بالمرأة، أو قبض المشتري السلعة؛ كان القول في هذه الحال قول الراهن، وقول الزوج، وقول المشتري- مع أيمانهم؛ لأنهم في هذه الحال مقرون مدعى عليهم، لا يدعون أنهم مستحقون لشيء بإقرارهم هذا.

стр. 971

فصل وعند مالك ﵀ أن كل متداعيين إذا كان مع أحدهما من البرهان على دعواه ما ليس مع صاحبه - وإن لم يكن قاطعا، كان هو المبدأ باليمين والمحكوم له بها؛ فمن ذلك البدء عند تكافؤ البينتين- والشاهد العدل واختلاف الزوجين في متاع البيت وإرخاء الستر، وما أشبه ذلك. فصل وقال مالك إن المرتهن يحلف على جميع دعواه. وإن كان أكثر من قيمة الرهن، إذ لا جائز أن يحلف الإنسان على بعض دعواه- دون بعض، فما كان من الفضل على قيمة الرهن لم يلزم الراهن بيمين المرتهن، فيحلف الراهن حينئذ من أجل هذا الفضل، فإن حلف برئ منه، وإن نكل لزمه ذلك بنكوله مع ما تقدم من يمين المرتهن. فصل ولو لم يكن الرهن شاهدا- وكان القول قول الراهن كما يقول أهل العراق، لم يكن لقول الله : ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]- معنى؛ لأنه إذا ائتمنه ولم يستوثق منه بالرهن فيما داينه به، فالقول قوله أيضا فيما يقر به من الدين، ولا يجوز أن تكون الحال الثانية كالتي قبلها، فالقرآن دال على خلاف قول أهل العراق في هذه المسألة ومن أهل العلم من يقول إن القول قول المرتهن وإن ادعى أكثر من قيمة الرهن. وهو شاذ، ففي المسألة ثلاثة أقوال. فصل ولا تنفع الشهادة في حيازة الرهن إلا بمعاينة الرهن؛ لأن في تقارر

стр. 972

المتراهنين بالحيازة، إسقاط حق غيرهما؛ إذ قد يفلس الراهن فلا يقبل منه إقراره بعد التفليس بالحيازة. فصل ولو وجد الرهن بيد المرتهن بعد التفليس، فادعى أنه قبضه قبل التفليس - وجحد ذلك الغرماء؛ لجرى الأمر على الاختلاف في الصدقة توجد بيد المتصدق عليه بعد موت المتصدق، فيدعي قبضها في صحته؛ وفي المدونة دليل على القولين جميعا. ولو لم يتعلق بذلك للغرماء حق، لوجب أن يصدق الراهن ويقبل إقراره له أنه قد حاز الرهن، فيكون بإقراره له شاهدا على حقه إلى مبلغ قيمته. فصل واختلف في ضمان الرهن إذا هلك بيد المرتهن من غير أن يكون هو مستهلكه، فقالت طائفة من أهل العلم: إن كان الرهن مثل الدين أو أكثر منه، فهو بما فيه؛ وإن كان أقل من الدين، ذهب من الدين بقدره ورجع المرتهن على الراهن بما نقص من حقه؛ وقالت طائفة يذهب الرهن بما فيه من الدين كانت قيمته مثل الدين أو أكثر منه أو أقل، ولا يرجع واحد منهما على صاحبه بشيء. وقالت طائفة يترادان الفضل بينهما- إن كانت قيمة الدين أكثر من قيمة الرهن، رجع المرتهن على الراهن بالفضل، وإن كانت قيمة الرهن أكثر، رجع الراهن على المرتهن بما فضل من قيمة الرهن على الدين؛ ويروى هذا القول عن ابن عمر، وعلي بن أبي طالب ﵄، وذهب مالك ﵀ إلى أنه إن كان الرهن مما يغاب عليه ويخفى هلاكه نحو الذهب والفضة والعروض والطعام والمتاع، ترادا الفضل فيما بينهما؛ إلا أن تقوم بينة على هلاكه من غير سببه، فيكون ضمانه من الراهن ويكون الدين ثابتا بحاله، وقد روي عن مالك - رحمه

стр. 973

الله- أن المرتهن ضامن، ويترادان الفضل- وإن قامت بينة على الهلاك- وهو قول أشهب، وذكر القولين عن مالك محمد بن المواز في كتابه، فوجه سقوط الضمان هو أن المعنى الذي لأجله ضمناه عدم العلم بصدقه فيما يدعيه، فإذا علم صدقه، لم يبق سبب لإيجاب الضمان، ألا ترى أن ما يظهر هلاكه لا يضمنه؛ لأن العلم بصدقه يعلم من غير جهته، وكذلك إذا قامت البينة بهلاك ما يخفى هلاكه؛ ووجه وجوبه هو أن العلة إذا وضعت حسما للباب، لم تخصص في موضع من المواضع؛ ألا ترى أن منع قبول شهادة الأب لابنه، والابن لأبيه - لأجل التهمة الغالبة في الطباع، فحمل الباب محملا واحدا- ولم ينقض بنادر؛ وكذلك في مسألتنا أصل العروض والذهب والفضة مما يخفى هلاكه- وإن جاز أن يخرج من هذا الأصل- نادر بأن يعلم هلاكه بغير صنع المرتهن؛ لأن الحكم أجري مجرى واحدا على غالبه- حسما للباب. وإن كان الرهن مما يظهر هلاكه نحو الدور والأرضين والحيوان وهلك، فهو من الراهن، ودين المرتهن ثابت على حاله؛ وقالت طائفة من أهل المدينة وأهل مكة وغيرهم، منهم الزهري وغيره إذا تلف الرهن، فهو في مال الراهن ودين المرتهن ثابت على حاله- كان مما يغاب عليه، أو مما لا يغاب عليه؛ وهذا على قول الشافعي، وأحمد بن حنبل؛ واحتجوا بحديث الزهري عن سعيد بن المسيب أن رسول الله ﷺ قال: «الرهن ممن رهنه له غنمه وعليه غرمه». قالوا: فغنمه: زيادته ونماؤه، وغرمه نقصانه وذهابه. فصل والحجة لمالك ﵀ في تفرقته بين ما يغاب عليه وما لا يغاب عليه، هي أن الرهن لم يجر مجرى الأمانات المحضة، ولا مجرى المضمون المحض؛ لأنه أخذ شبها من الأمرين، فلم يكن له حكم أحدهما على التحديد؛ وذلك لأن الأمانة

стр. 974

المحضة هي التي لا نفع فيها لقابضها، بل النفع فيها للمالك- كالوديعة، أو جل النفع كالقراض، والمضمون المحض هو ما كان النفع كله لقابضه كالقرض، أو تعدي جناية كالغصب؛ وفي مسألتنا لما لم يكن تعد ولا جناية فيضمن، ولا ينفرد المالك بالمنفعة فيسقط الضمان على المرتهن- وكانت المنفعة لهما؛ أما للمالك بأن حصل له ما ابتاعه أو سلفه وبقي الدين في ذمته لأجل الرهن، ولولاه لم يملكه؛ والمرتهن بحصول التوثق له، فلم يقبضه لمالكه؛ - لم يجز أن ينفرد بحكم أحدهما على التحديد، لأخذه شبها منهما جميعا. وإذا وجب بهذه الجملة ألا يحكم فيه بحكم أحدهما ووجب ال فصل بينهما، حصل من ذلك ما قلناه؛ لأن أحدا لم يفصل بينهما إلا بما ذكرناه؛ فهذه نكتة المسألة وفقهها؛ والدليل على فساد قول من أوجب على المرتهن ضمان الرهن- كان مما يغاب عليه أو مما لا يغاب عليه. جملة من غير تفصيل- وهو مذهب أبي حنيفة -: استصحاب الحال في براءة ذمة المرتهن في الأصل، وثبوت الدين في ذمة الراهن، فعلى مدعي نقل ذلك عما هو عليه- في الأصل الدليل؛ ويدل عليه أيضا قول النبي ﵇: «الرهن ممن رهنه له غنمه وعليه غرمه». وقوله: "ممن رهنه "، يفيد أن تلفه منه، وذلك ينفي أن يضمنه المرتهن؛ وما احتجوا له مما روي أن «رجلا ارتهن فرسا من رجل فنفق في يده، فقال رسول الله ﷺ للمرتهن: ذهب حقك» لا حجة له فيه؛ لاحتمال أن يكون ذهب حقك من الوثيقة لا دينك، وفائدته أنه لا يلزم الراهن رهن آخر بدله. فصل والدليل على فساد قول الشافعي ومن أسقط الضمان عن المرتهن جملة من غير تفصيل فيما يغاب عليه وفيما لا يغاب عليه، قوله ﷺ : «على اليد ما أخذت حتى تؤديه»، وعلى من حروف الإيجاب. وقوله ﷺ : «الرهن بما فيه»، وهذه

стр. 975

عبارة عن وجوب ضمانه على المرتهن وأما ما احتجوا به من قوله ﷺ : «لا يغلق الرهن»، وقالوا معناه أن الحق لا يسقط بتلفه؛ فلا يصح لأن هذه دعوى في التأويل، وإنما معناه أنه لا يستحق بتعذر أداء الحق على ما كانت الجاهلية تفعله. واحتجوا أيضا بقوله- ﷺ : «الرهن من راهنه، له غنمه وعليه غرمه» أي منه تلفه وعطبه؛ وهذا مخصوص فيما يظهر هلاكه، بدليل ما قدمناه فلا حجة لهم فيه. فصل وأجمع أهل العلم على أن المرتهن ليس له الانتفاع بشيء من الرهن فيما سوى الحيوان، واختلفوا في الحيوان: فقالت طائفة من أهل العلم إذا كان الرهن حيوانا- شاة أو بقرة أو غير ذلك، فله أن يحتلب الشاة والبقرة، ويركب الحمار بقدر ما يعلفه؛ واحتجوا بحديث أبي هريرة عن النبي ﵇ أنه قال: «الرهن يحلب ويركب بقدر نفقته ". وعلى الذي يحلب ويركب نفقته» وهو قول أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه؛ وقال جمهور أهل العلم ليس له أن ينتفع بشيء من الرهن- حيوانا كان، أو غيره- وهو قول مالك والشافعي، وقال الشافعي معنى قول أبي هريرة الرهن محلوب ومركوب بنفقته. أن الراهن هو الذي يركبه ويعلفه؛ لأنه ملكه لا المرتهن؛ واحتج هو وغيره بحديث ابن عمر عن النبي- ﵇ أنه قال: «لا يحتلبن أحد ماشية أحد إلا بإذنه». فصل فإذا قلنا إن المرتهن ليس له من نماء الرهن ولا من غلته شيء، فهل يدخل ذلك في الرهن أم لا- في ذلك تفصيل، وذلك أن النماء على ضربين؛ نماء متميز عن الرهن، ونماء غير متميز عنه، فأما ما كان غير متميز عن الرهن، فلا خلاف أنه يدخل في الرهن وذلك كسمن الدابة والجارية، وكبر الصغير وما أشبه

стр. 976

ذلك؛ وأما ما كان متميزا عن الرهن، فإنه أيضا على وجهين، أحدهما أن يكون على خلقته وصورته، والثاني أن لا يكون على خلقته وصورته؛ فأما ما كان على خلقته وصورته- كالولد فإنه داخل مع الأم في الرهن من بني آدم، ومن سائر الحيوان؛ وكذلك ما كان في معناه من فسلان النخيل؛ فإنه داخل مع الأصول في الرهن؛ وأما ما لم يكن على خلقته وصورته؛ فإنه لا يدخل في الرهن- كان متولدا عنه كثمرة النخيل، ولبن الغنم وصوفها؛ أو غير متولد عنه ككراء الدار، وخراج الغلام؛ هذا هو المشهور في المذهب المعلوم من قول مالك. وقد روي عنه أن ذلك كله داخل في الرهن- كان متولدا عنه، أو غير متولد عنه. وذهب أبو حنيفة إلى أنه يدخل في الرهن كل نماء متميز منه متولد عنه على غير خلقته، قياسا على نسل الحيوان وعلى النماء المتصل بالرهن الذي لا يتميز منه؛ وذهب الشافعي إلى أنه لا يدخل في الرهن من النماء إلا ما كان غير متميز منه كسمن الجارية والدابة، واستدل من نصر قوله على ذلك بقوله ﷺ : «له غنمه» فالولد من غنمه، قالوا ولأنه حق متعلق بعين قد يستوفي من ثمنها، فوجب ألا يسري إلى ولدها أصله أرش الجناية، وهو أن الأمة إذا جنت ثم حملت أن الولد لا يدخل في الجناية، ولأن كل ما لا يتبع الجانية في الجناية فلا يتبع المرهونة في الرهن، أصله الكسب، فهذه مقدمات في الرهون تبنى عليها مسائل الكتاب- إن شاء الله تعالى وبه التوفيق.

стр. 977

كتاب الكفالة فصل في تفسير الكفالة ومعناها الكفالة هي الضمان ومعناها: التزام القيام بالشيء والاستطلاع به؛ وللضامن في اللغة سبعة أسماء، وهي: زعيم، وكفيل، وقبيل، وأذين، وحميل، وصبير، وضامن. يقال من ذلك زعم يزعم زعامة فهو زعيم، وكفل يكفل كفالة فهو كفيل، وقبل يقبل قبالة فهو قبيل، وأذن يأذن إذانة فهو أذين. وحمل يحمل حمالة فهو حميل، وصبر يصبر صبرا فهو صبير، وضمن يضمن ضمانا فهو ضامن- بمعنى واحد وهي موجودة في القرآن، وفي السنن والآثار، وفيما يحتج به من الأشعار، وقائمة من ذلك؛ قال الله- في الزعيم-: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢]، وقال تعالى: ﴿سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ﴾ [القلم: ٤٠]. وقال- ﷺ : «الزعيم غارم»، وقال: «لا تقوم الساعة حتى يكون زعيم القوم أرذلهم»،

стр. 978

أي من يتحمل الكلام- عنهم، ويتقدم فيه دونهم، وينوب فيه منابهم؛ وقال تعالى في الكفيل: ﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلا﴾ [النحل: ٩١]، وقال رسول الله ﷺ : «تكفل الله لمن جاهد في سبيله لا يخرجه من بيته إلا الجهاد في سبيله وابتغاء مرضاته: أن يدخله الجنة أو يرده إلى مسكنه الذي خرج منه مع ما نال من أجر أو غنيمة». وذكر ﷺ : «أن رجلا من بني إسرائيل سأل بعض بني إسرائيل أن يسلفه ألف دينار، فقال: ائتني بالشهداء أشهدهم، فقال: كفى بالله شهيدا؛ قال: ائتني بالكفيل، قال: كفى بالله كفيلا؛ قال صدقت؛ فدفعها إليه إلى أجل مسمى، فخرج في البحر فقضى حاجته، ثم التمس مركبا يركبه يقدم عليه للأجل الذي أجله، فلم يجد مركبا؛ فأخذ خشبة فنقرها فأدخل فيها ألف دينار وصحيفة منه إلى صاحبها، ثم زجج موضعها، ثم أتى بها إلى البحر، فقال: اللهم إنك تعلم أني تسلفت فلانا ألف دينار فسألني كفيلا فقلت: كفى بالله كفيلا، فرضي بك؛ وسألني شهودا فقلت: كفى بالله شهيدا فرضي بك، وإني جهدت أن أجد مركبا أبعث إليه الذي له؛ فلم أقدر عليه؛ وإني استودعتكها فرمى بها في البحر حتى ولجت فيه- وهو في ذلك يلتمس مركبا يخرج إلى بلده؛ فخرج الرجل الذي كان أسلفه ينظر لعل مركبا قد جاء بماله، فإذا بالخشبة التي فيها المال، فأخذها لأهله حطبا؛ فلما نشرها وجد المال والصحيفة؛ ثم قدم الذي كان أسلفه، فأتى بالألف دينار وقال: والله ما زلت جاهدا في طلب مركب لآتيك

стр. 979

بمالك، فما وجدت مركبا قبل الذي أتيت فيه، قال: هل كنت بعثت إلى شيئا؛ قال: أخبرك أني لم أجد مركبا غير الذي أتيت فيه، قال: فإن الله قد أدى عنك الذي بعثت في الخشبة؛ قال: فانصرف بالألف الدينار راشدا» وقال تعالى في القبيل: ﴿أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلا﴾ [الإسراء: ٩٢]. والأذين مأخوذ من قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ [الأعراف: ١٦٧]، ومن قوله: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٧]، وقال الشاعر: فقلت قدي وغضي الطرف إني ... أذين بالترحل والأفود وقال امرؤ القيس: وإني أذين إن رجعت مملكا ... بسير ترى منه الفواتق أزورا وإنما كان الأذين بمعنى الحميل؛ لأن الأذين والأذان، والإذن، وما تصرف من ذلك، إنما هو بمعنى الإعلام؛ فلما كان بمعنى الإعلام الذي لا يكون إلا بمعلوم متيقن حاصل لا يصح أن يوجد بخلافه، إذ هو مأخوذ من العلم الذي هو معرفة المعلوم على ما هو به، بخلاف الإخبار الذي يصح أن يوجد بخلاف مخبره بما يدخله من الصدق والكذب، كان قول الرجل: أنا أذين بما لفلان على فلان إيجابا منه على نفسه أداء المال إليه، إذ لا يستعمل ذلك اللفظ إلا في الواجب المتيقن الذي لا يصح أن يكون الأمر بخلافه- والله أعلم. والحميل مأخوذ من قوله

стр. 980

تعالى: ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [فاطر: ١٨]، وأما الضامن فإنه بين المعنى. فصل فالكفالة بالمال جائزة في الشرع، لازمة في صريح الحكم؛ وهي من المعروف، وتجوز عند مالك وأصحابه في المعلوم والمجهول- خلافا للشافعي في قوله: إنها لا تجوز في المجهول؛ والأصل في جوازها الكتاب والسنة وإجماع الأمة؛ فأما الكتاب فهو ما تلوناه من قول الله : ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢]، وقوله: ﴿سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ﴾ [القلم: ٤٠]، وأما السنة فكثير، منها: ما روي «أن قبيصة بن المخارق أتى النبي- ﷺ فسأله وقال له إني تحملت بحمالة، فقال: " نحن نخرجها عنك من الصدقة يا قبيصة، إن المسألة لا تحل إلا في ثلاث: رجل تحمل بحمالة فحلت له المسألة حتى يؤديها ثم يمسك»، ففي إحلاله ﷺ المسألة لمن تحمل بحمالة- دليل على جواز الحمالة ولزومها ووجوبها عليه؛ وقد استدل أيضا بظاهر هذا الحديث- من قال إن للمكفول له مطالبة الكفيل وإن كان المكفول عنه مليا، إذ أباح رسول الله- ﷺ المسألة المحرمة بنفس الحمالة، ولم يعتبر حال المتحمل عنه، وفيه أيضا دليل على إجازة الحمالة بالمال المجهول؛ لأن فيه تحملت بحمالة- ولم يذكر لها قدرا ولا مبلغا- وهو مذهب مالك وأبي حنيفة وأصحابهما، خلافا للشافعي في قوله: إن الحمالة بالمال المجهول لا تصح، لأنها مخاطرة على ما قد ذكرناه عنه. وأما الإجماع فلا خلاف بين الأمة في جوازها- وإن اختلفوا في كثير من شروطها وأحكامها. فصل فالحمل والحمالة في اللغة سواء في المعنى، لأنهما جميعا مصدران من

стр. 981

حمل يحمل حملا وحمالة، ويفترق معناهما عند الفقهاء بعرف التخاطب، فالحمالة عندهم أن يتحمل بالحق أن يؤديه عن المطلوب ويرجع به عليه؛ وكذلك الكفالة، والإذانة، والزعامة، والقبالة؛ والحمل- عندهم هو أن يتحمل بالحق عن المطلوب- على أن يؤديه عنه ولا يرجع به عليه؛ ولفظ الضمان عندهم محتمل للوجهين جميعا؛ فإذا ضمن الرجل عن الرجل المال في عقد البيع أو بعد عقد البيع، أو ضمن عنه الصداق بعد عقد النكاح، فهو على الحمالة حتى ينص أنه أراد بذلك الحمل- بلا خلاف، وأما إذا ضمن عن الزوج الصداق في عقد النكاح- ابنه كان أو أجنبيا، فاختلف فيه هل هو محمول على الحمل حتى يبين أنه أراد بذلك الحمالة، أو على الحمالة حتى يريد به الحمل؛ فمذهبه في المدونة أنه على الحمل حتى يريد به الحمالة- وهو قول ابن حبيب في النكاح من الواضحة، وقول ابن القاسم في رواية سحنون عنه من العتبية، وروى عيسى عنه في غير العتبية أنه على الحمالة حتى يريد به الحمل. فصل فإذا حمل الرجل عن الرجل المال في عقد البيع، أو حمل عنه الصداق في عقد النكاح، فذلك لازم له ثابت في ذمته وماله في الحياة وبعد الممات واختلف إذا حمل ذلك عنه بعد عقد البيع، أو بعد عقد النكاح: فروى أصبغ عن ابن القاسم أنه يلزمه في الحياة ويسقط عنه بعد الوفاة- كالهبة إذا لم تقبض حتى مات الواهب- وقاله ابن حبيب في النكاح من الواضحة؛ وقال ابن الماجشون في الحمالات منها: إن ذلك لازم له في الحياة وبعد الوفاة. كالحمالة؛ قال: لأنها ثمن لما ترك المحمول له من ذمة غريمه ومن حقه عليه، فكأنه قال له ابتداء: أعطه كذا وكذا من مالك- وهي لك علي: أو أعطه ثوبك- وثمنه علي واختاره ابن حبيب هاهنا خلاف ما وقع له في النكاح.

стр. 982

فصل والحمالة على مذهب مالك تجوز عن الحي والميت. غير أنه إن تحمل عن الحي فأدى عنه، كان له الرجوع عليه بما أدى عنه، واتباعه به إن كان معدما- كان تحمل عنه بإذنه أو بغير إذنه؛ وإن كان تحمل عن ميت لا وفاء له بما تحمل به عنه، لم يكن له أن يرجع بما أدى عنه في مال- إن طرأ له، خلافا لأبي حنيفة في قوله: إن من تحمل عن رجل بغير أمره، لم يكن له أن يرجع عليه بما أدى عنه، وأن الحمالة عن الميت- إذا لم يترك وفاء لا تجوز؛ لأن الدين قد توى بذهاب الذمة، والكفالة بالتاوي كفالة بما قد بطل، فلا معنى لها، والحجة لمالك في أن الحمالة عن الميت وإن لم يترك وفاء جائزة، وأن الكفيل لا رجوع له في مال- إن طرأ للميت: ما «روى جابر بن عبد الله أن رجلا مات وعليه دين فلم يصل عليه النبي- ﵇ حتى قال أبو اليسر أو غيره: هو إلي فصل عليه، فجاءه من الغد فتقاضاه فقال: إنما كان أمس، ثم أتاه من بعد الغد، فأعطاه فقال: الآن بردت عليه جلده». فلو لم تكن الحمالة بما عليه جائزة، لما صلى عليه النبي ﷺ ، ولو كان الدين قد تحول إلى الذي أداه عنه- ولم يسقط عن الذي كان عليه، لما برد جلده بالأداء عنه؛ لبقاء الدين عليه، وهذا بين وقد احتج الطحاوي لأبي حنيفة بهذا الحديث فيمن قضى دينا عن رجل بغير أمره، أنه لا رجوع له به عليه، ومالك أسعده الحديث؛ لأنه استعمله في موضعه ولم يعده إلى الحي. وفيه أيضا حجة له على أبي حنيفة في أن الكفالة لازمة للكفيل بغير قبول المكفول له، ودليل على جواز الكفالة بغير إذن المكفول عنه، ووجوب أخذ المكفول له بها- الكفيل، وأن ذمة المكفول عنه لا تبرأ بوجوب الكفالة على الكفيل حتى يودي عنه؛ لقول رسول الله ﷺ : الآن بردت عليه جلده. قال الطحاوي فإذا كانت الحمالة لازمة للحميل،

стр. 983

وكان للمكفول له مطالبته بها على ما في الحديث، كان المكفول عنه إذا كان مليا أحرى بالمطالبة، إذ لم يسقط الدين عن ذمته بالكفالة؛ فوجب أن يكون مخيرا في مطالبة من شاء منهما على ما قاله الشافعي وأبو حنيفة، خلاف ما روي عن مالك؛ قلت: وهذا لا يلزمه؛ لأن الحديث إنما هو فيمن لم يترك وفاء، ولذلك لم يصل عليه النبي ﷺ ، فليس هذا موضع الخلاف. وقول مالك الذي اختاره ابن القاسم أظهر أن الكفالة لا تلزم الكفيل مع ملأ المكفول عنه وحضوره واستوائهما في اللدد؛ لأنه إن قضى للمكفول له على الكفيل، قضى في الحين للكفيل على المكفول عنه، فالقضاء له على المكفول عنه أولى وأقل عناء، وبالله التوفيق. فصل والحمالة لا تجوز إلا فيما تصح فيه النيابة، وذلك إنما يكون في المال المتعلق بالذمة، أو ما يؤول إلى المال المتعلق بها؛ وأما ما يكون في الأبدان ولا يتعلق بالأموال- كالقتل والسرقة والحدود والتعزير، فلا تجوز فيه الحمالة، إذ لا تصح فيه النيابة. فصل وهي تنقسم على قسمين: حمالة بالمال وحمالة بالوجه. فأما الحمالة بالمال فإنها لازمة في الحياة وبعد الممات، كانت في أصل البيع أو بعد عقد البيع؛ لأنها وإن كانت من المعروف، فكأنها إنما خرجت عن عوض، وهو ما رضي به المتحمل له من دفع سلعته أو تأخير غريمه؛ وأيضا فإنه إذا غرم، يرجع بما غرم. واختلف قول مالك في الحميل بالمال: فمرة قال: إن المتحمل له بالخيار يأخذ أيهما شاء بحقه إن شاء الحميل، وإن شاء المتحمل عنه، وإن كان الغريم مليا؛ ومرة قال: لا سبيل له إلى الحميل إلا في عدم الغريم- وهو اختيار ابن القاسم.

стр. 984

فصل واختلف على هذا القول إذا قام المتحمل له على الحميل، فقال: إن الغريم عديم، وقال الحميل: بل هو مليء - فمن يكون القول قوله منهما؟ وعلى من تكون إقامة البينة؟ فعلى ما قاله سحنون في نوازله من كتاب الكفالة: إن القول قول المتحمل له، وعلى الكفيل إقامة البينة أن الغريم مليء، فإن عجز عن ذلك وجب عليه الغرم؛ لأنه إذا قال: إذا لم يعلم للغريم مال ظاهر، فالحميل غارم. وظاهر ما في سماع سحنون من كتاب النكاح أن الغريم محمول على اليسار، فلا سبيل إلى إغرام الحميل حتى لا يوجد للغريم مال، فعلى المتحمل له إقامة البينة على عدم الغريم. فصل وكذلك اختلف على هذا القول إذا شرط أن يأخذ أيهما شاء بحقه: فقال ابن الماجشون، وابن كنانة، وأشهب: شرطه باطل ولا سبيل له إلى الحميل إلا في عدم الغريم، واختلف في ذلك قول ابن القاسم: فمرة قال: إن الشرط جائز عامل وهو المشهور عنه المعلوم من مذهبه في المدونة وغيرها، وبه قال أصبغ؛ ومرة قال ابن القاسم: إن الشرط لا يجوز إلا في القبيح المطالبة، أو ذي السلطان؛ وقد تؤول عليه أنه إنما أعمل الشرط من غير استثناء إذا كانت الحمالة في أصل البيع، وبالاستثناء إذا كانت الحمالة بعد عقد البيع؛ والصحيح ما بدأنا به أن ذلك اختلاف من قوله، وألا فرق بين أن تكون الحمالة في عقد البيع أو بعده. فصل وكذلك اختلف - إن اشترط المتحمل له على الحميل أن حقه عليه، وأبرأ الغريم: فظاهر قول ابن القاسم في كتاب الحوالة أن الشرط جائز ولا رجوع له

стр. 985

على الغريم، وروى ابن وهب عن مالك أنه لا رجوع له عليه إلا أن يموت الحميل، أو يفلس، وروى مطرف عن مالك في الواضحة أن له الرجوع على الغريم إن شاء ولم يشترط موتا ولا فلسا؛ وقال ابن الماجشون: شرطه باطل ولا يعدى عليه حتى يملأ الغريم؛ لأنها حمالة حتى يسميها حوالة- يقول له: أحتال عليك من حقي، فعند ذلك يكون حقه عليه ولا يكون له الرجوع على غريمه الأول. فصل وهذا الاختلاف- عندي- إنما هو إذا وقع الشرط على ألا تباعة للمحتمل له قبله ولا رجوع له عليه، وأن الحميل يرجع عليه بما يؤدي عنه إلى المتحمل له، وأما إذا وقع الشرط على ألا تباعة قبله للمتحمل له، ولا للحامل فقد سقط الدين عنه باتفاق، ولا رجوع لأحدهما عليه في مال- لا للحامل- إن أداه إلى الطالب المتحمل له، ولا للطالب- إذا أعدم الحميل أو مات، ومن الناس من يحمل رواية ابن وهب عن مالك في المدونة على التفسير لقول ابن القاسم فيها، ويقول: معنى ما ذهب إليه ابن القاسم أنه لا رجوع للمتحمل له للطالب- على غريمه الأول- إلا أن يموت أو يفلس؛ ويحتمل- عندي- أن يتأول قول ابن القاسم على أنهما قد أبرءا الغريم جميعا من الدين جملة؛ فيكون ابن القاسم إنما تكلم على غير الوجه الذي تكلم عليه في رواية ابن وهب عن مالك. فهو ممكن سائغ محتمل. فصل فإن تحمل بالمال حملا في صفقة واحدة، فيلزم كل واحد منهم ما ينوبه منه على عددهم إلا أن يشترط أن كل واحد منهم حميل عن صاحبه، أو عن أصحابه قال بجميع المال، أو لم يقل فيؤخذ المليء منهم بالمعدم، كما يؤخذون بعدم الغريم، ويأخذ أيهم شاء على أحد قولي مالك، وعلى كليهما إذ اشترط أن
следующие страницы →