Полный текст (4 333 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.
стр. 1051
ش: هذا مبني على أصل، وقد أشار إليه الخرقي، وهو أن البيع ينقل الملك إلى المشتري بمجرد العقد، إن لم ينقض الخيار، على المشهور من الروايتين.
١٢٥٣ - لقول النبي ﷺ : «من باع عبدا وله مال فماله للبائع، إلا أن يشترطه المبتاع» جعله للبائع بمجرد البيع. (والرواية الثانية) لا ينتقل الملك إلا بانقضاء مدة الخيار، فعلى الأولى إذا كان المبيع مما تجب فيه الزكاة فقد انتقل الملك فيه بمجرد العقد، فينقطع حول البائع، فإذا رد عليه فقد تجدد له الملك بعد زواله، فيستقبل به حولا، وعلى الرواية الأخرى الملك باق له، فكذلك الحول، وقول الخرقي: إذا بيعت بالخيار، وكذلك لو ردت في مدة خيار المجلس، والله أعلم.
[باب زكاة الفطر]
ش: [هذا] من باب إضافة الشيء إلى سببه، إذ سبب وجوبها الفطر من رمضان، أما «الفطرة» فكلمة مولدة، وقد عدها بعضهم مما يلحن فيه العامة، وإن كان قد استعمل كثيرا من كلام الفقهاء وغيرهم.
والأصل في وجوبها قيل: قَوْله تَعَالَى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ [الأعلى: ١٤] ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: ١٥] .
١٢٥٤ - فعن سعيد بن المسيب، وعمر بن عبد العزيز أنها زكاة الفطر.
стр. 1052
١٢٥٥ - والمعتمد في الوجوب على ما روى عبد الله بن عمر ﵄ قال: «فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر صاعا من تمر، أو صاعا من شعير، على الحر والعبد، والذكر والأنثى، والصغير والكبير من المسلمين، وأمر بها أن تؤدي قبل خروج الناس إلى الصلاة» . متفق عليه واللفظ للبخاري.
ودعوى أن: فرض. بمعنى: قدر. مردود بأن كلام الراوي - لا سيما الفقيه - محمول على الموضوعات الشرعية.
١٢٥٦ - وبأن في الصحيح أيضا في حديثه: «أمر رسول الله ﷺ بزكاة الفطر صاعا من تمر، أو صاعا من شعير» . قال عبد الله: فجعل الناس مكانه مدين من حنطة، واختلف عن أحمد ﵀ في زكاة الفطر هل تسمى فرضا؟ على روايتين، مبناهما على أنه لا يسمى فرضا إلا ما ثبت في الكتاب، وما ثبت بالسنة يسمى واجبا، أو أن كل ثابت وإن كان بالسنة يسمى فرضا، والله أعلم.
[حكم زكاة الفطر]
قال: وزكاة الفطر واجبة على كل حر وعبد، ذكر وأنثى من المسلمين.
стр. 1053
ش: هذا نص رواية ابن عمر المتقدم، فاعتمد الخرقي عليها، وكفى بذلك معتمدا، وقد دخل في الحديث - وفي كلام الخرقي - اليتيم، فتجب في ماله، وخرج الكافر، وإن كان عبدا، أو صغيرا [وفي المذهب وجه أنها لا تجب على من لم يكلف بالصوم، نظرا إلى أنها طهرة للصائم كما ورد، ومن لا يكلف بصوم، لا حاجة إلى تطهير صومه] .
«تنبيه» : لو هل هلال شوال على عبد مسلم ملكا لكافر فهل تجب على سيده الكافر فطرته؟ فيه وجهان، مبناهما على أن السيد هل هو متحمل أو أصيل؟ فيه قولان، إن قلنا: إنه متحمل وجبت عليه، وإن قلنا: أصيل، لم تجب عليه، والله أعلم.
[مقدار زكاة الفطر]
قال: صاع بصاع النبي ﷺ وهو خمسة أرطال وثلث بالعراقي، من كل حبة وثمرة تقتات.
ش: الواجب في الفطرة صاع، لما تقدم من حديث ابن عمر.
١٢٥٧ - وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: كنا نخرج زكاة الفطر صاعا من طعام، أو صاعا من شعير، أو صاعا من تمر، أو صاعا من زبيب، أو صاعا من أقط، فلم نزل نخرجه حتى كان معاوية، فرأى أن مدين من بر تعدل صاعا من تمر. قال أبو سعيد: أما أنا فلا أزال أخرجه كما كنت أخرجه
стр. 1054
ما عشت. متفق عليه، (وخرج) إجزاء نصف صاع بر كما في الكفارات، ويشهد له فعل معاذ.
١٢٥٨ - وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، «أن النبي ﷺ بعث مناديا في فجاج مكة «ألا إن صدقة الفطر واجبة على كل مسلم، ذكر أو أنثى، حر أو عبد، صغير أو كبير، مدان من قمح أو سواه صاع من طعام» رواه الترمذي انتهى. والصاع
стр. 1055
بصاع النبي ﷺ خمسة أرطال وثلث، لما تقدم في باب زكاة الزروع.
وصفة المخرج أن يكون من كل حبة وثمرة تقتات على قول الخرقي، وأبي بكر، إذ المتفق عليه في الحديث بلا ريب البر، والشعير، والتمر، والزبيب، [وذلك حب أو ثمرة تقتات] فاعتبر ما شابهها في الوصفين، ولم يعتبر ابن حامد، وصاحب التلخيص إلا القوتية فقط.
١٢٥٩ - نظرا إلى قول النبي ﷺ : «أغنوهم عن السؤال في هذا اليوم» وبالقوت يحصل الغنى لا بغيره، ولأن الشارع قد نص على الأقط، وليس بحب، ولا ثمر، فعلى هذا يجزئ اللحم وإن كان سمكا، واللبن ونحو ذلك لمن كان قوته، وعلى الأول لا يجزئ ولأبي الحسن ابن عبدوس [احتمال] أنه لا يجزئ غير الخمسة المنصوص عليها، وتبقى الفطرة عند عدمها في ذمته، والله أعلم.
قال: وإن أعطى أهل البادية الأقط صاعا أجزأ إذا كان قوتهم.
стр. 1056
[ش: نقل بكر بن محمد، وحنبل عن أحمد ما] يدل على أن الأقط أصل بنفسه، فقال: - وقد سئل عن صدقة الفطر - صاع من شعير، أو تمر، أو أقط، أو زبيب، أو حنطة. فعلى هذا يجزئ مع وجود الأربعة المذكورة وإن لم يكن قوته، وهذا اختيار أبي بكر، وجزم به ابن أبي موسى، والقاضي وأبو الخطاب في خلافيهما، وابن عقيل، وابن عبدوس، وابن البنا، والشيرازي وغيرهم.
١٢٦٠ - لأن في رواية النسائي - في حديث أبي سعيد المتقدم - قال: «فرض رسول الله ﷺ صدقة الفطر صاعا من طعام، أو صاعا من شعير، أو صاعا من تمر، أو صاعا من أقط» . مع أن اقترانه بالأربعة في الروايات الصحيحة، مشعر بأنه كهي.
ونقل عنه ابن مشيش [ما يدل على أنه بدل، فقال في رواية ابن مشيش] : إذا لم يجد التمر فأقط، هذا نقل القاضي في روايتيه، ولفظه في تعليقه عن ابن مشيش: إذا أعطى الأعرابي صاعا من البر أجزأ عنه، والأقط أعجب إلي، على حديث أبي سعيد؛ ونحو هذا اللفظ نقل حنبل، وبكر بن محمد، وهذا لا يعطي رواية، إنما يدل على أن الأقط لأهل البادية أفضل، لكن أبا الخطاب في الهداية، وصاحب التلخيص والشيخين، وغيرهم، على حكاية رواية البدلية، وذلك لأنه [لا] يجزئ في الكفارة، أشبه اللحم، والمشهور من رواية أبي سعيد: كنا
стр. 1057
نخرج. وقد يكون ذلك لكونه قوتهم، واختلف الحاكون لهذه الرواية، فقال صاحب التلخيص، وأبو محمد، تبعا لأبي الخطاب: لا يجزئ إلا عند عدم الأربعة. وقال أبو البركات: لا يجزئ إلا لمن هو قوته. وظاهره: وإن وجدت، وهذا مقتضى قول الخرقي، وإنما ذكر أهل البادية نظرا إلى الغالب. انتهى، فعلى الأول - وهو المذهب - في إجزاء اللبن والجبن وجهان.
«تنبيه» : الأقط فيه أربع لغات، تثليث الهمزة مع سكون القاف، وفتح الهمزة مع كسر القاف، وهو شيء يعمل من اللبن المخيض، وزعم ابن الأعرابي أنه يعمل من ألبان الإبل [خاصة، والله أعلم.
قال: واختيار أبي عبد الله ﵀ إخراج التمر.
стр. 1058
ش: أفضل الخمسة المنصوص عليها التمر، وإن كان قوت] البلد غيره، نص عليه أحمد في رواية أبي داود، وظاهر إطلاقه: وإن كان غيره أعلى [منه] قيمة، وصرح به القاضي، لما تقدم من حديث ابن عمر، فإنه لم يذكر البر فيما فرضه رسول الله ﷺ إنما ذكر التمر والشعير، ثم هو راوي الحديث، وقد كان يواظب على إخراج التمر.
١٢٦١ - ففي النسائي، والموطأ، وغيرهما أنه كان لا يخرج في زكاة الفطر إلا التمر، إلا مرة واحدة فإنه أخرج شعيرا، وفي لفظ: فأعوز أهل المدينة التمر عاما، فأعطى الشعير.
١٢٦٢ - وقد روى الإمام أحمد ﵀ عن أبي مجلز قال: قلت لابن عمر: إن الله قد أوسع، والبر أفضل من التمر، قال: إن أصحابي سلكوا طريقا، وأنا أحب أن أسلكه. وظاهر هذا أن الصحابة ﵃ كانوا يداومون على إخراجه، ولأنه ساوى غيره في القوتية، وزاد عليه بالحلاوة، وقرب التناول. وحكى ابن حمدان [رواية] أن الأقط أفضل لمن هو قوته، ولعل
стр. 1059
يعتمدها رواية ابن مشيش ونحوها المتقدمة، وهي إنما تعطي أنه أفضل من البر.
واختلف في الأفضل بعد التمر، فعند الأكثرين الزبيب، ثم البر، ثم الشعير، لأنه يساوي التمر في القوتية، والحلاوة، وقرب التناول، فألحق به، وإنما قدم التمر عليه لاتفاق الأحاديث [عليه] ولمداومة الصحابة [عليه] ولأنه أقوى في القوتية، وعند أبي محمد في كتابيه: الأفضل بعد التمر البر، لأنه أبلغ في الاقتيات، فيكون أوفق لقول النبي ﷺ : «أغنوهم عن السؤال في هذا اليوم» وأفضل، ولهذا جعل معاوية مدا منه يعدل مدين، وإنما عدل عنه إلى التمر لفعل الصحابة، فيبقى فيما عداه على مقتضى الدليل، وله احتمال في المغني أن الأفضل بعد البر ما كان أغلى قيمة، وأكثر نفعا، وهو ظاهر قوله في المقنع، وقد تقدم نص أحمد أن الأقط لمن هو قوته أفضل من البر، والله أعلم.
قال: ومن قدر على البر أو التمر، أو الشعير أو الزبيب أو الأقط فأخرج غيره لم يجزئه.
стр. 1060
ش: هذا هو المذهب المعروف المشهور لظاهر حديث ابن عمر وأبي سعيد، إذ ظاهرهما أنه لم يفرض غير ذلك، فالعدول عن ذلك عدول عن المنصوص عليه، أشبه ما لو عدل إلى القيمة، وخرج أبو بكر قولا آخر أنه يعطي ما قام مقام الخمسة على ظاهر الحديث «صاعا من طعام» ، والطعام قد يكون برا أو شعيرا، أو ما دخل فيه الكيل، ويجاب بأنه قد جاء «صاعا من بر» مكان «طعام» ، فدل على أن المراد بالطعام البر.
وقد دل كلام الخرقي على أنه متى أخرج التمر ونحوه أجزأه، وإن كان القوت في غيره، ودل على أن ما تقدم من قوله: (من كل حبة وثمرة تقتات) أنه مع عدم الخمسة.
وقد يقال: إن ظاهر كلامه أنه لا يجزئ الدقيق ولا السويق مع وجود أصليهما، لأن الروايات الصحيحة ليسا فيها والمنصوص عن أحمد ﵀ إجزاؤهما.
١٢٦٣ - لأن سفيان بن عيينة ذكر في حديث أبي سعيد «أو صاعا من
стр. 1061
دقيق» وهو ثقة فتقبل زيادته، وقد اعتمد أحمد على ذلك في رواية مهنا، فقال: سفيان بن عيينة يقول: عن محمد بن عجلان، عن عياض بن عبد الله بن أبي سرح، عن أبي سعيد [يقول: دقيقا. قلت له: أي شيء مذهبك في هذا؟ فقال: حديث عياض بن عبد الله بن أبي سرح عن أبي سعيد] ولأن النبي ﷺ قال: «أغنوهم عن السؤال في هذا اليوم» ولا ريب أن الغنى يحصل بالدقيق أكثر من الزبيب ونحوه، وقال ابن أبي موسى: لا يجزئ السويق، لأنه خرج عن الاقتيات لعموم الناس، بخلاف الدقيق.
«تنبيه» يعتبر صاع الدقيق [والسويق] بوزن حبهما، ولا يشترط نخل الدقيق، والله أعلم.
[إخراج القيمة في زكاة الفطر]
[قال: ومن أعطى القيمة لم تجزئه] .
ش: نص على هذا أحمد ﵀ معتمدا على قول ابن
стр. 1062
عمر: فرض رسول الله ﷺ . الحديث، ومن دفع القيمة لم يعط ما فرضه رسول الله ﷺ .
١٢٦٤ - وعن معاذ أن رسول الله ﷺ قال له حين بعثه إلى اليمن: «خذ الحب من الحب، والشاة من الغنم، والبعير من الإبل، والبقر من البقر» رواه أبو داود، وظاهره وجوب ذلك، والله أعلم] .
[وقت إخراج زكاة الفطر]
قال: ويخرجها إذا خرج إلى المصلى.
ش: لا إشكال في مطلوبية إخراج زكاة الفطر عند الخروج إلى صلاة العيد تحقيقا لقول النبي ﷺ : «أغنوهم عن السؤال في هذا اليوم» .
١٢٦٥ - لأن في البخاري في حديث ابن عمر: «فرض رسول الله ﷺ صدقة الفطر. الحديث وقال فيه: وأن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة» ، ولمسلم: «أمر بزكاة الفطر أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة» ، ولأبي داود: وكان ابن عمر يؤديها قبل خروج الناس إلى الصلاة. أما إن قدمها على ذلك فسيأتي [بيان ذلك] إن شاء الله تعالى، فإن أخرها عن الصلاة ففي بقية اليوم تجوز، وتقع إذا، لحصول الغنى في ذلك اليوم، لكن
стр. 1063
يكره ذلك عند أبي محمد، لعدم حصول الغنى في جميع اليوم، ولم يكرهه القاضي، وشدد بعض الأصحاب فجعلها بعد الصلاة قضاء لظاهر ما تقدم.
١٢٦٦ - وعن ابن عباس ﵄ قال: «فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين، من أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات» . رواه أبو داود، وبعد يوم العيد يأثم، وهي قضاء بلا ريب. والله أعلم.
قال: وإن قدمها قبل ذلك بيوم أو يومين أجزأه.
ش: هذا منصوص أحمد ﵀ وقول أصحابه، لا أعلمهم يختلفون في ذلك.
١٢٦٧ - لأن [في] حديث ابن عمر في الصحيح: «وكانوا يعطون قبل العيد بيوم أو يومين» .
стр. 1064
وهذا إشارة إلى جماعتهم، فيكون كالإجماع، وقوله ﷺ : «أغنوهم عن السؤال في هذا اليوم» لا يدفع ذلك، إذ ما قارب الشيء أعطي حكمه.
ومفهوم كلام الخرقي أنه لا يجوز تقديمها أكثر من ذلك وهو المذهب بلا ريب، إذ ظاهر الأمر بأدائها قبل الصلاة، والإغناء عن السؤال في يوم العيد، ونحو ذلك [يقتضي] أن لا يجوز التقديم مطلقا، خرج منه التقديم باليوم واليومين لما تقدم فيبقى فيما عداه على مقتضى الدليل، (وقيل عنه) : يجوز تقديمها بثلاث.
١٢٦٨ - لأن في رواية الموطأ أن ابن عمر كان يبعث بزكاة الفطر إلى الذي تجمع عنده قبل الفطر بيومين أو ثلاثة. (وقيل عن أحمد) : رواية ثالثة: يجوز تقديمها بعد نصف الشهر، كما يجوز تقديم أذان الفجر بعد نصف الليل. (وفي المذهب قول رابع) : تجوز من أول الشهر، لدخول سبب الوجوب، أشبه تقديم زكاة المال بعد النصاب، وقبل تمام الحول الذي به الوجوب، والدليل على أن الصيام سبب الوجوب قول ابن عباس المتقدم: «فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر طهرة للصائم» الحديث.
стр. 1065
١٢٦٩ - وفي الصحيح في حديث ابن عمر: «فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر من رمضان» . فأضافها إلى الفطر من رمضان.
١٢٧٠ - وفي سنن أبي داود، والنسائي عن الحسن البصري ﵁ قال: خطب ابن عباس ﵄ في آخر رمضان، على منبر البصرة فقال: أخرجوا صدقة صومكم. انتهى وفرق بين هذا وبين صدقة المال، بأنه إذا خرج هنا من أول الشهر لم يحصل المقصود الذي قصده الشارع بالإغناء عن السؤال في يوم العيد، بخلاف ثم.
«تنبيه» : وقت الوجوب [على الصحيح المنصوص] يدخل بغروب شمس آخر يوم من رمضان، على الصحيح [المنصوص] المشهور من الروايتين، لما تقدم من حديث ابن عمر وابن عباس ﵄: «فرض رسول الله ﷺ [صدقة الفطر من رمضان» ، «فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر،
стр. 1066
طهرة للصائم» والفطر من رمضان في الحقيقة يحصل بغروب الشمس من آخر] يوم من رمضان، فوجب أن يتعلق الوجوب به « [والرواية] الثانية» تجب بطلوع فجر يوم العيد، لأن الفطر من رمضان على الإطلاق [يقع] على يوم الفطر.
١٢٧١ - قال النبي ﷺ «فطركم يوم تفطرون» فأضاف الفطر على الإطلاق إلى اليوم.
١٢٧٢ - «ونهى ﷺ عن صيام يومين «يوم فطركم من صيامكم، واليوم الآخر تأكلون فيه من نسككم» ، ورد بأن الفطر في الحقيقة إنما هو بخروج وقت الصوم كما تقدم، وقوله ﷺ : «الفطر يوم تفطرون» أي الفطر بالنهار يوم تفطرون.
وينبني على ذلك أنه لو ملك عبدا، أو ولد له ولد، أو تزوج
стр. 1067
أو أسلم قبل غروب شمس آخر يوم من رمضان وجب عليه له ولهم وبعد طلوع فجر يوم العيد لا تجب، وفيما بينهما الروايتان، ولو كان معسرا فأيسر قبل الغروب وجبت، [وبعد طلوع الفجر لا تجب، وفيما بينهما الخلاف.
(وعنه) رواية أخرى: إن أيسر يوم العيد وجبت] : اختارها أبو العباس، لحصول اليسار في وقت الوجوب، فهو كالمتمتع إذا قدر على الهدي يوم النحر، (وعنه) إن أيسر في أيام العيد وجبت، وإلا فلا، فيحتمل أن يريد أيام النحر، ويحتمل أن يريد الستة من شوال، لأنه قد نص في رواية أخرى أنه إذا قدر بعد خمسة أيام يخرج (وعن أحمد) رواية أخرى: تبقى في ذمته ككفارة الظهار ونحوها، والأول اختيار الأكثرين، والله سبحانه أعلم.
قال: ويلزمه أن يخرج عن نفسه وعن عياله، إذا كان عنده فضل عن قوت يومه وليلته.
ش: يلزمه أن يخرج عن نفسه بلا ريب، والأحاديث صريحة بذلك، وعن عياله وهم من يمونه.
١٢٧٣ - لأنه يروى في بعض طرق حديث ابن عمر: «فرض رسول الله ﷺ الفطر عن كل صغير، وكبير، حر وعبد، ممن تمونون» . رواه الدارقطني.
стр. 1068
١٢٧٤ - ولإطلاق قول النبي ﷺ : «ابدأ بنفسك ثم بمن تعول» ويشترط في وجوبها أن يكون عنده فضل عن قوت يوم العيد وليلته، لأن صاحب الشرع أمر بإغناء السؤال في يوم العيد، ومن لم يكن عنده فضل عن قوت يوم العيد هو أحق بإغناء نفسه، قال ﷺ : «ابدأ بنفسك» أما إن فضل عنده فضل فيلزمه الإخراج، وإن لم يملك نصابا، لأنه قد حصل له غناء هذا اليوم، فاحتمل ماله المواساة.
١٢٧٥ - ولعموم حديث ابن عمر: «فرض رسول الله ﷺ [زكاة الفطر] صاعا من تمر، أو صاعا من شعير، على العبد والحر، والذكر والأنثى، والصغير والكبير من المسلمين» .
стр. 1069
١٢٧٦ - وعن عبد الله بن ثعلبة أو ثعلبة بن عبد الله بن أبي صعير، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ : «زكاة الفطر صاع من بر، أو قمح، عن كل صغير أو كبير، حر أو عبد، ذكر أو أنثى، أما غنيكم فيزكيه الله، وأما فقيركم فيرد الله عليه أكثر مما أعطاه» رواه أبو داود، وقال أحمد في رواية حنبل: «فرض رسول الله ﷺ : [صدقة الفطر] على الغني والفقير» . وظاهر هذا صحة هذا الحديث [عنده] (وقد دخل) في كلام الخرقي زوجته، وعبده ووالداه وولده، وكل من تلزمه نفقته، لأنهم في عياله، وحكمهم في التقديم يأتي في النفقات إن شاء الله تعالى، (ودخل) في كلامه [كل] من تبرع بمؤنته في شهر رمضان،
стр. 1070
فإنه تلزمه فطرته، لأنه قد مانه حقيقة فيدخل في قوله ﵇: «ممن تمونون» وهذا منصوص أحمد، وقول عامة أصحابه، وخالفهم أبو الخطاب في الهداية، وتبعه أبو محمد، فقالا: فطرته على نفسه. وجعلا الاعتبار بلزوم المؤنة، وحكى ذلك ابن حمدان رواية، (فعلى الأولى) تعتبر المؤنة في جميع الشهر على المشهور، وقال ابن عقيل: قياس المذهب أنه إذا مانه آخر ليلة وجبت فطرته، كما لو ملك عبدا عند الغروب، فلو مانه جماعة فعلى قول ابن عقيل فطرته على من مانه آخر ليلة، وعلى المشهور هل تجب على جميعهم بالحصص، لاشتراكهم في سبب الوجوب، أو لا تجب عليهم، لأن الوجوب على كل واحد منوط بمؤنة جميع الشهر ولم يوجد؟ فيه احتمالان.
«تنبيه» : يعتبر مع كفاف يوم العيد وليلته سد حوائجه
стр. 1071
الأصلية، من دار يسكنها، ودابة يحتاج إلى ركوبها، وثياب يتجمل بها ونحو ذلك، على ما قاله صاحب التلخيص، وأبو محمد وغيرهما، وأورد ابن حمدان المذهب بعدم اعتبار ذلك، ولعله ظاهر كلام الخرقي، والله أعلم.
قال: وليس عليه في مكاتبه زكاة.
ش: لأنه لا يمونه، فلا يدخل تحت قوله ﵇: «ممن تمونون» ولأنه لا يلزمه مؤنته، فأشبه الأجنبي.
قال: وعلى المكاتب أن يخرج عن نفسه زكاة الفطر.
ش: لأنه تلزمه نفقة نفسه، فلزمه فطرتها كالحر، والله أعلم.
قال: وإذا ملك جماعة عبدا أخرج كل واحد منهم صاعا، وعن أبي عبد الله ﵀ رواية أخرى صاعا عن الجميع.
ش: تجب فطرة العبد المشترك على مواليه، نص عليه أحمد، لعموم ما تقدم من الأحاديث (ثم هل على الجميع صاع) يقسم بينهم على قدر حصصهم، وهو الظاهر عن أحمد، بل قيل: إنه الذي رجع إليه آخرا، لأن النبي ﷺ أوجب على كل واحد صاعا، ولم يفرق بين مشترك وغيره، ولأن الفطرة تتبع النفقة، والنفقة تقسم عليهم بالحصص، فكذلك
стр. 1072
الفطرة (أو على كل [واحد] صاع) وهو اختيار أبي بكر. قال القاضي والخرقي: لأنها طهرة، فوجب تكميلها على كل واحد من الشركاء، ككفارة القتل؟ فيه روايتان، والله أعلم.
[مصارف زكاة الفطر]
قال: ويعطي صدقة الفطر لمن يجوز أن يعطي صدقة الأموال.
ش: لأنها صدقة، فتدخل تحت قوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ [التوبة: ٦٠] . الآية، وتحت قوله ﵇ لمعاذ: «أخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم» إلى غير ذلك. ويمنع منها من يمنع من صدقة الأموال كالذمي، والعبد، والزوجة، والولد ونحوهم، لأنها صدقة واجبة، فحكم عليها بما يحكم على بقية الصدقات، والله أعلم.
قال: ويجوز أن تعطى الجماعة، ما يلزم الواحد.
ش: لإطلاق ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ [التوبة: ٦٠] الآية، مع أن أبا محمد قال: لا أعلم فيه خلافا والله أعلم.
стр. 1073
قال: ويعطي الواحد ما يلزم الجماعة.
ش: لأنها صدقة واجبة، فجاز أن يدفع للواحد فيها ما يلزم الجماعة كصدقة المال، وقد تقدم الدليل على الأصل، فلا حاجة إلى إعادته، والله أعلم.
قال: ومن أخرج عن الجنين فحسن، وكان عثمان بن عفان ﵁ يخرج عن الجنين.
١٢٧٦ - م ش: المشهور المعروف من الروايتين أن إخراج زكاة الفطر عن الجنين مستحب، لفعل عثمان ﵁ ولا يجب، لأن هذا حكم من أحكام الدنيا، فلم يتعلق به كبقية الأحكام. ونقل عنه يعقوب بن بختان وجوبها اتباعا لفعل عثمان ﵁، ولأنه آدمي تصح الوصية له وبه، ويرث، أشبه المولود، والله أعلم.
قال: ومن كان في يده ما يخرج صدقة الفطر، وعليه دين مثله، لزمه أن يخرج، إلا أن يكون مطالبا به فعليه قضاء الدين ولا زكاة عليه، والله أعلم.
стр. 1074
ش: أما مع عدم المطالبة فلتغاير التعلق إذ هذه زكاة بدن، وتلك زكاة مال، ومع الدين قد نقص المال، فلذلك أثر ثم بخلاف هنا، ولأن زكاة الفطر آكد وجوبا من زكاة المال، بدليل وجوبها على الفقير، فلا يلزم من المنع ثم المنع هنا، وأما مع المطالبة فقد وجب الصرف إلى الغريم، فصار وجود المال كعدمه، فيكون معسرا، هذا هو المذهب المجزوم به عند الشيخين وغيرهما، وقيل: لا يمنع الدين مطلقا لما تقدم، والله أعلم.
стр. 1075
[كتاب الصيام]
ش: الصيام والصوم مصدر «صام» وفي اللغة: عبارة عن الإمساك، قال الله سبحانه: ﴿فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم: ٢٦] وقال الشاعر:
خيل صيام وخيل غير صائمة ... تحت العجاج وأخرى تعلك اللجما
أي ممسكة عن الصهيل. وفي الشرع: إمساك مخصوص، في وقت مخصوص، [على وجه مخصوص] وهو من أركان الإسلام المعلومة من دين الله تعالى بالضرورة، وقد شهد لذلك قَوْله تَعَالَى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣] إلى قوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] الآية.
١٢٧٧ - وقول النبي ﷺ : «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلا» الحديث إلى غير ذلك من الأحاديث، والله أعلم.
[ما يثبت به هلال رمضان]
قال: وإذا مضى من شعبان تسعة وعشرون يوما طلبوا الهلال.
стр. 1076
ش: يستحب للناس أن يتراءوا الهلال ليلة الثلاثين من شعبان، احتياطا لصومهم، وحذارا من الاختلاف.
١٢٧٨ - وقد روت عائشة ﵂ قالت: «كان رسول الله ﷺ يتحفظ من شعبان ما لا يتحفظ من غيره، ثم يصوم لرؤية رمضان، فإن غم عليه عد ثلاثين يوما ثم صام» . رواه أحمد وأبو داود، والدارقطني وقال: هذا إسناد صحيح. والله أعلم.
قال: فإن كانت السماء مصحية لم يصوموا ذلك اليوم.
ش: أي طلب الناس الهلال، فإن رأوه وجب صيامه، وهذا إجماع، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] . وإن لم يروه فإن كانت السماء مصحية [لم يصوموا ذلك اليوم] لأنه (إما يوم شك) وهو منهي عن صيامه.
١٢٧٩ - قال صلة بن زفر: كنا عند عمار في اليوم الذي يشك فيه، فأتي بشاة، فتنحى بعض القوم، فقال عمار: من صام هذا اليوم فقد عصى أبا القاسم ﷺ . رواه أبو داود، والنسائي،
стр. 1077
وابن ماجه [والترمذي] وصححه. (أو غير شك) وقد نهي عنه أيضا.
١٢٨٠ - فروى أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لا تقدموا رمضان بيوم ولا يومين، إلا أن يكون صوم يصومه رجل، فليصم ذلك اليوم» رواه الجماعة.
١٢٨١ - وعن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تقدموا الشهر، حتى تروا الهلال، أو تكملوا العدة، ثم تصوموا حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة» رواه النسائي وأبو داود. وهذا المنع على طريق [الكراهة] عند القاضي وأبي الخطاب، والأكثرين.
стр. 1078
ولأبي محمد في الكافي احتمال بالتحريم، وهو ظاهر كلام الخرقي، وكلام صاحب التلخيص في يوم الشك [قال: صيام يوم الشك] منهي عنه، وفي صحته مع النهي ما في الصلاة في أوقات النهي. انتهى وهو مقتضى نصوص أحمد ﵀ قال في رواية أبي داود: الشك على ضربين، فالذي لا يصام إذا لم يحل دون منظره سحاب ولا قتر، والذي يصام إذا حال دون منظره سحاب أو قتر، وفي رواية المروذي: سئل عن نهي النبي ﷺ عن صيام [يوم] الشك، فقال: هذا إذا كان صحوا لم يصم، وأما إن كان في السماء غيم [صام] . وفي رواية الأثرم: ليس ينبغي أن يصبح صائما إذا لم يحل دون منظر الهلال شيء من سحاب ولا غيره. انتهى وذلك لظواهر النصوص.
стр. 1079
ويستثنى من المنع النذر، والورد، كمن عادته صوم يوم الخميس فوافق آخر الشهر، أو صوم يوم وفطر يوم للحديث.
«تنبيه» : يوم الشك [قال بعض المتأخرين] : اليوم الذي يتحدث الناس برؤيته ولا يثبت، وحرر القاضي ذلك في تعليقه بأن يكون في الصحو، وزاد عليه: إذا لم يتراء الناس الهلال [حتى جاوز وقت الرؤية أو لم تكن السماء مصحية، وقلنا: لا يجب الصوم] أما إن قلنا بوجوبه فليس بشك [عند القاضي، وهو شك] عند الخلال فيما أظن، وهما روايتان عن أحمد، والله أعلم.
قال: وإن حال دون منظره غيم أو قتر وجب صيامه، وقد أجزأ إن كان من شهر رمضان.
ش: هذا هو المذهب المشهور، المختار لعامة الأصحاب، الخرقي، وابن أبي موسى، والقاضي وأكثر أصحابه.
١٢٨٢ - لما روى عبد الله بن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا رأيتموه فصوموا، وإن رأيتموه فأفطروا فإن غم عليكم فاقدروا له» متفق عليه. أي فضيقوا له العدد، من
стр. 1080
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق: ٧] الآية أي ضيق عليه رزقه ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [الرعد: ٢٦] أي يضيق عليه ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ [سبأ: ١١] أي ضيق ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ [الأنبياء: ٨٧] أي لن نضيق عليه. وتضييق العدد، بأن يجعل شعبان تسعة وعشرين.
١٢٨٣ - ويدل على هذا ما في سنن أبي داود وغيره عن نافع قال: وكان ابن عمر إذا كان شعبان تسعا وعشرين نظر له، فإن رؤي فذاك، وإن لم ير، ولم يحل دون منظره سحاب ولا قتر، أصبح مفطرا، وإن حال دون منظره سحاب أو قتر أصبح صائما، قال: وكان ابن عمر يفطر مع الناس ولا يأخذ بهذا الحساب وهو راوي الحديث وأعلم بمعناه فيرجع إلى تفسيره، كما رجع إلى
стр. 1081
تفسيره في «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا» فكان إذا بايع رجلا بشيء مشى خطوات لا سيما وهو من أتبع الناس [للسنة] ، ويجوز أن يكون معنى «فاقدروا له» أي اقدروا طلوعه.
١٢٨٤ - يدل عليه أن في مسلم وسنن أبي داود في الحديث: «إنما الشهر تسع وعشرون، فإذا رأيتموه فصوموا» ، فقوله: «الشهر تسع وعشرون» كالتوطئة [لقوله] : «فاقدروا له» . أي لا تظنوا أن الشهر ثلاثون، إنما هو تسع وعشرون، فإذا مضى تسع وعشرون وغم عليكم، فاقدروا طلوعه، وهذا معنى الذي قبله، لأنا إذا قدرنا طلوعه، فقد ضيقنا شعبان.
١٢٨٥ - (فإن قيل) : ففي هذا الحديث في مسلم: «فإن أغمي عليكم فاقدروا ثلاثين» ؛ وفي البخاري: «فأكملوا العدة ثلاثين» .
стр. 1082
(قيل) : يحمل الأول [على] فضيقوا عدة شعبان، أو قدروا طلوع الهلال، لتصوموا ثلاثين. والثاني [على] فأكملوا عدة رمضان ثلاثين، لأنه أقرب مذكور، فالألف واللام بدل من المضاف إليه، جمعا بين الأدلة.
١٢٨٦ - ويؤيده أن في الصحيح كما سيأتي إن شاء الله تعالى: «فصوموا ثلاثين» .
١٢٨٧ - وعلى هذا ما في الصحيحين وغيرهما عن عمران بن حصين ﵁ «أن رسول الله ﷺ قال لرجل: «هل صمت من سرر هذا الشهر شيئا؟» قال: لا. قال: «فإذا أفطرت فصم يوما» ، وفي رواية: «يومين» ؛ وسرار الشهر: آخره. سمي بذلك لاستسرار القمر فيه فلا يظهر، محمول على حال الغيم ونحوه. وحديث أبي هريرة: «لا تقدموا رمضان» على الصحو. ليتوافقا [إذ] في حال الغيم لا يعلم أنه تقدم رمضان بيوم ولا يومين، فلا يدخل تحت النهي، ولأن هذا قول جماعة من الصحابة ﵃.
١٢٨٨ - فعن مكحول: أن عمر كان يصوم يوم الشك إذا كانت السماء
стр. 1083
في تلك الليلة متغيمة، ويقول: ليس هذا بالتقدم، ولكنه بالتحري. رواه أبو حفص بسنده.
١٢٨٩ - وكانت عائشة ﵂ تقول إذا غم: لأن أصوم يوما من شعبان، أحب إلي من أن أفطر يوما من رمضان. وقد تقدم عن ابن عمر أنه كان يصوم يوم [الغيم.
١٢٩٠ - وعلى هذا يحمل ما روي عن أسماء، وأبي هريرة، وعمرو بن العاص، ومعاوية، وعلي بن أبي طالب ﵃ من صوم يوم] الشك على وجود الغيم ونحوه، وهؤلاء من أكابر الصحابة، وعلمائهم، وهم رواة أحاديث الباب، فلا يظن بهم مخالفتها، ولا مخالفة ظاهرها، ولأن الصوم في ذمته بيقين، ولا يبرأ منه بيقين إلا بصوم ذلك، كما لو كانت عليه صلاة من يوم لا يعلم عينها، وجب عليه أن يصلي خمس صلوات.
وعن أحمد ﵀ (رواية ثانية) : لا يصام هذا اليوم، بل
стр. 1084
ينهى عنه، لأنه يوم شك، وقيل: إن هذا اختيار ابن عقيل، وأبي الخطاب، في خلافيهما، والذي نصره أبو الخطاب في الخلاف الصغير هو الأول، فلعل هذا في الكبير وذلك لما تقدم [من] أنه يوم شك، ويوم الشك منهي عنه لما تقدم، ولما تقدم من حديث عائشة ﵂، فإن فيه: عد ثلاثين يوما ثم صام. وحديثي أبي هريرة، وحذيفة، في النهي عن التقدم.
١٢٩١ - وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين» رواه البخاري. ولمسلم: «فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين» . وقوله في حديث ابن عمر: «فاقدروا له» أي قدروا له عدد ثلاثين حتى تكملوها. يدل عليه بقية الروايات، وكون [التقدير] التضييق ممنوع، إنما هو غير التضييق والتوسيع.
١٢٩٢ - كما قيل في قوله: ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ [سبأ: ١١] لا توسع الحلقة ولا تضيقها، ولا ترقق المسامير ولا تغلظها، وفي ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق: ٧] أي جعل بقدر لا ينقص، ولا يفضل عن حاجته. وفي
стр. 1085
﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ [الأنبياء: ٨٧] أي نضيق عليه. وفعل الصحابة لعله عن اجتهاد وظن، كما ظنه غيرهم.
١٢٩٣ - ثم قد روي عن بعضهم [وعن غيرهم] خلاف ذلك، والاحتياط في الوجوب إنما يكون فيما علم وجوبه، أما ما شك فيه فلا يجب، وإلا يلزم الوجوب بالشك، وعلى هذا فهل النهي نهي تحريم أو تنزيه على قولين.
ومن نصر الأول قال: لا نسلم أن هذا يوم شك، مع أن عمارا ﵁ لم ينقل لنا عن النبي ﷺ لفظا، فيجوز أن يكون قاله عن اجتهاد، بناء على النهي عن التقدم، وأما حديثا أبي هريرة وحذيفة في التقدم فتقدم الجواب عنهما، وهو غلط من الراوي، وأن سائر الرواة لم يذكروا ذلك، مع أن في المسند ومسلم والنسائي في هذا الحديث: «فإن غم عليكم فصوموا ثلاثين» ، وفي لفظ لأحمد والترمذي وصححه، «فعدوا
стр. 1086
ثلاثين ثم أفطروا» ؛ والحديث واحد فتتعارض الروايتان ويتساقطان. ثم على تقدير صحة الأول فيحمل على ما إذا غم رمضان، بعد أن غم شعبان، فإنا لا نفطر، ونعد شعبان إذا ثلاثين يوما ورمضان ثلاثين يوما، ويكون الصوم أحدا وثلاثين.
وعن أحمد ﵀ رواية ثالثة: الناس تبع للإمام في الصوم والفطر.
١٢٩٤ - لما روت عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «الفطر يوم يفطر الناس، والأضحى يوم يضحي الناس» رواه الترمذي وصححه.
قال أحمد: السلطان أحوط في هذا، وأنظر للمسلمين، وأشد تفقدا، ويد الله على الجماعة.
وقيل عن أحمد رواية أخرى باستحباب الصوم، لا بإيجابه، ولا بالمنع منه، وهذا اختيار أبي العباس، وقال: إن المنقول
стр. 1087
عن أحمد أنه كان يصومه، أو يستحب صيامه، اتباعا لابن عمر، قال: ولم أقف من كلام أحمد على ما يقتضي الوجوب، وحملا للأوامر بإتمام شعبان، ونحو ذلك على بيان الواجب، وما ورد من صيام ذلك على الاستحباب، لا سيما وفيه احتياط لعبادة، وأصول الشريعة لا تمنع من ذلك.
وقيل عنه رواية بالإباحة، قال بعضهم: تحكى فيه الأحكام الخمسة. وقول سادس وهو التبعية.
فعلى الأولى: يشترط له النية من الليل، على أنه من رمضان حكما، فإن تبين أنه من رمضان أجزأه، وإلا فهو نفل، وهل تصلى التراويح ليلته؟ فيه وجهان: قال صاحب التلخيص: أظهرهما لا. وحكي عن أحمد وعن التميمي أنه ينويه جزما، وإذا تصلى التراويح. ولو نوى: إن كان غدا من رمضان فهو فرض، وإلا فهو نفل، لم يجزئه إن قيل باشتراط التعيين في النية لفواته، وإلا أجزأه بطريق الأولى، لمكان العذر هنا، وهل تثبت بقية الأحكام من الأجل المعلق برمضان، والطلاق المعلق به، ونحو ذلك؟ فيه احتمالان، ذكرهما القاضي في التعليق، فالثبوت للحكم برمضانيته، والمنع لأنه حق لآدمي.
стр. 1088
«تنبيه» : «الغيم» قال ابن سيده: الغيم السحاب. وقيل: أن لا ترى شمسا من شدة الدجى. وجمعه غيوم وغيام. و «القتر» جمع قترة وهي الغبار، ومنه قَوْله تَعَالَى: ﴿تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ [عبس: ٤١] .
١٢٩٥ - قال ابن زيد: الفرق بين الغبرة والقترة أن القترة ما ارتفع من الغبار فلحق بالسماء، والغبرة ما كان أسفل في الأرض. و «فاقدروا له» قد تقدم معناه والصواب عند أهل اللغة والتفسير المعنى الثاني، وهو بالوصل، وكسر الدال وضمها، و «سرر الشهر» و «سراره» وسراره ثلاث لغات، قال الفراء: والفتح أجود. ويقال فيه أيضا: سر الشهر. وجاءت به السنة، وقد تقدم معناه، وقيل: سره وسطه، وسر كل شيء جوفه ويدل عليه أن في بعض الروايات «أصمت من سرة هذا الشهر؟» وفسر ذلك بأيام البيض والله أعلم.
стр. 1089
[النية في الصوم]
قال: ولا يجوز صيام فرض حتى ينويه أي وقت كان من الليل.
ش: أما أصل النية في الصوم وإن كان تطوعا فمجمع عليها، لأنه عبادة فيدخل تحت قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥] وعمل فيدخل تحت قوله ﵇: «إنما الأعمال بالنيات» ، ثم إن كان [الصوم] فرضا كرمضان وصوم الكفارة والنذر اشترط أن ينويه من الليل.
١٢٩٦ - لما روي عن ابن عمر عن حفصة ﵃ عن النبي ﷺ قال: «من لم يبيت الصيام قبل الفجر فلا صيام له» رواه الخمسة، وفي لفظ: «من لم يجمع الصيام» ، وروي موقوفا على ابن عمر.
стр. 1090
١٢٩٧ - وعن عمرة عن عائشة ﵄ قالت: «من لم يبيت الصيام قبل الفجر فلا صيام له.» رواه الدارقطني وقال: إسناده كلهم ثقات. وما يورد من صوم عاشوراء فوجوبه كان في النهار فلذلك أجزأت فيه النية.
١٢٩٨ - – [على أن أبا حفص قد قال] : إنه لم يكن واجبا، بدليل حديث معاوية سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن هذا يوم عاشوراء، ولم يكتب عليكم صيامه، وإني صائم فمن شاء فليصم» ورد بأن معاوية إنما أسلم عام الفتح.
١٢٩٩ - ووجوب عاشوراء كان في الثانية من الهجرة، يوما واحدا ثم
следующие страницы →