Полный текст (4 333 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
إذا تقرر هذا فشرط جواز التيمم للمرض أو الجرح أن يخشى على نفسه من إصابة الماء، إذ لا ريب في أن الماء هو الأصل، والأصل لا يعدل عنه إلا لضرورة، كما في الإطعام مع الصيام، والصيام مع العتق في الكفارة، وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [المائدة: ٦] الآية أي - والله أعلم - مرضنا يتضرر معه باستعمال الماء، وإلا يكون ذكر المرض لغوا.
٢٥١ - وقد ثبت أن رسول الله ﷺ قال: «الحمى من فيح جهنم، فأطفئوها بالماء» والحمى نوع من المرض، ثم هل الخشية المشترطة هي تلف النفس، أو العضو، أو يكتفي بخشية الضرر، من زيادة مرض، أو تباطؤ برء، ونحو ذلك؟ فيه روايتان، المذهب منهما الثاني. وصورة هذه المسألة إذا
стр. 247
خشي على نفسه من إصابة الماء مسحا وغسلا، أما إن خشي غسلا لا مسحا فثلاث روايات (إحداهن) - واختارها القاضي - فرضه التيمم [كما تقدم، إذ الواجب الغسل، وقد تعذر عليه، فوجب الانتقال إلى التيمم] ، لعجزه عن الواجب، (والثانية) : فرضه المسح، لأنه أقرب إلى المعنى المأمور به وهو الغسل (والثالثة) : يجمع بين التيمم والمسح، فالتيمم للعجز عن الغسل، والمسح لقدرته على إيصال الماء إلى العضو في الجملة.
وكلام الخرقي محتمل للقولين الأولين، ومحل الروايات [إذا لم يكن] الجرح نجسا [أما إن كان نجسا] فإنه قال في التلخيص: لا يمسح ويتيمم. ثم إن كانت النجاسة معفوا عنها ألغيت، واكتفى بنية الحدث، وإلا نوى الحدث والنجاسة إن شرطنا فيها النية، وهل يكتفي بتيمم واحد؟ على وجهين، وفي البلغة احتمال أنه لا يجزئه إلا تيمم واحد، قال: لتحصل الإباحة المنوية.
وقد فهم من كلام الخرقي جواز التيمم للجنب، وهو قول العامة، لما تقدم من حديث عمار بن ياسر، وعمرو بن العاص، وصاحب الشجة، وأبي ذر.
стр. 248
٢٥٢ - وعن عمران بن حصين ﵁، قال: «رأى رسول الله ﷺ رجلا معتزلا، لم يصل في القوم، فقال: «يا فلان ما منعك أن تصلي في القوم» ؟ فقال: يا رسول الله أصابتني جنابة ولا ماء. قال: «عليك بالصعيد فإنه يكفيك» متفق عليه.
واعلم أن الحكم المتقدم لا يختص بالجنابة، بل الوضوء كذلك وإنما نص الخرقي على الجنابة لينبه على مذهب الخصم.
(تنبيهان) : (أحدهما) : يخير الجنب الجريح ونحوه بين البداءة بالغسل أو بالتيمم، لوجود سببهما، وعدم اعتبار الترتيب لطهارته، وهذا بخلاف الجنب الواجد لماء يكفي بعض بدنه، فإنه لا يصح تيممه حتى يستعمل ما وجده، ليتحقق شرط التيمم وهو العدم، أما الجريح المتوضئ، فعند عامة الأصحاب يلزمه أن لا ينتقل إلى ما بعده حتى يتيمم للجرح، نظرا للترتيب، وأن يغسل الصحيح، مع التيمم لكل صلاة إن اعتبرت الموالاة، واختار أبو البركات - وإليه ميل أبي محمد - سقوط الترتيب والموالاة في ذلك، دفعا
стр. 249
للحرج والمشقة، مع عدم النص في ذلك، وإذا كان الجرح في أعضاء التيمم أمر التراب عليه. (الثاني) : القرح بفتح القاف وضمها لغتان بمعنى الجراح وألمها، كالضعف والضعف، وقد قرئ بهما في قوله سبحانه: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ﴾ [آل عمران: ١٤٠] ، وقيل: بالفتح الجراح، وبالضم ألمها، «والعي» قصور الفهم، وشفاء هذا المرض بالسؤال عما جهله ليعرف، والله أعلم.
[ما يباح به التيمم]
قال: وإذا تيمم صلى الصلاة التي [قد] حضر وقتها، وصلى به فوائت - إن كانت عليه - والتطوع، إلى أن يدخل وقت الصلاة الأخرى.
ش: هذا هو المذهب المشهور، المعمول به - عند الأصحاب - من الروايات. مع أن القاضي في التعليق لم يحك [به] نصا، وإنما قال: أطلق أحمد القول في رواية الجماعة، أبى طالب، والمروذي، وأبي داود، ويوسف بن موسى، أنه يتيمم لكل صلاة، ومعناه: لوقت كل صلاة. قال: وقد ذكره
стр. 250
الخرقي على هذا. اهـ. (والثانية) أنه يصلي به ما لم يحدث، نص عليها في رواية الفضل، وبكر بن محمد، (والثالثة) - وهي المشهورة في نصه - لا يجمع [به] بين فرضين، وقد تقدمت الإشارة إلى توجيه الخلاف، وأن أبا الخطاب وغيره بنو ذلك على أن التيمم هل يرفع الحدث أم لا؟ وأبا العباس بنى على جواز التيمم قبل الوقت، وعدم جوازه، ونزيد هنا بأن المنقول عن الصحابة التيمم لكل صلاة.
٢٥٣ - فعن ابن عمر بإسناد صحيح: يتيمم لكل صلاة، وإن لم يحدث. وعن الحارث، عن علي قال: يتيمم لكل صلاة. وعن قتادة أن عمرو بن العاص كان يحدث لكل صلاة تيمما، وكان قتادة يأخذ به، رواهن ابن المنذر والبيهقي في سننه.
٢٥٤ - وروي أيضا عن ابن عباس أنه قال: لا يصلي بالتيمم إلا صلاة
стр. 251
واحدة ولهذا والله أعلم جاءت غالب نصوص أحمد على ذلك، تبعا للصحابة.
٢٥٥ - وقد روى [أيضا] «عن ابن عباس أنه قال: من السنة أن لا يصلي الرجل بالتيمم إلا صلاة واحدة، ثم يتيمم للأخرى» ، وهذا أقوى في اشتراط التيمم لكل صلاة، لكنه من رواية الحسن بن عمارة، وهو ضعيف.
٢٥٦ - مع أن حربا روى بإسناده عن ابن عباس أنه قال: التيمم بمنزلة الوضوء، يصلي به الصلوات كلها ما لم يحدث، وبالجملة لا تفريع على الرواية الوسطى، أما على الثالثة فيستبيح إذا تيمم لصلاة [الفرض] الطواف، ومس المصحف، واللبث في المسجد إن كان جنبا، والوطء إن كانت حائضا، وذكر ابن عقيل أن الوطء يحتاج إلى تيمم، والتنفل قبل الصلاة وبعدها، [على] مختار القاضي وغيره، وظاهر كلام أحمد
стр. 252
في رواية علي بن سعيد: أنه لا يستبيح إلا السنة الراتبة قبل، وحكى أبو الخطاب وجها في الانتصار: أن كل نافلة تحتاج إلى تيمم، لظاهر قول الصحابة المتقدم، وهو ظاهر نصوص أحمد السابقة، وقد روى البرزاطي عنه فيما وجد بخط ابن بطة: رجل تيمم في السفر، وصلى على جنازة، ثم جيء بأخرى فصلى عليها بذلك التيمم، فقال: إن جيء بالأخرى حين سلم من الأولى صلى عليها بذلك التيمم، وإن كان بينها مقدار ما يمكنه التيمم لم يصل على الأخرى حتى يعيد التيمم. قال القاضي: وهذا يحتمل وجهين (أحدهما) أن وقت الأولى إلى تمام فعلها، فإذا جاء بعد ذلك فقد خرج الوقت.
(والثاني) [أن الثانية] إذا جاءت عقب الأولى لحقت المسبقة في التيمم، لتفاوت الزمن، بخلاف ما إذا تراخت. قلت: وهذا من القاضي يقتضي أن وقت صلاة الجنازة يخرج بفعلها، وقوة كلام الإمام يقتضي أنه لا يصلي بتيمم واحد نافلتين، لأنه أطلق، مع أن من الجائز أن صلاة الجنازة نافلة في حقه اهـ. وعلى المذهب: يصلي الصلاة التي تيمم لها، وما عليه من منذورة وفائتة، ويجمع بين الصلاتين،
стр. 253
ويتطوع، ويصلي على الجنازة، إلى أن يدخل وقت التي تليها فيبطل، وهل يبطل الفجر بخروج وقتها، أو بدخول [وقت] التي تليها؟ فيه وجهان، ظاهر كلام الخرقي الثاني، وقال أبو محمد في المغني: [إن] المذهب الأول، وحمل كلام الخرقي عليه، وظاهر كلامه نفي الخلاف، ولو كان تيمم في غير وقت صلاة، كالمتيمم بعد طلوع الشمس يبطل بزوال الشمس، ولو نوى الجمع بين الصلاتين في وقت الثانية من يباح له، فتيمم في وقت الأولى لها، أو لفائتة، لم يبطل تيممه بدخول وقت الثانية، لأن الوقتين قد صارا للصلاتين وقتا واحدا.
(تنبيهان) :
(أحدهما) : ظاهر كلام الأصحاب أن التيمم يبطل بخروج الوقت، ولو كان في صلاة، وصرح به في المغني، وعن ابن عقيل: لا يبطل وإن كان الوقت شرطا، كما قلنا في الجمعة، وخرجه السامري على روايتي وجود الماء في الصلاة.
(الثاني) : إذا خرج الوقت ولم يصل الحاضرة التي تيمم لها، فعند أبي البركات: له قضاؤها، وقضاء
стр. 254
النوافل، والفوائت، ومس المصحف، والطواف، لاستباحة ذلك، وعند الأصحاب ليس له ذلك، وكذا لو تيمم لنافلة قبل الزوال، جاز فعلها [عنده دونهم، وعكس هذا لو تيمم لحاضرة، ثم نذر صلاة، لم يجز عنده فعلها] [بذلك] ، لعدم سبق وجوبها، وظاهر قول الأصحاب الجواز، وملخص الأمر أن الأصحاب أناطوا الحكم بالوقت، وأبا البركات بما استباحه.
ومما خالف فيه الأصحاب أيضا (لو) تيمم الجنب لقراءة، أو لبث في مسجد، أو الحائض لوطء، أو استباحوا ذلك بالتيمم لصلاة، لم يبطل تيممهم بدخول وقت الصلاة عنده، وعندهم يبطل، وأبطله أبو البركات بأن وقت الصلاة لا تعلق له بذلك والله أعلم.
قال: وإذا خاف العطش حبس الماء وتيمم وصلى، ولا إعادة عليه.
٢٥٧ - ش: لما روي عن علي ﵁ في الرجل يكون في السفر، فتصيبه الجنابة، ومعه الماء القليل، يخاف أن يعطش،
стр. 255
قال: يتيمم ولا يغتسل. رواه الدارقطني، وروى البيهقي أيضا عنه نحوه.
٢٥٨ - وعن ابن عباس ﵄ قال: إذا كنت مسافرا وأنت جنب أو محدث، فخفت إن توضأت تموت من العطش، فلا تتوضأ، واحبس لنفسك. رواه البيهقي في سننه وقال أحمد: عدة من أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يتيممون ويحبسون الماء لشفاههم ولأنه يخشى الضرر على النفس، فأشبه المريض بل أولى، وحكم خشية العطش على رفيقه أو بهيمة محترمة له أو لرفيقه، حتى كلب صيد - لا خنزير ونحوه - حكم خشية العطش على نفسه.
(تنبيه) : هل دفع الماء إلى عطشان يخشى تلفه واجب أو
стр. 256
مستحب؟ على وجهين، هذا نقل أبي محمد، وصاحب التلخيص، وفي الغاية - وهو أصوب - هل حبس الماء لعطش الغير المتوقع واجب أو مستحب؟ على وجهين، ويقرب من النقل الأول: إذا مات من له ماء، ورفقته عطاش، فهل ييمموه ويغرموا الثمن للورثة، أو يكون الميت أولى به؟ قال أبو بكر في التنبيه: على قولين، أظهرهما الأول، والله أعلم.
قال: وإذا نسي الجنابة، وتيمم للحدث لم يجزئه.
ش: وكذلك بالعكس، لقول النبي ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» وكطهارة الماء بل أولى، لأن ثم رافع، وهذا مبيح على الأشهر، ومفهوم كلامه أنه لو نواهما أجزأه، وهو كذلك لما تقدم، وإذا أحدث إذا بطل تيممه عن الحدث دون الجنابة، والله أعلم.
[الحكم لو وجد المتيمم الماء وهو في الصلاة]
قال: وإذا وجد المتيمم الماء وهو في الصلاة خرج فتوضأ، أو اغتسل إن كان جنبا، واستقبل الصلاة.
ش: إذا وجد المتيمم الماء وهو في الصلاة فإنه يلزمه الخروج منها، على المشهور المعمول عليه في المذهب، لقوله – ﷺ لأبي ذر: «إن الصعيد الطيب وضوء المسلم - وفي رواية طهور المسلم - عشر سنين، ما لم يجد الماء، فإذا وجد الماء فليمسه
стр. 257
بشرته» فجعل طهوريته مقيدة بعدم وجدان الماء، فإذا وجد الماء فليس بوضوء ولا طهور، ولذلك أوجب عليه استعمال الماء إذا قدر [عليه] ، ولأن تيممه قد بطل، بدليل أنه لو لم يفرغ من الصلاة حتى عدم الماء لم يجز له التنفل حتى يجدد التيمم، صرح به ابن عقيل وغيره، وكذا لو كان في نافلة، ولم ينو عددا، لم يزد على ركعتين، بل ولا على ركعة إن صح التطوع بها، وأبو محمد يختار عدم البطلان إن لم يقل ببطلان الصلاة برؤية الماء، وإذا له التنفل بعد، إن عدم الماء قبل كمال الصلاة، ولأنه معنى يبطل به التيمم خارج الصلاة، وكذلك فيها، كانقطاع دم الاستحاضة.
وعن أحمد [﵀] رواية أخرى نص عليها في رواية الميموني وغيره: أنه يمضي فيها، حذارا من بطلان العمل المنهي عن إبطاله، واستدل بعضهم بعموم «لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا» وليس بشيء، لأن معنى الحديث إذا خيل إليه بشيء فلا ينصرف حتى يسمع صوتا، أو يجد ريحا، فليس في الحديث تعرض لغير التخييل،
стр. 258
وقد رجع أحمد عن هذه الرواية في رواية المروذي، فقال: كنت أقول: يمضي في صلاته، ثم تدبرت، فإذا أكثر الأحاديث على أنه يخرج ويتوضأ. ومن ثم أسقطها ابن أبي [موسى] وطائفة من الأصحاب، ولم يعتبر ذلك ابن حامد، وطائفة معه، بل أثبتوها رواية، وكذلك القولان في كل رواية علم رجوع الإمام عنها. اهـ.
(فعلى رواية الميموني) : هل الخروج أفضل، للخروج من الخلاف - وهو رأي أبي جعفر - أو يمتنع الخروج - وهو ظاهر كلام الإمام - لقوله سبحانه: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] ؟ على قولين: (وعلى المذهب) يخرج ويتطهر، ويستأنف الصلاة كما قال الخرقي، ونص عليه أحمد، وخرج القاضي وطائفة من الأصحاب منهم المجد في المحرر - البناء من رواية البناء في من سبقه الحدث، وأبى ذلك أبو محمد، أبو البركات في الشرح، [مفرقين] بأن بوجود الماء ظهر حكم الحدث السابق على الصلاة، قبل كمال المقصود بالتيمم، فصار كافتتاح الصلاة مع الحدث، بخلاف من سبقه الحدث في الصلاة، فإنه لم يتقدم ذلك حدث.
стр. 259
وقول الخرقي: وهو في الصلاة. يحترز به عما إذا وجد الماء بعد الصلاة، فإن صلاته ماضية، وإن أصابه في الوقت، وقد نص على ذلك فيما تقدم، نعم: هل تستحب له الإعادة والحال هذه؟ فيه وجهان، وفيه تنبيه على ما إذا وجده قبل الدخول في الصلاة، فإن تيممه يبطل بلا ريب، لحديث أبي ذر المتقدم، حتى لو وجده ثم عدم من ساعته، فإنه يلزمه استئناف التيمم.
وقول الخرقي: إذا وجد الماء. ظاهره أنه لا بد من وجود حقيقة الماء، وهو كذلك، فلو وجد ركبا وغلب على ظنه وجود الماء فيه لم يبطل تيممه، نعم إن تيقن وجود الماء فيه بطل، وهذا بخلاف ما لو كان خارج الصلاة، فإنه إذا وجد ركبا] أو نحوه مما يظن معه وجود الماء، فإن تيممه [يبطل على الصحيح] .
وهذا كله إذا كان تيممه لعدم الماء، وهو آمن [من] العطش، أما إن كان لمرض ونحوه، أو كان عطشان، فإن تيممه] لا يبطل بوجوده ولو داخل الصلاة، والله أعلم.
قال: وإذا شد الكسير الجبائر، وكان طاهرا، ولم يعد بها موضع الكسر، مسح عليها كلما أحدث، إلى أن يحلها.
ش: جواز المسح على الجبيرة إجماع في الجملة، وقد دل عليه حديث صاحب الشجة.
стр. 260
٢٥٩ - وروى البيهقي في سننه، وأحمد في رواية إسحاق بن إبراهيم، بإسناديهما عن ابن عمر، أنه كان يقول: من كان به جرح معصوب عليه، توضأ ومسح على العصابة، ويغسل ما حول العصابة، وإن لم يكن عليه عصابة مسح ما حوله.
٢٦٠ - وقد روي المسح على الجبائر عن علي، وابن عمر عن النبي ﷺ لكن بأسانيد ضعاف.
٢٦١ - ومن ثم قال الشافعي ﵀: «روي حديث عن علي أنه انكسر إحدى زندي يديه، فأمره النبي ﷺ أن يمسح على الجبائر ولو عرفت إسناده بالصحة قلت به» . اهـ.
стр. 261
وظاهر كلام الخرقي وجوب المسح عليها، وهو كذلك، [لما تقدم، وظاهره أيضا أنه لا إعادة عليه مع المسح، وهو كذلك] لظاهر ما تقدم، ولأنها طهارة عذر، فأسقطت الفرض، كطهارة المستحاضة والتيمم، وقد حكى ابن أبي موسى، وابن عبدوس، وغيرهما رواية بوجوب الإعادة، لكنهم بنوها على ما إذا لم يتطهر لها، وقلنا بالاشتراط، والذي يظهر لي عند التحقيق أن هذا ليس بخلاف كما سيأتي.
وظاهر كلامه [أيضا] الاجتزاء بالمسح، وهو المشهور المقطوع به من الروايتين، لظاهر ما تقدم عن ابن عمر، ولأنه مسح على حائل، فأجزأ من غير تيمم، كمسح الخف بل أولى، إذ صاحب الضرورة أحق بالتخفيف، (والثانية) : لا بد من التيمم مع المسح، لظاهر حديث صاحب الشجة، وقد تقدم تضعيفه، مع أنه يحتمل أن الواو فيه بمعنى «أو» أي: إنما يكفيه أن يتيمم، أو يعصب على جرحه خرقة ثم يمسح عليها. ويحتمل أن [التيمم في] الحديث لشد العصابة على طهارة، واقتصر الشارع على ذكر التيمم، نظر لحال
стр. 262
الشاج، لكن يلزم من هذا الاكتفاء بطهارة التيمم في شد الجبيرة ونحوها، والأصحاب على عدم الاكتفاء بذلك، بناء منهم على أن التيمم لا يرفع الحدث، فعلى هذه [الرواية] لا يمسح الجبيرة بالتراب، فلو استوعبت محل التيمم سقط. اهـ.
واشترط الخرقي ﵀ لجواز المسح على الجبيرة شرطين (أحدهما) : أن يشدها وهو طاهر، وهو إحدى الروايتين، واختيار القاضي في روايتيه، والشريف، وأبي الخطاب في خلافيهما، وابن عبدوس، وابن البنا، لأنه مسح على حائل، فاشترط له تقدم الطهارة كالخف، ودليل الأصل الإجماع والنص كما سيأتي، (والثانية) : لا تعتبر الطهارة لها قبل الشد بحال، اختارها الخلال وصاحبه، وابن عقيل في التذكرة، وصاحب التلخيص فيه، وإليها ميل الشيخين لما تقدم عن ابن عمر وبه احتج أحمد، ولأن الجبيرة بمنزلة العضو، بدليل دخولها في الطهارتين، وعدم توقيتها، فهو كجلدة انكشطت، والتحمت على حدث، وتفارق الخف، إذ الكسر يقع بغتة، ويبادر إلى إصلاحه في الحال عادة، فلو اشترطت الطهارة والحال هذه لأفضى إلى حرج ومشقة، وهما منفيان شرعا (فعلى الأولى) حكمها حكم الخف في الطهارة،
стр. 263
فلو غسل موضعها، ثم شدها، ثم كمل طهارته، لم يجز له المسح، على المذهب من اشتراط كمال الطهارة، ولو شد على غير طهارة خلع ما لم يضر به، ومع خوف الضرر يتيمم لها كالجرح، وقيل: ويمسحها أيضا ليخرج من الخلاف، فإن ترك الخلع مع أمن الضرر، أو التيمم مع الضرر أعاد، وعلى هذا يحمل ما حكاه ابن أبي موسى وغيره من الإعادة إذا اشترطنا الطهارة.
(الشرط الثاني) : أن لا يعدو بها موضع الكسر، أي لا يتجاوز بها [موضع] ذلك، ومراده - والله أعلم - تجاوزا لم تجر العادة به، فإن الجبيرة إنما توضع على طرفي الصحيح، لينجبر الكسر، وفي معنى ذلك ما جرت العادة به من التجاوز لجرح، أو ورم، أو رجاء برء، أو سرعته، وإذا لم يجد إلا عظما كبيرا، أو لم يجد ما يصغره به، ونحو ذلك، أما إن تجاوز من غير حاجة ولا ضرورة، فهذا الذي يحمل عليه كلام الخرقي، ومقتضى كلامه أنه لا يجوز له المسح والحال هذه، وهو كذلك في الجملة، وبيانه بأنه إن لم يخف الضرر إذا لزمه النزع، وإلا يكون تاركا لغسل ما أمر بغسله من غير ضرر، وفي كلام أبي محمد عن الخلال ما يقتضي عدم اللزوم وليس بشيء، وإن خاف التلف بالنزع سقط عنه بلا ريب، وكذلك إن خاف الضرر على المذهب،
стр. 264
وخرج من قول أبي بكر فيمن جبر كسره بعظم نجس عدم السقوط.
وحيث سقط النزع مسح قدر الحاجة، وتيمم للزائد، ولم يجزئه مسحه على المشهور من الوجهين، اختاره القاضي وابن عقيل، وأبو محمد وغيرهم، لعدم الحاجة إلى الزائد.
(والوجه الثاني) : يجزئه المسح على الزائد، اختاره الخلال وأبو البركات، لأنه قد صارت ضرورة إلى المسح عليه، أشبه موضع الكسر، ولأن المجاوزة إنما تقع غالبا لسهو أو غفلة، أو دهشة فمنع الرخصة مع ذلك، ومع الخوف من النزع فيه حرج ومشقة، وتعمد ذلك نادر، فلا يفرد بحكم، (وفي المذهب قول ثالث) : يجمع في الزائد بين المسح والتيمم.
وقول الخرقي: شد الكسير الجبائر. ذكره على سبيل المثال، إذ لا فرق بين الكسر والجرح في موضع الجبيرة، نص عليه أحمد، وقصة صاحب الشجة كانت في الجرح، وفي معنى ذلك لو وضع على جرحه دواء وخاف من نزعه، فإنه يمسح عليه، وكذا لو ألقم إصبعه مرارة.
стр. 265
٢٦٢ - كما روى الأثرم والبيهقي بإسناديهما عن ابن عمر أنه خرجت بإبهامه قرحة، فألقمها مرارة، وكان يتوضأ عليها، أما لو كان برجله شق، فجعل فيه قارا، وتضرر بنزعه، (فعنه) - واختاره أبو بكر -: لا يجزئه المسح، ولأنه في معنى الكي المنهي عنه، لأنه لا يستعمل إلا مغليا بالنار، (وعنه) - واختاره أبو البركات -؛ يجزئه، كالمرارة ونحوها، والكي المنهي عنه يحمل على ما فيه خطر، أو لم يغلب على الظن نفعه.
٢٦٣ - لأنه [قد] صح عنه أنه كوى أبي بن كعب، وسعد ابن معاذ ﵄.
стр. 266
وكلام الخرقي يشمل المسافر وإن كان عاصيا، وهو كذلك، بخلاف ماسح الخف إذا كان عاصيا بسفره، فإنه يمتنع من المسح في وجه، وفي المشهور: يلغى حكم السفر، ويمسح مسح مقيم (ويشمل) الحدثين المسح، لأن مسحها للضرورة، والضرورة توجد معها، بخلاف الخف، (ويشعر) بأن مسحها لا يتأقت بمدة، وهو كذلك، لأنه مسح للضرورة، فيبقى ببقائها، بخلاف الخف، إذ مسحه رخصة، وعن ابن حامد: أنها تتوقت كالخف، (وبأنه) لا يشترط سترها لمحل الفرض، وهو كذلك، إذا لم تكن حاجة، لما تقدم، بخلاف الخف، (وبأن) شدها مختص بحال الضرورة، وهو كذلك، بخلاف الخف.
وإذا انتهينا إلى ذلك فقد عرفت أنها تفارق الخف فيما تقدم، وتفارقه أيضا في أنها تستوعب بالمسح كالتيمم، بخلاف الخف، إذ استيعابه يوهنه، ويضعفه، ويتلفه، فلذلك اجتزئ ببعضه، (وأنها) تجوز من خرق ونحوها، بخلاف الخف (وأنها) لو كانت من حرير ونحوه صح المسح عليها، على رواية صحة الصلاة في ذلك، بخلاف [الخف] على المحقق، (وأنها) لا تشترط لها الطهارة رأسا في رواية، بخلاف الخف (وأنه) لو لبس الخف على طهارة مسح فيها
стр. 267
عليها جاز له أن يمسح عليه، ولو لبسه على طهارة مسح فيها على عمامة (أو عمامة) على طهارة مسح فيها على الخف، لم يجز المسح على وجه (فهذه عشرة) أشياء، ومرجعها أو معظمها على أن مسح الجبيرة عزيمة، ومسح الخف ونحوه رخصة، والله سبحانه أعلم.
قال:
[باب المسح على الخفين]
ش: جواز المسح على الخفين في الجملة ثابت بالسنة الصريحة الصحيحة.
٢٦٤ - فعن جرير: «رأيت رسول الله ﷺ بال ثم توضأ، ومسح على خفيه.» قال إبراهيم النخعي: وكان يعجبهم هذا، لأن إسلام جرير كان بعد نزول المائدة. متفق عليه، وفي رواية النسائي: وكان أصحاب عبد الله يعجبهم قول جرير، وكان إسلام جرير قبل موت النبي ﷺ بيسير. ولأحمد «عن جرير: ما أسلمت إلا بعد أن أنزلت المائدة، وأنا رأيت رسول الله ﷺ يمسح بعد ما أسلمت» .
стр. 268
٢٦٥ - «وعن عوف بن مالك الأشجعي أن رسول الله ﷺ أمر بالمسح على الخفين في غزوة تبوك، ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويوما وليلة للمقيم» . رواه أحمد وقال: هذا من أجود حديث في المسح، لأنه في غزوة تبوك، وهي آخر غزوة غزاها النبي ﷺ وهو آخر فعله. وقال في رواية الميموني: سبعة وثلاثون نفسا يروون المسح عن النبي ﷺ . وقال في رواية أخرى: ليس في قلبي من المسح شيء، فيه أربعون حديثا عن أصحاب رسول الله ﷺ وما رفعوا إلى النبي ﷺ وما وقفوا.
стр. 269
٢٦٦ - وروى ابن المنذر عن الحسن البصري أنه قال: حدثني سبعون من أصحاب النبي ﷺ أنه مسح على الخفين.
٢٦٧ - وقال ابن المبارك: ليس في المسح على الخفين عندنا خلاف أنه جائز، وإن الرجل ليسألني عن المسح، فأرتاب به أن يكون صاحب هوى.
وقد استنبط ذلك بعض العلماء من الكتاب العزيز، من قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦] على قراءة الجر، وحمل قراءة النصب على الغسل، حذارا من أن تخلو إحدى القراءتين من فائدة.
٢٦٨ - ويرشح ذلك ما روى «عن المغيرة بن شعبة قال: كنت مع النبي ﷺ في سفر، فقضى حاجته ثم توضأ، ومسح على خفيه، قلت: يا رسول الله أنسيت؟ قال: «بل أنت نسيت، بهذا أمرني ربي» رواه أحمد، وأبو داود.
ولقد بالغ إمامنا ﵀ في اتباع السنة كما هو دأبه، فجعل المسح أفضل من الغسل في رواية، وإليها ميل الشيخين، أخذا بالرخصة، ومخالفة لأهل البدع المانعين من ذلك، وسوى
стр. 270
بينهما في أخرى، لورود الشريعة بهما والله أعلم.
[شروط صحة المسح على الخفين]
قال: ومن لبس خفيه وهو كامل الطهارة، ثم أحدث مسح عليهما
ش: يشترط لجواز المسح على الخفين أن يلبسهما بعد كمال الطهارة، على المشهور، المعول عليه من الروايتين.
٢٦٩ - لما روى صفوان بن عسال قال: «أمرنا رسول الله ﷺ أن نمسح على الخفين، إذا نحن أدخلناهما على طهر، ثلاثا إذا سافرنا، ويوما وليلة إذا أقمنا، ولا نخلعهما من غائط، ولا بول، ولا نوم، ولا نخلعهما إلا من جنابة.» رواه أحمد، والدارقطني، وابن خزيمة والطهر المطلق ينصرف إلى الكامل.
٢٧٠ - وعن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه، «عن النبي ﷺ أنه رخص للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يوما وليلة، إذا تطهر فلبس خفيه أن يمسح عليهما.» رواه الدارقطني، وابن خزيمة، والطبراني والأثرم، وصحح الخطابي إسناديهما،
стр. 271
ولأن ما اشترطت له الطهارة اشترط له كمالها، كمس المصحف.
(والثانية) : لا يشترط كمال الطهارة، فلو غسل رجلا وأدخلها الخف، ثم الأخرى وأدخلها الخف [الآخر] أو غسل رجليه وأدخلهما الخف، ثم تمم طهارته وصح ذلك، بأن يشترط الترتيب، جاز له المسح مع الكراهة.
٢٧١ - لما «روى المغيرة بن شعبة ﵁ قال: كنت مع النبي ﷺ في سفر، فأهويت لأنزع خفيه، فقال: «دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين» فمسح عليهما» مختصر متفق عليه، ولأبي داود «دع الخفين، فإني أدخلت القدمين الخفين وهما طاهرتان» .
٢٧٢ - وعنه أيضا قال: «قلنا: يا رسول الله: أيمسح أحدنا على الخفين؟ قال: «نعم إذا أدخلهما وهما طاهرتان» رواه الدارقطني، والحميدي في مسنده [وقد وجد طهارتهما والحال هذه] وكونهما طاهرتين أعم من أن يوجد ذلك
стр. 272
معا، أو واحدة بعد الأخرى، وحمل ذلك على طهارتهما بطهر كامل، توفيقا بين الأحاديث، على أنا نمنع الطهاة قبل كمالها حكما، بدليل المنع من مس المصحف.
وقد تضمن دليل الروايتين اشتراط تقدم الطهارة، وهو المعروف بلا ريب، وحكى الشيرازي رواية بعدم الاشتراط رأسا، فلو لبس محدثا، ثم توضأ وغسل رجليه جاز له المسح، وهو غريب بعيد.
وقد يحترز الخرقي بكمال الطهارة أيضا عما إذا لبس على طهارة تيمم، فإنه لا يجوز له المسح، لعدم كمال الطهارة، إذ التيمم لا يرفع الحدث على المذهب، ويتخرج الجواز بناء على أنه رافع، وقد أشار إليه أحمد [قال] أبو العباس، وهذا في من تيممه لعدم الماء، أما من تيممه لمرض كالجريح ونحوه فينبغي أن يكون كالمستحاضة، قال: وتعليل أصحابنا يقتضيه. اهـ.
ومما يلحظ فيه البناء على رفع الحدث وعدمه إذا لبس خفا على طهارة مسح فيها على عمامة، أو عمامة على طهارة مسح فيها على خف، أو ماسح أحدهما إذا شد جبيرة وشرطنا لها الطهارة، فإن في جواز المسح في جميع ذلك وجهان،
стр. 273
أصحهما عند أبي البركات الجواز، جريا على قاعدته، من أن المسح يرفع الحدث، أما المستحاضة ومن به سلس البول، ونحوهما فلهم المسح، نص عليه أحمد، لأن طهارتهم كاملة في حقهم، ثم هل حكمهم حكم الصحيح في التوقيت، وهو منصوص الإمام، وظاهر كلام ابن أبي موسى وغيره يتوقت المسح في حقهم، أو بوقت كل صلاة، وهو قول القاضي في الجامع - فيه قولان.
وقول الخرقي: ثم أحدث. يريد الحدث الأصغر، إذ جواز المسح مختص به، بدليل حديث صفوان المتقدم، والله أعلم.
[مدة المسح على الخفين]
قال: يوما وليلة للمقيم، وثلاثة أيام ولياليهن للمسافر.
ش: لما ذكر [﵀] جواز مسح الخف بشرطه، بين أن ذلك موقت بيوم وليلة للمقيم، وبثلاثة للمسافر، لما تقدم من حديث عوف بن مالك، وقد جوده أحمد، وصفوان.
٢٧٣ - وعن «شريح بن هانئ: سألت عائشة ﵂ عن المسح على الخفين، فقالت: سل عليا فإنه أعلم بهذا مني، وكان يسافر مع رسول الله ﷺ فسألته فقال: قال رسول الله
стр. 274
- ﷺ : «للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يوما وليلة» رواه مسلم والنسائي وأحمد.
٢٧٤ - وعن خزيمة بن ثابت «عن النبي ﷺ أنه سئل عن المسح على الخفين فقال: «للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يوم وليلة» رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي وصححه وقال مثنى: سئل أحمد عن أجود الأحاديث في المسح فقال: حديث شريح
стр. 275
بن هانئ، وخزيمة بن ثابت، وعوف بن مالك؛ وقال في رواية الأثرم: هو صحيح مرفوع، قال: نعم.
وقول الخرقي: للمسافر. أي المسافر سفرا يبيح القصر لأنه الذي تتعلق [به] الرخص، أما المسافر في معصية فكالمقيم، يمسح يوما وليلة، على أصح الوجهين، إلغاء للسفر، وقيل: لا يمسح أصلا عقوبة له. والله أعلم.
قال: فإن خلع قبل ذلك أعاد الوضوء
ش: يعني قبل اليوم والليلة، بعد (المسح) ، أو قبل الثلاثة أيام، وهذا أشهر الروايتين، وعليها العمل، (والثانية) : يجزئه غسل قدميه.
٢٧٥ - وقد روى (ذلك) البيهقي في سننه عن أبي بكرة، ورجل من أصحاب النبي ﷺ وقد تأول الخلال هذه الرواية، وخالفه العامة، وبنوها على أن الطهارة تتبعض، وأنه يجوز تفريقها كالغسل، وإذا إما [أن] نقول: الحدث لم يرتفع عن الرجلين، فيغسلان بحكم الحدث السابق، أو نقول: ارتفع وعاد إليهما فقط، أما المذهب فهو مبني - عند ابن الزاغوني، وأبي محمد - على المذهب في اشتراط الموالاة، وبنيا عليه أن
стр. 276
الخلع إذا كان عقب المسح كفاه غسل رجليه، وارتفع الخلاف، وهو مفرع على أن طهارة المسح لا ترفع الحدث، وإنما تبيح الصلاة كالتيمم، فإذا ظهرت الرجلان ظهر حكم الحدث السابق، وقد وقع ذلك أيضا للقاضي في التعليق، في توقيت المسح، مصرحا بأن طهارة المسح ترفع الحدث إلا عن الرجلين، وبناه أبو البركات على شيئين (أحدهما) : أن المسح يرفع حدث الرجلين رفعا مؤقتا، وقد نص أحمد على ذلك في رواية أبي داود، وقاله القاضي في التعليق في هذه المسألة، وصاحب التلخيص فيه.
(والثاني) : أن الحدث لا يتبعض، وقد صرح بذلك القاضي أيضا وغيره، وإذا إذا خلع عاد الحدث إلى الرجلين، فيسري إلى بقية الأعضاء، وعلى هذا يستأنف وإن قرب الزمن، كما هو ظاهر كلام أحمد، لإطلاقه القول بالاستئناف، بل قيل: إنه منصوصه، وقد قال القاضي: لو سلمنا أن المسح لا يرفع الحدث عن الرجلين لا يضر، لأن نزعهما أبطل حكم المسح في الرجلين، وأوجب غسلهما، فيجب بطلانها في جميع الأعضاء، لأنها لا تتبعض، وحاصل هذا البناء على شيء واحد اهـ وهكذا الخلاف في انقضاء المدة وهو على طهارة.
وقوله: خلع. يشمل الخفين أو أحدهما، وهو كذلك، ويخرج منه ما إذا انكشطت ظهارة الخف، وبقيت بطانته،
стр. 277
فإنه ليس كالخلع على المذهب، وقيل: بلى. وحكم ظهور بعض القدم حكم ظهور جميعه، أما إن خرج القدم إلى الساق فعنه - وهو المشهور - أنه كالخلع، وعنه - ويحتمله كلام الخرقي لترتيبه الحكم على الخلع -: لا أثر لذلك، (فعلى الأول) - وهو المذهب - إن خرج بعض القدم إلى الساق فروايتان، أصحهما أنه كما لو خرج القدم جميعه، هذا نقل القاضي في التعليق، وأبي الخطاب، تبعا لأبي حفص البرمكي، وقال أبو البركات: إن خرج البعض إلى الساق، خروجا لا يمكن المشي معه، فكالخلع، نص عليه، وعنه: إن جاوز العقب حد موضع الغسل فكالخلع، وما دونه لا يؤثر.
(تنبيه) : إذا حدث ما تقدم من الخلع أو انقضاء مدة المسح وهو في الصلاة، فظاهر كلام الخرقي وكثير من الأصحاب أنه كما لو كان خارجها، نظرا لإطلاقهم، وبناه ابن عقيل على وجود المتيمم الماء وهو في الصلاة، وكأنه لحظ أن المسح لا يرفع الحدث، والسامري على من سبقه
стр. 278
الحدث وهو في الصلاة، وهو أقعد على المنصوص من أن المسح يرفع الحدث. والله أعلم.
قال: ولو أحدث وهو مقيم، فلم يمسح حتى سافر، أتم على مسح مسافر، منذ كان الحدث
ش: أما كونه يمسح [مسح] مسافر والحال ما تقدم فلظاهر قوله ﷺ : «يمسح المسافر» وهذا مسافر فدخل في ذلك، ولأنه لم يمسح في الحضر، فأشبه من لبس فيه ولم يحدث.
وأما كون ابتداء مدة المسح من حين الحدث فلأن «قول صفوان [﵁] ، أمرنا أن لا ننزع خفافنا ثلاثا، من بول، وغائط، ونوم.» مقتضاه أنها تنزع لثلاث يمضين من ذلك، وفيه بحث، إذ قد يقال: إن (من) للسببية، أي ننزع بعد الثلاث، بسبب حدث وجد قبل ذلك، ولأن المسح عبادة مؤقتة، فاعتبر وقتها بجواز فعلها، لا بفعلها كالصلاة، (وهذا) أشهر الروايتين، واختيار الأصحاب.
(والثانية) : ابتداء المدة من المسح بعد الحدث، لظاهر قوله ﷺ : «يمسح المسافر ثلاثا» ولو كان أوله الحدث لم يتصور ذلك، إذا الحدث لا بد أن يسبق المسح، وهو محمول على وقت جواز المسح، والله أعلم.
стр. 279
قال: ولو أحدث مقيما، ثم مسح مقيما ثم سافر، أتم على مسح مقيم [ثم خلع]
ش: هذا إحدى الروايتين، واختيار ابن أبي موسى، وأبي محمد، والقاضي، وجمهور أصحابه، منهم أبو الخطاب في خلافه الصغير، إذ المسح عبادة وجد أحد طرفيها في الحضر، والآخر في السفر، فغلب جانب الحضر كالصلاة، (والثانية) : يتم مسح مسافر. اختارها الخلال وصاحبه، وأبو الخطاب في الانتصار، لظاهر قوله ﷺ : «يمسح المسافر» وهذا مسافر، وكما لو أحدث وهو مقيم، فلم يمسح حتى سافر، ولقد غالى الخلال حيث جعل المسألة رواية واحدة، فقال: نقل عنه أحد عشر نفسا أنه يتم مسح مسافر، ورجع عن قوله: يتم مسح مقيم.
وظاهر كلام الخرقي والأصحاب أنه لا فرق بين أن يصلي في الحضر أو لا يصلي، وقال أبو بكر: يتوجه أن يقال: إن صلى بطهارة المسح في الحضر غلب جانبه، رواية واحدة. والله أعلم.
стр. 280
قال: وإذا مسح مسافرا أقل من يوم وليلة، ثم أقام، أو قدم، أتم على مسح مقيم وخلع.
ش: لا خلاف في هذا نعلمه، لما تقدم من تغليب جانب الحضر، والله أعلم.
قال: [وإذا مسح مسافر يوما وليلة فصاعدا ثم أقام أو قدم خلع] .
ش: هذا المعروف في المذهب، حتى قال ابن تميم: رواية واحدة. لما تقدم من تغليب جانب الحضر، وقد تنقضي المدة فيلزمه الخلع، وشذ الشيرازي فقال: إذا مسح أكثر من يوم وليلة، ثم أقام أو قدم أتم على مسح مسافر. والله أعلم.
قال: ولا يمسح إلا على خفين، أو ما يقوم مقامهما، من مقطوع، أو ما أشبه مما يجاوز الكعبين.
ش: يمسح على الخفين لورود السنة بذلك كما تقدم، وعلى ما يقوم مقام الخفين مما يستر محل الفرض، ويثبت بنفسه، إذ ما يقوم مقام الشيء يعطى حكمه، وذلك كالخف المقطوع
стр. 281
الساق، وما أشبه المقطوع. كالخف القصير الساق، ولعله يريد الجرموق.
٢٧٦ - وقد روى بلال ﵁ «أن النبي ﷺ كان يتوضأ ويمسح على عمامته وموقيه» ، رواه أحمد، وأبو داود، والموق هو الجرموق، فارسي معرب، قاله الجوهري، وهو خف واسع يلبس فوق الخف في البلاد الباردة، ولا يمسح على ما عدا ذلك، إذ الأصل [الغسل] ، خرج من ذلك ما وردت فيه السنة وما في معناه.
واعلم أنه يشترط لجواز المسح على الخف وما ألحق به - كما اقتضاه كلام الخرقي - من حوائل الرجل شروط (أحدها) : كونه ساترا لمحل الفرض، وإلا فحكم ما ظهر الغسل، وحكم ما استتر المسح، وإذا يغلب الغسل، لأنه الأصل، وسواء كان ظهور محل الفرض لقصر ذلك، أو لسعته، أو خفته، أو صفائه، كالزجاج الرقيق ونحوه،
стр. 282
أو خرق فيه وإن صغر، ومال أبو البركات إلى العفو عن خرق لا يمنع متابعة المشي، نظرا إلى ظاهر خفاف أصحاب رسول الله ﷺ .
٢٧٧ - وقال قال عبد الرزاق: سمعت الثوري يقول: يمسح على الخف ما تعلق بالقدم وإن تخرق؛ قال: وكذلك كانت خفاف المهاجرين والأنصار، مخرقة مشققة.
وبالغ أبو العباس فقال في قواعده بالجواز على المخرق، ما لم يظهر منه أكثر القدم، فإن ظهر أكثر القدم فهو عنده كالنعل، أو الزربول الذي لا يستر القدم مما في نزعه مشقة، بأن لا يخلع بمجرد خلع الرجل [بل] إنما يخلع بالرجل الأخرى، أو باليد، والذي يميل إليه في جميع ذلك أنه يغسل ما ظهر من القدم، ويمسح النعل، أو يمسح الجميع، وكلامه في ذلك فيه اضطراب، ثم ظاهر كلامه أن المسح والحال
стр. 283
هذه لا يكون بدلا، بل أصلا مكملا بغيره فلا يتوقت، ومعتمده في ذلك على أحاديث وآثار.
٢٧٨ - (منها) : ما روي «عن علي ﵁ أنه قال: يا ابن عباس ألا أتوضأ لك كما رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ؟ قلت: بلى. وفيه: فأخذ حفنة من ماء فضرب بها رجله، وفيها النعل، فغسلها به، ثم الأخرى مثل ذلك.» رواه أحمد وأبو داود، والترمذي.
٢٧٩ - (ومنها) : ما «روي عن ابن عباس أيضا قال: توضأ رسول الله ﷺ فأخذ ملء كفه ماء، فرش به على قدميه وهو منتعل» .
стр. 284
٢٨٠ - «وعن ابن عمر أنه كان إذا توضأ ونعلاه في قدميه مسح ظهور قدميه بيديه، ويقول: كان رسول الله ﷺ يصنع هكذا» وغير ذلك من أحاديث وآثار.
وغيره من العلماء أشار إلى ضعف ما ورد من ذلك، إذ أعلاها الحديث المصدر به، وقد سئل عنه البخاري فضعفه، وقال: ما أدري ما هذا. وكذلك البيهقي ضعف جملة من ذلك، ثم الحديث الأول لا حجة فيه، إذ
стр. 285
فيه أنه غسلها في النعل، [والنعل لا يمنع الغسل] ، وعلى ذلك حمل البيهقي ما ورد من ذلك، والطحاوي حملها على أنها كانت تحتها جوربان، أو على أنه في الوقت الذي كان يجوز فيه المسح على القدمين، وأن ذلك كان هو الفرض، والمسح على النعلين فضلا، وادعى الإجماع على عدم جواز [مسح] ما تقدم، وأبو العباس يضعف هذه الأجوبة ويقول: إن هذا رد للآثار بإجماع لا نعلم حقيقته اهـ.
(الثاني) : [من الشروط] ثبوته بنفسه، إذ الرخصة وردت في الخف المعتاد، وهو ثابت بنفسه، وما لا يثبت بنفسه ليس في معناه، فلا يلحق به، وإذا لا يجوز المسح على ما يسقط من الرجل، أو لا يثبت إلا بالشد، وفي معنى ذلك اللفافة على المنصوص، والمجزوم به عند الأصحاب، حتى إن أبا البركات جعل ذلك إجماعا، لعدم ثبوتها بنفسها، وحكى ابن عبدوس رواية بالجواز بشرط قوتها وشدتها، وبعض الأصحاب تخريجا بشرط مشقة النزع، وابن تميم وجها
следующие страницы →