← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 21743

شرح الزركشي على مختصر الخرقي

الزركشي الحنبلي

Полный текст (4 333 стр.). Показаны 2836–2875 · переход к 2841.

стр. 2836

الثلاثة دراهم لزمها ثلاثة، كما لو لم يكن في يدها شيء، والذي يظهر لي أن (من) هنا لبيان الجنس، وأنه إنما له ما في يدها، أو أقل ما يتناوله الاسم إن لم يكن في يدها شيء. واعلم أن أبا البركات له في الخلع على المجهول تحرير حسن لم أره لغيره، وملخص ما قاله في هذه الصورة أن الذي قاله الخرقي على مختاره من صحة الخلع بغير عوض، أما إن قيل باشتراط العوض فهنا يجري قول أبي بكر بالبطلان، والمشهور خلافه، وعلى المشهور هل يجب كما تقدم أو يبطل المسمى ويجب مهر المثل أو إن وجد شيء فهو له، وإلا وجب مهر المثل؟ على ثلاثة أوجه، والله أعلم. [الخلع على غير عوض] قال: ولو خالعها على غير عوض كان خلعا ولا شيء له. ش: هذا إحدى الروايتين عن أحمد ﵀ واختيار الخرقي، وابن عقيل في التذكرة، لأنه قطع للنكاح، فصح من غير عوض كالطلاق، ولأن الأصل في مشروعية الخلع أن يوجد من المرأة رغبة عن زوجها، وتحتاج إلى فراقه فتسأله ذلك، فإذا أجابها فقد حصل المقصود منه، (والثانية) : لا يصح إلا بعوض، اختارها القاضي وجمهور أصحابه، أبو الخطاب، والشريف، والشيرازي وغيرهم، لأن الخلع الذي ورد في الكتاب والسنة ورد بعوض، والأصل عدم جواز ما عداه، ولأن الخلع (إن كان) فسخا فالزوج لا يملك فسخ النكاح إلا لعيبها، بخلاف ما إذا دخله العوض فإنه يصير معاوضة، فلا يجتمع له العوض

стр. 2837

والمعوض، (وإن كان) طلاقا فليس بصريح فيه اتفاقا، وإنما هو كناية، والكناية لا بد فيها من النية أو ما يقوم مقامها، وهو والحال هذه بدل العوض، ولم يوجد واحد منهما، فعلى هذه الرواية إن خلا عن عوض لم يقع به شيء إلا حيث نجعله طلاقا، فيكون طلاقا رجعيا، والله أعلم. قال: ولو خالعها على ثوب ونحوه فخرج معيبا، فهو مخير بين أن يأخذ أرش العيب أو قيمة الثوب ويرده. ش: الخلع على ثوب ونحوه له حالتان: (إحداهما) : أن يكون معينا وهو ينقسم قسمين منجزا ومعلقا، (فالمنجز) - وهو مراد الخرقي - أن يقول: خلعتك على هذا الثوب، فهذا إن لم يعلم به عيب حين العقد ثم اطلع على عيب، فإنه يخير بين أخذ أرش العيب عوضا عن الجزء الفائت، وبين رد الثوب وأخذ قيمته سليما، لأن مقتضى المعاوضة أنه إذا رد الثوب رجع في مقابله وهو البضع، لكن ذلك متعذر، لأن البينونة إذا وقعت لا ترتفع، فيرجع ببدل ما رضي به، وهو الثوب، وفيه البحث السابق في الصداق، أنه كان ينبغي أن يرجع في بدل البضع وهو مهر المثل.

стр. 2838

وفي المذهب: رواية أخرى أنه لا أرش له مع إمساكه كالرواية المذكورة في البيع والصداق، (والمعلق) أن يقول: إن أعطيتني هذا الثوب فأنت طالق. وهذا المنصوص عن أحمد، وهو اختيار الشيخين، لأنه إذا اطلع فيه على عيب فلا شيء له، تغليبا للشرط، وحكى أبو محمد عن الأصحاب أنه كالذي قبله، تغليبا للمعاوضة؛ (والحال الثانية) : أن يكون غير معين، وهو قسمان أيضا (أحدهما) : أن يكون موصوفا بصفات السلم في الذمة، فهذا إذا سلمته إليه فوجد به عيبا (فله إمساكه) لأن غايته أنه قد رضي بدون حقه، (ورده) وأخذ بدله، لأن الذي وجب له في الذمة سليم، فيرجع إليه؛ (الثاني) : أن يكون مجهولا، كأن يخالعها على ثوب، فإن لم نشترط العوض فله أقل ما يتناوله الاسم، وإن اشترطناه فهل يصح الخلع والحال هذه؟ فيه وجهان، المذهب منهما الصحة، وعليه فهل يجب أقل ما يتناوله الاسم، أو قدر مهر مثلها؟ فيه وجهان، والله أعلم. قال: وإذا خالعها على عبد فخرج حرا أو استحق كان عليها قيمته. ش: لتعذر أخذه، والرجوع في البضع، وإذا فيرجع في بدل ما رضي به، وهو قيمته، وفيه الإشكال السابق، وقول الخرقي: خرج حرا أو استحق، يحترز عما إذا خالعها على ما يعلمان أنه حر أو مغصوب، فإنه لا شيء له بلا ريب، لكن هل يصح الخلع أو يكون كالخلع بغير عوض؟ فيه طريقتان للأصحاب،

стр. 2839

(والأولى) طريقة القاضي في الجامع الصغير، وابن البنا، وابن عقيل في التذكرة، (والثانية) طريقة الشريف، وأبي الخطاب في خلافيهما، والشيرازي والشيخين، والله أعلم. قال: ولو قالت له: طلقني ثلاثا بألف، فطلقها واحدة لم يكن له شيء، ولزمتها التطليقة. ش: أما وقوع الطلاق بها فلا خلاف فيه، لأنه أتى بلفظه الصريح، وأما الألف فلا يستحق منها شيئا على المنصوص، والمجزوم به عند عامة الأصحاب، لأنها إنما بذلتها في مقابلة الثلاث، ولم تحصل، وصار كما لو قال: بعني عبديك بألف. فقال: بعتك أحدهما بخمسمائة. وفارق إذا قال: من رد عبيدي فله كذا. فرد بعضهم، فإنه يستحق بالقسط، لأن غرضه يتعلق بكل واحد من العبيد، وهنا غرضها يتعلق ببينونة كبرى وما حصلت، ولأبي الخطاب في الهداية احتمال أنه يستحق ثلث الألف، كما لو قال: من رد عبيدي الثلاثة فله ألف درهم. فرد أحدهم كان له ثلث الألف، فلو لم يكن بقي من طلاقها إلا واحدة، فقالت: طلقني ثلاثا بألف. فطلقها الواحدة، فالذي عليه الأصحاب هنا فيما علمت أنه

стр. 2840

يستحق الألف، لأن الواحدة إذا تحصل ما تحصل الثلاث من البينونة الكبرى، فالغرض الذي طلبته المرأة حاصل لها، ولأبي محمد في المقنع احتمال أنها إذا لم تعلم ليس له إلا ثلث الألف، لأنها مع العلم معنى كلامها: كمل لي الثلاث. بخلاف ما إذا لم تعلم، فإن الألف مبذولة في الطلقات الثلاث، فتقسطت عليها، والله أعلم. قال: وإذا خالعته الأمة بغير إذن سيدها على شيء معلوم كان الخلع واقعا، ويتبعها إذا عتقت بمثله إن كان له مثل وإلا قيمته. ش: إذا خالعته الأمة فلا يخلو إما أن يكون بإذن سيدها أو بغير إذنه، فإن كان بإذنه صح بلا ريب، كما لو أذن لها في تجارة أو نحوها، ومحل العوض كمحله في استدانتها، يتعلق بذمة سيدها على المذهب، وإن كان بغير إذنه فهل يصح؟ فيه وجهان: (أحدهما) - وهو مقتضى المحكي عن القاضي في المجرد، وأورده أبو البركات مذهبا - لا يصح، لأن الخلع عقد معاوضة، فلم يصح منها كالبيع ونحوه، (والثاني) - وهو الذي قطع به الخرقي، والقاضي في الجامع الصغير، وأبو الخطاب في الهداية، والشريف وأبو محمد في كتبه الثلاثة - يصح، لأنه إذا صح الخلع مع الأجنبي فمع الزوجة أولى، والخلع يفارق البيع، بدليل صحته على المجهول، وبغير عوض على رواية، وغير ذلك، ويتخرج لنا

стр. 2841

(وجه ثالث) : أنها إن خالعته في ذمتها صح، وعلى شيء في يدها لا يصح كبيعها، ويجوز في رواية تقدمت، وعلى القول بالصحة قال الخرقي وعامة من تبعه: تتبع بالعوض بعد العتق، لتعذر الأخذ منها في الحال، فيرجع عليها حين يسارها، وقال أبو محمد: إن وقع على شيء في الذمة فكذلك، وإن وقع على عين فقياس المذهب أنه لا شيء له، قال: لأنه إذا علم أنها أمة فقد علم أنها لا تملك العين، فيكون راضيا بغير عوض، ويلزم من هذا التعليل بطلان الخلع على المشهور، لوقوعه بغير عوض، والله أعلم. قال: وما خالع العبد به زوجته من شيء جاز. ش: لأنه إذا صح طلاقه من غير عوض، فبعوض أولى وأحرى. قال: وهو لسيده. ش: يعني عوض الخلع الذي خالع به العبد لسيده، لأنه من كسبه، وكسبه لسيده، ولم يتعرض الخرقي لمن يقبضه، وقد يقال: إن ظاهر كلامه أن السيد هو الذي يقبضه، وهو اختيار أبي محمد، وصاحب النهاية، كبقية أملاك السيد، وظاهر كلام أحمد واختاره القاضي، أن للعبد قبضه، لأنه لما ملك العقد تبعه عوضه والله أعلم.

стр. 2842

قال: وإذا خالعت المرأة في مرض موتها بأكثر من ميراثه منها فالخلع واقع، وللورثة أن يرجعوا عليه بالزيادة. ش: مخالعة المريضة صحيحة بلا ريب، كبيعها ونحو ذلك، ثم إن كان المسمى قدر ميراثها منه فأقل فلا كلام، وإن كان أزيد وقف الزائد على إجازة الورثة، لأنها إذا متهمة، لاحتمال قصدها أن يعطى الوارث زيادة على إرثه، فأشبه ما لو أقرت له، والله أعلم. قال: ولو طلقها في مرض موته، وأوصى لها بأكثر مما كانت ترث، فللورثة أن لا يعطوها أكثر من ميراثها. ش: هذا أيضا من مشكاة الذي قبله، لأنه إذا أوصى لها بأكثر من ميراثها فهو متهم، لأنه يريد أن تبقى أجنبية ليتوصل إلى إعطائها أكثر من ميراثها، بخلاف ما إذا كان بالثلث فما دون، فإن التهمة منتفية، انتهى، وفي بعض النسخ: ولو خالعها. وعليها شرح أبو محمد، وهي أمس وفيها دلالة على صحة خلع المريض وهو واضح، لأنه يصح طلاقه، فمخالعته أولى، والله أعلم. قال: ولو خالعته بمحرم وهما كافران، فقبضه ثم أسلما أو أحدهما، لم يرجع عليها بشيء. ش: تخالع الكفار صحيح، لأنه يصح طلاقهم، فصح تخالعهم كالمسلمين، ثم إن كان العوض صحيحا فواضح، وإن كان محرما - كالخمر والخنزير - فإن قبضه الزوج فقد مضى

стр. 2843

حكمه، ولا شيء له وإن أسلم، كما لو تبايعا ذلك وتقابضا، ودليل الأصل قوله سبحانه: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] وإن لم يقبضه فقال القاضي في الجامع الكبير: لا شيء له، لرضاه بما ليس بمال، أشبه المسلمين إذا تخالعا على ذلك، وقال في المجرد: يجب مهر المثل، لأن العوض فاسد، فرجع إلى قيمة المتلف، وهو مهر المثل، واختار أبو محمد أنه يجب قيمة ذلك عند أهله، لأنه إنما رضي بعوض، وقد تعذر العوض، فيرجع في بدله، وهذا قياس المذهب، كما لو خالعها على عبد فخرج حرا أو نحو ذلك، وفارق المسلم إذا خالع على ذلك، لأنه رضي بغير عوض، والله سبحانه أعلم.

стр. 2844

[كتاب الطلاق] ش: الطلاق لغة التخلية، يقال: طلقت الناقة. إذا سرحت حيث شاءت، وجلس فلان في الحبس طلقا، إذا كان بغير قيد، والإطلاق الإرسال، وهو في الشرع راجع لذلك، لأنه حل قيد النكاح، ومن حل نكاحها فقد خليت، ويقال: طلقت المرأة وطلقت، بفتح اللام وضمها، تطلق بضم اللام فيهما، طلاقا وطلقة، والله أعلم. [طلاق السنة والبدعة] قال: وطلاق السنة أن يطلقها طاهرا من غير جماع، واحدة ثم يدعها حتى تنقضي عدتها. ش: طلاق السنة ما أذن فيه صاحب الشرع، وعكسه طلاق البدعة، ولا خلاف أن المطلق على هذه الصفة مطلق للسنة، قاله ابن المنذر وابن عبد البر وغيرهما، والأصل فيه قول الله : ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] إلى قوله سبحانه: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١] .

стр. 2845

٢٦٨٣ - قال ابن مسعود في تفسيرها: طاهرا من غير جماع، ونحوه عن ابن عباس. ٢٦٨٤ - وفي الصحيحين «أن ابن عمر طلق امرأته وهي حائض، على عهد رسول الله ﷺ فسأل عمر رسول الله ﷺ عن ذلك، فقال رسول الله ﷺ : «مره فليراجعها، ثم ليمسكها حتى تطهر، ثم إن شاء أمسك بعد ذلك، وإن شاء طلق قبل أن يمس، فتلك العدة التي أمر الله تعالى أن تطلق لها النساء» ، وفي رواية في الصحيحين أيضا: «ثم ليمسكها حتى تطهر، ثم تحيض فتطهر، ثم إن شاء طلقها طاهرا قبل أن يمس، فذلك الطلاق للعدة كما أمر الله تعالى» . وقول الخرقي: طاهرا. يخرج الحائض، وقوله: من غير جماع، يخرج الطاهر المصابة في الطهر، ولا نزاع أن طلاق هاتين للبدعة، وقد دل عليه ما تقدم، وقوله: واحدة ويدعها حتى تنقضي عدتها؛ يحترز عما لو طلقها أكثر من واحدة في طهر، أو طلق في كل طهر طلقة، وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى، والله أعلم.

стр. 2846

قال: ولو طلقها ثلاثا في طهر لم يصبها فيه كان أيضا للسنة، وكان تاركا للاختيار. ش: هذا (إحدى الروايتين) عن أبي عبد الله ﵀. ٢٦٨٥ - لأن في حديث فاطمة بنت قيس أن أبا عمرو بن حفص طلقها ألبتة؛ وفي رواية: طلقها ثلاثا. الحديث. ٢٦٨٦ - وكذلك «امرأة رفاعة قالت: يا رسول الله إن رفاعة طلقني فبت طلاقي؛» وظاهره وقوع الثلاث بكلمة واحدة. ٢٦٨٧ - وفي حديث المتلاعنين في الصحيح «قال عويمر: كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها. فطلقها عويمر ثلاثا قبل أن يأمره النبي ﷺ . وفي رواية لأبي داود: فطلقها ثلاث تطليقات عند رسول الله ﷺ فأنفذه رسول الله ﷺ » - ولم ينقل أن النبي ﷺ أنكر ذلك، ولو لم يكن للسنة لأنكره، (والرواية الثانية) وهي أنصهما أن جمع الثلاث بدعة، وهذا اختيار أبي بكر، وأبي حفص، والقاضي والشريف، وأبي الخطاب والشيرازي،

стр. 2847

والقاضي أبي الحسين وأبي محمد، لقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] إلى قوله: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا - فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ١ - ٢] ثم قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢] ؛ ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق: ٤] ومن طلق ثلاثا لم يبق له أمر يحدث، ولم يجعل له مخرجا ولا يسرا. ٢٦٨٨ - قال مجاهد: كنت عند ابن عباس ﵄، فجاءه رجل فقال: إنه طلق امرأته ثلاثا. قال: فسكت حتى ظننت أنه رادها إليه، ثم قال: ينطلق أحدكم فيركب الحموقة، ثم يقول: يا ابن عباس، يا ابن عباس؛ وإن الله تعالى قال: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢] وإنك لم تتق الله فلا أجد لك مخرجا، عصيت ربك، وبانت منك امرأتك، وإن الله تعالى قال: (يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن في قبل عدتهن) رواه أبو داود.

стр. 2848

٢٦٨٩ - وعن محمود بن لبيد قال: «أخبر رسول الله ﷺ عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعا، فغضب ثم قال: «أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم» حتى قام رجل فقال: يا رسول الله ألا أقتله؟» رواه النسائي. ٢٦٩٠ - وأما حديث فاطمة بنت قيس ففيه في مسلم وأبي داود والنسائي أنها قالت: إن أبا حفص طلقها آخر ثلاث تطليقات، وفي رواية أخرى لهم: أنه بعث إليها بتطليقة كانت بقيت لها. وهذا يبين أن رواية: طلقها ثلاثا. أو طلقها ألبتة، يعني أنه استوفى عدد طلاقها، وكذلك يحمل حديث ركانة، مع أنه لم

стр. 2849

يكن بحضرة النبي ﷺ حتى ينكر عليه، وأما حديث المتلاعنين فالمنع من الثلاث إنما كان حذارا من سد الباب عليه، والملاعنة تحرم على التأبيد، فلا حاجة للمنع من الثلاث، (وعلى هذه) فهل المحرم جمع الثلاث في طهر واحد، فلو فرقها في ثلاثة أطهار لم يكن محرما، أو لا فرق بين أن يجمعها في طهر واحد أو في ثلاثة أطهار؟ على روايتين (إحداهما) : أن المحرم الجمع، لظاهر حديث ابن عمر الصحيح: «مره فليراجعها، ثم ليمسكها حتى تطهر، ثم إن شاء أمسك بعد ذلك، وإن شاء طلق قبل أن يمس» ؛ (والثانية) : لا فرق بين الجمع والتفريق، في أن الجميع بدعة. ٢٦٩١ - لما روى الدارقطني عن الحسن قال: «حدثنا عبد الله بن عمر ﵁ أنه طلق امرأته تطليقة وهي حائض، ثم أراد أن يتبعها بتطليقتين أخريين عند القرأين، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: «يا ابن عمر ما هكذا أمرك الله تعالى، إنك قد أخطأت السنة، والسنة أن تستقبل الطهر، فتطلق لكل قرء» قال: فأمرني رسول الله ﷺ فراجعتها، ثم قال: «إذا طهرت فطلق عند ذلك أو أمسك» فقلت: يا رسول الله أرأيت لو طلقتها ثلاثا أكان يحل لي أن أراجعها؟ قال: «لا، كانت تبين منك وتكون معصية» .

стр. 2850

٢٦٩٢ - وعن علي ﵁ قال: لو أن الناس أخذوا بما أمر الله من الطلاق ما يتبع رجل نفسه امرأة أبدا، يطلقها تطليقة ثم يدعها ما بينها وبين أن تحيض ثلاثا، فمتى شاء راجعها. رواه النجاد، وحديث ابن عمر محمول على حصول رجعة بعد الطلاق، وإذًا الطلاق بعد الرجعة للسنة بلا ريب، ويتلخص أن في المسألة ثلاث روايات. (الثالثة) : الجمع في الطهر الواحد بدعة، والتفريق سنة. واعلم أن بين الشيخين نزاعا في فرع آخر، وهو لو طلقها طلقتين، فعند أبي محمد أنه للسنة وإن كان الجمع بدعة، لكن الأولى عنده أن يطلق واحدة، وعند أبي البركات أنه كما لو جمع الثلاث، والله أعلم.

стр. 2851

(تنبيه) : أكثر الأصحاب على أن العلة في منع الطلاق في الحيض تطويل العدة، وخالفهم أبو الخطاب فقال: تطليقه في زمن رغبته عنها، قال أبو العباس: وقد يقال: إن الأصل في الطلاق النهي عنه، فلا يباح إلا وقت الحاجة، وهو الطلاق الذي تتعقبه العدة، لأنه لا بد من عدة، والعلة في منع الطلاق في الطهر المصاب فيه احتمال الحمل، فيحصل الندم، ولهذا إذا استبان حملها أبيح الطلاق، والعلة في جمع الثلاث سد الباب عليه، وعدم المخرج له، كما أشار إليه الكتاب العزيز، واختلف الأصحاب في الطلاق في الحيض، هل هو محرم لحق الله تعالى، فلا يباح وإن سألته، أو لحقها فيباح بسؤالها؟ على وجهين، (والأول) : ظاهر إطلاق القرآن والسنة، وأما جمع الثلاث فمحرم عند من حرمه لحق الله تعالى، فلا يباح بسؤالها بلا نزاع نعلمه، والله أعلم. قال: وإذا قال لها أنت طالق للسنة؛ وكانت حاملا أو طاهرا طهرا لم يجامعها فيه؛ فقد وقع الطلاق، وإن كانت حائضا لزمها الطلاق إذا طهرت، وإن كانت طاهرة مجامعة فيه فإذا طهرت من الحيضة المستقبلة لزمها الطلاق. ش: اللام في (للسنة) للوقت، فإذا قال لها: أنت طالق للسنة، أي لوقت السنة، فإذا كانت طاهرا غير مجامعة في ذلك

стр. 2852

الطهر، فقد وقع الطلاق، لوجود ظرفه، وهو وقت السنة، وكذلك إن كانت حاملا. ٢٦٩٣ - لأن في مسلم والسنن من حديث ابن عمر ﵁: «مره فليراجعها ثم ليطلقها طاهرا أو حاملا» ؛ وفي لفظ: «إذا طهرت أو وهي حامل» » ، وقال ابن عبد البر: لا خلاف بين العلماء أن الحامل طلاقها للسنة، ولأن المطلق والحال هذه داخل على بصيرة، فلا يخاف ظهور أمر يتجدد معه الندم. انتهى، وإن كانت حائضا فهذا ليس بوقت للسنة، فلم يوجد ظرف الطلاق، فإذا طهرت وجد وقت السنة، فتطلق، وكذلك إن كانت طاهرة مجامعة في الطهر، لم يوجد ظرف الطلاق، ثم هذا الطهر يتعقبه الحيض، وهو أيضا وقت للبدعة لا للسنة، فإذا طهرت منه وجد وقت السنة فتطلق لوجود ظرفه. وظاهر كلام الخرقي أن بمجرد الطهر يوجد وقت السنة، وإن لم تغتسل، وهذا هو المذهب، وقيل: لا يوجد حتى تغتسل، ولعل مبنى القولين على أن العلة في المنع من طلاق الحائض إن قيل تطويل العدة، وهو المشهور أبيح الطلاق بمجرد الطهر، وإن قيل الرغبة عنها لم يبح حتى تغتسل، لمنعها منه قبل الاغتسال، والله أعلم.

стр. 2853

قال: ولو قال لها: أنت طالق للبدعة، وهي في طهر لم يصبها فيه، لم يقع الطلاق حتى يصيبها أو تحيض. ش: هذه الصورة عكس التي قبلها، فإذا قال لزوجته: أنت طالق للبدعة. معناه لوقت البدعة، فإذا كانت في طهر لم يصبها فيه فهذا ليس بوقت للبدعة فلا تطلق، فإذا أصابها أو حاضت فقد وجد وقت البدعة فتطلق، هذا قول الأصحاب، واختار أبو البركات أنه إذا قال لها: أنت طالق للبدعة، وهي في زمن السنة أنها تطلق طلقتين في الحال إن قلنا: الجمع بدعة، لأنه لما لم يكن في وقت بدعة فالظاهر أنه لم يرد البدعة إلا من حيث العدد، ومعناه: أنت طالق طلاقا للبدعة. أي موصوفا بأنه للبدعة، وإذا تطلق طلقتين، لأنه طلاق موصوف بالبدعة، والله أعلم. قال: ولو قال لها وهي حائض ولم يدخل بها: أنت طالق للسنة، طلقت من وقتها، لأنه لا سنة فيه، ولا بدعة. ش: قد ذكر الخرقي ﵀ الحكم وأشار إلى علته بأنه لا سنة في هذا الطلاق، أي طلاق غير المدخول بها ولا بدعة، وقد حكى ذلك ابن عبد البر إجماعا في غير العدد، وذلك لما تقدم من أن العلة في المنع من الطلاق في الحيض طول العدة، وفي

стр. 2854

الطهر المجامع فيه خوف الندم بظهور الحمل، وغير المدخول بها لا عدة عليها، ولا ارتياب في حقها، ولو عكس فقال لغير المدخول بها: أنت طالق للبدعة، وهي طاهر طلقت في الحال لذلك، وكذلك حكم الآيسة والصغيرة، لا سنة لطلاقهما ولا بدعة، وكذلك الحامل المستبان حملها، على أشهر الروايتين، لما تقدم، والرواية الثانية تثبت سنة الوقت للحامل، لحديث ابن عمر ﵁ المتقدم، وهو ظاهر كلام الخرقي السابق، ولهذا لم يقل إذا قال لها: أنت طالق للبدعة، أنها تطلق إذا كانت حاملا، وعلى هذا إذا قال للحامل أنت طالق للبدعة؛ لم تطلق في الحال، حتى يوجد نفاس أو حيض. (تنبيه) : وقول الخرقي: لا سنة فيه ولا بدعة، أي من حيث الوقت، وكذا من حيث العدد على مختاره، وعلى الرواية الأخرى تثبت لهم السنة من حيث العدد، والله أعلم. [طلاق السكران] قال: وطلاق الزائل العقل بلا سكر لا يقع. ش: طلاق الزائل العقل لجنون أو إغماء أو طفولية لا يقع. ٢٦٩٤ - لقول النبي ﷺ : «رفع القلم عن ثلاثة، عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل» رواه أبو داود.

стр. 2855

٢٦٩٥ - وقال علي ﵁: كل الطلاق جائز إلا طلاق المعتوه. ذكره البخاري في صحيحه، مع أن هذا قد حكي إجماعا والحمد لله، وقد يدخل في كلام الخرقي ﵀ النائم، وهو أيضا بالإجماع، وقد شهد له النص. ومما يدخل في كلام الخرقي من تعاطى ما يزيل عقله لغير حاجة، كالبنج ونحوه، وقد اختلف المذهب في هذا، فألحقه ابن حامد وأبو الخطاب في الهداية، وأبو محمد بالسكران، وفرق أحمد بينهما، فألحقه بالمجنون، ووجه القاضي الفرق بأن الغالب من الناس أنهم يشربون لغير المعصية، بخلاف المسكر، والحكم يتعلق بالغالب، ولأن كثيرا ممن يشرب المسكر يظهر زوال العقل مع إثباته، فحكم بإيقاع الطلاق سدا للذريعة، بخلاف متعاطي البنج ونحوه، ومما قد يلحق بالبنج الحشيش الخبيثة، وأبو

стр. 2856

العباس يرى أن حكمها حكم الشراب المسكر، حتى في إيجاب الحد، ويفرق بينها وبين البنج، بأنها تشتهى وتطلب، فهي كالخمر، بخلاف البنج، فالحكم عنده منوط باشتهاء النفس وطلبها، والله أعلم. قال: وعن أبي عبد الله ﵀ في طلاق السكران روايات، إحداهن: لا يلزمه الطلاق، ورواية: يلزمه، ورواية يتوقف عن الجواب، ويقول: قد اختلف أصحاب رسول الله ﷺ فيه. ش: الرواية الأولى اختيار أبي بكر، وابن عقيل فيما أظن، ونص عليها أحمد صريحا في رواية جماعة، بل هي آخر قوليه على ما حكى عنه الميموني، قال: أكثر ما فيه عندي أنه لا يلزمه الطلاق، فقيل له: أليس كنت مرة تخاف أن يلزمه، قال: بلى ولكن أكثر ما عندي أنه لا يلزمه. ٢٦٩٦ - وذلك لقول عثمان ﵁: ليس لمجنون ولا لسكران طلاق.

стр. 2857

٢٦٩٧ - وقال ابن عباس ﵁ طلاق السكران والمستكره ليس بجائز. ذكرهما البخاري في صحيحه، وقال أحمد: حديث عثمان ﵁ أرفع شيء فيه، وهو أصح، يعني من حديث علي، وقال ابن المنذر: هذا ثابت عن عثمان ولا نعرف أحدا من الصحابة خالفه. ٢٦٩٨ - وقد جاء في حديث بريدة في «قصة ماعز أنه قال: يا رسول الله طهرني. قال: «مم أطهرك؟» قال: من الزنا. فسأل رسول الله ﷺ أبه جنون؟ فأخبر أنه ليس بمجنون، فقال: «أشرب خمرا؟» فقام رجل فاستنكهه فلم يجد منه ريح خمر، فقال النبي ﷺ : «أزنيت؟» قال: نعم. فأمر به فرجم» . رواه مسلم والترمذي وصححه، وهذا ظاهر في أن وجود ريح الخمر منه

стр. 2858

يمنع من ترتب الحكم عليه، ويجعله في حكم المجنون، ولأنه زائل العقل، أشبه المجنون والنائم، ولأن شرط التكليف العقل وهو مفقود، ولا أثر لزوال الشرط بمعصيته، بدليل أن من كسر ساقه جاز أن يصلي قاعدا، ولا قضاء عليه، وكذلك لو ضربت المرأة بطنها فنفست، سقطت عنها الصلاة، (والرواية الثانية) اختارها الخلال والقاضي، وعامة أصحابه، الشريف وأبو الخطاب، والشيرازي وغيرهم. ٢٦٩٩ - لأنه يروى عن النبي ﷺ : «كل الطلاق جائز إلا طلاق المعتوه» ، وعن علي ﵁ مثله، ذكره البخاري في صحيحه. ٢٧٠٠ - وروى ابن وبرة الكلبي قال: أرسلني خالد إلى عمر ﵁، فأتيته في المسجد، ومعه عثمان وعلي وعبد الرحمن، وطلحة

стр. 2859

والزبير، فقلت: إن خالدا يقول: إن الناس انهمكوا في الخمر، وتحاقروا العقوبة؛ فقال عمر: هؤلاء عندك فسلهم، فقال علي ﵁: نراه إذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، وعلى المفتري ثمانون. فقال عمر: أبلغ صاحبك ما قال، فجعله الصحابة في حكم الصاحي، بدليل أنهم أوجبوا عليه حد المفتري، ولأن كثيرا ممن يتعاطى ذلك يظهر زوال العقل مع ثباته، فعومل معاملة الصاحي، سدا للذريعة. ولا يخفى أن أدلة الرواية الأولى أظهر، إذ الحديث الأول وكذلك قصة ابن وبرة لم يذكر من رواهما، ولا يعرف صحتهما. ٢٧٠١ - ثم يضعف قصة ابن وبرة أن مذهب علي ﵁ أن السكران إنما يجلد أربعين، وما ذكره البخاري عن علي ﵁ في قوله: كل الطلاق جائز. فغايته عموم (والرواية الثالثة) نص عليها فيما أظن في رواية حرب، وقد ذكر وجه توقفه، وهو اختلاف أصحاب رسول الله ﷺ وفي التحقيق

стр. 2860

لا حاجة إلى ذكر هذه الرواية، لأن أحمد حيث توقف فللأصحاب قولان، وقد نص على القولين، فاستغني عن ذكر رواية التوقف، واعلم أن الروايتين المتقدمتين يجريان في عتقه ونكاحه، وبيعه وردته، وسائر أقواله، وقتله وسرقته، وكل فعل يعتبر له العقل (وعنه) أنه كالمجنون في أقواله، وكالصاحي في أفعاله، لأن تأثير الفعل أقوى من تأثير القول؛ ولهذا قلنا على رواية: إن الإكراه لا يؤثر في الأفعال (وعنه) رابعة أنه في الحدود كالصاحي، وفي غيرها كالمجنون، قال في رواية الميموني: تلزمه الحدود، ولا تلزمه الحقوق، وهذه اختيار أبي بكر، فيما حكاه عنه القاضي، ويلزم أن يقول اختياره في الطلاق عدم الوقوع، وذلك سدا للذريعة، وحذارا من أن تنتهك محارم الله بالاحتمال، ويشهد لها أيضا قصة ابن وبرة إن صحت، (وعنه) رواية خامسة أنه فيما يستقل به مثل عتقه وقتله وغيرهما كالصاحي، وفيما لا يستقل به - مثل بيعه ونكاحه ومعاوضته - كالمجنون، حذارا من أن يلزم غيره بقوله شيء، حكاها ابن حامد، قال القاضي: وقد أومأ إليها في رواية البرزاطي، وقد سأله عن طلاق السكران فقال: لا أقول في طلاقه شيئا، قيل له: فبيعه وشراؤه؟ قال: أما بيعه وشراؤه فغير جائز.

стр. 2861

قلت: ونقل عنه إسحاق بن هانيء ما يحتمل عكس هذه الرواية، فقال: لا أقول في طلاق السكران وعتقه شيئا، ولكن شراؤه وبيعه جائز. (تنبيه) : السكر الذي يقع الخلاف فيه أن يخلط في كلامه، ولا يعرف فعله من فعل غيره، ونحو ذلك، قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣] فجعل سبحانه علامة زوال السكر علمه بما يقول، ولا يعتبر أن لا يعرف السماء من الأرض ونحو ذلك، لأن ذلك لا يخفى على المجنون، والله أعلم. [طلاق الصبي] قال: وإذا عقل الصبي الطلاق فطلق لزمه. ش: هذه إحدى الروايتين عن أحمد، واختيار عامة أصحابه، الخرقي وأبي بكر، وابن حامد، والقاضي وأصحابه، كالشريف، وأبي الخطاب، وابن عقيل. ٢٧٠٢ - لما روي عن ابن عباس ﵄ قال «أتى النبي ﷺ عبد فقال: يا رسول الله سيدي زوجني أمته، وهو يريد أن يفرق بيني وبينها. قال: فصعد رسول الله ﷺ المنبر فقال: «يا أيها الناس ما بال أحدكم يزوج عبده أمته، ثم يريد أن يفرق بينهما، إنما الطلاق لمن أخذ بالساق» رواه ابن ماجه والدارقطني.

стр. 2862

٢٧٠٣ - ولما يروى من قوله ﷺ : «كل الطلاق جائز إلا طلاق المعتوه» المغلوب على عقله؛ (والثانية) : لا يقع طلاقه حتى يبلغ، لقول النبي ﷺ : «رفع القلم عن ثلاثة» الحديث، وتقييد الخرقي الصبي بالعاقل ليخرج من لم يعقل، ولا نزاع في ذلك، ولينيط الحكم بالعقل، وكذا أكثر الروايات، وهو اختيار القاضي وغيره، (وعنه) تقييد ذلك بابن عشر، وهو اختيار أبي بكر، لجعله حدا للضرب على الصلاة ونحوها، ومعنى عقل الطلاق أن يعرف أن النكاح يزول به، ويلزم من هذا أن يكون مميزا، والله أعلم. [طلاق المكره] قال: ومن أكره على الطلاق لم يلزمه شيء. ٢٧٠٤ - ش: لما يروى عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه» رواه ابن ماجه.

стр. 2863

٢٧٠٥ - وعن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا طلاق ولا عتاق في غلاق» رواه أبو داود وهذا لفظه، وأحمد وابن ماجه، ولفظهما «في إغلاق» قال المنذري: وهو

стр. 2864

المحفوظ. قال أبو عبيد والقتيبي: معناه في إكراه. وقال أبو بكر: سألت ابن دريد وأبا طاهر النحويين فقالا: يريد الإكراه، لأنه إذا أكره انغلق عليه رأيه، وقد تقدم قول ابن عباس ﵁: إن طلاق السكران والمستكره ليس بجائز. ٢٧٠٦ - وعن قدامة بن إبراهيم، أن رجلا على عهد عمر بن الخطاب ﵁ تدلى يشتار عسلا فأقبلت امرأته فجلست على الحبل، فقالت: ليطلقها ثلاثا، وإلا قطعت الحبل، فذكرها الله والإسلام فأبت، فطلقها ثلاثا، ثم خرج إلى عمر ﵁ فذكر ذلك له، فقال: ارجع إلى أهلك فليس هذا بطلاق. رواه سعيد بن منصور، وأبو عبيد القاسم بن سلام، ويستثنى

стр. 2865

من هذا إذا كان الإكراه بحق، كإكراه الحاكم المولي على الطلاق بعد التربص، إذا لم يف، وإكراه الرجلين اللذين زوجهما وليان، ولم يعلم السابق منهما، لأنه قول حمل عليه بحق فصح، كإسلام المرتد. وقول الخرقي: ومن أكره على الطلاق لم يلزمه شيء. ظاهره وإن نوى به الطلاق، وهو أحد القولين، نظرا إلى أن اللفظ مرفوع عنه بالإكراه، فإذا تبقى نيته مجردة، (والقول الثاني) أنه بمنزلة الكناية، إن نوى به الطلاق وقع وإلا لم يقع، حكاهما أبو الخطاب في الانتصار، وكذلك حكى شيخه عن أحمد ما يدل على روايتين، وجعل الأشبه الوقوع، وكذلك أورده أبو محمد مذهبا، ولا نزاع عند العامة أنه إذا لم ينو الطلاق، ولم يتأول بلا عذر، أنه لا يقع، ولابن حمدان احتمال بالوقوع والحال هذه، والله أعلم. قال: ولا يكون مكرها حتى ينال بشيء من العذاب، مثل الضرب، أو الخنق أو عصر الساق، وما أشبهه، ولا يكون التواعد إكراها. ش: هذا إحدى الروايتين، واختيار القاضي وجمهور أصحابه، الشريف وأبي الخطاب في خلافيهما، والشيرازي وغيرهم، ونص عليه أحمد في رواية الجماعة، وقال: كما فعل بأصحاب النبي ﷺ . ٢٧٠٧ - وكأنه يشير إلى «قصة عمار ﵁ فروي أن المشركين أخذوه فأرادوه على الشرك، فأعطاهم، فانتهى إليه النبي ﷺ وهو

стр. 2866

يبكي، فجعل يمسح الدموع عن عينيه، ويقول: «أخذك المشركون فغطوك في الماء، وأمروك أن تشرك بالله ففعلت، فإن أمروك مرة أخرى فافعل ذلك بهم» » رواه أبو حفص، ووجه الدليل منه أن الرخصة وردت في مثل ذلك، فاقتصرت عليه، ولأن التواعد غير محقق، وغايته ظن، ولا يترك بالظن أمر متيقن (والرواية الثانية) يكون التواعد إكراها، اختارها ابن عقيل في التذكرة، وأبو محمد، لما تقدم عن عمر ﵁ في الذي اشتار العسل، ولأن الإكراه إنما يتحقق بالوعيد، فإن الماضي من العقوبة لا يندفع بفعل ما أكره عليه وإنما يباح الفعل المكره عليه دفعا لما يتوعد به من العقوبة فيما بعد، (فعلى الرواية الأولى) شرط الضرب أن يكون شديدا، أو يسيرا في حق ذي مروءة، على وجه يكون إخراقا، ومما يشبه الضرب، وعصر الساق القيد والحبس الطويلان، وأخذ المال الكثير، زاد في الكافي: والإخراج من الديار لا السب ونحوه رواية واحدة، قاله في المغني، وجعل في الكافي الإخراق ممن يغض ذلك منه إكراها، وفي تعذيب الولد قولان، وضبط أبو البركات ذلك

стр. 2867

بأن يكون مثله يتضرر بذلك تضررا بينا، ولا بد أن يستدام مع الفعل التوعد بذلك، (وعلى الرواية الثانية) شرط التواعد أن يكون بما تقدم من قادر يغلب على ظنه فعله إن خالفه، وعجزه عن دفعه وهربه واختفائه، وهل يستثنى على هذه الرواية التهديد بالقتل فيكون إكراها، لأنه لا يمكن تداركه بعد وقوعه؟ استثناه القاضي في الروايتين، وقال: يجب أن يقال: يكون إكراها، رواية واحدة، وتبعه المجد، وزاد قطع الطرف، ولا شك أن المعنى فيهما واحد، وتبعه المجد، وزاد قطع الطرف، ولا شك أن المعنى فيهما واحد، وظاهر كلام أبي محمد في كتبه عدم استثنائه، وقد أورد على القاضي في التعليق فشمله، وأجاب بالفرق بما تقدم، ثم قال: على أن هذه الرواية لا فرق بين القتل وغيره، على ظاهر كلام أحمد في رواية صالح والمروذي، والله أعلم.

стр. 2868

[باب صريح الطلاق وغيره] أي باب حكم صريح الطلاق وغيره من الاستثناء في الطلاق، والتعليق بشرط، وغير ذلك مما يذكر إن شاء الله تعالى، والصريح الخالص من كل شيء، فصريح الطلاق اللفظ الموضوع له، الذي لا يفهم منه عند الإطلاق غيره، أو يفهم لكن على بعد. قال: وإذا قال لها: قد طلقتك، أو قد فارقتك، أو قد سرحتك؛ لزمه الطلاق. ش: ظاهر كلام الخرقي ﵀ أن هذه الألفاظ صريحة في الطلاق، ولا نزاع في أن المذهب أن لفظ الطلاق وما تصرف منه مما يفهم منه الطلاق صريح في الطلاق، لأنه موضوع له على الخصوص، وقد ثبت له عرف في الشرع والاستعمال، ففي الكتاب العزيز: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] ، فإن طلقها وفي السنة والاستعمال أن ابن عمر طلق امرأته وهي حائض. ٢٧٠٨ - وقالوا: طلق رسول الله ﷺ حفصة، وهذا واضح لا خفاء به، وقد دخل في الطلاق وما تصرف منه طلقتك، وأنت

стр. 2869

طالق، وأنت مطلقة وأنت الطلاق، وخرج منه أطلقك وطلقي؛ لأنه لا يفهم منهما الطلاق، إذ الأول وعد، والثاني طلب، وليس بخبر ولا إنشاء، وحكى أبو بكر عن أحمد رواية في: أنت مطلقة أنه ليس بصريح، لاحتمال أن يريد طلاقا ماضيا، ويلزمه ذلك في طلقتك؛ ولأبي محمد في الكافي احتمال في: أنت الطلاق؛ أنه لا يكون صريحا، ومن الصريح إذا قيل له: أطلقت امرأتك؟ قال: نعم. إذ السؤال معاد في الجواب، ويحتمل أن لا يكون صريحا من القويل في: أقبلت هذا النكاح. وأطلقك؛ ليس بصريح على المذهب، لانتفاء عرف الاستعمال فيه، وللقاضي فيه احتمال. وأما لفظ السراح والفراق ففيهما وجهان، (أحدهما) - وهو الذي ذكره الخرقي، وتبعه عليه القاضي في التعليقة وفي غيرها، والشريف وأبو الخطاب في خلافيهما، وابن البنا والشيرازي وغيرهم - أنهما صريحان، حكمهما حكم لفظ الطلاق، لورودهما في الكتاب العزيز بمعنى الفرقة، فأشبها لفظ الطلاق، قال سبحانه: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] وقال: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢] وقال: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾ [النساء: ١٣٠]

стр. 2870

وقال سبحانه: ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٢٨] (والثاني) - وهو اختيار ابن حامد، وأبي الخطاب في الهداية، والشيخين - ليسا بصريح، لاستعمالهما في غير الطلاق كثيرا، فأشبها سائر كناياته، قال سبحانه: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣] وقال تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [البينة: ٤] وأما قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] فليس المراد به الطلاق قطعا، إذ الآية في الرجعية، وهي إذا قاربت انقضاء عدتها فإما أن يمسكها برجعة، وإما أن يترك حتى تنقضي عدتها فيسرح، فالمراد بالتسريح في الآية الكريمة قريب من معناها اللغوي، وهو الإرسال، وهو أن تخلى، وكذلك المفارقة في الآية الثانية، المراد بها ترك مراجعتها، كأنه إذا يظهر حكم الفرقة، لأنها قبل انقضاء العدة في حكم الزوجة، وأما قوله: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا﴾ [النساء: ١٣٠] فليس فيه بيان لما تحصل به الفرقة، وأما أسرحكن يحتمل أرسلكن بالطلاق، ثم المدار على عرف الاستعمال الشرعي، وهو مفقود، وعلى هذا الوجه هما كنايتان ظاهرتان، حكمهما حكم الخلية والبرية على ما سيأتي إن شاء الله تعالى.

стр. 2871

(تنبيه) حكم الصريح أنه لا يحتاج إلى نية كما سيأتي إن شاء الله، وأنه إن صرفه بأن قال: من وثاق. أو نحو ذلك فإن كان باللفظ سمع منه، وإن كان بالنية فإنه يدين، وفي الحكم إن قامت قرينة تكذبه كالغضب أو بسؤالها الطلاق لم يسمع، وإلا فروايتان، أنصهما القبول، والله أعلم. قال: ولو قال لها في الغضب: أنت حرة. أو لطمها فقال: هذا طلاقك. لزمها الطلاق. ش: أما إذا قال لها: أنت حرة. فقد اتفق الأصحاب فيما علمت في عدها من كنايات الطلاق، لأن الحرة هي التي لا رق عليها، ولا شك أن النكاح رق. ٢٧٠٩ - ولهذا في الحديث: «اتقوا الله في النساء فإنهن عوان عندكم» أي أسراء، والزوج ليس له على الزوجة إلا رق الزوجية، فإذا أخبر بزوال الرق فهو الرق المعهود، وهو رق الزوجية، ثم من الأصحاب من يعدها في الكنايات الظاهرة، وهم الأكثرون ومنهم من يعدها في المختلف فيه.

стр. 2872

وظاهر كلام الخرقي أنه جعلها من الخفية، لأنه قال: لزمها الطلاق. وظاهره طلقة واحدة، ولم يجعلها كالخلية ونحوها. وقيد الخرقي وقوع الطلاق بحال الغضب، وهو مدل بشيئين (أحدهما) أن الكنايات إذا اقترن بها دلالة حال، من غضب أو ذكر الطلاق ونحو ذلك، قام ذلك مقام النية، وطلقت على المشهور، والمختار لكثير من الأصحاب من الروايتين، إذ دلالة الحال كالنية، بدليل أنها تغير حكم الأقوال والأفعال، فإن من قال لرجل: يا عفيف ابن العفيف؛ في حال تعظيمه كان مدحا، ولو قاله في حال الشتم والسب كان ذما وقذفا (والرواية الثانية) لا بد في الكنايات من النية، لأن نفس اللفظ للطلاق وغيره، ومميزه النية، فلا بد من اعتبارها، دفعا للإيهام، ومال أبو محمد ﵀ أنه في الألفاظ التي يكثر استعمالها - نحو: اخرجي، واذهبي، ونحو ذلك - لا يقع بها طلاق، إلا أن ينويه (فعلى المذهب) لو ادعى أنه لم يرد بها الطلاق دين، وهل يقبل في الحكم؟ على روايتين.

стр. 2873

واعلم أن أبا البركات حكى الروايتين في القبول في الحكم وعدمه، إذا ادعى عدم إرادة الطلاق، وغيره يجعل الروايتين في الغضب، هل يقوم مقام النية أم لا؟ فربما ظن ظان أن بينهما تنافيا وليس كذلك، فإن غايته أن الأصحاب ذكروا رواية لم يذكرها المجد، وذكر يعني المجد رواية تؤخذ من كلامهم في غير هذا المحل، وهو ما إذا ادعى أنه أراد بلفظه ما يخالف ظاهره، ونحو ذلك. (الشيء الثاني) أنه إذا أتى بالكناية في غير حال الغضب لا يقع بها طلاق، وهو كذلك، لأن اللفظ بمجرده لا دلالة له على الطلاق، بل هو كالمشترك، فلا بد من شيء يبين المراد منه، ويستثنى من ذلك النية، إذ هي تبين المراد، وكأن الخرقي إنما تركه اكتفاء بذكر الغضب، لأنه إذا اكتفي بالغضب لدلالته على النية، فالنية أولى وأحرى، وأما إذا لطمها وقال: هذا طلاقك. فقوة كلام الخرقي يقتضي وقوع الطلاق بمجرد ذلك من غير نية، وهو قول ابن حامد، لأن معناه أوقعت عليك طلاقا هذا من أجله، واختار أبو محمد أنه كناية في الطلاق، يعتبر له ما يعتبر لها من النية، أو دلالة حال، لأن هذا اللفظ غير موضوع للطلاق، ولا مستعمل فيه شرعا ولا عرفا، فأشبه سائر الكنايات، وهذا ظاهر كلام أبي الخطاب في الخلاف، ويحتمل كلام الخرقي هذا أيضا، ويكون اللطم قائما مقام النية، لأنه يدل على الغضب، وعلى قياس ما تقدم لو أطعمها أو سقاها ونحو ذلك، فعلى الأول يقع الطلاق بمجرده، وعلى الثاني

стр. 2874

لا بد من النية، وعلى القول بالوقوع من غير نية فلو فسره بمحتمل غيره قبل، وعلى هذا فهذا قسم برأسه ليس بصريح وإلا خرج الخلاف إذا صرفه، ولا كناية، لأن الكناية تتوقف على النية، فهو ظاهر في الطلاق، يصرف عند الإطلاق إليه، ويجوز صرفه إلى غيره، والله أعلم. قال: وقال أبو عبد الله: وإذا قال لها: أنت خلية أو أنت برية أو أنت بائن، أو حبلك على غاربك، أو الحقي بأهلك. فهو عندي ثلاث، ولكني أكره أن أفتي به، سواء دخل بها أو لم يدخل بها. ش: وقوع الثلاث بهذه في الجملة هو المشهور عن أحمد، واختيار كثير من الأصحاب، لأنه المشهور عن الصحابة ﵃. ٢٧١٠ - فعن أحمد أنه قال في الخلية والبرية والبتة قول علي وابن عمر ﵃ قول صحيح ثلاثا. ٢٧١١ - وقال أيضا في البتة: عمر ﵁ يجعلها واحدة، وعلي وزيد ﵄ ثلاثا.

стр. 2875

٢٧١٢ - وروى النجاد بإسناده أن عمر ﵁ جعل البتة واحدة، ثم جعلها بعد ثلاث تطليقات. ٢٧١٣ - وروي أيضا عن نافع أن رجلا جاء إلى عاصم وابن الزبير فقال: إن ظئري هذا طلق امرأته قبل أن يدخل بها، فهل تجدان له رخصة؟ فقال: لا، ولكنا تركنا ابن عباس وأبا هريرة عند عائشة فسلهم، ثم ارجع إلينا فأخبرنا، فسألهم فقال أبو هريرة ﵁: لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره. وقال ابن عباس ﵄: هي ثلاث. وذكر عن عائشة متابعتهما؛ ولأن
следующие страницы →