Полный текст (4 333 стр.). Показаны 3991–4030 · переход к 3996.
стр. 3991
الخلاف التفات إلى نذر صوم الواجب، وإلى أنه هل يلزمه الصوم حين القدوم، أو من أول اليوم؟ وعلى هذا فمذهب الخرقي صحة نذر الواجب كما هو المذهب، وأنه إنما يلزمه من حين القدوم، وهو أحد الوجهين أو الروايتين، ونظير ذلك إذا قال: أنت طالق يوم يقدم زيد، هل تطلق من حين قدومه أو من أول اليوم؟ على قولين، اهـ. فإن قلنا: لا يجزئه لزمه القضاء لتركه المنذور، وهل عليه كفارة؟ فيه روايتان يأتي الكلام عليهما إن شاء الله تعالى، ويتخرج أن لا شيء عليه، كنذر الواجب في رواية، وقد تقدم في كلام القاضي ما يدل عليه.
(الحال الثانية) : وهي التي ذكرها الخرقي في قوله: ومن نذر أن يصوم يوم يقدم فلان فقدم يوم فطر أو أضحى لم يصمه، وصام يوما مكانه، وكفر كفارة يمين.
ش: إذا قدم يوم فطر أو أضحى ففيه روايتان (إحداهما) : لا شيء عليه، لأن يوم الفطر والأضحى ليسا بمحل للصوم، لمنع الشارع منه، فأشبه ما لو قدم ليلا، إذ الممنوع منه شرعا كالممنوع منه حسا، وحكى أبو محمد هذه الرواية تخريجا من نذر المعصية، وفيه نظر، لأن العصيان يعتمد المخالفة، ولا مخالفة هنا من الناذر. (والرواية الثانية) - وهي المذهب -: عليه القضاء، لأن النهار محل للصوم في الجملة، بخلاف الليل، والمانع عارض، وإذا يجب القضاء لترك المنذور، ولهاتين الروايتين التفات إلى الصلاة في الدار المغصوبة، من
стр. 3992
حيث إنه هل ينظر إلى عين الصلاة، أو إلى الصلاة من حيث هي؟ لكن المشهور ثم النظر إلى عين الصلاة، والمشهور هنا النظر إلى ذات اليوم من حيث هو، وقد يفرق بأن ثم المصلي آثم عاص لارتكابه النهي؛ بخلاف هنا فإنه لا مخالفة منه، وإنما وجد أمر بغير اختياره، منعه من الصوم. اهـ؛ وعلى هذه إذا قضى هل عليه كفارة؟ فيه روايتان (أشهرهما) عن الإمام وعند الأصحاب: نعم؛ لتركه المنذور في وقته. (والثانية) : لا؛ لأنه معذور في الترك، أشبه المكره، وخرج أبو محمد (قولا رابعا) بوجوب الكفارة من غير قضاء، مما إذا نذرت المرأة صوم يوم حيضها، وحكم ما لو وافق يوم حيض أو نفاس حكم ما تقدم إلا أن عن أحمد رواية فيما إذا وافق يوم عيد أنه إن صام صح صومه، وهنا لا يصح الصوم بلا خلاف.
(الحال الثالثة) : قدم وهو مفطر، ففيه روايتان إحداهما: لا شيء عليه، والثانية وهي المذهب: عليه القضاء، وقد تقدم توجيههما، وعلى هذه ففي الكفارة روايتان، بناء على تارك المنذور لعذر.
(الحال الرابعة) : إذا قدم وهو ممسك، ففيه روايتان
стр. 3993
(إحداهما) - وهي ظاهر كلام الشيرازي، واختيار ابن عبدوس - أنه ينوي صيامه عن النذر ولا شيء عليه، لوجود الصوم منه في اليوم، ولا تضر نيته من النهار لأن الواجب إنما تعلق به إذا، وقد شهد لذلك قضية صوم يوم عاشوراء. (والثانية) : عليه القضاء، ويمنع أن الواجب إنما تعلق به إذ ذاك، بل تبين تعلقه به من أول اليوم، وفي الكفارة لكونه معذورا روايتان، هذا نقل الشيخين، وقال القاضي في الجامع: إنه ينوي صوم ذلك اليوم ويقضي ويكفر. وهذا الذي نصبه الشريف وأبو الخطاب في خلافيهما، وقال الشريف: إنه اختيار أبي بكر وهو مبني على لزوم الإمساك له وإن لم يصح صومه عن النذر كرمضان، والمختار خلافه.
(الحال الخامسة) : قدم وهو صائم تطوعا، ففيه أيضا روايتان كالممسك: (إحداهما) : أنه يعتقده عن النذر ويجزئه. (والثانية) : عليه القضاء، وفي الكفارة الخلاف.
(الحال السادسة) إذا قدم في الليل، أو والناذر مجنون، فلا شيء عليه وإن أفاق في اليوم، على ظاهر إطلاق أبي البركات، وقد يقال فيما إذا أفاق في اليوم إنه كالمفيق في أثناء يوم من رمضان.
(الحال السابعة) قدم في النهار، وكان قد بيت له النية،
стр. 3994
لخبر سمعه من الليل، فيجزئه بلا ريب.
قال: وإن وافق قدومه يوما من أيام التشريق صامه في إحدى الروايتين عن أبي عبد الله ﵀ والرواية الأخرى: لا يصومه، ويصوم يوما مكانه، ويكفر كفارة يمين.
ش: هذا مبني على أصل تقدم، وهو أن أيام التشريق هل يصح صومها عن الفرض أم لا؟ فإن قلنا يصح، صام هنا، وصار كما لو كان القدوم في غير يوم تشريق، وإن قلنا لا يصح فهو كما لو قدم في يوم عيد وقد تقدم، وقد علم من هذا أن يوم العيد لا يصح صومه وهو المذهب، وعن أحمد رواية أخرى أنه إن صام صح صومه، كالصلاة في الدار المغصوبة.
(تنبيهان) : «أحدهما» : إذا قلنا بالإجزاء عن رمضان والنذر، فهل ينوي النذر؟ قد يقال: إنه ينويه كما إذا قلنا فيما إذا كان صائما تطوعا أو ممسكا، ويحتمل هذا كلام الخرقي، وعلى هذا يكون كلامه مشعرا بصورتي التطوع والممسك، اهـ. (الثاني) : إذا كان القدوم في الليل، أو والناذر مجنون فقد يقال: بطل النذر إذا لعدم تصور الفعل، إذ الليل ليس بمحل للصوم أصلا، والمجنون لا يتوجه إليه خطاب تكليفي، وقد يقال: بل قد تبينا عدم انعقاده، فيكون النذر موقوفا. وهذان المدركان يلحظان أيضا فيما إذا كان القدوم في يوم عيد أو وهو مفطر، والله أعلم.
[نذر صيام شهر ولم يسمه فمرض أو حاضت المرأة]
قال: ومن نذر أن يصوم شهرا متتابعا ولم يسمه فمرض في بعضه أفطر فإذا عوفي بنى، وكفر كفارة يمين، وإن أحب أتى بصيام شهر متتابع ولا كفارة عليه.
стр. 3995
ش: إذا نذر أن يصوم شهرا والحال هذه فصام ثم في أثنائه مرض مرضا مجوزا للفطر فأفطر فإنه إذا عوفي يخير بين الإتيان بشهر متتابع ولا كفارة عليه، لإتيانه بالمنذور على وجهه، وبين البناء على ما صامه والتكفير بكفارة يمين، لتركه صفة المنذور، كما «أمر النبي ﷺ أخت عقبة بالكفارة لتركها المشي» ، ويخرج رواية أخرى بعدم وجوب الكفارة للعذر، لإمكانه الإتيان بالمنذور على وجهه.
وقول الخرقي: مرض. قد قلنا: أي مرضا مجوزا للفطر. وهو شامل للموجب للفطر وهو المخوف، وغير الموجب وهو المبيح، ولا ريب أن حكم الموجب ما تقدم، أما المبيح فهل حكمه كذلك أو حكم من أفطر لغير عذر، فيلزمه الاستئناف بلا كفارة؟ على وجهين، وكذلك هذان الوجهان فيما إذا سافر سفرا يبيح الفطر، ولنا وجه ثالث يفرق بين المرض والسفر، ففي المرض يخير، لأن السبب وجد بغير اختياره، وفي السفر يتعين الاستئناف، لوجود السبب منه باختياره، وقد تقدم نحو ذلك في الظهار، وكلام الخرقي مشعر بأنه لو نذر شهرا وأطلق أنه لا يلزمه التتابع فيه، وهو إحدى الروايتين، لوقوع الشهر على ما بين الهلالين وعلى ثلاثين يوما، ولهذا لو صام ثلاثين يوما أجزأه بلا ريب والله أعلم.
قال: وكذلك المرأة إذا نذرت صيام شهر متتابع وحاضت فيه.
стр. 3996
ش: يعنى أنها تخير بين الاستئناف فلا شيء عليها وبين البناء مع الكفارة.
قال: ومن نذر أن يصوم شهرا بعينه فأفطر يوما بغير عذر ابتدأ شهرا وكفر كفارة يمين.
ش: إذا نذر صوم شهر بعينه - كرجب مثلا - فأفطر يوما فيه أو أكثر، فلا يخلو إما أن يكون لعذر أو لغير عذر، فإن كان لغير عذر ففيه روايتان: (إحداهما) - وهي المشهورة واختيار الخرقي وأبي الخطاب في الهداية وابن البنا - أنه ينقطع صومه ويبتدئ شهرا كاملا، (والثانية) - وقال أبو محمد: إنها الأقيس -: لا ينقطع صومه، فيتم على ما صامه ثلاثين يوما إذا زال عذره؛ وأصل الخلاف أن التتابع في الشهر المعين هل وجب لضرورة الزمن، وإليه ميل أبي محمد، أو لإطلاق النذر، وإليه ميل الخرقي والجماعة، ولهذا لو شرط التتابع بلفظه أو نواه لزمه الاستئناف قولا واحدا، ومما ينبني على ذلك أيضا إذا ترك صوم الشهر كله، فهل يلزمه شهر متتابع، أو يجزئه متفرقا؟ على الروايتين ولهاتين الروايتين أيضا التفات إلى ما إذا نذر صوم شهر وأطلق، هل يلزمه متتابعا أم لا؟ وقد تقدم أن كلام الخرقي يشعر بعدم التتابع، وقضية البناء هنا يقتضي اشتراط التتابع، كما هو المشهور عند الأصحاب ثم. انتهى. وعلى كلتا الروايتين
стр. 3997
يلزمه كفارة، جبرا للفطر الذي أفطره فيه، وإن كان الفطر لعذر فإنه يبني قولا واحدا، لكن هل يجب وصل القضاء وتتابعه أم لا؟ على الروايتين السابقتين، وهل يلزمه كفارة؟ على الروايتين أيضا في ترك المنذور لعذر.
قال: ومن نذر أن يصوم فمات قبل أن يأتي به صام عنه ورثته من أقاربه.
ش: أما جواز صوم النذر عن الميت في الجملة فهو المذهب المعروف.
٣٧٦٥ - لما روي عن ابن عباس ﵄ أن «امرأة قالت: يا رسول الله إن أمي ماتت وعليها صوم نذر، أفأصوم عنها؟ فقال: «أرأيت لو كان على أمك دين فقضيتيه أكان ذلك يؤدي عنها؟» قالت: نعم، قال: «فصومي عن أمك» متفق عليه؛ وفي رواية: «أن امرأة ركبت البحر فنذرت إن الله نجاها أن تصوم شهرا، فأنجاها الله فلم تصم حتى ماتت، فجاءت قرابة لها إلى رسول الله ﷺ فذكرت ذلك له، فقال: «صومي عنها» » رواه أحمد وأبو داود، والنسائي.
стр. 3998
٣٧٦٦ - وعلى هذا يحمل عموم ما روت عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: «من مات وعليه صيام صام عنه وليه» متفق عليه.
٣٧٦٧ - بدليل ما روي عن ابن عباس ﵄ قال: إذا مرض الرجل في رمضان ثم مات ولم يصم، أطعم عنه ولم يكن عليه قضاء، وإن نذر قضى عنه وليه. رواه أبو داود، فقد فهم من الحديث الأول اختصاص الحكم بالنذر، وأنه لا يتعدى إلى غيره، وقد جاء نحو هذا صريحا عن النبي ﷺ .
٣٧٦٨ - فعن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «من مات وعليه صيام شهر رمضان فليطعم عنه مكان كل يوم مسكينا» إلا أن سنده ضعيف، وقال الترمذي: الصحيح أنه عن ابن عمر ﵄ موقوف.
стр. 3999
وقيل: لا يصوم أحد عن أحد، كما لا يفعل ذلك عنه في الحياة، وهو مردود بالنصوص، والذي يصوم عنه ورثته من أقاربه، لأنهم لما خلفوه في أخذ ميراثه كذلك فيما عليه، وهذا على سبيل الاستحباب، فلو لم يصوموا فلا شيء عليهم، إلا أنه وقع للقاضي في تعليقه ما ظاهره أنه لو خلف إذا تركة فالورثة مخيرون، إن شاءوا صاموا، وإن شاءوا أنفقوا على من يصوم، وهو حسن، ولو صام عنه قريبه غير الوارث، أو وارثه غير القريب أو أجنبي أجزأ عنه، كما لو قضى عنه دينه، وقد شبهه النبي ﷺ بالدين، ولتشبيهه بالدين قلنا: لا يجب على الوارث القريب القضاء، بل يستحب له، إذ قضاء الدين عن الميت لا يجب على الوارث ما لم يخلف تركة يقضى منها، وقول النبي ﷺ : «صومي عنها» ونحو ذلك أمر بالصوم على جهة الفتوى فيما سئل عنه، والغرض منه بيان الجواز.
٣٧٦٩ - وقد جاء مصرحا به «من مات وعليه صيام صام عنه وليه لمن شاء» .
وظاهر كلام الخرقي أنه لا يجب مع القضاء فدية، وهو كذلك، لظاهر الحديث.
[قضاء نذر الطاعة عن الميت]
قال: وكذلك كل ما كان من نذر طاعة.
стр. 4000
ش: كحج وصدقة، وعتق واعتكاف، ونحو ذلك من القرب.
٣٧٧٠ - وقد جاء عن ابن عباس ﵄ أن «امرأة من جهينة جاءت إلى رسول الله ﷺ فقالت: إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت، أفأحج عنها؟ قال: «نعم، أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته؟ اقضوا الله فالله أحق بالوفاء» رواه البخاري والنسائي بمعناه، وفي رواية لأحمد والبخاري قال: جاء رجل فقال: إن أختي نذرت أن تحج. وهو دليل على الإجزاء من الوارث وغيره، حيث لم يستفسره النبي ﷺ أوارث هو أم لا، فقد ورد النص بالقيام في الصوم والحج خصوصا، وورد في غيرهما عموما.
٣٧٧١ - فعن ابن عباس ﵄ أن «سعد بن عبادة استفتى رسول الله ﷺ فقال: إن أمي ماتت وعليها نذر لم تقضه؟ فقال رسول الله ﷺ : «اقض عنها» رواه أبو داود والنسائي.
стр. 4001
وقد عمل على ذلك ابن عباس ﵄، وعائشة ﵂، وهما راويا الحديث، وكذلك ابن عمر ﵄.
٣٧٧٢ - قال البخاري: أمر ابن عمر ﵄ امرأة جعلت أمها على نفسها صلاة بقباء يعني ثم ماتت فقال: صلي عنها، قال: وقال ابن عباس نحوه.
٣٧٧٣ - وروى سعيد عن سفيان، عن عبد الكريم أبي أمية عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أنه سأل ابن عباس عن نذر كان على أمه من اعتكاف، قال: صم عنها، واعتكف عنها.
стр. 4002
٣٧٧٤ - وقال: حدثنا أبو الأحوص، عن إبراهيم بن مهاجر، عن عامر بن مصعب، أن عائشة ﵂ اعتكفت عن أخيها عبد الرحمن ﵁ بعدما مات.
ولنا قول آخر ضعيف أنه لا يفعل شيئا من ذلك كما تقدم في الصوم.
وقد شمل كلام الخرقي الصلاة المنذورة، وهو إحدى الروايتين، واختيار أبي بكر، والقاضي في التعليق وغيرهما، قياسا على ما تقدم (والرواية الثانية) : لا يفعل الصلاة بخلاف الصوم
стр. 4003
وغيره، لأنها عبادة تختص بالبدن، لا بدل لها بحال.
ومفهوم كلام الخرقي أن الولي لا يفعل ما هو واجب بغير النذر، من قضاء رمضان، وصوم كفارة، وصوم السبعة أيام للمتمتع، وحج، وزكاة مال، وعتق في كفارة، وقد صرح بذلك الأصحاب في قضاء رمضان، لما تقدم من الإشارة في الاستدلال، وكذلك نص عليه أحمد في السبعة الأيام للمتمتع في رواية المروذي، قياسا على قضاء رمضان، لوجوبها بأصل الشرع، وهو فرق صوري، وقد يقال: الأصل عدم الاستنابة إلا ما استثناه الدليل، وكذلك نص أحمد في صوم الكفارة في رواية ابن منصور، إذ الكفارة زاجرة كالحد، فلم ينب فيها الولي؛ بخلاف نذر الصوم فإنه نذر طاعة، أشبه نذر صدقة المال.
وأما الحج الواجب فقد قال الأصحاب إن لوارثه ولغير وارثه أن يفعله عنه بعد مماته وإن لم يوص بذلك، سواء كان له تركة أو لم يكن.
٣٧٧٥ - وقد شهد لذلك ما روى ابن عباس ﵄ قال: «أتى النبي ﷺ رجل فقال: إن أبي مات وعليه حجة الإسلام، أفأحج عنه؟ قال: «أرأيت لو أن أباك ترك دينا عليه أقضيته عنه؟» قال: نعم. قال: «فاحجج عن أبيك» رواه الدارقطني، وأما
стр. 4004
زكاة المال فلا يحضرني الآن فيه نقل، والقياس أنه كالعتق الواجب، وقد صرح القاضي وأبو البركات وغيرهما بصحته عن الميت مطلقا، وقد علم من مجموع هذا أن مفهومه إنما عمل به في الصوم فقط.
(تنبيه) : قول الخرقي: صام عنه ورثته من أقاربه، ظاهره كما تقدم أن الذين يطلب منهم الصوم هم الورثة من الأقارب، وأحمد ﵀ قال - في من مات وعليه اعتكاف -: ينبغي لأهله أن يعتكفوا عنه. وهو شامل للوارث وغير الوارث، وقال ابن عبدوس: إذا صام الولي صام الأقرب من الأولياء. ثم قول الخرقي أيضا: ورثته. يشمل جميع الورثة، وظاهره أنه لو صام عنه الكل صح، كأن يكونوا مثلا عشرة، وعليه عشرة أيام،
стр. 4005
فيصوموا عنه كل واحد يوما، وقد ذكر لأحمد في رواية أبي طالب من كان عليه صوم شهر، هل يصوم عشرة أنفس شهرا؟ فقال: يصوم واحد؛ وقد قرر القاضي في تعليقه هذا النص على ظاهره، لما أورده على لسان الخصم، وقال فيه: كما لا يصح أن يطوف واحد ويسعى آخر والله أعلم.
стр. 4006
[كتاب أدب القاضي]
ش: قال الأزهري: القضاء في الأصل إحكام الشيء والفراغ منه، ويكون القضاء إمضاء الحكم، ومنه قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ﴾ [الإسراء: ٤] وسمي الحاكم قاضيا لأنه يمضي الأحكام ويحكمها، ويكون (قضى) بمعنى أوجب، فيجوز أن يكون سمي قاضيا لإيجابه الحكم على من يجب عليه. انتهى؛ قلت: ويجوز أن يكون سمي من الأول، لأنه ينبغي أن يكون محكما في نفسه، أي كاملا في صفاته وأفعاله.
والأصل في مشروعيته قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩] وقَوْله تَعَالَى: ﴿يَادَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى﴾ [ص: ٢٦] .
٣٧٧٦ - وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن النبي ﷺ –
стр. 4007
أنه قال: «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران» ، متفق عليه.
٣٧٧٧ - ولأبي داود والنسائي من رواية أبي هريرة ﵁: «وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر» ، وكذا من مسلم، مع أن هذا
стр. 4008
-ولله الحمد - إجماع والقضاء من فروض الكفايات، لأن أمر الناس لا يستقيم بدونه، فكان واجبا كالجهاد والإمامة، ولما تقدم من قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩] ونحوه.
٣٧٧٨ - وعن أبي سعيد ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم» رواه أبو داود.
стр. 4009
٣٧٧٩ - وله من حديث أبي هريرة ﵁ مثله.
٣٧٨٠ - وعن عبد الله بن عمرو ﵄ أن النبي ﷺ قال: «لا يحل لثلاثة أن يكونوا بفلاة من الأرض إلا أمروا عليهم أحدهم» رواه أحمد، ونقل إسماعيل بن سعيد عن أحمد أنه سئل: هل يأثم القاضي بالامتناع إذا لم يوجد غيره ممن يوثق به؟ قال: لا يأثم. وظاهر هذا أنه غير واجب، والأول المذهب، قال أبو محمد: ويحتمل أن تحمل هذه الرواية على من لم يمكنه القيام بالواجب لظلم السلطان وغيره.
стр. 4010
[شروط القاضي]
قال: ولا يولى قاض حتى يكون بالغا عاقلا، مسلما حرا عدلا، عالما فقيها ورعا.
٣٧٨١ - ش: (أما اشتراط البلوغ) فلما روي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «تعوذوا بالله من رأس السبعين، وإمارة الصبيان» رواه أحمد، ولأن الصبي مولى عليه فلا يكون مولى على غيره، ولأن الصبي يستحق الحجر عليه، والقاضي يستحق الحجر على غيره فتنافيا، (وأما اشتراط الإسلام) فلأن ذلك شرط في الشهادة، ففي القضاء أولى، ودليل الأصل: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] ولأن الكفر يقتضي إذلال صاحبه، والقضاء يقتضي احترامه، وبينهما منافاة، وقد قال الله سبحانه: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١] وأي سبيل أعظم من أن يلزمه، ويحكم عليه بغير
стр. 4011
اختياره، (وأما اشتراط الحرية) فقياسا لمنصب القضاء على منصب الإمامة؛ ولأن العبد في أعين الناس ممتهن، والقاضي موضوع للفصل بين الخصومات، وبين الحالتين منافاة.
٣٧٨٢ - وما ورد من قول النبي ﷺ : «اسمعوا وأطيعوا وإن أمر عليكم عبد حبشي، ما أقام فيكم كتاب الله » رواه مسلم وغيره، فمحمول على من كان عبدا مجازا، أو على غير ولاية الحكم، (وأما اشتراط العدالة) فلقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦] والقاضي يخبر بقول، فلا يجوز قبوله مع فسقه لذلك، ولأن العدالة شرط في الشاهد، ففي
стр. 4012
القاضي أولى، ولأن قوله ألزم، وضرره أشمل، ودليل الأصل: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] (وأما اشتراط كونه عالما) أي عالما بوجوه الكتاب والسنة، واختلاف علماء المسلمين - فقيها - وهو من صار الفقه له سجية، لأن الفقيه اسم فاعل من فقه - بالضم - ككرم فهو كريم، وذلك من صار له أهلية استنباط الأحكام الشرعية.
٣٧٨٣ - فلما تقدم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، إذ فيه في صحيح مسلم: إذا حكم الحاكم فاجتهد؛ قال العلماء: معناه إذا أراد أن يحكم، فعند ذلك يجتهد، وإلا لو حمل على ظاهره لاقتضى أن الاجتهاد مؤخر عن الحكم، وليس كذلك اتفاقا.
٣٧٨٤ - وعن بريدة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «القضاة «ثلاثة، واحد في الجنة، واثنان في النار، فأما الذي في الجنة فرجل عرف الحق وقضى به، ورجل عرف الحق وجار في الحكم فهو في النار، ورجل قضى على جهل فهو في النار» رواه أبو داود وابن ماجه.
стр. 4013
٣٧٨٥ - وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من أفتي بفتيا بغير علم كان إثم ذلك على الذي أفتاه» رواه أحمد وابن ماجه.
٣٧٨٦ - وعن عمرو بن الحارث يرفعه إلى معاذ ﵁، أن «رسول الله ﷺ لما أراد أن يبعث معاذا إلى اليمن قال له: «كيف تقضي إذا عرض لك قضاء» ؟ قال: أقضي بكتاب الله. قال: «فإن لم تجد في كتاب الله؟» قال: أقضي بسنة رسول الله ﷺ قال: «فإن لم
стр. 4014
تجد في سنة رسول الله ﷺ قال: أجتهد رأيي ولا آلو. قال: فضرب رسول الله ﷺ صدره وقال: «الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله ﷺ لما يرضي رسول الله ﷺ » -» رواه أبو داود والترمذي، وقد شهد لهذا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩] وقوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] الآية.
стр. 4015
(وأما اشتراط كونه ورعا) فلأن غير الورع لا يؤمن أن يتساهل، فيأخذ الرشا الملعون آخذه عن الله وعن الحق.
٣٧٨٧ - فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لعن الله الراشي والمرتشي في الحكم» رواه الترمذي.
٣٧٨٨ - وعن ابن عمرو ﵄ نحوه رواه أبو داود.
стр. 4016
٣٧٨٩ - وعن عمر بن عبد العزيز ﵁ أنه قال: ينبغي للقاضي أن يجتمع فيه سبع خصال، وإن فاتته واحدة كانت فيه وصمة، العقل، والعفة، والورع، والنزاهة، والصرامة، والعلم بالسنن، والحلم. رواه سعيد.
وظاهر كلام الخرقي أن الورع شرط لصحة تولية القضاء، وهو ظاهر كلام أحمد على ما حكاه أبو بكر في التنبيه قال: إذا كان فيه ست خصال فقيها، عالما، ورعا، عفيفا، بصيرا بما يأتي بصيرا بما يذر، أي صلح للقضاء، أو صلح أن يستقضى، وعامة المتأخرين كالقاضي ومن بعده لا يشترطون ذلك، بل
стр. 4017
يجعلونه من المندوبات.
إذا تقرر هذا فقد أهمل الخرقي ﵀ شروطا أخر لا بد من التنبيه عليها، ولعله لوضوحها، أو لإشعار كلامه بها تركها، (منها كونه عاقلا) وهذا واضح جدا، لأن المجنون أسوأ حالا من الصبي، (ومنها كونه ذكرا) ويحتمله كلام الخرقي لذكره ما تقدم بصيغة التذكير، وذلك لما تقدم من قوله: القضاة ثلاثة قال: «فرجل» إلى آخره، وظاهره حصر القضاة في الثلاثة الموصوفين بما ذكر.
٣٧٩٠ - وعن أبي بكرة ﵁ قال: «لما بلغ رسول الله ﷺ أن أهل فارس ملكوا عليهم بنت كسرى، قال: «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة» رواه البخاري والنسائي والترمذي وصححه، ولأن القاضي يحضره الرجال، ويحتاج فيه إلى كمال رأي، وتمام عقل،
стр. 4018
وفطنة، والمرأة لا تحضر محافل الرجال، وهي ناقصة عقل بدليل النص، قليلة رأي وفطنة، وقد نبه الله سبحانه على ذلك بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢] فأشار سبحانه إلى كثير نسيانها وغلطها، (ومنها) أن يكون متكلما سميعا بصيرا، لأن الأخرس يتعذر عليه النطق بالحكم، وإشارته إن فهمت لكن لا يفهمها كل أحد، والأصم لا يسمع قول الخصمين، والأعمى لا يعرف المدعي من المدعى عليه، والشاهد من المشهود له، (واختلف) هل يشترط كونه كاتبا، وهو الذي أورده ابن حمدان مذهبا، حذارا من أن يخفى عليه ما يكتبه كاتبه، فربما دخل عليه الخلل، أو لا يشترط، وهو ظاهر كلام عامة الأصحاب، الخرقي وأبي بكر، وابن عقيل في التذكرة، والشيرازي وابن البنا وغيرهم، ونصبه أبو محمد للخلاف، نظرا إلى أن النبي ﷺ كان أميا، وهو سيد الحكام؟ على قولين، (وكذلك اختلف) أيضا في اشتراط كونه زاهدا،
стр. 4019
والمذهب عدم الاشتراط، وحكى ابن حمدان قولا بالاشتراط، وظاهر كلام أبي بكر في التنبيه أنه يشترط أن يكون أعلم من غيره، وهو يرجع إلى صحة تولية المفضول مع وجود الفاضل، والمذهب الصحة فيما أظن.
(تنبيهات) : «أحدها» : ما يتصور فقده من هذه الشروط إذا فقد في الدوام أزال الولاية، إلا فقد السمع أو البصر فيما ثبت عنده ولم يحكم به، فإن ولايته ثابتة فيه، «الثاني» : العاقل من عرف الواجب والممتنع والممكن، وما ينفعه وما يضره غالبا، والعقل ضرب من العلوم الضرورية، مثل العلم باستحالة اجتماع الضدين ونحوه، قاله القاضي وغيره، وقال التميمي: هو نور كالعلم، وعن إبراهيم الحربي، عن أحمد أنه قال: العقل غريزة، والحكمة فطنة، والعلم سماع، والرغبة في الدنيا هوى، والزهد فيها عفاف.
стр. 4020
قال القاضي: معنى قوله أنه غريزة، أنه خلق الله ابتداء وليس باكتساب، وللناس فيه أقوال كثيرة، وهل محله القلب أو الدماغ؟ فيه روايتان، المختار منهما للأصحاب الأول، قال التميمي: الذي نقول به أن العقل في القلب، يعلو نوره إلى الدماغ فيفيض إلى الحواس، ما جرى في العقل. انتهى، وجعل الماوردي الاختلاف في محله مفرعا على قول من زعم أنه جوهر لطيف، يفصل به بين حقائق المعلومات كلها، وقال: كل من نفى كونه جوهرا أثبت محله في القلب، لأن القلب محل العلوم كلها.
(الثالث) : العدالة المشترطة هنا هل هي العدالة ظاهرا وباطنا كما في الحدود، أو ظاهرا فقط كما في إمامة الصلاة، والحاضن، وولي اليتيم، ونحو ذلك، أو فيها الخلاف كما في العدالة في الأموال؟ ظاهر إطلاقات الأصحاب أنها كالذي في الأموال، وقد يقال إنها كالذي في الحدود.
(الرابع) غير واحد من الأصحاب يقول: من شرط القاضي كونه مجتهدا، وهو الذي أشار إليه الخرقي بقوله: عالما فقيها، والمجتهد من له أهلية يمكنه أن يعرف بها غالب الأحكام الشرعية الفرعية بالدليل إذا يشاء. مع معرفة جملة كثيرة منها
стр. 4021
بأدلتها، فيحتاج أن يعرف من الكتاب والسنة ما يتعلق بالأحكام المذكورة جملة، ويعرف حقيقة ذلك ومجازه، وأمره ونهيه، ومبينه ومجمله، ومحكمه ومتشابهه، وعامه وخاصه، ومطلقه ومقيده، وناسخه ومنسوخه، والمستثنى والمستثنى منه ويزيد في السنة بأن يعرف مما يتعلق بالأحكام صحيحه وسقيمه، وتواتره وآحاده، ومرسله ومنقطعه ونحو ذلك،
стр. 4022
ويعرف موضع الوفاق من موضع الخلاف فيما يتعلق بالأحكام، والقياس وما يتعلق به، والعربية، المتداولة بالحجاز واليمن والشام والعراق، ومن حولهم من العرب، وزاد ابن عقيل في التذكرة: والاستدلال، واستصحاب الحال، والقدرة على إبطال شبه المخالف، وإقامة الدلالة على مذهبه. والله أعلم.
قال ﵀: ولا يحكم الحاكم بين اثنين وهو غضبان.
ش: هذا - والله أعلم - اتفاق.
٣٧٩١ - وقد شهد له ما روى «عبد الرحمن بن أبي بكرة ﵄ قال: كتب أبي وكتبت له إلى ابنه عبيد الله بن أبي بكرة، وهو قاض بسجستان، أن لا تحكم بين اثنين وأنت غضبان، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يحكم أحد بين اثنين وهو غضبان» رواه الجماعة. وفي معنى هذا كل مشغل للفكر،
стр. 4023
كشدة جوع أو عطش أو ألم، أو هم أو حزن، أو فرح أو نعاس، أو حر مزعج، أو برد مؤلم، أو مدافعة بول أو غائط ونحو ذلك.
وظاهر كلام الخرقي وعامة الأصحاب أن المنع من ذلك على سبيل التحريم، وفي الخصال لابن البنا الإتيان بلفظ الكراهة، وفي المغني: لا خلاف نعلمه أن القاضي لا ينبغي له أن يقضي وهو غضبان، وعلى كل حال فإذا خالف وحكم فوافق الحق (فعن القاضي) لا ينفذ حكمه، لارتكاب النهي.
٣٧٩٢ - فيدخل تحت قوله ﵇: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» ، (وعنه) - في المجرد وهو الذي أورده الشيخان، وأبو الخطاب مذهبا - أنه ينفذ، إذ المنع من ذلك كان حذارا من
стр. 4024
شغل فكره المؤدي إلى عدم استيفاء النظر في الحكم، فربما وقع الخلل فيه، والفرض أن لا خلل في الحكم.
٣٧٩٣ - وأما ما روي عن عبد الله بن الزبير، عن أبيه ﵄، أن «رجلا من الأنصار خاصم الزبير عند النبي ﷺ في شراج الحرة التي يسقون بها النخل، فقال الأنصاري: سرح الماء يمر. فأبى عليه، فاختصما عند رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ للزبير: «اسق يا زبير ثم أرسل إلى جارك» ، فغضب الأنصاري ثم قال: يا رسول الله أن كان ابن عمتك، فتلون وجه رسول الله ﷺ ، ثم قال للزبير: «اسق يا زبير، ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر» ، فقال الزبير: والله إني لأحسب أن هذه الآية نزلت في ذلك: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥] الآية» متفق عليه. فهذا الذي وجد من النبي ﷺ كان غضبا
стр. 4025
يسيرا، ومثله لا يمنع الحكم، أو أنه ﷺ لم يحكم حتى زال عنه ذلك. انتهى. وقيل: إن عرض ذلك بعد فهم الحكم نفذ لاستبانة الحق قبل الشاغل، وإلا فلا، هذا نقل أبي البركات، وتبعه ابن حمدان، ولفظ أبي محمد في الكافي: وقيل: إنما يمنع الغضب الحكم قبل أن يتضح حكم المسألة، أما إذا حدث بعد اتضاح الحكم لم يمنع حكمه فيها لقضية الزبير، وهذا ظاهر في جواز الحكم وعدم جوازه، لا في نفوذه وعدم نفوذه.
[مشاورة القاضي لأهل العلم والأمانة]
وقال: وإذا نزل به الأمر المشكل عليه شاور فيه أهل العلم والأمانة.
ش: إذا نزلت بالقاضي قضية واتضح له حكمها حكم، لما تقدم من حديث معاذ ﵁، وإن لم يتضح له الحكم وأشكل عليه شاور فيه، لقول الله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] وكذلك فعل ﷺ في أسارى بدر، وفي لقاء الكفار يوم بدر، وفي غير ذلك.
стр. 4026
٣٧٩٤ - وروي: «ما كان أحد أكثر مشاورة لأصحابه من رسول الله» ﷺ .
٣٧٩٥ - وكذلك شاور أبو بكر الصديق ﵁ الصحابة في ميراث الجدة.
٣٧٩٦ - وكذلك عمر ﵁ في حد الخمر. قال أحمد: لما ولي سعد بن إبراهيم قضاء المدينة، كان يجلس بين القاسم وسالم يشاورهما
стр. 4027
ويشاور أهل العلم والأمانة، إذ الجاهل لا قول له فيعتبر، وغير الأمين قوله هدر.
إذا تقرر هذا فهذه المشاورة لمعرفة الحق بالاجتهاد، فإذا إذا اتضح له الحكم حكم، وإلا أخره حتى يتضح له، لا لتقليد غيره فإنه لا يجوز، وإن كان أعلم أو ضاق الوقت.
(تنبيه) : هذه المشاورة على سبيل الاستحباب، قاله في المغني، وهو ظاهر كلام المجد، لأنه أتى بلفظ الابتغاء، ولا ريب أنه لا يقضي على جهل وتردد.
[قضاء القاضي بعلمه]
قال: ولا يحكم الحاكم بعلمه.
ش: هذا هو المذهب المنصوص، والمختار لعامة الأصحاب من الروايات.
٣٧٩٧ - لما روت أم سلمة ﵂، أن رسول الله ﷺ قال: «إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له نحو ما أسمع، فمن قضيت له بحق أخيه فإنما أقطع له قطعة من النار» متفق عليه، وظاهره
стр. 4028
أنه لا يحكم إلا بما يسمع في حال حكمه، وقد روي: وإنما أحكم وهذا صريح أو كالصريح في أنه لا يحكم إلا بما يسمع.
٣٧٩٨ - وأيضا «قوله ﷺ في حديث هلال بن أمية ﵁ لما لاعن زوجته: «أبصروه فإن جاءت به - يعني الولد - على نعت كذا فهو لهلال، وإن جاءت به على نعت كذا فهو لشريك» فجاءت به على النعت المكروه، فقال النبي ﷺ : «لو كنت راجما بغير بينة لرجمت هذه» فلم يحكم بعلمه، لعدم قيام البينة.
стр. 4029
٣٧٩٩ - وأصرح من هذين ما روت عائشة ﵂ أن «النبي ﷺ بعث أبا جهم بن حذيفة مصدقا، فلاجه رجل في صدقته، فضربه أبو جهم فشجه، فأتوا النبي ﷺ فقالوا: القود يا رسول الله. فقال: «لكم كذا وكذا» فلم يرضوا، فقال: «لكم كذا وكذا» فرضوا، فقال: «إني خاطب على الناس ومخبرهم برضاكم» قالوا: نعم، فخطب فقال: «إن هؤلاء الليثيين أتوني يريدون القود، فعرضت عليهم كذا وكذا فرضوا، أفرضيتم؟» قالوا: لا، فهم المهاجرون بهم، فأمرهم رسول الله ﷺ أن يكفوا عنهم فكفوا، ثم دعاهم فزادهم فقال: «أفرضيتم؟» فقالوا: نعم، قال: «إني خاطب على الناس ومخبرهم برضاكم» قالوا: نعم. فخطب فقال: «أرضيتم؟» قالوا: نعم» . رواه الخمسة إلا الترمذي، فلم يحكم عليهم النبي ﷺ بعلمه لما جحدوا، تعليما لأمته، وسدا لباب التهم والظنون.
стр. 4030
٣٨٠٠ - وعن أبي بكر الصديق ﵁ قال: لو رأيت رجلا على حد من حدود الله ما أخذته ولا دعوت له أحدا حتى يكون معي غيري، حكاه الإمام أحمد.
следующие страницы →