Полный текст (3 611 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.
стр. 1226
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بِمَنَافِعِهِ وَذَلِكَ لَا يَلْزَمُ دَائِمًا فِي الْمُسْتَقْبَلِ بَلْ عَمَلُهُ فِي رَفْعِ الْمُخَالَفَةِ وَالْمُشَاقَقَةِ فِيمَا أَتَاهُ، فَمَتَى نَهَاهُ كَانَ ذَلِكَ مُنْتَهَى عَمَلِ الْإِذْنِ لِمَا قُلْنَا إنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ فِي دَوَامِ السُّقُوطِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَصَارَ كَالْإِذْنِ فِي اسْتِخْدَامِ الْعَبْدِ لِغَيْرِهِ وَكَتَبْوِئَتِهَا مَعَ الزَّوْجِ لَهُ فِيهِمَا الرَّدُّ إلَى الِاسْتِخْدَامِ وَالْمَنْعِ مِمَّا أَذِنَ فِيهِ، وَهَذَا لِأَنَّهُ لَا دَلِيلَ عَلَى أَنَّهُ ﷻ أَسْقَطَ الْمِلْكَ وَآثَارَهُ بِالْإِذْنِ بِالْإِحْرَامِ فَبَقِيَ عَلَى مَا عَهِدَ لَهُ مِنْ اللَّوَازِمِ، بَلْ عَهِدَ أَنَّهُ جَلَّ ذِكْرُهُ قَدَّمَ حَقَّ الْعَبْدِ عَلَى حَقِّهِ عِنْدَ التَّعَارُضِ لِفَقْرِهِ وَغِنَى الْعَزِيزِ الْعَظِيمِ.
هَذَا وَإِذَا أَحْرَمَتْ الْحُرَّةُ بِالْفَرْضِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُحَلِّلَهَا إنْ كَانَ لَهَا مُحْرِمٌ عِنْدَنَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا فَلَهُ مَنْعُهَا، فَإِنْ أَحْرَمَتْ فَهِيَ مُحْصَرَةٌ لِحَقِّ الشَّرْعِ. فَلِذَا إذَا أَرَادَ الزَّوْجُ تَحْلِيلَهَا فَإِنَّهَا لَا تَتَحَلَّلُ إلَّا بِالْهَدْيِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ أَحْرَمَتْ بِنَفْلٍ بِلَا إذْنٍ فَلَهُ أَنْ يُحَلِّلَهَا وَلَا يَتَأَخَّرُ تَحْلِيلُهُ إيَّاهَا إلَى ذَبْحِ الْهَدْيِ بَلْ يُحَلِّلُهَا مِنْ سَاعَتِهِ وَعَلَيْهَا هَدْيٌ لِتَعْجِيلِ الْإِحْلَالِ وَحَجَّةٌ وَعُمْرَةٌ لِأَنَّ هُنَاكَ لَا حَقَّ لِلزَّوْجِ فِي مَنْعِهَا لَوْ وَجَدَتْ مُحْرِمًا.
وَإِنَّمَا تَعَذَّرَ عَلَيْهَا الْخُرُوجُ لِفَقْدِ الْمُحْرِمِ شَرْعًا فَلَا تَتَحَلَّلُ إلَّا بِالْهَدْيِ، وَهُنَا قَدْ تَعَذَّرَ الْخُرُوجُ لِحَقِّ الزَّوْجِ. فَكَمَا لَا يَكُونُ لَهَا أَنْ تُبْطِلَ حَقَّهُ لَيْسَ لَهَا أَيْضًا أَنْ تُؤَخِّرَهُ، كَذَا فِي بَابِ الْإِحْصَارِ مِنْ الْمَبْسُوطِ. وَالتَّحْلِيلُ أَنْ يَنْهَاهَا وَيَفْعَلَ بِهَا أَدْنَى مَا يَحْرُمُ بِالْإِحْرَامِ كَقَصِّ ظُفْرٍ وَتَقْبِيلٍ أَوْ مُعَانَقَةٍ، وَهُوَ أَوْلَى مِنْ التَّحْلِيلِ بِالْجِمَاعِ لِأَنَّهُ أَعْظَمُ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ حَتَّى تَعَلَّقَ بِهِ الْفَسَادُ فَلَا يَفْعَلُهُ تَعْظِيمًا لِأَمْرِ الْحَجِّ، وَلَا يَقَعُ التَّحْلِيلُ بِقَوْلِهِ حَلَلْتُك بَلْ بِفِعْلِهِ أَوْ بِفِعْلِهَا بِأَمْرِهِ كَالِامْتِشَاطِ بِأَمْرِهِ «لِأَنَّهُ ﷺ قَالَ لِعَائِشَةَ: امْتَشِطِي وَارْفُضِي عُمْرَتَكِ حِينَ حَاضَتْ فِي الْعُمْرَةِ».
وَلَوْ جَامَعَ زَوْجَتَهُ أَوْ أَمَتَهُ الْمُحْرِمَةَ وَلَا يَعْلَمُ بِإِحْرَامِهَا لَمْ يَكُنْ تَحْلِيلًا وَفَسَدَ حَجُّهَا، وَإِنْ عَلِمَهُ كَانَ تَحْلِيلًا، وَلَوْ حَلَّلَهَا ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يَأْذَنَ لَهَا فَأَذِنَ فَأَحْرَمَتْ بِالْحَجِّ وَلَوْ بَعْدَمَا جَامَعَهَا مِنْ عَامِهَا ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا عُمْرَةٌ وَلَا نِيَّةُ الْقَضَاءِ، وَلَوْ أَذِنَ لَهَا بَعْدَ مُضِيِّ السَّنَةِ كَانَ عَلَيْهَا عُمْرَةٌ مَعَ الْحَجِّ.
وَقَالَ زُفَرُ: عَلَيْهِمَا الْعُمْرَةُ فِيهِمَا وَنِيَّةُ الْقَضَاءِ لِأَنَّهُمَا تَقَرَّرَا فِي ذِمَّتِهَا بِرَفْضِ الْحَجِّ فَلَا تَخْرُجُ عَنْ عُهْدَتِهِمَا إلَّا بِهِمَا مَعَ نِيَّةِ الْقَضَاءِ، فَلَوْ لَمْ تَنْوِ لَمْ تَخْرُجْ عَنْ الْعُهْدَةِ، وَفِي هَذَا لَا فَرْقَ بَيْنَ عَامِ الْإِحْلَالِ وَالْعَامِ الْقَابِلِ. قُلْنَا: إنْ قُلْت بِمُجَرَّدِ التَّحْلِيلِ تَقَرَّرَا مَنَعْنَاهُ. بَلْ اللَّازِمُ عَيْنُ تِلْكَ الْحَجَّةِ مَا لَمْ يَمْضِ الْوَقْتُ. فَإِذَا مَضَى بِلَا إيقَاعٍ فِيهِ حِينَئِذٍ لَزِمَهُ مِثْلُهَا وَهُوَ الْقَضَاءُ لِأَنَّهُ أَدَاءُ مِثْلِ الْوَاجِبِ وَذَلِكَ لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ، وَصَارَ كَمَا إذَا شَرَعَ فِي صَلَاةٍ فِي وَقْتِهَا ثُمَّ قَطَعَهَا فِيهِ ثُمَّ أَدَّاهَا فِيهِ أَيْضًا، وَإِذَا كَانَ اللُّزُومُ مَا لَمْ تَتَحَوَّلْ السَّنَةُ عَيْنَ الْوَاجِبِ لَمْ تَلْزَمْهُ عُمْرَةٌ وَلَا يَنْوِي الْقَضَاءَ.
وَعَنْ هَذَا قُلْنَا: لَوْ حَلَّلَهَا فَأَحْرَمَتْ فَحَلَّلَهَا فَأَحْرَمَتْ هَكَذَا مِرَارًا ثُمَّ حَجَّتْ مِنْ عَامِهَا أَجْزَأَهَا عَنْ كُلِّ التَّحَلُّلَاتِ تِلْكَ الْحَجَّةُ الْوَاحِدَةُ، وَلَوْ لَمْ تَحُجَّ بَعْدَ التَّحْلِيلَاتِ إلَّا مِنْ قَابِلٍ كَانَ عَلَيْهَا لِكُلِّ تَحْلِيلٍ عُمْرَةٌ. هَذَا وَقَدَّمْنَا فِي بَابِ الْإِحْصَارِ أَنَّهُ إذَا كَانَ الْإِحْصَارُ فِي حَجَّةِ الْإِسْلَامِ لَا يَنْوِي الْقَضَاءَ.
وَلَوْ تَحَوَّلَتْ السَّنَةُ لِأَنَّهَا بَاقِيَةٌ فِي ذِمَّتِهِ مَا لَمْ يُؤَدِّهَا وَلَمْ يَخْرُجْ الْوَقْتُ لِتَصِيرَ قَضَاءً لِأَنَّ وَقْتَهَا الْعُمْرُ وَالتَّضَيُّقُ فِي أَوَّلِ سَنَى الْإِمْكَانِ لَا يَنْفِيهِ لِمَا حَقَّقْنَا فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْحَجِّ مِنْ أَنَّ ذَلِكَ وُجُوبُ احْتِيَاطِ لَا افْتِرَاضٍ. وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّ بِالْأَدَاءِ بَعْدَ التَّأْخِيرِ بِلَا عُذْرٍ وَتَحَمُّلِ الْإِثْمِ يَقَعُ أَدَاءً، وَإِذَا أَذِنَ لِأَمَتِهِ الْمُتَزَوِّجَةِ فِي الْحَجِّ فَلَيْسَ لِزَوْجِهَا مَنْعُهَا لِأَنَّ مَنَافِعَهَا لِلسَّيِّدِ.
وَهَذِهِ الْخَاتِمَةُ الْمَوْعُودَةُ وَفِيهَا ثَلَاثَةُ مَقَاصِدُ:
[الْمَقْصِدُ الْأَوَّلُ فِي إيجَابِ الْهَدْيِ وَمَا يَتْبَعُهُ] يَثْبُتُ لُزُومُ الْهَدْيِ بِنَذْرِهِ تَنْجِيزًا وَتَعْلِيقًا، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ قَوْلِهِ لِلَّهِ عَلَيَّ أَوْ عَلَيَّ هَدْيٌ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ إلَّا لِلَّهِ، وَلَا يَلْزَمُ إلَّا فِيمَا يَمْلِكُ، فَلَوْ قَالَ إنْ فَعَلْت كَذَا فَهَذَا هَدْيٌ لِغَيْرِ مَمْلُوكٍ
стр. 1227
إلَّا أَنَّهُ يُكْرَهُ ذَلِكَ لِلْبَائِعِ لِمَا فِيهِ مِنْ خَلْفِ الْوَعْدِ، وَهَذَا الْمَعْنَى لَمْ يُوجَدْ فِي حَقِّ الْمُشْتَرِي، بِخِلَافِ النِّكَاحِ لِأَنَّهُ مَا كَانَ لِلْبَائِعِ أَنْ يَفْسَخَهُ إذَا بَاشَرَتْ بِإِذْنِهِ فَكَذَا لَا يَكُونُ ذَلِكَ لِلْمُشْتَرِي، وَإِذَا كَانَ لَهُ أَنْ يُحَلِّلَهَا لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ
لَهُ فَفَعَلَ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْمُشَارُ إلَيْهِ ابْنَهُ فَفِيهِ الْقِيَاسُ وَالِاسْتِحْسَانُ عَلَى مَا سَنَذْكُرُ فِي نَذْرِ ذَبْحِ الْوَلَدِ وَكَذَا لَوْ قَالَ ذَلِكَ لِمَمْلُوكٍ لَهُ فَبَاعَهُ ثُمَّ فَعَلَ، وَلَوْ قَالَ فَهَذَا حُرٌّ يَوْمَ أَشْتَرِيهِ فَفَعَلَ ثُمَّ اشْتَرَاهُ عَتَقَ، وَلَوْ اشْتَرَاهُ قَبْلَ الْفِعْلِ ثُمَّ فَعَلَ لَا يُعْتَقُ، وَلَوْ قَالَ إنْ فَعَلْت فَأَنَا أُهْدِي كَذَا لَزِمَهُ إذَا فَعَلَ، وَيَلْزَمُهُ مِنْ إطْلَاقِ لَفْظِ الْهَدْيِ أَمْرَانِ: جَوَازُ مَا يَجْزِي فِي الْأُضْحِيَّةَ مِنْ الشَّاةِ الضَّأْنِ أَوْ الْمَعْزِ أَوْ الْإِبِلِ أَوْ الْبَقَرِ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ بَعِيرًا أَوْ بَقَرَةً فَيَلْزَمُهُ ذَلِكَ، وَأَنْ لَا يَذْبَحَ إلَّا فِي الْحَرَمِ، فَإِنْ كَانَ فِي أَيَّامِ النَّحْرِ فَالسُّنَّةُ ذَبْحُهُ بِمِنًى وَإِلَّا فَفِي مَكَّةَ، وَلَهُ أَنْ يَذْبَحَهُ حَيْثُ شَاءَ مِنْ أَرْضِ الْحَرَمِ.
وَلَوْ قَالَ عَلَيَّ أَنْ أُهْدِيَ جَزُورًا تَعَيَّنَ الْإِبِلُ وَالْحَرَمُ، وَلَوْ قَالَ جَزُورٌ فَقَطْ جَازَ فِي غَيْرِ الْحَرَمِ كَمِصْرِ وَالشَّامِ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ الْهَدْيَ، وَلَوْ قَالَ بَدَنَةٌ فَقَطْ جَازَ الْبَقَرَةُ وَالْبَعِيرُ حَيْثُ شَاءَ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ مُعَيَّنًا مِنْ الْبُدْنِ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ يَتَعَيَّنُ الْحَرَمُ. فَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَزُورِ بِأَنَّ اسْمَ الْبُدْنَ لَا يُذْكَرُ فِي مَشْهُورِ الِاسْتِعْمَالِ إلَّا فِي مَعْنَى الْمُهْدَاةِ، وَلَوْ صَرَّحَ بِالْهَدْيِ يَتَعَيَّنُ الْحَرَمُ فَكَذَا الْبَدَنَةُ، وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ خِلَافُهُ إلَّا أَنْ يَزِيدَ فَيَقُولَ بَدَنَةٌ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ، وَيُمْنَعُ أَنَّ فِيهِ نَفْلًا شَرْعِيًّا أَوْ عُرْفِيًّا بَلْ كُلٌّ مِنْهُمَا مُشْتَرِكٌ فِيهَا، وَإِذَا ذَبَحَ الْهَدْيَ فِي الْحَرَمِ يَتَصَدَّقُ بِهِ عَلَى مَسَاكِينِ الْحَرَمِ، وَإِنْ تَصَدَّقَ بِهِ عَلَى غَيْرِهِمْ أَيْضًا جَازَ لِأَنَّ مَعْنَى اسْمِ الْهَدْيِ لَا يُعَيِّنُ فُقَرَاءَ مَحَلٍّ أَصْلًا بَلْ إنَّمَا يُنْبِئُ عَنْ النَّقْلِ إلَى مَكَان وَذَلِكَ هُوَ الْحَرَمُ إجْمَاعًا، فَتَعَيَّنَ الْحَرَمُ إنَّمَا هُوَ لِإِفَادَةِ مَأْخَذِ اسْمِ النَّقْلِ، ثُمَّ تَعَيَّنَ الْمَكَانُ بِالْكِتَابِ وَالْإِجْمَاعِ فَتَعْيِينُ فُقَرَاءِ الْحَرَمِ قَوْلٌ بِلَا دَلِيلٍ، وَهَذَا لِأَنَّ الْقُرْبَةَ بِالْإِهْدَاءِ تَتِمُّ بِالنَّفْلِ إلَى الْحَرَمِ وَالذَّبْحِ بِهِ تَعْظِيمًا لَهُ، وَلِذَا لَوْ سُرِقَ لَمْ يَلْزَمْهُ غَيْرُهُ وَبِذَلِكَ انْتَهَى مَدْلُولُهُ وَيَصِيرُ لَحْمًا.
وَجْهُ الْقُرْبَةِ فِيهِ شَيْءٌ آخَرُ هُوَ التَّصَدُّقُ، وَفِي هَذَا مَسَاكِينُ الْحَرَمِ وَغَيْرِهِمْ سَوَاءٌ. وَهَلْ يَجُوزُ التَّصَدُّقُ بِالْقِيمَةِ فِي الْحَرَمِ فِي نَذَرَ الْهَدْيِ كَأَنْ يَقُولَ هَذِهِ الشَّاةُ هَدْيٌ؟ فِي رِوَايَةِ أَبِي سُلَيْمَانَ يَجُوزُ أَنْ يُهْدِيَ قِيمَتَهَا، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي حَفْصٍ لَا يَجُوزُ. وَجْهُ الْأُولَى اعْتِبَارُ النَّذْرِ بِمَا أَمَرَ اللَّهُ جَلَّ ذِكْرُهُ بِهِ مِنْ الْغَنَمِ وَالْإِبِلِ فِي الزَّكَاةِ.
وَجْهُ رِوَايَةِ أَبِي حَفْصٍ أَنَّ فِي اسْمِ الْهَدْيِ زِيَادَةً عَلَى مُجَرَّدِ اسْمِ الشَّاةِ وَهُوَ الذَّبْحُ، فَالْقُرْبَةُ فِيهِ تَتَعَلَّقُ بِالذَّبْحِ ثُمَّ التَّصَدُّقُ بَعْدَ ذَلِكَ تَبَعٌ، بِخِلَافِ الزَّكَاةِ فَإِنَّ الْقُرْبَةَ إنَّمَا تَتَعَلَّقُ فِي الشَّاةِ بِالصَّدَقَةِ وَهُوَ ثَابِتٌ فِي الْقِيمَةِ فَيَجُوزُ، وَلَيْسَ الذَّبْحُ ثَابِتًا فِي قِيمَةِ الْهَدْيِ فَلَا يَجُوزُ وَهَذَا حَسَنٌ. وَمَنْ نَذَرَ شَاةً فَأَهْدَى مَكَانَهَا جَزُورًا فَقَدْ أَحْسَنَ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ الْقِيمَةِ لِثُبُوتِ الْإِرَاقَةِ فِي الْبُدْنِ الْأَعْلَى كَالْأَصْلِ.
وَقَالُوا: إذَا قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُهْدِيَ شَاتَيْنِ فَأَهْدَى شَاةً تُسَاوِي شَاتَيْنِ قِيمَةً لَمْ يُجْزِهِ، فَلَوْ عَيَّنَ الْهَدْيَ مِمَّا لَا يُذْبَحُ فِيمَا يَقْبَلُ النَّقْلَ كَالْعَبِيدِ وَالْقُدُورِ وَالثِّيَابِ فَقَالَ إنْ فَعَلْت فَثَوْبِي هَذَا هَدْيٌ أَوْ هَذَا الْقِدْرُ هَدْيٌ أَوْ هَذَا الْعَبْدُ جَازَ إهْدَاءُ قِيمَتِهِ إلَى مَكَّةَ أَوْ عَيْنِهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُعْطِيَ لِحَجَبَةِ الْبَيْتِ إذَا كَانُوا فُقَرَاءَ، وَإِنْ تَصَدَّقَ بِهِ أَوْ بِقِيمَتِهِ فِي غَيْرِ مَكَّةَ كَالْكُوفَةِ وَمِصْرَ جَازَ لِأَنَّ مَعْنَى الْقُرْبَةِ فِي الْأَمْتِعَةِ لَيْسَ إلَّا التَّصَدُّقُ وَهُوَ فِي حَقِّ أَهْلِ مَكَّةَ وَغَيْرِهِمْ سَوَاءٌ بِخِلَافِ الْهَدْيِ بِمَا يَشْرَعُ ذَبْحُهُ لِأَنَّ مَعْنَى الْقُرْبَةِ فِيهِ بِالْإِرَاقَةِ وَلَمْ تُعْرَفْ قُرْبَةً إلَّا فِي الْحَرَمِ فَيَتَعَيَّنُ الْحَرَمُ، وَغَايَةُ مَا فِيهِ أَنَّهُ نَذَرَ التَّصَدُّقَ فِي مَكَان فَتَصَدَّقَ فِي غَيْرِهِ، وَذَلِكَ جَائِزٌ عِنْدَنَا لِأَنَّ النَّذْرَ بِمَا هُوَ قُرْبَةٌ وَالْقُرْبَةُ إنَّمَا هِيَ بِالتَّصَدُّقِ فَيَنْعَقِدُ النَّذْرُ مُجَرَّدَ التَّصَدُّقِ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُنْقَلُ كَالدَّارِ وَالْأَرْضِ تَتَعَيَّنُ الْقِيمَةُ إذَا أَرَادَ الْإِيصَالَ إلَى مَكَّةَ.
وَقَوْلُهُ فَهَذِهِ الشَّاةُ هَدْيٌ إلَى الْبَيْتِ
стр. 1228
رَدِّهَا بِالْعَيْبِ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ زُفَرَ يَتَمَكَّنُ لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ عَنْ غَشَيَانِهَا
أَوْ مَكَّةَ أَوْ الْكَعْبَةِ مُوجِبٌ، وَلَوْ قَالَ إلَى الْحَرَمِ أَوْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ عَلَى الْخِلَافِ فِي الْتِزَامِ الْمَشْيِ إلَى الْحَرَمِ، وَالْمَسْجِدُ الْحَرَامُ عِنْدَهُمَا مُوجِبٌ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا.
وَقَوْلُهُ هَدْيٌ إلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ لَا يَجِبُ اتِّفَاقًا عَلَى مَا سَبَقَ فِي الْمَشْيِ. فَإِنْ قِيلَ: يَنْبَغِي أَنْ يَلْزَمَ هُنَا عَلَى قَوْلِهِ أَيْضًا لِأَنَّ مُجَرَّدَ ذِكْرِ الْهَدْيِ مُوجِبٌ فَزِيَادَةُ ذِكْرِ الْحَرَمِ لَا تَرْفَعُ الْوُجُوبَ بَعْدَ الثُّبُوتِ، بِخِلَافِ الْمَشْيِ إلَى الْحَرَمِ لِأَنَّ مُجَرَّدَ قَوْلِهِ عَلَيَّ الْمَشْيُ غَيْرُ مُوجِبٍ بَلْ مَعَ مَا يَمْشِي إلَيْهِ. أُجِيبُ بِأَنَّ اسْمَ الْهَدْيِ إنَّمَا يُوجِبُ بِاعْتِبَارِ ذِكْرِ مَكَّةَ مُضْمَرًا بِدَلَالَةِ الْعُرْفِ، فَإِذَا نَصَّ عَلَى الْحَرَمِ أَوْ الْمَسْجِدِ تَعَذَّرَ إضْمَارُ مَكَّةَ فِي كَلَامِهِ، إذْ قَدْ صَرَّحَ بِمُرَادِهِ فَلَا يَجِبُ شَيْءٌ بِهِ.
وَقَوْلُهُ فَثَوْبِي هَذَا سِتْرٌ لِلْبَيْتِ أَوْ أَضْرَبَ بِهِ حَطِيمَ الْبَيْتِ مُلْزِمٌ اسْتِحْسَانًا، لِأَنَّهُ يُرَادُ بِهَذَا اللَّفْظِ هَدْيُهُ.
وَلَوْ قَالَ كُلُّ مَالِي أَوْ جَمِيعُهُ هَدْيٌ فَعَلَيْهِ أَنْ يُهْدِيَ مَالَهُ كُلَّهُ وَيُمْسِكَ مِنْهُ قَدْرَ قُوتِهِ، فَإِذَا أَفَادَ مَالًا تَصَدَّقَ بِقَدْرِ مَا أَمْسَكَ. وَأَوْرَدَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي كِتَابِ الْهِبَةِ أَنَّ الْأَصْلَ فِيمَا إذَا قَالَ مَالِي صَدَقَةٌ فَقَالَ فِي الْقِيَاسِ يَنْصَرِفُ إلَى كُلِّ مَالٍ لَهُ. وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ. وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يَنْصَرِفُ إلَى مَالِ الزَّكَاةِ خَاصَّةً بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ جَمِيعُ مَا أَمْلِكُ. فَمِنْ الْمَشَايِخِ مَنْ قَالَ مَا ذَكَرَهُ هُنَا جَوَابُ الْقِيَاسِ لِأَنَّ الْتِزَامَ الْهَدْيِ فِي كُلِّ مَالٍ كَالْتِزَامِ الصَّدَقَةِ فِي كُلِّ مَالٍ.
وَالْأَصَحُّ الْفَرْقُ بِأَنَّ إيجَابَ الْعَبْدِ مُعْتَبَرٌ بِإِيجَابِ اللَّهِ تَعَالَى، وَمَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِلَفْظِ الصَّدَقَةِ يَخْتَصُّ بِمَالِ الزَّكَاةِ، فَكَذَا مَا يُوجِبُهُ الْعَبْدُ عَلَى نَفْسِهِ، وَهُنَا إنَّمَا أَوْجَبَ بِلَفْظِ الْهَدْيِ، وَمَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِلَفْظِ الْهَدْيِ لَا يَخْتَصُّ بِمَالِ الزَّكَاةِ.
وَفِي نَوَادِرِ ابْنِ سِمَاعَةَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَذْبَحَ وَلَمْ يَقُلْ صَدَقَةً لَا شَيْءَ عَلَيْهِ. وَعِنْدِي فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ الْتَزَمَ بِمَا مِنْ جِنْسِهِ وَاجِبٌ إلَّا أَنْ يَقْصِدَ الذَّبْحَ بِنَفْسِهِ.
وَمَنْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَنْحَرَ وَلَدِي فَفِي الْقِيَاسِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يَلْزَمُهُ شَاةٌ، وَلَوْ كَانَ لَهُ أَوْلَادٌ لَزِمَهُ مَكَانَ كُلِّ وَلَدٍ شَاةٌ، وَكَذَا إذَا نَذَرَ ذَبْحَ عَبْدِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَلْزَمُهُ الشَّاةُ فِي الْوَلَدِ لَا الْعَبْدِ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا يَلْزَمُهُ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا.
[الْمَقْصِدُ الثَّانِي فِي الْمُجَاوَرَةِ] اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي كَرَاهَةِ الْمُجَاوَرَةِ بِمَكَّةَ وَعَدَمِهَا. فَذَكَرَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الْمُخْتَارَ اسْتِحْبَابُهَا إلَّا أَنْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ الْوُقُوعُ فِي الْمَحْذُورِ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ. وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ إلَى كَرَاهَتِهَا، وَكَانَ أَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ: إنَّهَا لَيْسَتْ بِدَارِ هِجْرَةٍ، وَقَالَ مَالِكٌ وَقَدْ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ: مَا كَانَ النَّاسُ يَرْحَلُونَ إلَيْهَا إلَّا عَلَى نِيَّةِ الْحَجِّ وَالرُّجُوعِ وَهُوَ أَعْجَبُ، وَهَذَا أَحْوَطُ لِمَا فِي خِلَافِهِ مِنْ تَعْرِيضِ النَّفْسِ عَلَى الْخَطَرِ إذْ طَبْعُ الْإِنْسَانِ التَّبَرُّمُ وَالْمَلَلُ مِنْ تَوَارُدِ مَا يُخَالِفُ هَوَاهُ فِي الْمَعِيشَةِ وَزِيَادَةِ الِانْبِسَاطِ الْمُخِلِّ بِمَا يَجِبُ مِنْ الِاحْتِرَامِ لِمَا يَكْثُرُ تَكَرُّرُهُ عَلَيْهِ وَمُدَاوَمَةُ نَظَرِهِ إلَيْهِ.
وَأَيْضًا الْإِنْسَانُ مَحَلُّ الْخَطَإِ كَمَا قَالَ ﵊ «كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ» وَالْمَعَاصِي تَضَاعُفٌ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ إنْ صَحَّ، وَإِلَّا فَلَا شَكَّ أَنَّهَا فِي حَرَمِ اللَّهِ أَفْحَشُ وَأَغْلَظُ فَتَنْهَضُ سَبَبًا لِغِلَظِ الْمُوجِبِ وَهُوَ الْعِقَابُ.
وَيُمْكِنُ كَوْنُ هَذَا هُوَ مَحْمَلُ الْمَرْوِيِّ مِنْ التَّضَاعُفِ كَيْ لَا يُعَارَضَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلا مِثْلَهَا﴾ أَعْنِي أَنَّ السَّيِّئَةَ تَكُونُ فِيهِ سَبَبًا لِمِقْدَارٍ مِنْ الْعِقَابِ هُوَ أَكْثَرُ مِنْ مِقْدَارِهِ عَنْهَا فِي غَيْرِ الْحَرَمِ إلَى أَنْ يَصِلَ إلَى مِقْدَارِ عِقَابِ سَيِّئَاتٍ مِنْهَا فِي غَيْرِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَكُلٌّ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ سَبَبٌ لِمَقْتِ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِذَا كَانَ هَذَا سَجِيَّةُ الشَّرِّ فَالسَّبِيلُ النُّزُوحُ عَنْ سَاحَتِهِ، وَقَلَّ مَنْ يَطْمَئِنُّ إلَى نَفْسِهِ فِي دَعْوَاهَا الْبَرَاءَةِ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ إلَّا وَهُوَ فِي ذَلِكَ مَغْرُورٌ.
стр. 1229
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أَلَا يَرَى أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمُحَبِّبِينَ إلَيْهِ الْمَدْعُوِّ لَهُ كَيْفَ اتَّخَذَ الطَّائِفَ دَارًا وَقَالَ: لَأَنْ أُذْنِبَ خَمْسِينَ ذَنْبًا بِرُكْبَةٍ وَهُوَ مَوْضِعٌ بِقُرْبِ الطَّائِفِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أُذْنِبَ ذَنْبًا وَاحِدًا بِمَكَّةَ.
وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁: مَا مِنْ بَلْدَةٍ يُؤَاخَذُ الْعَبْدُ فِيهَا بِالْهِمَّةِ قَبْلَ الْعَمَلِ إلَّا مَكَّةُ، وَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ لِلَّذِي جَاءَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ يَطْلُبُ الْعِلْمَ: ارْجِعْ إلَى الْمَدِينَةِ فَإِنَّا نَسْمَعُ أَنَّ سَاكِنَ مَكَّةَ لَا يَمُوتُ حَتَّى يَكُونَ الْحَرَمُ عِنْدَهُ بِمَنْزِلَةِ الْحِلِّ لِمَا يَسْتَحِلُّ مِنْ حُرُمِهَا.
وَعَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ: خَطِيئَةٌ أُصِيبُهَا بِمَكَّةَ أَعَزُّ عَلَيَّ مِنْ سَبْعِينَ خَطِيئَةً بِغَيْرِهَا. نَعَمْ أَفْرَادٌ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ اسْتَخْلَصَهُمْ وَخَلَّصَهُمْ مِنْ مُقْتَضَيَاتِ الطِّبَاعِ فَأُولَئِكَ هُمْ أَهْلُ الْجِوَارِ الْفَائِزُونَ بِفَضِيلَةٍ مِنْ تَضَاعُفِ الْحَسَنَاتِ وَالصَّلَوَاتِ مِنْ غَيْرِ مَا يُحْبِطُهَا مِنْ الْخَطِيئَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ فِي الْحَدِيثِ عَنْهُ ﵊ «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنْ الْمَسَاجِدِ إلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، وَصَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ مِائَةِ صَلَاةٍ فِي مَسْجِدِي» وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ سَمِعْته: يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ «مَنْ طَافَ أُسْبُوعًا بِالْبَيْتِ وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَانَ كَعِدْلِ رَقَبَةٍ» وَقَالَ سَمِعْته يَقُولُ «مَا رَفَعَ رَجُلٌ قَدَمًا وَلَا وَضَعَهَا إلَّا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ وَحَطَّ عَنْهُ عَشْرَ سَيِّئَاتٍ وَرَفَعَ لَهُ عَشْرَ دَرَجَاتٍ».
وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنْهُ ﵊ «مَنْ أَدْرَكَ رَمَضَانَ بِمَكَّةَ فَصَامَهُ وَقَامَ مِنْهُ مَا تَيَسَّرَ كُتِبَ لَهُ مِائَةُ أَلْفِ شَهْرِ رَمَضَانَ فِيمَا سِوَاهَا، وَكَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ عِتْقَ رَقَبَةٍ، وَبِكُلِّ لَيْلَةٍ عِتْقَ رَقَبَةٍ، وَكُلِّ يَوْمٍ حُمْلَانَ فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» وَلَكِنَّ الْفَائِزَ بِهَذَا مَعَ السَّلَامَةِ مِنْ إحْبَاطِهِ أَقَلُّ الْقَلِيلِ، فَلَا يُبْنَى الْفِقْهُ بِاعْتِبَارِهِمْ وَلَا يَذْكُرُ حَالُهُمْ قَيْدًا فِي جَوَازِ الْجِوَارِ لِأَنَّ شَأْنَ النُّفُوسِ الدَّعْوَى الْكَاذِبَةُ وَالْمُبَادَرَةُ إلَى دَعْوَى الْمَلَكَةِ وَالْقُدْرَةِ عَلَى مَا يَشْتَرِطُ فِيمَا تَتَوَجَّهُ إلَيْهِ وَتَطْلُبُهُ، وَإِنَّهَا لَأَكْذَبُ مَا يَكُونُ إذَا حَلَفْت فَكَيْفَ إذَا ادَّعَتْ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَعَلَى هَذَا فَيَجِبُ كَوْنُ الْجِوَارِ فِي الْمَدِينَةِ الْمُشَرَّفَةِ كَذَلِكَ، فَإِنَّ تَضَاعُفَ السَّيِّئَاتِ أَوْ تَعَاظُمَهَا وَإِنْ فُقِدَ فِيهَا فَمَخَافَةُ السَّآمَةِ وَقِلَّةِ الْأَدَبِ الْمُفْضِي إلَى الْإِخْلَالِ بِوَاجِبِ التَّوْقِيرِ وَالْإِجْلَالِ قَائِمٌ. وَهُوَ أَيْضًا مَانِعٌ إلَّا لِلْأَفْرَادِ ذَوِي الْمَلَكَاتِ فَإِنَّ مَقَامَهُمْ وَمَوْتَهُمْ فِيهَا هِيَ السَّعَادَةُ الْكَامِلَةُ. فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ «لَا يَصْبِرُ عَلَى لَأْوَاءِ الْمَدِينَةِ وَشِدَّتِهَا أَحَدٌ مِنْ أُمَّتِي إلَّا كُنْتُ لَهُ شَفِيعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَوْ شَهِيدًا» وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «مَنْ اسْتَطَاعَ أَنْ يَمُوتَ بِالْمَدِينَةِ فَلْيَمُتْ فَإِنِّي أَشْفَعُ لِمَنْ يَمُوتُ بِهَا».
[الْمَقْصِدُ الثَّالِثُ: فِي زِيَارَةِ قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ ] قَالَ مَشَايِخُنَا رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى: مِنْ أَفْضَلِ الْمَنْدُوبَاتِ وَفِي مَنَاسِكِ الْفَارِسِيِّ وَشَرْحِ الْمُخْتَارِ أَنَّهَا قَرِيبَةٌ مِنْ الْوُجُوبِ لِمَنْ لَهُ سِعَةٌ. رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْبَزَّارُ عَنْهُ ﵊ «مَنْ زَارَ قَبْرِي وَجَبَتْ لَهُ شَفَاعَتِي» وَأَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْهُ ﵊ «مَنْ جَاءَنِي زَائِرًا لَا تَعْمَلُهُ حَاجَةٌ إلَّا زِيَارَتِي كَانَ حَقًّا عَلَيَّ أَنْ أَكُونَ لَهُ شَفِيعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» وَأَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ أَيْضًا «مَنْ حَجَّ وَزَارَ قَبْرِي بَعْدَ مَوْتِي كَانَ كَمَنْ زَارَنِي فِي حَيَاتِي» هَذَا وَالْحَجُّ إنْ كَانَ فَرْضًا فَالْأَحْسَنُ أَنْ يَبْدَأَ بِهِ ثُمَّ يُثْنِي بِالزِّيَارَةِ، وَإِنْ كَانَ تَطَوُّعًا كَانَ بِالْخِيَارِ، فَإِذَا نَوَى زِيَارَةَ الْقَبْرِ فَلْيَنْوِ مَعَهُ زِيَارَةَ الْمَسْجِدِ: أَيْ مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ
стр. 1230
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فَإِنَّهُ أَحَدُ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي تُشَدُّ إلَيْهَا الرِّحَالُ.
فِي الْحَدِيثِ «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا لِثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ، الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِي هَذَا، وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى» وَإِذَا تَوَجَّهَ إلَى الزِّيَارَةِ يُكْثِرُ مِنْ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ مُدَّةَ الطَّرِيقِ، وَالْأَوْلَى فِيمَا يَقَعُ عِنْدَ الْعَبْدِ الضَّعِيفِ تَجْرِيدُ النِّيَّةِ لِزِيَارَةِ قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ إذَا حَصَلَ لَهُ إذَا قَدَّمَ زِيَارَةَ الْمَسْجِدِ أَوْ يَسْتَفْتِحُ فَضْلَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ فِي مَرَّةٍ أُخْرَى يَنْوِيهِمَا فِيهَا لِأَنَّ فِي ذَلِكَ زِيَادَةَ تَعْظِيمِهِ ﷺ وَإِجْلَالِهِ، وَيُوَافِقُ ظَاهِرَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ قَوْلِهِ ﵊ «لَا تَعْمَلُهُ حَاجَةٌ إلَّا زِيَارَتِي» وَإِذَا وَصَلَ إلَى الْمَدِينَةِ اغْتَسَلَ بِظَاهِرِهَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَهَا أَوْ تَوَضَّأَ وَالْغُسْلُ أَفْضَلُ، وَلُبْسُ نَظِيفَ ثِيَابِهِ وَالْجَدِيدُ أَفْضَلُ، وَمَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ النَّاسِ مِنْ النُّزُولِ بِالْقُرْبِ مِنْ الْمَدِينَةِ وَالْمَشْيِ عَلَى أَقْدَامِهِ إلَى أَنْ يَدْخُلَهَا حَسَنٌ، وَكُلُّ مَا كَانَ أَدْخَلَ فِي الْأَدَبِ وَالْإِجْلَالِ كَانَ حَسَنًا.
وَإِذَا دَخَلَهَا قَالَ: بِاسْمِ اللَّهِ ﴿رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ الْآيَةَ، اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِك وَارْزُقْنِي مِنْ زِيَارَةِ رَسُولِك ﷺ مَا رَزَقْت أَوْلِيَاءَك وَأَهْلَ طَاعَتِك، وَاغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي يَا خَيْرَ مَسْئُولٍ، وَلْيَكُنْ مُتَوَاضِعًا مُتَخَشِّعًا مُعَظِّمًا لِحُرْمَتِهَا لَا يَفْتُرُ عَنْ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ مُسْتَحْضِرًا أَنَّهَا بَلْدَتُهُ الَّتِي اخْتَارَهَا اللَّهُ تَعَالَى دَارَ هِجْرَةِ نَبِيِّهِ وَمَهْبِطًا لِلْوَحْيِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْبَعًا لِلْإِيمَانِ وَالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ. قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: كُلُّ الْبِلَادِ اُفْتُتِحَتْ بِالسَّيْفِ إلَّا الْمَدِينَةَ فَإِنَّهَا اُفْتُتِحَتْ بِالْقُرْآنِ الْعَظِيمِ.
وَلْيُحَضِّرْ قَلْبَهُ أَنَّهُ رُبَّمَا صَادَفَ مَوْضِعَ قَدَمِهِ، وَلِذَا كَانَ مَالِكٌ ﵀ وَرَضِيَ عَنْهُ لَا يَرْكَبُ فِي طُرُقِ الْمَدِينَةِ، وَكَانَ يَقُولُ: أَسْتَحِي مِنْ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ أَطَأَ تُرْبَةً فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِحَافِرِ دَابَّةٍ.
وَإِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَعَلَ مَا هُوَ السُّنَّةُ فِي دُخُولِ الْمَسَاجِدِ مِنْ تَقْدِيمِ الْيَمِينِ وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِك، وَيَدْخُلُ مِنْ بَابِ جِبْرِيلَ أَوْ غَيْرِهِ، وَيَقْصِدُ الرَّوْضَةَ الشَّرِيفَةَ وَهِيَ بَيْنَ الْمِنْبَرِ وَالْقَبْرِ الشَّرِيفِ، فَيُصَلِّي تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ مُسْتَقْبِلًا السَّارِيَةَ الَّتِي تَحْتَهَا الصُّنْدُوقُ بِحَيْثُ يَكُونُ عَمُودُ الْمِنْبَرِ حِذَاءَ مَنْكِبِهِ الْأَيْمَنِ إنْ أَمْكَنَهُ، وَتَكُونُ الْحَنِيَّةُ الَّتِي فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، فَذَلِكَ مَوْقِفُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيمَا قِيلَ قَبْلَ أَنْ يُغَيَّرَ الْمَسْجِدُ. وَفِي بَعْضِ الْمَنَاسِكِ: يُصَلِّي تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ فِي مَقَامِهِ ﵊ وَهُوَ الْحُفْرَةُ. قَالَ الْكَرْمَانِيُّ وَصَاحِبُ الِاخْتِيَارِ: وَيَسْجُدُ لِلَّهِ شُكْرًا عَلَى هَذِهِ النِّعْمَةِ وَيَسْأَلُهُ تَمَامَهَا وَالْقَبُولَ. وَقِيلَ ذَرْعُ مَا بَيْنَ الْمِنْبَرِ وَمَوْقِفِهِ ﵊ الَّذِي كَانَ يُصَلِّي فِيهِ أَرْبَعَةَ عَشْرَ ذِرَاعًا وَشِبْرٌ، وَمَا بَيْنَ الْمِنْبَرِ وَالْقَبْرِ ثَلَاثٌ وَخَمْسُونَ ذِرَاعًا وَشِبْرٌ، ثُمَّ يَأْتِي الْقَبْرَ الشَّرِيفَ فَيَسْتَقْبِلُ جِدَارَهُ وَيَسْتَدْبِرُ الْقِبْلَةَ عَلَى نَحْوِ أَرْبَعَةِ أَذْرُعٍ مِنْ السَّارِيَةِ الَّتِي عِنْدَ رَأْسِ الْقَبْرِ فِي زَاوِيَةِ جِدَارِهِ.
وَمَا عَنْ أَبِي اللَّيْثِ أَنَّهُ يَقِفُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ مَرْدُودٌ بِمَا رَوَى أَبُو حَنِيفَةَ ﵁ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: مِنْ السُّنَّةَ أَنْ تَأْتِيَ قَبْرَ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ قِبَلِ الْقِبْلَةِ وَتَجْعَلَ ظَهْرَك إلَى الْقِبْلَةِ وَتَسْتَقْبِلَ الْقَبْرَ بِوَجْهِك ثُمَّ تَقُولَ: السَّلَامُ عَلَيْك أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، إلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى نَوْعٍ مَا مِنْ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ ﵊ فِي الْقَبْرِ الشَّرِيفِ الْمُكَرَّمِ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ. وَقَالُوا فِي زِيَارَةِ الْقُبُورِ مُطْلَقًا: الْأَوْلَى أَنْ يَأْتِيَ الزَّائِرُ مِنْ قِبَلِ رِجْلِ الْمُتَوَفَّى لَا مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ فَإِنَّهُ أَتْعَبُ لِبَصَرِ الْمَيِّتِ، بِخِلَافِ الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ يَكُونُ مُقَابِلًا بَصَرَهُ لِأَنَّ بَصَرَهُ نَاظِرٌ إلَى جِهَةِ قَدَمَيْهِ إذَا كَانَ عَلَى جَنْبِهِ فَعَلَى هَذَا تَكُونُ الْقِبْلَةُ عَنْ يَسَارِ الْوَاقِفِ مِنْ جِهَةِ قَدَمَيْهِ ﵊ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ مِنْ جِهَةِ وَجْهِهِ الْكَرِيمِ، فَإِذَا أَكْثَرَ الِاسْتِقْبَالَ إلَيْهِ ﵊ لَا كُلَّ
стр. 1231
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الِاسْتِقْبَالِ بِكَوْنِ اسْتِدْبَارِهِ الْقِبْلَةِ أَكْثَرَ مِنْ أَخْذِهِ إلَى جِهَتِهَا فَيَصْدُقُ الِاسْتِدْبَارُ وَنَوْعٌ مِنْ الِاسْتِقْبَالِ.
وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ وُقُوفُ الزَّائِرِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، بِخِلَافِ تَمَامِ اسْتِدْبَارِ الْقِبْلَةِ وَاسْتِقْبَالِهِ ﷺ فَإِنَّهُ يَكُونُ الْبَصَرُ نَاظِرًا إلَى جَنْبِ الْوَاقِفِ، وَعَلَى مَا ذَكَرْنَا يَكُونُ الْوَاقِفُ مُسْتَقْبِلًا وَجْهَهُ ﵊ وَبَصَرَهُ فَيَكُونُ أَوْلَى، ثُمَّ يَقُولُ فِي مَوْقِفِهِ: السَّلَامُ عَلَيْك يَا رَسُولَ اللَّهِ، السَّلَامُ عَلَيْك يَا خَيْرَ خَلْقِ اللَّهِ، السَّلَامُ عَلَيْك يَا خِيرَةِ اللَّهِ مِنْ جَمِيعِ خَلْقِهِ، السَّلَامُ عَلَيْك يَا حَبِيبَ اللَّهِ، السَّلَامُ عَلَيْك يَا سَيِّدَ وَلَدِ آدَمَ، السَّلَامُ عَلَيْك أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّك عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَأَشْهَدُ أَنَّك يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ بَلَّغْت الرِّسَالَةَ وَأَدَّيْت الْأَمَانَةَ وَنَصَحْت الْأُمَّةَ وَكَشَفْت الْغُمَّةَ، فَجَزَاك اللَّهُ عَنَّا خَيْرًا، جَازَاك اللَّهُ عَنَّا أَفْضَلَ مَا جَازَى نَبِيًّا عَنْ أُمَّتِهِ.
اللَّهُمَّ أَعْطِ سَيِّدَنَا عَبْدَك وَرَسُولَك مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ، وَالدَّرَجَةَ الْعَالِيَةَ الرَّفِيعَةَ، وَابْعَثْهُ الْمَقَامَ الْمَحْمُودَ الَّذِي وَعَدْته، وَأَنْزِلْهُ الْمَنْزِلَ الْمُقَرَّبَ عِنْدَك، إنَّك سُبْحَانَك ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ. وَيَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى حَاجَتَهُ مُتَوَسِّلًا إلَى اللَّهِ بِحَضْرَةِ نَبِيِّهِ ﵊. وَأَعْظَمُ الْمَسَائِلِ وَأَهَمُّهَا سُؤَالُ حُسْنِ الْخَاتِمَةِ وَالرِّضْوَانِ وَالْمَغْفِرَةِ، ثُمَّ يَسْأَلُ النَّبِيَّ ﷺ الشَّفَاعَةَ فَيَقُولُ. يَا رَسُولَ اللَّهِ أَسْأَلُك الشَّفَاعَةَ، يَا رَسُولَ اللَّهِ أَسْأَلُك الشَّفَاعَةَ وَأَتَوَسَّلُ بِك إلَى اللَّهِ فِي أَنْ أَمُوتَ مُسْلِمًا عَلَى مِلَّتِك وَسُنَّتِك، وَيَذْكُرُ كُلَّ مَا كَانَ مِنْ قَبِيلِ الِاسْتِعْطَافِ وَالرِّفْقِ بِهِ، وَيَجْتَنِبُ الْأَلْفَاظَ الدَّالَّةَ عَلَى الْإِدْلَالِ وَالْقُرْبِ مِنْ الْمُخَاطَب فَإِنَّهُ سُوءُ أَدَبٍ. وَعَنْ ابْنِ أَبِي فُدَيْكٍ قَالَ: سَمِعْت بَعْضَ مَنْ أَدْرَكْت يَقُولُ: بَلَغَنَا أَنَّهُ مَنْ وَقَفَ عِنْدَ قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ فَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ الْآيَةَ، ثُمَّ قَالَ: ﷺ يَا مُحَمَّدُ سَبْعِينَ مَرَّةً، نَادَاهُ مَلَكٌ ﷺ وَعَلَيْك يَا فُلَانُ وَلَمْ تَسْقُطْ لَهُ حَاجَةٌ.
هَذَا وَلْيُبَلِّغْ سَلَامَ مَنْ أَوْصَاهُ بِتَبْلِيغِ سَلَامِهِ فَيَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْك يَا رَسُولَ اللَّهِ مِنْ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ أَوْ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ يُسَلِّمُ عَلَيْك يَا رَسُولَ اللَّهِ. يُرْوَى أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ ﵀ كَانَ يُوصِي بِذَلِكَ وَيُرْسِلُ الْبَرِيدَ مِنْ الشَّامِ إلَى الْمَدِينَةِ الشَّرِيفَةِ بِذَلِكَ، وَمَنْ ضَاقَ وَقْتُهُ عَمَّا ذَكَرْنَاهُ اقْتَصَرَ عَلَى مَا يُمْكِنُهُ.
وَعَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ السَّلَفِ الْإِيجَازُ فِي ذَلِكَ جِدًّا، ثُمَّ يَتَأَخَّرُ عَنْ يَمِينِهِ إذَا كَانَ مُسْتَقْبِلًا قَيْدَ ذِرَاعٍ فَيُسَلِّمُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ ﵁، فَإِنَّ رَأْسَهُ حِيَالَ مَنْكِبِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَعَلَى مَا ذَكَرْنَا يَكُونُ تَأَخُّرُهُ إلَى وَرَائِهِ بِجَانِبِهِ فَيَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْك يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَثَانِيَهُ فِي الْغَارِ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، جَزَاك اللَّهُ عَنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ خَيْرًا، ثُمَّ يَتَأَخَّرُ كَذَلِكَ قَدْرَ ذِرَاعٍ فَيُسَلِّمُ عَلَى عُمَرَ ﵁، لِأَنَّ رَأْسَهُ مِنْ الصِّدِّيقِ كَرَأْسِ الصِّدِّيقِ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ فَيَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْك يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ الْفَارُوقَ الَّذِي أَعَزَّ اللَّهُ بِهِ الْإِسْلَامَ، جَزَاك اللَّهُ عَنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ خَيْرًا، ثُمَّ يَرْجِعُ إلَى حِيَالِ وَجْهِ النَّبِيِّ ﷺ فَيَحْمَدُ اللَّهَ وَيُثْنِي عَلَيْهِ وَيُصَلِّي وَيُسَلِّمُ عَلَى نَبِيِّهِ وَيَدْعُو وَيَسْتَشْفِعُ لَهُ وَلِوَالِدَيْهِ وَلِمَنْ أَحَبَّ، وَيَخْتِمُ دُعَاءَهُ بِآمِينَ وَالصَّلَاةِ وَالتَّسْلِيمِ.
وَقِيلَ مَا ذُكِرَ مِنْ الْعَوْدِ إلَى رَأْسِ الْقَبْرِ الشَّرِيفِ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ الصَّحَابَةِ وَلَا التَّابِعِينَ. وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُد عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ: دَخَلْت عَلَى عَائِشَةَ ﵂ فَقُلْت: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ اكْشِفِي لِي عَنْ قَبْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَصَاحِبَيْهِ
стр. 1232
(وَ) ذُكِرَ (فِي بَعْضِ النُّسَخِ أَوْ يُجَامِعُهَا) وَالْأَوَّلُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يُحَلِّلُهَا بِغَيْرِ الْجِمَاعِ بِقَصِّ شَعْرٍ أَوْ بِقَلْمِ ظُفْرٍ ثُمَّ يُجَامِعُ، وَالثَّانِي يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يُحَلِّلُهَا بِالْمُجَامَعَةِ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو عَنْ تَقْدِيمِ مَسٍّ يَقَعُ بِهِ التَّحَلُّلُ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُحَلِّلَهَا بِغَيْرِ الْمُجَامَعَةِ تَعْظِيمًا لِأَمْرِ الْحَجِّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
فَكَشَفَتْ عَنْ ثَلَاثَةِ قُبُورٍ لَا مُشْرِفَةٍ وَلَا لَاطِئَةٍ مَبْطُوحَةٍ بِبَطْحَاءِ الْعَرْصَةِ الْحَمْرَاءِ، رَوَاهُ الْحَاكِمُ.
وَزَادَ: «فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مُقَدَّمًا، وَأَبَا بَكْرٍ رَأْسُهُ بَيْنَ كَتِفَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَعُمَرُ رَأْسُهُ عِنْدَ رِجْلِ النَّبِيِّ ﷺ »، صَحَّحَهُ الْحَاكِمُ. وَإِذَا فَرَغَ مِنْ الزِّيَارَةِ يَأْتِي الرَّوْضَةَ فَيُكْثِرُ فِيهَا مِنْ الصَّلَاةِ وَالدُّعَاءِ إنْ لَمْ يَكُنْ وَقْتٌ تُكْرَهُ فِيهِ الصَّلَاةُ.
فَفِي الصَّحِيحَيْنِ «مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ» وَفِي رِوَايَةٍ «قَبْرِي وَمِنْبَرِي» وَيَقِفُ عِنْدَ الْمِنْبَرِ وَيَدْعُو، فَفِي الْحَدِيثِ «قَوَاعِدُ مِنْبَرِي رَوَاتِبُ فِي الْجَنَّةِ» وَعَنْهُ ﵊ «مِنْبَرِي عَلَى تُرْعَةٍ مِنْ تُرَعِ الْجَنَّةِ» وَكَانَ السَّلَفُ يَسْتَحِبُّونَ أَنْ يَضَعَ أَحَدُهُمْ يَدَهُ عَلَى رُمَّانَةِ الْمِنْبَرِ النَّبَوِيِّ الَّتِي كَانَ ﵊ يَضَعُ يَدَهُ عَلَيْهَا عِنْدَ الْخُطْبَةِ، وَهُنَاكَ الْآنَ قِطْعَةٌ تُدْخِلُ النَّاسُ أَيْدِيَهُمْ مِنْ طَاقَةٍ فِي الْمِنْبَرِ إلَيْهَا يَتَبَرَّكُونَ بِهَا يُقَالُ إنَّهَا مِنْ بَقَايَا مِنْبَرِهِ ﵊، وَيَجْتَهِدُ أَنْ لَا يَفُوتَهُ مُدَّةَ مَقَامِهِ صَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ. فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ صَلَاةً فِي مَسْجِدِهِ تَعْدِلُ أَلْفَ صَلَاةٍ فِي غَيْرِهِ عَلَى مَا قَدَّمْنَا، وَهَذَا التَّفْضِيلُ مُخْتَصٌّ بِالْفَرَائِضِ.
وَقِيلَ فِي النَّفْلِ أَيْضًا، وَلَعَلَّنَا قَدَّمْنَا مَا يَنْفِيهِ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ، وَقَدْ اُشْتُهِرَ عَنْهُ ﵊ أَنَّ «أَفْضَلَ صَلَاةِ الرَّجُلِ فِي مَنْزِلِهِ إلَّا الْمَكْتُوبَةَ»، وَهَذَا قَالَهُ وَهُوَ فِي الْمَدِينَةِ يُشَافِهُ بِهِ الْحَاضِرِينَ عِنْدَهُ فِي الْمَسْجِدِ وَالْغَائِبِينَ، ثُمَّ هُوَ ﷺ لَمْ يُؤْثَرْ عَنْهُ التَّنَفُّلَ فِي الْمَسْجِدِ بَلْ فِي بَيْتِهِ مِنْ التَّهَجُّدِ وَرَكْعَتَيْ الْفَجْرِ وَغَيْرِهَا، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يُصَلِّ نَافِلَةً إلَّا فِي الْمَسْجِدِ، أَوْ يَكُونُ ذَلِكَ هُوَ الْأَكْثَرُ، وَخِلَافُهُ قَلِيلٌ فِي بَعْضِ الْأَحَايِينِ خُصُوصًا وَمَنْ بَيْتُهُ إلَى الْمَسْجِدِ نَقَلَ قَدَمًا وَاحِدَةً.
وَقَدْ يُقَالُ أَيْضًا إنَّ ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ فِي حَقِّ الرِّجَالِ لِأَنَّهُ ﷺ أَمَرَ الْمَرْأَةَ الَّتِي سَأَلَتْهُ الْحُضُورَ وَالصَّلَاةَ مَعَهُ أَنْ تُصَلِّيَ فِي بَيْتِهَا مَعَ أَنَّ الْخُرُوجَ لَهُنَّ كَانَ مُبَاحًا إذْ ذَاكَ، وَقَدْ قَدَّمْنَا تَخْرِيجَ هَذَا الْحَدِيثِ فِي بَابِ الْإِمَامَةِ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ. فَعُلِمَ أَنَّ إطْلَاقَ الْخُرُوجِ لَهُنَّ إذْ ذَاكَ كَانَ لِيَتَعَلَّمْنَ مَا يُشَاهِدْنَهُ مِنْ آدَابِ الصَّلَاةِ وَحُسْنِ أَدَاءِ النَّاسِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْعِلْمِ وَيَتَعَوَّدْنَ الْمُوَاظَبَةَ وَلَا يَسْتَثْقِلْنَ الصَّلَاةَ فِي الْبَيْتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَصَالِحِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَخْرُجَ كُلَّ يَوْمٍ إلَى الْبَقِيعِ بَقِيعِ الْغَرْقَدِ، فَيَزُورُ الْقُبُورَ الَّتِي بِهَا خُصُوصًا يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَيُبَكِّرُ كَيْ لَا تَفُوتَهُ صَلَاةُ الظُّهْرِ مَعَ الْإِمَامِ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَدْ كَانَ ﷺ يَزُورُهُ «وَقَالَ لِأُمِّ قَيْسٍ بِنْتِ مِحْصَنٍ لَمَّا أَخَذَ بِيَدِهَا فَذَهَبَا إلَيْهِ: تَرَيْنَ هَذِهِ الْمَقْبَرَةَ؟ قُلْتُ نَعَمْ. قَالَ: يُبْعَثُ مِنْهَا سَبْعُونَ أَلْفًا عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ وَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ» وَإِذَا انْتَهَى إلَيْهِ قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَإِنَّا إنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأَهْلِ بَقِيعِ الْغَرْقَدِ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا وَلَهُمْ.
وَيَزُورُ الْقُبُورَ الْمَشْهُورَةَ كَقَبْرِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﵁ وَقَبْرِ الْعَبَّاسِ وَهُوَ فِي قُبَّتِهِ الْمَشْهُورَةِ، وَفِيهَا قَبْرَانِ الْغَرْبِيُّ مِنْهُمَا قَبْرُ الْعَبَّاسِ ﵁ وَالشَّرْقِيُّ قَبْرُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ وَزَيْنُ الْعَابِدِينَ وَوَلَدُهُ مُحَمَّدٌ الْبَاقِرُ وَابْنُهُ جَعْفَرُ الصَّادِقُ ﵃ كُلُّهُمْ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ، وَعِنْدَ بَابِ الْبَقِيعِ عَنْ يَسَارِ الْخَارِجِ قَبْرُ صَفِيَّةَ أُمِّ الزُّبَيْرِ عَمَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَفِيهِ قَبْرُ فَاطِمَةَ بِنْتُ أَسَدٍ أُمُّ عَلِيٍّ ﵄، وَيُصَلِّي فِي مَسْجِدِ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ بِالْبَقِيعِ وَهُوَ الْمَعْرُوفُ بِبَيْتِ الْأَحْزَانِ، وَقِيلَ قَبْرُهَا فِيهِ، وَقِيلَ بَلْ فِي الصُّنْدُوقِ الَّذِي هُوَ أَمَامَ مُصَلَّى الْإِمَامِ فِي الرَّوْضَةِ الشَّرِيفَةِ، وَاسْتَبْعَدَهُ
стр. 1233
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بَعْضُ الْعُلَمَاءِ.
وَقِيلَ إنَّ قَبْرَهَا فِي بَيْتِهَا وَهُوَ فِي مَكَانِ الْمِحْرَابِ الْخَشَبِ الَّذِي خَلْفَ الْحُجْرَةِ الشَّرِيفَةِ دَاخِلَ الدَّارَبْزِينِ قَالَ: وَهُوَ الْأَظْهَرُ. وَبِالْبَقِيعِ قُبَّةٌ يُقَالُ إنَّ فِيهَا قَبْرَ عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَابْنِ أَخِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ. وَالْمَنْقُولُ أَنَّ قَبْرَ عَقِيلٍ فِي دَارِهِ، وَفِيهِ حَظِيرَةٌ مُسْتَهْدَمَةٌ مَبْنِيَّةٌ بِالْحِجَارَةِ يُقَالُ إنَّ فِيهَا قُبُورَ مَنْ دُفِنَ مِنْ أَزْوَاجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ﵅، وَفِيهِ قَبْرُ إبْرَاهِيمَ ابْنِ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ مَدْفُونٌ إلَى جَنْبِ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ، وَدُفِنَ إلَى جَنْبِ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ -. وَعُثْمَانُ هَذَا أَوَّلُ مَنْ دُفِنَ بِالْبَقِيعِ فِي شَعْبَانَ عَلَى رَأْسِ ثَلَاثِينَ شَهْرًا مِنْ الْهِجْرَةِ.
وَيَأْتِي أُحُدًا يَوْمَ الْخَمِيسِ مُبَكِّرًا كَيْ لَا تَفُوتُهُ جَمَاعَةُ الظُّهْرِ بِالْمَسْجِدِ فَيَزُورُ قُبُورَ شُهَدَاءِ أَحَدٍ، وَيَبْدَأُ بِقَبْرِ حَمْزَةَ عَمِّ النَّبِيِّ ﷺ وَيَزُورُ جَبَلَ أُحُدٍ نَفْسَهُ، فَفِي الصَّحِيحِ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «أُحُدٌ جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ» وَفِي رِوَايَةٍ لِابْنِ مَاجَهْ «أَنَّهُ عَلَى تُرْعَةٍ مِنْ تُرَعِ الْجَنَّةِ وَأَنَّ عَيْرًا عَلَى تُرْعَةٍ مِنْ تُرَعِ النَّارِ» وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ «مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ فَوَقَفَ عَلَيْهِ وَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّكُمْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ اللَّهِ فَزُورُوهُمْ وَسَلِّمُوا عَلَيْهِمْ، فَوَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ أَحَدٌ إلَّا رَدُّوا عَلَيْهِ¬ السَّلَامَ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَأْتِيَ مَسْجِدَ قُبَاءَ يَوْمَ السَّبْتِ اقْتِدَاءً بِهِ ﷺ لِأَنَّهُ «كَانَ يَأْتِيهِ فِي كُلِّ سَبْتٍ رَاكِبًا وَمَاشِيًا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَهُوَ أَوَّلُ مَسْجِدٍ وُضِعَ فِي الْإِسْلَامِ، وَأَوَّلُ مَنْ وَضَعَ فِيهِ حَجَرًا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ عُمَرُ ثُمَّ عُثْمَانُ ﵃ وَيَنْوِي زِيَارَتَهُ وَالصَّلَاةَ فِيهِ، فَقَدْ صَحَّ عَنْهُ ﷺ «أَنَّ الصَّلَاةَ فِيهِ كَعُمْرَةٍ» وَيَأْتِي فِي قُبَاءَ بِئْرَ أَرِيسٍ الَّتِي تَفَلَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَفِيهَا سَقَطَ خَاتَمُهُ ﷺ مِنْ عُثْمَانَ ﵁، فَيَتَوَضَّأُ وَيَشْرَبُ وَيَزُورُ مَسْجِدَ الْفَتْحِ وَهُوَ عَلَى قِطْعَةٍ مِنْ جَبَلِ سَلْعٍ مِنْ جِهَةِ الْغَرْبِ فَيَرْكَعُ فِيهِ وَيَدْعُو.
رَوَى جَابِرٌ «أَنَّهُ ﷺ دَعَا فِيهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ عَلَى الْأَحْزَابِ فَاسْتُجِيبَ لَهُ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ». وَالْمَسَاجِدُ الَّتِي هُنَاكَ مِنْهَا مَسْجِدٌ يُقَالُ لَهُ مَسْجِدُ بَنِي ظُفْرٍ وَفِيهِ حَجَرٌ جَلَسَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ ، وَيُقَالُ مَا جَلَسَتْ عَلَيْهِ امْرَأَةٌ تُرِيدُ الْوَلَدَ إلَّا حَبِلَتْ، وَيُقَالُ إنَّ جَمِيعَ الْمَسَاجِدِ وَالْمَشَاهِدِ الْمُفَضَّلَةِ الَّتِي بِالْمَدِينَةِ ثَلَاثُونَ يَعْرِفُهَا أَهْلُ الْمَدِينَةِ، وَيَقْصِدُ الْآبَارَ الَّتِي كَانَ ﷺ يَتَوَضَّأُ مِنْهَا وَيَشْرَبُ وَهِيَ سَبْعَةٌ مِنْهَا بِئْرُ بُضَاعَةَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَصْلٌ)
وَإِذَا عَزَمَ عَلَى الرُّجُوعِ إلَى أَهْلِهِ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُوَدِّعَ الْمَسْجِدَ بِصَلَاةٍ وَيَدْعُوَ بَعْدَهَا بِمَا أَحَبَّ، وَأَنْ يَأْتِيَ الْقَبْرَ الْكَرِيمَ فَيُسَلِّمَ وَيَدْعُوَ بِمَا أَحَبَّ لَهُ وَلِوَالِدَيْهِ وَإِخْوَانِهِ وَأَوْلَادِهِ وَأَهْلِهِ وَمَالِهِ، وَيَسْأَلَ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُوَصِّلَهُ إلَى أَهْلِهِ سَالِمًا غَانِمًا فِي عَافِيَةٍ مِنْ بَلِيَّاتِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَيَقُولَ: غَيْرَ مُوَدَّعٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَيَسْأَلَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يَرُدَّهُ إلَى حَرَمِهِ وَحَرَمِ نَبِيِّهِ فِي عَافِيَةٍ. وَلْيُكْثِرْ دُعَاءَهُ بِذَلِكَ فِي الرَّوْضَةِ الشَّرِيفَةِ عَقِيبَ الصَّلَوَاتِ وَعِنْدَ الْقَبْرِ، وَيَجْتَهِدَ فِي خُرُوجِ الدَّمْعِ فَإِنَّهُ مِنْ أَمَارَاتِ الْقَبُولِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَتَصَدَّقَ بِشَيْءٍ عَلَى جِيرَانِ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ يَنْصَرِفَ
стр. 1234
كِتَابُ النِّكَاحِ
مُتَبَاكِيًا مُتَحَسِّرًا عَلَى فِرَاقِ الْحَضْرَةِ الشَّرِيفَةِ النَّبَوِيَّةِ وَالْقُرْبِ مِنْهَا.
وَمِنْ سُنَنِ الرُّجُوعِ أَنْ يُكَبِّرَ عَلَى كُلِّ شَرَفٍ مِنْ الْأَرْضِ وَيَقُولَ «آيِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ سَاجِدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ، صَدَقَ اللَّهُ وَعْدَهُ. وَنَصَرَ عَبْدَهُ. وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ». وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ عَنْهُ ﷺ ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾. وَلْيَحْذَرْ كُلَّ الْحَذَرِ مِمَّا يَصْدُرُ مِنْ بَعْضِ الْجَهَلَةِ مِنْ إظْهَارِ التَّنَدُّمِ عَلَى السَّفَرِ وَالْعَزْمِ عَلَى عَدَمِ الْعَوْدِ.
وَقَوْلُهُ لِغَيْرِهِ احْذَرْ أَنْ تَعُودَ وَنَحْوَ ذَلِكَ فَهَذَا كُلُّهُ تَعَرُّضٌ لِلْمَقْتِ بَلْ دَلِيلُ عَدَمِ الْقَبُولِ وَالْمَقْتِ فِي الْحَالِ. وَإِذَا أَشْرَفَ عَلَى بَلَدِهِ حَرَّكَ دَابَّتَهُ وَيَقُولُ: آيِبُونَ أَيْضًا إلَخْ.
وَرَوَى النَّسَائِيّ «أَنَّهُ ﵊ لَمْ يَرَ قَرْيَةً يُرِيدُ دُخُولَهَا إلَّا قَالَ حِينَ يَرَاهَا: اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَمَا أَظْلَلْنَ. وَرَبَّ الْأَرَضِينَ السَّبْعِ وَمَا أَقْلَلْنَ، وَرَبَّ الشَّيَاطِينِ وَمَا أَضْلَلْنَ، وَرَبَّ الرِّيَاحِ وَمَا ذَرَيْنَ. فَإِنَّا نَسْأَلُكَ خَيْرَ هَذِهِ الْقَرْيَةِ وَخَيْرَ أَهْلِهَا وَخَيْرَ مَا فِيهَا، وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ أَهْلِهَا وَشَرِّ مَا فِيهَا، وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ اجْعَلْ لِي فِيهَا قَرَارًا وَرِزْقًا حَسَنًا» وَيُرْسِلُ إلَى أَهْلِهِ مَنْ يُخْبِرُهُمْ وَلَا يَبْغَتُهُمْ بِمَجِيئِهِ دَاخِلًا عَلَيْهِمْ، فَإِنَّهُ نَهَى عَنْ ذَلِكَ، وَإِذَا دَخَلَهَا بَدَأَ بِالْمَسْجِدِ فَصَلَّى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ إنْ لَمْ يَكُنْ وَقْتُ كَرَاهَةٍ، ثُمَّ يَدْخُلُ مَنْزِلَهُ وَيُصَلِّي فِيهِ رَكْعَتَيْنِ وَيَحْمَدُ اللَّهَ تَعَالَى وَيَشْكُرُهُ مَا أَوْلَاهُ مِنْ إتْمَامِ الْعِبَادَةِ وَالرُّجُوعِ بِالسَّلَامَةِ، وَيُدِيمُ حَمْدَهُ وَشُكْرَهُ مُدَّةَ حَيَاتِهِ، وَيَجْتَهِدُ فِي مُجَانَبَةِ مَا يُوجِبُ الْإِحْبَاطَ فِي بَاقِي عُمُرِهِ. وَعَلَامَةُ الْحَجِّ الْمَبْرُورِ أَنْ يَعُودَ خَيْرًا مِمَّا كَانَ قَبْلُ.
(قَالَ الْمُصَنِّفُ مَتَّعَ اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ بِوُجُودِهِ)
وَهَذَا تَمَامُ مَا يَسَّرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ لِعَبْدِهِ الضَّعِيفِ مِنْ رُبْعِ الْعِبَادَاتِ. أَسْأَلُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ ذَا الْجُودِ الْعَمِيمِ أَنْ يُحَقِّقَ لِي فِيهِ الْإِخْلَاصَ وَيَجْعَلَهُ نَافِعًا لِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ. إنَّهُ عَلَى كُلِّ مَا يَشَاءُ قَدِيرٌ وَبِالْإِجَابَةِ جَدِيرٌ. وَالْآنَ أَشْرَعُ بَرِيئًا مِنْ الْحَوْلِ وَالْقُوَّةِ مُفْتَتِحًا كِتَابَ النِّكَاحِ. سَائِلًا مِنْ فَضْلِهِ تَعَالَى أَنْ يَمُنَّ عَلَيَّ بِخَتْمِ الرُّبْعِ الثَّانِي وَإِكْمَالِ مَقَاصِدِهِ عَلَى وَجْهٍ يَرْضَاهُ وَيَرْضَى بِهِ عَنْ عَبْدِهِ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ. وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ صَاحِبِ الشَّرْعِ الْقَوِيمِ وَالصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ.
كِتَابُ النِّكَاحِ
هُوَ أَقْرَبُ إلَى الْعِبَادَاتِ حَتَّى إنَّ الِاشْتِغَالَ بِهِ أَفْضَلُ مِنْ التَّخَلِّي عَنْهُ لِمَحْضِ الْعِبَادَةِ عَلَى مَا نُبَيِّنُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَلِذَا أَوْلَاهُ الْعِبَادَاتُ
وَالْجِهَادُ وَإِنْ كَانَ عِبَادَةً إلَّا أَنَّ النِّكَاحَ سَبَبٌ لِمَا هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْهُ وَزِيَادَةٌ فَإِنَّهُ سَبَبٌ لِوُجُودِ الْمُسْلِمِ وَالْإِسْلَامِ، وَالْجِهَادُ سَبَبٌ لِوُجُودِ الْإِسْلَامِ فَقَطْ، كَذَا قِيلَ. وَالْحَقُّ أَنَّ الْجِهَادَ أَيْضًا سَبَبٌ لَهُمَا إذْ نَقْلُ الْمَوْصُوفِ مِنْ صِفَةٍ إلَى صِفَةٍ: أَعْنِي مِنْ الْكُفْرِ إلَى الْإِسْلَامِ يُصَحِّحُ قَوْلَنَا إنَّهُ سَبَبٌ لِوُجُودِ الْمُسْلِمِ وَالْإِسْلَامِ، فَالْحَقُّ اشْتِرَاكُهُمَا فِي ذَلِكَ لَكِنْ لَا نِسْبَةَ بَيْنَهُمَا فِي تَحْصِيلِ ذَلِكَ، فَإِنَّ مَا يَحْصُلُ بِأَنْكِحَةِ أَفْرَادِ الْمُسْلِمِينَ مِنْهُ أَضْعَافُ مَا يَحْصُلُ
стр. 1235
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بِالْقِتَالِ، إذْ الْغَالِبُ حُصُولُ الْقَتْلِ بِهِ أَوْ الذِّمَّةُ دُونَ إسْلَامِ أَهْلِ الدَّارِ فَقُدِّمَ لِلْأَكْثَرِيَّةِ فِي ذَلِكَ.
وَأَمَّا مِنْ أَوْلَى الْعِبَادَات الْبُيُوعُ فَنَظَرٌ إلَى بَسَاطَتِهِ بِالنِّسْبَةِ إلَى النِّكَاحِ بِاعْتِبَارِ تَمَحُّضِ مَعْنَى الْمُعَامَلَةِ فِيهِ بِخِلَافِ النِّكَاحِ. وَلَيْسَ أَحَدٌ يَعْجِزُ فِي إبْدَاءِ وَجْهِ تَقْدِيمِ مَعْنًى عَلَى مَعْنًى، فَإِنَّ كُلَّ مَعْنًى لَهُ خُصُوصِيَّةٌ لَيْسَتْ فِي الْآخَرِ، فَالْمُقَدِّمُ يَعْتَبِرُ مَا لِمَا قَدَّمَهُ وَيَسْكُتُ عَمَّا لِمَا أَخَّرَهُ، وَالْعَاكِسُ يَعْكِسُ ذَلِكَ النَّظَرَ، وَإِنَّمَا إبْدَاءُ وَجْهِ أَوْلَوِيَّةِ تَقْدِيمِ هَذَا عَلَى ذَلِكَ هُوَ التَّحْقِيقُ، وَهُوَ يَسْتَدْعِي النَّظَرَ بَيْنَ الْخُصُوصِيَّتَيْنِ أَيُّهُمَا يَقْتَضِي أَوْ أَكْثَرُ اقْتِضَاءً لِلتَّقْدِيمِ، وَقَدْ يُفْضِي إلَى تَكْثِيرِ جِهَاتِ كُلِّ وَاحِدٍ وَخُصُوصِيَّاتِهِ وَيَسْتَدْعِي تَطْوِيلًا مَعَ قِلَّةِ الْجَدْوَى، فَالِاقْتِصَارُ فِي ذَلِكَ أَدْخَلُ فِي طَرِيقَةِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالتَّحْصِيلِ، وَلَا بُدَّ فِي تَحْصِيلِ زِيَادَةِ الْبَصِيرَةِ فِيمَا نَشْرَعُ فِيهِ مِنْ تَقْدِيمٍ تَحْصِيلُ أُمُورٍ: الْأَمْرِ الْأَوَّلِ مَفْهُومُهُ لُغَةً، قِيلَ هُوَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْوَطْءِ وَالْعَقْدِ اشْتِرَاكًا لَفْظِيًّا، وَقِيلَ حَقِيقَةٌ فِي الْعَقْدِ مَجَازٌ فِي الْوَطْءِ، وَقِيلَ بِقَلْبِهِ وَعَلَيْهِ مَشَايِخُنَا ﵏ صَرَّحُوا بِهِ وَصَرَّحُوا بِأَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الضَّمِّ، وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ كَلَامَيْهِمْ لِأَنَّ الْوَطْءَ مِنْ أَفْرَادِ الضَّمِّ، وَالْمَوْضُوعُ لِلْأَعَمِّ حَقِيقَةٌ فِي كُلٍّ مِنْ أَفْرَادِهِ كَإِنْسَانٍ فِي زَيْدٍ لَا يَعْرِفُ الْقُدَمَاءُ غَيْرَ هَذَا إلَى أَنْ حَدَثَ التَّفْصِيلُ بَيْنَ أَنْ يُرَادَ بِهِ خُصُوصُ الشَّخْصِ بِعَيْنِهِ، يَجْعَلُ خُصُوصَ عَوَارِضِهِ الْمُشَخِّصَةِ مُرَادًا مَعَ الْمَعْنَى الْأَعَمِّ بِلَفْظِ الْأَعَمِّ فَيَكُونُ مَجَازًا وَإِلَّا فَحَقِيقَةٌ، وَكَأَنَّ هَذِهِ الْإِرَادَةَ قَلَّمَا تَخْطِرُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ حَتَّى تَرَكَ الْأَقْدَمُونَ تَقْدِيرَ ذَلِكَ التَّفْصِيلِ بَلْ الْمُتَبَادَرُ مِنْ مُرَادِ مَنْ يَقُولُ لِزَيْدٍ يَا إنْسَانُ يَا مَنْ يَصْدُقُ عَلَيْهِ هَذَا اللَّفْظُ لَا يُلَاحِظُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَيَكُونُ الْمُشْتَرَكُ الْمَعْنَوِيُّ حَقِيقَةً فِيهِمَا.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُتَحَقِّقَ الِاسْتِعْمَالُ فِي كُلٍّ مِنْ هَذِهِ الْمَعَانِي. فَفِي الْوَطْءِ قَوْلُهُ ﷺ «وُلِدْتُ مِنْ نِكَاحٍ لَا مِنْ سِفَاحٍ» أَيْ مِنْ وَطْءٍ حَلَالٍ لَا مِنْ وَطْءٍ حَرَامٍ. وَقَوْلُهُ «يَحِلُّ لِلرَّجُلِ مِنْ امْرَأَتِهِ الْحَائِضِ كُلُّ شَيْءٍ إلَّا النِّكَاحَ» وَقَوْلُ الشَّاعِرِ:
وَمِنْ أَيْمٍ قَدْ أَنْكَحَتْهَا رِمَاحُنَا … وَأُخْرَى عَلَى خَالٍ وَعَمٍّ تَلْهَفُ
وَقَوْلُهُ:
وَمَنْكُوحَةٌ غَيْرُ مَمْهُورَةٍ
وَقَوْلُ الْآخَرِ:
التَّارِكِينَ عَلَى طُهْرِ نِسَاءَهُمْ … وَالنَّاكِحِينَ بِشَطَّيْ دِجْلَةَ الْبَقَرَا
وَفِي الْعَقْدِ قَوْلُ الْأَعْشَى:
وَلَا تَقْرَبَن جَارَةً إنَّ سَرَّهَا … عَلَيْك حَرَامٌ فَانْكِحْنَ أَوْ تَأَبَّدَا
وَفِي الْمَعْنَى الْأَعَمِّ قَوْلُ الْقَائِلِ:
ضَمَمْت إلَى صَدْرِي مُعَطَّرَ صَدْرِهَا … كَمَا نَكَحَتْ أُمُّ الْغُلَامِ صَبِيَّهَا
أَيْ ضَمَّتْهُ، وَقَوْلُ أَبِي الطَّيِّبِ:
أَنْكَحْت صُمْ حَصَاهَا خُفَّ يَعْمُلَةٍ … تَغَشْرَمَتْ بِي إلَيْك السَّهْلَ وَالْجَبَلَا
فَمُدَّعِي الِاشْتِرَاكِ اللَّفْظِيِّ يَقُولُ تَحَقُّقُ الِاسْتِعْمَالِ وَالْأَصْلُ الْحَقِيقَةُ.
وَالثَّانِي: يَقُولُ كَوْنُهُ مَجَازًا فِي أَحَدِهِمَا حَقِيقَةٌ فِي الْآخَرِ حَيْثُ أَمْكَنَ أَوْلَى مِنْ الِاشْتِرَاكِ ثُمَّ يَدَّعِي تَبَادُرَ الْعَقْدِ عِنْدَ إطْلَاقِ لَفْظِ النِّكَاحِ دُونَ الْوَطْءِ وَيُحِيلُ فَهْمَ الْوَطْءِ مِنْهُ حَيْثُ فُهِمَ عَلَى الْقَرِينَةِ، فَفِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ هِيَ عَطْفُ السِّفَاحِ بَلْ يَصِحُّ حَمْلُ النِّكَاحِ فِيهِ عَلَى الْعَقْدِ وَإِنْ كَانَ
стр. 1236
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الْوِلَادَةَ بِالذَّاتِ مِنْ الْوَطْءِ، وَفِي الْحَدِيثِ الثَّانِي إضَافَةُ الْمَرْأَةِ إلَى ضَمِيرِ الرَّجُلِ، فَإِنَّ امْرَأَتَهُ هِيَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهَا فَيَلْزَمُ إرَادَةُ الْوَطْءِ مِنْ النِّكَاحِ الْمُسْتَثْنَى وَإِلَّا فَسَدَ الْمَعْنَى إذْ يَصِيرُ يَحِلُّ مِنْ الْمَعْقُودِ عَلَيْهَا كُلُّ شَيْءٍ إلَّا الْعَقْدَ، وَفِي الْأَبْيَاتِ الْإِضَافَةُ إلَى الْبَقَرِ وَنَفْيُ الْمَهْرِ وَالْإِسْنَادُ إلَى الرِّمَاحِ، إذْ يُسْتَفَادُ أَنَّ الْمُرَادَ وَطْءُ الْبَقَرِ وَالْمَسْبِيَّاتِ.
وَالْجَوَابُ مَنْعُ تَبَادُرِ الْعَقْدِ عِنْدَ إطْلَاقِ لَفْظِ النِّكَاحِ لُغَةً بَلْ ذَلِكَ فِي الْمَفْهُومِ الشَّرْعِيِّ الْفِقْهِيِّ. وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ فَهْمَ الْوَطْءِ فِيمَا ذُكِرَ مُسْتَنِدٌ إلَى الْقَرِينَةِ وَإِنْ كَانَتْ مَوْجُودَةً، إذْ وُجُودُ قَرِينَةٍ يُؤَيِّدُ إرَادَةَ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ مِمَّا يَثْبُتُ مَعَ إرَادَةِ الْحَقِيقِيِّ فَلَا يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ كَوْنَ الْمَعْنَى مَجَازِيًّا بَلْ الْمُعْتَبَرُ تَجْرِيدُ النَّظَرِ إلَى الْقَرِينَةِ إنْ عُرِفَ أَنَّهُ لَوْلَاهَا لَمْ يَدُلَّ اللَّفْظُ عَلَى مَا عَيَّنَتْهُ فَهُوَ مَجَازٌ وَإِلَّا فَلَا، وَنَحْنُ فِي هَذِهِ الْمَوَادِّ الْمَذْكُورَةِ نَفْهَمُ الْوَطْءَ قَبْلَ طَلَبِ الْقَرِينَةِ وَالنَّظَرِ فِي وَجْهِ دَلَالَتِهَا فَيَكُونُ اللَّفْظُ حَقِيقَةً وَإِنْ كَانَ مَقْرُونًا بِمَا إذَا نَظَرَ فِيهِ اسْتَدْعَى إرَادَةَ ذَلِكَ الْمَعْنَى.
أَلَا يَرَى أَنَّ مَا ادَّعُوا فِيهِ الشَّهَادَةَ عَلَى أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الْعَقْدِ مِنْ بَيْتِ الْأَعْشَى فِيهِ قَرِينَةٌ تُفِيدُ الْعَقْدَ أَيْضًا، فَإِنَّ قَوْلَهُ فَلَا تَقْرَبَن جَارَةً نَهْيٌ عَنْ الزِّنَا بِدَلِيلِ إنَّ سَرَّهَا عَلَيْك حَرَامٌ فَيَلْزَمُ أَنَّ قَوْلَهُ فَانْكِحْنَ أَمْرٌ بِالْعَقْدِ: أَيْ فَتَزَوَّجْ إنْ كَانَ الزِّنَا عَلَيْك حَرَامًا أَوْ تَأَبَّدْ، أَيْ تَوَحَّشْ: أَيْ كُنْ مِنْهَا كَالْوَحْشِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْآدَمِيَّاتِ فَلَا يَكُنْ مِنْك قُرْبَانٌ لَهُنَّ كَمَا لَا يَقْرَبهُنَّ وَحْشِيٌّ، وَلَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ فِي الْعَقْدِ حَقِيقَةً عِنْدَهُمْ فِي هَذَا الْبَيْتِ إذْ هُمْ لَا يَقُولُونَ بِأَنَّهُ مَجَازٌ فِي هَذَا الْبَيْتِ، وَأَمَّا ادِّعَاءُ أَنَّهُ فِي الْحَدِيثِ لِلْعَقْدِ فَيَسْتَلْزِمُ التَّجَوُّزَ فِي نِسْبَةِ الْوِلَادَةِ إلَيْهِ لِأَنَّ الْعَقْدَ إنَّمَا هُوَ سَبَبُ السَّبَبِ، فَفِيهِ دَعْوَى حَقِيقَةٌ بِالْخُرُوجِ عَنْ حَقِيقَةٍ وَهُوَ تَرْجِيحٌ بِلَا مُرَجِّحٍ لَوْ كَانَا سَوَاءً، فَكَيْفَ وَالْأَنْسَبُ كَوْنُهُ فِي الْوَطْءِ لِيَتَحَقَّقَ التَّقَابُلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السِّفَاحِ، إذْ يَصِيرُ الْمَعْنَى مِنْ وَطْءٍ حَلَالٍ لَا مِنْ وَطْءٍ حَرَامٍ فَيَكُونُ عَلَى خَاصٍّ مِنْ الْوَطْءِ، وَالدَّالُّ عَلَى الْخُصُوصِيَّةِ لَفْظُ السِّفَاحِ أَيْضًا فَثَبَتَ إلَى هُنَا أَنَّا لَمْ نَزِدْ عَلَى ثُبُوتِ مُجَرَّدِ الِاسْتِعْمَالِ شَيْئًا يَجِبُ اعْتِبَارُهُ.
وَقَدْ عَلِمَ ثُبُوتَ الِاسْتِعْمَالِ أَيْضًا فِي الضَّمِّ، فَبِاعْتِبَارِهِ حَقِيقَةً فِيهِ يَكُونُ مُشْتَرَكًا مَعْنَوِيًّا مِنْ أَفْرَادِهِ الْوَطْءُ وَالْعَقْدُ إنْ اعْتَبَرْنَا الضَّمَّ أَعَمَّ مِنْ ضَمِّ الْجِسْمِ إلَى الْجِسْمِ وَالْقَوْلِ إلَى الْقَوْلِ أَوْ الْوَطْءِ فَقَطْ فَيَكُونُ مَجَازًا فِي الْعَقْدِ لِأَنَّهُ إذَا دَارَ بَيْنَ الْمَجَازِ وَالِاشْتِرَاكِ اللَّفْظِيِّ كَانَ الْمَجَازُ أَوْلَى مَا لَمْ يَثْبُتْ صَرِيحًا خِلَافُهُ، وَلَمْ يَثْبُتْ نَقْلُ ذَلِكَ بَلْ قَالُوا: نَقَلَ الْمُبَرِّدُ عَنْ الْبَصْرِيِّينَ وَغُلَامُ ثَعْلَبَ الشَّيْخِ أَبُو عُمَرَ الزَّاهِدُ عَنْ الْكُوفِيِّينَ أَنَّهُ الْجَمْعُ وَالضَّمُّ، ثُمَّ الْمُتَبَادِرُ مِنْ لَفْظِ الضَّمِّ تَعَلُّقُهُ بِالْأَجْسَامِ لَا الْأَقْوَالِ لِأَنَّهَا أَعْرَاضٌ يَتَلَاشَى الْأَوَّلُ مِنْهَا قَبْلَ وُجُودِ الثَّانِي، فَلَا يُصَادِفُ الثَّانِي مَا يَنْضَمُّ إلَيْهِ فَوَجَبَ كَوْنُهُ مَجَازًا فِي الْعَقْدِ، ثُمَّ أَفْرَادُ الضَّمِّ تَخْتَلِفُ بِالشِّدَّةِ فَيَكُونُ لَفْظُ النِّكَاحِ مِنْ قَبِيلِ الْمُشَكِّكِ.
الْأَمْرِ الثَّانِي مَفْهُومِهِ اصْطِلَاحًا وَهُوَ عَقْدٌ وُضِعَ لِتَمَلُّكِ الْمُتْعَةِ بِالْأُنْثَى قَصْدًا، وَالْقَيْدُ الْأَخِيرُ لِإِخْرَاجِ شِرَاءِ الْأَمَةِ لِلتَّسَرِّي، وَالْمُرَادُ وَضْعُ الشَّارِعِ لَا وَضْعُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ لَهُ وَإِلَّا وَرَدَ عَلَيْهِ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الشِّرَاءِ قَدْ لَا يَكُونُ إلَّا الْمُتْعَةُ. وَاعْلَمْ أَنَّ مِنْ الشَّارِحِينَ مَنْ يُعَبِّرُ عَنْ هَذَا بِتَفْسِيرِهِ شَرْعًا.
وَيَجِبُ أَنْ يُرَادَ عُرْفُ أَهْلِ الشَّرْعِ وَهُوَ مَعْنَى الِاصْطِلَاحِ الَّذِي عَبَّرْنَا بِهِ لَا أَنَّ الشَّارِعَ نَقَلَهُ فَإِنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ، وَإِنَّمَا تَكَلَّمَ بِهِ الشَّارِعُ
стр. 1237
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عَلَى وَفْقِ اللُّغَةِ فَلِذَا حَيْثُ وَرَدَ فِي الْكِتَابِ أَوْ السُّنَّةِ مُجَرَّدًا عَنْ الْقَرَائِنِ نَحْمِلُهُ عَلَى الْوَطْءِ كَمَا فِي قَوْلِهِ ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ حَتَّى أَثْبَتُوا بِهَا حُرْمَةَ مَنْ زَنَا بِهَا الْأَبُ عَلَى الِابْنِ.
وَقَوْلُ قَاضِي خَانْ: إنَّهُ فِي اللُّغَةِ وَالشَّرْعِ حَقِيقَةٌ فِي الْوَطْءِ مَجَازٌ فِي الْعَقْدِ، وَقَوْلُ صَاحِبِ الْمُجْتَبَى: هُوَ فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ الْعَقْدُ يُوَافِقُ مَا بَيَّنَّا. وَالْمُرَادُ بِالْعَقْدِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ نِكَاحًا أَوْ غَيْرَهُ مَجْمُوعُ إيجَابِ أَحَدِ الْمُتَكَلِّمِينَ مَعَ قَبُولِ الْآخَرِ، سَوَاءٌ كَانَا بِاللَّفْظَيْنِ الْمَشْهُورَيْنِ مِنْ زَوَّجْتُ أَوْ تَزَوَّجْتُ أَوْ غَيْرِهِمَا مِمَّا سَنَذْكُرُ أَوْ كَلَامِ الْوَاحِدِ الْقَائِمِ مَقَامَهُمَا: أَعْنِي الْمُتَوَلِّيَ الطَّرَفَيْنِ. وَقَوْلُ الْوَرْسَكِيِّ: إنَّهُ مَعْنَى يُحِلُّ الْمَحَلَّ فَيَتَغَيَّرُ بِهِ وَزَوَّجْت وَتَزَوَّجْت آلَةُ انْعِقَادِهِ إطْلَاقٌ لَهُ عَلَى حُكْمِهِ فَإِنَّ الْمَعْنَى الَّذِي يَتَغَيَّرُ بِهِ حَالُ الْمَحَلِّ مِنْ الْحِلِّ وَالْحُرْمَةِ هُوَ حُكْمُ الْعَقْدِ، وَقَدْ صَرَّحَ بِإِخْرَاجِ اللَّفْظَيْنِ عَنْ مُسَمَّاهُ وَهُوَ اصْطِلَاحٌ آخَرُ غَيْرُ مَشْهُورٍ.
الْأَمْرِ الثَّالِثِ سَبَبِ شَرْعِيَّتِهِ تَعَلُّقُ الْبَقَاءِ الْمُقَدَّرِ فِي الْعِلْمِ الْأَزَلِيِّ عَلَى الْوَجْهِ الْأَكْمَلِ، وَإِلَّا فَيُمْكِنُ بَقَاءُ النَّوْعِ بِالْوَطْءِ عَلَى غَيْرِ الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ لَكِنَّهُ مُسْتَلْزِمٌ لِلتَّظَالُمِ وَالسَّفْكِ وَضَيَاعِ الْأَنْسَابِ، بِخِلَافِهِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ. الْأَمْرِ الرَّابِعِ شَرْطِهِ الْخَاصِّ بِهِ سَمَاعُ اثْنَيْنِ بِوَصْفٍ خَاصٍّ يُذْكَرْ، وَأَمَّا الْمَحَلِّيَّةُ فَمِنْ الشُّرُوطِ الْعَامَّةِ وَتَخْتَلِفُ بِحَسَبِ الْأَشْيَاءِ وَالْأَحْكَامِ كَمَحَلِّيَّةِ الْبَيْعِ لِلْبَيْعِ وَالْأُنْثَى لِلنِّكَاحِ. الْأَمْرِ الْخَامِسِ: شَرْطِهِ الَّذِي لَا يَخُصُّهُ الْأَهْلِيَّةُ بِالْعَقْلِ وَالْبُلُوغِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُرَادَ فِي الْوَلِيِّ لَا فِي الزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ وَلَا فِي مُتَوَلِّي الْعَقْدِ، فَإِنَّ تَزْوِيجَ الصَّغِيرِ وَالصَّغِيرَةِ جَائِزٌ، وَتَوْكِيلَ الصَّبِيِّ الَّذِي يَعْقِلُ الْعَقْدَ وَيَقْصِدُهُ جَائِزٌ عِنْدَنَا فِي الْبَيْعِ، فَصِحَّتُهُ هُنَا أَوْلَى لِأَنَّهُ مَحْضُ سَفِيرٍ، وَأَمَّا الْحُرِّيَّةُ فَشَرْطُ النَّفَاذِ بِلَا إذْنِ أَحَدٍ. الْأَمْرِ السَّادِسِ رُكْنِهِ. وَهُوَ الْجِنْسُ الْمُقَيَّدُ فِي التَّعْرِيفِ. الْأَمْرِ السَّابِعِ حُكْمِهِ حِلُّ اسْتِمْتَاعِ كُلٍّ مِنْهُمَا بِالْآخَرِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَأْذُونِ فِيهِ شَرْعًا، فَخَرَجَ الْوَطْءُ فِي الدُّبُرِ وَحُرْمَةُ الْمُصَاهَرَةِ وَمِلْكِ كُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى الْآخَرِ بَعْضَ الْأَشْيَاءِ مِمَّا سَيَرِدُ فِي أَثْنَاءِ الْكِتَابِ.
الْأَمْرِ الثَّامِنِ صِفَتِهِ، أَمَّا فِي حَالِ التَّوَقَانِ قَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ وَاجِبٌ بِالْإِجْمَاعِ لِأَنَّهُ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَوْ يَخَافُ الْوُقُوعَ فِي الْحَرَامِ، وَفِي النِّهَايَةِ: إنْ كَانَ لَهُ خَوْفُ الْوُقُوعِ فِي الزِّنَا بِحَيْثُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ التَّحَرُّزِ إلَّا بِهِ كَانَ فَرْضًا اهـ.
وَيُمْكِنُ الْحَمْلُ عَلَى اخْتِلَافِ الْمُرَادِ فَإِنَّهُ قَيَّدَ الْخَوْفَ الْوَاقِعَ سَبَبًا لِلِافْتِرَاضِ بِكَوْنِهِ بِحَيْثُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ التَّحَرُّزِ إلَّا بِهِ وَلَمْ يُقَيِّدْ بِهِ فِي الْعِبَارَةِ الْأُولَى، وَلَيْسَ الْخَوْفُ مُطْلَقًا يَسْتَلْزِمُ بُلُوغَهُ إلَى عَدَمِ التَّمَكُّنِ فَلْيَكُنْ عِنْدَ ذَلِكَ الْمَبْلَغِ فَرْضًا وَإِلَّا فَوَاجِبٌ. هَذَا مَا لَمْ يُعَارِضْهُ خَوْفُ الْجَوْرِ، فَإِنْ عَارَضَهُ كُرِهَ. قِيلَ: لِأَنَّ النِّكَاحَ إنَّمَا شُرِعَ لِتَحْصِينِ النَّفْسِ وَتَحْصِيلِ الثَّوَابِ بِالْوَلَدِ الَّذِي يَعْبُدُ اللَّهَ تَعَالَى. وَاَلَّذِي يَخَافُ الْجَوْرَ يَأْثَمُ وَيَرْتَكِبُ الْمُحَرَّمَاتِ فَتَنْعَدِمُ الْمَصَالِحُ لِرُجْحَانِ هَذِهِ الْمَفَاسِدِ، وَقَضِيَّتُهُ الْحُرْمَةُ إلَّا أَنَّ النُّصُوصَ لَا تَفْصِلُ فَقُلْنَا بِالشَّبَهَيْنِ اهـ.
وَيَنْبَغِي تَفْصِيلُ خَوْفِ الْجَوْرِ كَتَفْصِيلِ خَوْفِ الزِّنَا، فَإِنْ بَلَغَ مَبْلَغَ مَا اُفْتُرِضَ فِيهِ النِّكَاحُ حَرُمَ وَإِلَّا كُرِهَ كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِي الْبَدَائِعِ: قَيَّدَ الِافْتِرَاضَ فِي التَّوَقَانِ بِمِلْكِ الْمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ، فَإِنَّ مَنْ تَاقَتْ نَفْسُهُ بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُهُ الصَّبْرُ عَنْهُنَّ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى الْمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ وَلَمْ يَتَزَوَّجْ يَأْثَمُ، وَصَرَّحَ قَبْلَهُ بِالِافْتِرَاضِ فِي حَالَةِ التَّوَقَانِ.
وَأَمَّا فِي حَالَةِ الِاعْتِدَالِ فَدَاوُد وَأَتْبَاعُهُ مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ عَلَى أَنَّهُ فَرْضُ عَيْنٍ عَلَى الْقَادِرِ عَلَى الْوَطْءِ وَالْإِنْفَاقِ تَمَسُّكًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ الْآيَةَ، «وَقَوْلُهُ ﷺ لِعَكَّافِ بْنِ وَدَاعَةَ الْهِلَالِيِّ: أَلَكَ زَوْجَةٌ يَا عَكَّافُ؟ قَالَ لَا، قَالَ: وَلَا جَارِيَةٌ؟ قَالَ لَا، قَالَ: وَأَنْتَ صَحِيحٌ مُوسِرٌ؟ قَالَ: نَعَمْ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، قَالَ:
стр. 1238
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فَأَنْتَ إذًا مِنْ إخْوَانِ الشَّيَاطِينِ، إمَّا أَنْ تَكُونَ مِنْ رُهْبَانِ النَّصَارَى فَأَنْتَ مِنْهُمْ، وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ مِنَّا فَاصْنَعْ كَمَا نَصْنَعُ، وَإِنَّ مِنْ سُنَّتِنَا النِّكَاحَ، شِرَارُكُمْ عُزَّابُكُمْ، وَأَرَاذِلُ مَوْتَاكُمْ عُزَّابُكُمْ، وَيْحَك يَا عَكَّافُ تَزَوَّجْ، قَالَ: فَقَالَ عَكَّافٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي لَا أَتَزَوَّجُ حَتَّى تُزَوِّجَنِي مَنْ شِئْتَ، قَالَ: فَقَالَ ﷺ : فَقَدْ زَوَّجْتُكَ عَلَى اسْمِ اللَّهِ وَالْبَرَكَةِ كَرِيمَةَ بِنْتَ كُلْثُومٍ الْحِمْيَرِيِّ» رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى فِي مُسْنَدٍ مِنْ طَرِيقِ بَقِيَّةَ، وَقَوْلُهُ ﷺ «تَنَاكَحُوا تَنَاسَلُوا تَكْثُرُوا فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمْ الْأُمَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
وَاخْتَلَفَ مَشَايِخُنَا، فَقِيلَ فَرْضُ كِفَايَةٍ لِلدَّلِيلِ الْأَوَّلِ وَالْأَخِيرِ، وَتَعْلِيقُ الْحُكْمِ بِالْعَامِّ لَا يَنْفِي كَوْنَهُ عَلَى الْكِفَايَةِ لِأَنَّ الْوُجُوبَ فِي الْكِفَايَةِ عَلَى الْكُلِّ وَالْمُعَرَّفِ لِكَوْنِهِ يَسْقُطُ بِفِعْلِ الْبَعْضِ مَعْرِفَةُ سَبَبِ شَرْعِيَّتِهِ، فَإِنْ كَانَ بِحَيْثُ يَحْصُلُ بِفِعْلِ الْبَعْضِ كَانَ عَلَى الْكِفَايَةِ، وَقَدْ عَقَلْنَا أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْإِيجَابِ تَكْثِيرُ الْمُسْلِمِينَ بِالطَّرِيقِ الشَّرْعِيِّ وَعَدَمُ انْقِطَاعِهِمْ، وَلِذَا صَرَّحَ بِالْعِلَّةِ حَيْثُ قَالَ ﷺ «تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمْ الْأُمَمَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَهَذَا يَحْصُلُ بِفِعْلِ الْبَعْضِ.
وَأَمَّا حَدِيثُ عَكَّافٍ فَإِيجَابٌ عَلَى مُعَيَّنٍ فَيَجُوزُ كَوْنُ سَبَبِ الْوُجُوبِ تَحَقَّقَ فِي حَقِّهِ. وَقِيلَ: وَاجِبٌ عَلَى الْكِفَايَةِ لِمَا أَنَّ الثَّابِتَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ الظَّنُّ وَالْآيَةُ لَمْ تُسَقْ إلَّا لِبَيَانِ الْعَدَدِ الْمُحَلَّلِ عَلَى مَا عُرِفَ فِي الْأُصُولِ. وَقِيلَ مُسْتَحَبٌّ.
وَقِيلَ إنَّهُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ وَهُوَ الْأَصَحُّ. وَهُوَ مَحْمَلُ قَوْلِ مَنْ أَطْلَقَ الِاسْتِحْبَابَ. وَكَثِيرًا مَا يَتَسَاهَلُ فِي إطْلَاقِ الْمُسْتَحَبِّ عَلَى السُّنَّةِ.
وَنُقِلَ عَنْ الشَّافِعِيِّ ﵀ أَنَّهُ مُبَاحٌ، وَأَنَّ التَّجَرُّدَ لِلْعِبَادَةِ أَفْضَلُ مِنْهُ، وَحَقِيقَةُ أَفْضَلَ يَنْفِي كَوْنَهُ مُبَاحًا إذْ لَا فَضْلَ فِي الْمُبَاحِ. وَالْحَقُّ أَنَّهُ إنْ اقْتَرَنَ بِنِيَّةٍ كَانَ ذَا فَضْلٍ، وَالتَّجَرُّدُ أَفْضَلُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ مَدَحَ يَحْيَى ﵇ بِعَدَمِ إتْيَانِ النِّسَاءِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ لِأَنَّ هَذَا مَعْنَى الْحَصُورِ.
وَحِينَئِذٍ فَإِذَا اسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِمِثْلِ قَوْلِهِ ﷺ «مَنْ أَرَادَ أَنْ يَلْقَى اللَّهَ طَاهِرًا مُطَهَّرًا فَلْيَتَزَوَّجْ الْحَرَائِرَ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. وَبِقَوْلِهِ ﷺ «أَرْبَعٌ مِنْ سُنَنِ الْمُرْسَلِينَ: الْحِنَّاءُ، وَالتَّعَطُّرُ. وَالسِّوَاكُ، وَالنِّكَاحُ»
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَبِقَوْلِهِ ﷺ «أَرْبَعٌ مَنْ أُعْطِيهِنَّ فَقَدْ أُعْطِيَ خَيْرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ: قَلْبًا شَاكِرًا، وَلِسَانًا ذَاكِرًا، وَبَدَنًا عَلَى الْبَلَاءِ صَابِرًا، وَزَوْجَةً لَا تَبْغِيهِ حُوبًا فِي نَفْسِهَا وَمَالِهِ» رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ وَالْأَوْسَطِ، وَإِسْنَادُ أَحَدِهِمَا جَيِّدٌ. لَهُ أَنْ يَقُولَ فِي الْجَوَابِ لَا أُنْكِرُ الْفَضِيلَةَ مَعَ حُسْنِ النِّيَّةِ وَإِنَّمَا أَقُولُ التَّخَلِّي لِلْعِبَادَةِ أَفْضَلُ. فَالْأَوْلَى فِي جَوَابِهِ التَّمَسُّكُ بِحَالِهِ ﷺ فِي نَفْسِهِ وَرَدُّهُ عَلَى مَنْ أَرَادَ مِنْ أُمَّتِهِ التَّخَلِّيَ لِلْعِبَادَةِ، فَإِنَّهُ صَرِيحٌ فِي عَيْنِ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ وَهُوَ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ قَدْ سَأَلُوا أَزْوَاجَهُ عَنْ عَمَلِهِ فِي السِّرِّ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا أَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا آكُلُ اللَّحْمَ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا أَنَامُ عَلَى فِرَاشٍ فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَقَالَ: مَا بَالُ أَقْوَامٍ قَالُوا كَذَا وَكَذَا، لَكِنِّي أُصَلِّي وَأَنَامُ وَأَصُومُ وَأُفْطِرُ وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» فَرَدَّ هَذَا الْحَالَ رَدًّا مُؤَكَّدًا حَتَّى تَبْرَأَ مِنْهُ.
وَبِالْجُمْلَةِ فَالْأَفْضَلِيَّةُ فِي الِاتِّبَاعِ لَا فِيمَا يُخَيَّلُ لِلنَّفْسِ أَنَّهُ أَفْضَلُ نَظَرًا إلَى ظَاهِرِ عِبَادَةٍ وَتَوَجُّهٍ، وَلَمْ يَكُنْ اللَّهُ يَرْضَى لِأَشْرَفِ أَنْبِيَائِهِ إلَّا بِأَشْرَفِ الْأَحْوَالِ، وَكَانَ حَالُهُ إلَى الْوَفَاةِ النِّكَاحَ فَيَسْتَحِيلُ أَنْ يُقَرِّرَهُ عَلَى تَرْكِ الْأَفْضَلِ مُدَّةَ حَيَاتِهِ، وَحَالُ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا ﵉ كَانَ أَفْضَلَ فِي تِلْكَ الشَّرِيعَةِ، وَقَدْ نُسِخَتْ الرَّهْبَانِيَّةُ فِي مِلَّتِنَا، وَلَوْ تَعَارَضَا
стр. 1239
(النِّكَاحُ يَنْعَقِدُ بِالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ
قُدِّمَ التَّمَسُّكُ بِحَالِ النَّبِيِّ ﷺ .
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: " تَزَوَّجُوا فَإِنَّ خَيْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَكْثَرُهَا نِسَاءً " وَمَنْ تَأَمَّلَ مَا يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ النِّكَاحُ مِنْ تَهْذِيبِ الْأَخْلَاقِ وَتَوْسِعَةِ الْبَاطِنِ بِالتَّحَمُّلِ فِي مُعَاشَرَةِ أَبْنَاءِ النَّوْعِ وَتَرْبِيَةِ الْوَلَدِ وَالْقِيَامِ بِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِ الْعَاجِزِ عَنْ الْقِيَامِ بِهَا وَالنَّفَقَةِ عَلَى الْأَقَارِبِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ وَإِعْفَافِ الْحُرْمِ وَنَفْسِهِ وَدَفْعِ الْفِتْنَةِ عَنْهُ وَعَنْهُنَّ وَدَفْعِ التَّقْتِيرِ عَنْهُنَّ بِحَبْسِهِنَّ لِكِفَايَتِهِنَّ مَئُونَةِ سَبَبِ الْخُرُوجِ ثُمَّ الِاشْتِغَالِ بِتَأْدِيبِ نَفْسِهِ وَتَأْهِيلِهِ لِلْعُبُودِيَّةِ وَلِتَكُونَ هِيَ أَيْضًا سَبَبًا لِتَأْهِيلِ غَيْرِهَا وَأَمْرِهَا بِالصَّلَاةِ، فَإِنَّ هَذِهِ الْفَرَائِضَ كَثِيرَةٌ لَمْ يَكَدْ يَقِفْ عَنْ الْجَزْمِ بِأَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ التَّخَلِّي، بِخِلَافِ مَا إذَا عَارَضَهُ خَوْفُ الْجَوْرِ إذْ الْكَلَامُ لَيْسَ فِيهِ بَلْ فِي الِاعْتِدَالِ مَعَ أَدَاءِ الْفَرَائِضِ وَالسُّنَنِ.
وَذَكَرْنَا أَنَّهُ إذَا لَمْ يَقْتَرِنْ بِهِ نِيَّةٌ كَانَ مُبَاحًا عِنْدَهُ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ حِينَئِذٍ مُجَرَّدُ قَضَاءِ الشَّهْوَةِ وَمَبْنَى الْعِبَادَة عَلَى خِلَافِهِ. وَأَقُولُ: بَلْ فِيهِ فَضْلٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ كَانَ مُتَمَكِّنًا مِنْ قَضَائِهَا بِغَيْرِ الطَّرِيقِ الْمَشْرُوعِ، فَالْعُدُولُ إلَيْهِ مَعَ مَا يَعْلَمُهُ مِنْ أَنَّهُ قَدْ يَسْتَلْزِمُ أَثْقَالًا فِيهِ قَصْدُ تَرْكِ الْمَعْصِيَةِ وَعَلَيْهِ يُثَابُ وَوُعِدَ الْعَوْنُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى لِاسْتِحْسَانِ حَالَتِهِ، قَالَ ﷺ «ثَلَاثَةٌ حَقٌّ عَلَى اللَّهِ عَوْنُهُمْ: الْمُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَالْمُكَاتَبُ الَّذِي يُرِيدُ الْأَدَاءَ، وَالنَّاكِحُ الَّذِي يُرِيدُ الْعَفَافَ» صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ.
أَمَّا إذَا لَمْ يَتَزَوَّجْ الْمَرْأَةَ إلَّا لِعِزِّهَا أَوْ مَالِهَا أَوْ حَسَبِهَا فَهُوَ مَمْنُوعٌ شَرْعًا، قَالَ ﷺ «مَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً لِعِزِّهَا لَمْ يَزِدْهُ اللَّهُ إلَّا ذُلًّا، وَمَنْ تَزَوَّجَهَا لِمَالِهَا لَمْ يَزِدْهُ اللَّهُ إلَّا فَقْرًا، وَمَنْ تَزَوَّجَهَا لِحَسَبِهَا لَمْ يَزِدْهُ اللَّهُ إلَّا دَنَاءَةً. وَمَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً لَمْ يُرِدْ بِهَا إلَّا أَنْ يَغُضَّ بَصَرَهُ وَيُحْصِنَ فَرْجَهُ أَوْ يَصِلَ رَحِمَهُ بَارَكَ اللَّهُ لَهُ فِيهَا وَبَارَكَ لَهَا فِيهِ» رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ.
وَقَالَ ﷺ «لَا تَتَزَوَّجُوا النِّسَاءَ لِحُسْنِهِنَّ فَعَسَى حُسْنُهُنَّ أَنْ يُرْدِيَهُنَّ. وَلَا تَتَزَوَّجُوهُنَّ لِأَمْوَالِهِنَّ فَعَسَى أَمْوَالُهُنَّ أَنْ تُطْغِيَهُنَّ. وَلَكِنْ تَزَوَّجُوهُنَّ عَلَى الدِّينِ، فَلَأَمَةٌ خَرْقَاءُ سَوْدَاءُ ذَاتُ دِينٍ أَفْضَلُ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زِيَادٍ بْنِ أَنْعُمٍ.
وَعَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ «جَاءَ رَجُلٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أَصَبْتُ امْرَأَةً ذَاتَ حُسْنٍ وَجَمَالٍ وَحَسَبٍ وَمَنْصِبٍ وَمَالٍ إلَّا أَنَّهَا لَا تَلِدُ أَفَأَتَزَوَّجُهَا؟ فَنَهَاهُ، ثُمَّ أَتَاهُ الثَّانِيَةَ فَقَالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ أَتَاهُ الثَّالِثَةَ، فَقَالَ: تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمْ الْأُمَمَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ.
هَذَا وَيُسْتَحَبُّ مُبَاشَرَةُ عَقْدِ النِّكَاحِ فِي الْمَسْجِدِ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ، وَكَوْنُهُ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي كَرَاهَةِ الزِّفَافِ، وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ إذَا لَمْ يَشْتَمِلْ عَلَى مَفْسَدَةٍ دِينِيَّةٍ. وَفِي التِّرْمِذِيِّ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أَعْلِنُوا هَذَا النِّكَاحَ وَاجْعَلُوهُ فِي الْمَسَاجِدِ وَاضْرِبُوا عَلَيْهِ بِالدُّفُوفِ» وَفِي الْبُخَارِيِّ عَنْهَا قَالَتْ «زَفَفْنَا امْرَأَةً إلَى رَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : يَا عَائِشَةُ أَمَا يَكُونُ مَعَهُمْ لَهْوٌ فَإِنَّ الْأَنْصَارَ يُعْجِبُهُمْ اللَّهْوُ» وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «فَصْلُ مَا بَيْنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ الدُّفُّ وَالصَّوْتُ» وَقَالَ الْفُقَهَاءُ: الْمُرَادُ بِالدُّفِّ مَا لَا جَلَاجِلَ لَهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
(قَوْلُهُ النِّكَاحُ يَنْعَقِدُ بِالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ) قَدَّمْنَا أَنَّ النِّكَاحَ فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ هُوَ الْعَقْدُ، وَهَذَا بَيَانٌ لِأَنَّ هَذَا الْعَقْدَ لَمْ يَثْبُتْ انْعِقَادُهُ حَتَّى يَتِمَّ عَقْدًا مُسْتَعْقَبًا لِأَحْكَامِهِ، فَلَفْظُ النِّكَاحِ فِي قَوْلِهِ النِّكَاحُ يَنْعَقِدُ بِمَعْنَى الْعَقْدِ: أَيْ ذَلِكَ الْعَقْدُ الْخَاصُّ يَنْعَقِدُ حَتَّى تَتِمَّ حَقِيقَتُهُ فِي الْوُجُودِ بِالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ، وَالِانْعِقَادُ هُوَ ارْتِبَاطُ أَحَدِ الْكَلَامَيْنِ بِالْآخَرِ عَلَى وَجْهٍ يُسَمَّى بِاعْتِبَارِهِ عَقْدًا شَرْعِيًّا وَيَسْتَعْقِبُ الْأَحْكَامَ
стр. 1240
بِلَفْظَيْنِ يُعَبِّرُ بِهِمَا عَنْ الْمَاضِي) لِأَنَّ الصِّيغَةَ وَإِنْ كَانَتْ لِلْإِخْبَارِ وَضْعًا فَقَدْ جُعِلَتْ لِلْإِنْشَاءِ شَرْعًا دَفْعًا لِلْحَاجَةِ
وَذَلِكَ بِوُقُوعِ الثَّانِي جَوَابًا مُعْتَبَرًا مُحَقِّقًا لِغَرَضِ الْكَلَامِ السَّابِقِ، وَيَسْمَعُ كُلٌّ مِنْ الْعَاقِدَيْنِ كَلَامَ صَاحِبِهِ، وَالْكَلَامَانِ هُمَا الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ. فَمَا قِيلَ فِي تَعْرِيفِ الْإِيجَابِ إنَّهُ إصْدَارُ الصِّيغَةِ الصَّالِحَةِ لِإِفَادَةِ ذَلِكَ الْعَقْدِ مَعَ أَنَّهُ صَادِقٌ عَلَى الْقَبُولِ خِلَافُ الْوَاقِعِ مِنْ الْعُرْفِ الْمَشْهُورِ، بَلْ إنَّ الْإِيجَابَ هُوَ نَفْسُ الصِّيغَةِ الصَّالِحَةِ لِتِلْكَ الْإِفَادَةِ بِقَيْدِ كَوْنِهَا أَوَّلًا وَالْقَبُولُ هِيَ بِقَيْدِ وُقُوعِهَا ثَانِيًا مِنْ أَيِّ جَانِبٍ كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا
فَمَا ذُكِرَ فِي الدِّرَايَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ قَوْلِهِ: لَوْ قَدَّمَ الْقَبُولَ عَلَى الْإِيجَابِ، بِأَنْ قَالَ تَزَوَّجْت بِنْتَك فَقَالَ زَوَّجْتُكهَا يَنْعَقِدُ بِهِ صَحِيحٌ فِي الْحُكْمِ مَمْنُوعٌ كَوْنُهُ مِنْ تَقْدِيمِ الْقَبُولِ، بَلْ لَا يُتَصَوَّرُ تَقْدِيمُهُ لِأَنَّ مَا يُقَدَّمُ هُوَ الْإِيجَابُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي النِّهَايَةِ هُنَا وَصَرَّحَ الْكُلُّ بِهِ فِي الْبَيْعِ، وَكَانَ الْحَامِلُ عَلَى جَعْلِهِ الْإِصْدَارِ وَصْلَ قَوْلِهِ بِلَفْظَيْنِ بِقَوْلِهِ بِالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ فَأَفَادَ آلِيَّتَهُمَا لَهُمَا فَكَانَا خِلَافَيْهِمَا.
وَالْحَقُّ مَا أَعْلَمْتُك وَوَصَلَهُمَا إبْدَالٌ أَوْ بَيَانٌ يَدْفَعُ بِهِ مَا قَدْ يَتَوَهَّمُهُ مَنْ لَا يَعْرِفُ مَعْنَى الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ فِي الْعُرْفِ فَيُعَمِّمُ الْمُقَيَّدَ فَأَبْدَلَ مِنْهُ لِتَخْرُجَ الْكِتَابَةُ، فَلَوْ كَتَبَا الْإِيجَابَ وَالْقَبُولَ لَا يَنْعَقِدُ، وَالْمُرَادُ بِاللَّفْظَيْنِ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ الْحَقِيقَةِ وَالْحُكْمِ فَيَدْخُلُ مُتَوَلِّي الطَّرَفَيْنِ أَوْ مَا يَخُصُّ الْحَقِيقَةَ، وَلَيْسَ هَذَا بِحَدٍّ بَلْ إخْبَارَاتٌ مَنْسُوقٌ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ لِإِفَادَةِ مَا يَتِمُّ بِهِ الْعَقْدُ فَقَالَ: وَيَنْعَقِدُ بِلَفْظَيْنِ يُعَبَّرُ بِهِمَا عَنْ الْمَاضِي وَيَنْعَقِدُ بِلَفْظَيْنِ أَحَدِهِمَا مُسْتَقْبَلٌ لِأَنَّهُ تَوْكِيلٌ، وَالْوَاحِدُ يَتَوَلَّى طَرَفَيْ النِّكَاحِ فَيَنْعَقِدُ بِكَلَامِ الْوَاحِدِ كَمَا يَنْعَقِدُ بِكَلَامِ الِاثْنَيْنِ. وَلَا إشْكَالَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا وَعُرِفَ مِنْ تَعْرِيفِ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ بِأَنَّهُمَا اللَّفْظَانِ الصَّالِحَانِ لِإِفَادَةِ ذَلِكَ الْعَقْدِ عَدَمُ الِاخْتِصَاصِ بِالْعَرَبِيَّةِ.
وَعَدَمُ لُزُومِ ذِكْرِ الْمَفْعُولَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا بَعْدَ دَلَالَةِ الْمَقَامِ وَالْمُقَدِّمَاتِ عَلَى الْغَرَضِ لِأَنَّ الْحَذْفَ لِدَلِيلٍ جَائِزٌ فِي كُلِّ لِسَانٍ، وَعَدَمُ لُزُومِ لَفْظِ النِّكَاحِ وَالتَّزْوِيجِ، فَعَنْ هَذَا قُلْنَا: إذَا قَالَتْ زَوَّجْتُك نَفْسِي فَقَالَ قَبِلْت، أَوْ قَالَ تَزَوَّجْتُك فَقَالَتْ قَبِلْت جَازَ وَلَا مَفْعُولَ حَتَّى لَوْ كَانَ الْقَابِلُ سَفِيرًا وَلَا مَفْعُولَ وَلَمْ يُضِفْهُ إلَى الْمُوَكِّلِ نَفَذَ عَلَيْهِ.
فِي التَّجْنِيسِ: رَجُلٌ خَطَبَ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ امْرَأَةً، فَلَمَّا اجْتَمَعَا لِلْعَقْدِ قَالَ أَبُو الْمَرْأَةِ لِأَبِي الزَّوْجِ: دادم بِزِنَى أَيْنَ دخترر ابْهَزَا ردرم، فَقَالَ أَبُو الزَّوْجِ: بِزِيرٍ فَتَمَّ يَجُوزُ النِّكَاحُ عَلَى الْأَبِ وَإِنْ جَرَى بَيْنَهُمَا مُقَدِّمَاتُ النِّكَاحِ لِلِابْنِ هُوَ الْمُخْتَارُ لِأَنَّ الْأَبَ أَضَافَهُ إلَى نَفْسِهِ، وَهَذَا أَمْرٌ يَجِبُ أَنْ يُحْتَاطَ فِيهِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ أَبُو الصَّغِيرَةِ: زَوَّجْت بِنْتِي مِنْ ابْنِك، فَقَالَ أَبُو الِابْنِ قَبِلْت وَلَمْ يَقُلْ لِابْنِي يَجُوزُ النِّكَاحُ لِلِابْنِ لِإِضَافَةِ الْمُزَوِّجِ النِّكَاحَ إلَى الِابْنِ بِيَقِينٍ. وَقَوْلُ الْقَابِلِ قَبِلْت جَوَابٌ لَهُ، وَالْجَوَابُ يَتَقَيَّدُ بِالْأَوَّلِ فَصَارَ كَمَا لَوْ قَالَ قَبِلْت لِأَبِي، وَنَظِيرُ الْأَوَّلِ فِي الْبَيْعِ لَوْ قَالَ لِآخَرَ بَعْدَ مَا جَرَى بَيْنَهُمَا مُقَدِّمَاتُ الْبَيْعِ بِعْت هَذَا بِأَلْفٍ وَلَمْ يَقُلْ مِنْك، فَقَالَ الْآخَرُ اشْتَرَيْت صَحَّ وَلَزِمَ، وَكَذَا لَوْ قَالَتْ الْمَرْأَةُ بِالْفَارِسِيَّةِ: خويشتن خريدم بَعْدَهُ وَكَآبِّينَ، فَقَالَ الزَّوْجُ: فروختم صَحَّ وَلَزِمَ وَإِنْ لَمْ يَقُلْ مِنْك
(قَوْلُهُ يُعَبِّرُ بِهِمَا عَنْ الْمَاضِي) مِثْلَ أَنْكَحَتْك وَزَوَّجْتُك فَيَقُولُ قَبِلْت أَوْ فَعَلْت أَوْ رَضِيت. وَفِي الِانْعِقَادِ بِصِرْتِ لِي وَصِرْتُ لَك خِلَافٌ، وَظَاهِرُ الْخُلَاصَةِ اخْتِيَارُهُ إذَا اتَّصَلَ بِهِ الْقَبُولُ.
وَلَوْ قَالَتْ عَرَسْتُك نَفْسِي فَقَبِلَ يَنْعَقِدُ. ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ الِانْعِقَادَ بِهِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ جُعِلَ إنْشَاءً شَرْعًا فَصَارَ هُوَ عِلَّةٌ لِمَعْنَاهُ فَيَثْبُتُ الْمَعْنَى عَقِيبَهُ. وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ جُعِلَتْ لِلْإِنْشَاءِ شَرْعًا تَقْرِيرُ الشَّرْعِ مَا كَانَ فِي اللُّغَةِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعَقْدَ قَدْ كَانَ يَنْشَأُ بِهَا قَبْلَ الشَّرْعِ فَقَرَّرَهُ الشَّرْعُ وَإِنَّمَا اُخْتِيرَتْ لِلْإِنْشَاءِ لِأَنَّهَا أَدَلُّ عَلَى الْوُجُودِ وَالتَّحَقُّقِ حَيْثُ أَفَادَتْ دُخُولَ الْمَعْنَى فِي الْوُجُودِ قَبْلَ الْإِخْبَارِ فَأُفِيدَ بِهَا
стр. 1241
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مَا يَلْزَمُ وُجُودُهُ وُجُودُ اللَّفْظِ، ثُمَّ لَمَّا عَلِمْنَا أَنَّ الْمُلَاحَظَ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ فِي ثُبُوتِ الِانْعِقَادِ وَلُزُومِ حُكْمِهِ جَانِبُ الرِّضَا كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ عَدَّيْنَا ثُبُوتَ الِانْعِقَادِ وَلُزُومَ حُكْمِ الْعَقْدِ إلَى كُلِّ لَفْظٍ يُفِيدُ ذَلِكَ بِلَا احْتِمَالِ مُسَاوٍ لِلطَّرَفِ الْآخَرِ فَقُلْنَا: لَوْ قَالَ بِالْمُضَارِعِ ذِي الْهَمْزَةِ أَتَزَوَّجك فَقَالَتْ زَوَّجْت نَفْسِي انْعَقَدَ، وَفِي الْمَبْدُوءِ بِالتَّاءِ نَحْوَ تُزَوِّجنِي بِنْتَكَ؟ فَقَالَ فَعَلْتُ عِنْدَ عَدَمِ قَصْدِ الِاسْتِيعَادِ لِأَنَّهُ يَتَحَقَّقُ فِيهِ هَذَا الِاحْتِمَالُ، بِخِلَافِ الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَخْبِرُ نَفْسَهُ عَنْ الْوَعْدِ.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ وَالنِّكَاحُ مِمَّا لَا تَجْرِي فِيهِ الْمُسَاوَمَةُ كَانَ لِلتَّحْقِيقِ فِي الْحَالِ فَانْعَقَدَ بِهِ لَا بِاعْتِبَارِ وَضْعِهِ لِلْإِنْشَاءِ بَلْ بِاعْتِبَارِ اسْتِعْمَالِهِ فِي غَرَضِ تَحْقِيقِهِ وَاسْتِفَادَةِ الرِّضَا مِنْهُ حَتَّى قُلْنَا: لَوْ صَرَّحَ بِالِاسْتِفْهَامِ اُعْتُبِرَ فَهْمُ الْحَالِ. فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ: لَوْ قَالَ هَلْ أَعْطَيْتنِيهَا فَقَالَ أَعْطَيْتُ، إنْ كَانَ الْمَجْلِسُ لِلْوَعْدِ فَوَعْدٌ وَإِنْ كَانَ لِلْعَقْدِ فَنِكَاحٌ، فَيُحْمَلُ قَوْلُ السَّرَخْسِيِّ بِالْفَارِسِيَّةِ ميدهي لَيْسَ بِشَيْءٍ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَكُنْ قَصْدُ التَّحْقِيقِ ظَاهِرًا، وَلَوْ قَالَ بِاسْمِ الْفَاعِلِ فَكَذَلِكَ.
عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: إذَا قَالَ جِئْتُك خَاطِبًا بِنْتَك أَوْ لِتُزَوِّجَنِي ابْنَتَك فَقَالَ الْأَبُ زَوَّجْتُك فَالنِّكَاحُ لَازِمٌ، وَلَيْسَ لِلْخَاطِبِ أَنْ لَا يَقْبَلَ لِعَدَمِ جَرَيَانِ الْمُسَاوَمَةِ فِيهِ كَمَا قُلْنَا، وَالِانْعِقَادُ بِقَوْلِهِ أَنَا مُتَزَوِّجُك يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَالْمُضَارِعِ الْمَبْدُوءِ بِالْهَمْزَةِ سَوَاءٌ، وَقُلْنَا يَنْعَقِدُ بِلَفْظَيْنِ وُضِعَ أَحَدُهُمَا لِلْمُسْتَقْبَلِ: يَعْنِي الْأَمْرَ، فَلَوْ قَالَ زَوِّجْنِي بِنْتَك فَقَالَ زَوَّجْتُك انْعَقَدَ، وَمِنْهُ كُونِي امْرَأَتِي يَنْعَقِدُ إذَا قَبِلَتْ.
وَفِي النَّوَازِلِ: قَالَ زَوِّجِي نَفْسَك مِنِّي فَقَالَتْ بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ صَحَّ النِّكَاحُ، غَيْرَ أَنَّ الْمُصَنِّفَ جَعَلَ الصِّحَّةَ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ تَوْكِيلٌ بِالنِّكَاحِ وَالْوَاحِدُ يَتَوَلَّى طَرَفَيْ النِّكَاحِ فَيَكُونُ تَمَامُ الْعَقْدِ عَلَى هَذَا قَائِمًا بِالْمُجِيبِ، وَصَرَّحَ غَيْرُهُ بِأَنَّهَا نَفْسُهَا إيجَابٌ فَيَكُونُ قَائِمًا بِهِمَا. فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ قَالَ: وَلَفْظَةُ الْأَمْرِ فِي النِّكَاحِ إيجَابٌ، وَكَذَا فِي الطَّلَاقِ إذَا قَالَتْ طَلِّقْنِي عَلَى أَلْفٍ فَطَلَّقَ كَانَ تَامًّا، وَكَذَا فِي الْخُلْعِ؛ وَكَذَا لَوْ قَالَ لِغَيْرِهِ اُكْفُلْ لِي بِنَفْسِ فُلَانٍ هَذَا أَوْ بِمَا عَلَيْهِ فَقَالَ كَفَلْت تَمَّتْ الْكَفَالَةُ، وَكَذَا لَوْ قَالَ هَبْ لِي هَذَا الْعَبْدَ فَقَالَ وَهَبْت فِي مَسَائِلَ أُخَرَ ذَكَرَهَا، وَهَذَا أَحْسَنُ لِأَنَّ الْإِيجَابَ لَيْسَ إلَّا اللَّفْظُ الْمُفِيدُ قَصْدَ تَحَقُّقِ الْمَعْنَى أَوَّلًا وَهُوَ صَادِقٌ عَلَى لَفْظَةِ الْأَمْرِ فَلْيَكُنْ إيجَابًا. وَيَسْتَغْنِي عَمَّا أَوْرَدَ عَلَى تَقْرِيرِ الْكِتَابِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ كَانَ تَوْكِيلًا لَمَا اقْتَصَرَ عَلَى الْمَجْلِسِ. وَجَوَابُهُ بِأَنَّهُ فِي ضِمْنِ الْأَمْرِ بِالْفِعْلِ فَيَكُونُ قَبُولُهُ تَحْصِيلَ الْفِعْلِ فِي الْمَجْلِسِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِهِ تَوْكِيلًا وَإِلَّا بَقِيَ طَلَبُ الْفَرْقِ بَيْنَ النِّكَاحِ وَالْبَيْعِ حَيْثُ لَا يَتِمُّ بِقَوْلِهِ بِعْنِيهِ بِكَذَا فَيَقُولُ بِعْتُ بِلَا جَوَابٍ، إذْ جَوَابُهُ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَيْعِ بِأَنَّهُ تَوْكِيلٌ وَالْوَاحِدُ يَتَوَلَّى طَرَفَيْ الْعَقْدِ فِي النِّكَاحِ فَصَحَّ دُونَ الْبَيْعِ، وَحِينَئِذٍ فَتَمَامُ الْعَقْدِ قَائِمٌ بِالْمُجِيبِ فَلَا يَصِحُّ قَوْلُهُ يَنْعَقِدُ بِلَفْظَيْنِ يُعَبِّرُ بِأَحَدِهِمَا عَنْ الْمُسْتَقْبَلِ، فَلِذَا قِيلَ الْمِثَالُ الصَّحِيحُ أَتَزَوَّجُك بِأَلْفٍ فَتَقُولُ قَبِلْت عَلَى إرَادَةِ الْحَالِ، وَعُرِفَ مِنْ هَذَا أَنَّ شَرْطَ الْقَبُولِ فِي النِّكَاحِ الْمَجْلِسُ كَالْبَيْعِ لَا الْفَوْرُ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ ﵀.
وَقَدْ يُوهِمُ مَا ذَكَرَ فِي الْمُنْيَةِ قَالَ: زَوَّجْتُك بِنْتِي بِأَلْفٍ فَسَكَتَ الْخَاطِبُ فَقَالَ الصِّهْرُ ادْفَعْ الْمَهْرَ فَقَالَ نَعَمْ فَهُوَ قَبُولٌ، وَقِيلَ لَا أَنَّ فِيهِ خِلَافًا وَإِنْ كَانَ الْمُخْتَارُ الصِّحَّةَ، وَقَدْ يَكُونُ مُنْشَؤُهُ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ كَانَ مُتَّصِفًا بِكَوْنِهِ خَاطِبًا، فَحَيْثُ سَكَتَ وَلَمْ يَجِبْ عَلَى الْفَوْرِ كَانَ ظَاهِرًا فِي رُجُوعِهِ فَيَحْكُمُ بِهِ أَوَّلًا، فَقَوْلُهُ نَعَمْ بَعْدَهُ لَا يُفِيدُ بِمُفْرَدِهِ لِأَنَّ الْفَوْرَ شَرْطٌ مُطْلَقًا، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
وَصُورَةُ اخْتِلَافِ الْمَجْلِسِ أَنْ يُوجِبَ أَحَدُهُمَا فَيَقُومَ الْآخَرُ قَبْلَ الْقَبُولِ أَوْ يَكُونَ قَدْ اشْتَغَلَ بِعَمَلٍ آخَرَ
стр. 1242
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يُوجِبُ اخْتِلَافَ الْمَجْلِسِ، ثُمَّ قِيلَ لَا يَنْعَقِدُ لِأَنَّ الِانْعِقَادَ هُوَ ارْتِبَاطُ أَحَدِ الْكَلَامَيْنِ بِالْآخَرِ وَبِاخْتِلَافِ الْمَجْلِسِ يَتَفَرَّقَانِ حَقِيقَةً وَحُكْمًا، فَلَوْ عَقَدَا وَهُمَا يَمْشِيَانِ أَوْ يَسِيرَانِ عَلَى الدَّابَّةِ لَا يَجُوزُ، وَإِنْ كَانَا فِي سَفِينَةٍ سَائِرَةٍ جَازَ، وَسَتَعْرِفُ الْفَرْقَ فِي الْبَيْعِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
[فُرُوعٌ]
تَزَوَّجَ بِاسْمِهَا الَّذِي تُعْرَفُ بِهِ، حَتَّى لَوْ كَانَ لَهَا اسْمَانِ اسْمٌ فِي صِغَرِهَا وَآخَرُ فِي كِبَرِهَا تَزَوَّجَ بِالْأَخِيرِ لِأَنَّهَا صَارَتْ مَعْرُوفَةً بِهِ، وَلَوْ كَانَتْ لَهُ بِنْتَانِ كُبْرَى اسْمُهَا عَائِشَةُ وَصُغْرَى اسْمُهَا فَاطِمَةُ فَقَالَ زَوَّجْتُك بِنْتِي فَاطِمَةَ وَهُوَ يُرِيدُ عَائِشَةَ فَقَبِلَ انْعَقَدَ عَلَى فَاطِمَةَ، وَلَوْ قَالَ زَوَّجْتُك بِنْتِي فَاطِمَةَ الْكُبْرَى قَالُوا يَجِبُ أَنْ لَا يَنْعَقِدَ عَلَى إحْدَاهُمَا وَلَوْ قَالَ زَوَّجْت بِنْتِي فُلَانَةَ مِنْ ابْنِك فَقَبِلَ وَلَيْسَ لَهُمَا إلَّا ابْنٌ وَاحِدٌ وَبِنْتٌ صَحَّ، وَإِنْ كَانَ لَهُمَا ابْنَتَانِ أَوْ ابْنَانِ لَا، إلَّا أَنْ يُسَمِّيَا الْبِنْتَ وَالِابْنَ.
وَلَوْ زَوَّجَ غَائِبَةَ وَكِيلٍ فَإِنْ كَانَ الشُّهُودُ يَعْرِفُونَهَا فَذَكَرَ مُجَرَّدَ اسْمِهَا جَازَ، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفُوهَا فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ اسْمِهَا وَاسْمِ أَبِيهَا وَجَدِّهَا، أَمَّا لَوْ كَانَتْ حَاضِرَةً مُتَنَقِّبَةً فَقَالَ تَزَوَّجْت هَذِهِ وَقَبِلَتْ جَازَ لِأَنَّهَا صَارَتْ مَعْرُوفَةً بِالْإِشَارَةِ.
وَأَمَّا الْغَائِبَةُ فَلَا تُعْرَفُ إلَّا بِالِاسْمِ وَالنَّسَبِ. وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ فِي الْحَاضِرَةِ كَشْفُ النِّقَابِ. وَسَنَذْكُرُ وَجْهَ عَدَمِهِ فِي الْوَكَالَةِ بِالنِّكَاحِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَكَذَا الْحَالُ فِي تَسْمِيَةِ الزَّوْجِ الْغَائِبِ. وَفِي التَّجْنِيسِ: لَهُ ابْنَةٌ اسْمُهَا فَاطِمَةُ فَقَالَ وَقْتَ الْعَقْدِ زَوَّجْتُك بِنْتِي عَائِشَةَ وَلَمْ تَقَعْ الْإِشَارَةُ إلَى شَخْصِهَا لَا يَصِحُّ. فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يُشِرْ إلَيْهَا يَقَعُ الْعَقْدُ عَلَى الْمُسَمَّى وَلَيْسَ لَهُ ابْنَةٌ بِذَلِكَ الِاسْمِ.
وَفِي النَّوَازِلِ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ: خُنْثَى مُشْكِلٌ زُوِّجَ مِنْ خُنْثَى مُشْكِلٍ بِرِضَا الْوَلِيِّ فَلَمَّا كَبِرَا إذَا الزَّوْجُ امْرَأَةٌ وَالزَّوْجَةُ رَجُلٌ جَازَ نِكَاحُهُمَا عِنْدِي لِأَنَّ قَوْلَهُ زَوَّجْتُك يَسْتَوِي مِنْ الْجَانِبَيْنِ. وَفِي صَغِيرَيْنِ قَالَ أَبُو أَحَدِهِمَا زَوَّجْت بِنْتِي هَذِهِ مِنْ ابْنِك هَذَا وَقَبِلَ الْآخَرُ ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّ الْجَارِيَةَ غُلَامٌ وَالْغُلَامَ جَارِيَةٌ جَازَ لِذَلِكَ أَيْضًا. وَقَالَ الْعَتَّابِيُّ: لَا يَجُوزُ.
وَفِي الْمُنْيَةِ: زَوَّجْت وَتَزَوَّجْت يَصْلُحُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ. وَفِي التَّجْنِيسِ: رَجُلٌ قَالَ لِامْرَأَةٍ بِحَضْرَةِ الشُّهُودِ رَاجَعْتُك فَقَالَتْ الْمَرْأَةُ رَضِيت يَكُونُ نِكَاحًا. فَإِنَّهُ نَصَّ فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ لِلْمُطَلَّقَةِ طَلَاقًا بَائِنًا أَوْ ثَلَاثًا إنْ رَاجَعْتُك فَعَبْدِي حُرٌّ تَنْصَرِفُ الرَّجْعَةُ إلَى النِّكَاحِ لِأَنَّ الرَّجْعَةَ قَدْ يُرَادُ بِهَا النِّكَاحُ فَيَنْظُرُ إلَى الْمَحَلِّ وَالْمَحَلُّ هُنَا لَا يَقْبَلُ الرَّجْعَةَ الْمَعْرُوفَةَ فَانْصَرَفَتْ إلَى النِّكَاحِ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ فِي الرَّجْعَةِ بِلَفْظِ النِّكَاحِ فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
ثُمَّ قَالَ: وَذَكَرَ فِي الْأَجْنَاسِ لَوْ طَلَّقَ امْرَأَةً بَائِنًا ثُمَّ قَالَ رَاجَعْتُك عَلَى كَذَا وَكَذَا فَرَضِيَتْ الْمَرْأَةُ بِذَلِكَ بِحَضْرَةِ الشُّهُودِ فَإِنَّ هَذَا نِكَاحٌ جَائِزٌ. وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ مَالًا فَلَيْسَ بِنِكَاحٍ إلَّا أَنْ يَجْتَمِعَا أَنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ نِكَاحًا فَكَانَ نِكَاحًا. فَتَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّ مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا ذَكَرَ الْمَالَ أَوْ أَقَرَّ أَنَّ الزَّوْجَ أَرَادَ بِهِ النِّكَاحَ اهـ.
وَذَكَرَ فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ عَنْ بَعْضِهِمْ تَفْصِيلًا بَيْنَ الْمُبَانَةِ وَالْأَجْنَبِيَّةِ. فَفِي الْمُبَانَةِ تَكُونُ نِكَاحًا وَفِي الْأَجْنَبِيَّةِ لَا وَسَكَتَ عَلَيْهِ وَهُوَ الْأَحْسَنُ.
فَإِنَّ التَّزَوُّجَ بِلَفْظِ الرَّجْعَةِ فِي نِكَاحِ الْمُطَلَّقَةِ لَا يَسْتَلْزِمُ صِحَّتَهُ فِي غَيْرِهَا.
رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ أَقَرَّا بِالنِّكَاحِ بِحَضْرَةِ الشُّهُودِ فَقَالَ هِيَ امْرَأَتِي وَأَنَا زَوْجُهَا، وَقَالَتْ هُوَ زَوْجِي وَأَنَا امْرَأَتُهُ وَقَالَ الْآخَرُ نَعَمْ لَا يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ بَيْنَهُمَا. لِأَنَّ الْإِقْرَارَ إظْهَارٌ لِمَا هُوَ ثَابِتٌ فَهُوَ فَرْعٌ سَبَقَ الثُّبُوتَ، وَلِهَذَا لَوْ أَقَرَّ لِإِنْسَانٍ بِمَالٍ كَذِبًا لَا يَصِيرُ مِلْكًا لَهُ، وَكَذَا لَوْ قَالَا أَجَزْنَاهُ أَوْ رَضِينَاهُ بِحَضْرَةِ الشُّهُودِ
стр. 1243
(وَيَنْعَقِدُ بِلَفْظَيْنِ يُعَبِّرُ بِأَحَدِهِمَا عَنْ الْمَاضِي وَبِالْآخَرِ عَنْ الْمُسْتَقْبَلِ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ زَوِّجْنِي فَيَقُولَ زَوَّجْتُك) لِأَنَّ هَذَا تَوْكِيلٌ بِالنِّكَاحِ وَالْوَاحِدُ يَتَوَلَّى طَرَفَيْ النِّكَاحِ عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
(وَيَنْعَقِدُ بِلَفْظِ النِّكَاحِ وَالتَّزْوِيجِ وَالْهِبَةِ وَالتَّمْلِيكِ وَالصَّدَقَةِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: لَا يَنْعَقِدُ إلَّا بِلَفْظِ النِّكَاحِ وَالتَّزْوِيجِ لِأَنَّ التَّمْلِيكَ لَيْسَ حَقِيقَةً فِيهِ وَلَا مَجَازًا عَنْهُ لِأَنَّ التَّزْوِيجَ لِلتَّلْفِيقِ وَالنِّكَاحَ لِلضَّمِّ، وَلَا ضَمَّ وَلَا ازْدِوَاجَ بَيْنَ الْمَالِكِ
لَا يَنْعَقِدُ بِخِلَافِ جَعَلْنَاهُ.
وَلَوْ قَالَ الشُّهُودُ جَعَلْتُمَا هَذَا نِكَاحًا فَقَالَا نَعَمْ انْعَقَدَ لِأَنَّهُ يَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الْجَعْلِ، حَتَّى لَوْ قَالَتْ جَعَلْت نَفْسِي زَوْجَةً لَك فَقَبِلَ ثُمَّ قَالَ أَعْطَيْتُك أَلْفًا عَلَى أَنْ تَكُونِي امْرَأَتِي فَقَبِلَتْ ثُمَّ قَالَ زَوِّجْ بِنْتَك فُلَانَةَ مِنِّي بِكَذَا فَقَالَ ادْفَعْهَا وَاذْهَبْ بِهَا حَيْثُ شِئْت لَا يَنْعَقِدُ. فِي التَّجْنِيسِ كَأَنَّهُ لِأَنَّهُ كَالْمُضَافِ إلَى مَا بَعْدَ الدَّفْعِ وَلَا يَنْعَقِدُ بِالْمُضَافِ. لَوْ قَالَ زَوَّجْتُكهَا غَدًا فَقَبِلَ لَا يَصِحُّ، فَعَدَمُ صِحَّةِ الْمُعَلَّقِ أَوْلَى. وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ: يَكُونُ ذَلِكَ نِكَاحًا وَلَمْ يَذْكُرْ خِلَافَ قَوْلِهِ.
وَيَجُوزُ النِّكَاحُ الْمُعَلَّقُ إذَا كَانَ عَلَى أَمْرٍ مَضَى لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ لِلْحَالِ. وَعَلَيْهِ فُرِّعَ مَا لَوْ قَالَ خَطَبْت بِنْتَك فُلَانَةَ لِابْنِي فُلَانٍ فَقَالَ زَوَّجْتهَا مِنْ فُلَانٍ قَبْلَ هَذَا فَلَمْ يُصَدِّقْهُ الْخَاطِبُ فَقَالَ إنْ لَمْ أَكُنْ زَوَّجْتهَا مِنْ فُلَانٍ قَبْلُ فَقَدْ زَوَّجْتهَا مِنْ ابْنِك وَقَبِلَ أَبُو الِابْنِ بِحَضْرَةِ الشُّهُودِ وَلَمْ يَكُنْ زَوَّجَهَا مِنْ أَحَدٍ صَحَّ النِّكَاحُ، لِأَنَّ التَّعْلِيقَ بِكَائِنٍ لِلْحَالِ تَحْقِيقٌ وَتَنْجِيزٌ، وَإِذَا أَضَافَ النِّكَاحَ إلَى نِصْفِهَا مَثَلًا فِيهِ رِوَايَتَانِ، وَالْأَصَحُّ عَدَمُ الصِّحَّةِ، كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ.
وَذَكَرَ فِي الْمَبْسُوطِ فِي مَوْضِعٍ جَوَازَهُ كَالطَّلَاقِ
(قَوْلُهُ وَيَنْعَقِدُ إلَخْ) حَاصِلُ الْأَلْفَاظِ الْمَذْكُورَةِ هُنَا أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ: قِسْمٌ لَا خِلَافَ فِي الِانْعِقَادِ بِهِ فِي الْمَذْهَبِ بَلْ الْخِلَافُ فِيهِ مِنْ خَارِجِ الْمَذْهَبِ. وَقِسْمٌ فِيهِ خِلَافٌ فِي الْمَذْهَبِ وَالصَّحِيحُ الِانْعِقَادُ. وَقِسْمٌ فِيهِ خِلَافٌ وَالصَّحِيحُ عَدَمُ الِانْعِقَادِ. وَقِسْمٌ لَا خِلَافَ فِي عَدَمِ الِانْعِقَادِ بِهِ. وَالْأَوْجَهُ أَنْ تُرَتَّبَ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ لِيَلِيَ كُلُّ قِسْمٍ مَا هُوَ أَقْرَبُ إلَيْهِ، وَهَكَذَا فَعَلَ الْمُصَنِّفُ إلَّا فِي لَفْظِ الْوَصِيَّةِ.
[الْقِسْمُ الْأَوَّلُ] مَا سِوَى لَفْظَيْ النِّكَاحِ وَالتَّزْوِيجِ مِنْ لَفْظِ الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالتَّمْلِيكِ وَالْجَعْلِ نَحْوَ جَعَلْت بِنْتِي لَك بِأَلْفٍ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ، وَجَوَازُهُ عِنْدَنَا بِطَرِيقِ الْمَجَازِ، فَإِنَّ الْمَجَازَ كَمَا يَجْرِي فِي الْأَلْفَاظِ اللُّغَوِيَّةِ يَجْرِي فِي الْأَلْفَاظِ الشَّرْعِيَّةِ بِلَا خِلَافٍ، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي تَحَقُّقِ طَرِيقِهِ هُنَا فَنَفَاهُ الشَّافِعِيُّ بِنَاءً عَلَى انْتِفَاءِ مَا يُجَوِّزُ التَّجَوُّزَ. أَمَّا إجْمَالًا فَإِنَّهُ لَوْ وُجِدَ لَصَحَّ أَنْ يَتَجَوَّزَ بِلَفْظٍ كُلٌّ مِنْهُمَا عَنْ الْآخَرِ فَكَانَ يُقَالُ أَنْكَحْتُك هَذَا الثَّوْبَ مُرَادًا بِهِ مَلَّكْتُك، كَمَا يُقَالُ مَلَّكْتُك نَفْسِي أَوْ بِنْتِي مُرَادًا بِهِ أَنْكَحْتُك، وَلَيْسَ فَلَيْسَ.
وَأَمَّا تَفْصِيلًا فَلِأَنَّ التَّزْوِيجَ هُوَ التَّلْفِيقُ وَضْعًا وَالنِّكَاحُ لِلضَّمِّ وَلَا ضَمَّ وَلَا ازْدِوَاجَ بَيْنَ الْمَالِكِ وَالْمَمْلُوكَةِ وَلِذَا يَفْسُدُ النِّكَاحُ عِنْدَ وُرُودِ مِلْكِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ عَلَى الْآخَرِ وَلَوْ كَانَ لَمْ يُنَافِهِ تَأَكَّدَ بِهِ، وَإِنْ صَحَّ هَذَا الْوَجْهُ عَنْهُ كَانَ مُعْتَرِفًا بِأَنَّهُ لُغَةٌ عَلَى خِلَافِ مَا تَقَدَّمَ نَقْلُهُ عَنْهُ مِنْ أَنَّهُ
стр. 1244
وَالْمَمْلُوكَةِ أَصْلًا. وَلَنَا أَنَّ التَّمْلِيكَ سَبَبٌ لِمِلْكِ الْمُتْعَةِ فِي مَحَلِّهَا بِوَاسِطَةِ مِلْكِ الرَّقَبَةِ وَهُوَ الثَّابِتُ بِالنِّكَاحِ وَالسَّبَبِيَّةُ طَرِيقُ الْمَجَازِ.
وَيَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الْبَيْعِ
الْعَقْدُ إلَّا أَنْ يَعْنِيَ فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ فِي لِسَانِ الشَّرْعِ بِنَاءً عَلَى النَّقْلِ (وَلَنَا أَنَّ التَّمْلِيكَ) أَيْ مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيُّ (سَبَبٌ لِمِلْكِ الْمُتْعَةِ فِي مَحَلِّهَا بِوَاسِطَةِ) كَوْنِهِ سَبَبُ (مِلْكِ الرَّقَبَةِ وَ) مِلْكِ الْمُتْعَةِ فِي مَحَلِّهَا (هُوَ الثَّابِتُ بِالنِّكَاحِ وَالسَّبَبِيَّةُ طَرِيقُ الْمَجَازِ) وَأَمَّا عَدَمُ جَوَازِ اسْتِعَارَةُ النِّكَاحِ لِلتَّمْلِيكِ فَلَيْسَ لِعَدَمِ الْمُشْتَرَكِ بَلْ لِمَا فَرَغَ مِنْهُ فِي الْأُصُولِ مِنْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ اسْتِعَارَةُ اسْمِ الْمُسَبَّبِ لِلسَّبَبِ عِنْدَنَا إلَّا إذَا كَانَ الْمَقْصُودُ مِنْ شَرْعِيَّةِ السَّبَبِ شَرْعِيَّتَهُ كَالْبَيْعِ لِمِلْكِ الرَّقَبَةِ، وَلَيْسَ مِلْكُ الْمُتْعَةِ الَّذِي هُوَ مُوجِبٌ النِّكَاحَ هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْ التَّمْلِيكِ بَلْ مِلْكُ الرَّقَبَةِ.
وَالْجَوَابُ عَنْ الثَّانِي مَنْعُ أَنَّهُ لَا ضَمَّ وَلَا ازْدِوَاجَ بَيْنَ الْمَالِكِ وَالْمَمْلُوكَةِ. وَقَوْلُهُ وَلِذَا يَفْسُدُ النِّكَاحُ إلَخْ. قُلْنَا: فَسَادُهُ لِلُزُومِ الْمُنَافَاةِ بَيْنَ كَوْنِ أَحَدِهِمَا مَالِكًا لِكُلِّ الْآخَرِ، وَكَوْنُ ذَلِكَ الْآخَرِ مَالِكًا بِحُكْمِ الزَّوْجِيَّةِ لِبَعْضِ مَا يَمْلِكُهُ عَلَيْهِ ذَلِكَ الْآخَرُ بِحُكْمِ مِلْكِ الرَّقَبَةِ عَلَى مَا نُبَيِّنُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي فَصْلِ الْمُحَرَّمَاتِ لَا لِعَدَمِ الضَّمِّ وَالِازْدِوَاجِ. وَلِلشَّافِعِيِّ أَيْضًا أَنَّهُ كَمَا خَصَّ النِّكَاحَ بِاشْتِرَاطِ الشَّهَادَةِ إظْهَارًا لِخَطَرِهِ خَصَّ بِاللَّفْظَيْنِ النِّكَاحَ وَالتَّزْوِيجَ وَلِذَا لَمْ يُرِدْ غَيْرَهُمَا شَرْعًا.
وَالْجَوَابُ مَنْعُهَا، بَلْ قَدْ وَرَدَ بِلَفْظِ الْهِبَةِ فَلَمْ يَخْتَصَّ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ عَطْفًا عَلَى الْمُحَلَّلَاتِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ﴾ وَالْأَصْلُ عَدَمُ الْخُصُوصِيَّةِ حَتَّى يَقُومَ دَلِيلُهَا وقَوْله تَعَالَى ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يَرْجِعُ إلَى عَدَمِ الْمَهْرِ بِقَرِينَةِ إعْقَابِهِ بِالتَّعْلِيلِ بِنَفْيِ الْحَرَجِ، فَإِنَّ الْحَرَجَ لَيْسَ فِي تَرْكِ لَفْظٍ إلَى غَيْرِهِ خُصُوصًا بِالنِّسْبَةِ إلَى أَفْصَحِ الْعَرَبِ بَلْ فِي لُزُومِ الْمَالِ وَبِقَرِينَةِ وُقُوعِهِ فِي مُقَابَلَةِ الْمُؤْتَى أُجُورُهُنَّ فَصَارَ الْحَاصِلُ أَحْلَلْنَا لَك الْأَزْوَاجَ الْمُؤْتَى مُهُورُهُنَّ وَاَلَّتِي وَهَبَتْ نَفْسَهَا لَك فَلَمْ تَأْخُذْ مَهْرًا خَالِصَةً هَذِهِ الْخَصْلَةُ لَك مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ. أَمَّا هُمْ فَقَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَاهُ عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ مِنْ الْمَهْرِ وَغَيْرِهِ، وَأَبْدَى صَدْرُ الشَّرِيعَةِ جَوَازَ كَوْنِهِ مُتَعَلِّقًا بِأَحْلَلْنَا قَيْدًا فِي إحْلَالِ أَزْوَاجِهِ لَهُ لِإِفَادَةِ عَدَمِ حِلِّهِنَّ لِغَيْرِهِ ﷺ . وَلَهُ أَيْضًا أَنَّ الشَّهَادَةَ شَرْطٌ فِي النِّكَاحِ، وَالْكِنَايَةُ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ النِّيَّةِ وَلَا اطِّلَاعَ لِلشُّهُودِ عَلَيْهَا.
قَالَ فِي شَرْحِ الْكَنْزِ: قُلْنَا لَيْسَتْ شَرْطًا مَعَ ذِكْرِ الْمَهْرِ. وَذَكَرَ السَّرَخْسِيُّ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِشَرْطٍ مُطْلَقًا لِعَدَمِ اللُّبْسِ كَقَوْلِهِمْ لِلشُّجَاعِ أَسَدٌ، وَكَمَا إذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ مِنْ هَذِهِ النَّخْلَةِ فَإِنَّهُ يَنْصَرِفُ إلَى الْمَجَازِ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ وَلِأَنَّ كَلَامَنَا فِيمَا إذَا صَرَّحَا بِهِ وَلَمْ يَبْقَ احْتِمَالٌ اهـ.
وَيَشْكُلُ بِأَنَّ الْحُكْمَ بِالْمَجَازِ يَسْتَدْعِي أَمْرَيْنِ: أَحَدَهُمَا انْتِفَاءَ قَرِينَةٍ تَدُلُّ عَلَى إرَادَةِ غَيْرِ ذَلِكَ الْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ، وَلِذَا لَوْ طَلَبَ الزِّنَا مِنْ امْرَأَةٍ فَقَالَتْ وَهَبْت نَفْسِي مِنْك أَوْ آجَرْت نَفْسِي مِنْك وَقَبِلَ لَا يَنْعَقِدُ.
وَالْآخَرَ وُجُودَ قَرِينَةٍ تُفِيدُ إرَادَةَ الْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ، وَلِذَا لَوْ قَالَ أَبُو الْبِنْتِ وَهَبْت بِنْتِي مِنْك لِتَخْدُمَك وَقَبِلَ لَا يَنْعَقِدُ هَذَا
стр. 1245
هُوَ الصَّحِيحُ لِوُجُودِ طَرِيقِ الْمَجَازِ
فِي الْحُكْمِ بِهِ، أَمَّا فِي جَوَازِ التَّجَوُّزِ فَقَطْ فَالشَّرْطُ مَعَ الْأَوَّلِ الْإِرَادَةُ لَا قَرِينَتُهَا، وَذَلِكَ لِأَنَّ اعْتِبَارَ ثُبُوتِ مَعْنًى بِعَيْنِهِ عِنْدَ اسْتِعْمَالِ لَفْظٍ مُعَيَّنٍ لَيْسَ لِذَاتِ ذَلِكَ اللَّفْظِ لِأَنَّ نِسْبَتَهُ إلَيْهِ كَنِسْبَتِهِ إلَى غَيْرِهِ، فَالْمُخَصَّصُ لِمَعْنًى مُعَيَّنٍ دُونَ غَيْرِهِ لَيْسَ إلَّا عَلَاقَةُ وَضْعِهِ لَهُ أَوْ إرَادَةُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا وُضِعَ لَهُ مَعْنًى مُشْتَرَكٌ ثَبَتَ اعْتِبَارُ نَوْعِهِ عَنْ الْوَاضِعِ فِي الِاسْتِعْمَالِ فِيهِ فَالْإِرَادَةُ لَازِمَةٌ فِي الْمَحَلَّيْنِ، غَيْرَ أَنَّ الْحُكْمَ مِنْ السَّامِعِ بِإِرَادَةِ الْمُتَكَلِّمِ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ لَا يَفْتَقِرُ إلَى نَصْبِ قَرِينَةٍ تُفِيدُ إرَادَتَهُ بَلْ يَكْفِي عَدَمُ قَرِينَةٍ تُصْرَفُ عَنْهُ، وَهَذَا مَا يُقَالُ الْكَلَامُ لِحَقِيقَتِهِ مَا لَمْ يَقُمْ الدَّلِيلُ عَلَى مَجَازِهِ، بِخِلَافِ حُكْمِهِ بِإِرَادَةِ مَا لَمْ يُوضَعْ لَهُ حَيْثُ يَفْتَقِرُ إلَى دَلِيلِ إرَادَتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَلَا بُدَّ مِنْ عِلْمِ الشُّهُودِ بِمُرَادِهِ بِأَنْ أَعْلَمَهُمْ بِهِ، وَلِذَا قَالَ فِي الدِّرَايَةِ فِي تَصْوِيرِ الِانْعِقَادِ بِلَفْظِ الْإِجَارَةِ عِنْدَ مَنْ يُجِيزُهُ أَوْ لَا يُجِيزُهُ أَنْ يَقُولَ آجَرْت بِنْتِي وَنَوَى بِهِ النِّكَاحَ وَأَعْلَمَ بِهِ الشُّهُودَ اهـ.
بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ بِعْتُك بِنْتِي بِحَضْرَةِ الشُّهُودِ فَإِنَّ عَدَمَ قَبُولِ الْمَحَلِّ لِلْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ وَهُوَ الْبَيْعُ لِلْحُرِّيَّةِ يُوجِبُ الْحَمْلَ عَلَى الْمَجَازِيِّ فَهُوَ الْقَرِينَةُ فَيَكْتَفِي بِهَا الشُّهُودُ حَتَّى لَوْ كَانَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهَا أَمَةً اُحْتِيجَ إلَى قَرِينَةٍ زَائِدَةٍ.
فِي الْبَدَائِعِ: لَوْ قَالَ لِرَجُلٍ وَهَبْت أَمَتِي مِنْك، فَإِنْ كَانَ الْحَالُ يَدُلُّ عَلَى النِّكَاحِ مِنْ إحْضَارِ الشُّهُودِ وَتَسْمِيَةِ الْمَهْرِ مُؤَجَّلًا أَوْ مُعَجَّلًا يَنْصَرِفُ إلَى النِّكَاحِ؛ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْحَالُ يَدُلُّ عَلَى النِّكَاحِ، فَإِنْ نَوَى وَصَدَّقَهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ فَكَذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ يَنْصَرِفْ إلَى مِلْكِ الرَّقَبَةِ اهـ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَدُلَّ الْحَالُ فَلَا بُدَّ مَعَ النِّيَّةِ مِنْ إعْلَامِ الشُّهُودِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ فَهْمِهِمَا الْمُرَادِ عَلَى الْمُخْتَارِ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ.
وَقَدْ رَجَعَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ إلَى التَّحْقِيقِ حَيْثُ قَالَ: وَلِأَنَّ كَلَامَنَا فِيمَا إذَا صَرَّحَا بِهِ وَلَمْ يَبْقَ احْتِمَالٌ وَلَا يَخْفَى عَدَمُ الْمُنَاسَبَةِ بَيْنَ مَا عَلَّلَ بِهِ مِنْ عَدَمِ اللَّبْسِ وَحُكْمِهِ وَهُوَ عَدَمُ اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ، إذْ عَدَمُ اللَّبْسِ إنَّمَا يَصْلُحُ لِتَعْلِيلِ دَعْوَى ظُهُورِهَا وَفَهْمِهَا. وَأَمَّا الْحَالِفُ لَا يَأْكُلُ مِنْ هَذِهِ النَّخْلَةِ فَمَحْكُومٌ عَلَيْهِ بِإِرَادَةِ الْمَجَازِيِّ نَظَرًا إلَى تَعَذُّرِ الْحَقِيقِيِّ وَكَوْنِهِ مُتَكَلِّمًا وَاعِيًا.
وَأَمَّا الْهَازِلُ فَمُرِيدٌ لِمَعْنَى اللَّفْظِ غَيْرُ مُرِيدٍ لِحُكْمِهِ فَلَا يُلْتَفَتُ لِقَصْدِهِ عَدَمِ الْحُكْمِ. نَعَمْ قَدْ يُقَالُ فِي عَقْدِ الْمُلْجَإِ يَتَعَيَّنُ لَفْظُ الْحَقِيقَةِ بِنَاءً عَلَى كَوْنِ الْإِلْجَاءِ قَرِينَةً تَصْرِفُ عَنْ إرَادَةِ الْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ إذْ غَرَضُهُ لَيْسَ إلَّا التَّخَلُّصُ وَذَلِكَ بِإِجْرَاءِ اللَّفْظِ فَقَطْ، أَوْ مُرِيدًا حَقِيقَتَهُ لِلتَّخَلُّصِ وَهِيَ مُتَعَذِّرَةٌ إذْ لَا تَصِحُّ هِبَةُ الْحُرَّةِ وَبَيْعُهَا.
وَاَلَّذِي أُقِيمَ مَقَامَ الْمَعْنَى فِي قَوْلِهِ ﷺ «ثَلَاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ: النِّكَاحُ، وَالطَّلَاقُ، وَالرَّجْعَةُ» هُوَ الْحَقِيقَةُ دُونَ الْمَجَازِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَوْرَدَ كَيْفَ يَنْعَقِدُ بِالْهِبَةِ وَبِهِ تَقَعُ الْفُرْقَةُ إذَا نَوَى بِهِ الطَّلَاقَ وَهُوَ سُؤَالٌ سَاقِطٌ. أَمَّا أَوَّلًا فَهُوَ مُشْتَرَكُ الْإِلْزَامِ إذْ يَلْزَمُ مِثْلُهُ فِي التَّزَوُّجِ فَإِنَّهُ يَقَعُ بِهِ الْفُرْقَةُ إذَا نَوَى بِقَوْلِهِ تَزَوَّجِي.
وَالْحَقُّ أَنَّ الْهِبَةَ فِيهَا عَلَاقَةُ السَّبَبِيَّةِ لِلْمِلْكِ فَيَتَجَوَّزُ بِهَا، غَيْرَ أَنَّهُ إذَا أَضَافَ الْمِلْكَ الْمُتَجَوَّزَ عَنْهُ بِالْهِبَةِ إلَيْهَا نَفْسَهَا بِقَوْلِهِ وَهَبْت نَفْسَك لَك صَحَّ طَلَاقًا، وَإِنْ أَضَافَهُ إلَى الرَّجُلِ صَحَّ نِكَاحًا. فَظَهَرَ أَنَّ اخْتِلَافَ الْمُوجِبِ فِي هَذَا اللَّفْظِ الْوَاحِدِ لَيْسَ إلَّا لِاخْتِلَافِ الْإِضَافَةِ بَلْ بِنَفْسِ تَوْجِيهِ السُّؤَالِ يَظْهَرُ صِحَّةُ اسْتِعَارَتِهَا لِلْمِلْكِ الْمُغَايِرِ لِمِلْكِ الرَّقَبَةِ إذْ لَمْ يَجِئْ الطَّلَاقُ إلَّا بِاعْتِبَارِ اسْتِعَارَتِهَا لَهُ.
[الْقِسْمُ الثَّانِي] مَا اخْتَلَفُوا فِي الِانْعِقَادِ بِهِ، وَالصَّحِيحُ الصِّحَّةُ نَحْوَ بِعْت نَفْسِي مِنْك بِكَذَا أَوْ ابْنَتِي أَوْ اشْتَرَيْتُك بِكَذَا فَقَالَتْ نَعَمْ يَنْعَقِدُ (قَوْلُهُ هُوَ الصَّحِيحُ) احْتِرَازٌ عَنْ قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ الْأَعْمَشِ، وَقَوْلُهُ (لِوُجُودِ طَرِيقِ الْمَجَازِ) تَعْلِيلٌ لِلصَّحِيحِ، وَجْهُهُ مَا قَدَّمْنَا فِي تَقْرِيرِ التَّمْلِيكِ.
وَاخْتُلِفَ فِي الِانْعِقَادِ بِلَفْظِ السَّلَمِ فَقِيلَ لَا لِأَنَّ السَّلَمَ فِي الْحَيَوَانِ
стр. 1246
(وَلَا يَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الْإِجَارَةِ) فِي الصَّحِيحِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِسَبَبٍ لِمِلْكِ الْمُتْعَةِ (وَ) لَا بِلَفْظِ (الْإِبَاحَةِ وَالْإِحْلَالِ وَالْإِعَارَةِ) لِمَا قُلْنَا (وَ) لَا بِلَفْظِ (الْوَصِيَّةِ) لِأَنَّهَا تُوجِبُ الْمِلْكَ مُضَافًا إلَى مَا بَعْدَ الْمَوْتِ.
لَا يَصِحُّ. وَقِيلَ يَنْعَقِدُ لِأَنَّهُ ثَبَتَ بِهِ مِلْكُ الرَّقَبَةِ. وَالْمَنْقُولُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ كُلَّ لَفْظٍ تُمْلَكُ بِهِ الرِّقَابُ يَنْعَقِدُ بِهِ النِّكَاحُ وَالسَّلَمُ فِي الْحَيَوَانِ يَنْعَقِدُ، حَتَّى لَوْ اتَّصَلَ بِهِ الْقَبْضُ يَنْعَقِدُ الْمِلْكُ فَاسِدًا لَكِنْ لَيْسَ كُلُّ مَا يُفْسِدُ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيَّ لِلَّفْظِ يُفْسِدُ مَجَازَيْهِ لِعَدَمِ لُزُومِ اشْتِرَاكِ الْمُفْسِدِ فِيهِمَا.
وَفِي لَفْظِ الصَّرْفِ فِي شَرْحِ الْكَنْزِ فِيهِ رِوَايَتَانِ. وَفِي الْبَدَائِعِ: قِيلَ لَا يَنْعَقِدُ لِأَنَّهُ وُضِعَ لِإِثْبَاتِ مِلْكِ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ الَّتِي لَا تَتَعَيَّنُ، وَالْمَعْقُودُ عَلَيْهِ هُنَا يَتَعَيَّنُ. وَقِيلَ يَنْعَقِدُ لِأَنَّهُ يَثْبُتُ بِهِ مِلْكُ الْعَيْنِ فِي الْجُمْلَةِ. وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُمَا قَوْلَانِ، وَكَأَنَّ مَنْشَأَهُمَا الرِّوَايَتَانِ.
وَأَمَّا الْفَرْضُ فَقِيلَ يَنْعَقِدُ بِهِ لِثُبُوتِ مِلْكِ الْعَيْنِ بِهِ، وَقِيلَ لَا لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْإِعَارَةِ. قِيلَ الْأَوَّلُ قِيَاسُ قَوْلِهِمَا، وَالثَّانِي قِيَاسُ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ بِنَاءً عَلَى ثُبُوتِ الْمِلْكِ بِهِ فِي الْعَيْنِ وَعِنْدَهُ لَا.
وَأَمَّا لَفْظُ الصُّلْحِ فَذَكَرَ صَاحِبُ الْأَجْنَاسِ أَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ بِهِ. وَذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ فِي كِتَابِ الصُّلْحِ: ابْتِدَاءُ النِّكَاحِ بِلَفْظِ الصُّلْحِ وَالْعَطِيَّةِ جَائِزٌ.
[الْقِسْمُ الثَّالِثُ] لَا يَنْعَقِدُ بِالْإِجَارَةِ فِي الصَّحِيحِ احْتِرَازًا عَنْ قَوْلِ الْكَرْخِيِّ، وَجْهُهُ أَنَّ الثَّابِتَ بِكُلٍّ مِنْهُمَا مِلْكُ مَنْفَعَةٍ فَوُجِدَ الْمُشْتَرَكُ، وَجْهُ الصَّحِيحِ عَلَى مَا ذَكَرُوا أَنَّهَا لَا تَنْعَقِدُ إلَّا مُؤَقَّتَةً، وَالنِّكَاحُ يُشْتَرَطُ فِيهِ نَفْيُهُ فَتَضَادَّا، فَلَا يُسْتَعَارُ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ. وَقَدْ يُقَالُ: إنْ كَانَ الْمُتَضَادَّانِ هُمَا الْعَرْضَانِ اللَّذَانِ لَا يَجْتَمِعَانِ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ لَزِمَكُمْ مِثْلُهُ فِي الْبَيْعِ لِأَنَّهُ لَا يُجَامِعُ النِّكَاحَ مَعَ جَوَازِ الْعَقْدِ بِهِ.
وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ التَّوْقِيتَ لَيْسَ جُزْءُ مَفْهُومِ لَفْظِ الْإِجَارَةِ بَلْ شَرْطٌ لِاعْتِبَارِهِ شَرْعًا خَارِجٌ عَنْهُ فَهُوَ مُجَرَّدُ تَمْلِيكِ الْمَنَافِعِ بِعِوَضٍ، غَيْرَ أَنَّهُ إذَا وَقَعَ مُجَرَّدًا لَا يُعْتَبَرُ شَرْعًا عَلَى مِثَالِ الصَّلَاةِ هِيَ الْقِيَامُ إلَخْ، وَلَوْ وُجِدَتْ بِلَا طَهَارَةٍ لَا تُعْتَبَرُ، وَلَا يُقَالُ: إنَّ الطَّهَارَةَ جُزْءُ مَفْهُومِ الصَّلَاةِ، وَلِذَا عَدَلَ الْمُصَنِّفُ عَنْ التَّوْجِيهِ بِهَذَا إلَى نَفْيِ السَّبَبِيَّةِ الَّتِي هِيَ الْعَلَاقَةُ، فَإِنَّ الْإِجَارَةَ لَيْسَتْ سَبَبًا لِمِلْكِ الْمُتْعَةِ حَتَّى يَتَجَوَّزَ بِهَا عَنْ النِّكَاحِ وَلِهَذَا تَبْطُلُ بِالْإِعَارَةِ، وَهَذَا إذَا جُعِلَتْ الْمَرْأَةُ مُسْتَأْجَرَةً. أَمَّا إذَا جُعِلَتْ بَدَلَ الْإِجَارَةِ أَوْ رَأْسَ مَالِ السَّلَمِ كَأَنْ يُقَالَ اسْتَأْجَرْت دَارَك بِابْنَتِي هَذِهِ أَوْ أَسْلَمْتهَا إلَيْك فِي كَرِّ حِنْطَةٍ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُخْتَلَفَ فِي جَوَازِهِ، فَإِنَّهُ أَضَافَ إلَيْهَا بِلَفْظٍ تُمْلَكُ بِهِ الرِّقَابُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ ﵀ (وَلَا بِلَفْظِ الْوَصِيَّةِ لِأَنَّهَا تُوجِبُ الْمِلْكَ مُضَافًا إلَى مَا بَعْدَ الْمَوْتِ) وَعَنْ الطَّحَاوِيِّ يَنْعَقِدُ لِأَنَّهُ يَثْبُتُ بِهِ مِلْكُ الرَّقَبَةِ فِي الْجُمْلَةِ. وَعَنْ الْكَرْخِيِّ إنْ قَيَّدَ الْوَصِيَّةَ بِالْحَالِ بِأَنْ قَالَ: أَوْصَيْت لَك بِبِنْتِي هَذِهِ الْآنَ يَنْعَقِدُ لِلْحَالِ لِأَنَّهُ بِهِ صَارَ مَجَازًا عَنْ التَّمْلِيكِ اهـ.
وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُخْتَلَفَ فِي صِحَّتِهِ حِينَئِذٍ. وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إذَا قَيَّدَتْ بِالْحَالِ يَصِحُّ، أَوْ بِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ بِأَنْ قَالَ أَوْصَيْت لَك بِابْنَتِي بَعْدَ مَوْتِي لَمْ يَكُنْ نِكَاحًا، وَلَوْ قَالَ أَوْصَيْت
стр. 1247
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لَك بِهَا وَلَمْ يَزِدْ فَقِيلَ لَا يَكُونُ نِكَاحًا، وَعَنْ الطَّحَاوِيِّ يَنْعَقِدُ. ثُمَّ كَوْنُ الْإِضَافَةِ إلَى مَا بَعْدَ الْمَوْتِ بَيَانٌ لِلْوَاقِعِ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ. وَإِلَّا فَمُجَرَّدُ الْإِضَافَةِ يَسْتَقِلُّ بِضَمِّ الصِّحَّةِ لَوْ قَالَ زَوَّجْتُكهَا غَدًا لَمْ يَصِحَّ.
وَحَاصِلُ الْوَجْهِ أَنَّ الْإِضَافَةَ مَأْخُوذَةٌ فِي مَفْهُومِ الْوَصِيَّةِ وَعَدَمِهَا فِي النِّكَاحِ فَتَضَادَّا. وَلَا يَتَجَوَّزُ بِلَفْظٍ أَحَدُ الضِّدَّيْنِ عَنْ الْآخَرِ. بِخِلَافِ الْهِبَةِ لَيْسَ جُزْءُ مَفْهُومِ اللَّفْظِ الْإِضَافَةَ إلَى مَا بَعْدَ الْقَبْضِ، بَلْ هِيَ تَمْلِيكُ الْعَيْنِ بِلَا بَدَلٍ، ثُمَّ هُوَ يَتَأَخَّرُ فِيمَا إذَا كَانَ الْمَوْهُوبُ لَيْسَ فِي يَدِ الْمَوْهُوبِ لَهُ لِضَعْفِ سَبَبِيَّتِهَا بِسَبَبِ عَدَمِ الْعِوَضِ، وَلِذَا لَوْ كَانَ فِي يَدِ الْمَوْهُوبِ لَهُ تَمَّ الْمِلْكُ بِنَفْسِ اللَّفْظِ.
[الْقِسْمُ الرَّابِعُ] لَا يَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الْإِبَاحَةِ وَالْإِحْلَالِ وَالْإِعَارَةِ وَالرَّهْنِ وَالتَّمَتُّعِ لِعَدَمِ تَمْلِيكِ الْمُتْعَةِ فِي كُلٍّ مِنْهَا فَانْتَفَى الْجَامِعُ وَهُوَ الْمُشَارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ لِمَا قُلْنَا. وَلَا يَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الْإِقَالَةِ وَالْخُلْعِ لِأَنَّهُمَا لِفَسْخِ عَقْدٍ ثَابِتٍ.
[فُرُوعٌ: الْأَوَّلُ] كُلُّ لَفْظٍ لَا يَنْعَقِدُ بِهِ النِّكَاحُ يَنْعَقِدُ بِهِ الشُّبْهَةُ فَيَسْقُطُ بِهِ الْحَدُّ، وَيَجِبُ لَهَا الْأَقَلُّ مِنْ الْمُسَمَّى وَمِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ إنْ دَخَلَ بِهَا.
الثَّانِي: لَوْ لُقِّنَتْ الْمَرْأَةُ زَوَّجْت نَفْسِي بِالْعَرَبِيَّةِ وَلَا تَعْلَمُ مَعْنَاهَا وَقَبِلَ الزَّوْجُ وَالشُّهُودُ يَعْلَمُونَ ذَلِكَ أَوْ لَا يَعْلَمُونَ صَحَّ كَالطَّلَاقِ. وَقِيلَ لَا كَالْبَيْعِ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ. وَمِثْلُ هَذَا فِي جَانِبِ الرَّجُلِ إذَا لَقَّنَهُ وَلَا يَعْلَمُ مَعْنَاهُ. وَهَذِهِ فِي جُمْلَةِ مَسَائِلِ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَالتَّدْبِيرِ وَالنِّكَاحِ وَالْخُلْعِ، فَالثَّلَاثَةُ الْأُوَلُ وَاقِعَةٌ فِي الْحُكْمِ، ذَكَرَهُ فِي عَتَاقِ الْأَصْلِ فِي بَابِ التَّدْبِيرِ. وَإِذَا عَرَفَ الْجَوَابَ فِيهَا قَالَ قَاضِي خَانْ: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ النِّكَاحُ كَذَلِكَ لِأَنَّ الْعِلْمَ بِمَضْمُونِ اللَّفْظِ إنَّمَا يُعْتَبَرُ لِأَجْلِ الْقَصْدِ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيمَا يَسْتَوِي فِيهِ الْجَدُّ وَالْهَزْلُ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ وَنَحْوِهِ. وَأَمَّا فِي الْخُلْعِ إذَا لُقِّنَتْ اخْتَلَعْتُ نَفْسِي مِنْك بِمَهْرِي وَنَفَقَةِ عِدَّتِي فَقَالَتْهُ وَلَا تَعْلَمُ مَعْنَاهُ وَلَا أَنَّهُ لَفْظُ الْخُلْعِ اخْتَلَفُوا فِيهِ، قِيلَ لَا يَصِحُّ وَهُوَ الصَّحِيحُ. قَالَ الْقَاضِي: وَيَنْبَغِي أَنْ يَقَعَ الطَّلَاقُ وَلَا يَسْقُطَ الْمَهْرُ وَلَا النَّفَقَةُ، وَكَذَا لَوْ لُقِّنَتْ أَنْ تُبْرِئَهُ، وَكَذَا الْمَدْيُونُ إذَا لَقَّنَ رَبَّ الدَّيْنِ لَفْظَ الْإِبْرَاءِ لَا يَبْرَأُ.
الثَّالِثُ: إذَا سَمَّى الْمَهْرَ مَعَ الْإِيجَابِ بِأَنْ قَالَ تَزَوَّجْتُك بِكَذَا فَقَالَتْ قَبِلْت النِّكَاحَ وَلَا أَقْبَلُ الْمَهْرَ قَالُوا لَا يَصِحُّ. وَلَا يَشْكُلُ بِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ النِّكَاحِ صِحَّةُ التَّسْمِيَةِ أَوْ وُجُودِهَا، لِأَنَّهُ مَا أَوْجَبَ النِّكَاحَ إلَّا بِذَلِكَ الْقَدْرِ الْمُسَمَّى. فَلَوْ صَحَّحْنَاهُ إذَا قَبِلَتْ فِي النِّكَاحِ دُونَ الْمَهْرِ لَلَزِمَهُ مَهْرُ الْمِثْلِ وَهُوَ لَمْ يَرْضَ بِالنِّكَاحِ بِهِ بَلْ بِمَا سُمِّيَ فَيَلْزَمُهُ مَا لَمْ يَلْتَزِمْهُ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يُسَمِّ مِنْ الْأَصْلِ لِأَنَّ غَرَضَهُ النِّكَاحُ بِمَهْرِ الْمِثْلِ حَيْثُ سَكَتَ عَنْهُ مَعَ أَنَّهُ لَازِمٌ فَيَلْزَمُهُ مَا الْتَزَمَهُ، وَلَوْ قَالَتْ قَبِلْت النِّكَاحَ وَلَمْ تَزِدْ عَلَى ذَلِكَ صَحَّ النِّكَاحُ بِمَا سَمَّى.
وَقَدْ يُخَالِفُهُ مَا فِي الْمُنْتَقَى: عَبْدٌ تَزَوَّجَ عَلَى رَقَبَتِهِ بِغَيْرِ إذْنِ الْمَوْلَى فَبَلَغَهُ فَقَالَ أُجِيزُ النِّكَاحَ وَلَا أُجِيزُ عَلَى رَقَبَتِهِ يَجُوزُ النِّكَاحُ وَلَهَا الْأَقَلُّ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ وَمِنْ قِيمَتِهِ يُبَاعُ فِيهِ. بِخِلَافِ مَا فِي الْجَامِعِ: أَمَةٌ تَزَوَّجَتْ بِغَيْرِ إذْنِ الْمَوْلَى عَلَى مِائَةِ دِرْهَمٍ فَبَلَغَهُ الْخَبَرُ فَقَالَ أَجَزْت النِّكَاحَ عَلَى خَمْسِينَ دِينَارًا وَرَضِيَ بِهِ الزَّوْجُ جَازَ لِأَنَّ هَذِهِ مَقْرُونَةٌ بِرِضَا الزَّوْجِ فَهِيَ مُلْحَقَةٌ بِإِجَازَتِهِ.
وَالْحَقُّ مَا أَعْلَمْتُك مِنْ كَلَامِ الْمَشَايِخِ فَيَجِبُ التَّعْوِيلُ عَلَيْهِ وَإِنْ خَالَفَ مَا عَنْ مُحَمَّدٍ.
الرَّابِعُ: يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ بِالْكِتَابِ كَمَا يَنْعَقِدُ بِالْخِطَابِ، وَصُورَتُهُ أَنْ يَكْتُبَ إلَيْهَا يَخْطُبَهَا، فَإِذَا بَلَغَهَا الْكِتَابُ أَحْضَرَتْ الشُّهُودَ وَقَرَأَتْهُ عَلَيْهِمْ وَقَالَتْ زَوَّجْت نَفْسِي مِنْهُ. أَوْ تَقُولَ إنَّ فُلَانًا قَدْ كَتَبَ إلَيَّ يَخْطُبُنِي فَاشْهَدُوا أَنِّي زَوَّجْت نَفْسِي مِنْهُ.
أَمَّا لَوْ لَمْ تَقُلْ بِحَضْرَتِهِمْ سِوَى زَوَّجْت نَفْسِي مِنْ فُلَانٍ لَا يَنْعَقِدُ لِأَنَّ سَمَاعَ الشَّطْرَيْنِ شَرْطُ
стр. 1248
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
صِحَّةِ النِّكَاحِ.
وَبِإِسْمَاعِهِمْ الْكِتَابِ أَوْ التَّعْبِيرِ عَنْهُ مِنْهَا قَدْ سَمِعُوا الشَّطْرَيْنِ بِخِلَافِ مَا إذَا انْتَفَيَا، وَمَعْنَى الْكِتَابِ بِالْخُطْبَةِ أَنْ يَكْتُبَ زَوِّجِينِي نَفْسَك فَإِنِّي رَغِبْت فِيك وَنَحْوَهُ، وَلَوْ جَاءَ الزَّوْجُ بِالْكِتَابِ إلَى الشُّهُودِ مَخْتُومًا فَقَالَ هَذَا كِتَابِي إلَى فُلَانَةَ فَاشْهَدُوا عَلَى ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ حَتَّى يَعْلَمَ الشُّهُودُ مَا فِيهِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ، ثُمَّ رَجَعَ وَجَوَّزَهُ مِنْ غَيْرِ شَرْطِ إعْلَامِ الشُّهُودِ بِمَا فِيهِ.
وَأَصْلُ الْخِلَافِ كِتَابُ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي عَلَى مَا سَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَالَ فِي الْمُصَفَّى: هَذَا يَعْنِي الْخِلَافَ إذَا كَانَ الْكِتَابُ بِلَفْظِ التَّزَوُّجِ، أَمَّا إذَا كَانَ بِلَفْظِ الْأَمْرِ كَقَوْلِهِ زَوِّجِي نَفْسَك مِنِّي لَا يُشْتَرَطُ إعْلَامُهَا الشُّهُودِ بِمَا فِي الْكِتَابِ لِأَنَّهَا تَتَوَلَّى طَرَفَيْ الْعَقْدِ بِحُكْمِ الْوَكَالَةِ وَنَقَلَهُ مِنْ الْكَامِلِ.
قَالَ: وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ إنَّمَا تَظْهَرُ فِيمَا إذَا جَحَدَ الزَّوْجُ الْكِتَابَ بَعْدَمَا أَشْهَدَهُمْ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ قِرَاءَتِهِ عَلَيْهِمْ وَلَا إعْلَامِهِمْ بِمَا فِيهِ وَقَدْ قَرَأَ الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ الْكِتَابَ عَلَيْهِمْ وَقَبِلَ الْعَقْدَ بِحَضْرَتِهِمْ فَشَهِدُوا أَنَّ هَذَا كِتَابَهُ وَلَمْ يَشْهَدُوا بِمَا فِيهِ لَا تُقْبَلُ هَذِهِ الشَّهَادَةُ عِنْدَهُمَا وَلَا يُقْضَى بِالنِّكَاحِ، وَعِنْدَهُ تُقْبَلُ وَيُقْضَى بِهِ، أَمَّا الْكِتَابُ فَصَحِيحٌ بِلَا إشْهَادٍ، وَهَذَا الْإِشْهَادُ لِهَذَا وَهُوَ أَنْ تَتَمَكَّنَ الْمَرْأَةُ مِنْ إثْبَاتِ الْكِتَابِ عِنْدَ جُحُودِ الزَّوْجِ الْكِتَابِ، كَذَا فِي مَبْسُوطِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ وَالْكَامِلِ. وَأَجْمَعُوا فِي الصَّكِّ أَنَّ الْإِشْهَادَ لَا يَصِحُّ مَا لَمْ يَعْلَمْ الشَّاهِدُ مَا فِي الْكِتَابِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ مَا نَقَلَهُ مِنْ نَفْيِ الْخِلَافِ فِي صُورَةِ الْأَمْرِ لَا شُبْهَةَ فِيهِ عَلَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَالْمُحَقِّقِينَ، أَمَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ جَعَلَ لَفْظَ الْأَمْرِ إيجَابًا كَقَاضِي خَانْ عَلَى مَا نَقَلْنَاهُ عَنْهُ فَيَجِبُ اعْتِبَارُ إعْلَامِهَا إيَّاهُمْ بِمَا فِي الْكِتَابِ وَأَنَّهُ إنْ لَمْ يُعْلِمْهُمْ الْكَاتِبُ بِمَا فِي الْكِتَابِ تَكُونُ مِنْ صُوَرِ الْخِلَافِ، وَعَلَى هَذَا مَا صَدَّرْنَا بِهِ الْمَسْأَلَةَ.
الْخَامِسُ: يَنْعَقِدُ بِالْإِشَارَةِ مِنْ الْأَخْرَسِ إذَا كَانَتْ لَهُ إشَارَةٌ مَعْلُومَةٌ.
السَّادِسُ: يَنْعَقِدُ بِنَقْلِ الرَّسُولِ عِبَارَةِ الْمُرْسِلِ إذَا أَجَابَتْ وَسَمِعَ الشُّهُودُ كَلَامَيْهِمَا، وَسَنُفَصِّلُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي فَصْلِ الْوَكَالَةِ بِالنِّكَاحِ.
السَّابِعُ: لَا يَبْطُلُ عَقْدُ النِّكَاحِ بِالشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ، فَلَوْ قَالَ أَتَزَوَّجُك عَلَى أَنْ تُعْطِيَنِي عَبْدَك فَأَجَابَتْهُ بِالنِّكَاحِ انْعَقَدَ مُوجِبًا لِمَهْرِ مِثْلِهَا عَلَيْهِ وَلَا شَيْءَ لَهُ مِنْ الْعَبْدِ.
الثَّامِنُ: لَا يَجُوزُ تَعْلِيقُ النِّكَاحِ بِالْخَطَرِ، لَوْ قَالَ إذَا جَاءَ فُلَانٌ فَقَدْ زَوَّجْتُك بِنْتِي فُلَانَةَ فَقَبِلَ فَجَاءَ فُلَانٌ لَا يَنْعَقِدُ، وَكَذَا تَعْلِيقُ الرَّجْعَةِ إذْ كُلٌّ مِنْهُمَا إلْزَامٌ. وَاَلَّذِي يَجُوزُ تَعْلِيقُهُ بِالشَّرْطِ مَا هُوَ إسْقَاطٌ كَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ أَوْ الْتِزَامٌ كَالنَّذْرِ، إلَّا التَّعْلِيقَ بِالْمَشِيئَةِ إذَا أَبْطَلَ مَنْ لَهُ الْمَشِيئَةُ فِي الْمَجْلِسِ عَلَى مَا فِي التَّجْنِيسِ. فِي رَمْزِ الْفَتَاوَى الصُّغْرَى وَغَيْرِهَا: إذَا قَالَ تَزَوَّجْتُك إنْ شِئْت أَوْ إنْ شَاءَ زَيْدٌ فَأَبْطَلَ صَاحِبُ الْمَشِيئَةِ مَشِيئَتَهُ فِي الْمَجْلِسِ فَالنِّكَاحُ جَائِزٌ، لِأَنَّ الْمَشِيئَةَ إذَا بَطَلَتْ فِي الْمَجْلِسِ صَارَ نِكَاحًا بِغَيْرِ مَشِيئَةٍ، كَمَا لَوْ قَالَ فِي السَّلَمِ إذَا بَطَلَ الْخِيَارُ فِي الْمَجْلِسِ جَازَ السَّلَمُ ثُمَّ قَالَ: لَكِنْ إذَا بَدَأَتْ الْمَرْأَةُ، أَمَّا إذَا بَدَأَ الزَّوْجُ فَقَالَ تَزَوَّجْتُك إنْ شِئْت ثُمَّ قَبِلَتْ الْمَرْأَةُ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ صَحَّ النِّكَاحُ، وَلَا يَحْتَاجُ إلَى إبْطَالِ الْمَشِيئَةِ بَعْدَ ذَلِكَ لِأَنَّ الْقَبُولَ مَشِيئَةٌ اهـ.
وَهَذَا نَاظِرٌ إلَى أَنَّ مَا مِنْ جَانِبِ الْمَرْأَةِ هُوَ الْقَبُولُ سَوَاءٌ تَقَدَّمَ أَوْ تَأَخَّرَ. وَمَا مِنْ جَانِبِ الرَّجُلِ إيجَابٌ تَقَدَّمَ أَوْ تَأَخَّرَ، وَقَدْ قَدَّمْنَا قَرِيبًا أَنَّ الْحَقَّ أَنَّ الْأَوَّلَ إيجَابٌ مِنْ أَيِّ جِهَةٍ كَانَ، وَالثَّانِيَ قَبُولٌ كَذَلِكَ وَلِعَدَمِ جَوَازِ تَعْلِيقِهِ بِالْخَطَرِ امْتَنَعَ خِيَارُ الشَّرْطِ فِيهِ فَيَبْطُلُ، كَمَا لَوْ قَالَ تَزَوَّجْتُك عَلَى أَنِّي بِالْخِيَارِ فَقَبِلَتْ صَحَّ وَلَا خِيَارَ لَهُ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ إنْ رَضِيَ أَبِي لَا يَجُوزُ، بِخِلَافِ مَنْ خُطِبَتْ إلَيْهِ ابْنَتَهُ فَقَالَ زَوَّجْتهَا فَلَمْ يُصَدِّقْهُ الْخَاطِبُ فَقَالَ إنْ لَمْ أَكُنْ زَوَّجْتهَا مِنْ فُلَانٍ فَقَدْ زَوَّجْتهَا مِنْك فَقَبِلَ بِحَضْرَةِ الشُّهُودِ، ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ زَوَّجَهَا حَيْثُ يَنْعَقِدُ
стр. 1249
قَالَ (وَلَا يَنْعَقِدُ نِكَاحُ الْمُسْلِمِينَ إلَّا بِحُضُورِ شَاهِدَيْنِ حُرَّيْنِ عَاقِلَيْنِ بَالِغَيْنِ مُسْلِمَيْنِ رَجُلَيْنِ أَوْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ عُدُولًا كَانُوا أَوْ غَيْرَ عُدُولٍ أَوْ مَحْدُودِينَ فِي الْقَذْفِ) اعْلَمْ أَنَّ الشَّهَادَةَ شَرْطٌ فِي بَابِ النِّكَاحِ لِقَوْلِهِ ﷺ «لَا نِكَاحَ إلَّا بِشُهُودٍ» وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى مَالِكٍ ﵀ فِي اشْتِرَاطِ الْإِعْلَانِ دُونَ الشَّهَادَةِ.
وَلَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِ
النِّكَاحُ بَيْنَهُمَا، لِأَنَّ هَذَا تَعْلِيقٌ بِمَا هُوَ مَوْجُودٌ لِلْحَالِ وَمِثْلُهُ تَحْقِيقٌ، كَذَا أَجَابَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ، وَسَنُفَصِّلُ الْكَلَامَ فِي خِيَارِ الشَّرْطِ وَالرُّؤْيَةِ وَالْعَيْبِ فِي بَابِ الْمَهْرِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
التَّاسِعُ: إذَا وَصَلَ الْإِيجَابَ بِتَسْمِيَةِ الْمَهْرِ كَانَ مِنْ تَمَامِهِ، حَتَّى لَوْ قَبِلَ الْآخَرُ قَبْلَهُ لَا يَصِحُّ، كَامْرَأَةٍ قَالَتْ لِرَجُلٍ زَوَّجْت نَفْسِي مِنْك بِمِائَةِ دِينَارٍ فَقَبِلَ أَنْ تَقُولَ بِمِائَةِ دِينَارٍ قَبِلَ الزَّوْجُ لَا يَنْعَقِدُ، لِأَنَّ أَوَّلَ الْكَلَامِ يَتَوَقَّفُ عَلَى آخِرِهِ إذَا كَانَ فِي آخِرِهِ مَا يُغَيِّرُ أَوَّلَهُ، وَهُنَا كَذَلِكَ فَإِنَّ مُجَرَّدَ زَوَّجْت يَنْعَقِدُ بِمَهْرِ الْمِثْلِ وَذِكْرُ الْمُسَمَّى مَعَهُ يُغَيِّرُ ذَلِكَ إلَى تَعْيِينِ الْمَذْكُورِ فَلَا يَعْمَلُ قَوْلُ الزَّوْجِ قَبْلَهُ.
الْعَاشِرُ: يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ مِنْ الْهَازِلِ وَتَلْزَمُ مَوَاجِبُهُ لِقَوْلِهِ ﷺ «ثَلَاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ: النِّكَاحُ وَالطَّلَاقُ، وَالرَّجْعَةُ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَجَعَلَ الْعِتْقَ بَدَلَ الرَّجْعَةِ وَكَذَا يَنْعَقِدُ مِنْ الْمُكْرَهِ
(قَوْلُهُ وَلَا يَنْعَقِدُ نِكَاحُ الْمُسْلِمِينَ إلَّا بِحُضُورِ إلَخْ) احْتِرَازٌ عَنْ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ إذْ سَيَأْتِي أَنَّ أَنْكِحَةَ الْكُفَّارِ بِغَيْرِ الشُّهُودِ صَحِيحَةٌ إذَا كَانُوا يَدِينُونَ بِذَلِكَ. وَقَوْلُهُ بِحُضُورٍ لَا يُوجِبُ السَّمَاعَ وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ الْقَاضِي عَلِيٌّ السُّغْدِيُّ، وَنُقِلَ عَنْ أَبْوَابِ الْأَمَانِ مِنْ السِّيَرِ الْكَبِيرِ أَنَّهُ يَجُوزُ وَإِنْ لَمْ يَسْمَعُوا، وَعَلَى هَذَا جَوَّزُوهُ بِالْأَصَمَّيْنِ وَالنَّائِمَيْنِ، وَالصَّحِيحُ اشْتِرَاطُ السَّمَاعِ لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ مِنْ الْحُضُورِ وَسَيَأْتِي تَمَامُهُ. أَمَّا اشْتِرَاطُ الشَّهَادَةِ فَلِقَوْلِهِ ﷺ «لَا نِكَاحَ إلَّا بِشُهُودٍ» قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى مَالِكٍ فِي اشْتِرَاطِ الْإِعْلَانِ دُونَ الْإِشْهَادِ) وَظَاهِرٌ أَنَّهُ حُجَّةٌ عَلَيْهِ فِي الْأَمْرَيْنِ: اشْتِرَاطِ الْإِعْلَانِ وَعَدَمِ اشْتِرَاطِ الْإِشْهَادِ، لَكِنَّ الْمَقْصُودَ أَنَّهُ حُجَّةٌ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ وَهُوَ اشْتِرَاطُ الْإِشْهَادِ، وَإِنَّمَا زَادَ ذِكْرَ الْإِعْلَانِ تَتْمِيمًا لِنَقْلِ مَذْهَبِهِ.
وَنَفَى اشْتِرَاطَ الشَّهَادَةِ قَوْلُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى وَعُثْمَانَ الْبَتِّيِّ وَأَبِي ثَوْرٍ وَأَصْحَابِ الظَّوَاهِرِ.
قِيلَ وَزَوَّجَ ابْنُ عُمَرَ بِغَيْرِ شُهُودٍ وَكَذَا فَعَلَ الْحَسَنُ وَهُمْ مَحْجُوجُونَ بِقَوْلِهِ ﷺ «لَا نِكَاحَ إلَّا بِشُهُودٍ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ.
وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ «ابْنِ عَبَّاسٍ الْبَغَايَا اللَّاتِي يَنْكِحْنَ أَنْفُسَهُنَّ بِغَيْرِ شُهُودٍ» وَلَمْ يَرْفَعْهُ غَيْرُ عَبْدُ الْأَعْلَى فِي التَّفْسِيرِ، وَوَقَفَهُ فِي الطَّلَاقِ، لَكِنَّ ابْنَ حِبَّانَ رَوَى مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّهُ ﷺ قَالَ «لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ، وَمَا كَانَ مِنْ نِكَاحٍ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَهُوَ بَاطِلٌ، فَإِنْ تَشَاجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ» قَالَ ابْنُ حِبَّانَ: لَا يَصِحُّ فِي ذِكْرِ الشَّاهِدَيْنِ غَيْرُ هَذَا، وَشَتَّانَ مَا بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ قَوْلِ فَخْرِ الْإِسْلَامِ: إنَّ حَدِيثَ الشُّهُودِ مَشْهُورٌ يَجُوزُ تَخْصِيصُ الْكِتَابِ بِهِ:
стр. 1250
الْحُرِّيَّةِ فِيهَا لِأَنَّ الْعَبْدَ لَا شَهَادَةَ لَهُ لِعَدَمِ الْوِلَايَةِ، وَلَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِ الْعَقْلِ وَالْبُلُوغِ، لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ بِدُونِهِمَا، وَلَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِ الْإِسْلَامِ فِي أَنْكِحَةِ الْمُسْلِمِينَ لِأَنَّهُ لَا شَهَادَةَ لِلْكَافِرِ عَلَى الْمُسْلِمِ،
أَعْنِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ الْآيَةَ، فَيَنْدَفِعُ بِهِ الْإِيرَادُ الْمَعْرُوفُ، وَهُوَ لُزُومُ الزِّيَادَةِ عَلَى الْكِتَابِ أَوْ تَخْصِيصُهُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ.
وَجَوَابٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنَّهُ خَصَّ مِنْهُ الْمُحَرَّمَاتِ فَجَازَ تَخْصِيصُهُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ ثَانِيًا، وَلَوْ عَدَلَ إلَى النَّصِّ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ فَالْجَوَابُ بِأَنَّ الْآخَرَ مَخْصُوصٌ بِالْمُشْرِكَةِ وَنَحْوِهَا. وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَشَايِخَ ﵏ نَصَبُوا الْخِلَافَ فِي مَوْضِعَيْنِ: فِي الشَّهَادَةِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، وَفِي الْإِعْلَانِ.
وَاسْتَدَلُّوا لِمَالِكٍ فِي إثْبَاتِهِ بِالْمَنْقُولِ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ فِي الْحَدِيثِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنْهُ ﷺ «أَعْلِنُوا بِالنِّكَاحِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ. وَبِالْمَعْقُولِ وَهُوَ أَنَّ حَرَامَ هَذَا الْفِعْلِ يَكُونُ سِرًّا فَضِدُّهُ يَكُونُ جَهْرًا لِتَنْتَفِي التُّهْمَةُ. وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ هَذَا نَصْبٌ فِي غَيْرِ مَحَلِّ النِّزَاعِ، يَظْهَرُ ذَلِكَ مِنْ أَجْوِبَتِهِمْ عَنْ هَذَا الِاسْتِدْلَالِ وَغَيْرِهِ، وَذَلِكَ أَنَّ كَلِمَتَهُمْ قَاطِبَةٌ فِيهِ عَلَى الْقَوْلِ بِمُوجِبِ دَلَائِلِ الْإِعْلَانِ وَادِّعَاءِ الْعَمَلِ بِهَا بِاشْتِرَاطِ الْإِشْهَادِ إذْ بِهِ يَحْصُلُ الْإِعْلَانُ، وَكَلَامُ الْمَبْسُوطِ حَيْثُ قَالَ: وَلِأَنَّ الشَّرْطَ لَمَّا كَانَ الْإِظْهَارُ يُعْتَبَرُ فِيهِ مَا هُوَ طَرِيقُ الظُّهُورِ شَرْعًا وَذَلِكَ بِشَهَادَةِ الشَّاهِدَيْنِ فَإِنَّهُ مَعَ شَهَادَتِهِمَا لَا يَبْقَى سِرًّا. وَقَوْلُ الْكَرْخِيِّ: نِكَاحُ السِّرِّ مَا لَمْ يَحْضُرْهُ شُهُودٌ، فَإِذَا حَضَرُوا فَقَدْ أُعْلِنَ قَالَ: وَسِرُّك مَا كَانَ عِنْدَ امْرِئٍ وَسِرُّ الثَّلَاثَةِ غَيْرُ الْخَفِيِّ صَرِيحٌ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ.
فَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي اشْتِرَاطِ الْإِعْلَانِ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي أَنَّ الْإِعْلَانَ الْمُشْتَرَطَ هَلْ يَحْصُلُ بِالْإِشْهَادِ حَتَّى لَا يَضُرَّ بَعْدَهُ تَوْصِيَتُهُ لِلشُّهُودِ بِالْكِتْمَانِ إذْ لَا يَضُرُّ بَعْدَ الْإِعْلَانِ التَّوْصِيَةُ بِالْكِتْمَانِ أَوْ لَا يَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ الْإِشْهَادِ حَتَّى يَضُرَّ، فَقُلْنَا نَعَمْ وَقَالُوا لَا. وَلَوْ أُعْلِنَ بِدُونِ الْإِشْهَادِ لَا يَصِحُّ لِتَخَلُّفِ شَرْطٍ آخَرَ وَهُوَ الْإِشْهَادُ وَعِنْدَهُ يَصِحُّ. فَالْحَاصِلُ أَنَّ شَرْطَ الْإِشْهَادِ يَحْصُلُ فِي ضِمْنِهِ الشَّرْطُ الْآخَرُ، فَكُلُّ إشْهَادٍ إعْلَانٌ وَلَا يَنْعَكِسُ، كَمَا لَوْ أَعْلَنُوا بِحَضْرَةِ صَبِيَّانِ أَوْ عَبِيدٍ
(قَوْلُهُ لِعَدَمِ الْوِلَايَةِ) يَعْنِي الْقَاصِرَةَ وَهِيَ وِلَايَتُهُ عَلَى نَفْسِهِ لَا التَّامَّةَ وَهِيَ نَفَاذُ الْقَوْلِ عَلَى الْغَيْرِ لِأَنَّ تِلْكَ يَحْتَاجُ إلَيْهَا الْأَدَاءُ، وَهَذَا تَعْلِيلٌ لِعَدَمِ صِحَّةِ شَهَادَةِ الصَّبِيِّ وَالْعَبْدِ وَالْمَجْنُونِ فِي بَابِ النِّكَاحِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ شَرْطِ هَذِهِ الشَّهَادَةِ الْأَدَاءُ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ وِلَايَةٌ عَلَى نَفْسِهِ وَالشَّهَادَةُ فَرْعُهَا لَمْ تَكُنْ شَهَادَةً وَلِذَا جَازَتْ شَهَادَةُ الْمَحْدُودِ فِي الْقَذْفِ لِوِلَايَتِهِ عَلَى نَفْسِهِ. وَالْمُدَبَّرُ وَالْمُكَاتَبُ كَالْقِنِّ لَا يَنْعَقِدُ بِشَهَادَتِهِمْ. وَلَوْ حَضَرَ الْعَبْدُ وَالصَّبِيُّ لِلْعَقْدِ مَعَ غَيْرِهِمَا مِمَّنْ تَصِحُّ شَهَادَتُهُ ثُمَّ عَتَقَ الْعَبْدُ وَبَلَغَ الصَّبِيُّ وَاحْتِيجَ إلَى الْأَدَاءِ لِجَحْدِ النِّكَاحِ فَشَهِدَا بِهِ دُونَ مَنْ كَانَ مَعَهُمَا مِمَّنْ كَانَ الْعَقْدُ بِحُضُورِهِ جَازَتْ شَهَادَتُهُمَا وَإِنْ لَمْ تَكُنْ صِحَّةُ الْعَقْدِ كَانَتْ بِحُضُورِهِمَا.
هَذَا وَمَذْهَبُ أَحْمَدَ جَوَازُ شَهَادَةِ الْعَبْدِ مُطْلَقًا، وَاسْتُبْعِدَ نَفْيُهَا لِأَنَّهُ لَا كِتَابَ وَلَا سُنَّةَ وَلَا إجْمَاعَ فِي نَفْيِهَا. وَحُكِيَ عَنْ
стр. 1251
وَلَا يُشْتَرَطُ وَصْفُ الذُّكُورَةِ حَتَّى يَنْعَقِدَ بِحُضُورِ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ وَفِيهِ خِلَافُ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَسَتَعْرِفُ فِي الشَّهَادَاتِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
وَلَا تُشْتَرَطُ الْعَدَالَةُ حَتَّى يَنْعَقِدَ بِحَضْرَةِ الْفَاسِقَيْنِ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ ﵀. لَهُ أَنَّ الشَّهَادَةَ مِنْ بَابِ الْكَرَامَةِ وَالْفَاسِقُ مِنْ أَهْلِ الْإِهَانَةِ. وَلَنَا أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْوِلَايَةِ فَيَكُونُ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ،
أَنَسٍ أَنَّهُ قَالَ: مَا عَلِمْت أَحَدًا رَدَّ شَهَادَةَ الْعَبْدِ وَاَللَّهُ تَعَالَى يَقْبَلُهَا عَلَى الْأُمَمِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَكَيْفَ لَا تُقْبَلُ هُنَا، وَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي رِوَايَةِ الْأَخْبَارِ. وَاَلَّذِي ذُكِرَ مِنْ الْمَعْنَى وَهُوَ أَنَّ الشَّهَادَةَ مِنْ بَابِ الْوِلَايَةِ وَلَا وِلَايَةَ لَهُ مِمَّا يُمْنَعُ فَإِنَّهُ لَا تَلَازُمَ عَقْلًا بَيْنَ تَصْدِيقِ مُخْبِرٍ فِي إخْبَارِهِ بِمَا شَاهَدَهُ بَعْدَ كَوْنِهِ عَدْلًا تَقِيًّا وَبَيْنَ كَوْنِهِ غَيْرَ مَمْلُوكِ الْمَنَافِعِ وَلَا شَرْعًا لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُبْتَلَى عَبْدٌ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ بِالرِّقِّ وَيُقْبَلُ إخْبَارُهُ؟ كَيْفَ وَلَيْسَ الشَّرْطُ هُنَا كَوْنُ الشَّاهِدِ مِمَّنْ يُقْبَلُ أَدَاؤُهُ، وَلِذَا جَازَ بِعَدْوَى الزَّوْجَيْنِ وَلَا أَدَاءَ لَهُمَا، وَغَايَةُ مَا يُلْمَحُ فِيهِ أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَجْعَلْ لَهُ وِلَايَةً عَلَى نَفْسِهِ شَرْعًا وَلَمْ يُصَحِّحْ لَهُ التَّصَرُّفَ اُلْتُحِقَ بِالْجَمَادَاتِ فِي حَقِّ الْعُقُودِ وَنَحْوِهَا فَكَانَ حُضُورُهُ كَلَا حُضُورٍ.
وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ فِي الْمَبْسُوطِ حَيْثُ قَالَ: وَلِأَنَّ النِّكَاحَ يُعْقَدُ فِي مَحَافِلِ الرِّجَالِ وَالصِّبْيَانِ وَالْعَبِيدُ لَا يُدْعَوْنَ فِي مَحَافِلِ الرِّجَالِ عَادَةً فَكَانَ حُضُورُهُمَا كَلَا حُضُورٍ. فَحَاصِلُهُ أَنَّ اشْتِرَاطَ الشَّهَادَةِ إنَّمَا هُوَ لِإِظْهَارِ الْخَطَرِ وَلَا خَطَرَ فِي إحْضَارِ مُجَرَّدِ الْعَبِيدِ وَالصِّبْيَانِ، وَكَذَا أَهْلُ الذِّمَّةِ فِي أَنْكِحَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَكَذَا النِّسَاءُ مُنْفَرِدَاتٌ عَنْ الرِّجَالِ، فَشَمِلَ هَذَا الْوَجْهَ نَفْيَ شَهَادَةِ الْكُلِّ.
وَعَلَى اعْتِبَارِهِ الْأَوْلَى أَنْ يَنْفِيَ شَهَادَةَ السَّكَارَى حَالِ سُكْرِهِمْ وَعَرْبَدَتِهِمْ وَإِنْ كَانُوا بِحَيْثُ يَذْكُرُونَهَا بَعْدَ الصَّحْوِ، وَهَذَا الَّذِي أَدَّيْنَ اللَّهَ بِهِ
(قَوْلُهُ وَلَا تُشْتَرَطُ الْعَدَالَةُ حَتَّى يَنْعَقِدَ بِحَضْرَةِ الْفَاسِقِينَ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ. لَهُ أَنَّ الشَّهَادَةَ مِنْ بَابِ الْكَرَامَةِ) حَقِيقَتُهُ الرُّجُوعُ إلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ الْقَائِلِ بِأَنَّهَا شُرِطَتْ إظْهَارًا لِلْخَطَرِ وَهُوَ مَعْنَى التَّكَرُّمَةِ (وَالْفَاسِقُ مِنْ أَهْلِ الْإِهَانَةِ) فَلَا تَكَرُّمَةَ وَلَا تَعْظِيمَ لِلْعَقْدِ بِإِحْضَارِهِ. عَارَضَهُ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ (وَلَنَا أَنَّهُ) أَيْ الْفَاسِقُ (مِنْ أَهْلِ الْوِلَايَةِ فَيَكُونُ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ) تَحْلِيلُهُ مِنْ شَرْطِيَّةٍ وُضِعَ فِيهَا الْمُقَدَّمُ أَسْهَلُ مِنْ تَحْلِيلِهِ مِنْ اقْتِرَانِيٍّ كَمَا سَلَكَهُ بَعْضُ الشَّارِحِينَ فَأَطَالَ: أَيْ لَمَّا كَانَ مِنْ أَهْلِ الْوِلَايَةِ كَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ، فَهَذِهِ دَعْوَى مُلَازَمَةٌ شَرْعِيَّةٌ. وَقَوْلُهُ وَهَذَا لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يُحَرِّمْ الْوِلَايَةَ عَلَى نَفْسِهِ إلَخْ مُلَازَمَةٌ أُخْرَى لِبَيَانِ الْمُلَازَمَةِ الْأُولَى فِي حَيِّزِ الْمَنْعِ كَالْأُولَى فَعَلَّلَهَا بِقَوْلِهِ لِأَنَّهُ مِنْ جِنْسِهِ: أَيْ لِأَنَّ الْغَيْرَ مِنْ جِنْسِ الْفَاسِقِ وَيَجُوزُ قَلْبُهُ.
وَفِيهِ تَقْرِيرٌ آخَرُ لِبَعْضِهِمْ بَعِيدٌ مِنْ اللَّفْظِ. وَحَاصِلُ هَذَا أَنَّ أَحْكَامَ أَفْرَادِ الْجِنْسِ الْمُتَّحِدِ مُتَّحِدَةٌ بِحَسَبِ الْأَصْلِ، فَكُلُّ مُسْلِمٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ خِطَابَاتِ الْأَحْكَامِ
стр. 1252
وَهَذَا لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يُحَرِّمْ الْوِلَايَةَ عَلَى نَفْسِهِ لِإِسْلَامِهِ لَا يُحَرِّمُ عَلَى غَيْرِهِ لِأَنَّهُ مِنْ جِنْسِهِ، وَلِأَنَّهُ صَلُحَ مُقَلَّدًا فَيَصْلُحُ مُقَلِّدًا وَكَذَا شَاهِدًا. وَالْمَحْدُودُ فِي الْقَذْفِ مِنْ أَهْلِ الْوِلَايَةِ فَيَكُونُ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ تَحَمُّلًا، وَإِنَّمَا الْفَائِتُ ثَمَرَةُ الْأَدَاءِ بِالنَّهْيِ لِجَرِيمَتِهِ فَلَا يُبَالِي بِفَوَاتِهِ كَمَا
مَا يَتَعَلَّقُ بِمِثْلِهِ فَلَمَّا لَمْ يُحْرِمْ الشَّارِعُ الْفَاسِقَ مِنْ الْوِلَايَةِ عَلَى نَفْسِهِ عُلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَعْتَبِرْ شَرْعًا فِسْقَهُ سَالِبًا لِأَهْلِيَّةِ الْوِلَايَةِ مُطْلَقًا فَجَازَ ثُبُوتُهَا عَلَى غَيْرِهِ لِأَنَّهُ كَنَفْسِهِ، إلَّا أَنَّ ثُبُوتَهَا عَلَى غَيْرِهِ لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا بِرِضَاهُ وَذَلِكَ بِتَوْلِيَتِهِ عَلَيْهِ، وَإِذَا اسْتَشْهَدَهُ فَقَدْ اسْتَوْلَاهُ وَرَضِيَ بِهِ فَيَثْبُتُ ذَلِكَ الْقَدْرُ وَهُوَ صِحَّةُ سَمَاعِهِ عَلَيْهِ كَمَا يَصِحُّ مِنْهُ سَمَاعُهُ لِأَحَدِ شَطْرَيْ مَا يَعْقِدُهُ مِنْ الْمُعَامَلَاتِ لِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِهِ وَمُجَرَّدُ السَّمَاعِ هُوَ الشَّرْطُ فَتَجُوزُ شَهَادَتُهُ فِيهِ: أَيْ سَمَاعُهُ.
أَمَّا الْأَدَاءُ فَمُتَوَقِّفٌ عَلَى فِعْلِ غَيْرِهِ وَهُوَ إجَازَةُ الْقَاضِي. وَأَنْتَ إذَا تَأَمَّلْت هَذَا الْوَجْهَ ظَهَرَ لَك أَنَّهُ لَمْ يَزِدْ عَلَى اقْتِضَاءِ تَجْوِيزِ كَوْنِ الْفَاسِقِ شَاهِدًا فَتَثْبُتُ شَهَادَتُهُ لِعَدَمِ النَّافِي. وَالْوَجْهُ السَّابِقُ مِنْ اشْتِرَاطِ الشَّهَادَةِ لِإِظْهَارِ تَعْظِيمِ الْعَقْدِ وَتَعْظِيمِ الْمَحَلِّ الْوَارِدِ هُوَ عَلَيْهِ يَنْفِيهِ لِأَنَّ مُجَرَّدَ إحْضَارِ الْفَاسِقِ لَيْسَ بِتَكَرُّمَةٍ. وَالْحَقُّ أَنَّ هَذَا الْوَجْهَ إنَّمَا يَنْفِي مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ إحْضَارِ الْفُسَّاقِ حَالَ سُكْرِهِمْ عَلَى مَا فَرَّعُوا مِنْ أَنَّهُ إذَا عَقَدَ بِحَضْرَةِ سُكَارَى يَفْهَمُونَ كَلَامَ الْعَاقِدَيْنِ جَازَ وَإِنْ كَانُوا بِحَيْثُ يَنْسَوْنَهُ إذَا صَحُّوا وَهُوَ الَّذِي دَنَا بِهِ آنِفًا.
أَمَّا مَنْ كَانَ فِي نَفْسِهِ فَاسِقًا وَلَهُ مُرُوءَةٌ وَحِشْمَةٌ فَإِنَّ إحْضَارَهُ لِلشَّهَادَةِ لَا يُنَافِيهِ الْوَجْهُ الْمَذْكُورُ، فَالْحَقُّ صِحَّةُ الْعَقْدِ بِحَضْرَةِ فُسَّاقٍ لَا فِي حَالِ فِسْقِهِمْ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (قَوْلُهُ وَلِأَنَّهُ صَلُحَ مُقَلِّدًا) بِكَسْرِ اللَّامِ الْمُشَدَّدَةِ.
وَجْهٌ ثَانٍ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي صِحَّةِ شَهَادَةِ الْفَاسِقِ فِي النِّكَاحِ وَهُوَ أَنَّهُ صَلُحَ مُقَلِّدًا: أَيْ سُلْطَانًا وَخَلِيفَةً (فَيَصْلُحُ مُقَلَّدًا) بِفَتْحِ اللَّامِ: أَيْ قَاضِيًا (وَكَذَا شَاهِدًا) بِالْوَاوِ فِي نُسَخٍ وَبِالْفَاءِ فِي نُسَخٍ، فَعَلَى الْأَوَّلِ هِيَ مُلَازَمَةٌ
стр. 1253
فِي شَهَادَةِ الْعُمْيَانِ وَابْنَيْ الْعَاقِدَيْنِ.
قَالَ (وَإِنْ تَزَوَّجَ مُسْلِمٌ ذِمِّيَّةً بِشَهَادَةِ ذِمِّيَّيْنِ جَازَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ وَزُفَرُ: لَا يَجُوزُ) لِأَنَّ السَّمَاعَ فِي النِّكَاحِ شَهَادَةٌ وَلَا شَهَادَةَ لِلْكَافِرِ عَلَى الْمُسْلِمِ
وَاحِدَةٌ.
حَاصِلُهَا أَنَّهُ لَمَّا صَلُحَ لِلْوِلَايَةِ الْكُبْرَى الَّتِي هِيَ أَعَمُّ ضَرَرًا وَنَفْعًا صَلُحَ لِلصُّغْرَى الَّتِي هِيَ الْأَقَلُّ وَهِيَ الْقَضَاءُ وَالشَّهَادَةُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى. بَيَانُ الِاسْتِثْنَائِيَّة الْمُقَدَّرَةِ الْمُسْتَغْنَى عَنْ إظْهَارِهَا بِلَفْظَةِ لَمَّا فَإِنَّهَا دَالَّةٌ عَلَى وَضْعِ الْمُقَدَّمِ أَنَّ الْخُلَفَاءَ غَيْرَ الْأَرْبَعَةِ السَّابِقِينَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ كَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَلَّمَا خَلَوْا مِنْ فِسْقٍ مَعَ عَدَمِ إنْكَارِ السَّلَفِ وَلَا يُتَّهَمُ وَتَصْحِيحِ تَقْلِيدِهِمْ الْقَضَاءِ وَغَيْرِهِ.
وَعَلَى الثَّانِي مُلَازَمَتَانِ بَيْنَ صَلَاحِيَةِ الْكُبْرَى وَصَلَاحِيَةِ الْقَضَاءِ وَبَيْنَ صَلَاحِيَةِ الْقَضَاءِ وَصَلَاحِيَةِ الشَّهَادَةِ، وَالْأَوَّلُ سَبَبٌ لِلثَّانِي فِي كُلٍّ مِنْهُمَا. فَاعْتُرِضَ بِأَنَّهُ ذَكَرَ فِي أَدَبِ الْقَاضِي أَنَّ الْأَمْرَ بِالْعَكْسِ حَيْثُ قَالَ لَا تَصِحُّ وِلَايَةُ الْقَاضِي حَتَّى يَجْتَمِعَ فِي الْمُولَى شَرَائِطُ الشَّهَادَةِ. وَأُجِيبُ بِأَنَّ قَوْلَهُ فَكَذَا شَاهِدًا عَطْفٌ عَلَى مُقَلِّدًا بِكَسْرِ اللَّامِ وَإِنْ تَخَلَّلَ مَعْطُوفٌ غَيْرُهُ كَعَمْرٍو مِنْ قَوْلِك جَاءَ زَيْدٌ وَبَكْرٌ وَعَمْرٌو عُطِفَ عَلَى زَيْدٍ لَا بَكْرٍ، وَمُسَبَّبِيَّتُهُ عَنْهُ ظَاهِرَةٌ وَلَا مُنَاقَضَةَ حِينَئِذٍ، وَفِيهِ نَظَرٌ إذْ الْعَطْفُ بِالْفَاءِ يَقْتَضِي تَرَتُّبَ كُلٍّ عَلَى مَا قَبْلَهُ كَمَا فِي جَاءَ زَيْدٌ فَعَمْرٌو فَبَكْرٌ.
[فَرْعٌ]
فِي فَتَاوَى النَّسَفِيِّ: لِلْقَاضِي أَنْ يَبْعَثَ إلَى شَفْعَوِيٍّ لِيُبْطِلَ الْعَقْدَ إذَا كَانَ بِشَهَادَةِ الْفَاسِقِ، وَلِلْحَنَفِيِّ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ عَلَى مَا نُبَيِّنُ فِي كِتَابِ الْقَضَاءِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَكَذَا لَوْ كَانَ بِغَيْرِ وَلِيٍّ فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا فَبَعَثَ إلَى شَافِعِيٍّ يُزَوِّجُهَا مِنْهُ بِغَيْرِ مُحَلِّلٍ ثُمَّ يَقْضِي بِالصِّحَّةِ، وَبُطْلَانُ النِّكَاحِ الْأَوَّلِ يَجُوزُ إذَا لَمْ يَأْخُذْ الْقَاضِي الْكَاتِبَ وَلَا الْمَكْتُوبَ إلَيْهِ شَيْئًا وَلَا يَظْهَرُ بِهَذَا حُرْمَةُ الْوَطْءِ السَّابِقِ وَلَا شُبْهَةَ وَلَا خَبَثَ فِي الْوَلَدِ، كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ، ثُمَّ قَالَ: قَالَ الْإِمَامُ ظَهِيرُ الدِّينِ الْمَرْغِينَانِيُّ: لَا يَجُوزُ الرُّجُوعُ إلَى شَافِعِيِّ الْمَذْهَبِ إلَّا فِي الْيَمِينِ الْمُضَافَةِ، أَمَّا لَوْ فَعَلُوا فَقَضَى يَنْفُذُ
(قَوْلُهُ لِأَنَّ السَّمَاعَ فِي النِّكَاحِ شَهَادَةٌ وَلَا شَهَادَةَ لِلْكَافِرِ عَلَى الْمُسْلِمِ) يُنْتَجُ لَا سَمَاعَ لِلْكَافِرِ عَلَى الْمُسْلِمِ لَكِنَّهُ عَدَلَ فِي النَّتِيجَةِ إلَى التَّشْبِيهِ فَقَالَ: فَصَارَ كَأَنَّهُمَا لَمْ يَسْمَعَا كَلَامَ الْمُسْلِمِ لِأَنَّ مُرَادَهُ مِنْ النَّتِيجَةِ نَفْيُ السَّمَاعِ الْمُعْتَبَرِ لَا نَفْيُ حَقِيقَتِهِ، وَإِذَا انْتَفَى الِاعْتِبَارُ صَارَ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ فَصَحَّ تَشْبِيهُ السَّمَاعِ بِعَدَمِهِ عَلَى مَا هُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ فَصَارَ كَأَنَّهُمَا لَمْ يَسْمَعَا كَلَامَ الْمُسْلِمِ، وَتَمَامُ هَذَا الدَّلِيلِ مَوْقُوفٌ عَلَى أَنَّ صُغْرَى الْقِيَاسِ مُنْعَكِسَةٌ كَنَفْسِهَا فِي خُصُوصِ هَذِهِ الْمَادَّةِ لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ نَفْيُ الشَّهَادَةِ لِنَفْيِ السَّمَاعِ الْمُعْتَبَرِ، فَلَوْ أَنَّ الشَّهَادَةَ مُجَرَّدُ الْحُضُورِ كَمَا يُعْطِيهِ ظَاهِرُ الْقُدُورِيِّ، وَقَدَّمْنَا أَنَّ مِمَّنْ قَالَ بِهِ السُّغْدِيُّ والإسبيجابي لَمْ يَتِمَّ.
وَنَصَّ الْقُدُورِيُّ وَغَيْرُهُ عَلَى اشْتِرَاطِ السَّمَاعِ وَلِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ بِالْحُضُورِ فَلَا يَجُوزُ بِالْأَصَمَّيْنِ عَلَى مَا هُوَ الْأَصَحُّ، وَعَنْ اشْتِرَاطِ السَّمَاعِ مَا قَدَّمْنَاهُ فِي التَّزَوُّجِ بِالْكِتَابَةِ مِنْ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ سَمَاعِ الشُّهُودِ مَا فِي الْكِتَابِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى الْخُطْبَةِ بِأَنْ تَقْرَأَهُ الْمَرْأَةُ عَلَيْهِمْ أَوْ سَمَاعِهِمْ الْعِبَارَةِ عَنْهُ بِأَنْ تَقُولَ: إنَّ فُلَانًا كَتَبَ إلَيَّ يَخْطُبُنِي ثُمَّ تُشْهِدَهُمْ أَنَّهَا زَوَّجَتْهُ نَفْسَهَا، أَمَّا لَوْ لَمْ تَزِدْ عَلَى الثَّانِي لَا يَصِحُّ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ فِي الْفُرُوعِ. وَلَقَدْ أُبْعِدَ عَنْ
стр. 1254
فَكَأَنَّهُمَا لَمْ يَسْمَعَا كَلَامَ الْمُسْلِمِ.
وَلَهُمَا أَنَّ الشَّهَادَةَ شُرِطَتْ فِي النِّكَاحِ عَلَى اعْتِبَارِ إثْبَاتِ الْمِلْكِ لِوُرُودِهِ عَلَى مَحَلِّ ذِي خَطَرٍ لَا عَلَى اعْتِبَارِ وُجُوبِ الْمَهْرِ إذْ لَا شَهَادَةَ تُشْتَرَطُ فِي لُزُومِ الْمَالِ وَهُمَا شَاهِدَانِ عَلَيْهَا، بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَسْمَعَا كَلَامَ الزَّوْجِ لِأَنَّ الْعَقْدَ
الْفِقْهِ وَعَنْ الْحِكْمَةِ الشَّرْعِيَّةِ مَنْ زَادَ النَّائِمِينَ وَنَصَّ فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ عَلَيْهِ إذَا لَمْ يَسْمَعَا كَلَامَهُمَا ثُمَّ الشَّرْطُ أَنْ يَسْمَعَا مَعًا كَلَامَهُمَا مَعَ الْفَهْمِ.
أَمَّا الْأَوَّلُ فَذُكِرَ فِي رَوْضَةِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ الْأَصَحُّ، قَالَ وَبِهِ أَخَذَ عَامَّةُ الْعُلَمَاءِ اهـ. إذْ لَوْ سَمِعَ أَحَدُ الشُّهُودِ ثُمَّ أُعِيدَ عَلَى الْآخَرِ فَسَمِعَهُ وَحْدَهُ لَمْ يَكُنْ الثَّابِتُ عَلَى كُلِّ عَقْدٍ سِوَى شَاهِدٌ وَاحِدٌ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: إنْ اتَّحَدَ الْمَجْلِسُ جَازَ اسْتِحْسَانًا وَإِلَّا فَلَا، وَعَنْهُ: لَا بُدَّ مِنْ سَمَاعِهِمَا مَعًا. وَأَمَّا الثَّانِي فَعَنْ مُحَمَّدٍ: لَوْ تَزَوَّجَهَا بِحَضْرَةِ هِنْدِيَّيْنِ لَمْ يَفْهَمَا لَمْ يَجُزْ. وَعَنْهُ: إنْ أَمْكَنَهُمَا أَنْ يُعَبِّرَا مَا سَمِعَا جَازَ وَإِلَّا فَلَا، وَحَكَى فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ خِلَافًا فِيهِ وَجَعَلَ الظَّاهِرَ عَدَمَ الْجَوَازِ (قَوْلُهُ وَلَهُمَا أَنَّ الشَّهَادَةَ شُرِطَتْ فِي النِّكَاحِ عَلَى اعْتِبَارِ إثْبَاتِ الْمِلْكِ) أَيْ مِلْكَهُ عَلَيْهَا (لِوُرُودِهِ عَلَى حَمْلِ ذِي خَطَرِ) وَهُوَ بُضْعُ أُنْثَى لَيْسَتْ مَمْلُوكَةً لَهُ مُحَلَّلَةً مِنْ بَنَاتِ آدَمَ عَلَى وَجْهٍ يُقْصِرُهَا عَلَى نَفْسِهِ لِاسْتِيفَاءِ حَاجَاتِهِ مِنْهَا وَهَذِهِ مِنْ جَلَائِلِ النِّعَمِ، وَهُوَ مَعْنًى مُنَاسِبٌ لِاشْتِرَاطِ إحْضَارِ السَّامِعِينَ الْعُقَلَاءِ إظْهَارًا لِتَعْظِيمِ هَذَا الْعَقْدِ لِيَقَعَ فِي مَحْفِلٍ مِنْ الْمَحَافِلِ، وَقَدْ ظَهَرَ أَثَرُ ذَلِكَ بِإِيجَابِ الْمَالِ عَلَيْهِ دُونَهَا مَعَ أَنَّ مِلْكَ الْمُتْعَةِ مُشْتَرَكٌ.
فَعُلِمَ أَنَّ اشْتِرَاطَ الشَّهَادَةِ لِصِحَّةِ الْعَقْدِ لَيْسَ لِمِلْكِ كُلٍّ مِنْهُمَا التَّمَتُّعُ بِكُلٍّ وَإِلَّا لَمْ يَخْتَصَّ بِلُزُومِهِ وَلَا عَلَى اعْتِبَار وُجُوبِ الْمَهْرِ لَهَا عَلَيْهِ لِيَكُونَا شَاهِدَيْنِ عَلَيْهِ، إذْ لَا شَهَادَةَ تُشْتَرَطُ فِي لُزُومِ الْمَالِ فِيمَا عُهِدَ مِنْ تَقْرِيرَاتِ الشَّرْعِ فِي مَوْضِعٍ، وَلَا عَلَى اعْتِبَارِ مِلْكِهِمَا الِازْدِوَاجُ الْمُشْتَرَكُ لِأَنَّهُ ثَبَتَ تَبَعًا لِمِلْكِ الْبُضْعِ وَلَا تُشْتَرَطُ لِلتَّوَابِعِ وَإِلَّا وَجَبَ الْإِشْهَادُ عَلَى شِرَاءِ الْأَمَةِ لِلْوَطْءِ فَإِنَّ مِلْكَهُ مِنْ تَوَابِعِ مِلْكِ رَقَبَتِهَا.
وَإِذَا كَانَتْ الشَّهَادَةُ لِثُبُوتِ مِلْكِهِ عَلَيْهَا كَانَا شَاهِدَيْنِ عَلَيْهَا وَهِيَ ذِمِّيَّةٌ فَيَجُوزُ بِذِمِّيِّينَ فَإِنَّهُ إظْهَارُ خَطَرٍ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهَا شَرْعًا، وَلِهَذَا لَوْ كَانَا ذِمِّيِّينَ حَكَمَ الشَّرْعُ بِصِحَّتِهِ، حَتَّى لَوْ أَسْلَمَا بَقِيَ عَلَى الصِّحَّةِ (بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَسْمَعَا كَلَامَ الزَّوْجِ) لِأَنَّ الشَّهَادَةَ اُشْتُرِطَتْ فِي الْعَقْدِ لِذَلِكَ الْمَعْنَى وَالْعَقْدُ يَقُومُ
стр. 1255
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بِهِمَا فَلَا بُدَّ مِنْ سَمَاعِهِمَا. هَذَا وَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا عَلَيْهَا إذَا أَنْكَرَتْ لَا عَلَيْهِ إذَا أَنْكَرَ. وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا تُقْبَلُ إلَّا أَنْ يَقُولَا كَانَ مَعَنَا مُسْلِمَانِ.
وَعَنْهُ لَا تُقْبَلُ مُطْلَقًا لِإِثْبَاتِهَا فِعْلِ الْمُسْلِمِ وَلَا يَثْبُتُ بِشَهَادَتِهِمَا. وَلَوْ أَسْلَمَا ثُمَّ أَدَّيَا تُقْبَلُ عَلَى كُلِّ حَالٍ عِنْدَهُمَا لِأَنَّ سَمَاعَهُمَا كَلَامِ الْمُسْلِمِ مُعْتَبَرٌ وَامْتِنَاعُ الْأَدَاءِ لِلْكُفْرِ. وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا تُقْبَلُ لِعَدَمِ صِحَّةِ الْعَقْدِ إلَّا إذَا قَالَا كَانَا مَعَنَا مُسْلِمَانِ عِنْدَ الْعَقْدِ.
وَلَوْ كَانَ الشَّاهِدَانِ ابْنَيْهَا قُبِلَا عَلَيْهَا فَقَطْ، أَوْ ابْنَيْهِ فَعَلَيْهِ فَقَطْ أَوْ ابْنَيْهِمَا فَلَا يُقْبَلَانِ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا، كَمَا لَوْ كَانَا أَعْمَيَيْنِ أَوْ أَخْرَسَيْنِ سَمِيعَيْنِ حَيْثُ يَصِحُّ الْعَقْدُ بِهِمَا وَلَا أَدَاءَ لَهُمَا لِعَدَمِ الْبَصَرِ وَالتَّكَلُّمِ، وَالْعُدْوَانِ عَلَى التَّفْصِيلِ، فَعَدُوُّهُ يُقْبَلَانِ عَلَيْهَا لَا عَلَيْهِ، وَعَدُوَّاهَا يُقْبَلَانِ عَلَيْهِ لَا عَلَيْهَا، وَعَدُوَّاهُمَا لَا يُقْبَلَانِ مُطْلَقًا.
أَمَّا الِانْعِقَادُ فَيَثْبُتُ بِشَهَادَةِ الْأَوْلَادِ وَالْأَعْدَاءِ كَيْفَ كَانُوا، وَأَمَّا الْأَخَوَانِ بِأَنْ يُزَوِّجَ الْأَبُ ابْنَتَهُ بِشَهَادَةِ ابْنَيْهِ فَأَنْكَرَ الزَّوْجُ وَادَّعَاهُ الْأَبُ وَالْبِنْتُ كَبِيرَةٌ أَوْ الْمَرْأَةُ فَشَهِدَ لَا تُقْبَلُ. وَلَوْ كَانَ الزَّوْجُ هُوَ الْمُدَّعِي وَالْمَرْأَةُ مُنْكِرَةٌ أَوْ الْأَبُ قُبِلَتْ، هَذَا قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ. وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ تُقْبَلُ وَإِنْ كَانَ الْمُدَّعِي الْأَبَ أَوْ الْمَرْأَةَ أَيْضًا.
وَالْأَصْلُ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ يَدَّعِيهِ الْأَبُ فَشَهَادَتُهُمَا فِيهِ بَاطِلَةٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَنْفَعَةٌ لَهُ لِشُبْهَةِ الْأُبُوَّةِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لِثُبُوتِ مَنْفَعَةِ نَفَاذِ كَلَامِهِ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ: كُلُّ شَيْءٍ لِلْأَبِ فِيهِ مَنْفَعَةٌ جَحْدًا وَادِّعَاءً، فَشَهَادَةُ ابْنَيْهِ فِيهِ بَاطِلَةٌ، وَكَذَا كُلُّ شَيْءٍ وَلِيَهُ مِمَّا يَكُونُ خَصْمًا فِيهِ كَالْبَيْعِ وَنَظَائِرِهِ، وَلَمْ يَعْتَبِرْ مَنْفَعَةَ نَفَاذِ الْقَوْلِ مَنْفَعَةً، وَلَوْ كَانَتْ الْبِنْتُ صَغِيرَةً لَا تُقْبَلُ اتِّفَاقًا لِأَنَّهَا لِلْأَبِ. قَالَ الْحَاكِمُ أَبُو الْفَضْلِ فِي تَفْسِيرِهِ: يُرِيدُ أَنَّ الشَّهَادَةَ تَبْطُلُ فِي حَالِ ادِّعَائِهِ مِنْ طَرِيقِ التُّهْمَةِ، وَكَذَا فِي حَالِ جُحُودِهِ لِوُقُوعِهَا لِغَيْرِ خَصْمٍ يَدَّعِي اهـ.
وَفَسَّرَ فِي الْمَبْسُوطِ جُحُودَهُ بِأَنَّ الْمُرَادَ عِنْدَ جُحُودِهِ إنْ كَانَ الْآخَرُ جَاحِدًا أَيْضًا لَا تُقْبَلُ لِعَدَمِ الدَّعْوَى، فَأَمَّا إذَا كَانَ الْآخَرُ مُدَّعِيًا فَمَقْبُولَةٌ، وَإِنْ كَانَ لِلْأَبِ مَنْفَعَةٌ فِيهَا كَمَا إذَا شَهِدُوا عَلَيْهِ بِبَيْعِ مَا يُسَاوِي مِائَةً بِأَلْفٍ وَالْمُشْتَرِي يَدَّعِيهِ، وَهَذَا لِأَنَّ هَذِهِ مَنْفَعَةٌ غَيْرُ مَطْلُوبَةٍ لِلْأَبِ فَلَا تَمْنَعُ مِنْ قَبُولِ شَهَادَتِهِمَا، وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ لِعَبْدِهِ إنْ كَلَّمَك فُلَانٌ فَأَنْتَ حُرٌّ فَشَهِدَ ابْنَا فُلَانٍ أَنَّ أَبَاهُمَا كَلَّمَهُ جَازَتْ عِنْدَ مُحَمَّدٍ سَوَاءٌ كَانَ الْأَبُ جَاحِدًا أَوْ مُدَّعِيًا. وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا تَجُوزُ إلَّا أَنْ يَكُونَ جَاحِدًا.
وَلَوْ زَوَّجَ الرَّجُلُ بِنْتَه ثُمَّ شَهِدَ مَعَ أَخِيهَا عَلَيْهَا بِالرِّضَا وَهِيَ تُنْكِرُ لَا تُقْبَلُ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ مُطْلَقًا لَا تُقْبَلُ سَوَاءٌ كَانَ مِمَّا هُوَ فِيهِ خَصْمٌ أَوْ لَا
[فَرْعَانِ]
لَوْ أَقَرَّ بِالنِّكَاحِ بِحَضْرَةِ الشُّهُودِ وَكَانَ تَزَوَّجَهَا بِغَيْرِ شُهُودٍ اخْتَلَفُوا فِيهِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُمَا إنْ سَمَّيَا الْمَهْرَ يَنْعَقِدُ نِكَاحًا مُبْتَدَأً كَذَا فِي الدِّرَايَةِ. وَقَدَّمْنَا أَنَّهُمَا إذَا أَقَرَّا بِهِ وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا نِكَاحٌ لَا يَنْعَقِدُ إلَّا إنْ قَالَ الشُّهُودُ جَعَلْتُمَا هَذَا نِكَاحًا فَقَالَا نَعَمْ فَيَنْعَقِدُ لِأَنَّ النِّكَاحَ يَنْعَقِدُ بِالْجَعْلِ.
قَالَ قَاضِي خَانْ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْجَوَابُ عَلَى التَّفْصِيلِ إنْ أَقَرَّا بِعَقْدٍ مَاضٍ وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمْ عَقْدٌ لَا يَكُونُ نِكَاحًا. وَإِنْ أَقَرَّتْ أَنَّهُ زَوْجُهَا وَهُوَ أَنَّهَا امْرَأَتُهُ يَكُونُ نِكَاحًا وَيَتَضَمَّنُ إقْرَارُهُمَا الْإِنْشَاءَ، بِخِلَافِ إقْرَارِهِمَا بِمَاضٍ لِأَنَّهُ كَذِبٌ كَمَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ لَسْت لِي امْرَأَةٌ وَنَوَى بِهِ الطَّلَاقَ يَقَعُ كَأَنَّهُ قَالَ لِأَنِّي طَلَّقْتُك. وَلَوْ قَالَ لَمْ أَكُنْ تَزَوَّجْتهَا وَنَوَى الطَّلَاقَ لَا يَقَعُ لِأَنَّهُ كَذِبٌ مَحْضٌ اهـ.
يَعْنِي إذَا لَمْ يَقُلْ الشُّهُودُ جَعَلْتُمَا هَذَا نِكَاحًا وَالْحَقُّ هَذَا التَّفْصِيلُ.
وَفِي الْفَتَاوَى: بَعَثَ أَقْوَامًا لِلْخُطْبَةِ فَزَوَّجَهَا الْأَبُ بِحَضْرَتِهِمْ قِيلَ: لَا يَصِحُّ وَإِنْ قَبِلَ عَنْ الزَّوْجِ إنْسَانٌ وَاحِدٌ لِأَنَّهُ نِكَاحٌ بِغَيْرِ شُهُودٍ لِأَنَّ الْقَوْمَ كُلَّهُمْ خَاطِبُونَ مَنْ تَكَلَّمَ وَمَنْ لَا، لِأَنَّ الْمُتَعَارَفَ هَكَذَا أَنْ يَتَكَلَّمَ وَاحِدٌ وَيَسْكُتَ الْبَاقُونَ وَالْخَاطِبُ لَا يَصِيرُ شَاهِدًا. وَقِيلَ يَصِحُّ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى لِأَنَّهُ لَا ضَرُورَةَ فِي جَعْلِ الْكُلِّ خَاطِبًا فَيَجْعَلَ الْمُتَكَلِّمَ خَاطِبًا فَقَطْ وَالْبَاقِي شُهُودٌ
стр. 1256
يَنْعَقِدُ بِكَلَامِهِمَا وَالشَّهَادَةُ شُرِطَتْ عَلَى الْعَقْدِ.
قَالَ (وَمَنْ أَمَرَ رَجُلًا بِأَنْ يُزَوِّجَ ابْنَتَهُ الصَّغِيرَةَ فَزَوَّجَهَا وَالْأَبُ حَاضِرٌ بِشَهَادَةِ رَجُلٍ وَاحِدٍ سِوَاهُمَا جَازَ النِّكَاحُ) لِأَنَّ الْأَبَ يُجْعَلُ مُبَاشِرًا لِلْعَقْدِ لِاتِّحَادِ الْمَجْلِسِ وَيَكُونُ الْوَكِيلُ سَفِيرًا وَمُعَبِّرًا فَيَبْقَى الْمُزَوِّجُ شَاهِدًا (وَإِنْ كَانَ الْأَبُ غَائِبًا لَمْ يَجُزْ) لِأَنَّ الْمَجْلِسَ مُخْتَلِفٌ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ تَجْعَلَ الْأَبَ مُبَاشِرًا، وَعَلَى هَذَا إذَا زَوَّجَ الْأَبُ ابْنَتَهُ الْبَالِغَةَ بِمَحْضَرِ شَاهِدٍ وَاحِدٍ إنْ كَانَتْ حَاضِرَةً جَازَ، وَإِنْ كَانَتْ غَائِبَةً لَمْ يَجُزْ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ وَمَنْ أَمَرَ رَجُلًا أَنْ يُزَوِّجَ ابْنَتَهُ الصَّغِيرَةَ فَزَوَّجَهَا وَالْأَبُ حَاضِرٌ بِحَضْرَةِ رَجُلٍ وَاحِدٍ جَازَ النِّكَاحُ) وَكَذَا إذَا زَوَّجَ الْأَبُ ابْنَتَهُ الْبَالِغَةَ بِحُضُورِهَا مَعَ وَاحِدٍ أَوْ امْرَأَتَيْنِ أَوْ وَكِيلُ الْمَرْأَةِ بِحُضُورِهَا مَعَ امْرَأَتَيْنِ جَازَ النِّكَاحُ. ثُمَّ إنَّمَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْمُزَوِّجِ إذَا لَمْ يَقُلْ أَنَا زَوَّجْتهَا بَلْ يَقُولُ هَذِهِ زَوْجَةُ هَذَا، وَإِنَّمَا صَحَّ بِحُضُورِ الْوَاحِدِ لِأَنَّ الْوَكِيلَ فِي النِّكَاحِ سَفِيرٌ وَمُعَبِّرٌ يَنْقُلُ عِبَارَةَ الْمُوَكِّلِ، فَإِذَا كَانَ مَنْ يُعَبِّرُ عَنْهُ حَاضِرًا وَالْفَرْضُ أَنَّ الْعِبَارَةَ تَنْتَقِلُ إلَيْهِ كَانَ مُبَاشِرًا لِأَنَّ الْعِبَارَةَ تَنْتَقِلُ إلَيْهِ وَهُوَ فِي الْمَجْلِسِ وَلَيْسَ الْمُبَاشِرُ سِوَى هَذَا، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ غَائِبًا لِأَنَّ انْتِقَالَ الْعِبَارَةِ إلَيْهِ حَالَ عَدَمِ الْحُضُورِ لَا يَصِيرُ بِهِ مُبَاشِرًا لِأَنَّهُ مَأْخُوذٌ فِي مَفْهُومِهِ الْحُضُورِ ضَرُورَةً فَيَقْتَصِرُ أَثَرُهُ عَلَى عَدَمِ رُجُوعِ الْحُقُوقِ إلَى الْوَكِيلِ، وَلِهَذَا لَوْ زَوَّجَ وَكِيلُ السَّيِّدِ الْعَبْدَ بِحُضُورِهِ مَعَ آخَرَ لَا يَصِحُّ لِأَنَّ الْعِبَارَةَ إنَّمَا تَنْتَقِلُ إلَى مُقَيِّدِ الْوِلَايَةِ وَهُوَ السَّيِّدُ وَهُوَ غَائِبٌ.
فَظَهَرَ مِنْ هَذَا التَّوْجِيهِ أَنَّ إنْزَالَهُ مُبَاشِرًا مَعَ حُضُورِهِ جَبْرِيٌّ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى ثُبُوتِ الْحَاجَةِ إلَى اعْتِبَارِهِ. فَانْدَفَعَ مَا أَوْرَدَ مِنْ أَنَّهُ تَكَلُّفٌ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إلَيْهِ فَإِنَّ الْأَبَ يَصْلُحُ شَاهِدًا فَلَا حَاجَةَ إلَى اعْتِبَارِهِ مُبَاشِرًا إلَّا فِي الْمَسْأَلَةِ الْأَخِيرَةِ فِي الْكِتَابِ، وَهِيَ مَا إذَا زَوَّجَ الْأَبُ بِنْتَه الْبَالِغَةَ بِحَضْرَةِ وَاحِدٍ لِأَنَّهَا لَا تَصْلُحُ شَاهِدَةً عَلَى نَفْسِهَا فَأُنْزِلَتْ مُبَاشِرَةً ضَرُورَةَ التَّصْحِيحِ، وَلَوْ أَذِنَ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ أَوْ أَمَتِهِ فِي التَّزَوُّجِ فَعَقَدَا بِحَضْرَةِ وَاحِدٍ مَعَ السَّيِّدِ قِيلَ لَا يَجُوزُ لِلِانْتِقَالِ إلَى السَّيِّدِ لِأَنَّهُمَا وَكِيلَانِ عَنْهُ، وَالْأَصَحُّ الْجَوَازُ بِنَاءً عَلَى مَنْعِ كَوْنِهِمَا وَكِيلَيْنِ لِأَنَّ الْإِذْنَ فَكَّ الْحَجْرَ عَنْهُمَا فَيَتَصَرَّفَانِ بَعْدَهُ بِأَهْلِيَّتِهِمَا لَا بِطَرِيقِ النِّيَابَةِ.
وَمِمَّا ذُكِرَ فِي مَسْأَلَةِ وَكِيلِ السَّيِّدِ يَظْهَرُ أَنَّ ثُبُوتَ الصِّحَّةِ فِيمَا
стр. 1257
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إذَا زَوَّجَ السَّيِّدُ عَبْدَهُ أَوْ أَمَتَهُ بِحُضُورِهِمَا مَعَ شَاهِدٍ مَحَلُّ نَظَرٍ، لِأَنَّ مُبَاشَرَةَ السَّيِّدِ لَيْسَ فَكًّا لِلْحَجْرِ عَنْهُمَا فِي التَّزَوُّجِ مُطْلَقًا وَإِلَّا لَصَحَّ فِي مَسْأَلَةِ وَكِيلِهِ وَلِذَا خَالَفَ فِي صِحَّتِهَا الْمَرْغِينَانِيُّ، قَالَ: وَقَالَ أُسْتَاذِي: فِيهِمَا رِوَايَتَانِ: أَيْ فِي وَكِيلِ السَّيِّدِ وَالسَّيِّدَةِ
[فُرُوعٌ]
إذَا جَحَدَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ النِّكَاحَ فَإِمَّا أَصْلُهُ أَوْ شَرْطُهُ؛ فَفِي أَصْلِهِ لَوْ جَحَدَهُ الزَّوْجُ فَأَقَامَتْ بَيِّنَةً بِهِ أَوْ عَلَى إقْرَارِهِ قُبِلَتْ وَلَا يَكُونُ جُحُودُهُ طَلَاقًا؛ أَلَا تَرَى أَنَّ الطَّلَاقَ يُنْقِصُ الْعَدَدَ وَبِارْتِفَاعِ أَصْلِ النِّكَاحِ لَا نَقْصَ. وَأَمَّا إنْكَارُ الشَّرْطِ كَإِنْكَارِ الشَّهَادَةِ، فَإِنْ كَانَتْ هِيَ الْمُنْكِرَةُ بِأَنْ قَالَتْ تَزَوَّجَنِي بِلَا شُهُودٍ وَقَالَ الزَّوْجُ بِشُهُودٍ فَالنِّكَاحُ صَحِيحٌ، وَإِنْ كَانَ هُوَ الْقَائِلُ ذَلِكَ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا لِإِقْرَارِهِ بِالْحُرْمَةِ عَلَى نَفْسِهِ فَيَكُونُ كَالْفِرْيَةِ مِنْ قِبَلِهِ فَلَهَا نِصْفُ الْمَهْرِ إنْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ وَإِلَّا فَكُلُّهُ وَنَفَقَةُ الْعِدَّةِ، وَهَذَا بِخِلَافِ إنْكَارِهِ أَصْلِ النِّكَاحِ لِأَنَّ الْقَاضِيَ كَذَّبَهُ بِالْحُجَّةِ فِي زَعْمِهِ فَلَا يَبْقَى زَعْمُهُ مُعْتَبَرًا، وَهُنَا مَا كَذَّبَهُ فِي زَعْمِهِ بِحُجَّةٍ وَلَكِنْ رَجَحَ قَوْلُهَا لِمَعْنًى هُوَ أَنَّ الشَّرْطَ تَبَعٌ وَقَدْ اتَّفَقَا عَلَى الْأَصْلِ وَالِاتِّفَاقُ عَلَى الْأَصْلِ اتِّفَاقٌ عَلَى التَّبَعِ فَالْمُنْكِرُ لَهُ بَعْدَ مُوَافَقَتِهِ عَلَى الْأَصْلِ كَالرَّاجِعِ عَنْهُ فَيَبْقَى زَعْمُهُ مُعْتَبَرًا فِي حَقِّ نَفْسِهِ وَلِذَا فَرَّقَ بَيْنَهُمَا، وَكَذَا لَوْ قَالَ تَزَوَّجْتهَا وَهِيَ مُعْتَدَّةٌ أَوْ مَجُوسِيَّةٌ ثُمَّ أَسْلَمَتْ أَوْ أُخْتُهَا عِنْدِي أَوْ وَلَهَا زَوْجٌ أَوْ أَمَةٌ بِلَا إذْنٍ لِأَنَّ هَذِهِ الْمَوَاقِعَ كُلَّهَا فِي مَحَلِّ الْعَقْدِ وَالْمُحَالُ فِي حُكْمِ الشُّرُوطِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ ادَّعَى أَحَدُهُمَا أَنَّ النِّكَاحَ كَانَ فِي صِغَرِهِ بِمُبَاشَرَتِهِ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ لِأَصْلِ النِّكَاحِ مَعْنًى، وَإِذَا كَانَ الْقَوْلُ لِلْمُنْكِرِ مِنْهُمَا هُنَا فَلَا مَهْرَ لَهَا عَلَيْهِ إنْ لَمْ يَكُنْ دَخَلَ بِهَا قَبْلَ الْبُلُوغِ، فَإِنْ دَخَلَ بِهَا فَلَهَا الْأَقَلُّ مِنْ الْمُسَمَّى وَمَهْرُ الْمِثْلِ لِلدُّخُولِ فِي نِكَاحٍ مَوْقُوفٍ، وَإِنْ كَانَ الدُّخُولُ بَعْدَ الْبُلُوغِ فَهُوَ رِضًا بِذَلِكَ النِّكَاحِ، وَبَعْدَ الْبُلُوغِ لَوْ أَجَازَ الْعَقْدَ الَّذِي عَقَدَ لَهُ قَبْلَهُ جَازَ، وَالتَّمْكِينُ مِنْ الدُّخُولِ إجَازَةٌ، وَلَوْ كَانَتْ هِيَ الْقَائِلَةُ تَزَوَّجَنِي وَأَنَا مُعْتَدَّةٌ وَمَا بَعْدَهَا إلَى آخِرِ الصُّورَةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا وَهُوَ يُنْكِرُ فَهِيَ امْرَأَتُهُ لِمَا قُلْنَا فِي الشَّهَادَةِ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
شَهِدَ شَاهِدٌ أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا أَمْسِ وَآخِرَ الْيَوْمِ فَهِيَ بَاطِلَةٌ، فَإِنَّ النِّكَاحَ وَإِنْ كَانَ قَوْلًا فَمِنْ شَرَائِطِهِ مَا هُوَ فِعْلٌ وَهُوَ الْحُضُورُ، فَكَانَ كَالْأَفْعَالِ فِي الِاخْتِلَافِ، وَاخْتِلَافُ الشُّهُودِ فِي الْمَكَانِ وَالزَّمَانِ فِي الْأَفْعَالِ يَمْنَعُ الْقَبُولَ، وَلِأَنَّ كُلًّا شَهِدَ بِعَقْدٍ حَضَرَهُ وَاحِدٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 1258
(فَصْلٌ فِي بَيَانِ الْمُحَرَّمَاتِ)
قَالَ (لَا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِأُمِّهِ وَلَا بِجَدَّاتِهِ مِنْ قِبَلِ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى
فَصْلٌ فِي بَيَانِ الْمُحَرَّمَاتِ)
الْمَحَلِّيَّةُ الشَّرْعِيَّةُ مِنْ شَرَائِطِ النِّكَاحِ
وَإِنَّمَا أُفْرِدَ هَذَا الشَّرْطُ بِفَصْلٍ عَلَى حِدَةٍ لِكَثْرَةِ شُعَبِهِ وَانْتِشَارِ مَسَائِلِهِ. وَانْتِفَاءُ مَحَلِّيَّةِ الْمَرْأَةِ لِلنِّكَاحِ شَرْعًا بِأَسْبَابٍ: الْأَوَّلُ النَّسَبُ، فَيَحْرُمُ عَلَى الْإِنْسَانِ فُرُوعُهُ وَهُمْ بَنَاتُهُ وَبَنَاتُ أَوْلَادِهِ وَإِنْ سَفَلْنَ وَأُصُولُهُ وَهُمْ أُمَّهَاتُهُ وَأُمَّهَاتُ أُمَّهَاتِهِ وَآبَائِهِ وَإِنْ عَلَوْنَ، وَفُرُوعُ أَبَوَيْهِ وَإِنْ نَزَلْنَ، فَتَحْرُمُ بَنَاتُ الْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ وَبَنَاتُ أَوْلَادِ الْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ وَإِنْ نَزَلْنَ، وَفُرُوعُ أَجْدَادِهِ وَجَدَّاتِهِ لِبَطْنٍ وَاحِدٍ، فَلِهَذَا تَحْرُمُ الْعَمَّاتُ وَالْخَالَاتُ، وَتَحِلُّ بَنَاتُ الْعَمَّاتِ وَالْأَعْمَامِ وَالْخَالَاتِ وَالْأَخْوَالِ. الثَّانِي الْمُصَاهَرَةُ، يَحْرُمُ بِهَا فُرُوعُ نِسَائِهِ الْمَدْخُولِ بِهِنَّ وَإِنْ نَزَلْنَ، وَأُمَّهَاتُ الزَّوْجَاتِ وَجَدَّاتُهُنَّ بِعَقْدٍ صَحِيحٍ وَإِنْ عَلَوْنَ وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ بِالزَّوْجَاتِ، وَتَحْرُمُ مَوْطُوءَاتُ آبَائِهِ وَأَجْدَادِهِ وَإِنْ عَلَوْا وَلَوْ بِزِنًا وَالْمَعْقُودَاتُ لَهُمْ عَلَيْهِنَّ بِعَقْدٍ صَحِيحٍ، وَتَحْرُمُ مَوْطُوءَاتُ أَبْنَائِهِ وَأَبْنَاءِ أَوْلَادِهِ وَإِنْ سَفَلُوا وَلَوْ بِزِنًا، وَالْمَعْقُودَاتُ لَهُمْ عَلَيْهِنَّ بِعَقْدٍ صَحِيحٍ. الثَّالِثُ الرَّضَاعُ، يُحَرِّمُ كَالنَّسَبِ، وَسَيَأْتِي تَفْصِيلُهُ فِي كِتَابِ الرَّضَاعِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. الرَّابِعُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْمَحَارِمِ وَالْأَجْنَبِيَّاتِ كَالْأَمَةِ مَعَ الْحُرَّةِ السَّابِقَةِ عَلَيْهَا. الْخَامِسُ حَقُّ الْغَيْرِ، كَالْمَنْكُوحَةِ وَالْمُعْتَدَّةِ وَالْحَامِلِ بِثَابِتِ النَّسَبِ.
السَّادِسُ عَدَمُ الدِّينِ السَّمَاوِيِّ كَالْمَجُوسِيَّةِ وَالْمُشْرِكَةِ.
стр. 1259
﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ وَالْجَدَّاتُ أُمَّهَاتٌ، إذْ الْأُمُّ هِيَ الْأَصْلُ لُغَةً أَوْ ثَبَتَتْ حُرْمَتُهُنَّ بِالْإِجْمَاعِ، قَالَ (وَلَا بِبِنْتِهِ) لِمَا تَلَوْنَا (وَلَا بِبِنْتِ وَلَدِهِ وَإِنْ سَفَلَتْ) لِلْإِجْمَاعِ.
(وَلَا بِأُخْتِهِ وَلَا بِبَنَاتِ أُخْتِهِ وَلَا بِبَنَاتِ أَخِيهِ وَلَا بِعَمَّتِهِ وَلَا بِخَالَتِهِ) لِأَنَّ حُرْمَتَهُنَّ مَنْصُوصٌ عَلَيْهَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ، وَتَدْخُلُ فِيهَا الْعَمَّاتُ الْمُتَفَرِّقَاتُ وَالْخَالَاتُ الْمُتَفَرِّقَاتُ وَبَنَاتُ الْإِخْوَةِ الْمُتَفَرِّقِينَ لِأَنَّ جِهَةَ الِاسْمِ عَامَّةٌ.
قَالَ (وَلَا بِأُمِّ امْرَأَتِهِ الَّتِي دَخَلَ بِهَا أَوْ لَمْ يَدْخُلْ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾
السَّابِعُ: التَّنَافِي كَنِكَاحِ السَّيِّدِ أَمَتَهُ وَالسَّيِّدَةِ عَبْدَهَا (قَوْلُهُ إذْ الْأُمُّ هِيَ الْأَصْلُ لُغَةً) قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ وَسُمِّيَتْ مَكَّةُ أُمَّ الْقُرَى لِأَنَّ الْأَرْضَ دُحِيَتْ مِنْ تَحْتِهَا وَالْخَمْرُ أُمَّ الْخَبَائِثِ، فَعَلَى هَذَا ثَبَتَتْ حُرْمَةُ الْجَدَّاتِ بِمَوْضُوعِ اللَّفْظِ وَحَقِيقَتِهِ لِأَنَّ الْأُمَّ عَلَى هَذَا مِنْ قَبِيلِ الْمُشَكِّكِ (قَوْلُهُ أَوْ ثَبَتَتْ حُرْمَتُهُنَّ بِالْإِجْمَاعِ) أَيْ إنْ لَمْ يَكُنْ إطْلَاقُ الْأُمِّ عَلَى الْأَصْلِ بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ حَتَّى لَا يَتَنَاوَلَ النَّصُّ الْجَدَّاتِ.
وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الْأُمَّ مُرَادٌ بِهَا الْأَصْلُ عَلَى كُلِّ حَالٍ، لِأَنَّهُ إنْ اُسْتُعْمِلَ فِيهِ حَقِيقَةً فَظَاهِرٌ، وَإِلَّا فَيَجِبُ أَنْ يُحْكَمَ بِإِرَادَتِهِ مَجَازًا فَتَدْخُلُ الْجَدَّاتُ فِي عُمُومِ الْمَجَازِ وَالْمُعَرِّفُ لِإِرَادَةِ ذَلِكَ فِي النَّصِّ الْإِجْمَاعُ عَلَى حُرْمَتِهِنَّ، وَلَمْ يَثْبُتْ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ إطْلَاقُ لَفْظِ الْبِنْتِ عَلَى الْفَرْعِ حَقِيقَةً فَلِذَا اقْتَصَرَ فِي حُرْمَةِ بَنَاتِ الْأَوْلَادِ عَلَى الْإِجْمَاعِ، وَظَاهِرُ بَعْضِ الشُّرُوحِ ثُبُوتُهُ حَيْثُ قَالَ: وَكَذَا الِاسْتِدْلَال فِي الْبَنَاتِ، فَإِنَّ بِنْتَ الْبِنْتِ تُسَمَّى بِنْتًا حَقِيقَةً بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْبِنْتَ يُرَادُ بِهِ الْفَرْعُ فَيَتَنَاوَلُهَا النَّصُّ حَقِيقَةً أَوْ مَجَازًا عِنْدَ الْبَعْضِ. وَقَوْلُهُ عِنْدَ الْبَعْضِ يُرِيدُ إذَا اُسْتُعْمِلَ فِي حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ عِنْدَ الْعِرَاقِيِّينَ فَإِنَّهُمْ يُجَوِّزُونَهُ إذَا كَانَ فِي مَحَلَّيْنِ. وَعَلَى مَا أَسْمَعْنَاك مِنْ التَّقْرِيرِ يَتَنَاوَلُهُنَّ مَجَازًا عِنْدَ الْكُلِّ. وَمِنْ الطُّرُقِ فِي تَحْرِيمِ الْجَدَّاتِ وَبَنَاتِ الْأَوْلَادِ دَلَالَةُ النَّصِّ الْمُحَرِّمِ لِلْعَمَّاتِ وَالْخَالَاتِ وَبَنَاتِ الْأَخِ وَالْأُخْتِ، فَفِي الْأَوَّلُ لِأَنَّ الْأَشِقَّاءَ مِنْهُنَّ أَوْلَادُ الْجَدَّاتِ، فَتَحْرِيمُ الْجَدَّاتِ وَهُنَّ أَقْرَبُ أَوْلَى، وَفِي الثَّانِي لِأَنَّ بَنَاتَ الْأَوْلَادِ أَقْرَبُ مِنْ بَنَاتِ الْإِخْوَةِ.
[فَرْعَانِ: الْأَوَّلُ]
لِبِنْتِ الْمُلَاعَنَةِ حُكْمُ الْبِنْتِ، فَلَوْ لَاعَنَ فَنَفَى الْقَاضِي نَسَبَهَا مِنْ الرَّجُلِ وَأَلْحَقَهَا بِالْأُمِّ لَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا لِأَنَّهُ بِسَبِيلٍ مِنْ أَنْ يُكَذِّبَ نَفْسَهُ وَيَدَّعِيَهَا فَيَثْبُتُ نَسَبُهَا مِنْهُ. الثَّانِي يَحْرُمُ عَلَى الرَّجُلِ بِنْتُهُ مِنْ الزِّنَا بِصَرِيحِ النَّصِّ الْمَذْكُورِ لِأَنَّهَا بِنْتُهُ لُغَةً، وَالْخِطَابُ إنَّمَا هُوَ بِاللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ مَا لَمْ يَثْبُتْ نَقْلٌ كَلَفْظِ الصَّلَاةِ وَنَحْوِهِ فَيَصِيرُ مَنْقُولًا شَرْعِيًّا
(قَوْلُهُ لِأَنَّ جِهَةَ الِاسْمِ عَامَّةٌ) أَيْ الْجِهَةَ الَّتِي وُضِعَ الِاسْمُ مَعَ اعْتِبَارِهَا، فَاسْمُ الْأَخِ مَثَلًا وُضِعَ لِذَاتٍ بِاعْتِبَارِ نِسْبَتِهَا إلَى أُخْرَى بِالْمُجَاوَرَةِ فِي صُلْبٍ أَوْ رَحِمٍ، وَالْأَحْسَنُ أَنْ يُقَالَ بِاعْتِبَارِ حُلُولِهَا مَا حَلَّتْهُ مِنْ صُلْبٍ أَوْ رَحِمٍ كَيْ لَا يَقْتَصِرُ عَلَى التَّوْأَمِ وَبِهَذِهِ الْجِهَةِ تَعُمُّ الْمُتَفَرِّقَاتُ فَكَانَ حَقِيقَةً فِي الْكُلِّ بِالتَّوَاطُؤِ، وَيَدْخُلُ فِي الْعَمَّاتِ وَالْخَالَاتِ بَنَاتُ الْأَجْدَادِ وَإِنْ عَلَوْا لِأَنَّهُنَّ أَخَوَاتُ آبَاءٍ أَعْلَوْنَ وَبَنَاتُ الْجَدَّاتِ وَإِنْ عَلَوْنَ لِأَنَّهُنَّ أَخَوَاتُ أُمَّهَاتٍ عَلِييَّاتٍ وَفِي بَنَاتِ الْأَخِ وَالْأُخْتِ بَنَاتُهُنَّ وَإِنْ سَفَلْنَ
(قَوْلُهُ وَلَا بِأُمِّ امْرَأَتِهِ دَخَلَ بِهَا أَوْ لَمْ يَدْخُلْ) إذَا كَانَ نِكَاحُ الْبِنْتِ صَحِيحًا
стр. 1260
مِنْ غَيْرِ قَيْدِ الدُّخُولِ
(وَلَا بِبِنْتِ امْرَأَتِهِ الَّتِي دَخَلَ بِهَا) لِثُبُوتِ قَيْدِ الدُّخُولِ بِالنَّصِّ (سَوَاءً كَانَتْ فِي حِجْرِهِ أَوْ فِي حِجْرِ غَيْرِهِ) لِأَنَّ ذِكْرَ الْحِجْرِ خَرَجَ مَخْرَجَ الْعَادَةِ لَا مَخْرَجَ الشَّرْطِ وَلِهَذَا اكْتَفَى فِي مَوْضِعِ الْإِحْلَالِ بِنَفْيِ الدُّخُولِ
أَمَّا بِالْفَاسِدِ فَلَا تَحْرُمُ الْأُمُّ إلَّا إذَا وَطِئَ بِنْتَهَا وَيَدْخُلُ فِي أُمِّ امْرَأَتِهِ جَدَّاتُهَا (قَوْلُهُ مِنْ غَيْرِ قَيْدِ الدُّخُولِ) عَلَيْهِ عُمَرُ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَعِمْرَانُ بْنُ الْحُصَيْنِ ﵃ وَالْجُمْهُورُ، وَإِلَيْهِ رَجَعَ ابْنُ مَسْعُودٍ بِنَاءً عَلَى أَنَّ تَقْيِيدَ الْمَعْطُوفِ بِصِفَةٍ أَوْ حَالٍ كَمَا فِي الْآيَةِ، فَإِنَّ قَوْلَهُ ﴿مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ حَالٌ مِنْ الرَّبَائِبِ لَا يُوجِبُ تَقْيِيدَ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ بِهِ لَكِنَّهُ يَجُوزُ وَلَا يَمْتَنِعُ، وَلِهَذَا خَالَفَ فِيهِ عَلِيٌّ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ﵄ وَنَاهِيك بِهِمَا عِلْمًا فَجَعَلَا الدُّخُولَ قَيْدًا فِي حُرْمَةِ أُمَّهَاتِ النِّسَاءِ وَتَبِعَهُمْ عَلَى ذَلِكَ بِشْرُ الْمَرِيسِيِّ وَمُحَمَّدُ بْنُ شُجَاعٍ.
وَوَجْهُهُ الْبِنَاءُ عَلَى أَنَّ الشَّرْطَ وَالِاسْتِثْنَاءَ إذَا تَعَقَّبَ كَلِمَاتٍ مَنْسُوقَةً انْصَرَفَ إلَى الْكُلِّ. وَرُدَّ بِأَنَّ الْمَذْكُورَ فِي الْآيَةِ لَيْسَ شَرْطًا بَلْ صِفَةً، وَلَا يَلْزَمُ وَصْفُ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ بِوَصْفِ الْمَعْطُوفِ، ثُمَّ يَبْطُلُ جَوَازُهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ بِاسْتِلْزَامِهِ كَوْنَ الشَّيْءِ الْوَاحِدِ مَعْمُولَ عَامِلَيْنِ، وَذَلِكَ أَنَّ النِّسَاءَ الْمُضَافَ إلَيْهِ أُمَّهَاتٌ مَخْفُوضٌ بِالْإِضَافَةِ وَالْمَجْرُورُ بِمِنْ بِهَا، فَلَوْ كَانَ الْمَوْصُولُ وَهُوَ قَوْلُهُ ﴿اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ صِفَةً لَهُمَا لَزِمَ ذَلِكَ، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى اعْتِبَارِ الصِّفَةِ هُنَا بِمَعْنَى الشَّرْطِ، وَأَبْطَلَهُ فِي الْكَشَّافِ بِلُزُومِ كَوْنِ مِنْ مُسْتَعْمَلًا فِي مَعْنَيَيْنِ مُتَخَالِفَيْنِ فِي إطْلَاقٍ وَاحِدٍ وَهُوَ الْبَيَانُ بِالنِّسْبَةِ إلَى النِّسَاءِ الْمُضَافِ إلَيْهِنَّ أُمَّهَاتٌ وَالِابْتِدَاءُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الرَّبَائِبِ لِأَنَّهُ الْمُنَاسِبُ فِيهِمَا. قَالَ الشَّيْخُ سَعْدُ الدِّينِ فِي حَوَاشِيهِ: وَمَا يُقَالُ إنَّ الِابْتِدَاءَ مَعْنًى كُلِّيٌّ صَادِقٌ عَلَى جَمِيعِ مَعَانِي مِنْ فَضَرْبٌ مِنْ التَّأْوِيلِ وَالتَّشْبِيهِ، ثُمَّ قَالَ: نَعَمْ قَدْ يُسْتَعْمَلُ فِي إيصَالِ شَيْءٍ فَيَتَنَاوَلُ إيصَالُ الْأُمَّهَاتِ بِالنِّسَاءِ لِأَنَّهُنَّ وَالِدَاتٌ وَبِالرَّبَائِبِ لِأَنَّهُنَّ مَوْلُودَاتٌ، فَحِينَئِذٍ يَصِحُّ جَعْلُ ﴿مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ مُتَعَلِّقًا بِالْأُمَّهَاتِ وَالرَّبَائِبِ جَمِيعًا حَالًا مِنْهُمَا.
وَفَائِدَةُ إيصَالِ الْأُمَّهَاتِ بِالنِّسَاءِ بَعْدَ إضَافَتِهَا إلَيْهَا فِي زِيَادَةِ قَيْدِ الدُّخُولِ، لَكِنَّ الِاتِّفَاقَ عَلَى حُرْمَةِ أُمَّهَاتِ النِّسَاءِ مَدْخُولَاتٍ كُنَّ أَوْ غَيْرَ مَدْخُولَاتٍ يَأْبَى هَذَا الْمَعْنَى، فَمِنْ هُنَا جُعِلَ مُتَعَلِّقًا بِرَبَائِبِكُمْ فَقَطْ اهـ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ حَالًا مِنْ النِّسَاءِ الْمُضَافِ إلَيْهِنَّ أُمَّهَاتٌ وَمِنْ الرَّبَائِبِ إلَّا أَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ جَعْلَ الْحَالِ مِنْ الْمُضَافِ إلَيْهِ، وَإِنَّمَا جَوَّزَهُ مَنْ جَوَّزَهُ بِمُسَوِّغٍ مِنْ كَوْنِ الْمُضَافِ صَالِحًا لِلْعَمَلِ فِي الْحَالِ أَوْ جُزْءًا لِلْمُضَافِ إلَيْهِ، وَزَادَ بَعْضُهُمْ شِبْهَ الْجُزْءِ فِي صِحَّةِ حَذْفِهِ وَالِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُ بِالْمُضَافِ إلَيْهِ نَحْوُ ﴿مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾
(قَوْلُهُ سَوَاءً كَانَتْ فِي حِجْرِهِ أَوْ فِي حِجْرِ غَيْرِهِ) وَهُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ وَشَرَطَهُ عَلِيٌّ، وَرَجَعَ ابْنُ مَسْعُودٍ إلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ لِأَنَّ قَيْدَ الْحَجْرِ خَرَجَ مَخْرَجَ الْعَادَةِ وَالْغَالِبِ، إذْ الْغَالِبُ كَوْنُ الْبِنْتِ مَعَ الْأُمِّ عِنْدَ زَوْجِ الْأُمِّ وَهُوَ الْمُرَادُ بِالْحَجْرِ هُنَا، وَلَوْلَا هَذَا لَثَبَتَتْ الْإِبَاحَةُ عِنْدَ انْتِفَائِهِ بِدَلَالَةِ اللَّفْظِ فِي غَيْرِ مَحَلِّ النُّطْقِ عِنْدَ مَنْ يَعْتَبِرُ مَفْهُومَ الْمُخَالَفَةِ، وَبِالرُّجُوعِ إلَى الْأَصْلِ وَهُوَ الْإِبَاحَةُ عِنْدَ مَنْ لَا يَعْتَبِرُ الْمَفْهُومَ، لِأَنَّ الْخُرُوجَ عَنْهُ إلَى التَّحْرِيمِ مُقَيَّدٌ بِقَيْدٍ فَإِذَا انْتَفَى الْقَيْدُ رَجَعَ إلَى الْأَصْلِ لَا بِدَلَالَةِ اللَّفْظِ (قَوْلُهُ وَلِهَذَا) أَيْ وَلِكَوْنِهِ لَمْ يُعْتَبَرْ قَيْدًا فِي الْحُرْمَةِ اُكْتُفِيَ فِي مَوْضِعِ نَفْيِ الْحُرْمَةِ بِنَفْيِ الدُّخُولِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى
стр. 1261
(قَالَ وَلَا بِامْرَأَةِ أَبِيهِ وَأَجْدَادِهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾
(وَلَا بِامْرَأَةِ ابْنِهِ وَبَنِي أَوْلَادِهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾
﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ فَحَيْثُ خَصَّهُ فِي مَوْضِعِ النَّفْيِ بِالذِّكْرِ عَلِمْنَا أَنَّهُ الْمُعْتَبَرُ فِي إضَافَةِ الْحُرْمَةِ، وَإِلَّا لَقِيلَ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ وَلَسْنَ فِي حُجُورِكُمْ، أَوْ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ أَوْ لَسْنَ فِي حُجُورِكُمْ جَرْيًا عَلَى الْعَادَةِ فِي إضَافَةِ نَفْيِ الْحُكْمِ إلَى نَفْيِ تَمَامِ الْعِلَّةِ الْمُرَكَّبَةِ أَوْ أَحَدِ جُزْأَيْهَا الدَّائِرِ وَإِنْ صَحَّ إضَافَتُهُ إلَى نَفْيِ جُزْئِهَا الْمُعَيَّنِ لَكِنَّهُ خِلَافُ الْمُسْتَمِرِّ مِنْ الِاسْتِعْمَالِ.
هَذَا وَيَدْخُلُ فِي الْحُرْمَةِ بَنَاتُ الرَّبِيبَةِ وَالرَّبِيبِ وَإِنْ سَفَلَ لِأَنَّ الِاسْمَ يَشْمَلُهُنَّ، بِخِلَافِ حَلَائِلِ الْأَبْنَاءِ وَالْآبَاءِ لِأَنَّهُ اسْمٌ خَاصٌّ فَلِذَا جَازَ التَّزْوِيجُ بِأُمِّ زَوْجَةِ الِابْنِ وَبِنْتِهَا، وَجَازَ لِلِابْنِ التَّزَوُّجُ بِأُمِّ زَوْجَةِ الْأَبِ وَبِنْتِهَا
(قَوْلُهُ وَلَا بِامْرَأَةِ أَبِيهِ وَأَجْدَادِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ اعْلَمْ أَنَّ امْرَأَةَ الْأَبِ وَالْأَجْدَادِ تَحْرُمُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ عَلَيْهَا، وَالْآيَةُ الْمَذْكُورَةُ اسْتَدَلَّ بِهَا الْمَشَايِخُ صَاحِبُ النِّهَايَةِ وَغَيْرُهُ عَلَى ثُبُوتِ حُرْمَةِ الْمُصَاهَرَةِ بِالزِّنَا بِنَاءً عَلَى إرَادَةِ الْوَطْءِ بِالنِّكَاحِ، فَإِنْ أُرِيدَ مِنْ حُرْمَةِ امْرَأَةِ الْأَبِ وَالْجَدِّ مَا يُطَابِقُهَا مِنْ إرَادَةِ الْوَطْءِ قَصْرٌ عَنْ إفَادَةِ تَمَامِ الْحُكْمِ الْمَطْلُوبِ حَيْثُ قَالَ: وَلَا بِامْرَأَةِ أَبِيهِ، وَتَصْدُقُ امْرَأَةُ الْأَبِ بِعَقْدِهِ عَلَيْهَا وَإِلَّا لَمْ يُفِدْ الْحُكْمُ فِي ذَلِكَ الْمَحَلِّ، فَإِنَّمَا يَصِحُّ عَلَى اعْتِبَارِ لَفْظِ النِّكَاحِ فِي نِكَاحِ الْآبَاءِ فِي مَعْنًى مَجَازِيٍّ يَعُمُّ الْعَقْدَ وَالْوَطْءَ، وَلَك النَّظَرُ فِي تَعْيِينِهِ، وَيَحْتَاجُ إلَى دَلِيلٍ يُوجِبُ اعْتِبَارَهَا فِي الْمَجَازِيِّ، وَلَيْسَ لَك أَنْ تَقُولَ ثَبَتَتْ حُرْمَةُ الْمَوْطُوءَةِ بِالْآيَةِ وَالْمَعْقُودِ عَلَيْهَا بِلَا وَطْءٍ بِالْإِجْمَاعِ، لِأَنَّهُ إذَا كَانَ الْحُكْمُ الْحُرْمَةَ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ وَلَفْظُ الدَّلِيلِ صَالِحٌ لَهُ كَانَ مُرَادًا مِنْهُ بِلَا شُبْهَةٍ، فَإِنَّ الْإِجْمَاعَ تَابِعٌ لِلنَّصِّ أَوْ الْقِيَاسِ عَنْ أَحَدِهِمَا يَكُونُ، وَلَوْ كَانَ عَنْ عِلْمٍ ضَرُورِيٍّ يَخْلُقُ لَهُمْ يَثْبُتُ بِذَلِكَ أَنَّ ذَلِكَ الْحُكْمِ مُرَادٌ مِنْ كَلَامِ الشَّارِعِ إذَا احْتَمَلَهُ.
(قَوْلُهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾ إنْ اُعْتُبِرَ الْحَلِيلَةُ مِنْ حُلُولِ الْفِرَاشِ أَوْ حَلِّ الْإِزَارِ تَنَاوَلَتْ الْمَوْطُوءَةُ بِمِلْكِ الْيَمِينِ أَوْ شُبْهَةً أَوْ زِنًا فَيَحْرُمُ الْكُلُّ عَلَى الْآبَاءِ وَهُوَ الْحُكْمُ الثَّابِتُ عِنْدَنَا، كَمَا تَحْرُمُ الْمَزْنِيُّ بِهَا وَمَنْ ذَكَرْنَا لِلْآبَاءِ عَلَى الْأَبْنَاءِ، وَلَا تُتَنَاوَلُ الْمَعْقُودُ عَلَيْهَا لِلِابْنِ أَوْ بَنِيهِ وَإِنْ سَفَلُوا قَبْلَ الْوَطْءِ، وَالْفَرْضُ أَنَّهَا بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ تَحْرُمُ عَلَى الْآبَاءِ وَذَلِكَ بِاعْتِبَارِهِ مِنْ الْحِلِّ بِكَسْرِ الْحَاءِ،
стр. 1262
وَذَكَرَ الْأَصْلَابَ لِإِسْقَاطِ اعْتِبَارِ التَّبَنِّي لَا لِإِحْلَالِ حَلِيلَةِ الِابْنِ مِنْ الرَّضَاعَةِ
(وَلَا بِأُمِّهِ مِنْ الرَّضَاعَةِ وَلَا بِأُخْتِهِ مِنْ الرَّضَاعَةِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ وَلِقَوْلِهِ ﵊ «يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ».
(وَلَا يَجْمَعُ بَيْنَ أُخْتَيْنِ نِكَاحًا وَلَا بِمِلْكِ يَمِينٍ وَطْئًا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ وَلِقَوْلِهِ ﵊ «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَجْمَعَنَّ مَاءَهُ فِي رَحِمِ أُخْتَيْنِ».
وَقَدْ قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى حُرْمَةِ الْمَزْنِيِّ بِهَا لِلِابْنِ عَلَى الْأَبِ، وَهُوَ مَا سَنَذْكُرُهُ فِي مَوْضِعِهِ فَيَجِبُ اعْتِبَارُهُ فِي أَعَمِّ مِنْ الْحِلِّ وَالْحَلِّ، ثُمَّ يُرَادُ مِنْ الْأَبْنَاءِ الْفُرُوعُ فَتَحْرُمُ حَلِيلَةُ الِابْنِ السَّافِلِ عَلَى الْجَدِّ الْأَعْلَى مِنْ النَّسَبِ، وَكَمَا تَحْرُمُ حَلِيلَةُ الِابْنِ مِنْ النَّسَبِ تَحْرُمُ حَلِيلَةُ الِابْنِ مِنْ الرَّضَاعِ.
وَذَكَرَ الْأَصْلَابَ فِي الْآيَةِ لِإِسْقَاطِ حَلِيلَةِ الْمُتَبَنَّى. وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ فِيهِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ، وَالْمَنْقُولُ عَنْهُمْ أَنَّ ذِكْرَ الْأَصْلَابِ لِإِحْلَالِ حَلِيلَةِ الْمُتَبَنَّى لَا لِإِحْلَالِ حَلِيلَةِ الِابْنِ مِنْ الرَّضَاعِ كَمَذْهَبِنَا فَلَا خِلَافَ
(قَوْلُهُ وَلَا بِأُمِّهِ مِنْ الرَّضَاعَةِ) وَكُلُّ مَنْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ يَحْرُمُ مِنْ أَوَّلِ الْفَصْلِ إلَى هُنَا يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعِ، حَتَّى لَوْ أَرْضَعَتْ امْرَأَةٌ صَبِيًّا حَرُمَ عَلَيْهِ زَوْجَةُ زَوْجِ الظِّئْرِ الَّذِي نَزَلَ لَبَنُهَا مِنْهُ لِأَنَّهَا امْرَأَةُ أَبِيهِ مِنْ الرَّضَاعَةِ، وَيَحْرُمُ عَلَى زَوْجِ الظِّئْرِ امْرَأَةُ هَذَا الصَّبِيِّ لِأَنَّهَا امْرَأَةُ ابْنِهِ مِنْ الرَّضَاعَةِ، وَسَنَسْتَوْفِي ذَلِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِ الرَّضَاعِ
(قَوْلُهُ وَلَا يَجْمَعُ بَيْنَ أُخْتَيْنِ نِكَاحًا) أَيْ عَقْدًا (وَلَا بِمِلْكِ يَمِينٍ وَطْئًا) وَهَذَانِ تَمْيِيزَانِ لِنِسْبَةٍ إضَافِيَّةٍ، وَالْأَصْلُ بَيْنَ نِكَاحِ أُخْتَيْنِ وَوَطْئِهِمَا مَمْلُوكَتَيْنِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِهِمَا أُخْتَيْنِ مِنْ النَّسَبِ أَوْ الرَّضَاعَةِ حَتَّى قُلْنَا لَوْ كَانَ لَهُ زَوْجَتَانِ رَضِيعَتَانِ أَرْضَعَتْهُمَا أَجْنَبِيَّةٌ فَسَدَ نِكَاحُهُمَا.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يَفْسُدُ نِكَاحُ الثَّانِيَةِ فَقَطْ، وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ بِنَاءً عَلَى أَنَّ التَّحْرِيمَ الْمَذْكُورَ أَوَّلَ الْآيَةِ أُضِيفَ بِوَاسِطَةِ الْعَطْفِ إلَى الْجَمْعِ وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ كَوْنِهِ عَقْدًا أَوْ وَطْئًا. وَعَنْ عُثْمَانَ ﵁ إبَاحَةُ وَطْءِ الْمَمْلُوكَتَيْنِ قَالَ: لِأَنَّهُمَا أَحَلَّتْهُمَا آيَةٌ وَحَرَّمَتْهُمَا آيَةٌ أُخْرَى وَهُمَا هَذِهِ وقَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ فَرَجَحَ الْحِلُّ.
قِيلَ الظَّاهِرُ أَنَّ عُثْمَانَ ﵁ رَجَعَ إلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ، وَإِنْ لَمْ يَرْجِعْ فَالْإِجْمَاعُ اللَّاحِقُ يَرْفَعُ الْخِلَافَ السَّابِقَ وَإِنَّمَا يَتِمُّ إذَا لَمْ يَعْتَدَّ بِخِلَافِ أَهْلِ الظَّاهِرِ
стр. 1263
(فَإِنْ تَزَوَّجَ أُخْتَ أَمَةٍ لَهُ قَدْ وَطِئَهَا صَحَّ النِّكَاحُ) لِصُدُورِهِ مِنْ أَهْلِهِ مُضَافًا إلَى مَحِلِّهِ (وَ) إذَا جَازَ (لَا يَطَأُ الْأَمَةَ
وَبِتَقْدِيرِ عَدَمِهِ فَالْمُرَجَّحُ التَّحْرِيمُ عِنْدَ الْمُعَارَضَةِ. وَالْحَدِيثُ الَّذِي ذَكَرَهُ وَهُوَ قَوْلُهُ ﷺ «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ» إلَخْ غَرِيبٌ. وَفِي الْبَابِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ: مِنْهَا مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ قَالَتْ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ انْكِحْ أُخْتِي» الْحَدِيثُ، إلَى أَنْ قَالَ «إنَّهَا لَا تَحِلُّ لِي» وَحَدِيثُ أَبِي دَاوُد عَنْ التِّرْمِذِيِّ عَنْ أَبِي وَهْبٍ الْجَيَشَانِيَّ أَنَّهُ سَمِعَ الضَّحَّاكَ بْنَ فَيْرُوزَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ فَيْرُوزَ الدِّيلِيِّ قَالَ «قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أَسْلَمْتُ وَتَحْتِي أُخْتَانِ، قَالَ: طَلِّقْ أَيَّهُمَا شِئْتَ» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَصَحَّحَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَابْنُ حَبَّانِ، وَلَفْظُ أَبِي دَاوُد «اخْتَرْ أَيَّهُمَا شِئْتَ».
(قَوْلُهُ فَإِنْ تَزَوَّجَ أُخْتَ أَمَةٍ لَهُ قَدْ وَطِئَهَا صَحَّ النِّكَاحُ) خِلَافًا لِبَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ. وَجْهُ قَوْلِهِمْ أَنَّ الْمَنْكُوحَةَ مَوْطُوءَةٌ حُكْمًا بِاعْتِرَافِكُمْ فَيَصِيرُ بِالنِّكَاحِ جَامِعًا وَطْئًا حُكْمًا وَهُوَ بَاطِلٌ بِاعْتِرَافِكُمْ لِأَنَّكُمْ عَلَّلْتُمْ عَدَمَ جَوَازِ وَطْءِ الْأَمَةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَطِئَ الْمَنْكُوحَةَ بِلُزُومِ الْجَمْعِ وَطْئًا حُكْمًا، وَقَدْ قُلْتُمْ إنَّ حُكْمَ وَطْءِ الْأَمَةِ السَّابِقِ قَائِمٌ حَتَّى اُسْتُحِبَّ لَهُ لَوْ أَرَادَ بَيْعَهَا أَنْ يَسْتَبْرِئَهَا، وَمَا قِيلَ حَالَةَ صُدُورِ الْعَقْدِ لَا يَكُونُ جَامِعًا وَطْئًا بَلْ بَعْدَ تَمَامِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ حُكْمُهُ فَيَتَعَقَّبُهُ لَيْسَ بِدَافِعٍ، فَإِنَّ صُدُورَهُ مِنْ أَهْلِهِ مُضَافًا إلَى مَحِلِّهِ وَإِنْ كَانَ لَيْسَ جَمْعًا فِي نَفْسِهِ لَكِنَّهُ يَسْتَلْزِمُهُ حَيْثُ كَانَ هُوَ حُكْمُهُ، وَهُوَ لَازِمٌ بَاطِلٌ شَرْعًا وَمَلْزُومُ الْبَاطِلِ بَاطِلٌ فَالْعَقْدُ بَاطِلٌ، وَقَدْ يُوجَدُ فِي صَفَحَاتِ كَلَامِهِمْ مَوَاضِعُ عَلَّلُوا الْمَنْعَ فِيهَا بِمِثْلِهِ. وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ هَذَا اللَّازِمَ بِيَدِهِ إزَالَتُهُ فَلَيْسَ لَازِمًا عَلَى وَجْهِ اللُّزُومِ فَلَا يَضُرُّ بِالصِّحَّةِ وَيُمْنَعُ مِنْ الْوَطْءِ بَعْدَهَا لِقِيَامِهِ إذْ ذَاكَ (قَوْلُهُ وَلَا يَطَأُ الْأَمَةَ) الْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا يَطَأُ وَاحِدَةً مِنْهُمَا بَعْدَ الْعَقْدِ حَتَّى يُحَرِّمَ الْأَمَةَ عَلَى نَفْسِهِ بِسَبَبٍ كَبَيْعِ الْكُلِّ أَوْ الْبَعْضِ وَالْهِبَةِ مَعَ التَّسْلِيمِ وَالْإِعْتَاقِ أَوْ بِالْكِتَابَةِ وَالتَّزْوِيجِ.
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: لَا تَحِلُّ الْمَنْكُوحَةُ بِالْكِتَابَةِ. وَعَنْهُ: لَوْ مَلَكَ فَرْجَهَا غَيْرُهُ لَا تَحِلُّ الْمَنْكُوحَةُ حَتَّى تَحِيضَ الْمَمْلُوكَةُ حَيْضَةً بَعْدَ وَطْئِهَا لِاحْتِمَالِ كَوْنِهَا حَامِلًا مِنْهُ، فَعَلَى هَذَا لَوْ حَاضَتْ بَعْدَ الْوَطْءِ قَبْلَ التَّمْلِيكِ حَلَّتْ الْمَنْكُوحَةُ بِمُجَرَّدِ التَّمْلِيكِ. وَجْهُ الظَّاهِرِ ثُبُوتُ الْحُرْمَةِ بِالْكِتَابَةِ وَهُوَ الْمَقْصُودُ، وَمِنْ هُنَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ: تَحِلُّ الْمَنْكُوحَةُ قَبْلَ تَحْرِيمِ الْمَرْقُوقَةِ
стр. 1264
وَإِنْ كَانَ لَمْ يَطَأْ الْمَنْكُوحَةَ) لِأَنَّ الْمَنْكُوحَةَ مَوْطُوءَةٌ حُكْمًا، وَلَا يَطَأُ الْمَنْكُوحَةَ لِلْجَمْعِ إلَّا إذَا حَرَّمَ الْمَوْطُوءَةَ عَلَى نَفْسِهِ لِسَبَبٍ مِنْ الْأَسْبَابِ فَحِينَئِذٍ يَطَأُ الْمَنْكُوحَةَ لِعَدَمِ الْجَمْعِ، وَيَطَأُ الْمَنْكُوحَةَ إنْ لَمْ يَكُنْ وَطِئَ الْمَمْلُوكَةَ لِعَدَمِ الْجَمْعِ وَطْئًا إذْ الْمَرْقُوقَةُ لَيْسَتْ مَوْطُوءَةً حُكْمًا.
(فَإِنْ تَزَوَّجَ أُخْتَيْنِ فِي عُقْدَتَيْنِ وَلَا يَدْرِي أَيَّتَهمَا أُولَى فُرِّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمَا) لِأَنَّ نِكَاحَ إحْدَاهُمَا بَاطِلٌ بِيَقِينٍ،
بِسَبَبٍ لِأَنَّ حُرْمَةَ وَطْئِهَا قَدْ ثَبَتَتْ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ فَلَا حَاجَةَ إلَى اشْتِرَاطِ التَّحْرِيمِ بِسَبَبٍ آخَرَ. وَأُجِيبُوا بِأَنَّ حُكْمَ وَطْءِ الْمَرْقُوقَةِ قَائِمٌ، حَتَّى لَوْ أَرَادَ بَيْعَهَا اُسْتُحِبَّ لَهُ اسْتِبْرَاؤُهَا، فَبِالْوَطْءِ يَكُونُ جَامِعًا وَطْئًا حُكْمًا وَإِطْلَاقُ الْآيَةِ يَمْنَعُهُ، هَذَا كَلَامُهُمْ وَهُوَ مُصَرِّحٌ بِمَا وَعَدْنَاهُ آنِفًا، وَهَذَا إذَا كَانَ النِّكَاحُ صَحِيحًا، بِخِلَافِ الْفَاسِدِ إلَّا إذَا دَخَلَ بِالْمَنْكُوحَةِ فِيهِ فَحِينَئِذٍ تَحْرُمُ الْمَوْطُوءَةُ لِوُجُودِ الْجَمْعِ حَقِيقَةً لِأَنَّهُ وَطْءٌ مُعْتَبَرٌ تَتَرَتَّبُ الْأَحْكَامُ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ لِأَنَّ الْمَرْقُوقَةَ لَيْسَتْ مَوْطُوءَةً حُكْمًا) لِأَنَّ مِلْكَ الْيَمِينِ لَمْ يُوضَعْ لِلْوَطْءِ بِخِلَافِ النِّكَاحِ، وَلِهَذَا لَا يَثْبُتُ نَسَبُ وَلَدِهَا إلَّا بِدَعْوَى.
[فَرْعٌ]
لَوْ اشْتَرَى أُخْتَيْنِ لَيْسَ لَهُ وَطْؤُهُمَا، فَإِنْ وَطِئَ إحْدَاهُمَا أَوْ لَمَسَهَا بِشَهْوَةٍ لَمْ يَحِلَّ لَهُ وَطْءُ الْأُخْرَى حَتَّى يُحَرِّمَ الْمَوْطُوءَةَ بِسَبَبٍ، وَلَوْ وَطِئَهَا أَثِمَ ثُمَّ لَا يَحِلُّ لَهُ وَطْءُ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا حَتَّى يُحَرِّمَ الْأُخْرَى بِسَبَبٍ. وَلَوْ بَاعَ إحْدَاهُمَا أَوْ وَهَبَهَا أَوْ زَوَّجَهَا ثُمَّ رُدَّتْ إلَيْهِ الْمَبِيعَةُ أَوْ رَجَعَ فِي الْهِبَةِ أَوْ طَلُقَتْ الْمَنْكُوحَةُ وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا لَمْ يَحِلَّ وَطْءُ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا حَتَّى يُحَرِّمَ الْأُخْرَى بِسَبَبٍ كَمَا كَانَ أَوَّلًا
(قَوْلُهُ فَإِنْ تَزَوَّجَ أُخْتَيْنِ فِي عُقْدَتَيْنِ وَلَا يَدْرِي أَيَّهمَا الْأُولَى فُرِّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمَا) هَذَا تَفْرِيعٌ عَلَى حُرْمَةِ الْجَمْعِ، وَقَيَّدَ بِعُقْدَتَيْنِ إذْ لَوْ كَانَا فِي عُقْدَةٍ وَاحِدَةٍ بَطَلَا يَقِينًا وَبِعَدَمِ عِلْمِ الْأَوَّلِيَّةِ، إذْ لَوْ عَلِمَ صَحَّ النِّكَاحُ الْأَوَّلُ وَبَطَلَ الثَّانِي، وَلَهُ وَطْءُ الْأُولَى إلَّا أَنْ يَطَأَ الثَّانِيَةَ فَتَحْرُمُ الْأُولَى إلَى انْقِضَاءِ عِدَّةِ الثَّانِيَةِ، كَمَا لَوْ وَطِئَ أُخْتَ امْرَأَتِهِ بِشُبْهَةٍ حَيْثُ تَحْرُمُ امْرَأَتُهُ مَا لَمْ تَنْقَضِ عِدَّةُ ذَاتِ الشُّبْهَةِ. وَفِي الدِّرَايَةِ عَنْ الْكَامِلِ: لَوْ زَنَى بِإِحْدَى الْأُخْتَيْنِ لَا يَقْرَبُ الْأُخْرَى حَتَّى تَحِيضَ الْأُخْرَى حَيْضَةً وَهَذَا مُشْكِلٌ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
стр. 1265
وَلَا وَجْهَ إلَى التَّعْيِينِ لِعَدَمِ الْأَوْلَوِيَّةِ وَلَا إلَى التَّنْفِيذِ مَعَ التَّجْهِيلِ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ أَوْ لِلضَّرَرِ فَتَعَيَّنَ التَّفْرِيقُ (وَلَهُمَا نِصْفُ الْمَهْرِ) لِأَنَّهُ وَجَبَ لِلْأُولَى مِنْهُمَا، وَانْعَدَمَتْ الْأَوْلَوِيَّةُ لِلْجَهْلِ بِالْأَوَّلِيَّةِ فَيُصْرَفُ إلَيْهِمَا، وَقِيلَ لَا بُدَّ مِنْ دَعْوَى كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا أَنَّهَا الْأُولَى أَوْ الِاصْطِلَاحِ لِجَهَالَةِ الْمُسْتَحِقَّةِ.
قَوْلُهُ وَلَا وَجْهَ إلَى التَّعْيِينِ لِعَدَمِ الْأَوْلَوِيَّةِ) طُولِبَ بِالْفَرْقِ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا إذَا طَلَّقَ إحْدَى نِسَائِهِ بِعَيْنِهَا وَنَسِيَهَا حَيْثُ يُؤْمَرُ بِالتَّعْيِينِ وَلَا يُفَارِقُ الْكُلَّ. وَأُجِيبَ بِإِمْكَانِهِ هُنَاكَ لَا هُنَا لِأَنَّ نِكَاحَهُنَّ كَانَ مُتَيَقَّنُ الثُّبُوتِ، فَلَهُ أَنْ يَدَّعِيَ نِكَاحَ مَنْ شَاءَ مُعَيَّنَةً مِنْهُنَّ تَمَسُّكًا بِمَا كَانَ مُتَيَقَّنًا وَلَمْ يَثْبُتْ هُنَا نِكَاحُ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بِعَيْنِهَا، فَدَعْوَاهُ حِينَئِذٍ تَمَسُّكٌ بِمَا لَمْ يَتَحَقَّقْ ثُبُوتُهُ (قَوْلُهُ وَلَا إلَى التَّنْفِيذِ مَعَ التَّجْهِيلِ) أَيْ تَنْفِيذُ نِكَاحِهِمَا مَعَ جَهْلِ الْمُحَلَّلَةِ مِنْهُمَا لِأَنَّهُ تَنْفِيذُ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ أَوْ تَنْفِيذُ نِكَاحِ إحْدَاهُمَا مَعَ تَجْهِيلِهِ بِأَنْ يُنْفِذَ الْأَحَدَ الدَّائِرَ بَيْنَهُمَا (لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ) وَهُوَ حِلُّ الِاسْتِمْتَاعِ إذْ لَا يَقَعُ إلَّا فِي مُعَيَّنَةِ وَلَا حِلَّ فِي الْمُعَيَّنَةِ (أَوْ لِلضَّرَرِ) عَلَيْهِ بِإِلْزَامِهِ النَّفَقَةَ وَسَائِرَ الْمُوَاجِبِ مَعَ عَدَمِ حُصُولِ الْمَقْصُودِ وَعَلَيْهَا بِصَيْرُورَتِهَا مُعَلَّقَةً لَا ذَاتَ بَعْلٍ فِي حَقِّ الْوَطْءِ وَلَا مُطَلَّقَةً وَلِتَضَرُّرِ الْأُولَى لَوْ وَقَعَ تَعْيِينُهُ لِغَيْرِهَا وَهِيَ الصَّحِيحَةُ وَالثَّانِيَةُ لِوُقُوعِهَا فِي الْوَطْءِ الْحَرَامِ، وَفِي هَذَا نَظَرٌ إذْ لَا ضَرَرَ عَلَيْهَا فِي الدُّنْيَا وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَلَا فِي الْآخِرَةِ لِعَدَمِ قَصْدِ التَّجَانُفِ لِإِثْمٍ، وَلَوْ قَالَ وَلِلضَّرَرِ بِالْوَاوِ كَانَ أَوْلَى لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا لَازِمٌ لِلتَّنْفِيذِ مَعَ التَّجْهِيلِ (فَتَعَيَّنَ التَّفْرِيقُ) وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ طَلَاقٌ حَتَّى يَنْقُصَ مِنْ طَلَاقِ كُلٍّ مِنْهُمَا طَلْقَةً لَوْ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ ذَلِكَ، فَإِنْ وَقَعَ قَبْلَ الدُّخُولِ فَلَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَيَّتَهُمَا شَاءَ لِلْحَالِ أَوْ بَعْدَهُ بِهِمَا فَلَيْسَ لَهُ بِأَيِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا شَاءَ حَتَّى تَنْقَضِي عِدَّتُهُمَا.
وَإِنْ انْقَضَتْ عِدَّةُ إحْدَاهُمَا دُونَ الْأُخْرَى فَلَهُ تَزَوُّجُ الَّتِي لَمْ تَنْقَضِ عِدَّتَهَا دُونَ الْأُخْرَى كَيْ لَا يَصِيرُ جَامِعًا، وَإِنْ بَعْدَهُ بِإِحْدَاهُمَا فَلَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا فِي الْحَالِ دُونَ الْأُخْرَى فَإِنَّ عِدَّتَهَا تَمْنَعُ مِنْ تَزَوُّجِ أُخْتِهَا (قَوْلُهُ وَلَهُمَا نِصْفُ الْمَهْرِ) الْمُسَمَّى لَهُمَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ التَّفْرِيقَ قَبْلَ الدُّخُولِ مَعَ تَسَاوِي مَهْرَيْهِمَا جِنْسًا وَقَدْرًا سَوَاءً بَرْهَنَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَلَى أَنَّهَا سَابِقَةٌ أَوْ ادَّعَتْهُ فَقَطْ، أَمَّا لَوْ قَالَتَا لَا نَدْرِي السَّابِقَةَ مِنَّا لَمْ يَقْضِ بِشَيْءٍ فَلَوْ كَانَ التَّفْرِيق بَعْدَ الدُّخُول وَجَبَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا مَهْرَهَا كَامِلًا. وَفِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ يَقْضِي بِمَهْرٍ كَامِلٍ وَعُقْرٍ كَامِلٍ، وَيَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى مَا إذَا اتَّحَدَ الْمُسَمَّى لَهُمَا قَدْرًا وَجِنْسًا، أَمَّا إذَا اخْتَلَفَا فِيهِ فَيَتَعَذَّرُ إيجَابُ عُقْرٍ إذْ لَيْسَتْ إحْدَاهُمَا أَوْلَى بِجَعْلِهَا ذَاتَ الْعُقْرِ مِنْ الْأُخْرَى لِأَنَّهُ فَرْعُ الْحُكْمِ بِأَنَّهَا
следующие страницы →