Полный текст (3 611 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
«الْمُسْتَحَاضَةُ تَدَعُ الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا» وَلِأَنَّ الزَّائِدَ عَلَى الْعَادَةِ يُجَانِسُ مَا زَادَ عَلَى الْعَشَرَةِ فَيُلْحَقُ بِهِ، وَإِنْ ابْتَدَأَتْ مَعَ الْبُلُوغِ مُسْتَحَاضَةً فَحَيْضُهَا عَشَرَةُ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ وَالْبَاقِي اسْتِحَاضَةٌ لِأَنَّا عَرَفْنَاهُ حَيْضًا فَلَا يَخْرُجُ عَنْهُ بِالشَّكِّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
بِأَنْ لَا يَحْصُلَ مِنْ الْمَرْئِيِّ بَعْدَهَا مَعَهَا أَكْثَرُ مِنْ عَشَرَةٍ، وَكَذَا لَوْ رَأَتْ عَادَتَهَا وَقَبْلَهَا وَبَعْدَهَا مَا يَزِيدُ الْكُلُّ عَلَى عَشَرَةٍ فَعَادَتُهَا فَقَطْ حَيْضٌ، وَمِنْ الرَّدِّ إلَى الْعَادَةِ امْرَأَةٌ قَالَتْ عَادَتِي فِي الْحَيْضِ عَشَرَةٌ وَفِي الطُّهْرِ عِشْرُونَ، وَالْآنَ أَرَى الطُّهْرَ خَمْسَةَ عَشَرَ ثُمَّ أَرَى الدَّمَ تُؤْمَرُ بِالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ إلَى تَمَامِ الْعِشْرِينَ ثُمَّ تَتْرُكُ فِي الْعَشَرَةِ، وَمَا ذُكِرَ فِي الْخُلَاصَةِ فِي آخِرِ الْفَصْلِ الثَّالِثِ إذَا رَأَتْ قَبْلَ أَيَّامِهَا وَالْبَاقِي مِنْ أَيَّامِ طُهْرِهَا مَا لَوْ ضَمَّ إلَى أَيَّامِ حَيْضِهَا لَا يُجَاوِزُ الْعَشَرَةَ تُؤْمَرُ بِتَرْكِ الصَّلَاةِ، يَصِحُّ مُطْلَقًا عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ الْقَائِلِ بِالْإِبْدَالِ، وَعَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فَإِنَّمَا يَلْزَمُ إذَا كَانَ مَا قَبْلَ أَيَّامِهَا لَا يَكُونُ حَيْضًا، فَإِنْ كَانَ فَعَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ اللَّتَيْنِ ذَكَرْنَاهُمَا آنِفًا (قَوْلُهُ الْمُسْتَحَاضَةُ تَدَعُ الصَّلَاةَ إلَخْ) رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ وَالطَّحَاوِيُّ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ الْمَذْكُورِ آنِفًا قَالَ «دَعِي الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِكِ ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي وَإِنْ قَطَرَ الدَّمُ عَلَى الْحَصِيرِ» (قَوْلُهُ وَلِأَنَّ الزَّائِدَ عَلَى الْعَادَةِ يُجَانِسُ الزَّائِدَ عَلَى الْعَشَرَةِ) مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ زِيَادَةٌ عَلَى الْمُقَدَّرِ، إذْ الْمُقَدَّرُ الْعَادِي كَالْمُقَدَّرِ الشَّرْعِيِّ فَالزَّائِدُ عَلَيْهِ كَالزَّائِدِ عَلَيْهِ، وَمِنْ جِهَةِ أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْمَعْهُودِ (قَوْلُهُ فَحَيْضُهَا عَشَرَةُ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ) تَقَدَّمَتْ هَذِهِ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ فِيهَا أَنَّ حَيْضَهَا ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ فِي حَقِّ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَعَشَرَةٌ فِي حَقِّ الْوَطْءِ أَخْذًا بِالِاحْتِيَاطِ، كَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ، وَفِيهَا الْخُنْثَى إذَا خَرَجَ لَهُ دَمٌ وَمَنِيٌّ فَالْعِبْرَةُ لِلْمَنِيِّ.
стр. 177
فَصْلٌ فِي الِاسْتِحَاضَة
(وَالْمُسْتَحَاضَةُ وَمَنْ بِهِ سَلَسُ الْبَوْلِ وَالرُّعَافُ الدَّائِمُ وَالْجُرْحُ الَّذِي لَا يَرْقَأُ يَتَوَضَّئُونَ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ فَيُصَلُّونَ بِذَلِكَ الْوُضُوءِ فِي الْوَقْتِ مَا شَاءُوا مِنْ الْفَرَائِضِ وَالنَّوَافِلِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: تَتَوَضَّأُ الْمُسْتَحَاضَةُ لِكُلِّ مَكْتُوبَةٍ لِقَوْلِهِ ﵊ «الْمُسْتَحَاضَةُ تَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ» وَلِأَنَّ اعْتِبَارَ طَهَارَتِهَا ضَرُورَةُ أَدَاءِ الْمَكْتُوبَةِ فَلَا تَبْقَى
(فَصْلٌ)
(قَوْلُهُ لِقَوْلِهِ ﷺ «تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ») هُوَ الْمَرْوِيُّ فِي حَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ، وَأَمَّا حَدِيثُ الْمُسْتَحَاضَةِ تَتَوَضَّأُ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ فَذَكَرَ سِبْطُ بْنُ الْجَوْزِيِّ أَنَّ الْإِمَامَ أَبَا حَنِيفَةَ ﵁ رَوَاهُ اهـ. وَفِي شَرْحِ مُخْتَصَرِ الطَّحَاوِيِّ: رَوَى أَبُو حَنِيفَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِفَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ «وَتَوَضَّئِي لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ» ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ فِي الْأَصْلِ مُعْضِلًا. وَقَالَ ابْنُ قُدَامَةَ فِي الْمُغْنِي: وَرُوِيَ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِ حَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ «وَتَوَضَّئِي لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ» وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا
стр. 178
بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهَا. وَلَنَا قَوْلُهُ ﵊ «الْمُسْتَحَاضَةُ تَتَوَضَّأُ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ» وَهُوَ الْمُرَادُ بِالْأَوَّلِ لِأَنَّ اللَّامَ تُسْتَعَارُ لِلْوَقْتِ، يُقَالُ آتِيك لِصَلَاةِ الظُّهْرِ: أَيْ وَقْتِهَا، وَلِأَنَّ الْوَقْتَ أُقِيمَ مَقَامَ الْأَدَاءِ تَيْسِيرًا فَيُدَارُ الْحُكْمُ عَلَيْهِ (وَإِذَا خَرَجَ الْوَقْتُ بَطَلَ وَضْؤُهُمْ وَاسْتَأْنَفُوا الْوُضُوءَ لِصَلَاةٍ أُخْرَى) وَهَذَا عِنْدَ عُلَمَائِنَا الثَّلَاثَةِ.
مُحْكَمٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى كُلِّ صَلَاةٍ لِأَنَّهُ لَا يُحْتَمَلُ غَيْرُهُ، بِخِلَافِ الْأَوَّلِ فَإِنَّ لَفْظَ الصَّلَاةِ شَاعَ اسْتِعْمَالُهَا فِي لِسَانِ الشَّرْعِ وَالْعُرْفِ فِي وَقْتِهَا، فَمِنْ الْأَوَّلِ قَوْلُهُ ﷺ «إنَّ لِلصَّلَاةِ أَوَّلًا وَآخِرًا» الْحَدِيثَ: أَيْ وَقْتِهَا، وَقَوْلُهُ ﷺ «أَيُّمَا رَجُلٍ أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ» وَمِنْ الثَّانِي آتِيك لِصَلَاةِ الظُّهْرِ: أَيْ لِوَقْتِهَا، وَهُوَ مِمَّا لَا يُحْصَى كَثْرَةً فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلَى الْمُحْكَمِ. وَقَدْ رَجَّحَ أَيْضًا بِأَنَّهُ مَتْرُوكُ الظَّاهِرِ بِالْإِجْمَاعِ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَرُدَّ حَقِيقَةَ كُلِّ صَلَاةٍ لِجَوَازِ النَّفْلِ مَعَ الْفَرْضِ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ (قَوْلُهُ وَإِذَا خَرَجَ الْوَقْتُ بَطَلَ وُضُوءُهُمْ) هَذَا إذَا تَوْضُؤَا عَلَى السَّيَلَانِ أَوْ
стр. 179
وَقَالَ زُفَرُ: اسْتَأْنَفُوا إذَا دَخَلَ الْوَقْتُ (فَإِنْ تَوَضَّئُوا حِينَ تَطْلُعَ الشَّمْسُ أَجْزَأَهُمْ عَنْ فَرْضِ الْوَقْتِ حَتَّى يَذْهَبَ وَقْتُ الظُّهْرِ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَزُفَرُ أَجْزَأَهُمْ حَتَّى يَدْخُلَ وَقْتُ الظُّهْرِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ طَهَارَةَ الْمَعْذُورِ تُنْتَقَضُ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ: أَيْ عِنْدَهُ بِالْحَدَثِ السَّابِقِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَبِدُخُولِهِ فَقَطْ عِنْدَ زُفَرَ، وَبِأَيِّهِمَا كَانَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ
وَجَدَ السَّيَلَانَ بَعْدَ الْوُضُوءِ، أَمَّا إنْ كَانَ عَلَى الِانْقِطَاعِ وَدَامَ إلَى خُرُوجِ الْوَقْتِ فَلَا يَبْطُلُ بِالْخُرُوجِ مَا لَمْ يُحْدِثْ حَدَثًا آخَرَ أَوْ يَسِلْ دَمُهَا (قَوْلُهُ أَيْ عِنْدَهُ بِالْحَدَثِ السَّابِقِ) فَقَوْلُنَا خُرُوجُ الْوَقْتِ نَاقِضٌ أَوْ الدُّخُولُ مَجَازُ عَقْلٍ فِي الْإِسْنَادِ، وَأَوْرَدَ لَوْ اسْتَنَدَ النَّقْضُ إلَى السَّابِقِ لَوَجَبَ إذَا شَرَعَتْ فِي التَّطَوُّعِ ثُمَّ خَرَجَ الْوَقْتُ عَدَمُ لُزُومِ قَضَائِهَا لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ تَعْلَمُ أَنَّهَا شَرَعَتْ بِغَيْرِ طَهَارَةٍ. أُجِيبَ بِأَنَّهُ لَيْسَ طَهُورًا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ بَلْ مِنْ وَجْهٍ وَاقْتِصَارٌ مِنْ وَجْهٍ، فَأَظْهَرْنَا الِاقْتِصَارَ فِي الْقَضَاءِ وَالظُّهُورَ فِي حَقِّ الْمَسْحِ، كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ: يَعْنِي الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ، وَإِنَّمَا لَمْ يُعْكَسْ لِلِاحْتِيَاطِ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ اقْتِصَارٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَكَوْنُهُ بِالْحَدَثِ السَّابِقِ لَا يَسْتَلْزِمُ الِاسْتِنَادَ لِيَظْهَرَ عَدَمُ صِحَّةِ الصَّلَاةِ إذْ الْمُرَادُ أَنَّ ذَلِكَ الْحَدَثَ مَحْكُومٌ بِارْتِفَاعِهِ إلَى غَايَةٍ مَعْلُومَةٍ فَيَظْهَرُ عِنْدَهَا مُقْتَصِرًا، لَا أَنْ يَظْهَرَ قِيَامُهُ شَرْعًا مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَمَنْ حَقَّقَ أَنَّ هَذِهِ اعْتِبَارَاتٌ شَرْعِيَّةٌ لَا يَشْكُلُ عَلَيْهِ مِثْلُهُ (قَوْلُهُ وَبِدُخُولِهِ فَقَطْ عِنْدَ زُفَرَ وَبِأَيِّهِمَا كَانَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ) رَأَى فَخْرُ الْإِسْلَامِ أَنَّ زُفَرَ لَمْ يَرَ ذَلِكَ وَلَا أَبَا يُوسُفَ، فَالْكُلُّ مُتَّفِقُونَ عَلَى انْتِقَاضِهِ عِنْدَ الْخُرُوجِ،
стр. 180
وَفَائِدَةُ الِاخْتِلَافِ لَا تَظْهَرُ إلَّا فِيمَنْ تَوَضَّأَ قَبْلَ الزَّوَالِ كَمَا ذَكَرْنَا أَوْ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ. لِزُفَرَ أَنَّ اعْتِبَارَ الطَّهَارَةِ مَعَ الْمُنَافِي لِلْحَاجَةِ إلَى الْأَدَاءِ وَلَا حَاجَةَ قَبْلَ الْوَقْتِ فَلَا تُعْتَبَرُ.
وَإِنَّمَا لَمْ يُنْتَقَضْ عِنْدَ زُفَرَ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ لِأَنَّ قِيَامَ الْوَقْتِ جُعِلَ عُذْرًا وَقَدْ بَقِيَتْ شُبْهَتُهُ فَصَلَحَتْ لِبَقَاءِ حُكْمِ الْعُذْرِ تَحْقِيقًا، وَإِنَّمَا تَحْتَاجُ لِلطَّهَارَةِ لِلظُّهْرِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ فِيمَا إذَا تَوَضَّأَتْ قَبْلَ الزَّوَالِ وَدَخَلَ وَقْتَ الظُّهْرِ لِأَنَّ طَهَارَتَهَا ضَرُورِيَّةٌ، وَلَا ضَرُورَةَ فِي تَقْدِيمِهَا عَلَى الْوَقْتِ لَا لِأَنَّ طَهَارَتَهَا انْتَقَضَتْ عِنْدَ الدُّخُولِ، وَهَذَا يُفِيدُ أَنَّ طَهَارَتَهَا لَمْ تَصِحَّ حَتَّى لَا تَجُوزَ الصَّلَاةُ بِهَا قَبْلَ دُخُولِ الْوَقْتِ لَا أَنَّهَا صَحَّتْ وَانْتَقَضَتْ. وَقَوْلُهُ فِي الْهِدَايَةِ (لِزُفَرَ أَنَّ اعْتِبَارَ الطَّهَارَةِ مَعَ الْمُنَافِي لِلْحَاجَةِ إلَى الْأَدَاءِ وَلَا حَاجَةَ قَبْلَ الْوَقْتِ، وَلِأَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْحَاجَةَ مَقْصُورَةٌ عَلَى الْوَقْتِ فَلَا تُعْتَبَرُ قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ) صَرِيحٌ فِي مُوَافَقَةِ كَلَامِ فَخْرِ الْإِسْلَامِ، وَفِي أَنَّ الطَّهَارَةَ تَقْبَلُهُ لَمْ تَصِحَّ لَا أَنَّهَا انْتَقَضَتْ بَعْدَ الصِّحَّةِ، وَحِينَئِذٍ فَالْخِلَافُ فِيمَنْ تَوَضَّأَ قَبْلَ الزَّوَالِ أَوْ قَبْلَ الشَّمْسِ ابْتِدَائِيٌّ فِي نَفْسِ صِحَّةِ الْوُضُوءِ وَعَدَمِهِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْوَقْتِ لَا مَبْنِيٌّ عَلَى مَنَاطِ النَّقْضِ فَلَيْسَ وَضْعُ الْخِلَافِ صَحِيحًا: فَمَا ذَكَرَ فِي النِّهَايَةِ مِنْ أَنَّهَا طَهَارَةٌ مُعْتَبَرَةٌ فِي حَقِّ النَّفْلِ وَقَضَاءِ الْفَوَائِتِ وَعَدَمِ اعْتِبَارِهَا بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْحَاجَةَ الْمُتَعَلِّقَةَ بِأَدَاءِ الْوَقْتِيَّةِ مُنْعَدِمَةٌ فِي حَقِّ تِلْكَ الطَّهَارَةِ لَا أَنَّهَا
стр. 181
وَلِأَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْحَاجَةَ مَقْصُورَةٌ عَلَى الْوَقْتِ فَلَا تُعْتَبَرُ قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ. وَلَهُمَا أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيمِ الطَّهَارَةِ عَلَى الْوَقْتِ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ الْأَدَاءِ كَمَا دَخَلَ الْوَقْتُ، وَخُرُوجُ الْوَقْتِ دَلِيلُ زَوَالِ الْحَاجَةِ، فَظَهَرَ اعْتِبَارُ الْحَدَثِ عِنْدَهُ، وَالْمُرَادُ بِالْوَقْتِ وَقْتُ الْمَفْرُوضَةِ حَتَّى لَوْ تَوَضَّأَ الْمَعْذُورُ لِصَلَاةِ الْعِيدِ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ الظُّهْرَ بِهِ عِنْدَهُمَا وَهُوَ الصَّحِيحُ لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ صَلَاةِ الضُّحَى، وَلَوْ تَوَضَّأَ مَرَّةً لِلظُّهْرِ فِي وَقْتِهِ وَأُخْرَى فِيهِ لِلْعَصْرِ فَعِنْدَهُمَا لَيْسَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ الْعَصْرَ بِهِ لِانْتِقَاضِهِ بِخُرُوجِ وَقْتِ الْمَفْرُوضَةِ
غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ أَصْلًا حَسَنٌ (قَوْلُهُ فَعِنْدَ هُمَا لَيْسَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ الْعَصْرَ بِهَذِهِ الطَّهَارَةِ) فَإِنَّمَا خَصَّهُمَا مَعَ أَنَّ الْكُلَّ عَلَى هَذَا لِأَنَّ الشُّبْهَةَ تَأْتِي عَلَى قَوْلِهِمَا، إذْ لَهُ أَنْ يُقَدِّمَ الطَّهَارَةَ عَلَى الْوَقْتِ وَلَا يُنْتَقَضُ بِالدُّخُولِ، وَمَعَ هَذَا لَا يُصَلِّي الْعَصْرَ بِهَذِهِ لِأَنَّهُ دُخُولٌ مُشْتَمِلٌ عَلَى خُرُوجٍ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ عَدَمَ جَوَازِ الْعَصْرِ بِهَذِهِ الطَّهَارَةِ فِيمَا إذَا كَانَتْ عَلَى السَّيَلَانِ
стр. 182
وَالْمُسْتَحَاضَةُ هِيَ الَّتِي لَا يَمْضِي عَلَيْهَا وَقْتُ صَلَاةٍ إلَّا وَالْحَدَثُ الَّذِي اُبْتُلِيَتْ بِهِ يُوجَدُ فِيهِ،
أَوْ وُجِدَ بَعْدَهَا وَإِلَّا فَلَهُ ذَلِكَ.
(قَوْلُهُ وَالْمُسْتَحَاضَةُ هِيَ الَّتِي لَا يَمْضِي عَلَيْهَا وَقْتُ صَلَاةٍ إلَّا وَالْحَدَثُ الَّذِي اُبْتُلِيَتْ بِهِ يُوجَدُ فِيهِ) لَمَّا أَعْطَى حُكْمَ الْمُسْتَحَاضَةِ أَفَادَ تَصْوِيرَهَا، وَكَانَ الْأَوْلَى تَقْدِيمَهُ عَلَى الْحُكْمِ لِتَقَدُّمِ التَّصَوُّرِ عَلَى الْحُكْمِ الْمُتَصَوَّرِ لَكِنَّهُ بَادَرَ إلَى الْحُكْمِ لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ الْأَهَمُّ مَعَ عَدَمِ الْفَوَاتِ، إذْ قَدْ أَفَادَ التَّصْوِيرُ لَكِنَّهُ أَخَّرَهُ فَإِنَّمَا فِيهِ وَجْهُ التَّقْدِيمِ وَقَدْ انْتَظَمَهُ كَلَامُنَا.
قِيلَ الصَّحِيحُ أَنْ يُقَالَ هِيَ الَّتِي لَا يَخْلُو وَقْتُ الْوُضُوءِ أَوْ بَعْدَهُ فِي الْوَقْتِ عَنْ الْحَدَثِ الَّذِي اُبْتُلِيَتْ بِدَوَامِهِ لِأَنَّهُ يَرُدُّ عَلَى الْأَوَّلِ إذَا رَأَتْ الدَّمَ أَوَّلَ الْوَقْتِ ثُمَّ انْقَطَعَ فَتَوَضَّأَتْ وَدَامَ الِانْقِطَاعُ حَتَّى خَرَجَ الْوَقْتُ لَا تُنْتَقَضُ طَهَارَتُهَا، فَلَوْ كَانَ ذَلِكَ تَفْسِيرُ الْمُسْتَحَاضَةِ لَا تَنْقُضُ لِأَنَّ الْمُسْتَحَاضَةَ حُكْمُهَا ذَلِكَ. وَحَاصِلُ هَذَا الْكَلَامِ لِلْمُتَأَمِّلِ إنَاطَةُ ثُبُوتِ وَصْفِ الِاسْتِحَاضَةِ وَاسْمِ الْمُسْتَحَاضَةِ بِوُجُودِ الْوُضُوءِ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ، فَإِنَّهَا لَوْ لَمْ تَتَوَضَّأْ وَلَمْ تُصَلِّ لِمَرَضٍ يُعْجِزُهَا عَنْ الْإِيمَاءِ أَوْ فِسْقًا وَهِيَ بِالْوَصْفِ الْمَذْكُورِ بَعْدَ دَوَامِهِ وَقْتًا كَامِلًا كَانَتْ مُسْتَحَاضَةً قَطْعًا غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّ الْمُسْتَحَاضَةَ إنَّمَا يُنْتَقَضُ وُضُوءُهَا بِالْخُرُوجِ إذَا كَانَ السَّيَلَانُ مَعَهُ أَوْ بَعْدَهُ فِي الْوَقْتِ وَتَرْكُ التَّقْيِيدِ بِهِ فِي إعْطَائِهَا هَذَا الْحُكْمَ لِظُهُورِهِ وَعَلَيْهِ قُلْنَا لَوْ تَوَضَّأَتْ وَصَلَّتْ بَعْضَ الصَّلَاةِ فَخَرَجَ الْوَقْتُ ثُمَّ سَالَ تَتَوَضَّأُ وَتَبْنِي لِأَنَّ الِانْتِقَاضَ بِالْحَدَثِ لَا بِالْخُرُوجِ لِيَكُونَ بِظُهُورِ الْحَدَثِ السَّابِقِ فَتَسْتَقْبِلُ ثُمَّ تُحَقِّقُ كَوْنَهَا مُبْتَلَاةً بِهِ، وَكَذَا سَائِرُ الْمَعْذُورِينَ ابْتِدَاءً بِاسْتِيعَابِهِ وَقْتَ صَلَاةٍ كَامِلٍ. وَفِي الْكَافِي: إنَّمَا يَصِيرُ صَاحِبَ عُذْرٍ إذَا لَمْ يَجِدْ فِي وَقْتِ الصَّلَاةِ زَمَنًا يَتَوَضَّأُ وَيُصَلِّي فِيهِ خَالِيًا عَنْ الْحَدَثِ. وَالْأَوْلَى عِبَارَةُ عَامَّةِ الْكُتُبِ وَهَذَا يَصْلُحُ تَفْسِيرًا لَهَا، إذْ قَلَّمَا يَسْتَمِرُّ كَمَالُ وَقْتٍ بِحَيْثُ لَا يَنْقَطِعُ لَحْظَةً فَيُؤَدِّي إلَى نَفْيِ تَحَقُّقِهِ إلَّا فِي الْإِمْكَانِ، بِخِلَافِ جَانِبِ الصِّحَّةِ مِنْهُ فَإِنَّهُ بِدَوَامِ انْقِطَاعِهِ وَقْتًا كَامِلًا وَهُوَ مِمَّا يَتَحَقَّقُ، وَبِنَاءً عَلَى اشْتِرَاطِ الِاسْتِيعَابِ فِي الِابْتِدَاءِ قَالُوا، لَوْ سَالَ جُرْحُهُ انْتَظَرَا آخِرَ
стр. 183
وَكَذَا كُلُّ مَنْ هُوَ مَعْنَاهَا
وَهُوَ مَنْ ذَكَرْنَاهُ وَمَنْ بِهِ اسْتِطْلَاقُ بَطْنٍ وَانْفِلَاتُ رِيحٍ
الْوَقْتِ، فَإِنْ لَمْ يَنْقَطِعْ تَوَضَّأَ وَصَلَّى قَبْلَ خُرُوجِهِ، فَإِنْ فَعَلَ فَدَخَلَ وَقْتُ أُخْرَى فَانْقَطَعَ فِيهِ أَعَادَ الْأُولَى لِعَدَمِ الِاسْتِيعَابِ، وَإِنْ لَمْ يَنْقَطِعْ فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ حَتَّى خَرَجَ لَا يُعِيدُهَا لِوُجُودِ الِاسْتِيعَابِ، كَمَا لَوْ قَالُوا فِي جَانِبِ الِانْقِطَاعِ لَوْ تَوَضَّأَ عَلَى السَّيَلَانِ وَصَلَّى عَلَى الِانْقِطَاعِ أَوْ انْقَطَعَ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ إنْ عَادَ فِي الْوَقْتِ الثَّانِي فَلَا إعَادَةَ لِعَدَمِ الِانْقِطَاعِ وَقْتًا تَامًّا وَإِنْ لَمْ يَعُدْ فَعَلَيْهِ الْإِعَادَةُ لِلِانْقِطَاعِ التَّامِّ فَتَبَيَّنَ أَنَّهَا صَلَّتْ صَلَاةَ الْمَعْذُورِينَ وَلَا عُذْرَ، هَذَا.
وَمَتَى قَدَرَ الْمَعْذُورُ عَلَى رَدِّ السَّيَلَانِ بِرِبَاطٍ أَوْ حَشْوٍ أَوْ كَانَ لَوْ جَلَسَ لَا يَسِيلُ وَلَوْ قَامَ سَالَ وَجَبَ رَدُّهُ فَإِنَّهُ يَخْرُجُ بِرَدِّهِ عَنْ أَنْ يَكُونَ صَاحِبَ عُذْرٍ، بِخِلَافِ الْحَائِضِ إذَا مَنَعَتْ الدُّرُورَ فَإِنَّهَا حَائِضٌ، وَيَجِبُ أَنْ يُصَلِّيَ جَالِسًا بِإِيمَاءٍ إنْ سَالَ بِالْمَيَلَانِ لِأَنَّ تَرْكَ السُّجُودِ أَهْوَنُ مِنْ الصَّلَاةِ مَعَ الْحَدَثِ، فَإِنَّ الصَّلَاةَ بِإِيمَاءٍ لَهَا وَجَرَّدَ حَالَةَ الِاخْتِيَارِ فِي الْجُمْلَةِ وَهُوَ فِي التَّنَفُّلِ عَلَى الدَّابَّةِ، وَلَا يَجُوزُ مَعَ الْحَدَثِ بِحَالٍ حَالَةَ الِاخْتِيَارِ، وَعَنْ هَذَا قُلْنَا لَوْ كَانَ بِحَيْثُ لَوْ صَلَّى قَائِمًا أَوْ قَاعِدًا سَالَ جُرْحُهُ وَإِنْ اسْتَلْقَى لَا يَسِيلُ وَجَبَ الْقِيَامُ وَالرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ، لِأَنَّ الصَّلَاةَ كَمَا لَا تَجُوزُ مَعَ الْحَدَثِ إلَّا ضَرُورَةً لَا تَجُوزُ مُسْتَلْقِيًا إلَّا لَهَا فَاسْتَوَيَا، وَتَرَجَّحَ الْأَدَاءُ مَعَ الْحَدَثِ لِمَا فِيهِ مِنْ إحْرَازِ الْأَرْكَانِ، وَهَلْ يَجِبُ غَسْلُ الثَّوْبِ مِنْ النَّجَاسَةِ الَّتِي اُبْتُلِيَ بِهَا؟ قِيلَ لَا لِأَنَّ الْوُضُوءَ عَرَّفْنَاهُ بِالنَّصِّ وَالنَّجَاسَةُ لَيْسَتْ فِي مَعْنَاهُ لِأَنَّ قَلِيلَهَا مَعْفُوٌّ عَنْهُ فَأَلْحَقَ بِالْقَلِيلِ لِلضَّرُورَةِ. وَقِيلَ إذَا أَصَابَهُ خَارِجَ الصَّلَاةِ يَغْسِلُهُ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَشْرَعَ بِثَوْبٍ طَاهِرٍ، وَفِي الصَّلَاةِ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ فَسَقَطَ اعْتِبَارُهُ فِيهَا، وَفِي الْمُجْتَبَى: قَالَ الْقَاضِي: لَوْ غَسَلَتْ ثَوْبَهَا وَهُوَ يُحَالُ يَبْقَى طَاهِرًا إلَى أَنْ تَفْرُغَ لَا إلَى أَنْ يَخْرُجَ الْوَقْتُ، فَعِنْدَنَا تُصَلِّي بِدُونِ غَسْلٍ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا لِأَنَّ الطَّهَارَةَ عِنْدَنَا مُقَدَّرَةٌ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ وَعِنْدَهُ بِالْفَرَاغِ. وَفِي النَّوَازِلِ: وَإِذَا كَانَ بِهِ جُرْحٌ سَائِلٌ وَشَدَّ عَلَيْهِ خِرْقَةً فَأَصَابَهُ الدَّمُ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ أَوْ أَصَابَ ثَوْبَهُ فَصَلَّى وَلَمْ يَغْسِلْهُ، إنْ كَانَ لَوْ غَسَلَهُ تَنَجَّسَ ثَانِيًا قَبْلَ الْفَرَاغِ مِنْ الصَّلَاةِ جَازَ أَنْ لَا يَغْسِلَهُ وَإِلَّا فَلَا هُوَ الْمُخْتَارُ، وَلَوْ كَانَتْ بِهِ دَمَامِيلُ وَجُدَرِيٌّ فَتَوَضَّأَ وَبَعْضُهَا سَائِلٌ ثُمَّ سَالَ الَّذِي لَمْ يَكُنْ سَائِلًا انْتَقَضَ لِأَنَّ هَذَا حَدَثٌ جَدِيدٌ فَصَارَ كَالْمَنْخِرَيْنِ، وَمَسْأَلَةُ الْمَنْخِرَيْنِ مَذْكُورَةٌ فِي الْأَصْلِ، وَهِيَ مَا إذَا سَالَ أَحَدُ مَنْخِرَيْهِ فَتَوَضَّأَ مَعَ سَيَلَانِهِ وَصَلَّى ثُمَّ سَالَ الْمَنْخِرُ الْآخَرُ فِي الْوَقْتِ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ لِأَنَّ هَذَا حَدَثٌ جَدِيدٌ.
[فَرْعٌ]
فِي عَيْنِهِ رَمَدٌ يَسِيلُ دَمْعُهَا يُؤْمَرُ بِالْوُضُوءِ لِكُلِّ وَقْتٍ لِاحْتِمَالِ كَوْنِهِ صَدِيدًا. وَأَقُولُ: هَذَا التَّعْلِيلُ
стр. 184
لِأَنَّ الضَّرُورَةَ بِهَذَا تَتَحَقَّقُ وَهِيَ تَعُمُّ الْكُلَّ
فَصْلٌ فِي النِّفَاسِ
(النِّفَاسُ هُوَ الدَّمُ الْخَارِجُ عَقِيبَ الْوِلَادَةِ) لِأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ تَنَفُّسِ الرَّحِمِ بِالدَّمِ أَوْ مِنْ خُرُوجِ النَّفْسِ بِمَعْنَى الْوَلَدِ أَوْ بِمَعْنَى الدَّمِ (وَالدَّمُ الَّذِي تَرَاهُ الْحَامِلُ ابْتِدَاءً أَوْ حَالَ وِلَادَتِهَا قَبْلَ خُرُوجِ الْوَلَدِ اسْتِحَاضَةٌ) وَإِنْ كَانَ مُمْتَدًّا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: حَيْضٌ اعْتِبَارًا بِالنِّفَاسِ إذْ هُمَا جَمِيعًا مِنْ الرَّحِمِ.
يَقْتَضِي أَنَّهُ أَمْرُ اسْتِحْبَابٍ، فَإِنَّ الشَّكَّ وَالِاحْتِمَالَ فِي كَوْنِهِ نَاقِضًا لَا يُوجِبُ الْحُكْمَ بِالنَّقْضِ إذَا الْيَقِينُ لَا يَزُولُ بِالشَّكِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. نَعَمْ إذَا عَلِمَ مِنْ طَرِيقِ غَلَبَةِ الظَّنِّ بِإِخْبَارِ الْأَطِبَّاءِ أَوْ عَلَامَاتٍ تَغْلِبُ ظَنَّ الْمُبْتَلَى يَجِبُ.
(فَصْلٌ فِي النِّفَاسِ)
(قَوْلُهُ هُوَ الدَّمُ) يُفِيدُ أَنَّهَا لَوْ وَلَدَتْ وَلَمْ تَرَ دَمًا لَا تَكُونُ نُفَسَاءَ، ثُمَّ يَجِبُ الْغُسْلُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ احْتِيَاطًا لِأَنَّ الْوِلَادَةَ لَا تَخْلُو ظَاهِرًا عَنْ قَلِيلِ دَمٍ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا يَجِبُ لِأَنَّهُ تَعَلُّقٌ بِالنِّفَاسِ وَلَمْ يُوجَدْ، ثُمَّ يَنْبَغِي أَنْ يُزَادَ فِي التَّعْرِيفِ فَيُقَالُ عَقِيبَ الْوِلَادَةِ مِنْ الْفَرْجِ، فَإِنَّهَا لَوْ وَلَدَتْ مِنْ قِبَلِ سُرَّتِهَا بِأَنْ كَانَ بِبَطْنِهَا جُرْحٌ فَانْشَقَّتْ وَخَرَجَ الْوَلَدُ مِنْهَا تَكُونُ صَاحِبَةَ جُرْحٍ سَائِلٍ لَا نُفَسَاءَ وَتَنْقَضِي بِهِ الْعِدَّةُ وَتَصِيرُ الْأَمَةُ أُمَّ وَلَدٍ بِهِ، وَلَوْ عَلَّقَ طَلَاقَهَا بِوِلَادَتِهَا وَقَعَ كَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ (قَوْلُهُ أَوْ بِمَعْنَى الدَّمِ) قَالَ الشَّاعِرُ:
стр. 185
وَلَنَا أَنَّ بِالْحَبَلِ يَنْسَدُّ فَمُ الرَّحِمِ كَذَا الْعَادَةُ، وَالنِّفَاسُ بَعْدَ انْفِتَاحِهِ بِخُرُوجِ الْوَلَدِ، وَلِهَذَا كَانَ نِفَاسًا بَعْدَ خُرُوجِ بَعْضِ الْوَلَدِ فِيمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لِأَنَّهُ يَنْفَتِحُ فَيَتَنَفَّسُ بِهِ (وَالسَّقْطُ الَّذِي اسْتَبَانَ بَعْضُ خَلْقِهِ وَلَدٌ) حَتَّى تَصِيرَ الْمَرْأَةُ بِهِ نُفَسَاءَ وَتَصِيرُ الْأَمَةُ أُمَّ وَلَدٍ بِهِ وَكَذَا الْعِدَّةُ تَنْقَضِي بِهِ
(وَأَقَلُّ النِّفَاسِ لَا حَدَّ لَهُ)
تَسِيلُ عَلَى حَدِّ السُّيُوفِ نُفُوسُنَا … وَلَيْسَ عَلَى غَيْرِ السُّيُوفِ تَسِيلُ
(قَوْلُهُ وَلَنَا أَنَّ بِالْحَبَلِ يَنْسَدُّ فَمُ الرَّحِمِ كَذَا الْعَادَةُ) أَيْ الْعَادَةُ الْمُسْتَمِرَّةُ عَدَمُ خُرُوجِ الدَّمِ وَهُوَ لِلِانْسِدَادِ ثُمَّ يَخْرُجُ بِخُرُوجِ الْوَلَدِ لِلِانْفِتَاحِ بِهِ، وَخُرُوجُ الدَّمِ مِنْ الْحَامِلِ أَنْدَرُ نَادِرٍ فَقَدْ لَا يَرَاهُ الْإِنْسَانُ فِي عُمْرِهِ فَيَجِبُ أَنْ يَحْكُمَ فِي كُلِّ حَامِلٍ بِانْسِدَادِ رَحِمِهَا اعْتِبَارًا لِلْمَعْهُودِ مِنْ أَبْنَاءِ نَوْعِهَا، وَذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ إذَا رَأَتْ الدَّمَ الْحُكْمَ بِكَوْنِهِ غَيْرَ خَارِجٍ مِنْ الرَّحِمِ وَهُوَ مُسْتَلْزِمٌ الْحُكْمَ بِكَوْنِهِ غَيْرَ حَيْضٍ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ، لِذَا حَكَمَ الشَّارِعُ بِكَوْنِ وُجُودِ الدَّمِ دَلِيلًا عَلَى فَرَاغِ الرَّحِمِ فِي قَوْلِهِ ﷺ «أَلَا لَا تُنْكَحُ الْحَبَالَى حَتَّى يَضَعْنَ وَلَا الْحَيَالَى حَتَّى يُسْتَبْرَأْنَ بِحَيْضَةٍ» مَعَ أَنَّ كَوْنَ الْمَرْئِيِّ حَيْضًا غَيْرَ مَعْلُومٍ لِجَوَازِ كَوْنِهِ اسْتِحَاضَةً وَهِيَ حَامِلٌ وَمَعَ ذَلِكَ أُهْدِرَ هَذَا التَّجْوِيزُ نَظَرًا إلَى الْغَالِبِ فِي أَنَّهُ لَا يَظْهَرُ عَنْ فَرْجِ الْحَامِلِ دَمٌ وَإِنْ جَازَ أَنْ يَكُونَ اسْتِحَاضَةً لِنُدْرَةِ الِاسْتِحَاضَةِ (قَوْلُهُ بِخُرُوجِ بَعْضِ الْوَلَدِ) أَيْ أَكْثَرُهُ (قَوْلُهُ وَالسَّقْطُ الَّذِي اسْتَبَانَ بَعْضَ خَلْقِهِ) كَأُصْبُعٍ أَوْ ظُفْرٍ (وَلَدٌ) فَلَوْ لَمْ يَسْتَبِنْ مِنْهُ شَيْءٌ لَمْ يَكُنْ وَلَدًا
стр. 186
لِأَنَّ تَقَدُّمَ الْوَلَدِ عُلِمَ الْخُرُوجُ مِنْ الرَّحِمِ فَأَغْنَى عَنْ امْتِدَادٍ جُعِلَ عِلْمًا عَلَيْهِ بِخِلَافِ الْحَيْضِ
(وَأَكْثَرُهُ أَرْبَعُونَ يَوْمًا وَالزَّائِدُ عَلَيْهِ اسْتِحَاضَةً) لِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ أَنَّ «النَّبِيَّ ﵊ وَقَّتَ لِلنُّفَسَاءِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا»،
فَإِنْ أَمْكَنَ جَعْلُهُ حَيْضًا بِأَنْ امْتَدَّ جَعْلُ إيَّاهُ وَإِلَّا فَاسْتِحَاضَةٌ. وَفِي الْفَتَاوَى: طَهُرَتْ شَهْرَيْنِ فَظَنَّتْ أَنَّ بِهَا حَبَلًا ثُمَّ أَسْقَطَتْ بَعْدَ شَهْرَيْنِ سَقْطًا لَمْ يَسْتَبِنْ خَلْقَهُ وَقَدْ رَأَتْ قَبْلَ الْإِسْقَاطِ عَشَرَةً دَمًا يَكُونُ حَيْضًا لِأَنَّهُ بَعْدَ طُهْرٍ صَحِيحٍ، وَهِيَ لَمَّا أَسْقَطَتْ سِقْطًا لَمْ يَسْتَبِنْ شَيْءٌ مِنْ خَلْقِهِ لَمْ تُعْطَ حُكْمَ الْوِلَادَةِ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَحْكَامِ فَحُكِمَ بِأَنَّ هَذَا كَانَ دَمًا انْعَقَدَ ثُمَّ تَحَلَّلَ فَخَرَجَ فَلَمْ يَكُنْ دَمًا حَامِلِ فَكَانَ حَيْضًا
(قَوْلُهُ فَأَغْنَى عَنْ امْتِدَادِ جَعْلٍ عِلْمًا عَلَيْهِ فِي الْحَيْضِ) مَرْجِعُ ضَمِيرِ عَلَيْهِ خُرُوجُهُ مِنْ الرَّحِمِ، وَالِامْتِدَادُ الَّذِي جُعِلَ عِلْمًا عَلَى خُرُوجِ الدَّمِ مِنْ الرَّحِمِ فِي الْحَيْضِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا بَعْدَ وُجُودِ شَرْطِهِ مِنْ تَقَدُّمِ نِصَابِ الطُّهْرِ وَغَيْرِهِ: أَيْ أَغْنَى عَنْ التَّعَرُّفِ بِهِ خُرُوجُ الْوَلَدِ، فَإِنَّ الَّذِي يَعْقُبُهُ مِنْ الدَّمِ ظَاهِرُ كَوْنِهِ مِنْ الرَّحِمِ. وَفِي بَعْضٍ مِنْ النُّسَخِ عَنْ امْتِدَادِ مَا جُعِلَ عِلْمًا عَلَيْهِ وَالْأَوْلَى فِيهِ تَنْوِينُ امْتِدَادٍ فَتَكُونُ مَا هِيَ الْمُنَبِّهَةُ عَلَى وَصْفٍ لَائِقٍ بِالْمَحَلِّ كَقَوْلِهِمْ: لِأَمْرِ مَا جَدَعَ قَصِيرُ أَنْفِهِ، وَالْمُرَادُ هُنَا الْعُمُومُ فِي الِامْتِدَادَاتِ الْمُعَرِّفَةِ لِكَوْنِ الدَّمِ حَيْضًا وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ إلَى عَشَرَةٍ: أَيْ امْتِدَادُ مَا مِنْ هَذِهِ الِامْتِدَادَاتِ الَّتِي هِيَ ثَلَاثَةٌ وَأَرْبَعَةٌ إلَى عَشَرَةٍ، أَمَّا إنْ قُرِئَ بِإِضَافَةِ امْتِدَادٍ إلَى مَا فَالْمَعْنَى عَنْ امْتِدَادِ دَمٍ جُعِلَ بِوَصْفِ الِامْتِدَادِ عَلَامَةً فَإِنَّهُ نَفْسُهُ لَيْسَ عَلَامَةً بَلْ امْتِدَادُهُ أَوْ هُوَ بِوَصْفِ الِامْتِدَادِ وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ مِنْ التَّكَلُّفِ
(قَوْلُهُ لِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ) رَوَى أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُمَا عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: «كَانَتْ النُّفَسَاءُ تَقْعُدُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَرْبَعِينَ يَوْمًا». وَأَثْنَى الْبُخَارِيُّ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَأَمَّا قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنْ مُصَنَّفِي الْفُقَهَاءِ إنَّهُ ضَعِيفٌ فَمَرْدُودٌ عَلَيْهِمْ كَأَنَّهُ يُشِيرُ إلَى إعْلَالِ ابْنِ حِبَّانَ إيَّاهُ بِكَثِيرِ بْنِ زِيَادٍ أَبِي سَهْلٍ الْخُرَاسَانِيِّ. قَالَ عَنْهُ: كَانَ يَرْوِي الْأَشْيَاءَ الْمَقْلُوبَاتِ فَيُجْتَنَبُ مَا انْفَرَدَ بِهِ وَقَدْ صَحَّحَهُ الْحَاكِمُ. قِيلَ وَمَعْنَى الْحَدِيثِ: كَانَتْ تُؤْمَرُ أَنْ تَجْلِسَ إلَى الْأَرْبَعِينَ لِيَصِحَّ، إذْ لَا يَتَّفِقُ عَادَةُ جَمِيعِ أَهْلِ عَصْرِ فِي حَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ.
وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَنَسٍ «أَنَّهُ ﷺ وَقَّتَ لِلنُّفَسَاءِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا» إلَّا أَنْ تَرَى الطُّهْرَ قَبْلَ ذَلِكَ. وَضَعَّفَهُ بِسَلَّامِ بْنِ سُلَيْمٍ الطَّوِيلِ. وَرُوِيَ هَذَا مِنْ
стр. 187
وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى الشَّافِعِيِّ ﵀ فِي اعْتِبَارِ السِّتِّينَ (وَإِنْ جَاوَزَ الدَّمُ الْأَرْبَعِينَ وَكَانَتْ وَلَدَتْ قَبْلَ ذَلِكَ وَلَهَا عَادَةٌ فِي النِّفَاسِ رَدَّتْ إلَى أَيَّامِ عَادَتِهَا) لِمَا بَيَّنَّا فِي الْحَيْضِ (وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهَا عَادَةٌ فَابْتِدَاءُ نِفَاسِهَا أَرْبَعُونَ يَوْمًا) لِأَنَّهُ أَمْكَنَ جَعْلُهُ نِفَاسًا
(فَإِنْ وَلَدَتْ وَلَدَيْنِ فِي بَطْنٍ وَاحِدٍ فَنِفَاسُهَا مِنْ الْوَلَدِ الْأَوَّلِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ وَإِنْ كَانَ بَيْنَ الْوَلَدَيْنِ أَرْبَعُونَ يَوْمًا. وَقَالَ مُحَمَّدٌ ﵀: مِنْ الْوَلَدِ الْأَخِيرِ) وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ ﵀ لِأَنَّهَا حَامِلٌ بَعْدَ وَضْعِ الْأَوَّلِ فَلَا تَصِيرُ نُفَسَاءَ، كَمَا أَنَّهَا لَا تَحِيضُ، وَلِهَذَا تَنْقَضِي الْعِدَّةَ بِالْوَلَدِ الْأَخِيرِ بِالْإِجْمَاعِ. وَلَهُمَا أَنَّ الْحَامِلَ إنَّمَا لَا تَحِيضُ لِانْسِدَادِ فَمِ الرَّحِمِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا وَقَدْ انْفَتَحَ بِخُرُوجِ الْأَوَّلِ وَتَنَفَّسَ بِالدَّمِ فَكَانَ نِفَاسًا، وَالْعِدَّةُ تَعَلَّقَتْ بِوَضْعِ حَمْلٍ مُضَافٍ إلَيْهَا فَيَتَنَاوَلُ الْجَمِيعَ
عِدَّةِ طُرُقٍ لَمْ تَخْلُ عَنْ الطَّعْنِ، لَكِنَّهُ يَرْتَفِعُ بِكَثْرَتِهَا إلَى الْحَسَنِ. قَوْلُهُ وَالطُّهْرُ إذَا تَخَلَّلَ فِي مُدَّةِ النِّفَاسِ فَهُوَ كَالدَّمِ الْمُتَوَالِي عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: إذَا بَلَغَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَصَلَ فَيُحْكَمُ بِكَوْنِ الْمَرْئِيِّ بَعْدَهُ حَيْضًا إنْ صَلَحَ وَإِلَّا فَهُوَ اسْتِحَاضَةٌ. [فَرْعٌ]
أُسْقِطَتْ فِي الْمَخْرَجِ مَا يَشُكُّ فِي أَنَّهُ مُسْتَبِينُ الْخَلْقِ أَوَّلًا وَاسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ إنْ أَسْقَطَتْ أَوَّلَ أَيَّامِهَا تَرَكَتْ الصَّلَاةَ قَدْرَ عَادَتِهَا بِيَقِينٍ لِأَنَّهَا إمَّا حَائِضٌ أَوْ نُفَسَاءُ، ثُمَّ تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي عَادَتَهَا فِي الطُّهْرِ بِالشَّكِّ لِاحْتِمَالِ كَوْنِهَا نُفَسَاءَ أَوْ طَاهِرَةً، ثُمَّ تَتْرُكُ الصَّلَاةَ قَدْرَ عَادَتِهَا بِيَقِينٍ لِأَنَّهَا إمَّا نُفَسَاءُ أَوْ حَائِضٌ، ثُمَّ تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي عَادَتَهَا فِي الطُّهْرِ بِيَقِينٍ إنْ كَانَتْ اسْتَوْفَتْ أَرْبَعِينَ مِنْ وَقْتِ الْإِسْقَاطِ وَإِلَّا فَبِالشَّكِّ فِي الْقَدْرِ الدَّاخِلِ فِيهَا وَبِيَقِينٍ فِي الْبَاقِي، ثُمَّ تَسْتَمِرُّ عَلَى ذَلِكَ، وَإِنْ أَسْقَطَتْ بَعْدَ أَيَّامِهَا فَإِنَّهَا تُصَلِّي مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ قَدْرَ عَادَتِهَا فِي الطُّهْرِ بِالشَّكِّ، ثُمَّ تَتْرُكُ قَدْرَ عَادَتِهَا فِي الْحَيْضِ بِيَقِينٍ.
وَحَاصِلُ هَذَا كُلُّهُ أَنَّهُ لَا حُكْمَ لِلشَّكِّ وَيَجِبُ الِاحْتِيَاطُ. وَفِي كَثِيرٍ مِنْ نُسَخِ الْخُلَاصَةِ غَلَطٌ فِي التَّصْوِيرِ هُنَا مِنْ النُّسَّاخِ فَاحْتُرِسَ مِنْهُ
(قَوْلُهُ فَإِنْ وَلَدَتْ وَلَدَيْنِ فِي بَطْنٍ وَاحِدٍ فَنِفَاسُهَا) مَا خَرَجَ (مِنْ) الدَّمِ عَقِيبَ (الْوَلَدِ الْأَوَّلِ) مَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الْوَلَدَيْنِ سِتَّةُ أَشْهُرٍ لِأَنَّهُمَا حِينَئِذٍ تَوْأَمَانِ، وَدَمُ النِّفَاسِ هُوَ الْفَاضِلُ عَنْ غِذَاءِ الْوَلَدِ مِنْ دَمِ الْحَيْضِ الْمَمْنُوعِ خُرُوجُهُ بِانْسِدَادِ فَمِ الرَّحِمِ بِالْحَبَلِ، وَبِالْوَلَدِ الْأَوَّلِ ظَهَرَ انْفِتَاحُهُ فَظَهَرَ أَنَّ الْخَارِجَ هُوَ ذَاكَ الَّذِي كَانَ مَمْنُوعًا، وَقَدْ حَكَمَ الشَّرْعُ بِأَنَّ مَا كَانَ مِنْهُ يَنْتَهِي بِأَرْبَعِينَ حَتَّى لَوْ زَادَ اسْتَمَرَّ الدَّمُ عَلَيْهَا فِي الْوَلَدِ الْوَاحِدِ حُكِمَ
стр. 188
بَابُ الْأَنْجَاسِ وَتَطْهِيرِهَا
(تَطْهِيرُ النَّجَاسَةِ وَاجِبٌ مِنْ بَدَنِ الْمُصَلِّي وَثَوْبِهِ وَالْمَكَانِ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾.
بِأَنَّهُ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ فَيَلْزَمُ أَنَّ الْخَارِجَ بَعْدَ الثَّانِي بَعْدَ الْأَرْبَعِينَ غَيْرُ ذَلِكَ وَأَنَّهُ اسْتِحَاضَةٌ، فَظَهَرَ أَنَّ مَا عَلَّلَ بِهِ مُحَمَّدٌ مِنْ أَنَّهَا حَامِلٌ وَصْفٌ لَا أَثَرَ لَهُ: إذْ الْمُؤَثِّرُ فِي نَفْيِ النِّفَاسِ ثُبُوتُ الِانْسِدَادِ لَا ثُبُوتُ الْحَمْلِ، بَلْ عَدَمُهُ فِي حَالَةِ الْحَمْلِ لَيْسَ إلَّا لِلِانْسِدَادِ وَقَدْ زَالَ فَهُوَ الْمَدَارُ، أَمَّا الْحَمْلُ فَعِلَّتُهُ قِيَامُ الْعِدَّةِ.
بَابُ الْأَنْجَاسِ وَتَطْهِيرِهَا
(قَوْلُهُ تَطْهِيرُ النَّجَاسَةِ) أَيْ نَفْسُ مَحَلِّهَا أَمَّا هِيَ فَلَا تُطَهَّرُ (وَاجِبٌ) مُقَيَّدٌ بِالْإِمْكَانِ وَبِمَا إذَا لَمْ يَسْتَلْزِمْ ارْتِكَابَ مَا هُوَ أَشَدُّ، حَتَّى لَوْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ إزَالَتِهَا إلَّا بِإِبْدَاءِ عَوْرَتِهِ لِلنَّاسِ يُصَلِّي مَعَهَا لِأَنَّ كَشْفَ الْعَوْرَةِ أَشَدُّ، فَلَوْ أَبَدَاهَا لِلْإِزَالَةِ فَسَقَ، إذْ مَنْ اُبْتُلِيَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ مَحْظُورَيْنِ عَلَيْهِ أَنْ يَرْتَكِبَ أَهْوَنَهُمَا، أَمَّا مَنْ بِهِ نَجَاسَةٌ وَهُوَ مُحْدِثٌ إذَا وَجَدَ مَاءً يَكْفِي أَحَدَهُمَا فَقَطْ إنَّمَا وَجَبَ صَرْفُهُ إلَى النَّجَاسَةِ لَا الْحَدَثِ لِيَتَيَمَّمَ بَعْدَهُ فَيَكُونَ مُحَصِّلًا لِلطَّهَارَتَيْنِ، لَا لِأَنَّهَا أَغْلَظُ مِنْ الْحَدَثِ وَلَا أَنَّهُ صَرَفَ إلَى الْأَخَفِّ حَتَّى يَرُدَّ إشْكَالًا كَمَا قَالَهُ حَمَّادٌ حَتَّى أَوْجَبَ صَرْفَهُ إلَى الْحَدَثِ، وَقَوْلُنَا لِيَتَيَمَّمَ بَعْدَهُ هُوَ لِيَقَعَ تَيَمُّمُهُ صَحِيحًا اتِّفَاقًا، أَمَّا لَوْ تَيَمَّمَ قَبْلَ صَرْفِهِ إلَى النَّجَاسَةِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ بِنَاءً عَلَى مَا مَرَّ فِي التَّيَمُّمِ مِنْ أَنَّهُ مُسْتَحِقُّ الصَّرْفِ إلَيْهَا فَكَانَ مَعْدُومًا فِي حَقِّ الْحَدَثِ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ الْإِزَالَةِ لِخَفَاءِ خُصُوصِ الْمَحَلِّ الْمُصَابِ مَعَ الْعِلْمِ بِتَنَجُّسِ الثَّوْبِ قِيلَ: الْوَاجِبُ غَسْلُ طَرَفٍ مِنْهُ، فَإِنْ غَسَلَهُ بِتَحَرٍّ أَوْ بِلَا تَحَرٍّ طَهُرَ، وَذِكْرُ الْوَجْهِ بَيِّنٌ أَنْ لَا أَثَرَ لِلتَّحَرِّي وَهُوَ أَنْ يَغْسِلَ بَعْضَهُ مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ طَهَارَةُ الثَّوْبِ وَقَعَ الشَّكُّ
стр. 189
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فِي قِيَامِ النَّجَاسَةِ لِاحْتِمَالِ كَوْنِ الْمَغْسُولِ مَحَلَّهَا فَلَا يُقْضَى بِالنَّجَاسَةِ بِالشَّكِّ، كَذَا أَوْرَدَهُ الْإِسْبِيجَابِيُّ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الْكَبِيرِ.
قَالَ: وَسَمِعْت الشَّيْخَ الْإِمَامَ تَاجَ الدِّينِ أَحْمَدَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَقُولُهُ وَيَقِيسُهُ عَلَى مَسْأَلَةٍ فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ هِيَ إذَا فَتَحْنَا حِصْنًا وَفِيهِمْ ذِمِّيٌّ لَا يُعْرَفُ لَا يَجُوزُ قَتْلُهُمْ لِقِيَامِ الْمَانِعِ بِيَقِينٍ، فَلَوْ قُتِلَ الْبَعْضُ أَوْ أُخْرِجَ حَلَّ قَتْلُ الْبَاقِي لِلشَّكِّ فِي قِيَامِ الْمُحَرَّمِ كَذَا هُنَا.
وَفِي الْخُلَاصَةِ بَعْدَ مَا ذَكَرَهُ مُجَرَّدًا عَنْ التَّعْلِيلِ، فَلَوْ صَلَّى مَعَهُ صَلَوَاتٍ ثُمَّ ظَهَرَتْ النَّجَاسَةُ فِي طَرَفٍ آخَرَ يَجِبُ إعَادَةُ مَا صَلَّى اهـ.
وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ الثَّوْبُ فِيهِ نَجَاسَةٌ لَا يَدْرِي مَكَانَهَا يَغْسِلُ الثَّوْبَ كُلَّهُ انْتَهَى. وَهُوَ الِاحْتِيَاطُ.
وَذَلِكَ التَّعْلِيلُ مُشْكِلٌ عِنْدِي، فَإِنَّ غَسْلَ طَرَفٍ يُوجِبُ الشَّكَّ فِي طُهْرِ الثَّوْبِ بَعْدَ الْيَقِينِ بِنَجَاسَتِهِ قَبْلُ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ شَكَّ فِي الْإِزَالَةِ بَعْدَ تَيَقُّنِ قِيَامِ النَّجَاسَةِ، وَالشَّكُّ لَا يَرْفَعُ الْمُتَيَقَّنَ قَبْلَهُ، وَالْحَقُّ أَنَّ ثُبُوتَ الشَّكِّ فِي كَوْنِ الطَّرَفِ الْمَغْسُولِ وَالرَّجُلِ الْمُخْرَجِ هُوَ مَكَانُ النَّجَاسَةِ وَالْمَعْصُومُ الدَّمِ يُوجِبُ أَلْبَتَّةَ الشَّكَّ فِي طُهْرِ الْبَاقِي وَإِبَاحَةِ دَمِ الْبَاقِينَ، وَمِنْ ضَرُورَةِ صَيْرُورَتِهِ مَشْكُوكًا فِيهِ ارْتِفَاعُ الْيَقِينِ عَنْ تَنَجُّسِهِ وَمَعْصُومِيَّتِهِ، وَإِذَا صَارَ مَشْكُوكًا فِي نَجَاسَتِهِ جَازَتْ الصَّلَاةُ مَعَهُ إلَّا أَنَّ هَذَا إنْ صَحَّ لَمْ يَبْقَ لِكَلِمَتِهِمْ الْمُجْمَعِ عَلَيْهَا أَعْنِي قَوْلَهُمْ: الْيَقِينُ لَا يُرْفَعُ بِالشَّكِّ مَعْنًى، فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَثْبُتَ شَكٌّ فِي مَحَلِّ ثُبُوتِ الْيَقِينِ لِيُتَصَوَّرَ ثُبُوتُ شَكٍّ فِيهِ لَا يَرْتَفِعُ بِهِ ذَلِكَ الْيَقِينُ، فَعَنْ هَذَا حَقَّقَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ أَنَّ الْمُرَادَ لَا يَرْفَعُ حُكْمَ الْيَقِينِ، وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ يَخْلُصُ الْإِشْكَالُ فِي الْحُكْمِ لَا الدَّلِيلِ فَنَقُولُ: وَإِنْ ثَبَتَ الشَّكُّ فِي طَهَارَةِ الْبَاقِي وَنَجَاسَتِهِ لَكِنْ لَا يَرْتَفِعُ حُكْمُ ذَلِكَ التَّيَقُّنِ السَّابِقِ لِنَجَاسَتِهِ وَهُوَ عَدَمُ جَوَازِ الصَّلَاةِ فَلَا يَصِحُّ بَعْدَ غَسْلِ الطَّرَفِ لِأَنَّ الشَّكَّ الطَّارِئَ لَا يَرْفَعُ حُكْمَ الْيَقِينِ السَّابِقِ عَلَى مَا حُقِّقَ مِنْ أَنَّهُ هُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِمْ الْيَقِينُ لَا يَرْتَفِعُ بِالشَّكِّ فَقَتْلُ الْبَاقِي وَالْحُكْمُ بِطَهَارَةِ الْبَاقِي مُشْكِلٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ الْمُعْتَبَرُ فِي طَهَارَةِ الْمَكَانِ مَوْضِعُ الْقَدَمِ رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ، وَمَوْضِعُ السُّجُودِ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ قَوْلُهُمَا: وَلَا يَجِبُ طَهَارَةُ مَوْضِعِ الرُّكْبَتَيْنِ وَالْيَدَيْنِ لِأَنَّ وَضْعَهَا لَيْسَ فَرْضًا عِنْدَهُمْ، لَكِنْ فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانٍ: وَكَذَا لَوْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ فِي مَوْضِعِ السُّجُودِ أَوْ مَوْضِعِ الرُّكْبَتَيْنِ أَوْ الْيَدَيْنِ: يَعْنِي تُجْمَعُ وَتُمْنَعُ فَإِنَّهُ قَدَّمَ هَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ حُكْمًا لِمَا إذَا كَانَتْ النَّجَاسَةُ تَحْتَ كُلِّ قَدَمٍ أَقَلَّ مِنْ دِرْهَمٍ، وَلَوْ جُمِعَتْ صَارَتْ أَكْثَرَ مِنْ دِرْهَمٍ، قَالَ: وَلَا يَجْعَلُ كَأَنَّهُ لَمْ يَضَعْ الْعُضْوَ عَلَى النَّجَاسَةِ، وَهَذَا كَمَا لَوْ صَلَّى رَافِعًا إحْدَى قَدَمَيْهِ جَازَتْ صَلَاتُهُ، وَلَوْ وَضَعَ الْقَدَمَ عَلَى النَّجَاسَةِ لَا يَجُوزُ وَلَا يَجْعَلُ كَأَنَّهُ لَمْ يَضَعْ انْتَهَى لَفْظُهُ.
وَهُوَ يُفِيدُ أَنَّ عَدَمَ اشْتِرَاطِ طَهَارَةِ مَكَانِ الْيَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ هُوَ إذَا لَمْ يَضَعْهُمَا أَمَّا إنْ وَضَعَهُمَا اُشْتُرِطَتْ فَلْيُحْفَظْ هَذَا، وَلْيُعْلَمْ أَنَّ عَدَمَ اشْتِرَاطِ طَهَارَةِ مَكَانِ الرُّكْبَتَيْنِ وَالْيَدَيْنِ لَمْ يُثْبِتْهُ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ، وَعَلَيْهِ بَنَى وُجُوبَ وَضْعِ الرُّكْبَتَيْنِ فِي السُّجُودِ.
فِي التَّجْنِيسِ إذَا لَمْ يَضَعْ رُكْبَتَيْهِ عِنْدَ السُّجُودِ لَا يُجْزِئُهُ لِأَنَّا أُمِرْنَا بِالسُّجُودِ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ هَذَا اخْتِيَارُ الْفَقِيهِ أَبِي اللَّيْثِ، وَفَتْوَى مَشَايِخِنَا عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَوْضِعُ الرُّكْبَتَيْنِ نَجِسًا جَازَ.
قَالَ: وَالْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ يُنْكِرُ هَذِهِ الرِّوَايَةَ: إنَّهُ إذَا كَانَ مَوْضِعُ الرُّكْبَتَيْنِ نَجِسًا يَجُوزُ انْتَهَى.
ثُمَّ لَوْ كَانَ الْمَكَانُ نَجِسًا فَبُسِطَ عَلَيْهِ ثَوْبٌ طَاهِرٌ إنْ شَفَّهُ لَا تَجُوزُ فَوْقَهُ وَإِلَّا جَازَتْ وَلَوْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ عَلَى جَانِبِهِ وَصَلَّى عَلَى طَرَفٍ طَاهِرٍ آخَرَ مِنْهُ جَازَ سَوَاءٌ
стр. 190
وَقَالَ ﵊ «حُتِّيهِ ثُمَّ اُقْرُصِيهِ ثُمَّ اغْسِلِيهِ بِالْمَاءِ وَلَا يَضُرُّكِ أَثَرُهُ» وَإِذَا وَجَبَ التَّطْهِيرُ بِمَا ذَكَرْنَا فِي الثَّوْبِ وَجَبَ فِي الْبَدَنِ وَالْمَكَانِ فَإِنَّ الِاسْتِعْمَالَ فِي حَالَةِ الصَّلَاةِ يَشْمَلُ الْكُلَّ
(وَيَجُوزُ تَطْهِيرُهَا بِالْمَاءِ وَبِكُلِّ مَانِعٍ طَاهِرٍ يُمْكِنُ إزَالَتُهَا بِهِ كَالْخَلِّ وَمَاءِ الْوَرْدِ وَنَحْوِهِ مِمَّا إذَا عُصِرَ انْعَصَرَ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ
تَحَرَّكَ النَّجِسُ أَوْ لَا هُوَ الصَّحِيحُ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتْ فِي طَرَفِ عِمَامَتِهِ أَوْ مِنْدِيلِهِ الْمَقْصُودُ ثَوْبٌ هُوَ لَابِسُهُ فَأَلْقَى ذَلِكَ الطَّرَفَ عَلَى الْأَرْضِ وَصَلَّى فَإِنَّهُ إنْ تَحَرَّكَ بِحَرَكَتِهِ لَا يَجُوزُ، وَإِلَّا يَجُوزُ لِأَنَّهُ بِتِلْكَ الْحَرَكَةِ يُنْسَبُ لِحَمْلِ النَّجَاسَةِ بِخِلَافِهَا فِي الْمَفْرُوشِ، وَلَوْ صَلَّى عَلَى مَا لَهُ بِطَانَةٌ مُتَنَجِّسَةٌ وَهُوَ قَائِمٌ عَلَى مَا يَلِي مَوْضِعَ النَّجَاسَةِ مِنْ الطَّهَارَةِ، عَنْ مُحَمَّدٍ يَجُوزُ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ لَا يَجُوزُ، وَقِيلَ جَوَابُ مُحَمَّدٍ فِي غَيْرِ الْمُضْرَبِ فَيَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ ثَوْبَيْنِ، وَجَوَابُ أَبِي يُوسُفَ فِي الْمِضْرَبِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ ثَوْبٍ وَاحِدٍ فَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمَا.
قَالَ الْمُصَنِّفُ ﵀ فِي التَّجْنِيسِ: وَالْأَصَحُّ أَنَّ الْمِضْرَبَ عَلَى الْخِلَافِ ذَكَرَهُ الْحَلْوَانِيُّ انْتَهَى.
وَلَوْ كَانَ لِبَدًا أَصَابَتْهُ نَجَاسَةٌ فَقَلَبَهُ وَصَلَّى عَلَى الْوَجْهِ الْآخَرِ، عَنْ مُحَمَّدٍ يَجُوزُ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ لَا، وَلَوْ صَلَّى عَلَى الدَّابَّةِ وَفِي سَرْجِهَا أَوْ رِكَابِهَا نَجَاسَةٌ مَانِعَةٌ فَجَمَاعَةٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ.
قَالَ فِي الْمَبْسُوطِ: وَأَكْثَرُ مَشَايِخِنَا جَوَّزُوا لِمَا قَالَ فِي الْكِتَابِ وَالدَّابَّةُ أَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ: يَعْنِي أَنَّ بَاطِنَهَا مَحَلُّ النَّجَاسَةِ وَتُتْرَكُ عَلَيْهَا الْأَرْكَانُ وَهِيَ أَقْوَى مِنْ الشَّرَائِطِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ: أَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ مَا عَلَى ظَاهِرِهَا إذْ لَا يَخْلُو مَخْرَجُهَا وَحَوَافِرُهَا وَقَوَائِمُهَا عَنْ النَّجَاسَةِ وَفِيهِ نَظَرٌ.
(قَوْلُهُ وَقَالَ ﷺ «حُتِّيهِ ثُمَّ اُقْرُصِيهِ ثُمَّ اغْسِلِيهِ بِالْمَاءِ») عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵄ قَالَتْ «جَاءَتْ امْرَأَةٌ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ: إحْدَانَا يُصِيبُ ثَوْبَهَا مِنْ دَمِ الْحَيْضِ كَيْفَ تَصْنَعُ بِهِ؟ قَالَ: تَحُتُّهُ ثُمَّ تَقْرُصُهُ بِالْمَاءِ ثُمَّ تَنْضَحُهُ ثُمَّ تُصَلِّي فِيهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ كَذَلِكَ، وَلَفْظُ اغْسِلِيهِ غَيْرُ مَحْفُوظٍ فِيهِ بَلْ فِي حَدِيثِ أُمِّ قَيْسٍ بِنْتِ مِحْصَنٍ سَأَلَتْهُ عَنْ دَمِ الْحَيْضِ فَقَالَ ﷺ «حُكِّيهِ بِضِلَعٍ وَاغْسِلِيهِ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ.
وَالْحَتُّ: الْقَشْرُ بِالْعُودِ وَالظُّفْرِ وَنَحْوِهِ، وَالْقَرْصُ بِأَطْرَافِ الْأَصَابِعِ (قَوْلُهُ وَإِذَا وَجَبَ التَّطْهِيرُ بِمَا ذَكَرْنَا فِي الثَّوْبِ وَجَبَ فِي الْبَدَنِ وَالْمَكَانِ) بِطَرِيقِ أَوْلَى لِأَنَّهُمَا أَلْزَمُ لِلْمُصَلِّي مِنْهُ لِتَصَوُّرِ انْفِصَالِهِ بِخِلَافِهِمَا
(قَوْلُهُ مِمَّا إذَا عُصِرَ انْعَصَرَ) يُخْرِجُ الدُّهْنَ وَالزَّيْتَ وَاللَّبَنَ وَالسَّمْنَ، بِخِلَافِ الْخَلِّ وَمَاءِ الْبَاقِلَاءِ الَّذِي لَمْ يُثْخَنْ، فَفِي جَعْلِ الْأَوَّلِ
стр. 191
وَزُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ ﵏: لَا يَجُوزُ إلَّا بِالْمَاءِ لِأَنَّهُ يَتَنَجَّسُ بِأَوَّلِ الْمُلَاقَاةِ، وَالنَّجِسُ لَا يُفِيدُ الطَّهَارَةَ إلَّا أَنَّ هَذَا الْقِيَاسَ تُرِكَ فِي الْمَاءِ لِلضَّرُورَةِ.
عَلَى الْخِلَافِ كَمَا هِيَ قُوَيْلَةٌ نَظَرٌ (قَوْلُهُ يَتَنَجَّسُ بِأَوَّلِ الْمُلَاقَاةِ) مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا كَانَ بِحَيْثُ يَخْرُجُ بَعْضُ أَجْزَائِهَا فِي الْمَاءِ أَلَا تَرَى إلَى مَا ذَكَرُوا مِنْ أَنَّهُ لَوْ مَشَى وَرِجْلُهُ مُبْتَلَّةٌ عَلَى أَرْضٍ أَوْ لَبِدٍ نَجِسٍ جَافٍّ لَا يَتَنَجَّسُ، وَلَوْ كَانَ عَلَى الْقَلْبِ وَظَهَرَتْ الرُّطُوبَةُ فِي رِجْلِهِ تَتَنَجَّسُ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ.
قُلْت: يَجِبُ حَمْلُ الرُّطُوبَةِ عَلَى الْبَلَلِ لَا النَّدْوَةِ، فَقَدْ ذَكَرَ فِيهَا إذَا لَفَّ الثَّوْبَ النَّجِسَ الرَّطْبَ فِي الثَّوْبِ الطَّاهِرِ الْجَافِّ فَظَهَرَتْ فِيهِ نَدْوَتُهُ وَلَمْ يَصِرْ بِحَيْثُ يَقْطُرُ مِنْهُ شَيْءٌ إذَا عُصِرَ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَتَنَجَّسُ، وَكَذَا لَوْ بُسِطَ عَلَى النَّجِسِ الرَّطْبِ فَتَنَدَّى وَلَيْسَ بِحَيْثُ يَقْطُرُ إذَا عُصِرَ الْأَصَحُّ فِيهِ أَنَّهُ لَا يَتَنَجَّسُ ذَكَرَهُ الْحَلْوَانِيُّ.
وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ قَدْ يَحْصُلُ بِلَيِّ الثَّوْبِ وَعَصْرِهِ نَبْعُ رُءُوسٍ صِغَارٍ لَيْسَ لَهَا قُوَّةُ السَّيَلَانِ لِيَتَّصِلَ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ فَتَقْطُرُ بَلْ تُقَرُّ فِي مَوَاضِعِ نَبْعِهَا ثُمَّ تُرْجَعُ إذَا حُلَّ الثَّوْبُ، وَيَبْعُدُ فِي مِثْلِهِ الْحُكْمُ بِطَهَارَةِ الثَّوْبِ مَعَ وُجُودِ حَقِيقَةِ الْمُخَالِطِ، فَالْأَوْلَى إنَاطَةُ عَدَمِ النَّجَاسَةِ بِعَدَمِ نَبْعِ شَيْءٍ عِنْدَ الْعَصْرِ لِيَكُونَ مُجَرَّدَ نَدْوَةٍ لَا بِعَدَمِ التَّقَاطُرِ (قَوْلُهُ إلَّا أَنَّ هَذَا الْقِيَاسَ تُرِكَ فِي الْمَاءِ لِلضَّرُورَةِ) مُطْلَقًا عِنْدَ مُحَمَّدٍ سَوَاءٌ أُورِدَ عَلَى النَّجَاسَةِ أَوْ أُورِدَتْ هِيَ عَلَيْهِ وَإِلَّا لَمْ يَحْصُلْ طَهَارَةُ شَيْءٍ بِالْمَاءِ لِأَنَّهُ يُنَجِّسُ الْمَاءَ فَيَحُلُّ الْمَحَلَّ مَاءٌ نَجِسٌ، وَكَذَا كُلُّ مَا بَعْدَهُ يَتَنَجَّسُ بِمُلَاقَاةِ بَلَلِ السَّابِقِ، وَفِي الْوَارِدِ فَقَطْ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵁ لِأَنَّ الْمَوْرُودَ لَا يَطْهُرُ عِنْدَهُ.
وَلَمَّا سَقَطَ هَذَا الْقِيَاسُ عِنْدَهُ فِي الْوَارِدِ وَبَقِيَ طَاهِرًا حَالَ كَوْنِهِ فِي الثَّوْبِ بَقِيَ كَذَلِكَ بَعْدَ انْفِصَالِهِ بِالْعَصْرِ أَيْضًا مَا لَمْ يَظْهَرْ فِي الْمُنْفَصِلِ أَثَرُ النَّجَاسَةِ لَوْنٌ أَوْ رِيحٌ لِأَنَّهُ كَانَ مَحْكُومًا بِطَهَارَتِهِ حَالَ الْمُخَالَطَةِ فِي الْمَحَلِّ وَلَمْ يُوجَدْ بَعْدَهُ إلَّا الِانْفِصَالُ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمُنَجَّسٍ، بِخِلَافِ مَا إذَا تَأَثَّرَ لِأَنَّ بَقَاءَ الْأَثَرِ مُخَالَطَةٌ بَعْدَ الِانْفِصَالِ فَيَتَنَجَّسُ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ وَصَاحِبَيْهِ هُوَ طَاهِرٌ فِي الْمَحَلِّ نَجِسٌ إذَا انْفَصَلَ لِأَنَّ الْحُكْمَ بِالطَّهَارَةِ مَعَ مُخَالَطَةِ النَّجِسِ إنَّمَا هُوَ لِلضَّرُورَةِ، فَإِذَا زَالَتْ بِالِانْفِصَالِ ظَهَرَ أَثَرُ الْمُخَالَطَةِ لِأَنَّ مَا ثَبَتَ بِالضَّرُورَةِ يَتَقَدَّرُ بِقَدْرِهَا وَلَا أَثَرَ لِلْوُرُودِ لِأَنَّهُ لَيْسَ جَارِيًا حَقِيقَةً، أَلَا يَرَى أَنَّهُ لَوْ وَضَعَ الثَّوْبَ النَّجِسَ فِي الْإِجَّانَةِ ثُمَّ أُورِدَ عَلَيْهِ تَحْصُلُ فِيهَا مُخَالِطًا لِلنَّجَاسَةِ، وَهَذَا هُوَ الْمُوجِبُ لِثُبُوتِ قِيَاسِ النَّجَاسَةِ وَهُوَ بِعَيْنِهِ فِي الْمَوْرُودِ فَاتَّحَدَ الْقِيَاسُ فِيهِمَا ثُمَّ سَقَطَ لِلضَّرُورَةِ هَذَا فِي الْمَاءَيْنِ، أَمَّا الثَّالِثُ فَطَاهِرٌ عِنْدَهُمَا لِأَنَّهُ كَانَ طَاهِرًا وَانْفَصَلَ عَنْ مَحَلٍّ طَاهِرٍ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ نَجِسٌ لِأَنَّ طَهَارَتَهُ فِي الْمَحَلِّ ضَرُورَةُ تَطْهِيرِهِ وَقَدْ زَالَتْ، وَإِنَّمَا حُكِمَ شَرْعًا بِطَهَارَةِ الْمَحَلِّ عِنْدَ انْفِصَالِهِ بِدَلَالَةِ الْحَدِيثِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا وَإِلَّا لَمْ تَحْصُلْ طَهَارَةٌ، وَلَا ضَرُورَةَ فِي اعْتِبَارِ الْمَاءِ الْمُنْفَصِلِ طَاهِرًا مَعَ مُخَالَطَةِ النَّجِسِ فَيَكُونُ نَجِسًا بِخِلَافِ الرَّابِعِ فَإِنَّهُ لَمْ يُخَالِطْ مَا هُوَ مَحْكُومٌ شَرْعًا بِنَجَاسَتِهِ فِي الْمَحَلِّ فَيَكُونُ طَاهِرًا.
[فَرْعٌ]
فِي التَّجْنِيسِ غَسَلَ ثَوْبًا ثُمَّ قَطَرَ مِنْهُ عَلَى شَيْءٍ إنْ عَصَرَهُ فِي الثَّالِثَةِ حَتَّى صَارَ بِحَالٍ لَوْ عَصَرَهُ لَا يَسِيلُ مِنْهُ شَيْءٌ فَالْيَدُ طَاهِرَةٌ وَالْبَلَلُ طَاهِرٌ، وَإِنْ كَانَ بِحَالٍ يَسِيلُ فَنَجِسَةٌ فَفِي هَذَا أَنَّ بِلَّةَ الْيَدِ طَاهِرَةٌ مَعَ أَنَّهَا بَعْضُ الثَّالِثِ.
стр. 192
وَلَهُمَا أَنَّ الْمَائِعَ قَالِعٌ، وَالطَّهُورِيَّةَ بِعِلَّةِ الْقَلْعِ وَالْإِزَالَةُ وَالنَّجَاسَةُ لِلْمُجَاوَرَةِ، فَإِذَا انْتَهَتْ أَجْزَاءُ النَّجَاسَةِ يَبْقَى طَاهِرًا، وَجَوَابُ الْكِتَابِ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀، وَعَنْهُ
وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَمَّا سَقَطَ ذَلِكَ الْقِيَاسُ لَمْ يُفَرِّقْ مُحَمَّدٌ بَيْنَ تَطْهِيرِ الثَّوْبِ النَّجِسِ فِي الْإِجَّانَةِ وَالْعُضْوِ النَّجِسِ بِأَنْ يَغْسِلَ كُلًّا مِنْهُمَا فِي ثَلَاثِ إجَّانَاتٍ طَاهِرَاتٍ أَوْ ثَلَاثًا فِي إجَّانَةٍ بِمِيَاهٍ طَاهِرَةٍ فَيَخْرُجُ مِنْ الثَّالِثِ طَاهِرٌ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ بِذَلِكَ فِي الثَّوْبِ خَاصَّةً، أَمَّا الْعُضْوُ الْمُتَنَجِّسُ إذَا غُمِسَ فِي إجَّانَاتٍ طَاهِرَاتٍ نَجَّسَ الْجَمِيعَ وَلَا يَطْهُرُ بِحَالٍ، بَلْ بِأَنْ يُغْسَلَ فِي مَاءٍ جَارٍ أَوْ يُصَبَّ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْقِيَاسَ يَأْبَى حُصُولَ الطَّهَارَةِ لَهُمَا بِالْغَسْلِ فِي الْأَوَانِي فَسَقَطَ فِي الثِّيَابِ لِلضَّرُورَةِ وَبَقِيَ فِي الْعُضْوِ لِعَدَمِهَا، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُتَنَجِّسُ مِنْ الثَّوْبِ قَدْرَ دِرْهَمٍ فَقَرْصٌ لَا يُجِيزُهُ أَبُو يُوسُفَ فِي الْإِجَّانَةِ وَعَلَى هَذَا جُنُبٌ اغْتَسَلَ فِي آبَارِ وَلَمْ يَكُنْ اسْتَنْجَى تَنْجُسُ كُلُّهَا وَإِنْ كَثُرَتْ، وَإِنْ كَانَ اسْتَنْجَى صَارَتْ فَاسِدَةً وَلَمْ يَطْهُرْ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: إنْ لَمْ يَكُنْ اسْتَنْجَى يَخْرُجُ مِنْ الثَّالِثَةِ طَاهِرًا وَكُلُّهَا نَجِسَةٌ، وَإِنْ كَانَ اسْتَنْجَى يَخْرُجُ مِنْ الْأُولَى طَاهِرًا وَسَائِرُهَا مُسْتَعْمَلَةٌ كَذَا فِي الْمُصَفَّى، وَيَنْبَغِي تَقْيِيدُ الِاسْتِعْمَالِ بِمَا إذَا قَصَدَ الْقُرْبَةَ عِنْدَهُ (قَوْلُهُ وَلَهُمَا) الْحَاصِلُ الْقِيَاسُ عَلَى الْمَاءِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الطَّهَارَةَ بِالْمَاءِ مَعْلُولٌ بِعِلَّةِ كَوْنِهِ قَالِعًا لِتِلْكَ النَّجَاسَةِ، وَسُقُوطُ ذَلِكَ الْقِيَاسِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْقَلْعَ وَالْحُكْمَ بِالتَّطْهِيرِ لَا يُتَصَوَّرُ إلَّا بِإِسْقَاطِهِ، وَالْمَائِعُ قَالِعٌ فَهُوَ مُحَصَّلُ ذَلِكَ الْمَقْصُودِ فَيَسْقُطُ فِيهِ ذَلِكَ الْقِيَاسُ وَتَحْصُلُ بِهِ الطَّهَارَةُ.
[فَرْعٌ]
غَسْلُ الثَّوْبِ الْمُتَنَجِّسِ بِالدَّمِ بِالْبَوْلِ حَتَّى زَالَ عَيْنُ الدَّمِ، هَلْ يُحْكَمُ بِزَوَالِ تِلْكَ النَّجَاسَةِ اُخْتُلِفَ فِيهِ.
وَمِمَّنْ ذَهَبَ إلَيْهِ التُّمُرْتَاشِيُّ حَتَّى لَوْ كَانَ مَا غُسِلَ بِهِ بَوْلَ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ لَا يَمْنَعُ مَا لَمْ يَفْحُشْ.
وَقَالَ السَّرَخْسِيُّ: الْأَصَحُّ أَنَّ التَّطْهِيرَ بِالْبَوْلِ لَا يَكُونُ انْتَهَى.
وَهُوَ أَحْسَنُ، وَوَجْهُهُ مَا عَلِمْت أَنَّ سُقُوطَ التَّنَجُّسِ حَالَ كَوْنِ الْمُسْتَعْمَلِ فِي الْمَحَلِّ ضَرُورَةُ التَّطْهِيرِ، وَلَيْسَ الْبَوْلُ مُطَهِّرًا لِلتَّضَادِّ بَيْنَ الْوَصْفَيْنِ فَيَتَنَجَّسُ بِنَجَاسَةِ الدَّمِ، فَمَا ازْدَادَ الثَّوْبُ بِهَذَا إلَّا شَرًّا إذْ يَصِيرُ جَمِيعُ الْمَكَانِ الْمُصَابِ بِالْبَوْلِ مُتَنَجِّسًا بِنَجَاسَةِ الدَّمِ وَإِنْ لَمْ يَبْقَ عَيْنُ الدَّمِ، وَفِي الْكِتَابِ إشَارَةٌ إلَى
стр. 193
أَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا فَلَمْ يُجَوِّزْ فِي الْبَدَنِ بِغَيْرِ الْمَاءِ.
(وَإِذَا أَصَابَ الْخُفَّ نَجَاسَةٌ لَهَا جِرْمٌ كَالرَّوْثِ وَالْعَذِرَةِ وَالدَّمِ وَالْمَنِيِّ فَجَفَّتْ فَدَلَّكَهُ بِالْأَرْضِ جَازَ) وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ (وَقَالَ مُحَمَّدٌ ﵀ لَا يَجُوزُ) وَهُوَ الْقِيَاسُ (إلَّا فِي الْمَنِيِّ خَاصَّةً) لِأَنَّ الْمُتَدَاخِلَ فِي الْخُفِّ لَا يُزِيلُهُ الْجَفَافُ وَالدَّلْكُ، بِخِلَافِ الْمَنِيِّ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ.
وَلَهُمَا قَوْلُهُ ﵊ «فَإِنْ كَانَ بِهِمَا أَذًى فَلْيَمْسَحْهُمَا بِالْأَرْضِ فَإِنَّ الْأَرْضَ لَهُمَا طَهُورٌ» وَلِأَنَّ الْجِلْدَ لِصَلَابَتِهِ لَا تَتَدَاخَلُهُ أَجْزَاءُ النَّجَاسَةِ إلَّا قَلِيلًا
مَا اخْتَرْنَاهُ حَيْثُ قَالَ بِالْمَاءِ وَبِكُلِّ مَائِعٍ طَاهِرٍ حَيْثُ أَخْرَجَ الْمَائِعَ النَّجِسَ (قَوْلُهُ فَلَمْ يُجَوِّزْ فِي الْبَدَنِ بِغَيْرِ الْمَاءِ) لِأَنَّ حَرَارَةَ الْبَدَنِ جَاذِبَةٌ وَالْمَاءُ أُدْخِلَ فِيهِ مِنْ غَيْرِهِ فَيَتَعَيَّنُ. وَعَنْ طَهَارَةِ الْبَدَنِ بِغَيْرِ الْمَاءِ تُفَرَّعُ طَهَارَةُ الثَّدْيِ إذَا قَاءَ عَلَيْهِ الْوَلَدُ ثُمَّ رَضَعَهُ حَتَّى أَزَالَ أَثَرَ الْقَيْءِ، وَكَذَا إذَا لَحِسَ أُصْبُعَهُ مِنْ نَجَاسَةٍ بِهَا حَتَّى ذَهَبَ الْأَثَرُ أَوْ شَرِبَ خَمْرًا ثُمَّ تَرَدَّدَ رِيقُهُ فِي فِيهِ مِرَارًا طَهُرَ حَتَّى لَوْ صَلَّى صَحَّتْ.
وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ لَا تَصِحُّ، وَلَا يُحْكَمُ بِالطَّهَارَةِ بِذَلِكَ لِعَدَمِ الْمَاءِ، وَكَذَا عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَهِيَ اشْتِرَاطُ الْمَاءِ فِي الْعُضْوِ، وَأَمَّا الْمَرْوِيُّ عَنْ مُحَمَّدٍ فِي الْمُسَافِرِ إذَا أَصَابَ يَدَهُ نَجَاسَةٌ يَمْسَحُهَا بِالتُّرَابِ فَمُشْكِلٌ عَلَى قَوْلِ الْكُلِّ، فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ وَأَبَا يُوسُفَ إنَّمَا جَوَّزَا مِثْلَهُ فِي الْخُفِّ وَالنَّعْلِ بِشَرْطِهِ، وَمُحَمَّدٌ خَالَفَهُمَا فَكَيْفَ يُتَّجَهُ ذَلِكَ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُرَادَ بِمَسْحِهِ تَقْلِيلًا لِلنَّجَاسَةِ حَالَةَ الِاشْتِغَالِ بِالسَّيْرِ فَلَا يُمْنَعُ لِتَخْفِيفِ الْجِرْمِ بِذَلِكَ ثُمَّ يَغْسِلُهَا بَعْدَ ذَلِكَ.
(قَوْلُهُ وَلَهُمَا قَوْلُهُ ﷺ ) رَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ ﷺ قَالَ «إذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ إلَى الْمَسْجِدِ فَلْيَنْظُرْ فَإِنْ رَأَى فِي نَعْلِهِ أَذًى أَوْ قَذَرًا فَلْيَمْسَحْهُ وَلِيُصَلِّ فِيهَا» وَخَرَّجَ ابْنُ خُزَيْمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ ﷺ قَالَ «إذَا وَطِئَ أَحَدُكُمْ الْأَذَى بِنَعْلِهِ أَوْ خُفَّيْهِ فَطَهُورُهُمَا التُّرَابُ» وَلَا تَفْصِيلَ فِيهِمَا بَيْنَ الرَّطْبِ وَالْجَافِّ وَالْكَثِيفِ وَالرَّقِيقِ، فَأَعْمَلَ أَبُو يُوسُفَ إطْلَاقَهُ إلَّا
стр. 194
ثُمَّ يَجْتَذِبُهُ الْجِرْمُ إذَا جَفَّ، فَإِذَا زَالَ زَالَ مَا قَامَ بِهِ (وَفِي الرَّطْبِ لَا يَجُوزُ حَتَّى يَغْسِلَهُ) لِأَنَّ الْمَسْحَ بِالْأَرْضِ يُكْثِرُهُ وَلَا يُطَهِّرُهُ.
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ أَنَّهُ إذَا مَسَحَهُ بِالْأَرْضِ حَتَّى لَمْ يَبْقَ أَثَرُ النَّجَاسَةِ يَطْهُرُ لِعُمُومِ الْبَلْوَى، وَإِطْلَاقِ مَا يُرْوَى وَعَلَيْهِ مَشَايِخُنَا ﵏ (إنْ أَصَابَهُ بَوْلٌ فَيَبِسَ لَمْ يَجُزْ حَتَّى يَغْسِلَهُ) وَكَذَا كُلُّ مَا لَا جِرْمَ لَهُ كَالْخَمْرِ لِأَنَّ الْأَجْزَاءَ تَتَشَرَّبُ فِيهِ وَلَا جَاذِبَ يَجْذِبُهَا.
وَقِيلَ مَا يَتَّصِلُ بِهِ مِنْ الرَّمْلِ وَالرَّمَادِ جِرْمٌ لَهُ وَالثَّوْبُ لَا يُجْزِي فِيهِ إلَّا الْغَسْلُ وَإِنْ يَبِسَ لِأَنَّ الثَّوْبَ لِتَخَلْخُلِهِ يَتَدَاخَلُهُ كَثِيرٌ مِنْ أَجْزَاءِ النَّجَاسَةِ فَلَا يُخْرِجُهَا إلَّا الْغَسْلُ.
وَالْمَنِيُّ نَجِسٌ يَجِبُ غَسْلُهُ إنْ كَانَ رَطْبًا (فَإِذَا جَفَّ عَلَى الثَّوْبِ أَجْزَأَ فِيهِ الْفَرْكُ) لِقَوْلِهِ ﵊ لِعَائِشَةَ «فَاغْسِلِيهِ إنْ كَانَ رَطْبًا وَافْرُكِيهِ إنْ
فِي الرَّقِيقِ وَقَيَّدَاهُ بِالْجِرْمِ وَالْجَفَافِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا فَرْقَ عَلَى مَا فَرَّعُوا بَيْنَ كَوْنِ الْجِرْمِ مِنْ نَفْسِ النَّجَاسَةِ أَوْ مِنْ غَيْرِهَا بِأَنْ ابْتَلَّ الْخُفُّ بِخَمْرٍ فَمَشَى بِهِ عَلَى رَمْلٍ أَوْ رَمَادٍ فَاسْتَجْسَدَ فَمَسَحَهُ بِالْأَرْضِ حَتَّى تَنَاثَرَ طَهُرَ.
رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، إلَّا أَنَّ أَبَا يُوسُفَ لَمْ يُقَيِّدْهُ بِالْجَفَافِ، وَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ أَكْثَرُ الْمَشَايِخِ وَهُوَ الْمُخْتَارُ لِعُمُومِ الْبَلْوَى، وَنَعْلَمُ أَنَّ الْحَدِيثَ يُفِيدُ طَهَارَتَهَا بِالدَّلْكِ مَعَ الرُّطُوبَةِ، إذْ مَا بَيْنَ الْمَسْجِدِ وَالْمَنْزِلِ لَيْسَ مَسَافَةً تَجِفُّ فِي مُدَّةِ قَطْعِهَا مَا أَصَابَ الْخُفَّ رَطْبًا، فَإِطْلَاقُ مَا يُرْوَى مُسَاعِدٌ بِالْمَعْنَى.
وَأَمَّا مُخَالَفَتُهُ فِي الرَّقِيقِ فَقِيلَ هُوَ مُفَادٌ بِقَوْلِهِ طَهُورٌ: أَيْ مُزِيلٌ، وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ الْخُفَّ إذَا تَشَرَّبَ الْبَوْلَ لَا يُزِيلُهُ الْمَسْحُ فَإِطْلَاقُهُ مَصْرُوفٌ إلَى مَا يَقْبَلُ الْإِزَالَةَ بِالْمَسْحِ، وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ إذْ مَعْنَى طَهُورٍ مُطَهِّرٌ، وَاعْتُبِرَ ذَلِكَ شَرْعًا بِالْمَسْحِ الْمُصَرَّحِ بِهِ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مُقْتَصِرًا عَلَيْهِ، وَكَمَا لَا يُزِيلُ مَا تَشَرَّبَهُ مِنْ الرَّقِيقِ كَذَلِكَ لَا يُزِيلُ مَا تَشَرَّبَهُ مِنْ الْكَثِيفِ حَالَ الرُّطُوبَةِ عَلَى مَا هُوَ الْمُخْتَارُ لِلْفَتْوَى بِاعْتِرَافِ هَذَا الْمُجِيبِ. وَالْحَاصِلُ فِيهِ بَعْدَ إزَالَةِ الْجِرْمِ كَالْحَاصِلِ قَبْلَ الدَّلْكِ فِي الرَّقِيقِ فَإِنَّهُ لَا يَشْرَبُ إلَّا مَا فِي اسْتِعْدَادِهِ قَبُولُهُ، وَقَدْ يُصِيبُهُ مِنْ الْكَثِيفَةِ الرَّطْبَةِ مِقْدَارٌ كَثِيرٌ يَشْرَبُ مِنْ رُطُوبَتِهِ مِقْدَارَ مَا يَشْرَبُهُ مِنْ بَعْضِ الرَّقِيقِ.
(قَوْلُهُ لِقَوْلِهِ ﷺ لِعَائِشَةَ) الَّذِي فِي صَحِيحِ أَبِي عَوَانَةَ عَنْ «عَائِشَةَ قَالَتْ كُنْتُ أَفْرُكُ الْمَنِيَّ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذَا كَانَ يَابِسًا، وَأَمْسَحُهُ أَوْ أَغْسِلُهُ، شَكَّ الْحُمَيْدِيُّ، إذَا كَانَ رَطْبًا» وَرَوَاهُ
стр. 195
كَانَ يَابِسًا» وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: الْمَنِيُّ طَاهِرٌ، وَالْحُجَّةُ عَلَيْهِ مَا رَوَيْنَاهُ.
وَقَالَ ﵊ «إنَّمَا
الدَّارَقُطْنِيُّ وَأَغْسِلُهُ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ، فَهَذَا فِعْلُهَا.
وَأَمَّا أَنَّهُ ﷺ قَالَ لَهَا ذَلِكَ، فَاَللَّهُ أَعْلَمُ، لَكِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ ذَلِكَ بِعِلْمِ النَّبِيِّ ﷺ خُصُوصًا إذَا تَكَرَّرَ مِنْهَا مَعَ الْتِفَاتِهِ ﷺ إلَى طَهَارَةِ ثَوْبِهِ وَفَحْصِهِ عَنْ حَالِهِ، وَأَظْهَرُ مِنْهُ قَوْلُهَا «كُنْتُ أَغْسِلُهُ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيَخْرُجُ إلَى الصَّلَاةِ وَإِنَّ بُقَعَ الْمَاءِ فِي ثَوْبِهِ» فَإِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ يُحِسُّ بِبَلَلِ ثَوْبِهِ وَهُوَ مُوجِبُ الِالْتِفَاتِ إلَى حَالِ الثَّوْبِ وَالْفَحْصِ عَنْ خَبَرِهِ وَعِنْدَ ذَلِكَ يَبْدُو لَهُ السَّبَبُ فِي ذَلِكَ وَقَدْ أَقَرَّهَا عَلَيْهِ، فَلَوْ كَانَ طَاهِرًا لَمَنَعَهَا مِنْ إتْلَافِ الْمَاءِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ سَرَفٌ فِي الْمَاءِ إذْ لَيْسَ السَّرَفُ فِي الْمَاءِ إلَّا صَرْفُهُ لِغَيْرِ حَاجَةٍ وَمِنْ إتْعَابِ نَفْسِهَا فِيهِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ، عَلَى أَنَّ فِي مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَغْسِلُ الْمَنِيَّ ثُمَّ يَخْرُجُ إلَى الصَّلَاةِ فِي ذَلِكَ الثَّوْبِ وَأَنَا أَنْظُرُ إلَى أَثَرِ الْغَسْلِ فِيهِ» فَإِنْ حُمِلَ عَلَى حَقِيقَتِهِ مِنْ أَنَّهُ فَعَلَهُ بِنَفْسِهِ فَظَاهِرٌ أَوْ عَلَى مَجَازِهِ وَهُوَ أَمْرُهُ بِذَلِكَ فَهُوَ فَرْعُ عِلْمِهِ.
وَأَمَّا حَدِيثُ «إنَّمَا يُغْسَلُ الثَّوْبُ مِنْ خَمْسٍ» فَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ قَالَ «أَتَى عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا عَلَى بِئْرٍ أَدْلُو مَاءً فِي رَكْوَةٍ قَالَ: يَا عَمَّارُ مَا تَصْنَعُ؟ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ بِأَبِي وَأُمِّي أَغْسِلُ ثَوْبِي مِنْ نُخَامَةٍ أَصَابَتْهُ، فَقَالَ: يَا عَمَّارُ إنَّمَا يُغْسَلُ الثَّوْبُ مِنْ خَمْسٍ: مِنْ الْغَائِطِ وَالْبَوْلِ، وَالْقَيْءِ، وَالدَّمِ، وَالْمَنِيِّ، يَا عَمَّارُ مَا نُخَامَتُكَ وَدُمُوعُ عَيْنِكَ وَالْمَاءُ الَّذِي فِي رَكْوَتِكَ إلَّا سَوَاءٌ» قَالَ: لَمْ يَرْوِهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ غَيْرُ ثَابِتِ بْنِ حَمَّادٍ، وَهُوَ ضَعِيفٌ وَلَهُ أَحَادِيثُ فِي أَسَانِيدِهَا الثِّقَاتُ وَهِيَ مَنَاكِيرُ وَمَقْلُوبَاتٌ. وَدُفِعَ بِأَنَّهُ وُجِدَ لَهُ مُتَابِعٌ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ. رَوَاهُ فِي الْكَبِيرِ مِنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ سَنَدًا وَمَتْنًا، وَبَقِيَّةُ الْإِسْنَادِ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ إِسْحَاقَ التُّسْتَرِيُّ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ بَحْرٍ، حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ زَكَرِيَّا الْعِجْلِيّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ بِهِ، فَبَطَلَ جَزْمُ الْبَيْهَقِيّ بِبُطْلَانِ الْحَدِيثِ بِسَبَبِ أَنَّهُ لَمْ يَرْوِهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ سِوَى ثَابِتٍ. وَقَوْلُهُ فِي عَلِيٍّ هَذَا إنَّهُ غَيْرُ مُحْتَجٍّ بِهِ دُفِعَ بِأَنَّ مُسْلِمًا رَوَى لَهُ مَقْرُونًا بِغَيْرِهِ، وَقَالَ الْعِجْلِيّ: لَا بَأْسَ بِهِ، وَرَوَى لَهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ صَدُوقٌ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ زَكَرِيَّا ضَعَّفَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ وَوَثَّقَهُ الْبَزَّارُ (قَوْلُهُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: الْمَنِيُّ طَاهِرٌ) تَمَسَّكَ هُوَ أَيْضًا بِالْحَدِيثِ الْأَوَّلِ، فَلَوْ كَانَ نَجِسًا لَمْ يَكْتَفِ بِفَرْكِهِ، وَبِمَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْهُ ﷺ «أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْمَنِيِّ يُصِيبُ الثَّوْبَ فَقَالَ: إنَّمَا هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمُخَاطِ أَوْ الْبُزَاقِ، وَقَالَ: إنَّمَا يَكْفِيكَ أَنْ تَمْسَحَهُ بِخِرْقَةٍ أَوْ إذْخِرَةٍ» قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: لَمْ يَرْفَعْهُ غَيْرُ إِسْحَاقَ الْأَزْرَقِ عَنْ شَرِيكٍ الْقَاضِي، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ الشَّافِعِيِّ
стр. 196
يُغْسَلُ الثَّوْبُ مِنْ خَمْسٍ، وَذَكَرَ مِنْهَا الْمَنِيَّ» وَلَوْ أَصَابَ الْبَدَنَ.
قَالَ مَشَايِخُنَا ﵏: يَطْهُرُ بِالْفَرْكِ لِأَنَّ الْبَلْوَى فِيهِ أَشَدُّ.
وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّهُ لَا يَطْهُرُ إلَّا بِالْغَسْلِ لِأَنَّ حَرَارَةَ الْبَدَنِ جَاذِبَةٌ فَلَا يَعُودُ إلَى الْجِرْمِ وَالْبَدَنُ لَا يُمْكِنُ فَرْكُهُ.
(وَالنَّجَاسَةُ إذَا أَصَابَتْ الْمِرْآةَ أَوْ السَّيْفَ اكْتَفَى بِمَسْحِهِمَا) لِأَنَّهُ لَا تَتَدَاخَلُهُ النَّجَاسَةُ وَمَا عَلَى ظَاهِرِهِ يَزُولُ بِالْمَسْحِ.
(وَإِنْ أَصَابَتْ الْأَرْضَ نَجَاسَةٌ فَجَفَّتْ بِالشَّمْسِ وَذَهَبَ أَثَرُهَا جَازَتْ الصَّلَاةُ عَلَى مَكَانِهَا)
مَوْقُوفًا عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ شَرِيكٍ عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ عَطَاءٍ مَرْفُوعًا وَلَا يَثْبُتُ اهـ. لَكِنْ قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي التَّحْقِيقِ: إِسْحَاقُ الْأَزْرَقُ إمَامٌ مُخَرَّجٌ لَهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَرَفْعُهُ زِيَادَةٌ وَهِيَ مِنْ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ وَلِأَنَّهُ مَبْدَأُ خَلْقِ الْإِنْسَانِ وَهُوَ مُكَرَّمٌ فَلَا يَكُونُ أَصْلُهُ نَجِسًا، وَهَذَا مَمْنُوعٌ فَإِنَّ تَكْرِيمَهُ يَحْصُلُ بَعْدَ تَطْوِيرِهِ الْأَطْوَارَ الْمَعْلُومَةَ مِنْ الْمَائِيَّةِ وَالْمُضْغِيَّةِ وَالْعَلَقِيَّةِ، أَلَا يَرَى أَنَّ الْعَلَقَةَ نَجِسَةٌ، وَأَنَّ نَفْسَ الْمَنِيِّ أَصْلُهُ دَمٌ فَيَصْدُقُ أَنَّ أَصْلَ الْإِنْسَانِ دَمٌ وَهُوَ نَجِسٌ، وَالْحَدِيثُ بَعْدَ تَسْلِيمِ حُجِّيَّتِهِ رَفْعُهُ مُعَارِضٌ بِمَا قَدَّمْنَا، وَيَتَرَجَّحُ ذَلِكَ بِأَنَّ الْمُحَرِّمَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمُبِيحِ، ثُمَّ قِيلَ: إنَّمَا يَطْهُرُ بِالْفَرْكِ إذَا لَمْ يَسْبِقْهُ مَذْيٌ، فَإِنْ سَبَقَهُ لَا يَطْهُرُ إلَّا بِالْغَسْلِ.
وَعَنْ هَذَا قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ: مَسْأَلَةُ الْمَنِيِّ مُشْكِلَةٌ لِأَنَّ كُلَّ فَحْلٍ يُمْذِي ثُمَّ يُمْنِي، إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ مَغْلُوبٌ بِالْمَنِيِّ مُسْتَهْلَكٌ فِيهِ فَيُجْعَلُ تَبَعًا اهـ.
وَهَذَا ظَاهِرٌ فَإِنَّهُ إذَا كَانَ الْوَاقِعُ أَنَّهُ لَا يُمْنِي حَتَّى يُمْذِيَ وَقَدْ طَهَّرَهُ الشَّرْعُ بِالْفَرْكِ يَابِسًا يَلْزَمُ أَنَّهُ اعْتَبَرَ ذَلِكَ الِاعْتِبَارَ لِلضَّرُورَةِ، بِخِلَافِ مَا إذَا بَالَ وَلَمْ يَسْتَنْجِ بِالْمَاءِ حَتَّى أَمْنَى فَإِنَّهُ لَا يَطْهُرُ حِينَئِذٍ إلَّا بِالْغُسْلِ لِعَدَمِ الْمُلْجِئِ كَمَا قِيلَ. وَقِيلَ لَوْ بَالَ وَلَمْ يَنْتَشِرْ الْبَوْلُ عَلَى رَأْسِ الذَّكَرِ بِأَنْ لَمْ يُجَاوِزْ الثُّقْبَ فَأَمْنَى لَا يُحْكَمُ بِتَنَجُّسِ الْمَنِيِّ، وَكَذَا إنْ جَاوَزَ لَكِنْ خَرَجَ الْمَنِيُّ دَفْقًا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْتَشِرَ عَلَى رَأْسِ الذَّكَرِ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ سِوَى مُرُورِهِ عَلَى الْبَوْلِ فِي مَجْرَاهُ وَلَا أَثَرَ لِذَلِكَ فِي الْبَاطِنِ، وَلَوْ كَانَ لِلْمُصَابِ بِطَانَةٌ نَفَذَ إلَيْهَا اُخْتُلِفَ فِيهِ، قَالَ التُّمُرْتَاشِيُّ: وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَطْهُرُ بِالْفَرْكِ لِأَنَّهُ مِنْ أَجْزَاءِ الْمَنِيِّ، وَقَالَ الْفَضْلِيُّ: مَنِيُّ الْمَرْأَةِ لَا يَطْهُرُ بِالْفَرْكِ لِأَنَّهُ رَقِيقٌ.
(قَوْلُهُ لِأَنَّهُ لَا تَتَدَاخَلُهُ النَّجَاسَةُ) يُفِيدُ أَنَّ قَيْدَ صِقَالَتِهَا مُرَادٌ حَتَّى لَوْ كَانَ بِهِ صَدَأٌ لَا يَطْهُرُ إلَّا بِالْمَاءِ بِخِلَافِ الصَّقِيلِ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّجْنِيسِ: صَحَّ أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانُوا يَقْتُلُونَ الْكُفَّارَ بِالسُّيُوفِ وَيَمْسَحُونَهَا وَيُصَلُّونَ بِهَا، وَعَلَيْهِ يَتَفَرَّعُ مَا ذُكِرَ: لَوْ كَانَ عَلَى ظُفْرِهِ نَجَاسَةٌ فَمَسَحَهَا طَهُرَتْ، وَكَذَلِكَ الزُّجَاجَةُ وَالزُّبْدِيَّةُ الْخَضْرَاءُ: أَعْنِي الْمَدْهُونَةَ، وَالْخَشَبُ الْخُرَاطَى وَالْبُورِيَّا الْقَصَبُ.
(قَوْلُهُ فَجَفَّتْ بِالشَّمْسِ) اتِّفَاقِيٌّ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْجَفَافِ بِالشَّمْسِ وَالنَّارِ أَوْ الرِّيحِ، وَالْمُرَادُ
стр. 197
وَقَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لَا تَجُوزُ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ الْمُزِيلُ (وَ) لِهَذَا (لَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِهِ) وَلَنَا قَوْلُهُ ﵊ «ذَكَاةُ الْأَرْضِ يُبْسُهَا» وَإِنَّمَا لَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِهِ لِأَنَّ طَهَارَةَ الصَّعِيدِ ثَبَتَتْ شَرْطًا بِنَصِّ الْكِتَابِ فَلَا تَتَأَدَّى بِمَا ثَبَتَ بِالْحَدِيثِ.
مِنْ الْأَثَرِ الذَّاهِبِ: اللَّوْنُ أَوْ الرِّيحُ. وَحَدِيثُ ذَكَاةِ الْأَرْضِ يُبْسُهَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الْمَشَايِخِ أَثَرًا عَنْ عَائِشَةَ، وَبَعْضُهُمْ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ، وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْهُ، وَرَوَاهُ أَيْضًا عَنْ أَبِي قِلَابَةَ. وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْهُ: جُفُوفُ الْأَرْضِ طَهُورُهَا، وَرَفَعَهُ الْمُصَنِّفُ، وَذَكَرَهُ فِي الْمَبْسُوطِ: أَيُّمَا أَرْضٍ جَفَّتْ فَقَدْ ذَكَتْ. حَدِيثًا مَرْفُوعًا،
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِهِ.
وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد: بَابُ طَهُورِ الْأَرْضِ إذَا يَبِسَتْ وَسَاقَ بِسَنَدِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كُنْت أَبِيتُ فِي الْمَسْجِدِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكُنْت فَتًى شَابًّا عَزَبًا، وَكَانَتْ الْكِلَابُ تَبُولُ وَتُقْبِلُ وَتُدْبِرُ فِي الْمَسْجِدِ وَلَمْ يَكُونُوا يَرُشُّونَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، فَلَوْلَا اعْتِبَارُهَا تَطْهُرُ بِالْجَفَافِ كَانَ ذَلِكَ تَبْقِيَةً لَهَا بِوَصْفِ النَّجَاسَةِ مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّهُمْ يَقُومُونَ عَلَيْهَا فِي الصَّلَاةِ أَلْبَتَّةَ إذْ لَا بُدَّ مِنْهُ مَعَ صِغَرِ الْمَسْجِدِ وَعَدَمِ مَنْ يَتَخَلَّفُ لِلصَّلَاةِ فِي بَيْتِهِ؛ وَكَوْنِ ذَلِكَ يَكُونُ فِي بِقَاعٍ كَثِيرَةٍ مِنْ الْمَسْجِدِ لَا فِي بُقْعَةٍ وَاحِدَةٍ حَيْثُ كَانَتْ تُقْبِلُ وَتُدْبِرُ وَتَبُولُ، فَإِنَّ هَذَا التَّرْكِيبَ فِي الِاسْتِعْمَالِ يُفِيدُ تَكَرُّرَ الْكَائِنِ مِنْهَا أَوْ لِأَنَّ تَبْقِيَتَهَا نَجِسَةً يُنَافِي الْأَمْرَ بِتَطْهِيرِهَا فَوَجَبَ كَوْنُهَا تَطْهُرُ بِالْجَفَافِ، بِخِلَافِ «أَمْرِهِ ﷺ بِإِهْرَاقِ ذَنُوبٍ مِنْ مَاءٍ عَلَى بَوْلِ الْأَعْرَابِيِّ فِي الْمَسْجِدِ» لِأَنَّهُ كَانَ نَهَارًا وَالصَّلَاةُ فِيهِ تُتَابَعُ نَهَارًا، وَقَدْ لَا يَجُوزُ قَبْلَ وَقْتِ الصَّلَاةِ فَأَمَرَ بِتَطْهِيرِهَا بِالْمَاءِ، بِخِلَافِ مُدَّةِ اللَّيْلِ، أَوْ لِأَنَّ الْوَقْتَ كَانَ إذْ ذَاكَ قَدْ آنَ أَوْ أُرِيدَ أَنَّ ذَاكَ أَكْمَلُ الطَّهَارَتَيْنِ لِلتَّيَسُّرِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، هَذَا وَإِذَا قَصَدَ تَطْهِيرَ الْأَرْضِ صَبَّ عَلَيْهَا الْمَاءَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَجُفِّفَتْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ بِخِرْقَةٍ طَاهِرَةٍ، وَكَذَا لَوْ صَبَّ عَلَيْهَا مَاءً بِكَثْرَةٍ وَلَمْ يَظْهَرْ لَوْنُ النَّجَاسَةِ وَلَا رِيحُهَا فَإِنَّهَا تَطْهُرُ، وَلَوْ كَبَسَهَا بِتُرَابٍ أَلْقَاهُ عَلَيْهَا إنْ لَمْ تُوجَدْ رَائِحَةُ النَّجَاسَةِ جَازَتْ الصَّلَاةُ عَلَى ذَلِكَ التُّرَابِ وَإِلَّا فَلَا.
وَاخْتَلَفُوا فِي النَّابِتِ كَالشَّجَرِ وَالْكَلَإِ، قِيلَ يَطْهُرُ بِالْجَفَافِ مَا دَامَ قَائِمًا عَلَيْهَا، وَبَعْدَ الْقَطْعِ يَجِبُ الْغَسْلُ، وَكَذَا الْحَصَى حُكْمُهُ حُكْمُ الْأَرْضِ، أَمَّا الْآجُرَّةُ الْمَفْرُوشَةُ فَتَطْهُرُ بِالْجَفَافِ وَإِنْ كَانَتْ مَوْضُوعَةً تُنْقَلُ فَلَا، فَإِنْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ فِيمَا يَلِي الْأَرْضَ جَازَتْ الصَّلَاةُ عَلَيْهَا.
وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ: إذَا صَلَّى عَلَى وَجْهِهَا الطَّاهِرِ إنْ كَانَ مُرَكَّبًا جَازَ، وَإِلَّا قِيلَ لَا يَجُوزُ انْتَهَى.
وَيُمْكِنُ أَنْ يُجْرَى فِيهِ الْخِلَافُ بَيْنَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ فِي اللَّبِدِ وَقَدْ قَدَّمْنَاهُ أَوَّلَ الْبَابِ (قَوْلُهُ لِأَنَّ طَهَارَةَ الصَّعِيدِ ثَبَتَتْ شَرْطًا بِنَصِّ الْكِتَابِ) فَلَا تَتَأَدَّى هَذِهِ الطَّهَارَةُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ الظَّنِّيِّ بِخُصُوصِ هَذَا
стр. 198
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الْمَوْضِعِ، فَإِنَّ مَا كُلِّفَ بِهِ قَطْعًا لَا يَلْزَمُ فِي إثْبَاتِ مُقْتَضَاهُ الْقَطْعُ بِهِ، فَإِنَّ طَهَارَةَ الْمَاءِ وَالصَّعِيدِ الْمُكَلَّفِ بِتَحْصِيلِهِمَا يَخْرُجُ عَنْ عُهْدَةِ التَّكْلِيفِ الْبِنَاءُ عَلَى الْأَصْلِ فِيهِمَا، وَذَلِكَ لَا يُفِيدُ الْقَطْعَ بَلْ يُجَوِّزُ الْمُسْتَعْمِلُ نَجَاسَتَهُمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَقَدْ تَكُونُ ثَابِتَةً وَالْعُلُومُ لَا تَحْتَمِلُ النَّقِيضَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَلَا عِنْدَ مَنْ قَامَتْ بِهِ لَوْ قَدَّرَهُ، لَكِنْ امْتَنَعَ هُنَا لِاسْتِلْزَامِهِ نَوْعَ مُعَارَضَةٍ لِلْكِتَابِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَعْرُوفَ شَرْعًا أَنَّ التَّطْهِيرَ بِاسْتِعْمَالِ الْمُطَهِّرِ وَلَمْ يُفْعَلْ فَلَا يَكُونُ طَاهِرًا فَكَانَ النَّصُّ طَالِبًا لِلتَّيَمُّمِ بِهَذَا التُّرَابِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، وَالْخَبَرُ يُجِيزُ اسْتِعْمَالَهُ عَلَى غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ فَلَا يُعْتَبَرُ، بِخِلَافِ طَهَارَةِ الْمَكَانِ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّ دَلَالَةَ النَّصِّ بَعْدَ دُخُولِهَا التَّخْصِيصَ بِالْقَلِيلِ الَّذِي لَا يُحْتَرَزُ عَنْهُ إجْمَاعًا، وَمَا دُونَ الدِّرْهَمِ عِنْدَنَا تَطَلُّبُهُ عَلَى غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ فَجَازَ أَنْ يُعَارِضَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَيُثْبِتَ حُكْمَهُ.
لَكِنْ قَدْ يُقَالُ: إنَّ النَّصَّ إنَّمَا يَطْلُبُهُ طَاهِرًا فَقَطْ، وَكَوْنُ الْمَعْرُوفِ مِنْ الشَّرْعِ أَنَّ التَّطْهِيرَ بِاسْتِعْمَالِ الْمُطَهِّرِ عَلَى إرَادَةِ الْحَصْرِ مَمْنُوعٌ، إذْ قَدْ عُرِفَ مِنْهُ أَيْضًا أَنَّهَا بِالْجَفَافِ فِي الْأَرْضِ فَيَثْبُتُ بِهِ نَوْعٌ آخَرُ مِنْ أَسْبَابِ الطَّهَارَةِ ظَنًّا فَيَتَأَدَّى بِهِ الْوَاجِبُ قَطْعًا.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَحَلَّ الْقَطْعِ هُوَ نَفْسُ التَّكْلِيفِ بِالطَّاهِرِ، وَمَحَلُّ الظَّنِّ كَوْنُهُ طَاهِرًا فَلَمْ يَتَلَاقَيَا فِي مَحَلٍّ فَلَا تَعَارُضَ.
وَالْأَوْلَى مَا قِيلَ إنَّ الصَّعِيدَ عُلِمَ قَبْلَ التَّنَجُّسِ طَاهِرًا وَطَهُورًا وَبِالتَّنَجُّسِ عُلِمَ زَوَالُ الْوَصْفَيْنِ، ثُمَّ ثَبَتَ بِالْجَفَافِ شَرْعًا: أَحَدُهُمَا أَعْنِي الطَّهَارَةَ فَيَبْقَى الْآخَرُ عَلَى مَا عُلِمَ مِنْ زَوَالِهِ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ طَهُورًا لَا يَتَيَمَّمُ بِهِ هَذَا.
وَقَدْ ظَهَرَ إلَى هُنَا أَنَّ التَّطْهِيرَ يَكُونُ بِأَرْبَعَةِ أُمُورٍ: بِالْغَسْلِ، وَالدَّلْكِ، وَالْجَفَافِ، وَالْمَسْحِ فِي الصَّقِيلِ دُونَ مَاءٍ.
وَالْفَرْكُ يَدْخُلُ فِي الدَّلْكِ، بَقِيَ الْمَسْحُ بِالْمَاءِ فِي مَحَاجِمِهِ ثَلَاثًا بِثَلَاثِ خِرَقٍ طَاهِرَةٍ، وَقِيَاسُهُ مَا حَوْلَ مَحَلِّ الْقَصْدِ إذَا تَلَطَّخَ وَيُخَافُ مِنْ الْإِسَالَةِ السَّرَيَانُ إلَى الثُّقْبِ، وَآخَرُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ بَيْنَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَهُوَ بِانْقِلَابِ الْعَيْنِ فِي غَيْرِ الْخَمْرِ كَالْخِنْزِيرِ وَالْمَيْتَةِ تَقَعُ فِي الْمُمْلِحَةِ فَتَصِيرُ مِلْحًا تُؤْكَلُ، وَالسِّرْقِينُ وَالْعَذِرَةُ تَحْتَرِقُ فَتَصِيرُ رَمَادًا تَطْهُرُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ، وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ فِي التَّجْنِيسِ ظَاهِرٌ فِي اخْتِيَارِ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ قَالَ: خَشَبَةٌ أَصَابَهَا بَوْلٌ فَاحْتَرَقَتْ وَوَقَعَ رَمَادُهَا فِي بِئْرٍ يُفْسِدُ الْمَاءَ، وَكَذَلِكَ رَمَادُ الْعَذِرَةِ، وَكَذَا الْحِمَارُ إذَا مَاتَ فِي مُمْلِحَةٍ لَا يُؤْكَلُ الْمِلْحُ، وَهَذَا كُلُّهُ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ لِأَنَّ الرَّمَادَ أَجْزَاءٌ لِتِلْكَ النَّجَاسَةِ فَتَبْقَى النَّجَاسَةُ مِنْ وَجْهٍ فَالْتُحِقَتْ بِالنَّجِسِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ احْتِيَاطًا انْتَهَى.
وَكَثِيرٌ مِنْ الْمَشَايِخِ اخْتَارُوا قَوْلَ مُحَمَّدٍ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ لِأَنَّ الشَّرْعَ رَتَّبَ وَصْفَ النَّجَاسَةِ عَلَى تِلْكَ
стр. 199
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الْحَقِيقَةِ، وَتَنْتَفِي الْحَقِيقَةُ بِانْتِفَاءِ بَعْضِ أَجْزَاءِ مَفْهُومِهَا فَكَيْفَ بِالْكُلِّ، فَإِنَّ الْمِلْحَ غَيْرُ الْعَظْمِ وَاللَّحْمِ، فَإِذَا صَارَ مِلْحًا تَرَتَّبَ حُكْمُ الْمِلْحِ وَنَظِيرُهُ فِي الشَّرْعِ النُّطْفَةُ نَجِسَةٌ وَتَصِيرُ عَلَقَةً وَهِيَ نَجِسَةٌ وَتَصِيرُ مُضْغَةً فَتَطْهُرُ، وَالْعَصِيرُ طَاهِرٌ فَيَصِيرُ خَمْرًا فَيَنْجَسُ وَيَصِيرُ خَلًّا فَيَطْهُرُ، فَعَرَفْنَا أَنَّ اسْتِحَالَةَ الْعَيْنِ تَسْتَتْبِعُ زَوَالَ الْوَصْفِ الْمُرَتَّبِ عَلَيْهَا. وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ فَرَّعُوا الْحُكْمَ بِطَهَارَةِ صَابُونٍ صُنِعَ مِنْ زَيْتٍ نَجِسٍ، وَفَرَّعَ بَعْضُهُمْ عَلَيْهِ أَنَّ الْمَاءَ وَالتُّرَابَ النَّجِسَيْنِ إذَا اخْتَلَطَ وَحَصَلَ الطِّينُ كَانَ الطِّينُ طَاهِرًا لِأَنَّهُ صَارَ شَيْئًا آخَرَ، وَهَذَا بَعِيدٌ فَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيمَا لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا طَاهِرًا فَقِيلَ الْعِبْرَةُ لِلْمَاءِ إنْ كَانَ نَجِسًا فَالطِّينُ نَجِسٌ وَإِلَّا فَطَاهِرٌ، وَقِيلَ لِلتُّرَابِ، وَقِيلَ لِلْغَالِبِ، وَالْأَكْثَرُ عَلَى أَنَّ أَيَّهُمَا كَانَ طَاهِرًا فَالطِّينُ طَاهِرٌ، فَأَهْلُ هَذِهِ الْأَقْوَالِ كُلِّهَا عَلَى نَجَاسَتِهِ إذَا كَانَا نَجِسَيْنِ، بِخِلَافِ قَوْلِهِمْ فِي الطِّينِ الْمَعْجُونِ بِتِبْنٍ نَجِسٍ بِالطَّهَارَةِ فَيُصَلِّي فِي الْمَكَانِ الْمُطَيَّنِ بِهِ وَلَا يَنْجَسُ الثَّوْبُ الْمَبْلُولُ إذَا نُشِرَ عَلَيْهِ لِأَنَّ ذَلِكَ إذَا لَمْ يُرَ عَيْنُ التِّبْنِ لَا إذَا رُئِيَتْ، وَعَلَّلَهُ فِي التَّجْنِيسِ بِأَنَّ التِّبْنَ مُسْتَهْلَكٌ إذَا لَمْ تُرَ عَيْنُهُ، بِخِلَافِ مَا إذَا رُئِيَتْ، ثُمَّ قَالَ: وَإِنْ تُرَ طِبَاعًا نَجِسًا انْتَهَى. وَكَأَنَّهُ بِنَاءٌ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي أَمْثَالِهِ. وَقَالَ قَبْلَهُ فِي عَلَامَةِ النَّوَازِلِ: إذَا نَزَحَ الْمَاءُ النَّجِسُ مِنْ بِئْرٍ كُرِهَ أَنْ يَبُلَّ بِهِ الطِّينَ لِيُطَيِّنَ بِهِ الْمَسْجِدَ أَوْ أَرْضَهُ لِأَنَّ الطِّينَ يَصِيرُ نَجِسًا، وَإِنْ كَانَ الْبِئْرُ طَاهِرًا تَرْجِيحًا لِلنَّجَاسَةِ احْتِيَاطًا بَعْدَ إذْ لَا ضَرُورَةَ إلَى إسْقَاطِ اعْتِبَارِهَا، بِخِلَافِ السِّرْقِينِ إذَا جُعِلَ فِي الطِّينِ لِلتَّطْيِينِ لِأَنَّ فِيهِ ضَرُورَةً إلَى إسْقَاطِ اعْتِبَارِهِ إذْ ذَلِكَ النَّوْعُ لَا يَتَهَيَّأُ إلَّا بِذَلِكَ، فَعَرَفْنَا رَأْيَ الْمُصَنِّفِ فِي هَذَا إذْ لَمْ يَتَعَقَّبْهُ كَمَا هُوَ شَأْنُهُ فِيمَا يُخَالِفُ مُخْتَارَهُ.
وَفِي الْخُلَاصَةِ الْعِبْرَةُ لِلنَّجِسِ مِنْهُمَا أَيُّهُمَا كَانَ نَجِسًا فَالطِّينُ نَجِسٌ، وَبِهِ أَخَذَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ، وَكَذَا رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَلَّامٍ أَيُّهُمَا كَانَ طَاهِرًا فَالطِّينُ طَاهِرٌ، هَذَا قَوْلُ مُحَمَّدٍ حَيْثُ صَارَ شَيْئًا آخَرَ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْأَرْضَ إذَا طَهُرَتْ بِالْجَفَافِ وَالْخُفَّ بِالدَّلْكِ وَالثَّوْبَ بِفَرْكِ الْمَنِيِّ وَالسِّكِّينَ بِالْمَسْحِ وَالْبِئْرَ إذَا غَار مَاؤُهَا بَعْدَ تَنَجُّسِهَا قَبْلَ النَّزْحِ وَجِلْدَ الْمَيْتَةِ إذَا دُبِغَ تَشْمِيسًا أَوْ تَتْرِيبًا ثُمَّ أَصَابَهَا الْمَاءُ هَلْ تَنْجُسُ إذَا ابْتَلَّتْ بَعْدَ ذَلِكَ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالْآَجُرَّةُ الْمَفْرُوشَةُ إذَا تَنَجَّسَتْ فَجَفَّتْ ثُمَّ قُلِعَتْ هَلْ تَعُودُ نَجِسَةً؟ فِيهَا الرِّوَايَتَانِ، وَمِنْ الْمَشَايِخِ مَنْ يَقْتَصِرُ فِي بَعْضِهَا عَلَى حِكَايَةِ الْخِلَافِ، وَالْأَوْلَى طَرْدُ الرِّوَايَتَيْنِ فِي الْكُلِّ لِأَنَّهَا نَظَائِرُ، وَقَدْ قَالَ تَصِيرُ فِي الْبِئْرِ بِالطَّهَارَةِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ بِالنَّجَاسَةِ وَفِي الْيَنَابِيعِ. وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ مِثْلُ مَا قَالَ ابْنُ سَلَمَةَ، وَاخْتَارَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّجْنِيسِ فِي السِّكِّينِ الطَّهَارَةَ، فَلَوْ قَطَعَ الْبِطِّيخَ وَاللَّحْمَ أُكِلَ، وَقِيلَ لَا يُؤْكَلُ، وَاخْتَارَ قَبْلَهُ فِي مَسْأَلَةِ الْفَرْكِ الطَّهَارَةَ، وَفِي مَسْأَلَةِ الْجَفَافِ النَّجَاسَةَ، قَالَ: لِأَنَّ النَّجِسَ لَا يَطْهُرُ إلَّا بِالتَّطْهِيرِ وَالْفَرْكُ تَطْهِيرٌ كَالْغَسْلِ وَلَمْ يُوجَدْ فِي الْأَرْضِ تَطْهِيرٌ.
وَفَصَّلَ بَعْضُهُمْ فِي السِّكِّينِ وَالسَّيْفِ بَيْنَ كَوْنِ الْمُنَجِّسِ بَوْلًا فَلَا بُدَّ مِنْ الْغَسْلِ أَوْ دَمًا فَيَطْهُرُ بِالْمَسْحِ.
وَفِي شَرْحِ الْكَنْزِ: إذَا فُرِكَ يُحْكَمُ بِطَهَارَتِهِ عِنْدَهُمَا، وَفِي أَظْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ تَقِلُّ النَّجَاسَةُ وَلَا تَطْهُرُ حَتَّى لَوْ أَصَابَهُ مَاءٌ عَادَ نَجِسًا عِنْدَهُ لَا عِنْدَهُمَا، وَلَهَا أَخَوَاتٌ فَذَكَرَ ذَلِكَ الْخُفَّ وَجَفَافَ الْأَرْضِ وَالدِّبَاغَةَ وَمَسْأَلَةَ الْبِئْرِ، قَالَ: فَكُلُّهَا عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَظَاهِرُهُ كَوْنُ الظَّاهِرِ النَّجَاسَةَ فِي الْكُلِّ، وَالْأَوْلَى اعْتِبَارُ الطَّهَارَةِ فِي الْكُلِّ كَمَا اخْتَارَهُ شَارِحُ الْمَجْمَعِ فِي الْأَرْضِ، وَهِيَ أَبْعَدُ الْكُلِّ إذْ لَا صُنْعَ فِيهَا أَصْلًا لِيَكُونَ تَطْهِيرًا لِأَنَّهُ
стр. 200
(وَقَدْرُ الدِّرْهَمِ وَمَا دُونَهُ مِنْ النَّجِسِ الْمُغَلَّظِ كَالدَّمِ وَالْبَوْلِ وَالْخَمْرِ وَخُرْءِ الدَّجَاجِ وَبَوْلِ الْحِمَارِ جَازَتْ الصَّلَاةُ مَعَهُ وَإِنْ زَادَ لَمْ تَجُزْ) وَقَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ: قَلِيلُ النَّجَاسَةِ وَكَثِيرُهَا سَوَاءٌ لِأَنَّ النَّصَّ الْمُوجِبَ لِلتَّطْهِيرِ لَمْ يُفَصِّلْ.
وَلَنَا أَنَّ الْقَلِيلَ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ فَيُجْعَلُ عَفْوًا، وَقَدَّرْنَاهُ بِقَدْرِ الدِّرْهَمِ
مَحْكُومٌ بِطَهَارَتِهَا شَرْعًا بِالْجَفَافِ عَلَى مَا فَسَّرَ بِهِ مَعْنَى الذَّكَاةِ فِي الْآثَارِ وَمُلَاقَاةُ الطَّاهِرِ الطَّاهِرَ لَا يُوجِبُ التَّنْجِيسَ بِخِلَافِ الْمُسْتَنْجِي بِالْحَجَرِ وَنَحْوِهِ لَوْ دَخَلَ فِي الْمَاءِ الْقَلِيلِ نَجِسٌ عَلَى مَا قَالُوا لِأَنَّ غَيْرَ الْمَائِعِ لَمْ يُعْتَبَرْ مُطَهِّرًا فِي الْبَدَنِ إلَّا فِي الْمَنِيِّ عَلَى رِوَايَةٍ، وَالْجَوَازُ بِغَيْرِهِ لِسُقُوطِ ذَلِكَ الْمِقْدَارِ عَفْوًا لَا طَهَارَتَهُ فَعَنْهُ آخِذُوا كَوْنِ قَدْرِ الدِّرْهَمِ فِي النَّجَاسَاتِ عَفْوًا.
(قَوْلُهُ وَ) لَوْ أَصَابَ الثَّوْبَ (قَدْرُ الدِّرْهَمِ إلَخْ) حَاصِلُ الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْبَحْثِ إفَادَةُ كَوْنِ قَدْرِ الدِّرْهَمِ لَا يَمْنَعُ فِي الْغَلِيظَةِ وَمَا لَمْ يَفْحُشْ فِي الْخَفِيفَةِ وَتَقْدِيرِ الدِّرْهَمِ وَالْفَاحِشِ وَإِعْطَاءِ ضَابِطِ الْغَلِيظَةِ وَالْخَفِيفَةِ، أَمَّا الْأَوَّلُ فَفِيهِ الْخِلَافُ الْمَنْقُولُ.
وَوَجْهُ قَوْلِنَا أَنَّ مَا لَا يَأْخُذَهُ الطَّرَفُ كَوَقْعِ الذُّبَابِ مُخَصَّصٌ مِنْ نَصِّ التَّطْهِيرِ اتِّفَاقًا فَيَخُصُّ أَيْضًا قَدْرَ الدِّرْهَمِ بِنَصِّ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْحَجَرِ لِأَنَّ مَحَلَّهُ قَدْرُهُ وَلَمْ يَدْخُلْ حَتَّى لَوْ دَخَلَ فِي قَلِيلِ مَاءٍ نَجَّسَهُ، أَوْ بِدَلَالَةِ الْإِجْمَاعِ عَلَيْهِ، ثُمَّ الْمُعْتَبَرُ وَقْتُ الْإِصَابَةِ فَلَوْ كَانَ دُهْنًا نَجِسًا قَدْرَ دِرْهَمٍ فَانْفَرَشَ فَصَارَ أَكْثَرَ مِنْهُ لَا يَمْنَعُ فِي اخْتِيَارِ الْمَرْغِينَانِيِّ وَجَمَاعَةٍ، وَمُخْتَارُ غَيْرِهِمْ الْمَنْعُ، فَلَوْ صَلَّى قَبْلَ اتِّسَاعِهِ جَازَتْ وَبَعْدَهُ لَا، وَلَا يُعْتَبَرُ نُفُوذُ الْمِقْدَارِ إلَى الْوَجْهِ الْآخَرِ إذَا كَانَ الثَّوْبُ وَاحِدًا لِأَنَّ النَّجَاسَةَ حِينَئِذٍ وَاحِدٌ فِي الْجَانِبَيْنِ فَلَا يُعْتَبَرُ مُتَعَدِّدًا، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ ذَا طَاقَيْنِ لِتَعَدُّدِهَا فَيَمْنَعُ، وَعَنْ هَذَا فُرِّعَ الْمَنْعُ لَوْ صَلَّى مَعَ دِرْهَمٍ مُتَنَجِّسِ الْوَجْهَيْنِ لِوُجُودِ الْفَاصِلِ بَيْنَ وَجْهَيْهِ وَهُوَ جَوْهَرُ سُمْكِهِ، وَلِأَنَّهُ مِمَّا لَا يَنْفُذُ نَفْسُ مَا فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ فِيهِ فَلَمْ تَكُنْ النَّجَاسَةُ فِيهِمَا مُتَّحِدَةً، ثُمَّ إنَّمَا يُعْتَبَرُ الْمَانِعُ مُضَافًا إلَيْهِ، فَلَوْ جَلَسَ الصَّبِيُّ الْمُتَنَجِّسُ الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ فِي حِجْرِ الْمُصَلِّي وَهُوَ يَسْتَمْسِكُ أَوْ الْحَمَامُ الْمُتَنَجِّسُ عَلَى رَأْسِهِ جَازَتْ صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ الَّذِي يَسْتَعْمِلُهُ فَلَمْ يَكُنْ حَامِلَ النَّجَاسَةِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ حَمَلَ مَنْ لَا يَسْتَمْسِكُ حَيْثُ يَصِيرُ مُضَافًا إلَيْهِ فَلَا يَجُوزُ، هَذَا وَالصَّلَاةُ مَكْرُوهَةٌ مَعَ مَا لَا يَمْنَعُ حَتَّى قِيلَ لَوْ عَلِمَ قَلِيلَ النَّجَاسَةِ عَلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ يَرْفُضُهَا مَا لَمْ يَخَفْ فَوَاتَ الْوَقْتِ أَوْ الْجَمَاعَةِ وَأَمَّا الثَّانِي فَظَاهِرٌ مِنْ الْكِتَابِ.
وَقَوْلُهُ فِي الصَّحِيحِ اخْتِيَارٌ لِلتَّقْدِيرِ بِعَرْضِ الْكَفِّ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَاخْتَارَ شَارِحُ الْكَنْزِ تَبَعًا لِكَثِيرٍ مِنْ الْمَشَايِخِ مَا قِيلَ مِنْ التَّوْفِيقِ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ، وَقَالَهُ أَبُو جَعْفَرٍ لِأَنَّ إعْمَالَ الرِّوَايَتَيْنِ إذَا أَمْكَنَ أَوْلَى خُصُوصًا مَعَ مُنَاسَبَةِ هَذَا التَّوْزِيعِ. وَقَوْلُهُ لِأَنَّ التَّقْدِيرَ فِيهِ بِالْكَثِيرِ الْفَاحِشِ يُفِيدُ أَنَّ أَصْلَ الْمَرْوِيِّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ذَلِكَ عَلَى مَا هُوَ دَأْبُهُ فِي مِثْلِهِ مِنْ عَدَمِ التَّقْدِيرِ، فَمَا عُدَّ فَاحِشًا مُنِعَ وَمَا لَا فَلَا حَتَّى رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ كَرِهَ تَقْدِيرَهُ، وَقَالَ: الْفَاحِشُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ طِبَاعِ النَّاسِ، فَوَقَفَهُ عَلَى عَدِّ طِبَاعِ الْمُبْتَلَى إيَّاهُ فَاحِشًا،
стр. 201
أَخْذًا عَنْ مَوْضِعِ الِاسْتِنْجَاءِ.
ثُمَّ يُرْوَى اعْتِبَارُ الدِّرْهَمِ مِنْ حَيْثُ الْمِسَاحَةُ وَهُوَ قَدْرُ عَرْضِ الْكَفِّ فِي الصَّحِيحِ، وَيُرْوَى مِنْ حَيْثُ الْوَزْنُ وَهُوَ الدِّرْهَمُ الْكَبِيرُ الْمِثْقَالِ وَهُوَ مَا يَبْلُغُ وَزْنُهُ مِثْقَالًا.
وَقِيلَ فِي التَّوْفِيقِ بَيْنَهُمَا إنَّ الْأُولَى فِي الرَّقِيقِ وَالثَّانِيَةَ فِي الْكَثِيفِ، وَإِنَّمَا كَانَتْ نَجَاسَةُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ مُغَلَّظَةً لِأَنَّهَا ثَبَتَتْ بِدَلِيلٍ مَقْطُوعٍ بِهِ
وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ تَقْدِيرُهُ بِرُبُعِ الثَّوْبِ وَرُبُعِ أَدْنَى ثَوْبٍ يَجُوزُ فِيهِ الصَّلَاةُ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ شِبْرٌ فِي شِبْرٍ.
وَعَنْهُ ذِرَاعٌ فِي ذِرَاعٍ وَمِثْلُهُ عَنْ مُحَمَّدٍ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنْ يَسْتَوْعِبَ الْقَدَمَيْنِ وَيَظْهَرُ أَنَّ الْأَوَّلَ أَحْسَنُ لِاعْتِبَارِ الرُّبُعِ كَثِيرًا كَالْكُلِّ فِي مَسْأَلَةِ الثَّوْبِ يُنَجِّسُ الْأَرْبَعَةَ وَانْكِشَافِ رُبُعِ الْعُضْوِ مِنْ الْعَوْرَةِ بِخِلَافِ مَا دُونَهُ فِيهِمَا.
غَيْرَ أَنَّ ذَلِكَ الثَّوْبَ الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ إنْ كَانَ شَامِلًا اُعْتُبِرَ رُبُعُهُ، وَإِنْ كَانَ أَدْنَى مَا تَجُوزُ فِيهِ الصَّلَاةُ اُعْتُبِرَ رُبُعُهُ لِأَنَّهُ الْكَثِيرُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الثَّوْبِ الْمُصَابِ، وَأَمَّا الثَّالِثُ فَعِنْدَهُمَا اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ لِأَنَّهُ يُورِثُ شُبْهَةً، وَعِنْدَهُ تَعَارُضُ النَّصَّيْنِ فِي الطَّهَارَةِ وَالنَّجَاسَةِ، وَإِذًا فَالدَّمُ وَالْخَمْرُ وَخُرْءُ الدَّجَاجِ وَالْبَطِّ وَالْإِوَزِّ وَالْغَائِطُ وَبَوْلُ الْآدَمِيِّ وَمَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ إلَّا الْفَرَسَ وَالْقَيْءُ: غَلِيظٌ اتِّفَاقًا؛ لِعَدَمِ التَّعَارُضِ وَالْخِلَافِ، وَالْمُرَادُ بِالدَّمِ غَيْرُ الْبَاقِي فِي الْعُرُوقِ وَفِي حُكْمِهِ اللَّحْمُ الْمَهْزُولُ إذَا قُطِعَ، فَالدَّمُ الَّذِي فِيهِ لَيْسَ نَجِسًا وَكَذَا الدَّمُ الَّذِي فِي الْكَبِدِ لَا مِنْ غَيْرِهِ كَذَا قِيلَ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّجْنِيسِ: وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ دَمًا فَقَدْ جَاوَرَ الدَّمَ، وَالشَّيْءُ يَنْجَسُ بِمُجَاوَرَةِ النَّجِسِ.
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ فِي الْبَاقِي أَنَّهُ مَعْفُوٌّ فِي الْأَكْلِ لَا الثَّوْبِ، وَغَيْرُ دَمِ الشَّهِيدِ مَا دَامَ عَلَيْهِ حَتَّى لَوْ حَمَلَهُ مُلَطَّخًا بِهِ فِي الصَّلَاةِ صَحَّتْ.
بِخِلَافِ قَتِيلٍ غَيْرِ شَهِيدٍ لَمْ يُغَسَّلْ أَوْ غُسِّلَ وَكَانَ كَافِرًا لِأَنَّهُ لَا يُحْكَمُ بِطَهَارَتِهِ بِالْغُسْلِ بِخِلَافِ الْمُسْلِمِ.
وَعَيْنُ الْمِسْكِ قَالُوا يَجُوزُ أَكْلُهُ وَالِانْتِفَاعُ بِهِ مَعَ مَا اُشْتُهِرَ مِنْ كَوْنِهِ دَمًا وَلَمْ أَرَ لَهُ تَعْلِيلًا، وَذَاكَرْت بَعْضَ الْإِخْوَانِ مِنْ الْمَغَارِبَةِ فِي الزَّبَادِ فَقُلْت يُقَالُ إنَّهُ عَرَقُ حَيَوَانٍ مُحَرَّمِ الْأَكْلِ، فَقَالَ مَا يُحِيلُهُ الطَّبْعُ إلَى صَلَاحٍ كَالطَّيْبِيَّةِ يَخْرُجُ عَنْ النَّجَاسَةِ كَالْمِسْكِ، وَلَيْسَ دَمُ الْبَقِّ وَالْبَرَاغِيثِ وَالسَّمَكِ بِشَيْءٍ، وَأَمَّا الْقَيْءُ فَإِذَا كَانَ مِلْءَ الْفَمِ فَنَجِسٌ فَأَمَّا مَا دُونَهُ فَظَاهِرٌ عَلَى مَا هُوَ الْمُخْتَارُ مِنْ
стр. 202
(وَإِنْ كَانَتْ مُخَفَّفَةً كَبَوْلِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ جَازَتْ الصَّلَاةُ مَعَهُ حَتَّى يَبْلُغَ رُبُعَ الثَّوْبِ) يُرْوَى ذَلِكَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ لِأَنَّ التَّقْدِيرَ فِيهِ بِالْكَثِيرِ الْفَاحِشِ، وَالرُّبُعُ مُلْحَقٌ بِالْكُلِّ فِي حَقِّ بَعْضِ الْأَحْكَامِ، وَعَنْهُ رُبُعُ أَدْنَى ثَوْبٍ تَجُوزُ فِيهِ الصَّلَاةُ كَالْمِئْزَرِ، وَقِيلَ رُبُعُ الْمَوْضِعِ الَّذِي أَصَابَهُ كَالذَّيْلِ وَالدِّخْرِيصِ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ شِبْرٌ فِي شِبْرٍ،
قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ، وَفِي فَتَاوَى نَجْمِ الدِّينِ النَّسَفِيِّ: صَبِيٌّ ارْتَضَعَ ثُمَّ قَاءَ فَأَصَابَ ثِيَابَ الْأُمِّ، إنْ كَانَ مِلْءَ الْفَمِ فَنَجِسٌ، فَإِذَا زَادَ عَلَى قَدْرِ الدِّرْهَمِ مُنِعَ.
وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّهُ لَا يُمْنَعُ مَا لَمْ يَفْحُشْ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَغَيَّرْ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، كَذَا فِي غَرِيبِ الرِّوَايَةِ لِأَبِي جَعْفَرٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي النَّوَاقِضِ عَنْ الْمُجْتَبِي وَغَيْرِهِ يَقْتَضِي طَهَارَةَ هَذَا الْقَيْءِ فَارْجِعْ إلَيْهِ. وَقَوْلُهُ لِأَنَّهَا ثَبَتَتْ بِدَلِيلٍ مَقْطُوعٍ بِهِ مَعْنَاهُ مَقْطُوعٌ بِوُجُوبِ الْعَمَلِ بِهِ، فَالْعَمَلُ بِالظَّنِّيِّ وَاجِبٌ قَطْعًا فِي الْفُرُوعِ وَإِنْ كَانَ نَفْسُ وُجُوبٍ مُقْتَضَاهُ ظَنِّيًّا، وَالْأَوْلَى أَنَّهُ يُرِيدُ دَلِيلَ الْإِجْمَاعِ، وَثَمَرَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِي الرَّوْثِ وَهُوَ لِلْحِمَارِ وَالْفَرَسِ، وَالْخَثَى وَهُوَ لِلْبَقَرِ، وَالْبَعْرِ وَهُوَ لِلْإِبِلِ وَالْغَنَمِ، فَعِنْدَهُ غَلِيظَةٌ لِقَوْلِهِ ﵊ فِي الرَّوْثَةِ «إنَّهَا رِكْسٌ» وَلَمْ يُعَارَضْ وَعِنْدَهُمَا خَفِيفَةٌ فَإِنَّ مَالِكًا يَرَى طَهَارَتَهَا، وَلِعُمُومِ الْبَلْوَى لِامْتِلَاءِ الطُّرُقِ بِخِلَافِ بَوْلِ الْحِمَارِ وَغَيْرِهِ مِمَّا لَا يُؤْكَلُ لِأَنَّ الْأَرْضَ تُنَشِّفُهُ حَتَّى رَجَعَ مُحَمَّدٌ آخِرًا إلَى أَنَّهُ لَا يَمْنَعُ الرَّوْثَ وَإِنْ فَحُشَ لَمَّا دَخَلَ الرَّيَّ مَعَ الْخَلِيفَةِ وَرَأَى بَلْوَى النَّاسِ مِنْ امْتِلَاءِ الطُّرُقِ وَالْخَانَاتِ بِهَا، وَقَاسَ الْمَشَايِخُ عَلَى قَوْلِهِ هَذَا طِينُ بُخَارَى لِأَنَّ مَشْيَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ فِيهَا وَعِنْدَ ذَلِكَ يُرْوَى رُجُوعُهُ فِي الْخُفِّ حَتَّى إذَا أَصَابَتْهُ عَذِرَةٌ يَطْهُرُ بِالدَّلْكِ.
وَفِي الرَّوْثِ لَا يَحْتَاجُ إلَى الدَّلْكِ عِنْدَهُ، وَلَهُ أَنَّ الْمُوجِبَ لِلْعَمَلِ النَّصُّ لَا الْخِلَافُ، وَالْبَلْوَى فِي النِّعَالِ وَقَدْ ظَهَرَ أَثَرُهَا حَتَّى طَهُرَتْ بِالدَّلْكِ فَإِثْبَاتُ أَمْرٍ زَائِدٍ عَلَى ذَلِكَ يَكُونُ بِغَيْرِ مُوجِبٍ، وَمَا قِيلَ إنَّ الْبَلْوَى لَا تُعْتَبَرُ فِي مَوْضِعٍ لِلنَّصِّ عِنْدَهُ كَبَوْلِ الْإِنْسَانِ مَمْنُوعٌ، بَلْ تُعْتَبَرُ إذَا تَحَقَّقَتْ بِالنَّصِّ النَّافِي لِلْحَرَجِ وَهُوَ لَيْسَ مُعَارَضَةً لِلنَّصِّ بِالرَّأْيِ وَالْبَلْوَى فِي بَوْلِ الْإِنْسَانِ فِي الِانْتِضَاحِ كَرُءُوسِ الْإِبَرِ لَا فِيمَا سِوَاهُ لِأَنَّهَا إنَّمَا تَتَحَقَّقُ بِأَغْلَبِيَّةِ عُسْرِ الِانْفِكَاكِ وَذَلِكَ إنْ تَحَقَّقَ فِي بَوْلِ الْإِنْسَانِ فَكَمَا قُلْنَا، وَقَدْ رَتَّبْنَا مُقْتَضَاهُ إذْ قَدْ أَسْقَطْنَا اعْتِبَارَهُ، ثُمَّ حَدِيثُ رَمْيِ الرَّوْثَةِ هُوَ مَا فِي الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ «أَتَى النَّبِيُّ ﷺ الْغَائِطَ فَأَمَرَنِي أَنْ آتِيَهُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، فَوَجَدْتُ حَجَرَيْنِ وَالْتَمَسْتُ الثَّالِثَ فَلَمْ أَجِدْ، فَأَخَذْتُ رَوْثَةً فَأَتَيْتُهُ، بِهَا فَأَخَذَ الْحَجَرَيْنِ وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ وَقَالَ هَذَا رِكْسٌ» وَأَمَّا الْمُرَادُ بِالنَّصَّيْنِ فِي قَوْلِهِ أَوْ لِتَعَارُضِ النَّصَّيْنِ فَحَدِيثُ «اسْتَنْزِهُوا الْبَوْلَ» وَحَدِيثُ
стр. 203
وَإِنَّمَا كَانَتْ مُخَفَّفَةً عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لِمَكَانِ الِاخْتِلَافِ فِي نَجَاسَتِهِ أَوْ لِتَعَارُضِ النَّصَّيْنِ عَلَى اخْتِلَافِ الْأَصْلَيْنِ (وَإِذَا أَصَابَ الثَّوْبَ مِنْ الرَّوْثِ أَوْ أَخْثَاءِ الْبَقَرِ أَكْثَرُ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ لَمْ تَجُزْ الصَّلَاةُ فِيهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀) لِأَنَّ النَّصَّ الْوَارِدَ فِي نَجَاسَتِهِ وَهُوَ مَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﵊ رَمَى بِالرَّوْثَةِ وَقَالَ: هَذَا رِجْسٌ أَوْ رِكْسٌ» لَمْ يُعَارِضْهُ غَيْرُهُ، وَبِهَذَا يَثْبُتُ التَّغْلِيظُ عِنْدَهُ وَالتَّخْفِيفُ بِالتَّعَارُضِ (وَقَالَا يُجْزِئُهُ حَتَّى يَفْحُشَ) لِأَنَّ لِلِاجْتِهَادِ فِيهِ مَسَاغًا، وَلِهَذَا يَثْبُتُ التَّخْفِيفُ عِنْدَهُمَا، وَلِأَنَّ فِيهِ ضَرُورَةً لِامْتِلَاءِ الطُّرُقِ بِهَا وَهِيَ مُؤَثِّرَةٌ
الْعُرَنِيِّينَ وَقَدْ تَقَدَّمَا، وَفَرَّقَ زُفَرُ إلْحَاقَ الرَّوْثِ كُلِّ شَيْءٍ بِبَوْلِهِ، وَفِي مُخْتَصَرِ الْكَرْخِيِّ قَالَ زُفَرُ: رَوْثُ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ طَاهِرٌ كَقَوْلِ مَالِكٍ.
[فَرْعٌ] مَرَارَةُ كُلِّ شَيْءٍ كَبَوْلِهِ وَاجْتِرَارُهُ كَسِرْقِينِهِ قَالَ فِي التَّنْجِيسِ لِأَنَّهُ وَارَاهُ جَوْفَهُ، أَلَا تَرَى أَنَّ مَا يُوَارَى جَوْفَ الْإِنْسَانِ بِأَنْ كَانَ مَاءً ثُمَّ قَاءَهُ فَحُكْمُهُ حُكْمُ بَوْلِهِ اهـ.
وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّهُ كَذَلِكَ وَإِنْ قَاءَ مِنْ سَاعَتِهِ، وَقَدَّمْنَا فِي النَّوَاقِضِ عَنْ الْحَسَنِ مَا هُوَ الْأَحْسَنُ فَارْجِعْ إلَيْهِ، وَقَدْ صَحَّحَهُ بَعْدَ قَرِيبٍ وَرَقَةٌ فَقَالَ فِي الصَّبِيِّ ارْتَضَعَ ثُمَّ قَاءَ فَأَصَابَ ثِيَابَ الْأُمِّ إنْ زَادَ عَلَى الدِّرْهَمِ مُنِعَ.
قَالَ: وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا يُمْنَعُ مَا لَمْ يَفْحُشْ لِأَنَّهُ
стр. 204
فِي التَّخْفِيفِ، بِخِلَافِ بَوْلِ الْحِمَارِ لِأَنَّ الْأَرْضَ تُنَشِّفُهُ.
قُلْنَا: الضَّرُورَةُ فِي النِّعَالِ قَدْ أَثَّرَتْ فِي التَّخْفِيفِ مَرَّةً حَتَّى تَطْهُرَ بِالْمَسْحِ فَتَكْفِي مُؤْنَتُهَا، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَأْكُولِ اللَّحْمِ وَغَيْرِ مَأْكُولِ اللَّحْمِ، وَزُفَرُ ﵀ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا فَوَافَقَ أَبَا حَنِيفَةَ ﵀ فِي غَيْرِ مَأْكُولِ اللَّحْمِ وَوَافَقَهُمَا فِي الْمَأْكُولِ.
وَعَنْ مُحَمَّدٍ ﵀ أَنَّهُ لَمَّا دَخَلَ الرَّيَّ وَرَأَى الْبَلْوَى أَفْتَى بِأَنَّ الْكَثِيرَ الْفَاحِشَ لَا يَمْنَعُ أَيْضًا وَقَاسُوا عَلَيْهِ طِينَ بُخَارَى، وَعِنْدَ ذَلِكَ رُجُوعُهُ فِي الْخُفِّ يُرْوَى.
(وَإِنْ أَصَابَهُ بَوْلُ الْفَرَسِ لَمْ يُفْسِدْهُ حَتَّى يَفْحُشَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀ لَا يَمْنَعُ وَإِنْ فَحُشَ) لِأَنَّ بَوْلَ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ طَاهِرٌ عِنْدَهُ مُخَفَّفٌ نَجَاسَتُهُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀ وَلَحْمُهُ مَأْكُولٌ عِنْدَهُمَا، وَأَمَّا
لَمْ يَتَغَيَّرْ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَكَانَ نَجَاسَتُهُ دُونَ نَجَاسَةِ الْبَوْلِ، بِخِلَافِ الْمَرَارَةِ لِأَنَّهَا مُتَغَيِّرَةٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، كَذَا فِي غَرِيبِ الرِّوَايَةِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَفِيهِ مَا ذَكَرْنَا.
(قَوْلُهُ وَإِنْ أَصَابَهُ بَوْلُ الْفَرَسِ) مَرَّ مُحَمَّدٌ عَلَى أَصْلِهِ وَكَذَا أَبُو يُوسُفَ، وَأَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فَالتَّخْفِيفُ لِلتَّعَارُضِ وَهُوَ بَيْنَ قَوْلِهِ «اسْتَنْزِهُوا الْبَوْلَ» وَحَدِيثِ الْعُرَنِيِّينَ فِي بَعْضِ مُتَنَاوَلَاتِهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ لَحْمَ الْفَرَسِ طَاهِرٌ وَحُرْمَتَهُ لِكَرَامَتِهِ لَا لِنَجَاسَتِهِ، وَحَدِيثُ الْعُرَنِيِّينَ يُعَارِضُ «اسْتَنْزِهُوا الْبَوْلَ» فِي بَعْضِ مُتَنَاوَلَاتِهِ وَهُوَ الْحَيَوَانُ الْمَأْكُولُ، وَالْمَفْهُومُ مِنْ طَهَارَتِهِ بَوْلُهُ كَوْنُهُ طَاهِرَ اللَّحْمِ إذْ لَا أَثَرَ لِلْأَكْلِ فِي ذَلِكَ إلَّا بِوَاسِطَتِهِ فَصَارَ هُوَ الْمُعْتَبَرَ دُونَ كَوْنِهِ مَأْكُولًا إلَّا مَا أَخْرَجَهُ الدَّلِيلُ كَالْآدَمِيِّ فَإِنَّهُ طَاهِرُ اللَّحْمِ، وَنَجِسُ الْبَوْلِ
стр. 205
عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ التَّخْفِيفُ لِتَعَارُضِ الْآثَارِ.
(وَإِنْ أَصَابَهُ خُرْءُ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ مِنْ الطُّيُورِ أَكْثَرُ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ جَازَتْ الصَّلَاةُ فِيهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ ﵀ لَا تَجُوزُ) فَقَدْ قِيلَ إنَّ الِاخْتِلَافَ فِي النَّجَاسَةِ، وَقَدْ قِيلَ فِي الْمِقْدَارِ وَهُوَ الْأَصَحُّ.
وَالْفَرَسُ كَذَلِكَ.
(قَوْلُهُ فَقَدْ قِيلَ إلَخْ) يَعْنِي اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِي أَنَّ قَوْلَهُمَا بِجَوَازِ الصَّلَاةِ بِنَاءً عَلَى طَهَارَةِ خُرْءِ الطُّيُورِ الْمُحَرَّمَةِ أَوْ عَلَى التَّقْدِيرِ فِيهِ بِالْفَاحِشِ فَقَالَ الْكَرْخِيُّ لِطَهَارَتِهِ عِنْدَهُمَا، وَقَالَ الْهِنْدُوَانِيُّ لِخِفَّتِهِ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ نَجِسٌ مُغَلَّظٌ عِنْدَ مُحَمَّدٍ، ثُمَّ الْوَاقِعُ أَنَّ أَبَا يُوسُفَ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَى رِوَايَةِ الْكَرْخِيِّ وَمَعَ مُحَمَّدٍ عَلَى رِوَايَةِ الْهِنْدُوَانِيُّ، وَالْمَفْهُومُ مِنْ الْهِدَايَةِ أَنَّهُ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ: فِي الرِّوَايَتَيْنِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَتَحَصَّلَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رِوَايَتَانِ: رِوَايَةُ الْهِنْدُوَانِيُّ خَفِيفٌ، وَرِوَايَةُ الْكَرْخِيِّ طَاهِرٌ.
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ رِوَايَتَانِ: رِوَايَةُ الْهِنْدُوَانِيُّ غَلِيظٌ، وَرِوَايَةُ الْكَرْخِيِّ طَاهِرٌ.
وَعَنْ مُحَمَّدٍ ﵀ غَلِيظٌ رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَجَعَلَ الْمُصَنِّفُ الْأَصَحَّ التَّخْفِيفَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الضَّرُورَةَ
стр. 206
هُوَ يَقُولُ إنَّ التَّخْفِيفَ لِلضَّرُورَةِ وَلَا ضَرُورَةَ لِعَدَمِ الْمُخَالَطَةِ فَلَا يُخَفَّفُ.
وَلَهُمَا أَنَّهَا تَذَرَّقَ مِنْ الْهَوَاءِ وَالْتِحَامِي عَنْهُ مُتَعَذِّرٌ فَتَحَقَّقَتْ الضَّرُورَةُ، وَلَوْ وَقَعَ فِي الْإِنَاءِ قِيلَ يُفْسِدُهُ، وَقِيلَ لَا يُفْسِدُهُ لِتَعَذُّرِ صَوْنِ الْأَوَانِي عَنْهُ (وَإِنْ أَصَابَهُ مِنْ دَمِ السَّمَكِ أَوْ لُعَابِ الْبَغْلِ أَوْ الْحِمَارِ أَكْثَرُ مِنْ قَدْرُ الدِّرْهَمِ أَجْزَأَتْ الصَّلَاةُ فِيهِ) أَمَّا دَمُ السَّمَكِ فَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِدَمٍ عَلَى التَّحْقِيقِ فَلَا يَكُونُ نَجِسًا، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ أَنَّهُ اعْتَبَرَ فِيهِ الْكَثِيرَ الْفَاحِشَ فَاعْتَبَرَهُ نَجِسًا.
وَأَمَّا لُعَابُ الْبَغْلِ وَالْحِمَارِ فَلِأَنَّهُ مَشْكُوكٌ فِيهِ فَلَا يَتَنَجَّسُ بِهِ الطَّاهِرُ (فَإِنْ انْتَضَحَ عَلَيْهِ الْبَوْلُ مِثْلَ رُءُوسِ الْإِبَرِ فَذَلِكَ لَيْسَ بِشَيْءٍ) لِأَنَّهُ لَا يُسْتَطَاعُ الِامْتِنَاعُ عَنْهُ.
فِيهِ لَا تُؤَثِّرُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ قَلَّمَا يَصِلُ إلَى أَنْ يَفْحُشَ فَيَكْفِي تَخْفِيفُهُ (قَوْلُهُ هُوَ يَقُولُ) أَيْ مُحَمَّدٌ (قَوْلُهُ قِيلَ يُفْسِدُهُ وَقِيلَ لَا يُفْسِدُهُ) الْأَوَّلُ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ نَجِسٌ خَفِيفٌ أَوْ غَلِيظٌ وَإِمْكَانُ الِاحْتِرَازِ بِتَخْمِيرِهَا إذْ هُوَ مُعْتَادٌ فَلَا يَتَحَقَّقُ فِيهِ ضَرُورَةٌ بَلْ تَفْرِيطٌ.
بِخِلَافِ الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ، وَأَمَّا الثَّانِي فَيُمْكِنُ كَوْنُهُ بِنَاءً عَلَى الطَّهَارَةِ أَوْ عَلَى سُقُوطِ حُكْمِ النَّجَاسَةِ مَعَ قِيَامِهَا لِلضَّرُورَةِ كَمَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ ﵀ فِي شَعْرِ الْخِنْزِيرِ حَتَّى لَوْ وَقَعَ فِي الْمَاءِ أَفْسَدَهُ مَعَ إطْلَاقِ الِانْتِفَاعِ بِهِ لِلْخَرَّازِينَ لِلضَّرُورَةِ، وَقَدْ تَظْهَرُ أَوْلَوِيَّةُ الْأَوَّلِ لِمَا قُلْنَا.
فَإِنْ قُلْت: مَا الْفَرْقُ لِمُحَمَّدٍ بَيْنَ خُرْءِ الطُّيُورِ الْمُحَرَّمَةِ وَبَوْلِ الْهِرَّةِ الَّتِي تَعْتَادُ الْبَوْلَ عَلَى النَّاسِ حَيْثُ رُوِيَ عَنْهُ فِيهِ أَنَّهُ طَاهِرٌ؟ فَالْجَوَابُ كَأَنَّهُ بَنَى نَجَاسَةَ الْخُرْءِ عَلَى عَدَمِ الضَّرُورَةِ إذْ قَدْ يُصِيبُ النَّاسَ وَقَدْ لَا يُصِيبُ، بَلْ قَلَّمَا يُشَاهَدُ مُصَابٌ، بِخِلَافِ ذَلِكَ السِّنَّوْرِ فَإِنَّ الضَّرُورَةَ فِيهِ مُتَحَقِّقَةٌ، وَهُمَا بَنَيَا قِيَامَ الضَّرُورَةِ عَلَى عَدَمِ قُدْرَةِ الِاحْتِرَازِ عَنْهُ، هَذَا إنْ صَحَّتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ، وَإِلَّا فَفِي التَّجْنِيسِ بَالَ السِّنَّوْرُ فِي الْبِئْرِ نُزِحَ كُلُّهُ لِأَنَّ بَوْلَهُ نَجِسٌ بِاتِّفَاقِ الرِّوَايَاتِ، وَلِذَا لَوْ أَصَابَ الثَّوْبَ أَفْسَدَهُ لَكِنْ الْحَقُّ صِحَّتُهَا، وَحَمْلُ الرِّوَايَاتِ عَلَى الرِّوَايَاتِ الطَّاهِرَةِ أَوْ مُطْلَقًا، وَالْمُرَادُ السِّنَّوْرُ الَّذِي لَا يَعْتَادُ الْبَوْلَ عَلَى النَّاسِ، وَإِلَّا فَقَدْ حَكَى هُوَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ التَّجْنِيسِ اخْتِلَافَ الْمَشَايِخِ فِيمَا إذَا بَالَ عَلَى الثَّوْبِ.
وَفِي الْخُلَاصَةِ إذَا بَالَتْ الْهِرَّةُ فِي الْإِنَاءِ أَوْ عَلَى ثَوْبٍ تَنَجَّسَ وَكَذَا بَوْلُ الْفَأْرَةِ وَقَالَ الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ: يُنَجِّسُ الْإِنَاءَ دُونَ الثَّوْبِ اهـ.
وَهُوَ حَسَنٌ لِعَادَةِ تَخْمِيرِ الْأَوَانِي، هَذَا وَبَوْلُ الْفَأْرَةِ فِي رِوَايَةٍ لَا بَأْسَ بِهِ، وَالْمَشَايِخُ عَلَى أَنَّهُ نَجِسٌ لِخِفَّةِ الضَّرُورَةِ، بِخِلَافِ خُرْئِهَا فَإِنَّ فِيهِ ضَرُورَةً فِي الْحِنْطَةِ فَقَالُوا: إذَا وَقَعَ فِيهَا فَطُحِنَتْ جَازَ أَكْلُ الدَّقِيقِ مَا لَمْ يَظْهَرْ أَثَرُ الْخُرْءِ فِيهِ طَعْمًا وَنَحْوَهُ.
وَفِي الْإِيضَاحِ: بَوْلُ الْخَفَافِيشِ وَخُرْؤُهَا لَيْسَ بِشَيْءٍ اهـ.
وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خَانٍ: بَوْلُ الْهِرَّةِ وَالْفَأْرَةِ وَخُرْؤُهُمَا نَجِسٌ فِي أَظْهَرِ الرِّوَايَاتِ يُفْسِدُ الْمَاءَ وَالثَّوْبَ، وَبَوْلُ الْخُفَّاشِ وَخُرْؤُهُ لَا يُفْسِدُ لِتَعَذُّرِ الِاحْتِرَازِ عَنْهُ، وَدَمُ الْبَقِّ وَالْبَرَاغِيثِ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وَدَمُ الْحَلَمَةِ وَالْأَوْزَاغِ نَجِسٌ (قَوْلُهُ مِثْلُ رُءُوسِ الْإِبَرِ لَيْسَ بِشَيْءٍ) يُشِيرُ إلَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ مِثْلَ
стр. 207
قَالَ (وَالنَّجَاسَةُ ضَرْبَانِ: مَرْئِيَّةٌ، وَغَيْرُ مَرْئِيَّةٍ فَمَا كَانَ مِنْهَا مَرْئِيًّا فَطَهَارَتُهُ زَوَالُ عَيْنِهَا) لِأَنَّ النَّجَاسَةَ حَلَّتْ الْمَحَلَّ بِاعْتِبَارِ الْعَيْنِ فَتَزُولُ بِزَوَالِهَا (إلَّا أَنْ يَبْقَى مِنْ أَثَرِهَا مَا تَشُقُّ إزَالَتُهُ) لِأَنَّ الْحَرَجَ مَدْفُوعٌ، وَهَذَا يُشِيرُ إلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ الْغَسْلُ بَعْدَ زَوَالِ الْعَيْنِ وَإِنْ زَالَ بِالْغَسْلِ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَفِيهِ كَلَامٌ (وَمَا لَيْسَ بِمَرْئِيٍّ فَطَهَارَتُهُ أَنْ يُغْسَلَ حَتَّى يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّ الْغَاسِلِ أَنَّهُ قَدْ طَهُرَ) لِأَنَّ التَّكْرَارَ لَا بُدَّ مِنْهُ لِلِاسْتِخْرَاجِ، وَلَا يُقْطَعُ بِزَوَالِهِ فَاعْتُبِرَ غَالِبُ الظَّنِّ كَمَا فِي أَمْرِ الْقِبْلَةِ وَإِنَّمَا قَدَّرُوا بِالثَّلَاثِ لِأَنَّ غَالِبَ الظَّنِّ يَحْصُلُ عِنْدَهُ، فَأُقِيمَ السَّبَبُ الظَّاهِرُ مَقَامَهُ تَيْسِيرًا،
رُءُوسِ الْمِسَلَّةِ مُنِعَ.
وَقَالَ الْهِنْدُوَانِيُّ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ مِثْلَ الْجَانِبِ الْآخَرِ اُعْتُبِرَ، وَغَيْرُهُ مِنْ الْمَشَايِخِ لَا يَعْتَبِرُ الْجَانِبَيْنِ دَفْعًا لِلْحَرَجِ، وَمَا لَمْ يُعْتَبَرْ إذَا أَصَابَهُ مَاءٌ فَكَثُرَ لَا يَجِبُ غَسْلُهُ. وَفِي الْمُجْتَبَى فِي نَوَادِرِ الْمُعَلَّى: لَوْ اُنْتُضِحَ وَيَرَى أَثَرَهُ لَا بُدَّ مِنْ غَسْلِهِ اهـ.
وَقَالُوا: لَوْ أَلْقَى عَذِرَةً أَوْ بَوْلًا فِي مَاءٍ فَانْتُضِحَ عَلَيْهِ مَاءٌ مِنْ وَقْعِهَا لَا يَنْجَسُ مَا لَمْ يَظْهَرْ لَوْنُ النَّجَاسَةِ أَوْ يَعْلَمْ أَنَّهُ الْبَوْلُ، وَمَا تَرَشَّشَ عَلَى الْغَاسِلِ مِنْ غُسَالَةِ الْمَيِّتِ مِمَّا لَا يُمْكِنُهُ الِامْتِنَاعُ عَنْهُ مَا دَامَ فِي عِلَاجِهِ لَا يُنَجِّسُهُ لِعُمُومِ الْبَلْوَى، بِخِلَافِ الْغُسَالَاتِ الثَّلَاثِ إذَا اسْتَنْقَعَتْ فِي مَوْضِعٍ فَأَصَابَتْ شَيْئًا نَجَّسَتْهُ، أَمَّا الْمَاءُ الثَّالِثُ وَحْدَهُ فَعَلَى الْخِلَافِ السَّابِقِ أَوَّلَ الْبَابِ.
(قَوْلُهُ إلَّا أَنْ يَبْقَى مِنْ أَثَرِهَا مَا يَشُقُّ) أَيْ لَوْنُهَا أَوْ رِيحُهَا مَا يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى اسْتِعْمَالِ غَيْرِ الْمَاءِ كَالصَّابُونِ وَالْأُشْنَانِ، وَعَلَى هَذَا قَالُوا لَوْ صَبَغَ ثَوْبَهُ أَوْ يَدَهُ بِصَبْغٍ أَوْ حِنَّاءَ نَجِسَيْنِ فَغَسَلَ إلَى أَنْ صَفَا الْمَاءُ يَطْهُرُ مَعَ قِيَامِ اللَّوْنِ، وَقِيلَ يَغْسِلُ بَعْدَ ذَلِكَ ثَلَاثًا.
وَأَمَّا الطَّهَارَةُ لَوْ غَسَلَ يَدَهُ مِنْ دُهْنٍ نَجِسٍ مَعَ بَقَاءِ أَثَرِهِ فَإِنَّمَا عَلَّلَهُ فِي التَّجْنِيسِ بِأَنَّ الدُّهْنَ يَطْهُرُ، قَالَ: فَبَقِيَ عَلَى يَدِهِ طَاهِرًا، كَمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ فِي الدُّهْنِ يُنَجِّسُ يُجْعَلُ فِي إنَاءٍ ثُمَّ يُصَبُّ عَلَيْهِ الْمَاءُ فَيَعْلُو الدُّهْنُ فَيُرْفَعُ بِشَيْءٍ هَكَذَا يَفْعَلُ ثَلَاثًا فَيَطْهُرُ انْتَهَى.
وَتَطْهِيرُ الْعَسَلِ النَّجِسِ عَلَى قَوْلِهِ أَنْ يَصُبَّ عَلَيْهِ مَاءً فَيَغْلِيَ حَتَّى يَعُودَ إلَى الْقَدْرِ الْأَوَّلِ ثَلَاثًا فَيَطْهُرَ، وَقَدْ يُشْكِلُ عَلَى الْحُكْمِ الْمَذْكُورِ مَا فِي التَّجْنِيسِ حَبٌّ فِيهِ خَمْرٌ غُسِلَ ثَلَاثًا يَطْهُرُ إذَا لَمْ تَبْقَ فِيهِ رَائِحَةُ الْخَمْرِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ فِيهِ أَثَرُهَا، فَإِنْ بَقِيَتْ رَائِحَتُهَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ فِيهِ مِنْ الْمَائِعَاتِ سِوَى الْخَلِّ لِأَنَّهُ بِجَعْلِهِ فِيهِ يَطْهُرُ وَإِنْ لَمْ يُغْسَلْ لِأَنَّ مَا فِيهِ مِنْ الْخَمْرِ يَتَخَلَّلُ بِالْخَلِّ، إلَّا أَنَّ آخِرَ كَلَامِهِ أَفَادَ أَنَّ بَقَاءَ رَائِحَتِهَا فِيهِ بِقِيَامِ بَعْضِ أَجْزَائِهَا، وَعَلَى هَذَا قَدْ يُقَالُ فِي كُلِّ مَا بَقِيَ فِيهِ رَائِحَةٌ كَذَلِكَ وَفِي الْخُلَاصَةِ: الْكُوزُ إذَا كَانَ فِيهِ خَمْرٌ تَطْهِيرُهُ أَنْ يُجْعَلَ فِيهِ الْمَاءُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، كُلُّ مَرَّةٍ سَاعَةٌ، وَإِنْ كَانَ جَدِيدًا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَطْهُرُ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا يَطْهُرُ أَبَدًا انْتَهَى مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ بَيْنَ بَقَاءِ الرَّائِحَةِ أَوْ لَا، وَالتَّفْصِيلُ أَحْوَطُ (قَوْلُهُ وَفِيهِ كَلَامٌ) أَيْ لِلْمَشَايِخِ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ يُغْسَلُ بَعْدَ زَوَالِ الْعَيْنِ ثَلَاثًا إلْحَاقًا لَهُ بَعْدَهَا بِنَجَاسَةٍ غَيْرِ مَرْئِيَّةٍ وَعَنْ الْفَقِيهِ أَبِي جَعْفَرٍ مَرَّتَيْنِ كَغَيْرِ مَرْئِيَّةٍ غُسِلَتْ مَرَّةً، وَقِيلَ إذَا ذَهَبَ الْعَيْنُ وَالْأَثَرُ بِمَرَّةٍ لَا يُغْسَلُ، وَهُوَ أَقْيَسُ لِأَنَّ
стр. 208
وَيَتَأَيَّدُ ذَلِكَ بِحَدِيثِ الْمُسْتَيْقِظِ مِنْ مَنَامِهِ، ثُمَّ لَا بُدَّ مِنْ الْعَصْرِ فِي كُلِّ مَرَّةٍ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ
نَجَاسَةَ الْمَحَلِّ بِمُجَاوَرَةِ الْعَيْنِ وَقَدْ زَالَتْ، وَحَدِيثُ الْمُسْتَيْقِظِ مِنْ مَنَامِهِ فِي غَيْرِ الْمَرْئِيَّةِ ضَرُورَةٌ أَنَّهُ مَأْمُورٌ لِتَوَهُّمِ النَّجَاسَةِ وَلِذَا كَانَ مَنْدُوبًا، وَلَوْ كَانَتْ مَرْئِيَّةً كَانَتْ مُحَقَّقَةً وَكَانَ حُكْمُهُ الْوُجُوبَ.
(قَوْلُهُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ) احْتِرَازٌ عَمَّا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ مِنْ الِاكْتِفَاءِ بِالْعَصْرِ فِي الْمَرَّةِ الْأَخِيرَةِ، وَتُعْتَبَرُ قُوَّةُ كُلِّ عَاصِرٍ حَتَّى إذَا انْقَطَعَ تَقَاطُرُهُ بِعَصْرِهِ ثُمَّ قَطَرَ بِعَصْرِ رَجُلٍ آخَرَ أَوْ دُونَهُ يُحْكَمُ بِطَهَارَتِهِ، ثُمَّ هَذَا مُقْتَصِرٌ عَلَى مَا يُعْصَرُ وَمَخْصُوصٌ مِنْهُ أَيْضًا: أَمَّا الثَّانِي فَقَالَ أَبُو يُوسُفَ فِي إزَارِ الْحَمَامِ إذَا صُبَّ عَلَيْهِ مَاءٌ كَثِيرٌ وَهُوَ عَلَيْهِ يَطْهُرُ بِلَا عَصْرٍ، حَتَّى ذُكِرَ عَنْ الْحَلْوَانِيِّ: لَوْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ دَمًا أَوْ بَوْلًا وَصُبَّ عَلَيْهِ الْمَاءُ كَفَاهُ عَلَى قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ فِي إزَارِ الْحَمَامِ، لَكِنْ لَا يَخْفَى أَنَّ ذَلِكَ لِضَرُورَةِ سِتْرِ الْعَوْرَةِ فَلَا يَلْحَقُ بِهِ غَيْرُهُ وَتُتْرَكُ الرِّوَايَاتُ الظَّاهِرَةُ فِيهِ، وَقَالُوا فِي الْبِسَاطِ النَّجِسِ إذَا جُعِلَ فِي نَهْرٍ لَيْلَةَ طُهْرٍ.
وَفِي خُفِّ بِطَانَتِهِ كِرْبَاسٌ دَخَلَ فِي خُرُوقِهِ مَاءٌ نَجِسٌ فَغَسَلَ الْخُفَّ وَدَلَّكَهُ بِالْيَدِ ثُمَّ مَلَأَهُ مَاءً ثَلَاثًا وَأَرَاقَهُ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَتَهَيَّأْ لَهُ عَصْرُ الْكِرْبَاسِ طَهُرَ كَالْبِسَاطِ، وَأَمَّا الْأَوَّلُ فَلَا يَخْلُو كَوْنُ الْمُتَنَجِّسِ مِمَّا تَتَدَاخَلُهُ النَّجَاسَةُ أَوْ لَا، فَفِي الثَّانِي يُغْسَلُ وَيُجَفَّفُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُوَ بِذَهَابِ النَّدْوَةِ.
قَالُوا فِي الْجِلْدِ وَالْخُفِّ وَالْمُكَعَّبِ وَالْجُرْمُوقِ إذَا أُمِرَّ الْمَاءُ عَلَيْهِ ثَلَاثًا وَجُفِّفَ كُلَّ مَرَّةٍ طَهُرَ، وَقِيلَ لَا يَحْتَاجُ إلَى تَجْفِيفٍ، وَقِيلَ الْأَحْوَطُ.
وَقَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْآجُرِّ الْمُسْتَعْمَلِ الْقَدِيمِ: يَكْفِيهِ الْغَسْلُ ثَلَاثًا بِدُفْعَةٍ وَاحِدَةٍ، وَكَذَا الْخِرْقَةُ الْقَدِيمَةُ الْمُسْتَعْمَلَةُ، وَيَنْبَغِي تَقْيِيدُهَا بِمَا إذَا تَنَجَّسَتْ وَهِيَ رَطْبَةٌ، أَمَّا لَوْ تُرِكَتْ بَعْدَ الِاسْتِعْمَالِ حَتَّى جَفَّتْ فَإِنَّهَا كَالْجَدِيدَةِ لِأَنَّهُ يُشَاهَدُ اجْتِذَابُهَا حَتَّى يَظْهَرَ مِنْ ظَاهِرِهَا، وَكَذَا حَصِيرٌ تَنَجَّسَ بِرَطْبَةٍ يُجْرَى عَلَيْهَا الْمَاءُ إلَى أَنْ يُتَوَهَّمَ زَوَالُهَا لِأَنَّهُ لَا طَرِيقَ سِوَاهُ، وَإِجْرَاءُ الْمَاءِ قَدْ يَقُومُ مَقَامَ الْعَصْرِ، فَإِنْ كَانَتْ يَابِسَةً فَلَا بُدَّ مِنْ الدَّلْكِ، وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى الْحَصِيرِ لِلصَّقِيلَةِ كَأَكْثَرِ حُصْرِ مِصْرَ كَمَا فِي بَعْضِ نُسَخِ الْوَاقِعَاتِ فِي الْبُورِيَّا مِنْ الْقَصَبِ يُغْسَلُ ثَلَاثًا فَيَطْهُرُ بِلَا خِلَافٍ، أَمَّا الْجَدِيدَةُ الْمُتَّخَذَةُ مِمَّا يَتَشَرَّبُ فَسَيَأْتِي، وَفِي الْأَوَّلِ فَلَا تَطْهُرُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ أَبَدًا وَتَطْهُرُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ كَالْخَزَفَةِ الْجَدِيدَةِ، وَالْخَشَبَةِ الْجَدِيدَةِ وَالْبُرْدِيِّ وَالْجِلْدِ دُبِغَ بِنَجِسٍ وَالْحِنْطَةِ انْتَفَخَتْ مِنْ النَّجَاسَةِ، فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ يُغْسَلُ ثَلَاثًا وَيُجَفَّفُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، وَقِيلَ فِي الْأَخِيرَةِ فَقَطْ، وَالسِّكِّينُ الْمُمَوَّهُ بِمَاءٍ نَجِسٍ يُمَوَّهُ ثَلَاثًا بِطَاهِرٍ، وَاللَّحْمُ وَقَعَ فِي مَرَقِهِ نَجَاسَةٌ حَالَ الْغَلَيَانِ يُغْلَى ثَلَاثًا فَيَطْهُرُ وَقِيلَ لَا يَطْهُرُ، وَفِي غَيْرِ حَالَةِ الْغَلَيَانِ يُغْسَلُ ثَلَاثًا كَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ وَالْمَرَقَةُ لَا خَيْرَ فِيهَا، إلَّا أَنْ تَكُونَ تِلْكَ النَّجَاسَةُ خَمْرًا فَإِنَّهُ إذَا صُبَّ فِيهَا خَلٌّ حَتَّى صَارَتْ كَالْخَلِّ حَامِضَةً طَهُرَتْ، وَفِي التَّجْنِيسِ طُبِخَتْ الْحِنْطَةُ فِي الْخَمْرِ، قَالَ أَبُو يُوسُفَ: تُطْبَخُ ثَلَاثًا بِالْمَاءِ وَتُجَفَّفُ كُلَّ مَرَّةٍ وَكَذَا اللَّحْمُ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إذَا طُبِخَتْ فِي الْخَمْرِ لَا تَطْهُرُ أَبَدًا، وَبِهِ يُفْتِي انْتَهَى.
وَالْكُلُّ عِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا تَطْهُرُ أَبَدًا. وَلَوْ أُلْقِيَتْ دَجَاجَةٌ حَالَةَ الْغَلَيَانِ فِي الْمَاءِ قَبْلَ أَنْ يُشَقَّ بَطْنُهَا لِتُنْتَفَ أَوْ كِرْشٌ قَبْلَ الْغَسْلِ لَا يَطْهُرُ أَبَدًا، لَكِنْ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ يَجِبُ أَنْ تَطْهُرَ عَلَى قَانُونِ مَا تَقَدَّمَ فِي اللَّحْمِ.
قُلْت: وَهُوَ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ هُوَ مُعَلَّلٌ بِتَشَرُّبِهِمَا النَّجَاسَةَ الْمُتَحَلِّلَةَ فِي اللَّحْمِ بِوَاسِطَةِ الْغَلَيَانِ، وَعَلَى هَذَا اُشْتُهِرَ أَنَّ اللَّحْمَ السَّمِيطَ بِمِصْرَ نَجِسٌ لَا يَطْهُرُ لَكِنَّ الْعِلَّةَ الْمَذْكُورَةَ لَا تَثْبُتُ حَتَّى يَصِلَ الْمَاءُ إلَى حَدِّ الْغَلَيَانِ وَيَمْكُثَ فِيهِ اللَّحْمُ بَعْدَ ذَلِكَ زَمَانًا يَقَعُ فِي مِثْلِهِ لِلتَّشَرُّبِ وَالدُّخُولِ فِي بَاطِنِ اللَّحْمِ، وَكُلٌّ مِنْ الْأَمْرَيْنِ غَيْرُ مُتَحَقِّقٍ فِي السَّمِيطِ الْوَاقِعِ حَيْثُ لَا يَصِلُ الْمَاءُ إلَى حَدِّ الْغَلَيَانِ وَلَا يُتْرَكُ فِيهِ إلَّا مِقْدَارُ مَا تَصِلُ الْحَرَارَةُ
стр. 209
لِأَنَّهُ هُوَ الْمُسْتَخْرَجُ.
إلَى سَطْحِ الْجِلْدِ فَتَنْحَلُّ مَسَامُّ السَّطْحِ عَنْ الصُّوفِ، بَلْ ذَلِكَ التَّرْكُ يَمْنَعُ مِنْ جَوْدَةِ انْقِلَاعِ الشَّعْرِ، فَالْأَوْلَى فِي السَّمِيطِ أَنْ يَطْهُرَ بِالْغَسْلِ ثَلَاثًا لِتَنَجُّسِ سَطْحِ الْجِلْدِ بِذَلِكَ الْمَاءِ فَإِنَّهُمْ لَا يَحْتَرِسُونَ فِيهِ عَنْ الْمُنَجَّسِ.
وَقَدْ قَالَ شَرَفُ الْأَئِمَّةِ بِهَذَا فِي الدَّجَاجَةِ وَالْكِرْشِ وَالسَّمِيطِ مِثْلَهُمَا.
[مَسَائِلُ شَتَّى] بِئْرُ بَالُوعَةٍ جُعِلَتْ بِئْرَ مَاءٍ إنْ حُفِرَتْ قَدْرَ مَا وَصَلَ إلَيْهِ النَّجَاسَةُ طَهُرَ مَاؤُهَا لَا جَوَانِبُهَا، فَإِنْ وُسِّعَتْ مَعَ ذَلِكَ طَهُرَ الْكُلُّ.
حَوْضٌ فِيهِ عَصِيرٌ وَقَعَ فِيهِ نَجَاسَةٌ إنْ كَانَ بِحَيْثُ لَوْ كَانَ مَا يَتَنَجَّسُ يَنْجَسُ وَإِلَّا فَلَا.
جِلْدُ الْإِنْسَانِ وَقِشْرُهُ يَسْقُطُ فِي الْمَاءِ، إنْ كَانَ قَلِيلًا مِثْلَ مَا يَتَنَاثَرُ مِنْ شُقُوقِ الرِّجْلِ لَا يُفْسِدُ الْمَاءَ، وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا قَدْرَ الظُّفْرِ أَفْسَدَهُ، وَلَوْ وَقَعَ الظُّفْرُ نَفْسُهُ لَا يُنَجِّسُ لِأَنَّهُ عَصَبٌ إذَا لَمْ تَكُنْ عَلَيْهِ رُطُوبَةٌ.
مَاءُ فَمِ النَّائِمِ طَاهِرٌ سَوَاءٌ كَانَ مُتَحَلِّلًا مِنْ الْفَمِ أَوْ مُرْتَقِيًا مِنْ الْجَوْفِ لِأَنَّ الْغَالِبَ كَوْنُهُ مِنْ الْبَلْغَمِ وَهُوَ طَاهِرٌ وَقَدْ أَسْلَفْنَا أَنَّهُ إذَا كَانَ مُنْتِنًا أَوْ أَصْفَرَ نَقَضَ إذَا كَانَ قَدْرَ مِلْءِ الْفَمِ.
وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ مَاءُ فَمِ الْمَيِّتِ قِيلَ نَجِسٌ، وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي نَافِجَةِ الْمِسْكِ إنْ كَانَ بِحَالٍ لَوْ أَصَابَهَا الْمَاءُ لَمْ تُفْسِدْهُ فَهِيَ طَاهِرَةٌ وَإِلَّا فَنَجِسَةٌ، هَذَا إذَا كَانَتْ مِنْ الْمَيْتَةِ، أَمَّا مِنْ الذَّكِيَّةِ فَطَاهِرَةٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ.
وَلَوْ سَقَطَ بَيْضَةٌ مِنْ الدَّجَاجَةِ أَوْ سَخْلَةٌ مِنْ أُمِّهَا فِي مَاءٍ أَوْ مَرَقَةٍ لَا يَنْجَسُ.
تَوَضَّأَ وَمَشَى عَلَى أَلْوَاحٍ مُشَرَّعَةٍ بَعْدَ مَشْيِ مَنْ بِرِجْلِهِ قَذَرٌ لَا يُحْكَمُ بِنَجَاسَةِ رِجْلِهِ مَا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ وَضَعَ رِجْلَهُ عَلَى مَوْضِعِهِ لِلضَّرُورَةِ، وَمِثْلُهُ الْمَشْيُ فِي مَاءُ الْحَمَّامِ لَا يُنَجِّسُ مَا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ غُسَالَةُ مُتَنَجِّسٍ أَوْ جُنُبٍ عَلَى رِوَايَةِ نَجَاسَةِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ.
وَمَا ذُكِرَ فِي الْفَتَاوَى مِنْ تَنَجُّسِ مَنْ وَضَعَ رِجْلَهُ مَوْضِعَ رِجْلِ كَلْبٍ فِي الثَّلْجِ أَوْ الطِّينِ وَنَظَائِرُ هَذِهِ فَمَبْنِيٌّ عَلَى رِوَايَةِ نَجَاسَةِ عَيْنِ الْكَلْبِ وَلَيْسَتْ بِالْمُخْتَارَةِ.
جِلْدُ الْحَيَّةِ وَإِنْ ذُكِّيَتْ يَمْنَعُ الصَّلَاةَ، لِأَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ الدِّبَاغَةَ لِتُقَامَ الذَّكَاةُ مَقَامَ الدِّبَاغَةِ.
وَعَنْ الْحَلْوَانِيِّ قَمِيصُ الْحَيَّةِ طَاهِرٌ، وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ الْأَصَحُّ.
وَالشَّعِيرُ الَّذِي يُوجَدُ فِي بَعْرِ الْإِبِلِ وَالشَّاةِ يُغْسَلُ وَيُؤْكَلُ، لَا الَّذِي فِي خَثَى الْبَقَرِ لِأَنَّهُ لَا صَلَابَةَ فِيهِ.
وَفِي التَّجْنِيسِ مَشَى فِي طِينٍ أَوْ أَصَابَهُ وَلَمْ يَغْسِلْهُ وَصَلَّى تُجْزِيهِ مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ أَثَرُ النَّجَاسَةِ لِأَنَّهَا الْمَائِعُ وَلَمْ تُوجَدْ إلَّا أَنْ يَحْتَاطَ، أَمَّا فِي الْحُكْمِ فَلَا يَجِبُ.
وَمَا ذُكِرَ مِنْ التَّفْصِيلِ فِي إعَادَةِ السِّنِّ السَّاقِطَةِ بَيْنَ سِنِّهِ وَسِنِّ غَيْرِهِ الْأَصَحُّ عَدَمُهُ وَأَنَّهُ لَا يَمْنَعُ مُطْلَقًا لِأَنَّ السِّنَّ لَيْسَتْ بِنَجِسَةٍ لِأَنَّهَا عَظْمٌ أَوْ عَصَبٌ.
وَقَالَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ: تُكْرَهُ الصَّلَاةُ فِي ثِيَابِ الْفَسَقَةِ لِأَنَّهُمْ لَا يَتَّقُونَ الْخُمُورَ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ: الْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ لِأَنَّهُ لَمْ يُكْرَهْ مِنْ ثِيَابِ أَهْلِ الذِّمَّةِ إلَّا السَّرَاوِيلُ مَعَ اسْتِحْلَالِهِمْ الْخَمْرَ فَهَذَا أَوْلَى انْتَهَى. بِخِلَافِ مَا إذَا ثَبَتَ بِخَبَرٍ مُوجِبٍ فِي التَّنْجِيسِ، وَلَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ فِي الدِّيبَاجِ الَّذِي يَنْسِجُهُ أَهْلُ فَارِسٍ لِأَنَّهُ بَلَغَنَا أَنَّهُمْ يَسْتَعْمِلُونَ فِيهِ الْبَوْلَ وَيَزْعُمُونَ أَنَّهُ يَزِيدُ فِي بِرِيقِهِ.
فِي يَدِهِ نَجَاسَةٌ رَطْبَةٌ فَجَعَلَ يَضَعُ يَدَهُ عَلَى عُرْوَةِ الْإِبْرِيقِ كُلَّمَا صَبَّ عَلَى الْيَدِ فَإِذَا غَسَلَ ثَلَاثًا طَهُرَتْ الْعُرْوَةُ مَعَ طَهَارَةِ الْيَدِ لِأَنَّ نَجَاسَتَهَا بِنَجَاسَتِهَا فَطَهَارَتُهَا بِطَهَارَتِهَا وَقَدْ تَقَدَّمَ سِرْقِينٌ يَابِسٌ وَقَعَ فِي ثَوْبٍ مَبْلُولٍ لَا يُنَجِّسُ مَا لَمْ يُرَ أَثَرُهُ. فَأْرَةٌ مَاتَتْ فِي سَمْنٍ إنْ كَانَ جَامِدًا وَهُوَ أَنْ لَا يَنْضَمَّ بَعْضُهُ إلَى بَعْضٍ قُوِّرَ مَا حَوْلَهَا فَأُلْقِيَ وَاسْتُصْبِحَ بِهِ وَأُكِلَ مَا سِوَاهُ، وَإِنْ كَانَ ذَائِبًا نَجَّسَهُ مَا لَمْ يَبْلُغْ الْقَدْرَ الْكَثِيرَ عَلَى مَا مَرَّ، وَقَدْ بَيَّنَّا طَرِيقَ تَطْهِيرِهِ. مَرَّتْ الرِّيحُ بِالْعَذِرَاتِ وَأَصَابَ الثَّوْبَ إنْ وُجِدَتْ رَائِحَتُهَا
стр. 210
(فَصْلٌ فِي الِاسْتِنْجَاءِ)
(الِاسْتِنْجَاءُ سُنَّةٌ) لِأَنَّ النَّبِيَّ ﵊ وَاظَبَ عَلَيْهِ
تَنَجَّسَ وَمَا يُصِيبُ الثَّوْبَ مِنْ بُخَارَاتِ النَّجَاسَةِ قِيلَ يُنَجِّسُهُ، وَقِيلَ لَا وَهُوَ الصَّحِيحُ.
وَكَذَا مَا سَالَ مِنْ الْكَنِيفِ الْأَوْلَى غَسْلُهُ، وَلَا يَجِبُ مَا لَمْ يَكُنْ أَكْبَرُ رَأْيِهِ نَجَاسَةً، وَفِي الْخُلَاصَةِ مَرَّتْ الرِّيحُ عَلَى النَّجَاسَاتِ وَثَمَّةَ ثَوْبٌ تُصِيبُهُ قَالَ الْحَلْوَانِيُّ: تَنَجَّسَ.
وَلَوْ اسْتَنْجَى بِالْمَاءِ وَلَمْ يَمْسَحْهُ اخْتَلَفُوا فِيهِ، وَعَامَّتُهُمْ أَنَّهُ لَا يُنَجِّسُ مَا حَوْلَهُ، وَكَذَا لَوْ لَمْ يَسْتَنْجِ وَلَكِنْ ابْتَلَّ سَرَاوِيلُهُ بِالْمَاءِ وَبِالْعَرَقِ ثُمَّ فَسَا غَيْرَ أَنَّ جَوَابَ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ أَنَّهُ يَتَنَجَّسُ. وَلَوْ صُبَّ مَاءٌ فِي خَمْرٍ أَوْ بِالْقَلْبِ ثُمَّ صَارَ خَلًّا كَانَ طَاهِرًا فِي الصَّحِيحِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ وَقَعَتْ فِيهَا فَأْرَةٌ ثُمَّ أُخْرِجَتْ بَعْدَ مَا تَخَلَّلَتْ فَإِنَّهُ يَكُونُ نَجِسًا فِي الصَّحِيحِ لِأَنَّهَا تَنَجَّسَتْ بَعْدَ التَّخَلُّلِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ أُخْرِجَتْ قَبْلَ التَّخَلُّلِ. وَلَوْ عَصَرَ عِنَبًا فَأَدْمَى رِجْلَهُ فَسَالَ مَعَ الْعَصِيرِ لَا يُنَجِّسُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ كَالْمَاءِ الْجَارِي.
حَبٌّ فِيهِ مَاءٌ أَوْرَبَ؛ اُسْتُخْرِجَ وَجُعِلَ فِي إنَاءٍ ثُمَّ أُخِذَ مِنْ آخَرَ وَجُعِلَ فِي هَذَا الْإِنَاءِ أَيْضًا ثُمَّ وَجَدَ فِيهِ فَأْرَةً إنْ غَابَ هُوَ سَاعَةً فَالنَّجَاسَةُ لِلْإِنَاءِ خَاصَّةً، وَإِنْ لَمْ يَغِبْ وَلَمْ يَعْلَمْ مِنْ أَيِّ الْحُبَّيْنِ هِيَ صُرِفَتْ النَّجَاسَةُ إلَى الْحَبِّ الْأَخِيرِ، هَذَا إذَا تَحَرَّى فَلَمْ يَقَعْ عَلَى شَيْءٍ، فَإِنْ وَقَعَ عُمِلَ بِهِ، وَهَذَا إذَا كَانَا لِوَاحِدٍ فَإِنْ كَانَا لِاثْنَيْنِ كُلٌّ مِنْهُمَا يَقُولُ مَا كَانَتْ فِي حَبِّي فَكِلَاهُمَا طَاهِرٌ.
وَإِذَا تَلَطَّخَ ضَرْعُ شَاةٍ بِسِرْقِينِهَا فَحَلَبَهَا رَاعٍ بِيَدٍ رَطْبَةٍ فَفِي نَجَاسَتِهِ رِوَايَتَانِ.
(فَصْلٌ فِي الِاسْتِنْجَاءِ) هُوَ إزَالَةُ مَا عَلَى السَّبِيلِ مِنْ النَّجَاسَةِ، فَإِنْ كَانَ لِلْمُزَالِ بِهِ حُرْمَةٌ أَوْ قِيمَةٌ كُرِهَ كَقِرْطَاسٍ وَخِرْقَةٍ وَقُطْنَةٍ وَخَلٍّ قِيلَ يُورِثُ ذَلِكَ الْفَقْرَ (قَوْلُهُ وَاظَبَ عَلَيْهِ) وَلِذَا كَانَ كَمَا ذَكَرَ فِي الْأَصْلِ سُنَّةً مُؤَكَّدَةً وَلَوْ تَرَكَهُ صَحَّتْ صَلَاتُهُ.
قَالَ.
فِي الْخُلَاصَةِ: بِنَاءً عَلَى أَنَّ النَّجَاسَةَ الْقَلِيلَةَ عَفْوٌ عِنْدَنَا. وَعُلَمَاؤُنَا فَصَلُوا بَيْنَ النَّجَاسَةِ الَّتِي عَلَى مَوْضِعِ الْحَدَثِ وَاَلَّتِي عَلَى غَيْرِهِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ الْحَدَثِ، إذَا تَرَكَهَا يُكْرَهُ، وَفِي مَوْضِعِهِ إذَا تَرَكَهَا لَا يُكْرَهُ.
وَمَا عَنْ أَنَسٍ ﵁ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْخُلُ الْخَلَاءَ فَأَحْمِلُ أَنَا وَغُلَامٌ نَحْوِي إدَاوَةً مِنْ مَاءٍ وَعَنَزَةً فَيَسْتَنْجِي بِالْمَاءِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ظَاهِرٌ فِي الْمُوَاظَبَةِ بِالْمَاءِ، وَمُقْتَضَاهُ كَرَاهَةُ تَرْكِهِ، وَكَذَا مَا رَوَى ابْنُ مَاجَهْ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ «مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ مِنْ غَائِطٍ قَطُّ إلَّا مَسَّ مَاءً» وَلَكِنْ لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا مُشْتَرَكُ الدَّلَالَةِ بَيْنَ كَوْنِ
стр. 211
(وَيَجُوزُ فِيهِ الْحَجَرُ وَمَا قَامَ مَقَامَهُ يَمْسَحُهُ حَتَّى يُنَقِّيَهُ) لِأَنَّ الْمَقْصُودَ هُوَ الْإِنْقَاءُ فَيُعْتَبَرُ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ (وَلَيْسَ فِيهِ عَدَدٌ مَسْنُونٌ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: لَا بُدَّ مِنْ الثَّلَاثِ لِقَوْلِهِ ﵊ " وَلْيَسْتَنْجِ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ " وَلَنَا قَوْلُهُ ﵊ " مَنْ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ، فَمَنْ فَعَلَ فَحَسَنٌ وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ "
الْمَسِّ قَبْلَ الْخُرُوجِ أَوْ بَعْدَهُ، وَالْمُرَادُ «أَنَّهُ ﵊ مَا فَرَغَ مِنْ قَضَاءِ الْحَاجَةِ إلَّا تَوَضَّأَ» بَيَانًا لِمُلَازَمَتِهِ الْوُضُوءَ وَالْمَطْلُوبُ يَتِمُّ بِالْحَدِيثِ الْأَوَّلِ.
(قَوْلُهُ وَمَا قَامَ مَقَامَهُ) يَعْنِي مِنْ الْأَعْيَانِ الطَّاهِرَةِ الْمُزِيلَةِ فَخَرَجَ الزُّجَاجُ وَالثَّلْجُ وَالْآجُرُّ وَالْخَزَفُ وَالْفَحْمُ (قَوْلُهُ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ إلَخْ) يُفِيدُ أَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَى التَّقْيِيدِ بِكَيْفِيَّةٍ مِنْ الْمَذْكُورَةِ فِي الْكُتُبِ نَحْوُ إقْبَالِهِ بِالْحَجَرِ فِي الشِّتَاءِ وَإِدْبَارِهِ بِهِ فِي الصَّيْفِ لِاسْتِرْخَاءِ الْخَصِيَتَيْنِ فِيهِ لَا فِي الشِّتَاءِ.
وَفِي الْمُجْتَبَى: الْمَقْصُودُ الْإِنْقَاءُ فَيَخْتَارُ مَا هُوَ الْأَبْلَغُ وَالْأَسْلَمُ عَنْ زِيَادَةِ التَّلْوِيثِ اهـ. فَالْأَوْلَى أَنْ يَقْعُدَ مُسْتَرْخِيًا كُلَّ الِاسْتِرْخَاءِ إلَّا إنْ كَانَ صَائِمًا وَالِاسْتِنْجَاءُ بِالْمَاءِ، وَلَا يَتَنَفَّسُ إذَا كَانَ صَائِمًا وَيَحْتَرِزُ مِنْ دُخُولِ الْأُصْبُعِ الْمُبْتَلَّةِ كُلُّ ذَلِكَ يُفْسِدُ الصَّوْمَ.
وَفِي كِتَابِ الصَّوْمِ مِنْ الْخُلَاصَةِ: إنَّمَا يُفْسِدُ إذَا وَصَلَ إلَى مَوْضِعِ الْحُقْنَةِ وَقَلَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ اهـ.
وَلِلْمَخَافَةِ يَنْبَغِي أَنْ يُنَشِّفَ الْمَحَلَّ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ، وَيُسْتَحَبُّ لِغَيْرِ الصَّائِمِ أَيْضًا حِفْظًا لِلثَّوْبِ مِنْ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ وَيَغْسِلُ يَدَيْهِ قَبْلَ الِاسْتِنْجَاءِ وَبَعْدَهُ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَخْطُوَ قَبْلَهُ خُطُوَاتٍ وَالْمَقْصُودُ أَنْ يَسْتَبْرِئَ، وَفِي الْمُبْتَغَى: وَالِاسْتِبْرَاءُ وَاجِبٌ، وَلَوْ عَرَضَ لَهُ الشَّيْطَانُ كَثِيرًا لَا يَلْتَفِتُ إلَيْهِ بَلْ يَنْضَحُ فَرْجَهُ بِمَاءٍ أَوْ سَرَاوِيلَهُ حَتَّى إذَا شَكَّ حَلَّ الْبَلَلُ عَلَى ذَلِكَ النَّضْحِ مَا لَمْ يَتَيَقَّنْ خِلَافَهُ، وَلَا يَمْتَخِطُ وَلَا يَبْزُقُ وَلَا يَذْكُرُ اللَّهَ تَعَالَى حَالَ جُلُوسِهِ وَلَا فِي ذَلِكَ الْمَحَلِّ، وَبِالْمَاءِ الْبَارِدِ فِي الشِّتَاءِ أَفْضَلُ بَعْدَ تَحَقُّقِ الْإِزَالَةِ بِهِ، وَلَا يُدْخِلُ الْإِصْبَعَ، قِيلَ يُورِثُ الْبَاسُورَ، وَالْمَرْأَةُ كَالرَّجُلِ تَغْسِلُ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلَوْ غَسَلَتْ بِرَاحَتِهَا كَفَاهَا (قَوْلُهُ وَلْيَسْتَنْجِ إلَخْ) رَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «إنَّمَا أَنَا لَكُمْ مِثْلُ الْوَالِدِ، إذَا ذَهَبَ أَحَدُكُمْ إلَى الْغَائِطِ فَلَا يَسْتَقْبِلْ الْقِبْلَةَ وَلَا يَسْتَدْبِرْهَا بِغَائِطٍ وَلَا بَوْلٍ، وَيَسْتَنْجِي بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، وَنَهَى عَنْ الرَّوْثِ وَالرِّمَّةِ، وَأَنْ يَسْتَنْجِيَ الرَّجُلُ بِيَمِينِهِ» وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، كُلُّهُمْ بِلَفْظِ «وَكَانَ يَأْمُرُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ» وَإِنَّمَا عَزَوْنَاهُ لِلْبَيْهَقِيِّ لِأَنَّهُ بِلَفْظِ الْكِتَابِ وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنْهُ ﷺ قَالَ: «إذَا ذَهَبَ أَحَدُكُمْ إلَى الْغَائِطِ فَلْيَذْهَبْ مَعَهُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ فَإِنَّهَا تُجْزِئُ عَنْهُ» رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ، وَفِي رِوَايَةٍ «فَلْيَسْتَطِبْ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ» رَوَاهَا الدَّارَقُطْنِيُّ.
وَقَالَ إسْنَادُهُ صَحِيحٌ (قَوْلُهُ وَلَنَا قَوْلُهُ ﵊ إلَخْ) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «مَنْ اكْتَحَلَ فَلْيُوتِرْ، مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ، وَمَنْ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ، وَمَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ، وَمَنْ أَكَلَ فَمَا تَخَلَّلَ فَلْيَلْفِظْ وَمَا لَاكَ بِلِسَانِهِ فَلْيَبْتَلِعْ، وَمَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ، وَمَنْ أَتَى الْغَائِطَ فَلْيَسْتَتِرْ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا أَنْ يَجْمَعَ كَثِيبًا مِنْ رَمْلٍ فَلْيَسْتَدْبِرْهُ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَلْعَبُ بِمَقَاعِدِ بَنِي آدَمَ، مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ» حَدِيثٌ حَسَنٌ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ.
وَالْإِيتَارُ يَقَعُ
стр. 212
وَالْإِيتَارُ يَقَعُ عَلَى الْوَاحِدِ، وَمَا رَوَاهُ مَتْرُوكُ الظَّاهِرِ فَإِنَّهُ لَوْ اسْتَنْجَى بِحَجَرٍ لَهُ ثَلَاثَةُ أَحْرُفٍ جَازَ بِالْإِجْمَاعِ.
(وَغَسْلُهُ بِالْمَاءِ أَفْضَلُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا نَزَلَتْ فِي أَقْوَامٍ كَانُوا يُتْبِعُونَ الْحِجَارَةَ الْمَاءَ، ثُمَّ هُوَ
عَلَى الْوَاحِدَةِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ حَرَجٌ فِي تَرْكِ الْإِيتَارِ لَمْ يَكُنْ حَرَجٌ فِي تَرْكِ الِاسْتِنْجَاءِ، وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ الْمَنْفِيَّ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ إنَّمَا هُوَ الْإِيتَارُ مِمَّنْ اسْتَنْجَى، وَذَلِكَ لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا بِنَفْيِ إيتَارٍ هُوَ فَوْقَ الْوَاحِدَةِ، فَإِنَّ بِنَفْيِ الْوَاحِدَةِ يَنْتَفِي الِاسْتِنْجَاءُ فَلَا يَصْدُقُ نَفْيُ الْإِيتَارِ مَعَ وُجُودِ الِاسْتِنْجَاءِ فَلَا يَتِمُّ الدَّلِيلُ إلَّا بِصَرْفِ النَّفْيِ إلَى كُلِّ مَا ذَكَرَ فَيَدْخُلُ فِيهِ أَصْلُ الِاسْتِنْجَاءِ إنْ أَحَبَّ، وَمُجَرَّدُ الْإِيتَارِ فِيهِ، وَالْمَعْنَى: مَنْ فَعَلَ مَا قُلْته كُلَّهُ فَقَدْ أَحْسَنَ وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ.
وَمَا رَوَاهُ مَتْرُوكُ الظَّاهِرُ فَإِنَّهُ لَوْ اسْتَنْجَى بِحَجَرٍ لَهُ ثَلَاثَةُ أَحْرُفٍ جَازَ، فَعُلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ عَدَدُ الْمَسَحَاتِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَدَّرَ بِالثَّلَاثِ لِأَنَّ غَالِبَ الظَّنِّ يَحْصُلُ عِنْدَهُ كَمَا قَدَّرَهُ فِي حَدِيثِ الْمُسْتَيْقِظِ لَا لِتَحَقُّقِ الْمَانِعِ فِي الْمُسْتَيْقِظِ، لَكِنَّ هَذَا إذَا كَانَ الِاسْتِجْمَارُ خَاصًّا فِي الِاسْتِنْجَاءِ لَكِنَّهُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اسْتِعْمَالِ الْجَمْرِ فِي الْبَخُورِ كَمَا فِي قَوْلِهِمْ تَجَمَّرَ الْأَكْفَانُ فِي الْجَنَائِزِ وَاسْتَجْمَرَ فُلَانٌ: أَيْ تَبَخَّرَ وَاسْتَجْمَرَ ابْنُ صَبِيحٍ الْكَاتِبُ عِنْدَ الْمَأْمُونِ فَأَدْخَلَ رَأْسَهُ يَشُمُّ الْبَخُورَ فَأَمَرَ مَنْ يَحْبِسُهُ فَاغْتَمَّ وَكَانَ سَبَبَ مَوْتِهِ فِي مُثُلٍ كَثِيرَةٍ يَطُولُ نَقْلُهَا، فَيَكُونُ لَفْظُ الْحَدِيثِ لِبَيَانِ سُنِّيَّةِ الْإِيتَارِ فِي الْبَخُورِ وَالتَّطَيُّبِ وَإِنْ اُسْتُدِلَّ بِأَنَّ الْحَجَرَ لَا يُزِيلُ، وَلِذَا يُنَجَّسُ الْمَاءُ الْقَلِيلُ إذَا دَخَلَهُ الْمُسْتَنْجَى بِهِ فَلِقَائِلٍ أَنْ يَمْنَعَهُ وَيَقُولَ جَازَ اعْتِبَارُ الشَّرْعِ طَهَارَتَهُ بِالْمَسْحِ كَالنَّعْلِ، وَقَدْ أَجْرَوْا الرِّوَايَتَيْنِ فِي الْأَرْضِ تُصِيبُهَا النَّجَاسَةُ فَتَجِفُّ ثُمَّ تَبْتَلُّ وَالثَّوْبُ يُفْرَكُ مِنْ الْمَنِيِّ ثُمَّ يَبْتَلُّ فِي عِدَّةِ نَظَائِرَ قَدَّمْنَاهَا، وَقِيَاسُهُ أَنْ يَجْرِيَا أَيْضًا فِي السَّبِيلِ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ إجْمَاعٌ فِي التَّنَجُّسِ بِدُخُولِ الْمُسْتَنْجَى بِهِ، ثُمَّ الْمُخْتَارُ عِنْدَ كَثِيرٍ فِي تِلْكَ النَّظَائِرِ أَنْ لَا يَعُودَ نَجِسًا، وَقِيَاسُ قَوْلِهِمْ أَنْ لَا يَعُودَ السَّبِيلُ نَجِسًا وَيَلْزَمُهُ أَنْ لَا يُنَجِّسَ الْمَاءَ.
وَقَدْ صَرَّحَ بِاخْتِلَافٍ فِي تَنَجُّسِ السَّبِيلِ بِإِصَابَةِ الْمَاءِ، فَعَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ لَا يُنَجِّسُ الْمَاءَ صَرِيحًا، هَذَا وَأَجْمَعَ الْمُتَأَخِّرُونَ أَنَّهُ لَا يَنْجَسُ بِالْعَرَقِ حَتَّى لَوْ سَالَ الْعَرَقُ مِنْهُ وَأَصَابَ الثَّوْبَ وَالْبَدَنَ أَكْثَرُ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ لَا يَمْنَعُ، وَاَلَّذِي يَدُلُّ عَلَى اعْتِبَارِ الشَّارِعِ طَهَارَتَهُ بِالْحَجَرِ وَنَحْوِهِ مَا رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّهُ ﷺ نَهَى أَنْ يُسْتَنْجَى بِرَوْثٍ أَوْ عَظْمٍ، وَقَالَ: إنَّهُمَا لَا يُطَهِّرَانِ» وَقَالَ إسْنَادُهُ صَحِيحٌ، فَعُلِمَ أَنَّ مَا أُطْلِقَ الِاسْتِنْجَاءُ بِهِ يُطَهِّرُ إذْ لَوْ لَمْ يُطَهِّرْ لَمْ يُطْلَقْ الِاسْتِنْجَاءُ بِهِ بِحُكْمِ هَذِهِ الْعِلَّةِ.
(قَوْلُهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى إلَخْ) لَا يُطَابِقُ الْمَدْلُولَ وَهُوَ أَنَّ الْمَاءَ أَفْضَلُ مَا ذَكَرَ، بَلْ مُقْتَضَاهُ أَنَّ الْجَمْعَ أَفْضَلُ وَهُوَ لَا يَسْتَلْزِمُ أَفْضَلِيَّةَ الْمَاءِ مُنْفَرِدًا، ثُمَّ هُوَ حَدِيثٌ رَوَاهُ الْبَزَّارُ وَقَالَ: لَا نَعْلَمُ أَحَدًا رَوَاهُ عَنْ الزُّهْرِيِّ إلَّا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا رَوَى عَنْهُ إلَّا ابْنُهُ اهـ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: سَأَلْت أَبِي عَنْهُ فَقَالَ: هُمْ ثَلَاثَةُ إخْوَةٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَعِمْرَانُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَهُمْ ضُعَفَاءُ فِي الْحَدِيثِ لَيْسَ لَهُمْ حَدِيثٌ مُسْتَقِيمٌ، وَاَلَّذِي يُطَابِقُ الْمَدْلُولَ حَدِيثُ ابْنِ مَاجَهْ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ نَافِعٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو أَيُّوبَ وَجَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ لَمَّا نَزَلَتْ ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ قَالَ « ﷺ : يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ إنَّ اللَّهَ قَدْ أَثْنَى عَلَيْكُمْ فِي الطُّهُورِ، فَمَا طُهُورُكُمْ؟ قَالُوا: نَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ وَنَغْتَسِلُ مِنْ الْجَنَابَةِ وَنَسْتَنْجِي بِالْمَاءِ، قَالَ: هُوَ ذَاكُمْ فَعَلَيْكُمُوهُ»
стр. 213
أَدَبٌ.
وَقِيلَ هُوَ سُنَّةٌ فِي زَمَانِنَا، وَيَسْتَعْمِلُ الْمَاءَ إلَى أَنْ يَقَعَ فِي غَالِبِ ظَنِّهِ أَنَّهُ قَدْ طَهُرَ، وَلَا يُقَدَّرُ بِالْمَرَّاتِ إلَّا إذَا كَانَ مُوَسْوِسًا فَيُقَدَّرُ بِالثَّلَاثِ فِي حَقِّهِ، وَقِيلَ بِالسَّبْعِ (وَلَوْ جَاوَزَتْ النَّجَاسَةُ مَخْرَجَهَا لَمْ يَجُزْ فِيهِ إلَّا الْمَاءُ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: إلَّا الْمَائِعُ، وَهَذَا يُحَقِّقُ اخْتِلَافَ الرِّوَايَتَيْنِ فِي تَطْهِيرِ الْعُضْوِ لِغَيْرِ الْمَاءِ عَلَى مَا بَيَّنَّا، وَهَذَا لِأَنَّ الْمَسْحَ غَيْرُ مُزِيلٍ إلَّا أَنَّهُ اكْتَفَى بِهِ فِي مَوْضِعِ الِاسْتِنْجَاءِ فَلَا يَتَعَدَّاهُ، ثُمَّ يُعْتَبَرُ الْمِقْدَارُ الْمَائِعُ وَرَاءَ مَوْضِعِ الِاسْتِنْجَاءِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لِسُقُوطِ اعْتِبَارِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀ مَعَ مَوْضِعِ
وَسَنَدُهُ حَسَنٌ، وَإِنْ كَانَ عُتْبَةُ بْنُ حَكِيمٍ فِيهِ مَقَالٌ ضَعَّفَهُ النَّسَائِيّ، وَعَنْ ابْنِ مَعِينٍ فِيهِ رِوَايَتَانِ، وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ صَالِحُ الْحَدِيثِ، وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: أَرْجُو أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ، وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ الْحَدِيثَ وَصَحَّحَهُ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْجَمْعَ أَفْضَلُ ثُمَّ الْمَاءَ ثُمَّ غَيْرَهُ.
(قَوْلُهُ وَقِيلَ هُوَ) أَيْ اسْتِعْمَالُ الْمَاءِ سُنَّةٌ فِي زَمَانِنَا، قَالَهُ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، فَقِيلَ لَهُ إنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانُوا يَتْرُكُونَهُ، فَقَالَ: إنَّهُمْ كَانُوا يَبْعَرُونَ بَعْرًا وَأَنْتُمْ تَثْلِطُونَ ثَلْطًا.
وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: إنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَبْعَرُونَ بَعْرًا وَأَنْتُمْ تَثْلِطُونَ ثَلْطًا فَأَتْبِعُوا الْحِجَارَةَ الْمَاءَ، هَذَا وَالنَّظَرُ إلَى مَا تَقَدَّمَ أَوَّلَ الْفَصْلِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ وَعَائِشَةَ ﵄ يُفِيدُ أَنَّ الِاسْتِنْجَاءَ بِالْمَاءِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ فِي كُلِّ زَمَانٍ لِإِفَادَتِهِ الْمُوَاظَبَةَ، وَإِنَّمَا يَسْتَنْجِي بِالْمَاءِ إذَا وَجَدَ مَكَانًا يَسْتُرُ فِيهِ نَفْسَهُ وَلَوْ كَانَ عَلَى شَطِّ نَهْرٍ لَيْسَ فِيهِ سُتْرَةٌ لَوْ اسْتَنْجَى بِالْمَاءِ قَالُوا يَفْسُقُ، وَكَثِيرًا مَا يَفْعَلُهُ عَوَامُّ الْمُصَلِّينَ فِي الْمِيضَأَةِ فَضْلًا عَنْ شَاطِئِ النِّيلِ (قَوْلُهُ مُوَسْوِسًا) بِكَسْرِ الْوَاوِ لِأَنَّهَا حَدِيثُ النَّفْسِ فَهُوَ نَفْسُهُ يَتَحَدَّثُ وَإِذَا فُتِحَ وَجَبَ وَصْلُهُ فَيُقَالُ مُوَسْوَسًا إلَيْهِ أَيْ تُلْقَى إلَيْهِ الْوَسْوَسَةُ وَفِيمَا نُقِلَ أَيْضًا تَقْدِيرُهُ بِعَشْرِ مَرَّاتٍ أَيْ صَبَّاتٍ لِلْمَاءِ وَفِي الْخُلَاصَةِ مِنْهُمْ مَنْ شَرَطَ الثَّلَاثَ وَمِنْهُمْ مَنْ شَرَطَ السَّبْعَ وَمِنْهُمْ مَنْ شَرَطَ الْعَشَرَةَ وَمِنْهُمْ مَنْ وَقَّتَ فِي الْإِحْلِيلِ ثَلَاثًا وَفِي الْمَقْعَدَةِ خَمْسًا.
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مُفَوَّضٌ إلَى رَأْيِهِ فَيَغْسِلُ حَتَّى يَقَعَ فِي قَلْبِهِ أَنَّهُ طَهُرَ اهـ وَكَانَ الْمُرَادُ بِالِاشْتِرَاطِ الِاشْتِرَاطَ فِي حُصُولِ السُّنَّةِ وَإِلَّا فَتَرْكُ الْكُلِّ لَا يَضُرُّهُ عِنْدَهُمْ (قَوْلُهُ لِسُقُوطِ اعْتِبَارِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ) تَقَدَّمَ أَنَّ كَوْنَ قَدْرِ الدِّرْهَمِ لَيْسَ مَانِعًا مَأْخُوذٌ مِنْ سُقُوطِ غَسْلِ أَحَدِ السَّبِيلَيْنِ وَمَعْنَى هَذَا لَيْسَ إلَّا أَنَّهُ سَقَطَ شَرْعًا بِدَلِيلِهِ فَعَرَّفَنَا ذَلِكَ الدَّلِيلُ أَنَّ قَدْرَهُ وَهُوَ
стр. 214
الِاسْتِنْجَاءِ اعْتِبَارًا بِسَائِرِ الْمَوَاضِعِ
(وَلَا يُسْتَنْجَى بِعَظْمٍ وَلَا بِرَوْثٍ) لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ ذَلِكَ، وَلَوْ فَعَلَ يُجْزِيهِ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ، وَمَعْنَى النَّهْيِ فِي الرَّوْثِ لِلنَّجَاسَةِ، وَفِي الْعَظْمِ كَوْنُهُ زَادَ الْجِنِّ.
(وَلَا) يُسْتَنْجَى (بِطَعَامٍ) لِأَنَّهُ إضَاعَةٌ وَإِسْرَافٌ.
(وَلَا بِيَمِينِهِ) لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْيَمِينِ.
الدِّرْهَمُ مَعْفُوٌّ عَنْهُ شَرْعًا وَإِذَا كَانَ هُوَ الْمُعَرَّفَ فَسُقُوطُهُ أَيْضًا هُوَ لِأَنَّهُ قَدْرُهُ فَيَلْزَمُ الْغَسْلُ إذَا زَادَ بِالْأَصْلِ غَايَةُ مَا فِيهِ أَنَّهُ أَوَّلُ مَحَلٍّ عَرَفْنَا ذَلِكَ وَهُوَ لَا يَقْتَضِي أَنْ يُعْتَبَرَ فِيهِ دِرْهَمٌ آخَرُ مَعَهُ وَإِلَّا لَقِيلَ فِي غَيْرِهِ أَيْضًا مِقْدَارُ الدِّرْهَمِ سَاقِطٌ فَيُعْتَبَرُ الْقَدْرُ الْمَانِعُ وَرَاءَهُ وَهُوَ بَاطِلٌ وَإِذَا لَمْ يَسْقُطْ الزَّائِدُ لَا يُجْزِئُ فِيهِ الْحَجَرُ.
وَفِي الْخُلَاصَةِ وَإِنْ خَرَجَ الْقَيْحُ أَوْ الدَّمُ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ لَا يَكْفِيه الْحَجَرُ هَذَا إذَا كَانَتْ النَّجَاسَةُ الَّتِي عَلَى مَوْضِعِ الِاسْتِنْجَاءِ قَدْرَ الدِّرْهَمِ أَوْ أَقَلَّ فَإِنْ كَانَتْ أَكْثَرَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ يَكْفِيه الْحَجَرُ وَعَنْ مُحَمَّدٍ لَا يَكْفِيه وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ رِوَايَتَانِ.
(قَوْلُهُ نَهَى عَنْ ذَلِكَ) فَيُكْرَهُ وَيَصِحُّ رَوَى الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ «أَبْغِنِي أَحْجَارًا أَسْتَنْفِضْ بِهَا وَلَا تَأْتِنِي بِعَظْمٍ وَلَا بِرَوْثَةٍ. قُلْتُ مَا بَالُ الْعِظَامِ وَالرَّوْثَةِ قَالَ هُمَا مِنْ طَعَامِ الْجِنِّ» وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ «لَا تَسْتَنْجُوا بِالرَّوْثِ وَلَا بِالْعِظَامِ فَإِنَّهُ زَادُ إخْوَانِكُمْ مِنْ الْجِنِّ» وَعَلَى هَذَا الْقَائِلِ أَنْ يَسْتَدِلَّ عَلَى طَهَارَةِ الْأَرْوَاثِ كَقَوْلِ مَالِكٍ بِهَذَا فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ نَجِسًا لَمْ يَحِلَّ طَعَامًا لِلْجِنِّ إذْ الشَّرِيعَةُ الْعَامَّةُ لَمْ تَخْتَلِفْ فِي حَقِّ النَّوْعَيْنِ مِنْ الْمُكَلَّفِينَ إلَّا بِدَلِيلٍ وَالْجَوَابُ قَدْ وُجِدَ الدَّلِيلُ وَهُوَ قَوْلُهُ فِيهَا رِكْسٌ أَوْ رِجْسٌ وَلَا يُجْزِيهِ الِاسْتِنْجَاءُ بِحَجَرٍ اسْتَنْجَى بِهِ مَرَّةً إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ حَرْفٌ آخَرُ لَمْ يَسْتَنْجِ بِهِ.
(قَوْلُهُ لِأَنَّهُ إسْرَافٌ وَإِهَانَةٌ) وَإِذَا كَرِهُوا وَضْعَ الْمَمْلَحَةِ عَلَى الْخُبْزِ لِلْإِهَانَةِ فَهَذَا أَوْلَى فَلَوْ فَعَلَ فَأَنْقَى أَثِمَ وَطَهُرَ الْمَحَلُّ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي جَوَازِ الْمَائِعِ فِي الْبَدَنِ وَكَذَا بِالْعَظْمِ.
(قَوْلُهُ نَهَى عَنْ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْيَمِينِ) عَنْ أَبِي قَتَادَةُ قَالَ إذَا بَالَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَأْخُذَنَّ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ وَلَا يَسْتَنْجِي بِيَمِينِهِ وَلَا يَتَنَفَّسُ فِي الْإِنَاءِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
стр. 215
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الْمَوَاقِيتِ
(أَوَّلُ وَقْتِ الْفَجْرِ إذَا طَلَعَ الْفَجْرُ الثَّانِي وَهُوَ الْبَيَاضُ الْمُعْتَرِضُ فِي الْأُفُقِ، وَآخِرُ وَقْتِهَا مَا لَمْ تَطْلُعْ الشَّمْسُ) لِحَدِيثِ «إمَامَةِ جِبْرِيلَ ﵇، فَإِنَّهُ أَمَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِيهَا فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ حِينَ طَلَعَ الْفَجْرُ،
كِتَابُ الصَّلَاةِ
(قَوْلُهُ لِحَدِيثِ إمَامَةِ جِبْرِيلَ) عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أَمَّنِي جِبْرِيلُ ﵇ عِنْدَ الْبَيْتِ مَرَّتَيْنِ، فَصَلَّى بِي الظُّهْرَ فِي الْأُولَى مِنْهُمَا حِينَ كَانَ الْفَيْءُ مِثْلَ الشِّرَاكِ، ثُمَّ صَلَّى الْعَصْرَ حِينَ كَانَ كُلُّ شَيْءٍ مِثْلَ ظِلِّهِ، ثُمَّ صَلَّى الْمَغْرِبَ حِينَ وَجَبَتْ الشَّمْسُ وَأَفْطَرَ الصَّائِمُ، ثُمَّ صَلَّى الْعِشَاءَ حِينَ
следующие страницы →