Полный текст (3 611 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.
стр. 2031
وَهَذَا لِأَنَّ السَّبَبَ فِيهَا مُتَحَقِّقٌ فِي الْحَالِ وَهُوَ الْجُزْئِيَّةُ الثَّابِتَةُ بِوَاسِطَةِ الْوَلَدِ عَلَى مَا عُرِفَ فِي حُرْمَةِ الْمُصَاهَرَةِ، إلَّا أَنَّهُ لَمْ يُظْهِرْ عَمَلُهُ فِي حَقِّ الْمِلْكِ ضَرُورَةَ الِانْتِفَاعِ فَعَمِلَ السَّبَبُ فِي إسْقَاطِ التَّقَوُّمِ، وَفِي الْمُدَبَّرِ يَنْعَقِدُ السَّبَبُ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَامْتِنَاعُ الْبَيْعِ فِيهِ لِتَحْقِيقِ مَقْصُودِهِ فَافْتَرَقَا. وَفِي أُمِّ وَلَدِ النَّصْرَانِيِّ قَضَيْنَا بِتَكَاتُبِهَا عَلَيْهِ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْ الْجَانِبَيْنِ، وَبَدَلُ الْكِتَابَةِ لَا يَفْتَقِرُ وُجُوبُهُ إلَى التَّقَوُّمِ.
عَلَى اعْتِقَادِهِمْ كَمَا فِي مَالِيَّةِ الْخَمْرِ، أَوْ أَنَّ مِلْكَهُ لَمَّا احْتَبَسَ عِنْدَهَا لِمَعْنًى مِنْ جِهَتِهَا كَانَ مَضْمُونًا عَلَيْهَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَقَوِّمًا، كَالْقِصَاصِ إذَا احْتَبَسَ نَصِيبَ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ عِنْدَ الْقَاتِلِ بِعَفْوِ الْآخَرِ يَلْزَمُهُ بَدَلُهُ. وَبِهَذَا تَمَّ الْوَجْهُ لِأَبِي حَنِيفَةَ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي الْكِتَابِ (وَهَذَا لِأَنَّ السَّبَبَ فِيهَا) أَيْ فِي أُمِّ الْوَلَدِ (مُتَحَقِّقٌ فِي الْحَالِ وَهُوَ الْجُزْئِيَّةُ الثَّابِتَةُ بِوَاسِطَةِ الْوَلَدِ) فَغَيْرُ مُتَوَقِّفٍ عَلَيْهِ الْإِثْبَاتُ، إذْ قَدْ ثَبَتَ شَرْعًا بِمَا ذَكَرْنَا عَدَمُ تَقَوُّمِهَا، وَإِنَّمَا هُوَ بَيَانُ حِكْمَةٍ شَرْعِيَّةٍ. عَدَمُ تَقَوُّمِهَا: يَعْنِي أَنَّ حِكْمَةَ إسْقَاطِ الشَّرْعِ تَقَوُّمَهَا ثُبُوتُ الْجُزْئِيَّةِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَوْلَاهَا الْحُرِّ إلَى آخِرِ مَا ذَكَرَ فِي الْمُصَاهَرَةِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ عُمَرُ حَيْثُ قَالَ: كَيْفَ تَبِيعُوهُنَّ وَقَدْ اخْتَلَطَتْ لُحُومُهُنَّ بِلُحُومِكُمْ وَدِمَاؤُهُنَّ بِدِمَائِكُمْ؟ فَلِثُبُوتِ ذَلِكَ ثَبَتَ عَدَمُ الْمَالِيَّةِ وَالتَّقَوُّمِ، وَكَانَ مُقْتَضَاهُ أَنْ تُنَجَّزَ حُرِّيَّتُهَا لَكِنْ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى عَدَمِهِ فَبَقِيَ فِيمَا سِوَاهُ وَهُوَ عَدَمُ التَّقَوُّمِ لِعَدَمِ الْإِجْمَاعِ عَلَيْهِ، وَكَذَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ التَّقَوُّمِ قَوْلُهُ ﵊ «أَعْتَقَهَا وَلَدُهَا» بِهَذَا الطَّرِيقِ، وَهُوَ أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى تَنَجُّزِ الْعِتْقِ، لَكِنَّ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ أَثْبَتَ لَهَا الْوَلَدُ حَقَّ الْحُرِّيَّةِ فَبَقِيَ فِيمَا سِوَى حَقِيقَةِ الْعِتْقِ مَعْمُولًا بِهِ وَمِنْهُ سُقُوطُ التَّقَوُّمِ. فَإِنْ قِيلَ: فَالتَّدْبِيرُ أَيْضًا كَذَلِكَ: أَيْ سَبَبٌ فِي الْحَالِ لِلْعِتْقِ لِمَا ذَكَرَ فِي بَابِهِ فَيَجِبُ أَنْ يَنْتَفِيَ تَقَوُّمُ الْمُدَبَّرِ عَلَى وَزْنِ انْتِفَائِهِ بِسَبَبِ أُمُومِيَّةِ الْوَلَدِ. فَالْجَوَابُ أَنَّ ثُبُوتَ سَبَبِيَّةِ التَّدْبِيرِ فِي الْحَالِ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ فِي سَائِرِ التَّعْلِيقَاتِ لِضَرُورَةٍ هِيَ أَنَّ تَأْخِيرَهُ كَغَيْرِهِ مِنْ التَّعْلِيقَاتِ يُوجِبُ بُطْلَانَهُ، لِأَنَّ مَا بَعْدَ الْمَوْتِ زَمَانُ زَوَالِ أَهْلِيَّةِ التَّصَرُّفِ فَلَا يَتَأَخَّرُ سَبَبِيَّةُ كَلَامِهِ إلَيْهِ فَيَتَقَدَّرُ بِقَدْرِ الضَّرُورَةِ فَيَظْهَرُ أَثَرُهُ فِي حُرْمَةِ الْبَيْعِ خَاصَّةً لَا فِي سُقُوطِ التَّقَوُّمِ بَلْ يَبْقَى فِي حَقِّ سُقُوطِ التَّقَوُّمِ عَلَى الْأَصْلِ: يَعْنِي فَتَتَأَخَّرُ سَبَبِيَّتُهُ لِسُقُوطِ التَّقَوُّمِ
стр. 2032
بَابُ عِتْقِ أَحَدِ الْعَبْدَيْنِ
(وَمَنْ كَانَ لَهُ ثَلَاثَةُ أَعْبُدٍ دَخَلَ عَلَيْهِ اثْنَانِ فَقَالَ: أَحَدُكُمَا حُرٌّ ثُمَّ خَرَجَ وَاحِدٌ وَدَخَلَ آخَرُ فَقَالَ أَحَدُكُمَا حُرٌّ ثُمَّ مَاتَ وَلَمْ يُبَيِّنْ عِتْقَ مَنْ الَّذِي أُعِيدَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ وَنِصْفُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْآخَرَيْنِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ ﵀ كَذَلِكَ إلَّا فِي الْعَبْدِ الْآخَرِ فَإِنَّهُ يَعْتِقُ رُبُعُهُ)
إلَى مَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ: وَفِي الْمُدَبَّرِ يَنْعَقِدُ السَّبَبُ بَعْدَ الْمَوْتِ وَيَنْدَفِعُ عَنْهُ إلْزَامُ التَّنَاقُضِ وَذَلِكَ أَنَّ كَلَامَهُ فِي سُقُوطِ التَّقَوُّمِ لِأُمِّ الْوَلَدِ فَحَاصِلُ كَلَامِهِ أَنَّ سَبَبَ سُقُوطِ التَّقَوُّمِ فِي أُمِّ الْوَلَدِ ثَابِتٌ فِي الْحَالِ، وَسَبَبَ سُقُوطِهِ فِي الْمُدَبَّرِ مُتَأَخِّرٌ إلَى مَا بَعْدَ الْمَوْتِ كَمَا بَيَّنَّا.
(بَابُ عِتْقِ أَحَدِ الْعَبْدَيْنِ)
هَذَا أَيْضًا مِنْ عِتْقِ الْبَعْضِ، غَيْرَ أَنَّ الْأَوَّلَ فِي بَعْضِ الْوَاحِدِ وَهَذَا الْكَلَامُ فِي بَعْضِ الْمُتَعَدِّدِ فَنُزِّلَ الْأَوَّلُ مِنْ هَذَا مَنْزِلَةَ الْجُزْءِ، وَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْكُلِّ لِأَنَّ الْأَوَّلَ فِي عِتْقِ بَعْضِ مَا هُوَ بَعْضٌ لِهَذَا وَهُوَ الْوَاحِدُ (قَوْلُهُ وَمَنْ كَانَ لَهُ ثَلَاثَةُ أَعْبُدٍ دَخَلَ عَلَيْهِ اثْنَانِ فَقَالَ أَحَدُكُمَا حُرٌّ ثُمَّ خَرَجَ وَاحِدٌ مِنْهَا وَدَخَلَ آخَرُ) وَهُوَ الْبَاقِي مِنْ الْأَعْبُدِ الثَّلَاثَةِ (فَقَالَ) الْمَوْلَى (أَحَدُكُمَا حُرٌّ) فَالْمَسْأَلَةُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يُبَيِّنَ الْعِتْقَ قَبْلَ الْمَوْتِ، وَالثَّانِي: أَنْ يَمُوتَ الْمَوْلَى قَبْلَ بَيَانِهِ وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْكِتَابِ، وَالثَّالِثُ أَنْ يَمُوتَ الْعَبْدُ قَبْلَ الْبَيَانِ. وَحُكْمُ هَذَا الْقَوْلِ إذَا وَقَعَ مِنْهُ أَنْ يُؤْمَرَ
стр. 2033
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الْمَوْلَى بِالْبَيَانِ، وَلِلْعَبِيدِ مُخَاصَمَتُهُ فِي ذَلِكَ، فَإِذَا بَيَّنَ الْعِتْقَ فِي الثَّابِتِ وَهُوَ الْعَبْدُ الَّذِي لَمْ يَخْرُجْ بِالْكَلَامِ الْأَوَّلِ عَتَقَ وَبَطَلَ الْكَلَامُ الثَّانِي لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ جَمَعَ بَيْنَ حُرٍّ وَعَبْدٍ وَقَالَ: أَحَدُكُمَا حُرٌّ إنْشَاءً فِي الْمُبْهَمِ الدَّائِرِ بَيْنَهُمَا، وَلَا يُمْكِنُ ذَلِكَ إلَّا إذَا كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا مَحَلًّا لِحُكْمِهِ، وَالْحُرُّ لَيْسَ كَذَلِكَ فَبَطَلَ إنْشَائِيَّتُهُ وَصَارَ خَبَرًا بِأَنَّ أَحَدَهُمَا حُرٌّ وَهُوَ الثَّابِتُ، فَلَا يُفِيدُ فِي الْخَارِجِ
عِتْقًا. فَإِنْ قِيلَ: الْبَيَانُ لَهُ حُكْمُ الْإِنْشَاءِ لِأَنَّهُ فِي الْمُعَيَّنِ وَالْعِتْقُ الْمُبْهَمُ لَا يَنْزِلُ فِي الْمُعَيَّنِ فَصَارَ بِبَيَانِهِ فِي الثَّابِتِ كَأَنَّهُ إنْشَاءٌ لِأَنَّ الْعِتْقَ فِيهِ بَعْدَمَا أَعْتَقَ الْأَحَدَ الدَّائِرَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْخَارِجِ بِالْكَلَامِ الثَّانِي وَلَوْ نَجَّزَ عِتْقَ الثَّابِتِ بِعِتْقٍ مُسْتَقِلٍّ عَتَقَ الْخَارِجُ فَكَذَا يَعْتِقُ بِالْبَيَانِ.
أُجِيبَ بِأَنَّ الْبَيَانَ إنْشَاءٌ مِنْ وَجْهٍ لَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، بَلْ مِنْ حَيْثُ إنَّ وُقُوعَ الْعِتْقِ الْأَوَّلِ فِي الْمُعَيَّنِ بِهِ لَا يَكُونُ بِالْعِتْقِ الْأَوَّلِ فَقَطْ لِأَنَّهُ عِتْقُ مُبْهَمٍ وَهُوَ غَيْرُ الْمُعَيَّنِ يَكُونُ إنْشَاءً، وَمِنْ حَيْثُ إنَّ الْمَوْلَى يُجْبَرُ عَلَى الْبَيَانِ إذَا خَاصَمَهُ الْعَبْدَانِ وَلَا يُجْبَرُ عَلَى إنْشَاءِ الْعِتْقِ يَكُونُ إظْهَارًا، فَعَلَى تَقْدِيرِ الْإِنْشَاءِ يَعْتِقُ الدَّاخِلُ، وَعَلَى تَقْدِيرِ الْإِخْبَارِ لَا يَعْتِقُ فَلَا يَعْتِقُ بِالشَّكِّ، وَإِنْ بَيَّنَ بِالْكَلَامِ الْأَوَّلِ عِتْقَ الْخَارِجِ فَلَا إشْكَالَ وَيُؤْمَرُ بِبَيَانِ الْكَلَامِ الثَّانِي وَيُعْمَلُ بِبَيَانِهِ، وَإِنْ بَدَأَ بِبَيَانِ الْكَلَامِ الثَّانِي فَقَالَ عَنَيْت بِالْكَلَامِ الثَّانِي الدَّاخِلَ عَتَقَ وَيُؤْمَرُ بِبَيَانِ الْأَوَّلِ فَأَيَّهمَا بَيَّنَهُ مِنْ الْخَارِجِ وَالثَّابِتِ عُمِلَ بِهِ.
وَإِنْ قَالَ: عَنَيْت بِالْكَلَامِ الثَّانِي الثَّابِتَ عَتَقَ وَتَعَيَّنَ عِتْقُ الْخَارِجِ بِالْكَلَامِ الْأَوَّلِ، وَلَا يَبْطُلُ لِأَنَّ حَالَ وُجُودِهِ كَانَا رَقِيقَيْنِ، وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ الْمَوْلَى شَيْئًا حَتَّى مَاتَ أَحَدُ الْعَبِيدِ فَالْمَوْتُ بَيَانٌ أَيْضًا، فَإِنْ مَاتَ الْخَارِجُ تَعَيَّنَ الثَّابِتُ لِلْعِتْقِ بِالْإِيجَابِ الْأَوَّلِ وَالْخَارِجُ بِالْإِيجَابِ الْأَوَّلِ لِزَوَالِ الْمُزَاحِمِ وَبَطَلَ الْإِيجَابُ الثَّانِي لِمَا ذَكَرْنَا، وَإِنْ مَاتَ الثَّابِتُ تَعَيَّنَ الْخَارِجُ بِالْإِيجَابِ الْأَوَّلِ وَالدَّاخِلُ بِالْإِيجَابِ الثَّانِي لِأَنَّ الثَّابِتَ هُوَ الْمُزَاحِمُ لَهُمَا وَلَمْ يَبْقَ، وَإِنْ مَاتَ الدَّاخِلُ أُمِرَ بِبَيَانِ الْأَوَّلِ، فَإِنْ عَنَى بِهِ الْخَارِجَ عَتَقَ الثَّابِتُ أَيْضًا بِالْإِيجَابِ الثَّانِي، وَإِنْ عَنَى بِهِ الثَّابِتَ بَطَلَ الْإِيجَابُ الثَّانِي لِمَا ذَكَرْنَا، وَإِنْ مَاتَ الْمَوْلَى قَبْلَ الْبَيَانِ فَهِيَ مَسْأَلَةُ الْكِتَابِ، وَاتَّفَقُوا فِيهَا عَلَى عِتْقِ نِصْفِ الْخَارِجِ وَثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ الثَّابِتِ.
وَاخْتُلِفَ فِي الدَّاخِلِ، وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَعْتِقُ نِصْفُهُ أَيْضًا، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَعْتِقُ رُبُعُهُ. وَاسْتَشْكَلَ قَوْلُهُمَا بِعِتْقِ النِّصْفِ وَثَلَاثَةِ الْأَرْبَاعِ مَعَ قَوْلِهِمَا يُعْدَمُ تَجَزِّي الْإِعْتَاقِ. وَالْجَوَابُ أَنَّ قَوْلَهُمَا بِعَدَمِ تَجَزِّيهِ إذَا وَقَعَ فِي مَحَلٍّ مَعْلُومٍ، أَمَّا إذَا كَانَ الْحَالُ إنَّمَا هُوَ الْحُكْمُ بِثُبُوتِهِ بِالضَّرُورَةِ وَهِيَ مُقْتَضِيَةٌ لِانْقِسَامِهِ انْقَسَمَ ضَرُورَةً. وَالْحَاصِلُ أَنَّ عَدَمَ التَّجَزِّي عِنْدَ الْإِمْكَانِ وَالِانْقِسَامُ هُنَا ضَرُورِيٌّ. وَرَدَّهُ بَعْضُ الطَّلَبَةِ بِمَنْعِ ضَرُورَةِ الِانْقِسَامِ؛ لِأَنَّ الْوَاقِعَ أَنَّ كُلَّ مَنْ عَتَقَ مِنْهُ الْبَعْضُ الَّذِي ذُكِرَ لَا يُقَرُّ فِي الرِّقِّ بَلْ يَسْعَى فِي بَاقِيهِ حَتَّى يَخْلُصَ كُلُّهُ حُرًّا، فَيُمْكِنُ أَنْ يَقُولَ: يَعْتِقُ جَمِيعُ كُلِّ وَاحِدٍ عِنْدَهُمَا وَيَسْعَى فِي ذَلِكَ الْقَدْرِ فَيَتَّحِدُ الْحَاصِلُ عَلَى قَوْلِهِمَا وَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، غَيْرَ أَنَّهُمْ يَسْعَوْنَ وَهُمْ عَبِيدٌ عِنْدَهُ، وَعِنْدَهُمَا يَسْعَوْنَ وَهُمْ أَحْرَارٌ، إذْ الْحَاصِلُ أَنَّ الضَّرُورَةَ أَوْجَبَتْ أَنْ لَا يَعْتِقَ جَمِيعُ وَاحِدٍ مَجَّانًا لَا أَنْ يَعْتِقَ بَعْضٌ فَقَطْ ثُمَّ يَتَأَخَّرُ عِتْقُ الْبَاقِي إلَى
стр. 2034
أَمَّا الْخَارِجُ فَلِأَنَّ الْإِيجَابَ الْأَوَّلَ دَائِرٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الثَّابِتِ، وَهُوَ الَّذِي أُعِيدَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ فَأَوْجَبَ عِتْقَ رَقَبَةٍ بَيْنَهُمَا لِاسْتِوَائِهِمَا فَيُصِيبُ كُلًّا مِنْهُمَا النِّصْفُ، غَيْرَ أَنَّ الثَّابِتَ اسْتَفَادَ بِالْإِيجَابِ الثَّانِي رُبُعًا آخَرَ لِأَنَّ الثَّانِيَ دَائِرٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الدَّاخِلِ، وَهُوَ الَّذِي سَمَّاهُ فِي الْكِتَابِ آخِرًا فَيَتَنَصَّفُ بَيْنَهُمَا، غَيْرَ أَنَّ الثَّابِتَ اسْتَحَقَّ نِصْفَ الْحُرِّيَّةِ بِالْإِيجَابِ الْأَوَّلِ فَشَاعَ النِّصْفُ الْمُسْتَحَقُّ بِالثَّانِي فِي نِصْفَيْهِ، فَمَا أَصَابَ الْمُسْتَحِقَّ بِالْأَوَّلِ لَغَا، وَمَا أَصَابَ الْفَارِغَ بَقِيَ فَيَكُونُ لَهُ الرُّبُعُ فَتَمَّتْ لَهُ ثَلَاثَةُ الْأَرْبَاعِ وَلِأَنَّهُ لَوْ أُرِيدَ هُوَ بِالثَّانِي يَعْتِقُ نِصْفُهُ، وَلَوْ أُرِيدَ بِهِ الدَّاخِلُ لَا يَعْتِقُ هَذَا النِّصْفُ فَيَنْتَصِفُ فَيَعْتِقُ مِنْهُ الرُّبُعُ بِالثَّانِي وَالنِّصْفُ بِالْأَوَّلِ، وَأَمَّا الدَّاخِلُ فَمُحَمَّدٌ ﵀ يَقُولُ: لَمَّا دَارَ الْإِيجَابُ الثَّانِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ الثَّابِتِ وَقَدْ أَصَابَ الثَّابِتَ مِنْهُ الرُّبُعُ فَكَذَلِكَ يُصِيبُ الدَّاخِلَ وَهُمَا يَقُولَانِ إنَّهُ دَائِرٌ بَيْنَهُمَا، وَقَضِيَّتُهُ التَّنْصِيفُ وَإِنَّمَا نَزَلَ إلَى الرُّبُعِ فِي حَقِّ الثَّابِتِ لِاسْتِحْقَاقِهِ النِّصْفَ بِالْإِيجَابِ الْأَوَّلِ كَمَا ذَكَرْنَا، وَلَا اسْتِحْقَاقَ لِلدَّاخِلِ مِنْ قَبْلُ
أَدَاءِ السِّعَايَةِ فَلَا يَلْزَمُهُمَا مُخَالَفَةُ أَصْلِهِمَا.
وَرُدَّ عَلَى ذَلِكَ الطَّالِبِ بِأَنَّهُ لَوْ عَتَقَ الْكُلُّ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ ابْتِدَاءً ثُمَّ يَسْعَى وَهُوَ حُرٌّ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ مُوجَبُ قَوْلِ الْمَوْلَى أَحَدُكُمَا حُرٌّ إعْتَاقَ الِاثْنَيْنِ وَهُوَ بَاطِلٌ، بَلْ أَحَدُكُمَا لَا يُؤَدِّي مَعْنَى كِلَاكُمَا؛ وَقَدْ يَدْفَعُ عَنْهُ هَذَا بِمَنْعِ كَوْنِ الْمُوجَبِ ذَلِكَ بَلْ مُوجَبُهُ عِتْقُ رَقَبَةٍ شَائِعَةٍ، وَإِنَّمَا عَتَقَ الْكُلُّ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا لِلضَّرُورَةِ الَّتِي اقْتَضَتْ تَوْزِيعَهُ وَحِينَ لَزِمَ التَّوْزِيعُ فَوَجَبَ عِتْقُ بَعْضٍ وَجَبَ وُقُوعُهُ فِي الْكُلِّ فَكَانَ التَّوْزِيعُ مُقْتَضَى الضَّرُورَةِ فَوُقُوعُ عِتْقِ النِّصْفِ مَثَلًا مُوجَبًا لِلتَّوْزِيعِ كَوُقُوعِهِ مُوجَبًا لِقَوْلِهِ أَعْتَقْت نِصْفَك، فَكَمَا يَقَعُ انْعِتَاقُ النِّصْفِ انْعِتَاقًا لِلْكُلِّ إذَا وَقَعَ عَنْ مُوجَبِهِ كَذَلِكَ يَقَعُ هُنَا.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا مُوجَبَ أَصْلًا لِخُرُوجِهِمَا عَنْ أَصْلِهِمَا، وَمُوَافَقَةُ أَبِي يُوسُفَ أَبَا حَنِيفَةَ فِي عِتْقِ نِصْفِ الدَّاخِلِ لَا تُوجِبُ مُوَافَقَتَهُ فِي التَّجَزِّي. وَوَجْهُ الِاتِّفَاقِيَّةِ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ (أَمَّا الْخَارِجُ فَلِأَنَّ الْإِيجَابَ الْأَوَّلَ دَائِرٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الثَّابِتِ وَهُوَ الَّذِي أُعِيدَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ فَأَوْجَبَ عِتْقَ رَقَبَةٍ بَيْنَهُمَا لِاسْتِوَائِهِمَا فَيُصِيبُ كُلًّا مِنْهُمَا النِّصْفُ) إذْ لَا مُرَجِّحَ (غَيْرَ أَنَّ الثَّابِتَ اسْتَفَادَ بِالْإِيجَابِ الثَّانِي رُبُعًا آخَرَ لِأَنَّهُ دَائِرٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الدَّاخِلِ فَيَتَنَصَّفُ بَيْنَهُمَا) لَكِنَّ نِصْفَ الثَّابِتِ شَاعَ فِي نِصْفَيْهِ، فَمَا أَصَابَ مِنْهُ الْمُعْتَقَ بِالْأَوَّلِ لَغَا، وَمَا أَصَابَ الْفَارِغَ مِنْ الْعِتْقِ عَتَقَ فَيَسْلَمُ لَهُ الرُّبُعُ مُضَافًا إلَى عِتْقِ النِّصْفِ بِالْأَوَّلِ فَتَمَّ لَهُ عِتْقُ ثَلَاثَةِ أَرْبَاعِهِ (وَلِأَنَّهُ لَوْ أُرِيدَ الثَّابِتُ بِالثَّانِي يَعْتِقُ نِصْفُهُ) الْبَاقِي، وَلَوْ أُرِيدَ الدَّاخِلُ لَا يَعْتِقُ مِنْهُ شَيْءٌ فَعَتَقَ نِصْفُهُ فِي حَالٍ وَلَمْ يَعْتِقْ مِنْهُ شَيْءٌ فِي حَالٍ فَيُقْسَمُ النِّصْفُ لَهُ فَيَعْتِقُ رُبُعُهُ وَقَدْ كَانَ عَتَقَ لَهُ النِّصْفُ بِالْأَوَّلِ فَيَكْمُلُ لَهُ عِتْقُ ثَلَاثَةِ الْأَرْبَاعِ.
وَجْهُ الْمَذْكُورِ لِمُحَمَّدٍ فِي الدَّاخِلِ أَنَّ الْإِيجَابَ الثَّانِيَ دَائِرٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الثَّابِتِ وَقَدْ أَصَابَ الثَّابِتَ مِنْهُ الرُّبُعُ فَكَذَلِكَ يُصِيبُ الدَّاخِلَ (قَوْلُهُ وَهُمَا يَقُولَانِ) حَاصِلُهُ أَنَّ إصَابَةَ الرُّبُعِ عِنْدَهُمَا لَيْسَ قَضِيَّةً لِلْكَلَامِ بَلْ قَضِيَّتُهُ عِتْقُ نِصْفِهِ لَكِنَّهُ لِشُيُوعِهِ فِي كُلِّهِ وَنِصْفِهِ شَائِعًا مُعْتَقٌ، فَمَا أَصَابَ مِنْهُ هَذَا النِّصْفُ لَغَا، وَمَا أَصَابَ الْقِنَّ عَتَقَ فَلَغَا رُبُعُهُ. وَهَذَا الْمَعْنَى مُنْتَفٍ فِي النِّصْفِ الَّذِي أَصَابَ الدَّاخِلَ، وَقَدْ عَلِمْت آنِفًا أَنَّ مُحَمَّدًا لَمْ يُوَافِقْ عَلَى هَذَا التَّوْجِيهِ، وَتَقَدَّمَ لَهُ أَيْضًا أَنَّ الْإِيجَابَ الثَّانِيَ صَحِيحٌ فِي حَالَةٍ وَهِيَ أَنْ يُرِيدَ بِالْكَلَامِ الْأَوَّلِ الْخَارِجَ غَيْرُ صَحِيحٍ فِي حَالَةٍ أُخْرَى وَهِيَ أَنْ يُرِيدَ بِهِ الثَّابِتَ لِمَا تَقَدَّمَ، وَعَلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ يَثْبُتُ بِهِ عِتْقٌ كَامِلٌ بَيْنَهُمَا لِكُلٍّ نِصْفُهُ، وَعَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِ صِحَّتِهِ لَا يَثْبُتُ بِهِ شَيْءٌ أَصْلًا فَانْتَصَفَ الثَّابِتُ بِهِ فَأَصَابَ كُلًّا رُبُعُهُ فَلِذَا عَتَقَ مِنْ الثَّابِتِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ وَمِنْ الدَّاخِلِ رُبُعُهُ. وَإِذَا عَرَفْت هَذَا ظَهَرَ
стр. 2035
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أَنَّ الْمَذْكُورَ فِي وَجْهِ الِاتِّفَاقِيَّةِ لَيْسَ عَلَى الِاتِّفَاقِ لِأَنَّ عِتْقَ ثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ الثَّابِتِ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ لَيْسَ لِذَلِكَ الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ، فَإِنَّهُ لَمْ يُصِبْهُ النِّصْفُ أَصْلًا بَلْ أَصَابَهُ الرُّبُعُ ابْتِدَاءً بِمَا ذُكِرَ مِنْ الْوَجْهَيْنِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ قَوْلَهُمْ يُرِيدُ الْخَارِجَ بِالْكَلَامِ الْأَوَّلِ مَعْنَاهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يُبَيِّنَ الْمَيِّتُ الْعِتْقَ فِيهِ لَوْ بَيَّنَهُ قَبْلَ مَوْتِهِ وَإِلَّا فَالْعِتْقُ الْمُبْهَمُ لَمْ يُرِدْ بِهِ الْمُعَيَّنَ حَالَ صُدُورِهِ بَلْ الْمُبْهَمَ، ثُمَّ بِالتَّعْيِينِ يَنْزِلُ ذَلِكَ الْمُبْهَمُ فِيهِ.
وَلِلشَّافِعِيِّ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ: فِي قَوْلٍ يُقْرَعُ بَيْنَهُمْ وَفِي الْأَصَحِّ يَقُومُ الْوَارِثُ مَقَامَ الْمَوْلَى فِي الْبَيَانِ.
وَعِنْدَ أَحْمَدَ يُقْرَعُ بَيْنَهُمْ وَكَذَا إذَا قَالَ لِعَبْدَيْهِ أَحَدُكُمَا حُرٌّ يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا، فَمَنْ خَرَجَتْ الْقُرْعَةُ بِاسْمِهِ فَهُوَ حُرٌّ وَلَا يَصِحُّ بَيَانُهُ إلَّا أَنْ يَقُولَ: كُنْت نَوَيْته عِنْدَ التَّلَفُّظِ. لَنَا فِي تَأْصِيلِ اعْتِبَارِ الْأَحْوَالِ مَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﵊ بَعَثَ سَرِيَّةً إلَى خَثْعَمَ لِلْقِتَالِ فَاعْتَصَمَ نَاسٌ مِنْهُمْ بِالسُّجُودِ فَقَتَلَهُمْ بَعْضُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَضَى النَّبِيُّ ﷺ بِنِصْفِ الْعَقْلِ» وَلَيْسَ هَذَا إلَّا لِاعْتِبَارِ الْأَحْوَالِ لِأَنَّ السُّجُودَ جَازَ كَوْنُهُ لِلَّهِ فَيَكُونُ إسْلَامًا فَيَجِبُ كَمَالُ الْعَقْلِ، وَجَازَ كَوْنُهُ تَعْظِيمًا لِلظَّاهِرِينَ عَلَيْهِمْ تَقِيَّةً مِنْ الْقَتْلِ كَمَا يَفْعَلُونَهُ فَكَانَ مُوجِبًا لِكَمَالِهِ فِي اعْتِبَارٍ غَيْرَ مُوجِبٍ فِي اعْتِبَارٍ فَقَضَى بِالنِّصْفِ.
وَجْهُ اعْتِبَارِ الْقُرْعَةِ حَدِيثُ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ «أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ سِتَّةَ مَمْلُوكِينَ لَهُ عِنْدَ مَوْتِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُمْ، فَدَعَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَجَزَّأَهُمْ أَثْلَاثًا ثُمَّ أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ، فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا الْبُخَارِيَّ، وَهَذَا الْحَدِيثُ صَحِيحٌ لَكِنَّهُمْ لَمْ يَقْبَلُوهُ لِانْقِطَاعِهِ بَاطِنًا، وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ مَا صَحَّ سَنَدُهُ جَازَ أَنْ يُضَعَّفَ بِعِلَّةٍ قَادِحَةٍ. وَمِنْ الْعِلَلِ مُخَالَفَةُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الْمَشْهُورَةِ، وَكَذَا مُخَالَفَةُ الْعَادَةِ الْقَاضِيَةِ بِخِلَافِهِ، قَالُوا: هَذَا يُخَالِفُ نَصَّ الْقُرْآنِ بِتَحْرِيمِ الْمَيْسِرِ، فَإِنَّهُ مِنْ جِنْسِهِ؛ لِأَنَّ حَاصِلَهُ تَعْلِيقُ الْمِلْكِ أَوْ الِاسْتِحْقَاقِ بِالْخَطَرِ، وَالْقُرْعَةُ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ لِأَنَّهَا تُوجِبُ اسْتِحْقَاقَ الْعِتْقِ إنْ ظَهَرَ كَذَا لَا إنْ ظَهَرَ كَذَا، وَأَمَّا قَضَاءُ الْعَادَةِ بِخِلَافِهِ فَإِنَّهَا قَاضِيَةٌ بِنَفْيِ أَنَّ وَاحِدًا يَمْلِكُ سِتَّةَ أَعْبُدٍ وَلَا يَمْلِكُ غَيْرَهُمْ مِنْ دِرْهَمٍ وَلَا ثَوْبٍ وَلَا نُحَاسٍ وَلَا دَابَّةٍ وَلَا قَمْحٍ وَلَا دَارٍ يَسْكُنُهَا، وَلَا شَيْءٍ قَلِيلٍ وَلَا كَثِيرٍ.
وَمَا قِيلَ مِنْ أَنَّهُ قَدْ يَتَّفِقُ لِلْعَرَبِ ذَلِكَ لِيَأْخُذُوا غَلَّتَهُمْ أَوْ يَكُونُ وَقَعَ لَهُ ذَلِكَ فِي غَنِيمَةٍ إنْ كَانَ مَعَ الْفَرْضِ الَّذِي فَرَضْنَاهُ مِنْ عَدَمِ شَيْءٍ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ فَهُوَ أَيْضًا مِمَّا تَقْضِي الْعَادَةُ بِنَفْيِهِ لِأَنَّهُ أَنْدَرُ نَادِرٍ فَكَانَ مُسْتَحِيلًا فِي الْعَادَةِ وَالْعُرْفِ فَوَجَبَ رَدُّ الرِّوَايَةِ لِهَذِهِ الْعِلَّةِ الْبَاطِنَةِ، كَمَا قَالُوا فِي الْمُتَفَرِّدِ بِزِيَادَةٍ مِنْ بَيْنِ جَمَاعَةٍ لَا يَغْفُلُ مِثْلُهُمْ عَنْ مِثْلِهَا مَعَ اتِّحَادِ الْمَجْلِسِ أَنَّهُ يُحْكَمُ بِغَلَطِهِ وَصَارَ هَذَا مِنْ جِنْسِ خَبَرِ الْوَاحِدِ فِيمَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى.
وَأَمَّا مَا قِيلَ: إنَّهَا وَاقِعَةُ حَالٍ فَلَا تَعُمُّ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ وَإِنْ لَمْ يَعُمَّ فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى طَرِيقٍ صَحِيحٍ، وَإِذَا كَانَ طَرِيقًا صَحِيحًا جَازَ ارْتِكَابُهُ وَتَقَرَّرَ الْحُكْمُ بِهِ، وَإِلَّا فَمِثْلُهُ يَلْزَمُ فِيمَا اسْتَدْلَلْتُمْ بِهِ لِاعْتِبَارِ الْأَحْوَالِ مِنْ قِصَّةِ الْخَثْعَمِيِّينَ بِلَا فَرْقٍ، وَكَذَا نَحْوُهُ مِنْ أَوْجُهٍ ضَعِيفَةٍ، وَحَقِيقَةُ الْوَجْهِ لَيْسَ إلَّا دَلَالَةَ الْعَادَةِ، وَالْكِتَابُ عَلَى نَفْيِ مُقْتَضَاهُ فَيُحْكَمُ بِغَلَطِهِ مِنْ بَعْضِ رُوَاتِهِ عَنْ عِمْرَانَ، وَلِذَلِكَ أُجْمِعَ عَلَى عَدَمِ الْإِقْرَاعِ عِنْدَ تَعَارُضِ الْبَيِّنَتَيْنِ لِلْعَمَلِ بِأَحَدِهِمَا، وَعَلَى عَدَمِهَا أَيْضًا عِنْدَ تَعَارُضِ الْخَبَرَيْنِ، وَنَحْنُ لَا نَنْفِي شَرْعِيَّةَ الْقُرْعَةِ فِي الْجُمْلَةِ بَلْ نُثْبِتُهَا شَرْعًا لِتَطْيِيبِ الْقُلُوبِ وَدَفْعِ الْأَحْقَادِ وَالضَّغَائِنِ كَمَا فَعَلَ ﵊ لِلسَّفَرِ بِنِسَائِهِ، فَإِنَّهُ لَمَّا كَانَ سَفَرُهُ بِكُلِّ مَنْ شَاءَ مِنْهُنَّ جَائِزًا إلَّا أَنَّهُ رُبَّمَا يَتَسَارَعُ الضَّغَائِنُ إلَى مَنْ يَخُصُّهَا مِنْ بَيْنِهِنَّ فَكَانَ الْإِقْرَاعُ لِتَطْيِيبِ قُلُوبِهِنَّ، وَكَذَا إقْرَاعُ الْقَاضِي فِي الْأَنْصِبَاءِ الْمُسْتَحَقَّةِ وَالْبِدَايَةِ بِتَحْلِيفِ أَحَدِ الْمُتَحَالِفَيْنِ إنَّمَا
стр. 2036
فَيَثْبُتُ فِيهِ النِّصْفُ. قَالَ (فَإِنْ كَانَ الْقَوْلُ مِنْهُ فِي الْمَرَضِ قُسِمَ الثُّلُثُ عَلَى هَذَا) وَشَرْحُ ذَلِكَ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَ سِهَامِ الْعِتْقِ وَهِيَ سَبْعَةٌ عَلَى قَوْلِهِمَا لِأَنَّا نَجْعَلُ كُلَّ رَقَبَةٍ عَلَى أَرْبَعَةٍ لِحَاجَتِنَا إلَى ثَلَاثَةِ الْأَرْبَاعِ فَنَقُولُ: يَعْتِقُ مِنْ الثَّابِتِ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ وَمِنْ الْآخَرَيْنِ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا سَهْمَانِ فَيَبْلُغُ سِهَامُ الْعِتْقِ سَبْعَةً، وَالْعِتْقُ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ وَصِيَّةٌ وَمَحَلُّ نَفَاذِهَا الثُّلُثُ، فَلَا بُدَّ أَنْ يُجْعَلَ سِهَامُ الْوَرَثَةِ ضِعْفَ ذَلِكَ فَيُجْعَلَ كُلُّ رَقَبَةٍ عَلَى سَبْعَةٍ وَجَمِيعُ الْمَالِ أَحَدٌ وَعِشْرُونَ فَيَعْتِقُ مِنْ الثَّابِتِ ثَلَاثَةٌ وَيَسْعَى فِي أَرْبَعَةٍ وَيَعْتِقُ مِنْ الْبَاقِيَيْنِ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا سَهْمَانِ وَيَسْعَى فِي خَمْسَةٍ، فَإِذَا تَأَمَّلْت وَجَمَعْت اسْتَقَامَ الثُّلُثُ وَالثُّلُثَانِ.
وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀ يُجْعَلُ كُلُّ رَقَبَةٍ عَلَى سِتَّةٍ لِأَنَّهُ يَعْتِقُ مِنْ الدَّاخِلِ عِنْدَهُ سَهْمٌ فَنَقَصَتْ سِهَامُ الْعِتْقِ بِسَهْمٍ وَصَارَ جَمِيعُ الْمَالِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ، وَبَاقِي التَّخْرِيجِ مَا مَرَّ.
هُوَ لِدَفْعِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ تُهْمَةِ الْمَيْلِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهَا إنَّمَا تُسْتَعْمَلُ فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي يَجُوزُ تَرْكُهَا فِيهَا لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْمَعْنَى، وَمِنْهُ اسْتِهَامُ زَكَرِيَّا ﵇ مَعَهُمْ عَلَى كَفَالَةِ مَرْيَمَ ﵍ كَانَ لِذَلِكَ، وَإِلَّا فَهُوَ كَانَ أَحَقَّ بِكَفَالَتِهَا لِأَنَّ خَالَتَهَا كَانَتْ تَحْتَهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. فَأَمَّا أَنْ يَتَعَرَّفَ بِهَا لِاسْتِحْقَاقٍ بَعْدَ اشْتِرَاكِهِمْ فِي سَبَبِهِ فَأَوْلَى مِنْهُ ظَاهِرُ التَّوْزِيعِ لِأَنَّ الْقُرْعَةَ قَدْ تُؤَدِّي إلَى حِرْمَانِ الْمُسْتَحِقِّ بِالْكُلِّيَّةِ لِأَنَّ الْعِتْقَ إذَا كَانَ شَائِعًا فِيهِمْ يَقَعُ فِي كُلٍّ مِنْهُمْ مِنْهُ شَيْءٌ، فَإِذَا جُمِعَ الْكُلُّ فِي وَاحِدٍ فَقَدْ حُرِمَ الْآخَرُ بَعْضَ حَقِّهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا وُزِّعَ فَإِنَّهُ يَنَالُ كُلًّا شَيْءٌ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ شَائِعًا فِيهِمْ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْعَشَرَةِ الْمَالِكِينَ لِعَشْرِ جَوَارٍ إذَا أَعْتَقَ أَحَدُهُمْ جَارِيَتَهُ ثُمَّ لَمْ تَدُرْ وَصَارَ مِلْكُ الْعُشْرِ لِوَاحِدٍ حَيْثُ يَعْتِقُ مِنْ كُلٍّ عُشْرُهَا وَتَسْعَى فِي تِسْعَةِ أَعْشَارِهَا فَفِيهِ إصَابَةُ الْمُسْتَحِقِّ بَعْضَ حَقِّهِ يَقِينًا وَمَعَ الْقُرْعَةِ جَازَ أَنْ يَفُوتَهَا كُلُّ حَقِّهَا (قَوْلُهُ فَإِنْ كَانَ هَذَا الْقَوْلُ مِنْهُ فِي الْمَرَضِ قُسِمَ الثُّلُثُ عَلَى هَذَا) لِأَنَّ الْعِتْقَ فِي الْمَرَضِ وَصِيَّةٌ وَمَحَلُّ نَفَاذِ الْوَصِيَّةِ الثُّلُثُ، فَإِنْ كَانُوا يَخْرُجُونَ مِنْ الثُّلُثِ فَلَا إشْكَالَ، وَإِنْ لَمْ يَخْرُجُوا وَلَيْسَ لَهُ مَالٌ سِوَاهُمْ وَلَمْ تُجِزْ الْوَرَثَةُ قَسْمَ الثُّلُثِ وَهُوَ عِتْقُ رَقَبَةٍ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ سِهَامِهِمْ مِنْ الْوَصِيَّةِ فَيَضْرِبُ كُلٌّ بِقَدْرِ وَصِيَّتِهِ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَشَرْحُ ذَلِكَ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَ سِهَامِ الْعِتْقِ وَهِيَ سَبْعَةٌ عَلَى قَوْلِهِمَا) أَيْ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، أَمَّا عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ فَسِتَّةٌ وَذَلِكَ (لِأَنَّا نَجْعَلُ كُلَّ رَقَبَةٍ عَلَى أَرْبَعَةٍ) وَإِنَّمَا نَجْعَلُ كُلَّ رَقَبَةٍ عَلَى أَرْبَعَةٍ (لِحَاجَتِنَا إلَى ثَلَاثَةِ أَرْبَاعٍ فَنَقُولُ يَعْتِقُ مِنْ الثَّابِتِ ثَلَاثَةٌ مِنْهُ) مِنْ أَرْبَعَةٍ (وَمِنْ الْآخَرَيْنِ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا سَهْمَانِ فَيَبْلُغُ سِهَامُ الْعِتْقِ سَبْعَةً) خَارِجَةً مِنْ الثُّلُثِ فَلَا بُدَّ مِنْ
стр. 2037
(وَلَوْ كَانَ هَذَا فِي الطَّلَاقِ وَهُنَّ غَيْرُ مَدْخُولَاتٍ وَمَاتَ الزَّوْجُ قَبْلَ الْبَيَانِ سَقَطَ مِنْ مَهْرِ الْخَارِجَةِ رُبُعُهُ وَمِنْ مَهْرِ الثَّابِتَةِ ثَلَاثَةُ أَثْمَانِهِ وَمِنْ مَهْرِ الدَّاخِلَةِ ثُمُنُهُ)
كَوْنِ سُهْمَانِ الْوَرَثَةِ ضِعْفَهَا لِأَنَّ الثُّلُثَيْنِ ضِعْفُ الثُّلُثِ وَهُمَا سِهَامُهُمْ فَيَبْلُغُ كُلُّ الْمَالِ أَحَدًا وَعِشْرِينَ، وَكُلُّ الْمَالِ هُوَ الْأَعْبُدُ الثَّلَاثَةُ فَيَكُونُ كُلٌّ مِنْهُمْ سَبْعَةَ أَسْهُمٍ وَهُوَ ثُلُثُ الْمَالِ بِالضَّرُورَةِ فَيَعْتِقُ مِنْ الثَّابِتِ ثَلَاثَةٌ مِنْ سَبْعَةٍ وَيَسْعَى فِي أَرْبَعَةٍ، وَمِنْ الْآخَرَيْنِ الدَّاخِلِ وَالْخَارِجِ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا سَهْمَانِ وَيَسْعَى فِي خَمْسَةٍ فَصَارَ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الثَّابِتِ إلَى ثَلَاثَةِ أَسْبَاعِهِ، وَذَلِكَ أَقَلُّ مِنْ نِصْفِهِ بِنِصْفِ سُبْعٍ وَصَارَ نِصْفُ كُلٍّ مِنْ الْآخَرَيْنِ سَبْعِينَ وَذَلِكَ أَقَلُّ مِنْ ثُلُثِهِ بِثُلُثِ سُبْعٍ، وَأَمَّا قَوْلُ مُحَمَّدٍ فَإِنَّمَا يَضْرِبُ الدَّاخِلُ بِسَهْمٍ وَيَسْعَى فِي خَمْسَةٍ فَصَارَ رُبُعُهُ سُدُسًا، وَعَلَى هَذَا تَكُونُ سِهَامُ الْعِتْقِ سِتَّةً وَسِهَامُ الْوَرَثَةِ ضِعْفُهَا أَلْبَتَّةَ فَتَكُونُ كُلُّ التَّرِكَةِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ فَيُجْعَلُ كُلُّ عَبْدٍ عَلَى سِتَّةٍ فَيَعْتِقُ مِنْ الثَّابِتِ ثَلَاثَةٌ وَيَسْعَى فِي ثَلَاثَةٍ فَكَانَ الْمُعْتَقُ مِنْ مُسْتَحِقِّ ثَلَاثَةِ الْأَرْبَاعِ عَلَى قَوْلِهِ نِصْفَهُ وَعَلَى قَوْلِهِمَا يَعْتِقُ مِنْهُ نِصْفُهُ إلَّا نِصْفَ سُبْعٍ وَمِنْ الْخَارِجِ سَهْمَانِ وَهُمَا ثُلُثُهُ وَيَسْعَى فِي أَرْبَعَةٍ، وَعَلَى قَوْلِهِمَا يَعْتِقُ ثُلُثُهُ إلَّا ثُلُثَ سُبْعٍ وَمِنْ الدَّاخِلِ سَهْمٌ وَاحِدٌ وَهُوَ سُدُسُهُ، وَعَلَى قَوْلِهِمَا يَعْتِقُ سُبْعَاهُ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْحَاصِلَ لِلْوَرَثَةِ لَا يَخْتَلِفُ.
(قَوْلُهُ وَلَوْ كَانَ هَذَا فِي الطَّلَاقِ) يَعْنِي قَالَ لِزَوْجَتَيْنِ لَهُ إحْدَاكُمَا طَالِقٌ، فَخَرَجَتْ إحْدَاهُمَا وَدَخَلَتْ زَوْجَةٌ لَهُ ثَالِثَةٌ فَقَالَ إحْدَاكُمَا طَالِقٌ (وَهُنَّ غَيْرُ مَدْخُولَاتٍ وَمَاتَ الزَّوْجُ قَبْلَ الْبَيَانِ سَقَطَ مِنْ مَهْرِ الْخَارِجَةِ رُبُعُهُ) وَوَجَبَ لَهَا ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ (وَمِنْ مَهْرِ الثَّابِتَةِ ثَلَاثَةُ أَثْمَانِهِ) وَوَجَبَ لَهَا خَمْسَةُ أَثْمَانِهِ (وَمِنْ مَهْرِ الدَّاخِلَةِ ثُمُنُهُ) وَوَجَبَ لَهَا سَبْعَةُ أَثْمَانِهِ فَأَلْزَمَهُمَا مُحَمَّدٌ ﵀ الْمُنَاقَضَةَ فَإِنَّ سُقُوطَ رُبْعِ مَهْرِ الْخَارِجَةِ لِوُقُوعِ طَلَاقٍ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الثَّابِتَةِ يَسْقُطُ بِهِ نِصْفُ مَهْرٍ مِنْ مَهْرَيْهِمَا لَيْسَتْ إحْدَاهُمَا أَوْلَى بِسُقُوطِهِ مِنْ الْأُخْرَى فَوُزِّعَ بَيْنَهُمَا فَسَقَطَ مِنْ كُلٍّ مِنْ الْخَارِجَةِ وَالثَّابِتَةِ رُبُعُ مَهْرِهَا، وَالْكَلَامُ الثَّانِي مُوجَبٌ فِي حَالٍ هِيَ أَنْ تُرَادَ الْخَارِجَةُ دُونَ حَالٍ وَهِيَ أَنْ تُرَادَ الثَّابِتَةُ لِأَنَّهُ يَصِيرُ جَامِعًا بَيْنَ أَجْنَبِيَّةٍ وَمَنْكُوحَةٍ لِأَنَّهُ
стр. 2038
قِيلَ هَذَا قَوْلُ مُحَمَّدٍ ﵀ خَاصَّةً، وَعِنْدَهُمَا يَسْقُطُ رُبُعُهُ، وَقِيلَ هُوَ قَوْلُهُمَا أَيْضًا، وَقَدْ ذَكَرْنَا الْفَرْقَ وَتَمَامَ تَفْرِيعَاتِهَا فِي الزِّيَادَاتِ.
لَا عِدَّةَ؛ لِأَنَّهُ قَبْلَ الدُّخُولِ فَيَتَنَصَّفُ وَيَثْبُتُ بِهِ سُقُوطُ الرُّبُعِ مُوَزَّعًا لِيَسْقُطَ ثُمُنُ مَهْرِ الدَّاخِلَةِ وَمِثْلُهُ مِنْ مَهْرِ الثَّابِتَةِ فَيُضَمُّ إلَى مَا سَقَطَ مَعَ الْأُولَى فَيَتِمُّ لَهَا ثَلَاثَةُ أَثْمَانِهِ فَيَجِبُ مِثْلُهُ فِي مَسْأَلَةِ الْعِتْقِ فَيَعْتِقُ رُبُعُ الدَّاخِلِ؛ لِأَنَّ الثُّمُنَ فِي الطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ بِمَنْزِلَةِ الرُّبُعِ لِأَنَّ السَّاقِطَ بِهِ نِصْفُ الْمَهْرِ وَالثُّمُنُ هُوَ رُبُعُ النِّصْفِ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي جَوَابِهِ (قِيلَ هَذَا) أَيْ الْمَذْكُورُ فِي الطَّلَاقِ (قَوْلُ مُحَمَّدٍ وَحْدَهُ، أَمَّا عِنْدَهُمَا فَيَسْقُطُ رُبُعُ مَهْرِ الدَّاخِلَةِ) لَا الثُّمُنُ فَلَا يَتِمُّ بِهِ الْإِلْزَامُ (وَقِيلَ) بَلْ (هُوَ قَوْلُهُمَا أَيْضًا) وَالْفَرْقُ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ أَنَّهُ ذَكَرَهُ فِي زِيَادَاتِهِ وَذَكَرَ تَمَامَ تَفْرِيعَاتِهَا أَيْضًا فِيهَا. أَمَّا التَّفْرِيعَاتُ فَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي بَيَانِ الْعِتْقِ قَبْلَ مَوْتِ أَحَدِ وَبَعْدَ مَوْتِ أَحَدِ الْعَبْدَيْنِ، وَأَمَّا التَّفْرِيعَاتُ فِي الطَّلَاقِ، فَمِنْهَا أَنَّ مِيرَاثَ
стр. 2039
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
النِّسَاءِ وَهُوَ الرُّبُعُ أَوْ الثُّمُنُ يَنْقَسِمُ بَيْنَ الدَّاخِلَةِ وَالْأُولَيَيْنِ نِصْفَيْنِ نِصْفُهُ لِلدَّاخِلَةِ لِأَنَّهُ لَا يُزَاحِمُهَا إلَّا إحْدَى الْأُولَيَيْنِ: أَعْنِي الثَّابِتَةَ وَالنِّصْفُ الْآخَرُ بَيْنَ الْأُولَيَيْنِ لِأَنَّ إحْدَاهُمَا لَيْسَتْ أَوْلَى بِهِ مِنْ الْأُخْرَى.
وَمِنْهَا أَنَّ الثَّابِتَةَ لَوْ مَاتَتْ وَالزَّوْجُ حَيٌّ طَلُقَتْ الْخَارِجَةُ وَالدَّاخِلَةُ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الْعَتَاقِ وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ عَلَى الزَّوْجِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الْمَهْرِ، وَإِنْ مَاتَتْ الدَّاخِلَةُ كَانَ عَلَيْهِ بَيَانُ الْكَلَامِ الْأَوَّلِ، فَإِنْ أَوْقَعَهُ عَلَى الْخَارِجَةِ طَلُقَتْ الثَّابِتَةُ أَيْضًا لِعَدَمِ مُزَاحَمَةِ الدَّاخِلَةِ بِالْمَوْتِ؛ وَإِنْ أَوْقَعَهُ عَلَى الثَّابِتَةِ لَمْ تَطْلُقْ الْخَارِجَةُ، وَإِنْ مَاتَتْ الْخَارِجَةُ طَلُقَتْ الثَّابِتَةُ دُونَ الدَّاخِلَةِ لِمَا ذَكَرْنَا فِي مَسْأَلَةِ الْعِتْقِ، وَلَوْ لَمْ تَمُتْ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ حَتَّى بَيَّنَ الزَّوْجُ الطَّلَاقَ الْأَوَّلَ فِي الْخَارِجَةِ صَحَّ وَعَلَيْهِ بَيَانُ الثَّانِي، وَلَهُ الْخِيَارُ فِي تَعْيِينِ الثَّابِتَةِ أَوْ الدَّاخِلَةِ بِهِ، وَإِنْ بَيَّنَ الطَّلَاقَ الْأَوَّلَ عَلَى الثَّابِتَةِ لَغَا الْكَلَامُ الثَّانِي، وَإِنْ أَوْقَعَ الطَّلَاقَ الثَّانِيَ عَلَى الدَّاخِلَةِ كَانَ لَهُ الْخِيَارُ فِي تَعْيِينِ الْخَارِجَةِ أَوْ الثَّابِتَةِ بِالْكَلَامِ الْأَوَّلِ، وَإِنْ أَوْقَعَهُ عَلَى الثَّابِتَةِ طَلُقَتْ وَطَلُقَتْ الْخَارِجَةُ أَيْضًا لِمَا تَقَدَّمَ.
وَأَمَّا الْفَرْقُ فَهُوَ أَنَّ الْكَلَامَ الثَّانِيَ فِي الْعِتْقِ صَحِيحٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فِي حَقِّ الدَّاخِلِ وَلَا إشْكَالَ فِيهِ، وَكَذَا فِي حَقِّ الثَّابِتِ. أَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ فَظَاهِرٌ لِأَنَّهُ عَتَقَ نِصْفُهُ وَهُوَ يَقُولُ بِتَجَزِّي الْإِعْتَاقِ وَمُعْتَقُ الْبَعْضِ كَالْمُكَاتَبِ، وَالْمُكَاتَبُ مَحَلٌّ لِلْعِتْقِ فَصَحَّ اللَّفْظُ الثَّانِي بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ أَيْضًا، بِخِلَافِ الطَّلَاقِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ كَوْنِ الْمَرْأَةِ مَحَلًّا لِلطَّلَاقِ وَغَيْرَ مَحَلٍّ لَهُ وَاسِطَةٌ وَالطَّلَاقُ الْمَذْكُورُ قَبْلَ الدُّخُولِ فَلَزِمَ كَوْنُ الْإِيجَابِ الثَّانِي فِيهِ دَائِرًا بَيْنَ كَوْنِهِ مُوجِبًا لِسُقُوطِ النِّصْفِ وَكَوْنِهِ غَيْرَ مُوجِبٍ شَيْئًا بِخِلَافِهِ فِي الْعِتْقِ، وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَهُوَ لَا يَقُولُ بِتَجَزِّي الْإِعْتَاقِ فَلِأَنَّ الثَّابِتَ دَائِرٌ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ حُرًّا وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا، فَكَانَ كَالْمُكَاتَبِ، وَالْمُكَاتَبُ مَحَلٌّ لِلْعِتْقِ إلَى آخِرِ مَا ذَكَرْنَا لِأَبِي حَنِيفَةَ.
وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ كَوْنِ الثَّابِتِ عِتْقَ نِصْفِهِ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فَيَصِيرُ بِذَلِكَ مُكَاتَبًا فِي الْإِيجَابِ الثَّانِي إنَّمَا هُوَ بَعْدَ مَوْتِ الْمَوْلَى، وَإِلَّا فَالْإِيجَابُ الْأَوَّلُ إنَّمَا مُقْتَضَاهُ عِتْقُ وَاحِدٍ مِنْ الِاثْنَيْنِ بِكَمَالِهِ فَلَا يُحْكَمُ بِعِتْقِ نِصْفِ أَحَدٍ بِهِ، لَكِنْ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْوُقُوفِ عَلَى ذَلِكَ الْوَاحِدِ بِمَوْتِ الْمَوْلَى قَسَمْنَاهُ بَيْنَهُمْ، فَقَدْ يُقَالُ مِنْ طَرَفِ مُحَمَّدٍ ﵀: إنَّ اعْتِبَارَ الْأَحْوَالِ إنَّمَا هُوَ حَالُ صُدُورِ مَا يَجِبُ اعْتِبَارُهُ، وَحَالُ صُدُورِ الْإِيجَابِ الثَّانِي لَمْ يَكُنْ فِي الثَّابِتِ عِتْقٌ أَصْلًا.
وَيُجَابُ بِأَنَّهُ إنَّمَا يَجِبُ الِاعْتِبَارُ حَالَ صُدُورِهِ إذَا كَانَ لِتَعَرُّفِ حُكْمِهِ إذْ ذَاكَ، وَنَحْنُ إنَّمَا نُرِيدُ أَنْ نَتَعَرَّفَ حُكْمَ الْكَلَامِ بَعْدَ الْمَوْتِ.
وَفَرْقٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ الْكَلَامَ الْأَوَّلَ يُعْتَبَرُ تَعْلِيقًا فِي حَقِّ الدَّاخِلِ بِحُكْمٍ يَقْبَلُ التَّعْلِيقَ وَهُوَ وُقُوعُ الْعِتْقِ. أَمَّا الْبَرَاءَةُ عَنْ الْمَهْرِ فَلَا تَحْتَمِلُهُ مِنْ جِهَةِ الزَّوْجِ، فَإِنَّ الْبَرَاءَةَ إنَّمَا تَكُونُ مِنْ قِبَلِ الْمَرْأَةِ فَيُعْتَبَرُ تَنْجِيزًا فِي حَقِّ الْبَرَاءَةِ، وَإِذَا اُعْتُبِرَ تَنْجِيزًا كَانَ الْكَلَامُ الثَّانِي مُتَرَدِّدًا بَيْنَ أَنْ يُوجِبَ أَوْ لَا يُوجِبَ شَيْئًا فَأَوْجَبَ سُقُوطَ رُبْعِ الْمَهْرِ مِنْ الثَّابِتَةِ وَالدَّاخِلَةِ فَيَسْقُطُ مِنْ الدَّاخِلَةِ ثُمُنٌ وَتَسْتَحِقُّ ثَلَاثَةَ أَثْمَانِ مَهْرِهَا وَمِنْ الثَّابِتَةِ كَذَلِكَ وَكَانَ سَقَطَ الْمُتَيَقَّنُ بِالْأَوَّلِ فَيَسْقُطُ ثَلَاثَةُ أَثْمَانِ مَهْرٍ وَتَسْتَحِقُّ ثُمُنًا وَاحِدًا.
هَذَا وَلَا يَخْفَى أَنَّ تَخْصِيصَ أَبِي يُوسُفَ
стр. 2040
(وَمَنْ قَالَ لِعَبْدَيْهِ أَحَدُكُمَا حُرٌّ فَبَاعَ أَحَدَهُمَا أَوْ مَاتَ أَوْ قَالَ لَهُ أَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي عَتَقَ الْآخَرُ) لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ مَحَلًّا لِلْعِتْقِ أَصْلًا بِالْمَوْتِ وَلِلْعِتْقِ مِنْ جِهَتِهِ بِالْبَيْعِ وَلِلْعِتْقِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ بِالتَّدْبِيرِ فَتَعَيَّنَ لَهُ الْآخَرُ، وَلِأَنَّهُ بِالْبَيْعِ قَصَدَ الْوُصُولَ إلَى الثَّمَنِ وَبِالتَّدْبِيرِ إبْقَاءَ الِانْتِفَاعِ إلَى مَوْتِهِ، وَالْمَقْصُودَانِ
فِي الْفَرْقِ بِمَا ذَكَرَ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَقُولُ بِتَجَزِّي الْإِعْتَاقِ فِي الْأَعْبُدِ فَيَقْوَى بِهِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ سُقُوطِ ذَلِكَ السُّؤَالِ.
(قَوْلُهُ وَمَنْ قَالَ لِعَبْدَيْهِ أَحَدُكُمَا حُرٌّ فَبَاعَ أَحَدَهُمَا أَوْ مَاتَ أَوْ قَالَ لَهُ) أَيْ لِأَحَدِهِمَا (أَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي عَتَقَ الْآخَرُ) الْمَقْصُودُ ذِكْرُ مَا يَقَعُ بِهِ الْبَيَانُ فِي الْعِتْقِ الْمُبْهَمِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْعِتْقَ الْمُبْهَمَ يُوجِبُ الْبَيَانَ كَالطَّلَاقِ الْمُبْهَمِ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ، وَعِنْدَ أَحْمَدَ لَا بَيَانَ إلَّا بِالْقُرْعَةِ، وَبِاللَّفْظِ لَا يَصِحُّ إلَّا أَنْ يَقُولَ: كُنْت نَوَيْته عِنْدَ التَّلَفُّظِ بِهِ، وَعِنْدَ الظَّاهِرِيَّةِ لَا يَعْتِقُ أَصْلًا.
وَالْبَيَانُ يَقَعُ صَرِيحًا كَقَوْلِهِ اخْتَرْت أَنْ يَكُونَ هَذَا حُرًّا بِذَلِكَ اللَّفْظِ الَّذِي قُلْته، أَوْ يَقُولَ: أَنْتَ حُرٌّ بِذَلِكَ الْعِتْقِ أَوْ أَعْتَقْتُك بِذَلِكَ الْعِتْقِ، أَمَّا إذَا اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ: أَنْتَ حُرٌّ ثُمَّ قَالَ: أَرَدْت بِذَلِكَ الْعِتْقَ فَإِنَّهُ يُصَدَّقُ قَضَاءً فَلَا يَعْتِقُ الْآخَرُ، وَلَوْ لَمْ يَقُلْ شَيْئًا عَتَقَ هُوَ وَالْآخَرُ مَعًا لِأَنَّ هَذَا عِتْقٌ آخَرُ نَازِلٌ بِغَيْرِ الْأَوَّلِ وَبِهِ لَمْ يَبْقَ مَحَلًّا لِنُزُولِ عِتْقٍ آخَرَ فَكَانَ كَالْمَوْتِ فَتَعَيَّنَ الْآخَرُ لِلْعِتْقِ بِذَلِكَ الْإِعْتَاقِ. وَدَلَالَةً كَمَا إذَا بَاعَ مُطْلَقًا أَوْ بِشَرْطِ الْخِيَارِ لِأَحَدِ الْمُتَبَايِعَيْنِ بَيْعًا صَحِيحًا أَوْ فَاسِدًا مَعَ قَبْضٍ وَدُونَهُ فِي الصَّحِيحِ لِأَنَّ الْبَيَانَ يَقَعُ بِتَصَرُّفٍ مُخْتَصٍّ بِالْمِلْكِ سَوَاءٌ كَانَ مُخْرِجًا لَهُ عَنْ الْمِلْكِ كَمَا لَوْ نَجَّزَ عِتْقَ أَحَدِهِمَا أَوْ بَاعَهُ أَوَّلًا، وَلِذَا عَتَقَ الْآخَرُ بِالْمُسَاوَمَةِ فِي صَاحِبِهِ، وَهَذَا لِأَنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى قَصْدِهِ اسْتِبْقَاءَ مِلْكِهِ فِي الَّذِي تَصَرَّفَ فِيهِ فَيَقَعُ بَيَانًا لِعِتْقِ الْآخَرِ، وَحُكْمًا كَمَا إذَا مَاتَ أَحَدُهُمَا فَإِنَّهُ يَعْتِقُ الْآخَرُ، وَلَيْسَ بَيَانًا مِنْ الْمُتَكَلِّمِ لِأَنَّهُ لَيْسَ اخْتِيَارِيًّا، وَلِأَنَّ الْبَيَانَ إنْشَاءٌ مِنْ وَجْهٍ وَلَا إنْشَاءَ فِي الْآخَرِ بِمَوْتِ قَرِينِهِ لِأَنَّ الْإِنْشَاءَ صِفَةُ اللَّفْظِ، بَلْ لَزِمَ مِنْ طَرِيقِ الْحُكْمِ ذَلِكَ بِسَبَبِ فَوَاتِ مَحَلِّيَّةِ الَّذِي مَاتَ لِنُزُولِ الْعِتْقِ فِيهِ، وَلَا بُدَّ مِنْ عِتْقِ أَحَدِهِمَا بِعَيْنِهِ فَلَزِمَ لِذَلِكَ الْكَلَامِ عِتْقُ الْحَيِّ وَمَا يَقَعُ بِهِ الْبَيَانُ فِي الْعِتْقِ الْمُبْهَمِ الْمُنَجَّزِ يَقَعُ بِهِ فِي الْمُعْتَقِ الْمُبْهَمِ الْمُعَلَّقِ كَأَنْ قَالَ: إذَا جَاءَ زَيْدٌ فَأَحَدُكُمَا حُرٌّ، فَلَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الشَّرْطِ أَوْ تَصَرَّفَ فِيهِ بِإِزَالَةِ الْمِلْكِ ثُمَّ جَاءَ زَيْدٌ عَتَقَ الْبَاقِي. وَفُرِّقَ بَيْنَ الْبَيَانِ الْحُكْمِيِّ وَالصَّرِيحِ، فَإِنَّ الْحُكْمِيَّ قَدْ رَأَيْت أَنَّهُ يَصِحُّ قَبْلَ الشَّرْطِ، بِخِلَافِ الصَّرِيحِ؛ فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ قَبْلَ الشَّرْطِ اخْتَرْت أَنْ يَعْتِقَ فُلَانٌ ثُمَّ وُجِدَ الشَّرْطُ لَا يُعْتَبَرُ لِأَنَّهُ اخْتِيَارٌ قَبْلَ وَقْتِهِ، كَمَا لَوْ قَالَ أَنْتَ حُرٌّ إنْ دَخَلْت هَذِهِ الدَّارَ أَوْ هَذِهِ ثُمَّ عَيَّنَ إحْدَاهُمَا لِلْحِنْثِ لَا يَصِحُّ تَعْيِينُهُ وَلَوْ بَاعَ أَحَدَهُمَا أَوْ كِلَيْهِمَا ثُمَّ اشْتَرَاهُمَا ثُمَّ جَاءَ زَيْدٌ ثَبَتَ حُكْمُ الْعِتْقِ الْمُبْهَمِ فَيَعْتِقُ أَحَدُهُمَا وَيُؤْمَرُ بِالْبَيَانِ لِأَنَّ زَوَالَ الْمِلْكِ بَعْدَ الْيَمِينِ لَا يُبْطِلُهَا.
وَعَنْ مُحَمَّدٍ: لَوْ كَانَ الْيَمِينُ قَبْلَ الْحُرِّيَّةِ الْمَجْهُولَةِ يَعْنِي قَالَ لِعَبْدِهِ: إنْ دَخَلْت فَأَنْتَ حُرٌّ ثُمَّ قَالَ لَهُ مَعَ آخَرَ أَحَدُكُمَا حُرٌّ ثُمَّ وُجِدَ الشَّرْطُ فَعَتَقَ ذَلِكَ الْمَحْلُوفُ بِعِتْقِهِ عَتَقَ الْآخَرُ لِفَوَاتِ مَحَلِّيَّةِ الْمَحْلُوفِ بِعِتْقِهِ بِالْعِتْقِ فَصَارَ كَمَوْتِهِ وَلَوْ كَاتَبَ أَوْ رَهَنَ أَوْ آجَرَ يَكُونُ بَيَانًا، وَلَوْ اسْتَخْدَمَ أَحَدَهُمَا أَوْ قَطَعَ يَدَهُ أَوْ جَنَى عَلَيْهِ لَا يَكُونُ بَيَانًا (قَوْلُهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ مَحَلًّا لِلْعِتْقِ أَصْلًا بِالْمَوْتِ وَلِلْعِتْقِ مِنْ جِهَتِهِ بِالْبَيْعِ) أَيْ وَلَمْ يَبْقَ مَحَلًّا لِلْعِتْقِ مِنْ جِهَةِ الْمَوْلَى الْمُتَكَلِّمِ بِالْعِتْقِ الْمُبْهَمِ بِسَبَبِ بَيْعِهِ إيَّاهُ (وَلِلْعِتْقِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ) أَيْ وَلَمْ يَبْقَ مَحَلًّا لِلْعِتْقِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَهُوَ الْعِتْقُ الْمُلْتَزَمُ بِقَوْلِهِ أَحَدُكُمَا حُرٌّ فَإِنَّ حَاصِلَهُ تَعْلِيقُ عِتْقٍ كَامِلٍ بِالْبَيَانِ.
وَبِالتَّدْبِيرِ لَمْ يَبْقَ عِتْقُهُ عِتْقًا كَامِلًا لِاسْتِحْقَاقِهِ الْعِتْقَ عِنْدَ الْمَوْتِ (فَتَعَيَّنَ الْآخَرُ، وَلِأَنَّهُ بِالْبَيْعِ قَصَدَ الْوُصُولَ إلَى الثَّمَنِ وَبِالتَّدْبِيرِ) قَصَدَ (اسْتِبْقَاءَ الِانْتِفَاعِ) بِهِ مُدَّةَ حَيَاتِهِ وَأَنْ يُعْتِقَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ (وَالْمَقْصُودَانِ)
стр. 2041
يُنَافِيَانِ الْعِتْقَ الْمُلْتَزَمَ فَتَعَيَّنَ لَهُ الْآخَرُ دَلَالَةً وَكَذَا إذَا اسْتَوْلَدَ إحْدَاهُمَا لِلْمَعْنَيَيْنِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْبَيْعِ الصَّحِيحِ وَالْفَاسِدِ مَعَ الْقَبْضِ وَبِدُونِهِ وَالْمُطْلَقِ وَبِشَرْطِ الْخِيَارِ لِأَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ لِإِطْلَاقِ جَوَابِ الْكِتَابِ وَالْمَعْنَى مَا قُلْنَا، وَالْعَرْضُ عَلَى الْبَيْعِ مُلْحَقٌ بِهِ فِي الْمَحْفُوظِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ، وَالْهِبَةُ وَالتَّسْلِيمُ وَالصَّدَقَةُ وَالتَّسْلِيمُ بِمَنْزِلَةِ الْبَيْعِ لِأَنَّهُ تَمْلِيكٌ؛.
يَعْنِي الْوُصُولَ إلَى الثَّمَنِ وَالِانْتِفَاعَ الْمُسْتَمِرَّ إلَى الْمَوْتِ (يُنَافِيَانِ الْعِتْقَ الْمُلْتَزَمَ بِالْإِيجَابِ الْمُبْهَمِ فَيَتَعَيَّنُ لَهُ الْآخَرُ دَلَالَةً) (قَوْلُهُ وَكَذَا إذَا اسْتَوْلَدَ إحْدَاهُمَا) أَيْ إذَا وَطِئَ إحْدَاهُمَا فَعَلِقَتْ لِأَنَّهَا صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ فَتَعَيَّنَتْ الْأُخْرَى لِلْعِتْقِ لِلْمَعْنَيَيْنِ وَهُمَا كَوْنُهَا لَمْ تَبْقَ مَحَلًّا لِلْعِتْقِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ كَالْمُدَبَّرِ وَقَصْدُ إبْقَائِهَا لِلِانْتِفَاعِ بِهَا إلَى الْمَوْتِ، وَإِنَّمَا قَيَّدْنَا الْوَطْءَ بِالْمُعَلِّقِ لِأَنَّ الْوَطْءَ غَيْرَ الْمُعَلِّقِ لَيْسَ بَيَانًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ كَمَا سَنَذْكُرُ.
وَاسْتَشْكَلَ عَلَى تَعَيُّنِ الْآخَرِ بِمَوْتِ أَحَدِهِمَا مَا لَوْ اشْتَرَى أَحَدَ الْعَبْدَيْنِ وَسَمَّى ثَمَنَ كُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ يَأْخُذُ أَيَّهُمَا شَاءَ فَمَاتَ أَحَدُهُمَا حَيْثُ يَتَعَيَّنُ لِلْبَيْعِ الْمَيِّتُ لَا الْحَيُّ مَعَ أَنَّ بِالْمَوْتِ لَمْ تَبْقَ مَحَلِّيَّةُ الْبَيْعِ كَمَا لَمْ تَبْقَ مَحَلِّيَّةُ الْعِتْقِ، وَمَا لَوْ قَالَ لِأَمَتَيْهِ: إحْدَى هَاتَيْنِ بِنْتِي أَوْ أُمُّ وَلَدِي ثُمَّ مَاتَتْ إحْدَاهُمَا لَا تَتَعَيَّنُ الْحَيَّةُ لِلِاسْتِيلَادِ وَلَا لِلْحُرِّيَّةِ.
وَجَوَابُ الْأَوَّلِ بِالْفَرْقِ بِأَنَّ عِنْدَ إشْرَافِ أَحَدِهِمَا عَلَى الْمَوْتِ تَعَيَّنَ الْبَيْعُ فِيهِ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ رَدُّهُ كَمَا قَبَضَهُ فَإِنَّهُ لَا يَخْلُو عَنْ مُقَدِّمَةِ تَعْيِيبٍ فَإِنَّمَا تَعَيَّنَ لِلْبَيْعِ وَهُوَ حَيٌّ لَا مَيِّتٌ، وَلَا يَتَعَيَّنُ الْعِتْقُ بِالْإِشْرَافِ عَلَى الْمَوْتِ، فَلَوْ عَتَقَ كَانَ بَعْدَ الْمَوْتِ فَامْتَنَعَ فَمَاتَ رَقِيقًا لِعَدَمِ مُوجِبِ النَّقْلِ فَتَعَيَّنَ الْآخَرُ لِلْعِتْقِ.
وَجَوَابُ الثَّانِي بِأَنَّهُ لَيْسَ إيقَاعًا بِصِيغَتِهِ بَلْ إخْبَارٌ، وَيَجُوزُ أَنْ يُخْبَرَ بِهَذَا عَنْ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ فَيُرْجَعَ إلَى بَيَانِ الْمَوْلَى.
وَقَوْلُهُ (لِإِطْلَاقِ جَوَابِ الْكِتَابِ) يُرِيدُ الْجَامِعَ الصَّغِيرَ. وَقَوْلُهُ (وَالْمَعْنَى مَا قُلْنَا) أَيْ مِنْ أَنَّهُ قَصْدُ الْوُصُولِ إلَى الثَّمَنِ، وَالْوُصُولُ إلَى الثَّمَنِ يُنَافِي الْعِتْقَ فَتَعَيَّنَ الْآخَرُ لِلْعِتْقِ.
(قَوْلُهُ وَالْهِبَةُ وَالتَّسْلِيمُ وَالصَّدَقَةُ وَالتَّسْلِيمُ بِمَنْزِلَةِ الْبَيْعِ لِأَنَّهُ تَمْلِيكٌ) رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ فِي الْإِمْلَاءِ: إذَا وَهَبَ أَحَدَهُمَا وَأَقْبَضَ أَوْ تَصَدَّقَ وَأَقْبَضَ عَتَقَ الْآخَرُ،
стр. 2042
وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ لِامْرَأَتَيْهِ إحْدَاكُمَا طَالِقٌ ثُمَّ مَاتَتْ إحْدَاهُمَا لِمَا قُلْنَا، وَكَذَلِكَ لَوْ وَطِئَ إحْدَاهُمَا لِمَا نُبَيِّنُ (وَلَوْ قَالَ لِأَمَتَيْهِ إحْدَاكُمَا حُرَّةٌ ثُمَّ جَامَعَ إحْدَاهُمَا) لَمْ تَعْتِقْ الْأُخْرَى عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀. وَقَالَا تَعْتِقُ لِأَنَّ الْوَطْءَ لَا يَحِلُّ إلَّا فِي الْمِلْكِ وَإِحْدَاهُمَا حُرَّةٌ فَكَانَ بِالْوَطْءِ مُسْتَبْقِيًا الْمِلْكَ فِي الْمَوْطُوءَةِ فَتَعَيَّنَتْ الْأُخْرَى لِزَوَالِهِ بِالْعِتْقِ كَمَا فِي الطَّلَاقِ وَلَهُ أَنَّ الْمِلْكَ قَائِمٌ فِي الْمَوْطُوءَةِ لِأَنَّ الْإِيقَاعَ فِي الْمُنَكَّرَةِ وَهِيَ مُعَيَّنَةٌ فَكَانَ وَطْؤُهَا حَلَالًا فَلَا يُجْعَلُ بَيَانًا وَلِهَذَا حَلَّ وَطْؤُهُمَا عَلَى مَذْهَبِهِ إلَّا أَنَّهُ لَا يُفْتِي بِهِ،
قَالُوا: ذِكْرُهُ الْإِقْبَاضَ تَوْكِيدٌ لَا لِلشَّرْطِ لِمَا فِي الْمَبْسُوطِ وَالْمُحِيطِ وَغَيْرِهِمَا أَنَّ الْبَيَانَ بِاعْتِبَارِ دَلَالَةِ تَصَرُّفٍ مُخْتَصٍّ بِالْمِلْكِ وَلِأَنَّ الْمُسَاوَمَةَ إذَا عَيَّنَتْ الْآخَرَ وَلَيْسَ فِيهَا خُرُوجٌ عَنْ الْمِلْكِ فَعَقْدُ الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْبَيْعِ الْفَاسِدِ وَهُوَ أَدْخَلُ فِي طَرِيقِ الْمِلْكِ أَوْلَى أَنْ يُعَيِّنَهُ.
(قَوْلُهُ وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ لِامْرَأَتَيْهِ: إحْدَاكُمَا طَالِقٌ ثُمَّ مَاتَتْ إحْدَاهُمَا) يَعْنِي تَطْلُقُ الْحَيَّةُ (لِمَا قُلْنَا) فِي الْعِتْقِ مِنْ عِتْقِ الْبَاقِي بِمَوْتِ أَحَدِهِمَا لِعَدَمِ مَحَلِّيَّةِ الْعِتْقِ (وَكَذَا لَوْ وَطِئَ إحْدَى الْمَرْأَتَيْنِ تَطْلُقُ الْأُخْرَى لِمَا نُبَيِّنُ) فِي مَسْأَلَةِ الْأَمَتَيْنِ الَّتِي تَلِيهَا (قَوْلُهُ وَلَوْ قَالَ لِأَمَتَيْهِ إحْدَاكُمَا حُرَّةٌ ثُمَّ جَامَعَ إحْدَاهُمَا) وَلَمْ تَعْلَقْ (لَمْ تَعْتِقْ الْأُخْرَى عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ، أَمَّا لَوْ عَلِقَتْ عَتَقَتْ الْأُخْرَى اتِّفَاقًا، وَلَوْ قَالَ إحْدَاكُمَا مُدَبَّرَةٌ ثُمَّ وَطِئَ إحْدَاهُمَا لَا يَكُونُ بَيَانًا بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ التَّدْبِيرَ لَا يُزِيلُ مِلْكَ الْمَنَافِعِ بِخِلَافِ الْعِتْقِ (وَقَالَا تَعْتِقُ) وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ فِي رِوَايَةٍ (لَهُمَا أَنَّ الْوَطْءَ لَا يَحِلُّ إلَّا فِي مِلْكٍ) وَإِحْدَاهُمَا لَيْسَتْ فِي الْمِلْكِ لِعِتْقِ إحْدَاهُمَا بِذَلِكَ الْكَلَامِ، وَلِذَا لَوْ قَتَلَهُمَا إنْسَانٌ وَجَبَ نِصْفُ دِيَةٍ وَقِيمَةٍ لِكُلٍّ مِنْهُمَا فَكَانَ بِوَطْءِ إحْدَاهُمَا مُبَيِّنًا لِلْمُسْتَبْقَى لِمِلْكِهَا (فَتَعَيَّنَتْ الْأُخْرَى لِزَوَالِهِ بِذَلِكَ الْعِتْقِ كَمَا فِي الطَّلَاقِ) الْمُبْهَمِ فَإِنَّهُ إذَا قَالَ لِزَوْجَتَيْهِ: إحْدَاكُمَا طَالِقٌ وَلَمْ يَدْخُلْ بِهِمَا أَوْ دَخَلَ فَقَالَ: طَالِقٌ بَائِنٌ أَوْ ثَلَاثًا فَوَطِئَ إحْدَاهُمَا طَلُقَتْ الْأُخْرَى اتِّفَاقًا، وَإِنَّمَا قَيَّدْنَا الطَّلَاقَ بِمَا ذَكَرْنَا، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ رَجْعِيًّا لَا يَكُونُ الْوَطْءُ بَيَانًا لِطَلَاقِ الْأُخْرَى لِحِلِّ وَطْءِ الْمُطَلَّقَةِ الرَّجْعِيَّةِ، ذَكَرَهُ فِي النَّوَادِرِ وَهَلْ يَثْبُتُ الْبَيَانُ فِي الطَّلَاقِ بِالْمُقَدِّمَاتِ؟ فِي الزِّيَادَاتِ لَا يَثْبُتُ.
وَقَالَ الْكَرْخِيُّ: يَحْصُلُ بِالتَّقْبِيلِ كَمَا يَحْصُلُ بِالْوَطْءِ (وَلَهُ أَنَّ الْمِلْكَ قَائِمٌ فِيهِمَا) جَمِيعًا حَتَّى
стр. 2043
ثُمَّ يُقَالُ الْعِتْقُ غَيْرُ نَازِلٍ قَبْلَ الْبَيَانِ لِتَعَلُّقِهِ بِهِ أَوْ يُقَالُ نَازِلٌ فِي الْمُنَكَّرَةِ فَيَظْهَرُ فِي حَقِّ حُكْمِ تَقَبُّلِهِ وَالْوَطْءُ يُصَادِفُ الْمُعَيَّنَةَ، بِخِلَافِ الطَّلَاقِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْأَصْلِيَّ مِنْ النِّكَاحِ الْوَلَدُ، وَقَصْدُ الْوَلَدِ بِالْوَطْءِ يَدُلُّ عَلَى اسْتِبْقَاءِ الْمِلْكِ فِي الْمَوْطُوءَةِ صِيَانَةً لِلْوَلَدِ، أَمَّا الْأَمَةُ فَالْمَقْصُودُ مِنْ وَطْئِهَا قَضَاءُ الشَّهْوَةِ دُونَ الْوَلَدِ فَلَا يَدُلُّ عَلَى الِاسْتِبْقَاءِ
قَالَ يَحِلُّ وَطْؤُهُمَا، وَلِهَذَا لَوْ وُطِئَتَا بِشُبْهَةٍ كَانَ الْوَاجِبُ عُقْرَ مَمْلُوكَتَيْنِ وَيَكُونُ كُلُّهُ لِلْمَوْلَى، وَإِنَّمَا يَمْلِكُ الْبَدَلَ بِمِلْكِ الْأَصْلِ، وَهَذَا لِأَنَّ الْعِتْقَ فِي الْمُنْكَرَةِ: أَيْ الْمُبْهَمَةِ الدَّائِرَةِ بَيْنَ كُلٍّ مِنْهُمَا وَهِيَ غَيْرُ الْمُعَيَّنَةِ وَتُنَافِيهَا، لِأَنَّ الْمُعَيَّنَةَ لَيْسَتْ دَائِرَةً بَيْنَ نَفْسِهَا وَالْمُعَيَّنَةُ الْأُخْرَى فِي حَقِّ الْعِلْمِ وَالْمُبْهَمَةُ أَحَدٌ دَائِرٌ بَيْنَهُمَا وَوُقُوعُهُ فِي الْمُعَيَّنَةِ مَشْرُوطٌ بِالْبَيَانِ فَكَانَ عِتْقُ الْمُعَيَّنَةِ مُعَلَّقًا بِهِ، وَالْمُعَلَّقُ بِالشَّرْطِ عَدَمٌ قَبْلَهُ، فَهُوَ كَمَا لَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: إنْ طَلَّقْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ أَوْ لِأَمَتِهِ إنْ دَخَلْت فَأَنْتِ حُرَّةٌ فَإِنَّ لَهُ وَطْأَهُمَا قَبْلَ الشَّرْطِ لِقِيَامِ الْمِلْكِ فِي الْحَالِ.
فَقَوْلُهُمَا إحْدَاهُمَا حُرَّةٌ إنْ أُرِيدَ الْمُعَيَّنَةُ مَنَعْنَاهُ أَوْ الْمُبْهَمَةُ سَلَّمْنَاهُ، وَلَا يُفِيدُ لِأَنَّ الْوَطْءَ إنَّمَا يَقَعُ فِي الْمُعَيَّنَةِ فَوَطْؤُهُمَا لَمْ يَقَعْ فِي مَحَلِّ الْحُرْمَةِ فَحَلَّ، فَإِذَا حَلَّ وَطْءُ كُلٍّ مِنْهُمَا لَمْ يَكُنْ وَطْءُ إحْدَاهُمَا دَلِيلًا عَلَى تَحْرِيمِ الْأُخْرَى بِعِتْقِهَا، وَإِنَّمَا يَلْزَمُ إذَا كَانَ الْحَلَالُ وَطْءَ إحْدَاهُمَا فَقَطْ وَهُوَ مَمْنُوعٌ وَحِينَئِذٍ يَرِدُ النَّقْضُ بِالْوَطْءِ بِالطَّلَاقِ الْمُبْهَمِ فَإِنَّهُ لَوْ صَحَّ مَا ذُكِرَ لَزِمَ حِلُّ وَطْئِهِمَا لِوُقُوعِهِ فِي مُعَيَّنَةٍ وَالْمُطَلَّقَةُ هِيَ الْمُبْهَمَةُ، فَإِذَا أُجِيبَ عَنْهُ بِتَقْيِيدِ حِلِّهِمَا بِمَا إذَا لَمْ تَتَعَيَّنْ إحْدَاهُمَا لِلطَّلَاقِ وَبِمُجَرَّدِ وَطْءِ إحْدَاهُمَا تَتَعَيَّنُ الْأُخْرَى فَتُحَرَّمُ بِخِلَافِهِ فِي الْعِتْقِ عَادَ أَوَّلَ الْمَسْأَلَةِ وَهُوَ أَنَّهُ كَمَا كَانَ الْوَطْءُ بَيَانًا فِي الطَّلَاقِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ بَيَانًا فِي الْعِتْقِ لِأَنَّ الْمِلْكَ فِي الزَّوْجَتَيْنِ الْمُعَيَّنَتَيْنِ قَائِمٌ، وَإِنَّمَا الْمُطَلَّقَةُ هِيَ الْمُبْهَمَةُ، وَلَا جَوَابَ لَهُ سِوَى أَنَّ الدَّالَ فِي الْأَصْلِ: أَعْنِي الطَّلَاقَ الْمُبْهَمَ لَيْسَ إلَّا قَصْدَ الِاسْتِبْقَاءِ فَإِنَّهُ هُوَ الدَّلِيلُ عَلَى نَفْيِ الْأُخْرَى إذَا كَانَ الْوَاجِبُ إخْرَاجَ إحْدَاهُمَا عَنْ الْمِلْكِ وَهُوَ مُبْطِنٌ فَيُدَارُ عَلَى دَلِيلِهِ وَهُوَ الْوَطْءُ لِطَلَبِ الْوَلَدِ، فَإِنَّ طَلَبَهُ يُفِيدُ اسْتِبْقَاءَ مَنْ هُوَ مِنْهَا كَيْ لَا يَضِيعَ حَالُهُ، وَوَطْءُ
стр. 2044
(وَمَنْ قَالَ لِأَمَتِهِ إنْ كَانَ أَوَّلُ وَلَدٍ تَلِدِينَهُ غُلَامًا فَأَنْتِ حُرَّةٌ فَوَلَدَتْ غُلَامًا وَجَارِيَةً وَلَا يَدْرِي أَيَّهمَا وُلِدَ أَوَّلًا عَتَقَ نِصْفُ الْأُمِّ وَنِصْفُ الْجَارِيَةِ وَالْغُلَامُ عَبْدٌ) لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا تَعْتِقُ فِي حَالٍ وَهُوَ مَا إذَا وَلَدَتْ الْغُلَامَ أَوَّلَ مَرَّةٍ
الْمَنْكُوحَةِ هُوَ الْمُفِيدُ لِطَلَبِ الْوَلَدِ ظَاهِرًا لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي وُضِعَ لَهُ عَقْدُهَا لَا وَطْءُ الْأَمَةِ لِأَنَّ عَقْدَهَا لَمْ يُوضَعْ لِذَلِكَ بَلْ لِلِاسْتِخْدَامِ، وَوَطْؤُهَا مِنْ جُمْلَةِ الِاسْتِخْدَامِ قَضَاءً لِلشَّهْوَةِ، فَلَمْ يَكُنْ وُجُودُهُ دَلِيلًا عَلَى قَصْدِ الْوَلَدِ دَلَالَةً ظَاهِرَةً، وَعَلَى هَذَا وَيَكْفِي فِي دَلِيلِهِمَا أَنْ يُقَالَ وَطْءُ إحْدَاهُمَا دَلِيلُ اسْتِبْقَائِهَا كَالْوَطْءِ فِي الطَّلَاقِ الْمُبْهَمِ، وَفِي وَجْهٍ قَوْلُهُ مَنَعَ دَلَالَتَهُ، وَالْفَرْقُ بِمَا ذَكَرْنَا، وَلَا حَاجَةَ إلَى إثْبَاتِ الْمِلْكِ فِيهِمَا وَحِلِّ وَطْئِهِمَا.
ثُمَّ الْقَوْلُ بِأَنَّهُ لَا يُفْتَى بِهِ لِتَرْكِ الِاحْتِيَاطِ فَالْحَقُّ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ وَطْؤُهُمَا كَمَا لَا يَصِحُّ بَيْعُهُمَا، وَقَدْ وَضَعَ فِي الْأُصُولِ مَسْأَلَةً يَجُوزُ أَنْ يُحَرِّمَ أَحَدٌ أَشْيَاءَ كَمَا يَجُوزُ إيجَابُ أَحَدٍ أَشْيَاءَ كَمَا فِي خِصَالِ الْكَفَّارَةِ وَحُكْمُ تَحْرِيمِ أَحَدٍ أَشْيَاءَ جَوَازُ فِعْلِهَا إلَّا وَاحِدًا لِأَنَّهُ لَوْ عَمَّهَا فِعْلًا كَانَ فَاعِلًا لِلْمُحَرَّمِ قَطْعًا وَلَا يُعْلَمُ خِلَافٌ فِي ذَلِكَ، وَثُبُوتُ الْمِلْكِ قَدْ يَمْتَنِعُ مَعَهُ الْوَطْءُ لِعَارِضٍ كَالرَّضَاعِ وَالْمَجُوسِيَّةِ فَلَا يَسْتَلْزِمُ قِيَامُهُ حِلَّ الْوَطْءِ، وَهُنَا كَذَلِكَ فَإِنَّ مُوجَبَ اللَّفْظِ وَهُوَ عِتْقُ إحْدَاهُمَا لَا يَعْدُوهُمَا، فَفِي وَطْئِهِمَا وَطْءُ الْمُحَرَّمَةِ بِيَقِينٍ فَلَا يَحِلُّ قَطْعًا وَإِنْ كَانَ الْمِلْكُ قَائِمًا فِيهِمَا، بِخِلَافِ أَخْذِهِ أَرْشَ الْجِنَايَةِ عَلَيْهِمَا لِأَنَّهُ بَدَلُ الْمِلْكِ غَيْرُ مُقَيَّدٍ بِحِلِّ الْوَطْءِ، وَغَرَامَةُ قِيمَةِ مَمْلُوكِينَ كَذَلِكَ أَيْضًا، وَإِنَّمَا وَجَبَ نِصْفُ قِيمَةٍ وَدِيَةٍ لِكُلٍّ مِنْهُمَا إذَا قَتَلَهُمَا رَجُلٌ لِصِحَّةِ إثْبَاتِهِ بِدُونِ التَّعْيِينِ، وَإِنَّمَا يَتَنَصَّفُ لِأَنَّ إحْدَاهُمَا حُرَّةٌ بِيَقِينٍ وَلَا تُعْرَفُ فَتُنَصَّفُ فِي الضَّمَانِ ثُمَّ مَا هُوَ قِيمَةٌ لِلْمَوْلَى وَمَا هُوَ دِيَةٌ لِلْوَرَثَةِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَتَلَهُمَا رَجُلَانِ فَإِنَّ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا قِيمَةَ أَمَةٍ إذْ لَيْسَتْ كُلٌّ مِنْهُمَا حُرَّةً فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فَكُلٌّ مِنْ الرَّجُلَيْنِ يَقُولُ ذَلِكَ فَتَعَذَّرَ الْإِيجَابُ عَلَى الْعَاقِلَةِ مِنْ غَيْرِ يَقِينٍ بِالضَّمَانِ عَلَيْهِمْ، بِخِلَافِ قَتْلِ وَاحِدٍ فَإِنَّ الْحُرَّةَ لَا تَعْدُوهُمَا فَتَحَقَّقَ عَلَيْهِ ضَمَانُ حُرَّةٍ غَيْرِ مَعْلُومَةٍ بِعَيْنِهَا فَتَوَزَّعَ فِيهِمَا.
وَقَوْلُهُمْ وُقُوعُ الطَّلَاقِ فِيهِمَا مُعَلَّقٌ بِالْبَيَانِ فَجَازَ وَطْؤُهُمَا غَيْرُ صَحِيحٍ، إذْ لَا تَعْلِيقَ بَلْ تَنْجِيزٌ مَأْمُورٌ فِي الشَّرْعِ بِتَعْيِينِ مَحَلِّهِ، وَلَوْ كَانَ يَمِينًا مَحْضًا لَمْ يُجْبَرْ عَلَى إيقَاعِ شَرْطِهِ كَسَائِرِ الْأَيْمَانِ، وَهُنَا يُجْبَرُ عَلَى الْبَيَانِ الَّذِي هُوَ بِمَنْزِلَةِ الشَّرْطِ فَعُرِفَ أَنَّهُ شَبِيهٌ بِهِ مِنْ حَيْثُ تَوَقُّفُ الْوُقُوعِ فِي الْمُعَيَّنَةِ عَلَيْهِ شَبَهًا لَا يُوجِبُ حَقِيقَةَ أَحْكَامِهِ مِنْ حِلِّ الْوَطْءِ قَبْلَ الشَّرْطِ فِيهِمَا، وَأَبُو حَنِيفَةَ لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ ذَلِكَ صَرِيحًا بَلْ خَرَجَ مِنْ تَعْلِيلِهِ الْمِلْكَ فِيهِمَا بِحِلِّ وَطْءِ إحْدَاهُمَا.
[فُرُوعٌ]
مِنْ الْبَيَانِ لَوْ قَالَ لِأَمَتَيْهِ إحْدَاكُمَا حُرَّةٌ ثُمَّ قَالَ لَمْ أَعْنِ هَذِهِ عَتَقَتْ الْأُخْرَى، وَلَوْ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ أَعْنِ هَذِهِ الْأُخْرَى عَتَقَتْ الْأُولَى فَتَعْتِقَانِ، لِأَنَّ قَوْلَهُ لَمْ أَعْنِ هَذِهِ إقْرَارٌ بِعِتْقِ الْأُخْرَى فَقَدْ أَقَرَّ بِعِتْقِهِمَا، وَكَذَا هَذَا فِي الطَّلَاقِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ لِأَحَدِ هَذَيْنِ عَلَيَّ أَلْفٌ فَقِيلَ لَهُ أَهُوَ هَذَا فَقَالَ لَا لَمْ يَجِبْ لِلْآخَرِ شَيْءٌ. وَالْفَرْقُ أَنَّ الْبَيَانَ فِي الْإِقْرَارِ الْمُبْهَمِ لَيْسَ وَاجِبًا بِخِلَافِهِ فِي إنْشَاءِ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ الْمُبْهَمِ.
وَلَوْ قَالَ أَمَةٌ وَعَبْدٌ مِنْ رَقِيقِي حُرَّانِ وَمَاتَ قَبْلَ الْبَيَانِ، فَإِنْ كَانَ لَهُ أَمَةٌ وَعَبْدَانِ عَتَقَتْ الْأَمَةُ وَمِنْ كُلِّ عَبْدٍ نِصْفُهُ، وَإِنْ كَانُوا ثَلَاثَةً عَتَقَ مِنْ كُلٍّ ثُلُثُهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْبَاقِي، وَلَوْ تَعَدَّدَتْ الْإِمَاءُ فَعَلَى هَذَا الْقِيَاسِ إنْ كَانَتَا أَمَتَيْنِ عَتَقَ مِنْ كُلٍّ نِصْفُهَا أَوْ ثَلَاثًا عَتَقَ مِنْ كُلٍّ ثُلُثُهَا وَتَسْعَى فِي الْبَاقِي، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(قَوْلُهُ وَمَنْ قَالَ لِأَمَتِهِ إنْ كَانَ أَوَّلُ وَلَدٍ تَلِدِينَهُ غُلَامًا فَأَنْتِ حُرَّةٌ فَوَلَدَتْ غُلَامًا وَجَارِيَةً وَلَا يَدْرِي أَيَّهُمَا وُلِدَ أَوَّلًا عَتَقَ نِصْفُ الْأُمِّ) وَتَسْعَى فِي قِيمَةِ نِصْفِهَا (وَنِصْفُ الْجَارِيَةِ) وَتَسْعَى فِي النِّصْفِ (وَالْغُلَامُ عَبْدٌ) لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْأُمِّ وَالْجَارِيَةِ تَعْتِقُ فِي حَالٍ وَهُوَ مَا إذَا وَلَدَتْ الْغُلَامَ أَوَّلًا
стр. 2045
الْأُمُّ بِشَرْطٍ وَالْجَارِيَةُ لِكَوْنِهَا تَبَعًا لَهَا، إذْ الْأُمُّ حُرَّةٌ حِينَ وَلَدَتْهَا، وَتَرِقُّ فِي حَالٍ وَهُوَ مَا إذَا وَلَدَتْ الْجَارِيَةَ أَوَّلًا لِعَدَمِ الشَّرْطِ فَيَعْتِقُ نِصْفُ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا وَتَسْعَى فِي النِّصْفِ، أَمَّا الْغُلَامُ يَرِقُّ فِي الْحَالَيْنِ فَلِهَذَا يَكُونُ عَبْدًا،
فَعِتْقُ الْأُمِّ لِوُجُودِ شَرْطِ عِتْقِهَا وَالْجَارِيَةِ لِكَوْنِهَا تَبَعًا لِلْأُمِّ فِي الرِّقِّ وَالْحُرِّيَّةِ وَقَدْ وَلَدَتْهَا وَهِيَ حُرَّةٌ وَتَرِقُّ فِي حَالٍ وَهُوَ مَا إذَا وَلَدَتْ الْجَارِيَةَ أَوَّلًا لِعَدَمِ الشَّرْطِ، فَإِذَا عَتَقَتَا فِي حَالٍ دُونَ حَالٍ فَيَعْتِقُ نِصْفُ كُلٍّ مِنْهُمَا، وَالْغُلَامُ عَبْدٌ فِي الْحَالَيْنِ لِأَنَّهُ وُلِدَ وَأُمُّهُ قِنَّةٌ فَإِنَّهَا إنَّمَا تَعْتِقُ بَعْدَ وِلَادَتِهَا إيَّاهُ أَوَّلًا لِأَنَّ وِلَادَتَهُ شَرْطُ عِتْقِهَا وَالْمَشْرُوطُ يَتَعَقَّبُ الشَّرْطَ وَهَذَا الْجَوَابُ كَمَا تَرَى فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ فِيهِ.
وَالْمَذْكُورُ لِمُحَمَّدٍ فِي الْكَيْسَانِيَّاتِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ لَا يُحْكَمُ بِعِتْقِ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لِأَنَّا لَمْ نَتَيَقَّنْ بِعِتْقِهِ وَاعْتِبَارُ الْأَحْوَالِ بَعْدَ التَّيَقُّنِ بِالْحُرِّيَّةِ، وَلَا يَجُوزُ إيقَاعُ الْعِتْقِ بِالشَّكِّ، فَعَنْ هَذَا حَكَمَ الطَّحَاوِيُّ بِأَنَّ مُحَمَّدًا كَانَ أَوَّلًا مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ ثُمَّ رَجَعَ.
وَفِي النِّهَايَةِ عَنْ الْمَبْسُوطِ أَنَّ هَذَا الْجَوَابَ لَيْسَ جَوَابَ هَذَا الْفَصْلِ بَلْ فِي هَذَا الْفَصْلِ لَا يُحْكَمُ بِعِتْقِ وَاحِدٍ مِنْهُمْ وَلَكِنْ يُحَلَّفُ الْمَوْلَى بِاَللَّهِ مَا يَعْلَمُ أَنَّهَا وَلَدَتْ الْغُلَامَ أَوَّلًا،
فَإِنْ نَكَلَ فَنُكُولُهُ كَإِقْرَارِهِ، وَإِنْ حَلَفَ فَكُلُّهُمْ أَرِقَّاءٌ، وَأَنَّ جَوَابَ هَذَا الْفَصْلِ إنَّمَا هُوَ فِيمَا إذَا قَالَ: إنْ كَانَ أَوَّلُ وَلَدٍ تَلِدِينَهُ غُلَامًا فَأَنْتِ حُرَّةٌ، وَإِنْ كَانَ جَارِيَةً فَهِيَ حُرَّةٌ فَوَلَدَتْهُمَا وَلَا يَدْرِي الْأَوَّلَ فَالْغُلَامُ رَقِيقٌ وَالِابْنَةُ حُرَّةٌ وَتَعْتِقُ نِصْفُ الْأُمِّ، وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا لَيْسَ جَوَابَ الْكِتَابِ؛ لِأَنَّ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ يَعْتِقُ جَمِيعُ الْجَارِيَةِ عَلَى كُلِّ حَالٍ لِأَنَّهَا إنْ وَلَدَتْ الْجَارِيَةَ أَوَّلًا عَتَقَتْ بِالشَّرْطِ، وَإِنْ وَلَدَتْ الْغُلَامَ أَوَّلًا عَتَقَتْ تَبَعًا لِلْأُمِّ.
وَأَمَّا انْتِصَافُ عِتْقِ الْأُمِّ فَلِأَنَّهَا تَعْتِقُ فِي وِلَادَةِ الْغُلَامِ أَوَّلًا وَتَرِقُّ فِي الْجَارِيَةِ، وَجَوَابُ الْكِتَابِ عِتْقُ نِصْفِهَا مَعَ نِصْفِ الْأُمِّ. وَصَحَّحَ فِي النِّهَايَةِ مَا فِي الْكَيْسَانِيَّاتِ لِأَنَّ الشَّرْطَ الَّذِي لَمْ يُتَيَقَّنْ وُجُودُهُ إذَا كَانَ فِي طَرَفٍ وَاحِدٍ
стр. 2046
وَإِنْ ادَّعَتْ الْأُمُّ أَنَّ الْغُلَامَ هُوَ الْمَوْلُودُ أَوَّلًا وَأَنْكَرَ الْمَوْلَى وَالْجَارِيَةُ صَغِيرَةٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ الْيَمِينِ لِإِنْكَارِهِ شَرْطَ الْعِتْقِ، فَإِنْ حَلَفَ يَعْتِقُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ، وَإِنْ نَكَلَ عَتَقَتْ الْأُمُّ وَالْجَارِيَةُ؛ لِأَنَّ دَعْوَى الْأُمِّ حُرِّيَّةَ الصَّغِيرَةِ مُعْتَبَرَةٌ لِكَوْنِهَا نَفْعًا مَحْضًا فَاعْتُبِرَ النُّكُولُ فِي حَقِّ حُرِّيَّتِهِمَا فَعَتَقَتَا، وَلَوْ كَانَتْ الْجَارِيَةُ كَبِيرَةً وَلَمْ تَدَّعِ شَيْئًا وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا عَتَقَتْ الْأُمُّ بِنُكُولِ الْمَوْلَى خَاصَّةً دُونَ الْجَارِيَةِ؛ لِأَنَّ دَعْوَى الْأُمِّ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ فِي حَقِّ الْجَارِيَةِ الْكَبِيرَةِ، وَصِحَّةُ النُّكُولِ تُبْتَنَى عَلَى الدَّعْوَى فَلَمْ يَظْهَرْ فِي حَقِّ الْجَارِيَةِ
كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ مَنْ أَنْكَرَ وُجُودَهُ، كَمَا إذَا قَالَ إنْ دَخَلْت غَدًا فَأَنْتَ حُرٌّ فَمَضَى الْغَدُ وَلَا يَدْرِي أَدَخَلَ أَمْ لَا لِلشَّكِّ فِي شَرْطِ الْعِتْقِ، فَكَذَا وَقَعَ الشَّكُّ فِي شَرْطِ الْعِتْقِ وَهُوَ وِلَادَةُ الْغُلَامِ أَوَّلًا، وَأَمَّا إذَا كَانَ الشَّرْطُ مَذْكُورًا فِي طَرَفَيْ الْوُجُودِ وَالْعَدَمِ كَانَ أَحَدُهُمَا مَوْجُودًا لَا مَحَالَةَ فَحِينَئِذٍ يُحْتَاجُ إلَى اعْتِبَارِ الْأَحْوَالِ.
فَإِنْ قُلْت: الْمَفْرُوضُ فِي صُورَةِ الْكِتَابِ تَصَادُقُهُمْ عَلَى عَدَمِ عِلْمِ الْمُتَقَدِّمِ وَالْمُتَأَخِّرِ فَكَيْفَ يُحَلَّفُ وَلَا دَعْوَى وَلَا مُنَازِعَ؟ قُلْنَا: هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى دَعْوَى مِنْ خَارِجِ حِسْبَةِ عِتْقِ الْأَمَةِ أَوْ بِنْتِهَا لِوُجُودِ الشَّرْطِ، وَقَدْ عُرِفَ أَنَّ الْأَمَةَ لَوْ أَنْكَرَتْ الْعِتْقَ وَشُهِدَ بِهِ تُقْبَلُ، فَعَلَى هَذَا جَازَ أَنْ يَدَّعِيَ رَجُلٌ حِسْبَةً إذَا لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ لِيُحَلَّفَ لِرَجَاءِ نُكُولِهِ، هَذَا وَلَكِنَّ الْمَذْكُورَ فِي الْمَبْسُوطِ فِي تَعْلِيلِهِ صَرَّحَ بِأَنَّ الْأُمَّ تَدَّعِي الْعِتْقَ وَالْمَوْلَى يُنْكِرُ وَالْقَوْلُ لِلْمُنْكِرِ مَعَ يَمِينِهِ، فَأَفَادَ أَنَّ ذَلِكَ فِي صُورَةِ دَعْوَى الْأُمِّ وَهِيَ غَيْرُ هَذِهِ الصُّورَةِ الَّتِي فِي الْكِتَابِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ مَا ذَكَرَ فِي النِّهَايَةِ مِنْ تَرْجِيحِ مَا فِي الْكَيْسَانِيَّاتِ حَقِيقَتُهُ إبْطَالُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ مَعَ أَنَّهُ لَمْ تَرِدْ عَنْهُمَا رِوَايَةٌ شَاذَّةٌ تُخَالِفُ ذَلِكَ الْجَوَابَ.
وَاسْتِدْلَالُهُ بِأَنَّ الشَّرْطَ الْكَائِنَ فِي طَرَفٍ وَاحِدٍ إلَخْ قَدْ يُنْظَرُ فِيهِ بِأَنَّ ذَلِكَ فِي الشَّرْطِ الظَّاهِر لَا الْخَفِيِّ وَلِهَذَا قَيَّدَ فِي الْمَبْسُوطِ حَيْثُ قَالَ إذَا قَالَ إنْ فَعَلْت كَذَا فَأَنْتَ حُرٌّ، وَذَلِكَ مِنْ الْأُمُورِ الظَّاهِرَةِ كَالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ وَدُخُولِ الدَّارِ فَقَالَ الْعَبْدُ فَعَلْت لَا يُصَدَّقُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ، بِخِلَافِ قَوْلِهِ إنْ كُنْت تُحِبِّينِي إلَخْ، فَيُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ الْوِلَادَةُ مِنْ الْأُمُورِ الَّتِي لَيْسَتْ ظَاهِرَةً فَيُوجِبُ الشَّكُّ فِيهَا اعْتِبَارَ الْأَحْوَالِ فَيَعْتِقُ نِصْفُ الْأُمِّ كَمَا فِي الْجَامِعِ (قَوْلُهُ وَإِنْ ادَّعَتْ الْأُمُّ أَنَّ الْغُلَامَ هُوَ الْمَوْلُودُ أَوَّلًا وَأَنْكَرَ الْمَوْلَى وَالْجَارِيَةُ صَغِيرَةٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ الْيَمِينِ) بِاَللَّهِ مَا يَعْلَمُ أَنَّ الْغُلَامَ وُلِدَ أَوَّلًا (لِإِنْكَارِهِ شَرْطَ الْعِتْقِ فَإِنْ حَلَفَ لَمْ يَعْتِقْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ، وَإِنْ نَكَلَ عَتَقَتْ الْأُمُّ وَالْجَارِيَةُ) مَعًا (لِأَنَّ دَعْوَى الْأُمِّ حُرِّيَّةَ الصَّغِيرَةِ) تَثْبُتُ فِي ضِمْنِ دَعْوَاهَا حُرِّيَّةَ نَفْسِهَا لِأَنَّهَا نَفْعٌ مَحْضٌ مَعَ ثُبُوتِ وِلَايَتِهَا عَلَيْهَا فِي الْجُمْلَةِ وَعَجْزِ الصَّغِيرَةِ عَنْ دَعْوَاهَا لِنَفْسِهَا فَاعْتُبِرَ نُكُولُهُ فِي حَقِّ حُرِّيَّتِهِمَا فَعَتَقَتَا (فَلَوْ كَانَتْ الْجَارِيَةُ كَبِيرَةً وَلَمْ تَدَّعِ شَيْئًا) مِنْ الْحُرِّيَّةِ لِنَفْسِهَا (وَبَاقِي الْمَسْأَلَةِ بِحَالِهِ) يَعْنِي وَلَدَتْهُمَا فَادَّعَتْ الْأُمُّ تَقَدُّمَ الْغُلَامِ، وَأَنْكَرَ الْمَوْلَى وَالْجَارِيَةُ بَالِغَةٌ فَحُلِّفَ فَنَكَلَ عَتَقَتْ الْأُمُّ خَاصَّةً بِنُكُولِهِ لِأَنَّ دَعْوَى الْأُمِّ حُرِّيَّتَهَا غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ فِي الْجَارِيَةِ الْكَبِيرَةِ لِأَنَّ الدَّعْوَى عَنْ الْغَيْرِ إنَّمَا تَصِحُّ بِوِلَايَةٍ أَوْ إنَابَةٍ وَهُمَا مُنْتَفِيَتَانِ عَنْ الْكَبِيرَةِ فَلَا تَتَضَمَّنُ دَعْوَى الْأُمِّ حُرِّيَّةَ نَفْسِهَا دَعْوَاهَا حُرِّيَّةَ الْبِنْتِ.
فَإِنْ قِيلَ: إذَا ثَبَتَ عِتْقُ الْأُمِّ يَنْبَغِي أَنْ تَثْبُتَ حُرِّيَّةُ بِنْتِهَا لِأَنَّهُ لَازِمٌ لَهُ فَالْإِقْرَارُ بِحُرِّيَّتِهَا إقْرَارٌ بِحُرِّيَّةِ الْأُخْرَى. أُجِيبَ بِمَنْعِ كَوْنِ عِتْقِ الْأُمِّ بِالنُّكُولِ عِتْقًا بِوُجُودِ الشَّرْطِ لِجَوَازِ كَوْنِهِ بَذْلًا لِمَالِيَّتِهَا مِنْ الْمَوْلَى لِيَتْرُكَ الْحَلِفَ أَوْ إقْرَارًا بِحُرِّيَّتِهَا بِدُونِ ذَلِكَ الشَّرْطِ فَلَا يُوجِبُ عِتْقَ الْبِنْتِ، وَبِأَنَّ النُّكُولَ جُعِلَ إقْرَارًا عَلَى قَوْلِهِمَا بِطَرِيقِ الضَّرُورَةِ، وَلِهَذَا لَا يَثْبُتُ الْعِتْقُ بِمُجَرَّدِ النُّكُولِ قَبْلَ الْقَضَاءِ، وَلِهَذَا قَالَ مُحَمَّدٌ فِيمَنْ قَالَ لِغَيْرِهِ: أَنَا كَفِيلٌ بِكُلِّ مَا يُقِرُّ لَك بِهِ فُلَانٌ فَادَّعَى الْمَكْفُولُ لَهُ عَلَى فُلَانٍ مَالًا فَأَنْكَرَ فَحُلِّفَ فَنَكَلَ
стр. 2047
وَلَوْ كَانَتْ الْجَارِيَةُ الْكَبِيرَةُ هِيَ الْمُدَّعِيَةُ لِسَبْقِ وِلَادَةِ الْغُلَامِ وَالْأُمُّ سَاكِتَةٌ يَثْبُتُ عِتْقُ الْجَارِيَةِ بِنُكُولِ الْمَوْلَى دُونَ الْأُمِّ لِمَا قُلْنَا، وَالتَّحْلِيفُ عَلَى الْعِلْمِ فِيمَا ذَكَرْنَا لِأَنَّهُ اسْتِحْلَافٌ عَلَى فِعْلِ الْغَيْرِ، وَبِهَذَا الْقَدْرِ يُعْرَفُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ
يُقْضَى عَلَيْهِ بِالْمَالِ وَلَا يَصِيرُ الرَّجُلُ كَفِيلًا، وَلَوْ كَانَ إقْرَارًا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ صَارَ كَفِيلًا (قَوْلُهُ وَلَوْ كَانَتْ الْجَارِيَةُ الْكَبِيرَةُ هِيَ الْمُدَّعِيَةُ لِسَبْقِ وِلَادَةِ الْغُلَامِ وَالْأُمُّ سَاكِتَةٌ وَالْبَاقِي بِحَالِهِ ثَبَتَ عِتْقُ الْجَارِيَةِ بِنُكُولِ الْمَوْلَى دُونَ الْأُمِّ لِمَا قُلْنَا) فِي أَنَّ دَعْوَى الْأُمِّ حُرِّيَّةَ نَفْسِهَا غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ فِي حَقِّ الْجَارِيَةِ مِنْ عَدَمِ صِحَّةِ الدَّعْوَى وَالنُّكُولُ يُبْنَى عَلَى صِحَّةِ الدَّعْوَى.
(قَوْلُهُ وَبِهَذَا الْقَدْرِ يُعْرَفُ مَا ذَكَرْنَا فِي كِفَايَةِ الْمُنْتَهَى مِنْ الْوُجُوهِ الْبَاقِيَةِ) وَهِيَ مَا إذَا اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ وِلَادَةَ الْغُلَامِ أَوَّلًا وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ وِلَادَةَ الْجَارِيَةِ أَوَّلًا فَلَا يَعْتِقُ أَحَدٌ فِي الثَّانِي وَيَعْتِقُ كُلُّ الْأُمِّ وَالْجَارِيَةِ فِي الْأَوَّلِ، وَبِهِمَا تَتِمُّ الْأَوْجُهُ لِلْمَسْأَلَةِ سِتَّةً.
[فَرْعٌ]
فِي الْمُحِيطِ: لَوْ قَالَ إنْ كَانَ أَوَّلُ وَلَدٍ تَلِدِينَهُ غُلَامًا فَأَنْتِ حُرَّةٌ، وَإِنْ كَانَ جَارِيَةً ثُمَّ غُلَامًا فَهُمَا حُرَّانِ فَوَلَدَتْ غُلَامًا وَجَارِيَتَيْنِ وَلَا يُعْلَمُ الْأَوَّلُ عَتَقَ نِصْفُ الْأُمِّ وَنِصْفُ الْغُلَامِ وَرُبُعُ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْجَارِيَتَيْنِ، أَمَّا الْأُمُّ فَلِأَنَّهَا تَعْتِقُ فِي حَالٍ دُونَ حَالٍ وَهُوَ رِوَايَةٌ، وَفِي عَامَّةِ الرِّوَايَاتِ يَجِبُ أَنْ يَعْتِقَ ثُلُثُهَا لِأَنَّهَا تَعْتِقُ فِي حَالٍ وَتَرِقُّ فِي حَالَيْنِ بِأَنْ كَانَتْ وِلَادَةُ إحْدَى الْجَارِيَتَيْنِ أَوَّلًا، وَأَمَّا الْغُلَامُ فَإِنَّهُ يَعْتِقُ فِي حَالٍ بِأَنْ وَلَدَتْ إحْدَى الْجَارِيَتَيْنِ أَوَّلًا، وَيَرِقُّ فِي حَالٍ بِأَنْ وَلَدَتْ الْغُلَامَ أَوَّلًا، وَأَمَّا الْجَارِيَتَانِ فَيَعْتِقُ مِنْ كُلٍّ رُبُعُهَا فِي عَامَّةِ الرِّوَايَاتِ لِأَنَّ إصَابَةَ الْحُرِّيَّةِ بِجِهَتَيْنِ مُتَعَذِّرٌ لِأَنَّ الشَّخْصَ إذَا عَتَقَ تَبَعًا لِلْأُمِّ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَعْتِقَ بِعِتْقِ نَفْسِهِ، وَمَتَى عَتَقَ بِعِتْقِ نَفْسِهِ لَا يَعْتِقُ تَبَعًا لِلْأُمِّ، فَلَا بُدَّ مِنْ إلْغَاءِ إحْدَى الْجِهَتَيْنِ فَأَلْغَيْنَا إصَابَةَ الْعِتْقِ مِنْ جِهَةِ الْأُمِّ، وَاعْتَبَرْنَا الْإِصَابَةَ بِعِتْقِ أَنْفُسِهِمَا لِأَنَّهُمَا أَقَلُّ وَهُوَ الْمُتَيَقَّنُ، فَإِنْ كَانَتْ وِلَادَةُ الْغُلَامِ أَوَّلًا لَا يَعْتِقَانِ بِعِتْقِ أَنْفُسِهِمَا، وَإِنْ كَانَتْ وِلَادَةُ الْجَارِيَةِ أَوَّلًا تَعْتِقُ الْأَخِيرَةُ بِعِتْقِ نَفْسِهَا فَتَثْبُتُ لَهُمَا حُرِّيَّةٌ فِي حَالٍ دُونَ حَالٍ فَيَثْبُتُ نِصْفُهُ بَيْنَهُمَا.
وَقَالَ أَبُو عِصْمَةَ: يَنْبَغِي أَنْ يَعْتِقَ مِنْ كُلٍّ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهَا لِأَنَّ الْغُلَامَ لَوْ كَانَ أَوَّلًا تَعْتِقُ الْأُمُّ فَتَعْتِقُ الْجَارِيَتَانِ بِعِتْقِهَا، وَلَوْ كَانَتْ إحْدَى الْجَارِيَتَيْنِ أَوَّلًا ثُمَّ الْغُلَامُ عَتَقَتْ الْجَارِيَةُ الْأُولَى وَالْأُخْرَى رَقِيقَةٌ فَكَانَ لَهُمَا عِتْقٌ وَنِصْفٌ بَيْنَهُمَا وَاخْتَارَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ
стр. 2048
الْوَجْهِ فِي كِفَايَةِ الْمُنْتَهَى
قَالَ (وَإِذَا شَهِدَ رَجُلَانِ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ أَعْتَقَ أَحَدَ عَبْدَيْهِ فَالشَّهَادَةُ بَاطِلَةٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي وَصِيَّةٍ) اسْتِحْسَانًا ذَكَرَهُ فِي كِتَابِ الْعَتَاقِ (وَإِنْ شُهِدَ أَنَّهُ طَلَّقَ إحْدَى نِسَائِهِ جَازَتْ الشَّهَادَةُ وَيُجْبَرُ الزَّوْجُ عَلَى أَنْ يُطَلِّقَ إحْدَاهُنَّ) وَهَذَا بِالْإِجْمَاعِ (وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: الشَّهَادَةُ فِي الْعِتْقِ مِثْلُ ذَلِكَ) وَأَصْلُ هَذَا أَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى عِتْقِ الْعَبْدِ لَا تُقْبَلُ مِنْ غَيْرِ دَعْوَى الْعَبْدِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، وَعِنْدَهُمَا تُقْبَلُ، وَالشَّهَادَةُ عَلَى عِتْقِ الْأَمَةِ وَطَلَاقِ الْمَنْكُوحَةِ مَقْبُولَةٌ مِنْ غَيْرِ دَعْوَى بِالِاتِّفَاقِ وَالْمَسْأَلَةُ مَعْرُوفَةٌ.
قَوْلَ أَبِي عِصْمَةَ وَقَالَ: هُوَ الَّذِي يُوَافِقُ مَا تَقَدَّمَ.
(قَوْلُهُ وَإِنْ شَهِدَ رَجُلَانِ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ أَعْتَقَ أَحَدَ عَبْدَيْهِ فَالشَّهَادَةُ بَاطِلَةٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ إلَّا أَنْ تَكُونَ فِي وَصِيَّةٍ اسْتِحْسَانًا ذَكَرَهُ فِي الْعَتَاقِ) أَيْ عَتَاقِ الْأَصْلِ بِأَنْ شَهِدَا أَنَّهُ أَعْتَقَ أَحَدَ عَبْدَيْهِ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ أَوْ شَهِدَا بِتَدْبِيرِهِ أَحَدَهُمَا مُطْلَقًا فِي صِحَّتِهِ أَوْ مَرَضِهِ، لِأَنَّ التَّدْبِيرَ حَيْثُ وَقَعَ كَانَ وَصِيَّةً، وَعِنْدَهُمَا تُقْبَلُ وَيُؤْمَرُ بِتَنْجِيزِ عِتْقِ أَحَدِهِمَا وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ (قَوْلُهُ وَأَصْلُ هَذَا) أَيْ أَصْلُ هَذَا الْخِلَافِ (أَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى عِتْقِ الْعَبْدِ لَا تُقْبَلُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ مِنْ غَيْرِ دَعْوَى الْعَبْدِ) مُطْلَقًا لَا فِي حُرِّيَّةِ الْأَصْلِ وَلَا فِي الْحُرِّيَّةِ الْعَارِضَةِ عَلَى مَا هُوَ الصَّحِيحُ خِلَافًا لِمَا قَالَهُ رَشِيدُ الدِّينِ أَنَّ الدَّعْوَى عِنْدَهُ لَيْسَتْ شَرْطًا فِي حُرِّيَّةِ الْأَصْلِ بَلْ فِي الْعَارِضَةِ فَقَطْ (وَعِنْدَهُمَا تُقْبَلُ) بِلَا دَعْوَى (وَالشَّهَادَةُ عَلَى عِتْقِ الْأَمَةِ وَطَلَاقِ الْمَنْكُوحَةِ مَقْبُولَةٌ مِنْ غَيْرِ دَعْوَى بِالِاتِّفَاقِ) وَإِنْ أَنْكَرَتْ الْأَمَةُ الْعِتْقَ لَا يُلْتَفَتُ إلَى إنْكَارِهَا وَتَعْتِقُ لِأَنَّهَا مُتَّهَمَةٌ، وَكَذَا عَلَى طَلَاقِ إحْدَى النِّسَاءِ مَقْبُولَةٌ مِنْ غَيْرِ دَعْوَى بِالِاتِّفَاقِ وَإِنْ أَنْكَرَتْ، وَيُجْبَرُ عَلَى أَنْ يُوقِعَ عَلَى إحْدَاهُنَّ.
(قَوْلُهُ وَالْمَسْأَلَةُ مَعْرُوفَةٌ) وَجْهُ قَوْلِهِمْ: إنَّ الْمَشْهُودَ بِهِ وَهُوَ الْعِتْقُ حَقُّ الشَّرْعِ إذْ يَتَعَلَّقُ بِهِ تَكْمِيلُ الْحُدُودِ وَوُجُوبُ الْجُمُعَةِ وَالْجِهَادُ وَالزَّكَاةُ، وَيَصِحُّ نَذْرُهُ بِهِ وَحَلِفُهُ بِهِ وَلِهَذَا لَا يُحْتَاجُ إلَى قَبُولٍ، وَلَا يَرْتَدُّ إقْرَارُ السَّيِّدِ بِحُرِّيَّةِ الْعَبْدِ وَلَا يَبْطُلُ بِالتَّنَاقُضِ حَتَّى لَوْ أَقَرَّ بِالرِّقِّ ثُمَّ ادَّعَى حُرِّيَّةَ الْأَصْلِ وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ تُقْبَلُ، وَلَوْ كَانَتْ الدَّعْوَى شَرْطًا لِمَنْعٍ لِأَنَّ التَّنَاقُضَ يُبْطِلُ صِحَّةَ الدَّعْوَى، وَإِنَّمَا لَا تَكْفِي شَهَادَةُ الْوَاحِدِ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ أَمْرًا دِينِيًّا يَتَضَمَّنُ إزَالَةَ مِلْكِ الْعَبْدِ وَإِبْطَالَ مَالِيَّةِ مَالِهِ، فَلِذَا شُرِطَ فِي الشَّهَادَةِ عَلَيْهِ اثْنَانِ.
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْعِتْقَ إمَّا زَوَالُ الْمِلْكِ الْمُسْتَلْزِمِ لِثُبُوتِ الْقُوَّةِ مِنْ مَالِكِيَّتِهِ، أَوْ هُوَ نَفْسُهَا، وَكِلَا
стр. 2049
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الْأَمْرَيْنِ حَقُّ الْعَبْدِ لِأَنَّهُ الْمُنْتَفَعُ بِهِ عَلَى الْخُصُوصِ فِي الْحَقِيقَةِ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يُثْبِتُ مَا ذُكِرَ مِنْ حُقُوقِهِ تَعَالَى ثَمَرَاتٍ لِهَذَا الثُّبُوتِ فَصَحَّ كَوْنُهُ حَقَّهُ عَلَى الْخُصُوصِ فِي الْحَقِيقَةِ، وَلَا يَكُونُ ثُبُوتُ اللَّازِمِ إلَّا بَعْدَ الْمَلْزُومِ، وَإِذَا كَانَ الْمُسْتَلْزِمُ حَقَّهُ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِدَعْوَاهُ. وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ يَرُدُّ عَلَى هَذَا عِتْقُ الْأَمَةِ لِأَنَّهُ يُقَالُ حُرْمَةُ فَرْجِهَا الَّتِي هِيَ حَقُّهُ تَعَالَى تَثْبُتُ بَعْدَ ثُبُوتِ حَقِّهَا مِنْ الْعِتْقِ فَوَجَبَ أَنْ يَشْتَرِطَ دَعْوَاهَا.
فَإِنْ قِيلَ: الْفَرْقُ أَنَّهَا مُتَّهَمَةٌ لِرَغْبَتِهَا فِي صُحْبَةِ مَوْلَاهَا حَتَّى نَقُولَ: لَوْ كَانَ الْعَبْدُ أَيْضًا مُتَّهَمًا قُبِلَتْ بِلَا دَعْوَاهُ، وَذَلِكَ بِأَنْ لَزِمَهُ حَدُّ قَذْفٍ أَوْ قِصَاصٍ فِي طَرَفٍ حَتَّى لَوْ أَنْكَرَ الْعِتْقَ لَا يُلْتَفَتُ إلَى إنْكَارِهِ.
قُلْنَا: نَفْرِضُ الْكَلَامَ فِيمَا إذَا لَمْ تُنْكِرْ وَلَكِنَّهَا سَاكِتَةٌ لِعَدَمِ عِلْمِهَا بِحُرِّيَّتِهَا، ثُمَّ قَدْ يُمْنَعُ تَأْثِيرُ كَوْنِ الثَّابِتِ بِالْعِتْقِ أَوَّلًا مَا هُوَ حَقُّ الْعَبْدِ مُسْتَلْزِمًا لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فِي اشْتِرَاطِ الدَّعْوَى، لِأَنَّهُ إذَا ثَبَتَ اسْتِلْزَامُهُ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى ثَبَتَ حُكْمُهُ مِنْ عَدَمِ اشْتِرَاطِ الدَّعْوَى سَوَاءٌ ثَبَتَ أَوَّلًا أَوْ ثَانِيًا؛ فَإِنْ حُوِّلَ التَّقْرِيرُ هَكَذَا الْعِتْقُ يَتَضَمَّنُ حَقَّ الْعَبْدِ وَحَقَّ اللَّهِ ، أَمَّا حَقُّهُ سُبْحَانَهُ فَمَا ذَكَرْتُمْ، وَأَمَّا حَقُّ الْعَبْدِ فَلِأَنَّهُ يَصِيرُ بِهِ مَالِكًا لِأَكْسَابِ نَفْسِهِ فَيَتَمَكَّنُ مِنْ إقَامَةِ مَصَالِحِهِ وَتَثْبُتُ وِلَايَاتُهُ مِنْ نَفَاذِ قَوْلِهِ فِي الشَّهَادَةِ وَإِنْكَاحِ بِنْتِهِ وَحُصُولِ الْمِيرَاثِ لَهُ إذَا مَاتَ قَرِيبُهُ، فَهُوَ بِمَا فِيهِ مِنْ حَقِّ الْعَبْدِ يَحْتَاجُ إلَى الدَّعْوَى وَإِنْ لَمْ يَحْتَجْ إلَى دَعْوَى بِمَا فِيهِ مِنْ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، عَلَى أَنَّ الِاسْتِدْلَالَ بِعَدَمِ الِارْتِدَادِ بِالرَّدِّ وَعَدَمِ التَّوَقُّفِ عَلَى قَبُولِهِ لَا يَسْتَلْزِمُ كَوْنَهُ حَقَّ اللَّهِ خَالِصًا؛ أَلَا يُرَى أَنَّ الْعَفْوَ عَنْ الْقِصَاصِ وَإِبْرَاءَ الْكَفِيلِ مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ لَا يَرْتَدُّ بِالرَّدِّ وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْقَبُولِ، وَكَذَا التَّنَاقُضُ فَإِنَّ عَدَمَ مَنْعِهِ لِخَفَاءِ رِقِّ الْأَصْلِ وَحُرِّيَّتِهِ كَمَا فِي دَعْوَى النَّسَبِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فَلِمَا أَنَّهُ لَمَّا اجْتَمَعَ فِي الْعِتْقِ الْحَقَّانِ فَلِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، قُلْنَا: لَا يُمْنَعُ التَّنَاقُضُ فِي حُرِّيَّةِ الْأَصْلِ وَلَا فِي الْحُرِّيَّةِ الْعَارِضَةِ، وَلِحَقِّ الْعَبْدِ شَرَطْنَا الدَّعْوَى وَالشَّاهِدَيْنِ أَيْضًا.
وَرَدَّ عَلَيْهِ أَيْضًا عِتْقُ الْأَمَةِ فَإِنَّ فِيهَا الْحَقَّيْنِ فَتَجِبُ الدَّعْوَى وَالشَّاهِدَانِ لِحَقِّ الْعَبْدِ، وَلَا يُمْنَعُ التَّنَاقُضُ لِحَقِّ اللَّهِ سُبْحَانَهُ، وَأَيْضًا إذَا كَانَ بِمَا تَضَمَّنَهُ مِنْ حَقِّ الْعَبْدِ يَحْتَاجُ إلَى الدَّعْوَى لَا يَلْزَمُ ثُبُوتُهَا لِأَنَّهُ بِمَا فِيهِ مِنْ حَقِّ اللَّهِ يُعَارِضُهُ؛ لِأَنَّ الثَّابِتَ مَعَهُ عَدَمُ الِاحْتِيَاجِ إلَى الدَّعْوَى وَإِنَّهُمَا يَتَعَارَضَانِ، لِأَنَّهُ إذَا وَقَعَتْ الشَّهَادَةُ بِلَا دَعْوَى فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى اقْتَضَى وُجُوبَ تَرْتِيبِ مُقْتَضَاهَا وَالْآخَرُ يَقْتَضِي أَنْ لَا يَثْبُتَ. وَالْحَقُّ أَنَّ الْمَنْظُورَ إلَيْهِ اجْتِمَاعُ الْحَقَّيْنِ وَتَعَارُضُ مُقْتَضَاهُمَا، فَتَرَجَّحَ مَا ثَبَتَ شَرْعًا لِاحْتِيَاطٍ فِي أَمْرِهِ وَتَوْكِيدِهِ، وَأَمْرُ الْفُرُوجِ مُحْتَاطٌ فِيهِ، فَالِاحْتِيَاطُ أَنْ لَا يَتَوَقَّفَ إثْبَاتُهُ بَعْدَ الشَّهَادَةِ عَلَى شَيْءٍ آخَرَ، بِخِلَافِ مَا لَمْ يَثْبُتْ فِيهِ مِثْلُهُ، فَلِذَا وَقَعَ الْفَرْقُ عِنْدَهُ بَيْنَ عِتْقِ الْأَمَةِ وَالطَّلَاقِ وَبَيْنَ عِتْقِ الْعَبْدِ، لِأَنَّ حَقَّهُ سُبْحَانَهُ الثَّابِتَ وَهُوَ حُرْمَةُ الِاسْتِرْقَاقِ الْمُقْتَضِي لِنَفْيِ الدَّعْوَى لَيْسَ
стр. 2050
وَإِذَا كَانَ دَعْوَى الْعَبْدِ شَرْطًا عِنْدَهُ لَمْ تَتَحَقَّقْ فِي مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ؛ لِأَنَّ الدَّعْوَى مِنْ الْمَجْهُولِ لَا تَتَحَقَّقُ فَلَا تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ. وَعِنْدَهُمَا لَيْسَ بِشَرْطٍ فَتُقْبَلُ الشَّهَادَةُ وَإِنْ انْعَدَمَ الدَّعْوَى.
أَمَّا فِي الطَّلَاقِ فَعَدَمُ الدَّعْوَى لَا يُوجِبُ خَلَلًا فِي الشَّهَادَةِ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِشَرْطٍ فِيهَا. وَلَوْ شَهِدَا أَنَّهُ أَعْتَقَ إحْدَى أَمَتَيْهِ لَا تُقْبَلُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ الدَّعْوَى شَرْطًا فِيهَا لِأَنَّهُ إنَّمَا لَا تُشْتَرَطُ الدَّعْوَى لِمَا أَنَّهُ يَتَضَمَّنُ تَحْرِيمَ الْفَرْجِ فَشَابَهُ الطَّلَاقَ، وَالْعِتْقُ الْمُبْهَمُ لَا يُوجِبُ تَحْرِيمَ الْفَرْجِ عِنْدَهُ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فَصَارَ كَالشَّهَادَةِ عَلَى عِتْقِ أَحَدِ الْعَبْدَيْنِ.
مِنْ التَّأْكِيدِ بِحَيْثُ يَجِبُ أَنْ يَثْبُتَ بِلَا دَعْوَى، وَهُمَا يَقُولَانِ جَمِيعُ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى يَجِبُ أَنْ تَثْبُتَ بِلَا دَعْوَى لِأَنَّهُ تَعَالَى هُوَ الْخَصْمُ فِيهَا وَالْعَبْدُ الشَّاهِدُ نَائِبُهُ فَتُضَمَّنُ شَهَادَتُهُ دَعْوَاهُ، وَأَمَّا حَقُّ الْعَبْدِ فَإِنْ افْتَقَرَ ثُبُوتُهُ إلَى الدَّعْوَى فَقَدْ انْتَصَبَ النَّائِبُ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى نَائِبًا عَنْهُ، وَهَذَا الْقَدْرُ يَحْصُلُ بِهِ الْمَقْصُودُ، فَإِنَّ الْمُثْبِتَ فِي الْحَقِيقَةِ لَيْسَ إلَّا الشَّهَادَةَ وَإِنَّمَا يَبْقَى فِيهِ مَا لَوْ أَنْكَرَ الْعَبْدُ الْعِتْقَ وَلَا تُهْمَةَ، وَحِينَئِذٍ يَجِبُ التَّرْجِيحُ وَيَتَرَجَّحُ حَقُّهُ . وَلَا يُقَالُ: الْمُقَرَّرُ تَرَجُّحُ حَقِّ الْعَبْدِ.
لِأَنَّا نَقُولُ: ذَلِكَ عِنْدَ التَّعَارُضِ بِأَنْ كَانَ ثُبُوتُ أَحَدِهِمَا يَنْتَفِي مَعَهُ الْآخَرُ وَهُنَا يَثْبُتُ حَقُّ الْعَبْدِ مَعَ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، بَلْ إذَا أَثْبَتْنَا حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى كَانَ إثْبَاتًا لِحَقِّ الْعَبْدِ سَابِقًا عَلَيْهِ وَإِنَّمَا فِيهِ أَنَّهُ يَثْبُتُ عَلَى رَغْمِهِ.
(قَوْلُهُ وَإِذَا كَانَ دَعْوَى الْعَبْدِ شَرْطًا عِنْدَهُ لَا تَتَحَقَّقُ فِي مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ) أَيْ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، وَهِيَ مَا إذَا شَهِدَا أَنَّهُ أَعْتَقَ أَحَدَ عَبْدَيْهِ لِأَنَّهُ عِتْقُ الْمَجْهُولِ (وَالدَّعْوَى مِنْ الْمَجْهُولِ لَا تَتَحَقَّقُ) وَإِنَّمَا تَتَحَقَّقُ مِنْ الْمُعَيَّنِ فَتَنْتَفِي الْمُطَابَقَةُ بَيْنَ الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَةِ، وَعِنْدَهُمَا لَيْسَ شَرْطًا مُطْلَقًا فَتُقْبَلُ وَيُجْبَرُ عَلَى تَعْيِينِ أَحَدِهِمَا.
(قَوْلُهُ وَلَوْ شُهِدَ أَنَّهُ أَعْتَقَ إحْدَى أَمَتَيْهِ إلَخْ) جَوَابٌ عَمَّا قَدْ يُقَالُ إذَا كَانَتْ الدَّعْوَى لَيْسَتْ بِشَرْطٍ عِنْدَهُ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى عِتْقِ الْأَمَةِ فَيَنْبَغِي أَنْ تُقْبَلَ عَلَى عِتْقِ إحْدَى أَمَتَيْهِ، وَالْوَاقِعُ أَنَّهَا لَا تُقْبَلُ عِنْدَهُ. أَجَابَ بِأَنَّهُ إنَّمَا لَا يُشْتَرَطُ الدَّعْوَى فِي الشَّهَادَةِ عَلَى عِتْقِ الْأَمَةِ الْمُعَيَّنَةِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَحْرِيمِ فَرْجِهَا عَلَى مَوْلَاهَا وَهُوَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى خَالِصًا (فَشَابَهُ الطَّلَاقَ) وَفِيهِ لَا يُشْتَرَطُ لِلشَّهَادَةِ بِهِ الدَّعْوَى لِذَلِكَ فَكَذَا هَذَا (وَالْعِتْقُ الْمُبْهَمُ لَا يُوجِبُ تَحْرِيمَ الْفَرْجِ عِنْدَهُ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ) فَانْتَفَى الْمُسْقَطُ فِيهِ فَصَارَ كَالشَّهَادَةِ عَلَى عِتْقِ
стр. 2051
وَهَذَا كُلُّهُ إذَا شَهِدَا فِي صِحَّتِهِ عَلَى أَنَّهُ أَعْتَقَ أَحَدَ عَبْدَيْهِ.
أَمَّا إذَا شَهِدَا أَنَّهُ أَعْتَقَ أَحَدَ عَبْدَيْهِ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ أَوْ شَهِدَا عَلَى تَدْبِيرِهِ فِي صِحَّتِهِ أَوْ فِي مَرَضِهِ وَأَدَاءُ الشَّهَادَةِ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ أَوْ بَعْدَ الْوَفَاةِ تُقْبَلُ اسْتِحْسَانًا؛ لِأَنَّ التَّدْبِيرَ حَيْثُمَا وَقَعَ وَصِيَّةً، وَكَذَا الْعِتْقُ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ وَصِيَّةٌ، وَالْخَصْمُ فِي الْوَصِيَّةِ إنَّمَا هُوَ الْمُوصِي وَهُوَ مَعْلُومٌ. وَعَنْهُ خَلَفٌ وَهُوَ الْوَصِيُّ أَوْ الْوَارِثُ، وَلِأَنَّ الْعِتْقَ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ يَشِيعُ بِالْمَوْتِ فِيهِمَا فَصَارَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا خَصْمًا مُتَعَيَّنًا.
أَحَدِ الْعَبْدَيْنِ. فَإِنْ قِيلَ: لَوْ كَانَتْ عِلَّةُ سُقُوطِ الدَّعْوَى فِي عِتْقِ الْأَمَةِ تَحْرِيمَ فَرْجِهَا عَلَى الْمُعْتِقِ لَشُرِطَتْ فِي عِتْقِ الْأَمَةِ الْمَجُوسِيَّةِ وَاَلَّتِي هِيَ أُخْتُهُ مِنْ الرَّضَاعِ وَفِي الشَّهَادَةِ عَلَى الطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ، لِأَنَّ الشَّهَادَةَ بِذَلِكَ لَمْ تَتَضَمَّنْ تَحْرِيمَ فَرْجِهَا لِحُرْمَتِهِ فِي الْأُولَيَيْنِ قَبْلَ الشَّهَادَةِ وَحِلِّهَا فِي الرَّجْعِيِّ بَعْدَهَا.
فَالْجَوَابُ أَنَّهُ يَثْبُتُ بِالشَّهَادَةِ بِعِتْقِهَا نَوْعٌ آخَرُ مِنْ التَّحْرِيمِ، فَإِنَّ وَطْءَ الْأُخْتِ مِنْ الرَّضَاعِ الْمَمْلُوكَةِ لَيْسَ بِزِنًا حَتَّى لَا يَلْزَمَهُ الْحَدُّ بِوَطْئِهَا قَبْلَ عِتْقِهَا وَبَعْدَهُ يَلْزَمُهُ، وَالطَّلَاقُ الرَّجْعِيُّ يَنْعَقِدُ بِهِ سَبَبُ حُرْمَةِ فَرْجِهَا فَأَثْبَتَتْ تَحْرِيمًا مُؤَجَّلًا بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، وَأَمَّا الْأَمَةُ الْمَجُوسِيَّةُ فَيَنْبَغِي أَنْ تُشْتَرَطَ الدَّعْوَى عِنْدَهُ، وَمَا قِيلَ إنَّ وَطْأَهَا مَمْلُوكٌ لَهُ وَإِنَّمَا مَنَعَ مِنْهُ خُبْثُهَا كَالْحَائِضِ فَبِالشَّهَادَةِ يَمْتَنِعُ ذَلِكَ الْوَطْءُ فِيهِ مَا فِيهِ (قَوْلُهُ وَهَذَا كُلُّهُ إذَا شَهِدَا بِعِتْقِ أَحَدِ الْعَبْدَيْنِ فِي صِحَّتِهِ).
(أَمَّا إذَا شُهِدَ أَنَّهُ أَعْتَقَ أَحَدَ عَبْدَيْهِ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ أَوْ شَهِدَا عَلَى تَدْبِيرِهِ فِي صِحَّتِهِ أَوْ فِي مَرَضِهِ) لِتَكُونَ شَهَادَتُهُمَا بِعِتْقٍ هُوَ وَصِيَّةٌ وَهُوَ الْمُسْتَثْنَى فِي أَوَّلِ الْمَسْأَلَةِ، وَقَدَّمْنَا
стр. 2052
وَلَوْ شَهِدَا بَعْدَ مَوْتِهِ أَنَّهُ قَالَ فِي صِحَّتِهِ أَحَدُكُمَا حُرٌّ فَقَدْ قِيلَ: لَا تُقْبَلُ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوَصِيَّةٍ. وَقِيلَ تُقْبَلُ لِلشُّيُوعِ هُوَ الصَّحِيحُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
أَنَّ التَّدْبِيرَ حَيْثُمَا وَقَعَ يَكُونُ وَصِيَّةً مُعْتَبَرًا مِنْ الثُّلُثِ وَلَوْ فِي حَالِ الصِّحَّةِ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ شَهَادَتُهُمَا بِهَذِهِ الْوَصِيَّةِ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ أَوْ بَعْدَ وَفَاتِهِ تُقْبَلُ اسْتِحْسَانًا؛ لِأَنَّ عَدَمَ الْقَبُولِ فِيمَا تَقَدَّمَ عِنْدَهُ لِعَدَمِ خَصْمٍ مَعْلُومٍ فَلَا يُتَصَوَّرُ الدَّعْوَى، وَإِذَا كَانَ وَصِيَّةً فَالْخَصْمُ فِيهَا هُوَ الْمُوصِي؛ لِأَنَّ تَنْفِيذَ الْوَصِيَّةِ مِنْ حُقُوقِ الْمُوصِي فَهُوَ الْخَصْمُ الْمُدَّعِي فِيهَا وَهُوَ مَعْلُومٌ وَعَنْهُ نَائِبٌ مَعْلُومٌ هُوَ الْوَصِيُّ أَوْ الْوَارِثُ، بِخِلَافِ حَالَةِ الْحَيَاةِ فَإِنَّ الْخَصْمَ فِي إثْبَاتِ الْعِتْقِ لَيْسَ هُوَ السَّيِّدُ لِإِنْكَارِهِ بَلْ هُوَ الْعَبْدُ وَهُوَ مَجْهُولٌ.
وَوَجْهٌ آخَرُ لِلِاسْتِحْسَانِ وَهُوَ أَنَّ الْخَصْمَ بَعْدَ الْمَوْتِ فِي الْعِتْقِ لَوْ لَمْ يَكُنْ الْمُوصِيَ كَانَ كُلًّا مِنْ الْعَبْدَيْنِ وَهُمَا مُعَيَّنَانِ، وَفِي حَالَةِ الْحَيَاةِ لَا تَصِحُّ خُصُومَتُهَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْتِقْ مِنْهُمَا شَيْءٌ وَالْمُعْتَقُ الْمُبْهَمُ بِخِلَافِ مَا إذَا مَاتَ الْمَوْلَى قَبْلَ الْبَيَانِ فَإِنَّ الْعِتْقَ حِينَئِذٍ يَشِيعُ فِيهِمَا فَيَعْتِقُ مِنْ كُلٍّ نِصْفُهُ عَلَى مَا عُرِفَ فِيمَنْ أَعْتَقَ أَحَدَ عَبْدَيْهِ وَمَاتَ قَبْلَ الْبَيَانِ فَيَكُونُ كُلٌّ مِنْهُمَا خَصْمًا مَعْلُومًا. وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْخَصْمِ هُنَا مَنْ تَكُونُ الشَّهَادَةُ عَلَى وَفْقِ دَعْوَاهُ وَلَا تُقَامُ الْبَيِّنَةُ إلَّا عَلَى مُنْكِرٍ فَفَرَضَ بَعْضُ الشَّارِحِينَ أَنْ يَكُونَ الْوَرَثَةُ مُنْكِرِينَ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ قَوْلُهُ وَعَنْهُ خَلَفٌ وَهُوَ الْوَصِيُّ أَوْ وَارِثُهُ: يَعْنِي الْوَصِيَّ إنْ كَانَ الْوَرَثَةُ مُنْكِرِينَ أَوْ الْوَرَثَةَ إنْ كَانَ الْوَصِيُّ مُنْكِرًا فَقِيلَ: فَيُشْكِلُ مَا لَوْ كَانَ كُلٌّ مِنْ الْوَصِيِّ وَالْوَارِثِ مُنْكِرًا إذْ لَا تَبْطُلُ الْبَيِّنَةُ لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ بِوَصِيَّةٍ وَلَيْسَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ خَلَفًا وَلَا مُخَلِّصَ إلَّا بِاعْتِبَارِ جَعْلِ الْمَيِّتِ مُدَّعِيًا تَقْدِيرًا، وَأَيْضًا قَوْلُهُ وَأَدَّيَا الشَّهَادَةَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ إلَخْ يُفِيدُ أَنَّهَا تُقْبَلُ فِي حَيَاتِهِ وَأَنْتَ عَلِمْت أَنَّ قَبُولَهَا بَعْدَ مَوْتِهِ بِاعْتِبَارِهَا وَصِيَّةً لِاعْتِبَارِهِ مُدَّعِيًا وَعَدَمُ قَبُولِهَا قَبْلَ مَوْتِهِ؛ لِأَنَّ الْمُدَّعِيَ الْعَبْدَانِ وَهُمَا غَيْرُ مَنْ أُثْبِتَ فِيهِ الْعِتْقُ أَعْنِي الْمُبْهَمَ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ إنْزَالَهُ مُدَّعِيًا لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ مَوْتِهِ، وَأَمَّا قَبْلَ مَوْتِهِ فَهُوَ مُنْكِرٌ، وَلِهَذَا اُحْتِيجَ إلَى الشَّهَادَةِ، وَرُدَّتْ لِعَدَمِ الْمُدَّعِي وَلَا مُخَلِّصَ إلَّا بِتَقْيِيدِهِ بِمَا إذَا كَانَ الْمَرِيضُ قَدْ أُصْمِتَ حَالَ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ وَاسْتَمَرَّ كَذَلِكَ حَتَّى مَاتَ، وَعَلَى هَذَا يَجِبُ أَنْ يُؤَخَّرَ الْقَضَاءُ بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ إلَى أَنْ يَمُوتَ فَيُقْضَى بِهَا وَلَا يُحْتَاجُ إلَى إعَادَتِهَا، أَوْ يَعِيشَ فَيُطْلَقَ لِسَانُهُ فَيَرُدَّ لِعَدَمِ الْخَصْمِ الْمُدَّعِي.
(قَوْلُهُ وَلَوْ شَهِدَا بَعْدَ مَوْتِهِ أَنَّهُ قَالَ فِي صِحَّتِهِ أَحَدُكُمَا حُرٌّ) لَا رِوَايَةَ فِيهِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ. وَاخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِي تَفْرِيعِهَا عَلَى قَوْلِهِ (فَقِيلَ لَا تُقْبَلُ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوَصِيَّةٍ) لِإِسْنَادِهِمَا الْعِتْقَ الْمُنَجَّزَ إلَى حَالَةِ الصِّحَّةِ، فَلَمْ يَكُنْ الْمَيِّتُ مُدَّعِيًا تَقْدِيرًا (وَقِيلَ تُقْبَلُ) لِأَنَّ الْعِتْقَ شَاعَ بَعْدَ الْمَوْتِ فَيَصِحُّ دَعْوَاهُمَا كَمَا ذَكَرْنَا، وَصَحَّحَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ قَبُولَهَا قَالَ: لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ مَعْلُولًا بِعِلَّتَيْنِ فَيَتَعَدَّى بِإِحْدَاهُمَا، وَتَبِعَهُ صَاحِبُ الْكَافِي وَقَالَ هُوَ الْأَصَحُّ.
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: شُيُوعُ الْعِتْقِ الَّذِي هُوَ مَبْنَى صِحَّةِ كَوْنِ الْعَبْدَيْنِ مُدَّعِيَيْنِ يَتَوَقَّفُ عَلَى ثُبُوتِ قَوْلِهِ أَحَدُكُمَا حُرٌّ وَلَا مُثْبِتَ لَهُ إلَّا الشَّهَادَةُ وَصِحَّتُهَا مُتَوَقِّفَةٌ عَلَى الدَّعْوَى الصَّحِيحَةِ مِنْ الْخَصْمِ فَصَارَ ثُبُوتُ شُيُوعِ الْعِتْقِ مُتَوَقِّفًا عَلَى ثُبُوتِ الشَّهَادَةِ، فَلَوْ أُثْبِتَتْ الشَّهَادَةُ بِصِحَّةِ خُصُومَتِهِمَا وَهِيَ الْمُتَوَقِّفَةُ عَلَى ثُبُوتِ الْعِتْقِ فِيهِمَا شَائِعًا لَزِمَ الدَّوْرُ، وَإِذَا لَمْ يَتِمَّ وَجْهُ ثُبُوتِ هَذِهِ الشَّهَادَةِ عَلَى قَوْلِهِ لَزِمَ تَرْجِيحُ الْقَوْلِ بِعَدَمِ قَبُولِهَا وَعَلَى هَذَا يَبْطُلُ الْوَجْهُ الثَّانِي مِنْ وَجْهَيْ الِاسْتِحْسَانِ فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ.
стр. 2053
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فُرُوعٌ]
شَهِدَا أَنَّهُ حَرَّرَ أَمَةً بِعَيْنِهَا وَسَمَّاهَا فَنَسِيَا اسْمَهَا لَا تُقْبَلُ لِأَنَّهُمَا لَمْ يَشْهَدَا بِمَا تَحَمَّلَاهُ وَهُوَ عِتْقُ مَعْلُومَةٍ بَلْ مَجْهُولَةٍ، وَكَذَا الشَّهَادَةُ عَلَى طَلَاقِ إحْدَى زَوْجَتَيْهِ وَسَمَّاهَا فَنَسِيَاهَا. وَعِنْدَ زُفَرَ تُقْبَلُ وَيُجْبَرُ عَلَى الْبَيَانِ وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُمَا كَقَوْلِ زُفَرَ فِي هَذِهِ لِأَنَّهَا كَشَهَادَتِهِمَا عَلَى عِتْقِ إحْدَى أَمَتَيْهِ وَطَلَاقِ إحْدَى زَوْجَتَيْهِ، وَلَوْ شُهِدَ أَنَّهُ أَعْتَقَ عَبْدَهُ سَالِمًا وَلَا يَعْرِفُونَ سَالِمًا وَلَهُ عَبْدٌ وَاحِدٌ اسْمُهُ سَالِمٌ عَتَقَ لِأَنَّهُ كَانَ مُعَيَّنًا لِمَا أَوْجَبَهُ، وَكَوْنُ الشُّهُودِ لَا يَعْرِفُونَ عَيْنَ الْمُسَمَّى لَا يَمْنَعُ قَبُولَ شَهَادَتِهِمْ، كَمَا أَنَّ الْقَاضِيَ يَقْضِي بِالْعِتْقِ بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ وَهُوَ لَا يَعْرِفُ الْعَبْدَ، بِخِلَافِ مَا لَوْ شَهِدُوا بِبَيْعِهِ، وَلَوْ كَانَ لَهُ عَبْدَانِ كُلُّ وَاحِدٍ اسْمُهُ سَالِمٌ وَالْمَوْلَى يَجْحَدُ لَمْ يَعْتِقْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الدَّعْوَى لِقَبُولِ هَذِهِ الشَّهَادَةِ عِنْدَهُ، وَلَا تَتَحَقَّقُ هُنَا مِنْ الْمَشْهُودِ لَهُ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُعَيَّنٍ مِنْهُمَا فَصَارَتْ كَمَسْأَلَةِ الْكِتَابِ الْخِلَافِيَّةِ. .
[وَهَذَا فَصْلٌ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الْعِتْقِ] إذَا ادَّعَى الْعَبْدُ الْعِتْقَ وَأَقَامَ شَاهِدًا لَا يُحَالُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَوْلَى، وَفِي الْأَمَةِ إذَا قَالَتْ: شَاهِدِي الْآخَرُ حَاضِرٌ يُحَالُ، وَلَوْ أَقَامَ الْعَبْدُ شَاهِدَيْنِ إنْ كَانَ الْمَوْلَى مَخُوفًا عَلَى الْعَبْدِ حِيلَ بَيْنَهُمَا حَتَّى يُنْظَرَ فِي أَمْرِ الشُّهُودِ لِأَنَّ الْحُجَّةَ تَمَّتْ ظَاهِرًا حَتَّى لَوْ قُضِيَ بِشَهَادَتِهِمَا نَفَذَ فَثَبَتَتْ بِهِ الْحَيْلُولَةُ احْتِيَاطًا بِخِلَافِ مَا إذَا أَقَامَ شَاهِدًا وَاحِدًا شَهِدَا بِعِتْقِ عَبْدِهِ وَاخْتَلَفَا فِي الْوَقْتِ أَوْ الْمَكَانِ أَوْ اللَّفْظِ أَوْ اللُّغَةِ أَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ أَعْتَقَهُ وَالْآخَرُ أَنَّهُ أَقَرَّ أَنَّهُ أَعْتَقَهُ فَالشَّهَادَةُ جَائِزَةٌ لِأَنَّ الْعِتْقَ قَوْلٌ يُعَادُ وَيُكَرَّرُ فَلَا يَلْزَمُ اخْتِلَافَ الْمَشْهُودِ بِهِ اخْتِلَافُ الشَّهَادَةِ فِيمَا ذَكَرْنَا، بِخِلَافِ مَا لَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ أَعْتَقَهُ وَالْآخَرُ أَنَّهُ وَهَبَهُ نَفْسَهُ لِاخْتِلَافِ الْمَشْهُودِ بِهِ وَضْعًا؛ لِأَنَّ الْهِبَةَ تَمْلِيكٌ وَالْإِعْتَاقَ إحْدَاثُ الْقُوَّةِ أَوْ إزَالَةُ الْمِلْكِ، كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ، فَيُحْمَلُ مَا ذُكِرَ قَبْلَهُ مِنْ أَنَّ اخْتِلَافَهُمَا فِي اللَّفْظِ لَا يَمْنَعُ عَلَى مَا إذَا كَانَ مُؤَدَّى اللَّفْظَيْنِ وَاحِدًا وَضْعًا.
وَلَا يَخْفَى أَنَّ التَّعْلِيلَ الَّذِي عَلَّلَ بِهِ لِقَبُولِهَا عِنْدَ الِاخْتِلَافِ لَفْظًا مِنْ أَنَّ الْعِتْقَ لَفْظٌ يُعَادُ وَيُكَرَّرُ يَقْتَضِي أَنَّهُمَا إذَا اخْتَلَفَا فِي أَنَّهُ أَعْتَقَهُ أَوْ وَهَبَهُ لِنَفْسِهِ أَنَّهُ يُقْبَلُ، وَلَوْ اخْتَلَفَا فِي الشَّرْطِ الَّذِي عَلَّقَ بِهِ الْعِتْقَ فَأَحَدُهُمَا جَعَلَهُ كَلَامَ زَيْدٍ وَالْآخَرُ الدُّخُولَ مَثَلًا لَمْ يَجُزْ، إذْ لَا يَتَمَكَّنُ الْقَاضِي مِنْ الْقَضَاءِ بِوَاحِدٍ مِنْ الشَّرْطَيْنِ، وَلَوْ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُ الدُّخُولُ مَثَلًا وَقَالَ الْمَوْلَى بَلْ كَلَامُ فُلَانٍ فَأَيَّهمَا فَعَلَ فَهُوَ حُرٌّ لِثُبُوتِ الدُّخُولِ شَرْطًا بِالشَّهَادَةِ وَالْكَلَامِ بِقَوْلِ الْمَوْلَى.
وَلَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ أَعْتَقَهُ بِجُعْلٍ وَالْآخَرُ بِغَيْرِ جُعْلٍ لَمْ تَجُزْ لِأَنَّ الْعِتْقَ بِجُعْلٍ يُخَالِفُ الْعِتْقَ بِغَيْرِ جُعْلٍ فِي الْأَحْكَامِ، وَكَذَا لَوْ اخْتَلَفَا فِي مِقْدَارِ الْجُعْلِ وَالْمَوْلَى يُنْكِرُ الْجُعْلَ سَوَاءٌ ادَّعَى الْعَبْدُ أَقَلَّ الْمَالَيْنِ أَوْ أَكْثَرَهُمَا. وَلَوْ كَانَ الْمَوْلَى يَدَّعِي أَقَلَّ الْمَالَيْنِ وَالْعَبْدُ يُنْكِرُ عَتَقَ لِإِقْرَارِ الْمَوْلَى بِحُرِّيَّتِهِ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِإِكْذَابِهِ أَحَدَ شَاهِدَيْهِ وَهُوَ الَّذِي يَشْهَدُ لَهُ بِالْأَكْثَرِ، وَإِنْ ادَّعَى الْعِتْقَ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَخَمْسِمِائَةٍ وَأَحَدُهُمَا يَشْهَدُ بِأَلْفٍ وَالْآخَرُ بِأَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ قُضِيَ عَلَيْهِ بِأَلْفٍ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ لَا تَقُومُ هُنَا عَلَى الْعِتْقِ لِأَنَّ الْعَبْدَ عَتَقَ بِإِقْرَارِ الْمَوْلَى وَإِنَّمَا تَقُومُ عَلَى الْمَالِ، وَمَنْ ادَّعَى أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةٍ وَشَهِدَ لَهُ شَاهِدٌ بِأَلْفٍ وَالْآخَرُ بِأَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ يُقْضَى بِأَلْفٍ لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَى الْأَلْفِ لَفْظًا وَمَعْنًى، بِخِلَافِ الْأَلْفِ وَالْأَلْفَيْنِ كَمَا سَيَأْتِي فِي الشَّهَادَاتِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَلَوْ شَهِدَ أَنَّهُ أَعْتَقَهُ إنْ كَلَّمَ زَيْدًا وَالْآخَرُ إنْ دَخَلَ بِأَيِّهِمَا فَعَلَ عَتَقَ لِثُبُوتِ كُلٍّ مِنْ التَّعْلِيقَيْنِ بِحُجَّةٍ تَامَّةٍ.
وَلَوْ تَعَارَضَتْ بَيِّنَتَا الْعَبْدِ وَالْمَوْلَى فِي مِقْدَارِ مَا أَعْتَقَهُ رُجِّحَتْ بَيِّنَةُ الْمَوْلَى لِإِثْبَاتِهَا الزِّيَادَةَ، بِخِلَافِ مَا لَوْ أَقَامَ الْعَبْدُ الْبَيِّنَةَ عَلَى أَنَّهُ قَالَ: إنْ أَدَّيْت إلَيَّ أَلْفًا فَأَنْتَ حُرٌّ وَأَنَّهُ
стр. 2054
بَابُ الْحَلِفِ بِالْعِتْقِ
أَدَّاهَا وَأَقَامَ الْمَوْلَى أَنَّهُ إنَّمَا قَالَ إذَا أَدَّيْت إلَيَّ أَلْفَيْنِ
إلَخْ فَالْعَبْدُ حُرٌّ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ أَثْبَتَ بِبَيِّنَتِهِ تَنَجُّزَ الْحُرِّيَّةِ فِيهِ. وَلَوْ أَقَامَ الْعَبْدُ بَيِّنَةً أَنَّهُ بَاعَهُ نَفْسَهُ بِأَلْفٍ وَأَقَامَ الْمَوْلَى أَنَّهُ بَاعَهُ نَفْسَهُ بِأَلْفَيْنِ كَانَتْ الْبَيِّنَةُ بَيِّنَةَ الْمَوْلَى لِأَنَّ الْعِتْقَ تَنَجَّزَ بِالْقَبُولِ فَكَانَ إثْبَاتُ الزِّيَادَةِ فِي بَيِّنَةِ الْمَوْلَى. قَالَ فِي الْأَصْلِ: وَلَوْ بَاعَهُ نَفْسَهُ بِأَلْفٍ فَأَدَّاهَا مِنْ مَالِ الْمَوْلَى كَانَ حُرًّا وَلِلْمَوْلَى أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِ بِمِثْلِهَا.
قَالَ فِي الْمَبْسُوطِ: الْعِتْقُ هُنَا حَصَلَ بِالْقَبُولِ لَا بِأَدَاءِ الْمَالِ، وَإِنَّمَا يَتَحَقَّقُ هَذَا الْفَصْلُ فِيمَا إذَا عَلَّقَهُ بِالْأَدَاءِ لِأَنَّ نُزُولَ الْعِتْقِ بِوُجُودِ الشَّرْطِ وَقَدْ وُجِدَ وَإِنْ كَانَ الْمُؤَدَّى مَسْرُوقًا أَوْ مَغْصُوبًا مِنْ الْمَوْلَى ثُمَّ رَدَّ هَذَا الْمَالَ عَلَى الْمَوْلَى وَإِنْ كَانَ مُسْتَحَقًّا عَلَيْهِ فَيَقَعُ عَنْ الْوَجْهِ الْمُسْتَحَقِّ فِي الْحُكْمِ وَيَكُونُ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِ بِمِثْلِهِ.
وَإِذَا رَجَعَ شُهُودُ الْعِتْقِ بَعْدَ الْقَضَاءِ بِهِ لَمْ يَبْطُلْ الْعِتْقُ لِأَنَّهُمَا لَا يُصَدَّقَانِ فِي إبْطَالِ الْحُكْمِ وَلَا فِي إبْطَالِ حَقِّ الْعَبْدِ، وَلَكِنَّهُمَا يَضْمَنَانِ قِيمَةَ مَا أَتْلَفَا مِنْ مَالِيَّتِهِ عَلَى الْمَوْلَى إذْ قَدْ اعْتَرَفَا بِالرُّجُوعِ أَنَّهُمَا أَتْلَفَا مَالِيَّتَهُ عَلَى الْمَوْلَى بِغَيْرِ حَقٍّ. وَلَوْ ضَمِنَا ثُمَّ قَامَتْ بَيِّنَةُ غَيْرِهِمْ بِأَنَّ الْمَوْلَى كَانَ أَعْتَقَهُ إنْ شَهِدُوا أَنَّهُ أَعْتَقَهُ بَعْدَ شَهَادَةِ هَؤُلَاءِ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُمْ الضَّمَانُ بِالِاتِّفَاقِ لِأَنَّهُمْ شَهِدُوا بِمَا هُوَ لَغْوٌ وَعَتَقَ بِقَضَاءِ الْقَاضِي وَالْمُعْتَقُ لَا يُعْتَقُ، وَإِنْ شَهِدُوا أَنَّهُ أَعْتَقَهُ قَبْلَ شَهَادَتِهِمْ لَمْ يَرْجِعُوا بِمَا ضَمِنُوا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَفِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ يَرْجِعُونَ عَلَى الْمَوْلَى بِمَا ضَمِنُوا، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى مَا بَيَّنَّا أَنَّ عِنْدَهُمَا الشَّهَادَةَ عَلَى عِتْقِ الْعَبْدِ تُقْبَلُ مِنْ غَيْرِ دَعْوَى فَتَثْبُتُ بِشَهَادَةِ الْفَرِيقِ الثَّانِي حُرِّيَّةُ الْعَبْدِ مِنْ الْوَقْتِ الَّذِي شَهِدُوا بِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّةَ مُدَّعٍ لِذَلِكَ، وَتَبَيَّنَ بِهِ أَنَّ الْفَرِيقَ الْأَوَّلَ لَمْ يُتْلِفُوا عَلَى الْمَوْلَى شَيْئًا بِشَهَادَتِهِمْ، وَأَنَّهُ أَخَذَ مِنْهُمْ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَعِنْدَهُ لَا تُقْبَلُ بِلَا دَعْوَى وَلَا مُدَّعٍ لِمَا شَهِدَ بِهِ الْفَرِيقُ الثَّانِي، فَإِنَّ الْعَبْدَ حُكِمَ بِحُرِّيَّتِهِ فَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَدَّعِيَ الْعِتْقَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(بَابُ الْحَلِفِ بِالْعِتْقِ)
الْحَلِفُ بِالْكَسْرِ مَصْدَرُ حَلَفَ سَمَاعِيٌّ، وَلَهُ مَصْدَرٌ آخَرُ: أَعْنِي حَلْفًا بِالْإِسْكَانِ، يُقَالُ حَلَفَ حَلِفًا وَحَلْفًا، وَتَدْخُلُهُ التَّاءُ لِلْمَرَّةِ كَقَوْلِ الْفَرَزْدَقِ:
عَلَيَّ حَلْفَةٌ لَا أَشْتُمُ الدَّهْرَ مُسْلِمًا … وَلَا خَارِجٌ مِنْ فِي زُورُ كَلَامِ
وَقَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ:
حَلَفْت لَهَا بِاَللَّهِ حَلْفَةَ فَاجِرٍ … لَنَامُوا فَمَا إنْ مِنْ حَدِيثٍ وَلَا صَالِ
وَالْمُرَادُ بِالْحَلِفِ بِالْعِتْقِ تَعْلِيقُهُ بِشَرْطٍ، وَلَمَّا كَانَ الْمُعَلَّقُ قَاصِرًا فِي السَّبَبِيَّةِ عَنْ الْمُنَجَّزِ قَدَّمَهُ عَلَيْهِ، وَلَمَّا جَرَى الْمُصَنِّفُ عَلَى أَنْ يُولِيَ التَّصَرُّفَ الَّذِي يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ الْحَلِفَ بِهِ كَمَا فَعَلَ فِي الطَّلَاقِ وَلَا يَضُمُّ الْكُلَّ إلَى كِتَابِ الْأَيْمَانِ لِيَكُونَ أَضْبَطَ لِأَحْكَامِ التَّصَرُّفِ الْوَاحِدِ حَيْثُ يَجْتَمِعُ فِي بَابِهِ وَلَا تَتَفَرَّقُ أَحْكَامُهُ فِي الْأَبْوَابِ أَوْلَى الْعِتْقَ الْحَلِفَ بِهِ.
стр. 2055
(وَمَنْ قَالَ إذَا دَخَلْت الدَّارَ فَكُلُّ مَمْلُوكٍ لِي يَوْمَئِذٍ فَهُوَ حُرٌّ وَلَيْسَ لَهُ مَمْلُوكٌ فَاشْتَرَى مَمْلُوكًا ثُمَّ دَخَلَ عَتَقَ) لِأَنَّ قَوْلَهُ يَوْمَئِذٍ تَقْدِيرُهُ يَوْمَ إذْ دَخَلْت، إلَّا أَنَّهُ أَسْقَطَ الْفِعْلَ وَعَوَّضَهُ بِالتَّنْوِينِ فَكَانَ الْمُعْتَبَرُ قِيَامَ الْمِلْكِ وَقْتَ الدُّخُولِ وَكَذَا لَوْ كَانَ فِي مِلْكِهِ يَوْمَ حَلَفَ عَبْدٌ فَبَقِيَ عَلَى مِلْكِهِ حَتَّى دَخَلَ عَتَقَ لِمَا قُلْنَا.
قَالَ (وَلَوْ لَمْ يَكُنْ قَالَ فِي يَمِينِهِ يَوْمَئِذٍ لَمْ يَعْتِقْ)
وَاعْلَمْ أَنَّ بَعْضَ مَنْ لَا يُجِيزُ تَعْلِيقَ الطَّلَاقِ بِالْمِلْكِ قَبْلَ الْمِلْكِ أَجَازَهُ فِي الْعِتْقِ.
رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَحْمَدَ لِلْفَرْقِ بِأَنَّ الشَّارِعَ مُتَشَوِّفٌ إلَى الْعِتْقِ دُونَ الطَّلَاقِ وَعِنْدَنَا الْمُصَحِّحُ مُطَّرِدٌ فِيهِمَا.
(قَوْلُهُ وَمَنْ قَالَ: إذَا دَخَلْت الدَّارَ فَكُلُّ مَمْلُوكٍ لِي يَوْمَئِذٍ فَهُوَ حُرٌّ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَمْلُوكٌ فَاشْتَرَى مَمْلُوكًا ثُمَّ دَخَلَ عَتَقَ) أَيْ ذَلِكَ الْمَمْلُوكُ الَّذِي اشْتَرَاهُ، وَلَمَّا كَانَ عِتْقُ غَيْرِ الْمَمْلُوكِ لَا يَكُونُ بِكَلَامٍ قَبْلَ الْمِلْكِ إلَّا أَنْ يَكُونَ إضَافَةً إلَى الْمِلْكِ قَرَّرَهُ لِيَرُدَّهُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ؛ لِأَنَّ التَّنْوِينَ فِي يَوْمَئِذٍ عِوَضٌ عَنْ الْجُمْلَةِ الْمُضَافِ إلَيْهَا لَفْظُ إذْ تَقْدِيرُهُ إذْ دَخَلْت وَلَفْظُ يَوْمٍ ظَرْفٌ لِمَمْلُوكٍ فَكَانَ التَّقْدِيرُ كُلُّ مَنْ لَا يَكُونُ فِي مِلْكِي يَوْمَ الدُّخُولِ حُرٌّ وَهَذَا فِي الْحَقِيقَةِ إضَافَةُ عِتْقِ الْمَمْلُوكِ يَوْمَ الدُّخُولِ إلَى يَوْمِ الدُّخُولِ، وَالْمَمْلُوكُ لَا يَكُونُ إلَّا بِمِلْكٍ فَصَارَ.
كَأَنَّهُ قَالَ إنْ مَلَكْت مَمْلُوكًا وَقْتَ الدُّخُولِ فَهُوَ حُرٌّ، وَهُوَ يُصَدَّقُ بِمِلْكٍ قَبْلَ الدُّخُولِ يُقَارِنُ بَقَاؤُهُ الدُّخُولَ فَكَانَ إضَافَةَ الْعِتْقِ إلَى الْمِلْكِ الْمَوْجُودِ مَعْنًى، بِخِلَافِ قَوْلِهِ لِعَبْدِ غَيْرِهِ: إنْ دَخَلْت فَأَنْتَ حُرٌّ فَاشْتَرَاهُ فَدَخَلَ لَا يَعْتِقُ لِأَنَّهُ لَمْ يُضِفْ الْعِتْقَ إلَى مِلْكِهِ لَا صَرِيحًا وَلَا مَعْنًى، وَعُدُولُ الْمُصَنِّفِ إلَى لَفْظِ وَقْتٍ عَنْ لَفْظِ يَوْمٍ فِي قَوْلِهِ فَكَانَ الْمُعْتَبَرُ قِيَامَ الْمِلْكِ وَقْتَ الدُّخُولِ يُفِيدُ أَنَّ لَفْظَ يَوْمٍ مُرَادُهُ بِهِ الْوَقْتُ حَتَّى لَوْ دَخَلَ لَيْلًا عَتَقَ مَا فِي مِلْكِهِ لِأَنَّهُ أُضِيفَ إلَى فِعْلٍ لَا يَمْتَدُّ وَهُوَ الدُّخُولُ وَإِنْ كَانَ فِي اللَّفْظِ إنَّمَا أُضِيفَ إلَى لَفْظِ إذْ الْمُضَافَةِ لِلدُّخُولِ لَكِنَّ مَعْنَى إذْ غَيْرُ مُلَاحَظٍ وَإِلَّا كَانَ الْمُرَادُ يَوْمَ وَقْتِ الدُّخُولِ، وَهُوَ وَإِنْ كَانَ يُمْكِنُ عَلَى مَعْنَى يَوْمِ الْوَقْتِ الَّذِي فِيهِ الدُّخُولُ تَقْيِيدًا لِلْيَوْمِ بِهِ، لَكِنْ إذَا أُرِيدَ بِهِ مُطْلَقُ الْوَقْتِ يَصِيرُ الْمَعْنَى وَقْتَ وَقْتِ الدُّخُولِ، وَنَحْنُ نَعْلَمُ مِثْلَهُ كَثِيرًا فِي الِاسْتِعْمَالِ الْفَصِيحِ كَنَحْوِ ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ﴿بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ وَلَا يُلَاحَظُ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا يُلَاحَظُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَقْتَ وَقْتِ يَغْلِبُونَ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ، وَلَا يَوْمَ وَقْتِ يَغْلِبُونَ يَفْرَحُونَ، وَلَهُ نَظَائِرُ كَثِيرَةٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَغَيْرِهِ فَعُرِفَ أَنَّ لَفْظَ إذْ لَمْ يُذْكَرْ إلَّا تَكْثِيرًا لِلْعِوَضِ عَنْ الْجُمْلَةِ الْمَحْذُوفَةِ أَوْ عِمَادًا لَهُ: أَعْنِي التَّنْوِينَ لِكَوْنِهِ حَرْفًا وَاحِدًا سَاكِنًا تَحْسِينًا وَلَمْ يُلَاحَظْ مَعْنَاهَا، وَمِثْلُهُ كَثِيرٌ فِي أَقْوَالِ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ فِي بَعْضِ الْأَلْفَاظِ لَا تَخْفَى عَلَى مَنْ لَهُ نَظَرٌ فِيهَا، وَكَذَا لَوْ كَانَ فِي مِلْكِهِ عَبْدٌ حِينَ حَلَفَ فَبَقِيَ فِي مِلْكِهِ حَتَّى دَخَلَ عَتَقَ لِمَا قُلْنَا وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ لِمَا بَيَّنَّا: أَيْ مِنْ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ قِيَامُ الْمِلْكِ وَقْتَ الدُّخُولِ لَا وَقْتَ التَّكَلُّمِ.
(قَوْلُهُ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ قَالَ فِي يَمِينِهِ يَوْمَئِذٍ) بَلْ قَالَ إذَا دَخَلْت
стр. 2056
لِأَنَّ قَوْلَهُ كُلُّ مَمْلُوكٍ لِي لِلْحَالِ وَالْجَزَاءُ حُرِّيَّةُ الْمَمْلُوكِ فِي الْحَالِ، إلَّا أَنَّهُ لَمَّا دَخَلَ الشَّرْطُ عَلَى الْجَزَاءِ تَأَخَّرَ إلَى وُجُودٍ فَيَعْتِقُ إذَا بَقِيَ عَلَى مِلْكِهِ إلَى وَقْتِ الدُّخُولِ وَلَا يَتَنَاوَلُ مَنْ اشْتَرَاهُ بَعْدَ الْيَمِينِ.
(وَمَنْ قَالَ كُلُّ مَمْلُوكٍ لِي ذَكَرٍ فَهُوَ حُرٌّ وَلَهُ جَارِيَةٌ حَامِلٌ فَوَلَدَتْ ذَكَرًا لَمْ يَعْتِقْ) وَهَذَا إذَا وَلَدَتْ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَصَاعِدًا ظَاهِرٌ، لِأَنَّ اللَّفْظَ لِلْحَالِ، وَفِي قِيَامِ الْحَمْلِ وَقْتَ الْيَمِينِ احْتِمَالٌ لِوُجُودِ أَقَلِّ مُدَّةِ الْحَمْلِ بَعْدَهُ، وَكَذَا إذَا وَلَدَتْ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ يَتَنَاوَلُ الْمَمْلُوكَ الْمُطْلَقَ، وَالْجَنِينُ مَمْلُوكٌ تَبَعًا لِلْأُمِّ لَا مَقْصُودًا، وَلِأَنَّهُ عُضْوٌ مِنْ وَجْهٍ وَاسْمُ الْمَمْلُوكِ يَتَنَاوَلُ الْأَنْفُسَ دُونَ الْأَعْضَاءِ وَلِهَذَا لَا يَمْلِكُ بَيْعَهُ مُنْفَرِدًا.
فَكُلُّ مَمْلُوكٍ لِي حُرٌّ لَا يَعْتِقُ مَا اشْتَرَاهُ بَعْدَ التَّكَلُّمِ، بَلْ الَّذِي كَانَ فِي مِلْكِهِ وَقْتَ التَّكَلُّمِ. وَوَجَّهَهُ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ لِأَنَّ قَوْلَهُ كُلُّ مَمْلُوكٍ لِي يَخْتَصُّ بِالْحَالِ وَالْجَزَاءُ حُرِّيَّةُ الْمَمْلُوكِ فِي الْحَالِ يَتَعَلَّقُ فِي الْحَالِ بِمُلُوكٍ: أَيْ الْمَمْلُوكُ فِي الْحَالِ حُرِّيَّتُهُ هِيَ الْجَزَاءُ، فَلَمَّا دَخَلَ الشَّرْطُ عَلَيْهِ تَأَخَّرَتْ إلَى وُجُودِ الشَّرْطِ فَيَعْتِقُ عِنْدَ الشَّرْطِ مَنْ كَانَ مَمْلُوكًا عِنْدَ التَّكَلُّمِ.
وَوَجْهُ كَوْنِ كُلِّ مَمْلُوكٍ لِي حَالًا أَنَّ الْمُخْتَارَ فِي الْوَصْفِ مِنْ اسْمِ الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ أَنَّ مَعْنَاهُ قَائِمٌ حَالَ التَّكَلُّمِ بِمَنْ نُسِبَ إلَيْهِ عَلَى وَجْهِ قِيَامِهِ بِهِ أَوْ وُقُوعِهِ عَلَيْهِ، وَاللَّامُ لِلِاخْتِصَاصِ: أَيْ الِاخْتِصَاصُ مَنْ جَرَتْ مَعْنَى مُتَعَلِّقِهَا إلَيْهِ: بِهِ: أَيْ بِمَعْنَى الْمُتَعَلِّقِ وَهُوَ مَمْلُوكٌ فَلَزِمَ مِنْ التَّرْكِيبِ اخْتِصَاصُ يَاءِ الْمُتَكَلِّمِ بِالْمُتَّصِفِ بِالْمَمْلُوكِيَّةِ لِلْحَالِ وَهِيَ أَثَرُ مِلْكِهِ فَلَزِمَ قِيَامُ مِلْكِهِ فِي الْحَالِ ضَرُورَةَ اتِّصَافِهِ بِأَثَرِهَا فِي الْحَالِ وَإِلَّا ثَبَتَ الْأَثَرُ بِلَا مُؤَثِّرٍ.
هَذَا وَيَعْتِقُ بِقَوْلِ الْقَائِلِ كُلُّ مَمْلُوكٍ لِي حُرٌّ الْعَبِيدُ وَلَوْ مَرْهُونِينَ أَوْ مَأْذُونِينَ أَوْ مُؤَجَّرِينَ وَالْإِمَاءُ وَلَوْ كُنَّ حَوَامِلَ أَوْ أُمَّهَاتِ أَوْلَادٍ وَالْمُدَبَّرُونَ وَأَوْلَادُهُمْ، وَلَا يَدْخُلُ الْمُكَاتَبُ خِلَافًا لِزُفَرَ لِأَنَّهُ مَمْلُوكٌ مِنْ وَجْهٍ إذْ هُوَ حُرٌّ يَدًا، وَلَوْ نَوَى الذُّكُورَ فَقَطْ لَمْ يُصَدَّقْ فِي الْقَضَاءِ لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ فِي عُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ، وَيُصَدَّقُ دِيَانَةً مَعَ أَنَّ طَائِفَةً مِنْ الْأُصُولِيِّينَ عَلَى أَنَّ جَمْعَ الذُّكُورِ يَعُمُّ النِّسَاءَ حَقِيقَةً وَوَضْعًا وَلَا يَدْخُلُ الْمَمْلُوكُ الْمُشْتَرَكُ وَلَا الْجَنِينُ إلَّا أَنْ يَعْنِيَهُمْ وَلَا عَبِيدُ عَبْدِ التَّاجِرِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ إلَّا أَنْ يَنْوِيَهُمْ، وَسَوَاءٌ كَانَ عَلَى الْعَبْدِ التَّاجِرِ دَيْنٌ أَوْ لَا، وَفِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ يَعْتِقُونَ نَوَاهُمْ أَوْ لَا عَلَيْهِ دَيْنٌ أَوْ لَا.
وَعَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ إنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ عَتَقُوا إذَا نَوَاهُمْ وَإِلَّا فَلَا، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ لَمْ يَعْتِقُوا وَلَوْ نَوَاهُمْ. وَلَوْ قَالَ: عَنَيْت مَا يَسْتَقْبِلُ عَتَقَ مَا كَانَ فِي مِلْكِهِ وَمَا سَيَمْلِكُهُ إذَا مَلَكَهُ لِأَنَّ قَصَدَ تَغْيِيرَ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ لَفْظِهِ فَلَمْ تُعْتَبَرْ نِيَّتُهُ فِي إبْطَالِ حُكْمِ الظَّاهِرِ وَاعْتَبَرْنَا اعْتِرَافَهُ لِإِثْبَاتِ الْعِتْقِ فِيمَا يَسْتَقْبِلُ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ التَّعْلِيلَ يُرْشِدُ إلَى أَنَّ عِتْقَ مَا هُوَ فِي مِلْكِهِ مَعَ هَذِهِ النِّيَّةِ إنَّمَا هُوَ فِي الْقَضَاءِ.
وَفِي الذَّخِيرَةِ: قَالَ مَمَالِيكِي كُلُّهُمْ أَحْرَارٌ وَنَوَى الرِّجَالَ دُونَ النِّسَاءِ لَمْ يَذْكُرْهُ، وَقَالُوا لَا يُصَدَّقُ دِيَانَةً، بِخِلَافِ قَوْلِهِ كُلُّ مَمْلُوكٍ لِي وَنَوَى التَّخْصِيصَ يُصَدَّقُ دِيَانَةً انْتَهَى.
فَإِنْ قُلْت: مَا الْفَرْقُ وَفِي الْوَجْهَيْنِ تَخْصِيصُ الْعَامِّ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّ كُلُّهُمْ تَأْكِيدٌ لِلْعَامِّ قَبْلَهُ وَهُوَ مَمَالِيكِي؛ لِأَنَّهُ جَمْعٌ مُضَافٌ فَيَعُمُّ وَهُوَ يَرْفَعُ احْتِمَالَ الْمَجَازِ غَالِبًا وَالتَّخْصِيصُ يُوجِبُ الْمَجَازَ فَلَا يَجُوزُ، بِخِلَافِ: كُلُّ مَمْلُوكٍ لِي فَإِنَّ الثَّابِتَ بِهِ أَصْلُ الْعُمُومِ فَقَطْ فَقُبِلَ التَّخْصِيصُ.
(قَوْلُهُ وَمَنْ قَالَ: كُلُّ مَمْلُوكٍ لِي ذَكَرٍ فَهُوَ حُرٌّ وَلَهُ جَارِيَةٌ حَامِلٌ فَوَلَدَتْ ذَكَرًا لَمْ يَعْتِقْ) سَوَاءٌ وَلَدَتْهُ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْتِ الْقَوْلِ أَوْ أَقَلَّ، أَمَّا إذَا وَلَدَتْهُ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ
стр. 2057
قَالَ الْعَبْدُ الضَّعِيفُ: وَفَائِدَةُ التَّقْيِيدِ بِوَصْفِ الذُّكُورَةِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ: كُلُّ مَمْلُوكٍ لِي تَدْخُلُ الْحَامِلُ فَيَدْخُلُ الْحَمْلُ تَبَعًا لَهَا.
(وَإِنْ قَالَ كُلُّ مَمْلُوكٍ أَمْلِكُهُ حُرٌّ بَعْدَ غَدٍ، أَوْ قَالَ: كُلُّ مَمْلُوكٍ لِي فَهُوَ حُرٌّ بَعْدَ غَدٍ وَلَهُ مَمْلُوكٌ فَاشْتَرَى آخَرَ ثُمَّ جَاءَ بَعْدُ غَدٍ عَتَقَ الَّذِي فِي مِلْكِهِ يَوْمَ حَلَفَ) لِأَنَّ قَوْلَهُ أَمْلِكُهُ لِلْحَالِ حَقِيقَةً يُقَالُ: أَنَا أَمْلِكُ كَذَا وَكَذَا وَيُرَادُ بِهِ الْحَالُ، وَكَذَا يُسْتَعْمَلُ لَهُ مِنْ غَيْرِ قَرِينَةٍ وَالِاسْتِقْبَالُ بِقَرِينَةِ السِّينِ أَوْ سَوْفَ فَيَكُونُ مُطْلَقُهُ لِلْحَالِ فَكَانَ الْجَزَاءُ حُرِّيَّةَ الْمَمْلُوكِ فِي الْحَالِ مُضَافًا إلَى مَا بَعْدَ الْغَدِ فَلَا يَتَنَاوَلُ مَا يَشْتَرِيهِ بَعْدَ الْيَمِينِ.
فَلِأَنَّ اللَّفْظَ: أَيْ لَفْظَ كُلُّ مَمْلُوكٍ لِي لِلْحَالِ عَلَى مَا بَيَّنَّا مِنْ وَجْهِهِ، وَفِي قِيَامِ الْحَمْلِ حَالَ التَّكَلُّمِ احْتِمَالٌ لِوُجُودِ تَمَامِ مُدَّةِ الْحَمْلِ بَعْدَهُ، فَجَازَ أَنْ لَا يَكُونَ قَائِمًا عِنْدَهُ فَلَا يَعْتِقُ مَعَ هَذَا الِاحْتِمَالِ، وَلَمْ يَقُلْ لَا يَعْتِقُ بِالشَّكِّ لِأَنَّهُ لَا شَكَّ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ مُدَّةَ الْحَمْلِ لَا تَكُونُ إلَّا أَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، وَأَمَّا إذَا وَلَدَتْهُ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَلِأَنَّ التَّيَقُّنَ لِوُجُودِهِ حَالَ التَّكَلُّمِ وَإِنْ كَانَ قَائِمًا، لَكِنَّ لَفْظَ الْمَمْلُوكِ الْمُطْلَقِ إنَّمَا يَنْصَرِفُ إلَى الْمَمْلُوكِ بِالْأَصَالَةِ وَالِاسْتِقْلَالِ، وَالْحَمْلُ مَمْلُوكٌ تَبَعًا لِأُمِّهِ كَعُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهَا حَتَّى يَنْتَقِلَ بِانْتِقَالِهَا وَيَتَغَذَّى بِغِذَائِهَا كَمَا يَتَغَذَّى الْعُضْوُ بِهِ، وَلِهَذَا لَا يَمْلِكُ بَيْعَهُ مُنْفَرِدًا بَلْ تَبَعًا لِلْحَامِلِ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُعْتَبَرْ فِي الشَّرْعِ نَفْسًا مَمْلُوكَةً أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ عَنْ الْكَفَّارَةِ وَلَا تَجِبُ صَدَقَةُ فِطْرِهِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ ﵀: وَفَائِدَةُ التَّقْيِيدِ بِالذُّكُورَةِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ: كُلُّ مَمْلُوكٍ وَلَمْ يَقُلْ ذَكَرٍ تَدْخُلُ الْأُنْثَى فَتَدْخُلُ الْحَامِلُ فَيَعْتِقُ حَمْلُهَا تَبَعًا، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ لَفْظَةَ مَمْلُوكٍ إمَّا لِذَاتٍ مُتَّصِفَةٍ بِالْمَمْلُوكِيَّةِ وَقَيْدُ التَّذْكِيرِ لَيْسَ جُزْءَ الْمَفْهُومِ وَإِنْ كَانَ التَّأْنِيثُ جُزْءَ مَفْهُومِ مَمْلُوكَةٍ فَيَكُونُ مَمْلُوكٌ أَعَمَّ مِنْ مَمْلُوكَةٍ فَالثَّابِتُ فِيهِ عَدَمُ الدَّلَالَةِ عَلَى التَّأْنِيثِ لَا الدَّلَالَةُ عَلَى عَدَمِ التَّأْنِيثِ وَإِمَّا أَنَّ الِاسْتِعْمَالَ اسْتَمَرَّ فِيهِ عَلَى الْأَعَمِّيَّةِ فَوَجَبَ اعْتِبَارُهُ كَذَلِكَ.
(قَوْلُهُ وَإِنْ قَالَ كُلُّ مَمْلُوكٍ أَمْلِكُهُ حُرٌّ بَعْدَ غَدٍ) يَعْنِي أَنَّ بَعْدَ غَدٍ ظَرْفٌ لِحُرٍّ لَا لِأَمْلِكهُ (أَوْ قَالَ كُلُّ مَمْلُوكٍ لِي فَهُوَ حُرٌّ بَعْدَ غَدٍ وَلَهُ مَمْلُوكٌ وَاحِدٌ) فِي الصُّورَتَيْنِ (فَاشْتَرَى آخَرَ ثُمَّ جَاءَ بَعْدُ غَدٍ عَتَقَ الَّذِي كَانَ فِي مِلْكِهِ يَوْمَ حَلَفَ) دُونَ الْمُشْتَرِي وَلَفْظُ: بَعْدُ غَدٍ بِالرَّفْعِ لِأَنَّهُ فَاعِلٌ لِجَاءَ لَا ظَرْفٌ. وَوَجْهُهُ أَنَّ كُلَّ مَمْلُوكٍ تَقَدَّمَ أَنَّهُ لِلْحَالِ،
стр. 2058
(وَلَوْ قَالَ كُلُّ مَمْلُوكٍ أَمْلِكُهُ، أَوْ قَالَ كُلُّ مَمْلُوكٍ لِي حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي وَلَهُ مَمْلُوكٌ فَاشْتَرَى مَمْلُوكًا آخَرَ فَاَلَّذِي كَانَ عِنْدَ وَقْتَ الْيَمِينِ مُدَبَّرٌ وَالْآخَرُ لَيْسَ بِمُدَبَّرٍ، وَإِنْ مَاتَ عَتَقَا مِنْ الثُّلُثِ) وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ﵀ فِي النَّوَادِرِ: يَعْتِقُ مَا كَانَ فِي مِلْكِهِ يَوْمَ حَلَفَ وَلَا يَعْتِقُ مَا اسْتَفَادَ بَعْدَ يَمِينِهِ، وَعَلَى هَذَا إذَا قَالَ كُلُّ مَمْلُوكٍ لِي إذَا مِتّ فَهُوَ حُرٌّ. لَهُ أَنَّ اللَّفْظَ حَقِيقَةً لِلْحَالِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فَلَا يَعْتِقُ بِهِ مَا سَيَمْلِكُهُ وَلِهَذَا صَارَ هُوَ مُدَبَّرًا دُونَ الْآخَرِ.
وَكَذَا لَفْظُ أَمْلِكُ لِلْحَالِ حَقِيقَةً، يُقَالُ أَنَا أَمْلِكُ كَذَا فَيَتَبَادَرُ مِنْهُ الْحَالُ، وَالتَّبَادُرُ دَلِيلُ الْحَقِيقَةِ وَلِذَا اُسْتُعْمِلَ فِيهِ مِنْ غَيْرِ قَرِينَةٍ، وَفِي الِاسْتِقْبَالِ بِقَرِينَةِ السِّينِ وَسَوْفَ وَغَيْرِهِمَا كَإِسْنَادِهِ إلَى مُتَوَقَّعٍ وَاقْتِضَائِهِ طَلَبًا عَلَى مَا عُرِفَ فِي النَّحْوِ، وَهَذَا أَحَدُ الْمَذَاهِبِ لِأَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ.
وَقِيلَ بِقَلْبِهِ وَعَلَيْهِ مَشَى فِي الْمُحِيطِ حَيْثُ قَالَ: أَمْلِكُ وَإِنْ كَانَ حَقِيقَةً فِي الِاسْتِقْبَالِ إلَّا أَنَّهُ صَارَ لِلْحَالِ شَرْعًا كَمَا فِي الشَّهَادَةِ. وَعُرْفًا يُقَالُ أَمْلِكُ كَذَا دِرْهَمًا فَكَانَ كَالْحَقِيقَةِ فِي الْحَالِ. وَالْمَذْهَبُ الثَّالِثُ أَنَّهُ مُشْتَرَكٌ لِلْحَالِ وَالِاسْتِقْبَالِ، وَهُوَ الَّذِي أَوْرَدَهُ بَعْضُ الشَّارِحِينَ عَلَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ ظَنًّا أَنَّ مَذْهَبَ النُّحَاةِ لَيْسَ إلَّا أَنَّهُ مُشْتَرَكٌ وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ.
وَأَعْجَبُ مِنْهُ جَوَابُ مَنْ رَامَ دَفْعَهُ عَنْ الْمُصَنِّفِ بِأَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ لِلْحَالِ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لِلِاسْتِقْبَالِ لَيْسَ حَقِيقَةً؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرَكَ حَقِيقَةٌ فِي الْمَعْنَيَيْنِ اهـ.
فَتَرَكَ النَّظَرَ إلَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ، وَلِذَا يُسْتَعْمَلُ لَهُ بِغَيْرِ قَرِينَةٍ وَفِي الِاسْتِقْبَالِ بِقَرِينَةٍ، وَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ فِي الِاسْتِقْبَالِ مَجَازٌ لِأَنَّهُ هُوَ الْمَشْرُوطُ بِالْقَرِينَةِ بَلْ الْجَوَابُ مَا ذَكَرْنَا أَنَّ الِاشْتِرَاكَ لَيْسَ مَذْهَبَ كُلِّ النُّحَاةِ بَلْ الْمَذَاهِبُ ثَلَاثَةٌ، وَمَا اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ ﵀ مَذْهَبُ الْمُحَقِّقِينَ مِنْهُمْ كَأَبِي عَلِيٍّ الْفَارِسِيِّ وَغَيْرِهِ، وَاسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ أَنَّهُ لَا يُرَادُ الِاسْتِقْبَالُ إلَّا بِقَرِينَةٍ كَمَا ذَكَرْنَا بِخِلَافِ الْحَالِ، وَأَمَّا اخْتِيَارُ عَكْسِهِ كَمَا فِي الْمُحِيطِ فَوَرَدَ عَلَيْهِ أَنَّ الْحَقِيقَةَ الْمُسْتَعْمَلَةَ أَوْلَى مِنْ الْمَجَازِ الْمُتَعَارَفِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْجَوَابُ عِنْدَهُ عَلَى الْخِلَافِ الْمَذْكُورِ، وَأَمَّا تَفْرِيعُهُ عَلَى الِاشْتِرَاكِ فَغَايَةُ مَا وُجِّهَ بِهِ أَنَّ تَعَيُّنَ الْحَالِ بِغَلَبَةِ الِاسْتِعْمَالِ عِنْدَ عَدَمِ الْقَرِينَةِ: أَيْ الْمُعَيِّنَةِ لِأَحَدِ الْمَفْهُومَيْنِ الْحَقِيقِيَّيْنِ، بِخِلَافِ نَحْوِ أُسَافِرُ وَأَتَزَوَّجُ فَإِنَّهُ مَحْفُوفٌ بِقَرِينَةِ الِاسْتِقْبَالِ وَهِيَ الْمُشَاهَدَةُ، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ يُرَادُ بِهِ الْحَالُ عَلَى اخْتِلَافِ التَّخْرِيجِ كَانَ الْجَزَاءُ حُرِّيَّةَ عَبْدٍ مَمْلُوكٍ فِي الْحَالِ مُضَافًا إلَى مَا بَعْدَ الْغَدِ فَلَا يَعْتِقُ الْمَمْلُوكُ بَعْدَ الْحَالِ.
(قَوْلُهُ وَلَوْ قَالَ كُلُّ مَمْلُوكٍ أَمْلِكُهُ أَوْ كُلُّ مَمْلُوكٍ لِي حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي وَلَهُ مَمْلُوكٌ فَاشْتَرَى آخَرَ ثُمَّ مَاتَ فَاَلَّذِي كَانَ عِنْدَهُ مُدَبَّرٌ) مُطْلَقٌ لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ بَعْدَ هَذَا الْقَوْلِ، وَاَلَّذِي اشْتَرَاهُ لَيْسَ بِمُدَبَّرٍ مُطْلَقٍ بَلْ مُدَبَّرٍ مُقَيَّدٍ حَتَّى جَازَ بَيْعُهُ، وَلَوْ لَمْ يَبِعْهُ حَتَّى مَاتَ عَتَقَا جَمِيعًا مِنْ الثُّلُثِ إنْ خَرَجَا مِنْهُ عَتَقَ جَمِيعُ كُلٍّ مِنْهُمَا؛ وَإِنْ ضَاقَ عَنْهُمَا يَضْرِبُ كُلٌّ مِنْهُمَا بِقِيمَتِهِ فِيهِ، وَهَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ عَنْ الْكُلِّ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ فِي النَّوَادِرِ أَنَّهُ لَا يَعْتِقُ مَا اسْتَفَادَ بَعْدَ يَمِينِهِ، وَإِنَّمَا يَعْتِقُ
стр. 2059
وَلَهُمَا أَنَّ هَذَا إيجَابُ عِتْقٍ وَإِيصَاءٌ حَتَّى اُعْتُبِرَ مِنْ الثُّلُثِ وَفِي الْوَصَايَا تُعْتَبَرُ الْحَالَةُ الْمُنْتَظَرَةُ وَالْحَالَةُ الرَّاهِنَةُ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَدْخُلُ فِي الْوَصِيَّةِ بِالْمَالِ مَا يَسْتَفِيدُهُ بَعْدَ الْوَصِيَّةِ وَفِي الْوَصِيَّةِ لِأَوْلَادِ فُلَانٍ مَنْ يُولَدُ لَهُ بَعْدَهَا.
مَا كَانَ فِي مِلْكِهِ يَوْمَ حَلَفَ، وَكَذَا إذَا قَالَ كُلُّ مَمْلُوكٍ لِي إذَا مِتّ فَهُوَ حُرٌّ، وَهَذَا لِأَنَّ اللَّفْظَ حَقِيقَةً لِلْحَالِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ مِنْ أَنَّ الْمُضَارِعَ لِلْحَالِ، وَكَذَا الْوَصْفُ فَلَا يَعْتِقُ بِهِ مَا سَيَمْلِكُهُ، وَلِهَذَا صَارَ بِهِ الْكَائِنُ فِي مِلْكِهِ حَالَ التَّكَلُّمِ مُدَبَّرًا فِي الْحَالِ دُونَ الْآخَرِ، وَبِهَذَا الْوَجْهِ طَعَنَ عِيسَى بْنُ أَبَانَ فِي جَوَابِ الْمَسْأَلَةِ، فَأَوْجَبَ الْمَرْوِيَّ عَنْ أَبِي يُوسُفَ.
وَأَيْضًا لَوْ لَمْ يُرِدْ بِهِ الْحَالَ فَقَطْ، فَإِمَّا أَنْ يُرَادَ كُلٌّ مِنْهُ وَمِنْ الْمَمْلُوكِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ فَيَلْزَمُ إمَّا تَعْمِيمُ الْمُشْتَرَكِ أَوْ اسْتِعْمَالُهُ فِي حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ ثُمَّ يَلْزَمُ تَدْبِيرُ كُلٍّ مِنْهُمَا ذَاكَ فِي الْحَالِ وَالْمُسْتَحْدَثِ عِنْدَ مِلْكِهِ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ فِي مَعْنَى كُلُّ مَمْلُوكٍ لِي أَوْ سَأَمْلِكُهُ مُدَبَّرٌ، وَكَذَا إذَا أُرِيدَ بِاللَّفْظِ الْمُجْتَمِعُ فِي الْمِلْكِ عِنْدَ الْمَوْتِ وَهُوَ عُمُومُ الْمَجَازِ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ مُحَمَّدٌ ﵀ فِيمَنْ قَالَ كُلُّ مَمْلُوكٍ أَمْلِكُهُ غَدًا فَهُوَ حُرٌّ وَلَا نِيَّةَ لَهُ عَتَقَ مَا اجْتَمَعَ فِي مِلْكِهِ غَدًا مِمَّنْ كَانَ مَمْلُوكًا لَهُ حَالَ التَّكَلُّمِ أَوْ مَلَكَهُ إلَى غَدٍ، خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ فَإِنَّ عَلَى قَوْلِهِ لَا يُتَنَاوَلُ إلَّا الْمَمْلُوكُ فِي الْغَدِ فَيَلْزَمُ تَدْبِيرُ كُلٍّ مِنْهُمَا تَدْبِيرًا مُطْلَقًا عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا لَوْ قَالَ كُلُّ مَنْ كَانَ فِي مِلْكِي عِنْدَ الْمَوْتِ مُدَبَّرٌ وَهُوَ مُنْتَفٍ، أَوْ يُرَادُ الْمُسْتَقْبِلُ فَقَطْ كَمَا لَوْ قَالَ كُلُّ مَمْلُوكٍ أَمْلِكُهُ إلَى سَنَةٍ أَوْ شَهْرٍ أَوْ إلَى أَنْ أَمُوتَ أَوْ أَبَدًا لَزِمَ أَنْ لَا يَعْتِقَ مَا كَانَ فِي مِلْكِهِ وَلَا يَصِيرَ مُدَبَّرًا وَهُوَ مُنْتَفٍ فَبَطَلَتْ الْأَقْسَامُ فَتَعَيَّنَ الْأَوَّلُ وَهُوَ أَنْ يَعْتِقَ الْكَائِنُ فِي مِلْكِهِ وَقْتَ التَّكَلُّمِ فَقَطْ وَلَازَمَهُ مَا ذَكَرْنَا.
وَعُرِفَ مِنْ هَذَا أَنَّ صُورَةَ التَّرَاكِيبِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: مَا يَتَنَاوَلُ الْحَالَ فَقَطْ اتِّفَاقًا وَهُوَ كُلُّ مَمْلُوكٍ أَمْلِكُهُ أَوْ كُلُّ مَمْلُوكٍ لِي حُرٌّ وَلَا نِيَّةَ لَهُ فَهُوَ عَلَى مَا كَانَ فِي مِلْكِهِ يَوْمَ قَالَهُ وَلَا يَعْتِقُ مَا يَسْتَقْبِلُ مِلْكَهُ، وَمَا يَتَنَاوَلُ الْمُسْتَقْبِلَ لَا غَيْرُ اتِّفَاقًا وَهُوَ كُلُّ مَمْلُوكٍ أَمْلِكُهُ إلَى سَنَةٍ وَنَحْوُهُ، وَمَا فِيهِ خِلَافُهُمَا وَهُوَ نَحْوُ: كُلُّ مَمْلُوكٍ أَمْلِكُهُ غَدًا، فَفِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ ﵀ يَعْتِقُ فِي الْغَدِ مَنْ كَانَ فِي مِلْكِهِ، وَالْمُسْتَحْدَثُ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ وَقَوْلُ مُحَمَّدٍ أَقْيَسُ بِمَسْأَلَتِهِ يَوْمَئِذٍ بِقَلِيلِ تَأَمُّلٍ.
(قَوْلُهُ وَلَهُمَا أَنَّ هَذَا) أَيْ مَجْمُوعَ التَّرْكِيبِ لَا لَفْظَ أَمْلِكُهُ فَقَطْ كَمَا فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ (إيجَابُ عِتْقٍ وَإِيصَاءٍ) لِأَنَّ حَاصِلَ التَّدْبِيرِ إيجَابٌ لِلْعِتْقِ مُضَافًا إلَى مَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَهَذَا هُوَ الْإِيصَاءُ بِهِ فَوَجَبَ أَنْ يَعْمَلَ بِمُقْتَضَى كُلٍّ مِنْ الْإِيجَابِ وَالْإِيصَاءِ اللَّذَيْنِ هُمَا مَعْنَى التَّدْبِيرِ، وَمُقْتَضَى إيجَابِ عِتْقِ مَا يَمْلِكُهُ وُقُوعُهُ فِي الْحَاصِلِ فِي الْمِلْكِ حَالَ التَّكَلُّمِ ثُمَّ هُوَ مُضَافٌ إلَى الْمَوْتِ فَكَانَ تَدْبِيرًا مُطْلَقًا فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ، وَمُقْتَضَى الْوَصِيَّةِ بِمَا يَمْلِكُهُ دُخُولُ مَا فِي الْحَالَةِ الرَّاهِنَةِ: أَيْ
стр. 2060
وَالْإِيجَابُ إنَّمَا يَصِحُّ مُضَافًا إلَى الْمِلْكِ أَوْ إلَى سَبَبِهِ، فَمِنْ حَيْثُ إنَّهُ إيجَابُ الْعِتْقِ يَتَنَاوَلُ الْعَبْدَ الْمَمْلُوكَ اعْتِبَارًا لِلْحَالَةِ الرَّاهِنَةِ فَيَصِيرُ مُدَبَّرًا حَتَّى لَا يَجُوزَ بَيْعُهُ، وَمِنْ حَيْثُ إنَّهُ إيصَاءٌ يَتَنَاوَلُ الَّذِي يَشْتَرِيهِ اعْتِبَارًا لِلْحَالَةِ الْمُتَرَبِّصَةِ وَهِيَ حَالَةُ الْمَوْتِ، وَقَبْلَ الْمَوْتِ حَالَةُ التَّمَلُّكِ اسْتِقْبَالٌ مَحْضٌ فَلَا يَدْخُلُ تَحْتَ اللَّفْظِ، وَعِنْدَ الْمَوْتِ يَصِيرُ كَأَنَّهُ قَالَ: كُلُّ مَمْلُوكٍ لِي أَوْ كُلُّ مَمْلُوكٍ أَمْلِكُهُ فَهُوَ حُرٌّ، بِخِلَافِ قَوْلِهِ بَعْدَ غَدٍ عَلَى مَا تَقَدَّمَ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ وَاحِدٌ وَهُوَ إيجَابُ الْعِتْقِ وَلَيْسَ فِيهِ إيصَاءٌ وَالْحَالَةُ مَحْضُ اسْتِقْبَالٍ فَافْتَرَقَا. وَلَا يُقَالُ: إنَّكُمْ جَمَعْتُمْ بَيْنَ الْحَالِ وَالِاسْتِقْبَالِ. لِأَنَّا نَقُولُ: نَعَمْ لَكِنْ
الْحَابِسَةِ لِمَا فِيهَا وَالرَّهْنُ هُوَ الْحَبْسُ وَزَمَنُ الْحَالِ هُوَ الْحَابِسُ لِمَا فِيهِ دُونَ مَا قَبْلَهُ وَمَا بَعْدَهُ وَدُخُولِ مَا فِي الْحَالَةِ الْمُنْتَظَرَةِ أَيْضًا لِلِاتِّفَاقِ، عَلَى أَنَّهُ لَوْ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ دَخَلَ الْمُسْتَحْدَثُ مِنْ الْمَالِ بَعْدَ الْوَصِيَّةِ، وَلَوْ أَوْصَى لِوَلَدِ فُلَانٍ وَلَا وَلَدَ لَهُ فَوُلِدَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَوْلَادٌ دَخَلُوا وَاسْتَحَقُّوا الْمُوصَى بِهِ، وَإِنَّمَا اُعْتُبِرَ فِي الْوَصِيَّةِ دُخُولُ كُلِّ مَا فِي الْحَالَيْنِ تَحْصِيلًا لِغَرَضِ الْمَيِّتِ مِنْ تَحْصِيلِ الثَّوَابِ وَالْبِرِّ فَيَصِيرُ كَأَنَّهُ قَالَ عِنْدَ الْمَوْتِ كُلُّ عَبْدٍ حُرٌّ فَيَعْتِقُ مَا دَخَلَ فِي مِلْكِهِ قَبْلَ ذَلِكَ وَمِنْهُ مَا مَلَكَهُ بَعْدَ قَوْلِهِ الصَّرِيحِ، بِخِلَافِ قَوْلِهِ كُلُّ عَبْدٍ أَمْلِكُهُ غَدًا فَهُوَ حُرٌّ لَيْسَ فِيهِ إلَّا جِهَةٌ وَاحِدَةٌ هِيَ جِهَةُ الْإِيجَابِ، فَلَا يَدْخُلُ إلَّا الْحَاصِلُ فِي الْحَالِ، وَلَمَّا كَانَ هَذَا لَا يَنْفِي اسْتِعْمَالَ اللَّفْظِ فِي مَعْنَيَيْهِ: أَعْنِي لَفْظَ أَمْلِكُ وَهُوَ مَمْنُوعٌ عِنْدَنَا أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ.
وَأَجَابَ بِأَنَّ الْمُمْتَنِعَ الْجَمْعُ بِسَبَبٍ وَاحِدٍ لَا بِسَبَبَيْنِ، وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا قَوْلٌ لِلْعِرَاقِيِّينَ غَيْرُ مَرْضِيٍّ فِي الْأُصُولِ، وَإِلَّا لَمْ يَمْتَنِعْ الْجَمْعُ مُطْلَقًا وَلَمْ يَتَحَقَّقْ خِلَافٌ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْجَمْعَ
стр. 2061
بِسَبَبَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ إيجَابِ عِتْقٍ وَوَصِيَّةٍ، وَإِنَّمَا لَا يَجُوزُ ذَلِكَ بِسَبَبٍ وَاحِدٍ.
قَطُّ لَا يَكُونُ إلَّا بِاعْتِبَارَيْنِ وَبِالنَّظَرِ إلَى شَيْئَيْنِ، وَلَوْ أَمْكَنَ أَنْ يُقَالَ: إنَّ لَفْظَهُ أَوْجَبَ تَقْدِيرَ لَفْظٍ إذْ كَانَ وَصِيَّةً وَهُوَ مَا قَدَّرْنَاهُ عِنْدَ مَوْتِهِ مِنْ قَوْلِهِ كُلُّ عَبْدٍ لِي حُرٌّ فَيَعْتِقُ بِهِ مَا اسْتَحْدَثَ مِلْكَهُ وَالْمُوجِبُ لِلتَّقْدِيرِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ تَحْقِيقِ مَقْصُودِ الْوَصِيَّةِ مِنْ الثَّوَابِ وَالْبِرِّ لِلْأَصْحَابِ، وَهَذَا الْمُوجِبُ لَا يَحْتَاجُ إلَى تَقْدِيمِ تَقْدِيرِهِ عِنْدَ مِلْكِ الْعَبْدِ وَإِلَّا كَانَ مُدَبَّرًا مُطْلَقًا، وَإِنَّمَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ عِنْدَ مَوْتِهِ فَلَا تَتَعَلَّقُ بِهِ عِبَارَتُهُ عِنْدَ مِلْكِهِ لَا الصَّرِيحَةُ لِأَنَّهَا لَمْ تَتَنَاوَلْ إلَّا الْحَالَ وَلَا الْمُقَدَّرَةُ لِتَأْخِيرِ تَقْدِيرِهَا إلَى مَا قَبْلَ الْمَوْتِ فَلَا يَكُونُ مُدَبَّرًا لَا مُطْلَقًا وَلَا مُقَيَّدًا كَانَ دَافِعًا لِلْإِشْكَالِ.
[فُرُوعٌ مِنْ تَعْلِيقِ الْعِتْقِ]
قَالَ لِعَبْدِهِ إنْ بِعْتُك فَأَنْتَ حُرٌّ فَبَاعَهُ لَمْ يَعْتِقْ لِأَنَّ نُزُولَ الْعِتْقِ الْمُعْتَقَ بَعْدَ الشَّرْطِ وَبَعْدَ الْبَيْعِ هُوَ لَيْسَ بِمَمْلُوكٍ فَلَا يَعْتِقُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْبَيْعُ فَاسِدًا فَيَعْتِقُ لِأَنَّ الْمِلْكَ فِيهِ بَعْدَ الْبَيْعِ بَاقٍ لَا يَزُولُ إلَّا بِتَسْلِيمِهِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُشْتَرِي تَسَلَّمَهُ قَبْلَ الْبَيْعِ فَحِينَئِذٍ يَزُولُ مِلْكُهُ بِنَفْسِ الْبَيْعِ فَلَا يَعْتِقُ، كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ. وَحَقِيقَةُ الْوَجْهِ أَنْ يُقَالَ وَقْتُ نُزُولِ الْعِتْقِ هُوَ وَقْتُ زَوَالِ الْمِلْكِ لِأَنَّهُمَا مَعًا يَتَعَقَّبَانِ الْبَيْعَ فَلَا يَثْبُتُ الْعِتْقُ فِي حَالِ زَوَالِ الْمِلْكِ كَمَا لَا يَثْبُتُ فِي حَالِ تَقَرُّرِ زَوَالِهِ.
وَلَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ إنْ دَخَلْت فَأَنْتَ حُرٌّ فَبَاعَهُ فَدَخَلَ ثُمَّ اشْتَرَاهُ فَدَخَلَ لَمْ يَعْتِقْ لِأَنَّ الْيَمِينَ انْحَلَّتْ بِالدُّخُولِ الْأَوَّلِ فِي غَيْرِ الْمِلْكِ إذْ لَيْسَ يَلْزَمُ مِنْ انْحِلَالِ الْيَمِينِ نُزُولُ الْجَزَاءِ، وَلَوْ لَمْ يَدْخُلْ بَعْدَ الْبَيْعِ حَتَّى اشْتَرَاهُ فَدَخَلَ عَتَقَ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ لِعَدَمِ بُطْلَانِ الْيَمِينِ عِنْدَنَا بِزَوَالِ الْمِلْكِ وَمِثْلُهُ فِي الطَّلَاقِ.
وَلَوْ قَالَ: إنْ دَخَلْت هَاتَيْنِ الدَّارَيْنِ فَأَنْتَ حُرٌّ فَبَاعَهُ فَدَخَلَ إحْدَاهُمَا ثُمَّ اشْتَرَاهُ فَدَخَلَ الْأُخْرَى عَتَقَ لِأَنَّ الشَّرْطَ إذَا كَانَ مَجْمُوعَ أَمْرَيْنِ كَانَ الشَّرْطُ وُجُودَ الْمِلْكِ عِنْدَ آخِرِهِمَا، وَبَيَّنَّا مِثْلَهُ فِي الطَّلَاقِ، وَلَوْ دَخَلَ إحْدَاهُمَا قَبْلَ الْبَيْعِ وَالْأُخْرَى بَعْدَ الْبَيْعِ ثُمَّ اشْتَرَاهُ لَا يَعْتِقُ لِعَدَمِ الْمِلْكِ عِنْدَ آخِرِهِمَا، وَلَيْسَ يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الشَّرْطِ مَجْمُوعَ أَمْرَيْنِ اعْتِرَاضُ الشَّرْطِ، فَلَوْ قَالَ إذَا دَخَلْت فَأَنْتَ حُرٌّ إذَا كَلَّمْت فُلَانًا فَبَاعَهُ فَدَخَلَ ثُمَّ اشْتَرَاهُ فَكَلَّمَ فُلَانًا لَمْ يَعْتِقْ لِأَنَّ شَرْطَ الْعِتْقِ لَيْسَ إلَّا الْكَلَامَ، غَيْرَ أَنَّهُ عَلَّقَ الْيَمِينَ الْمُنْعَقِدَةَ مِنْ شَرْطِ الْكَلَامِ وَجَزَائِهِ الَّذِي هُوَ الْعِتْقُ بِالدُّخُولِ فَالدُّخُولُ شَرْطُ الْيَمِينِ فَيَصِيرُ كَأَنَّهُ قَالَ عِنْدَ الدُّخُولِ الْكَائِنِ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ أَنْتَ حُرٌّ إذَا كَلَّمْت فُلَانًا؛ لِأَنَّ الْمُعَلَّقَ كَالْمُنَجَّزِ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ وَالْيَمِينُ لَا يَنْعَقِدُ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ فَكَلَامُهُ غَيْرُ مُوقَعٍ.
وَلَوْ قَالَ: إنْ دَخَلْت فَأَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي فَبَاعَهُ فَدَخَلَ ثُمَّ اشْتَرَاهُ وَمَاتَ لَمْ يَعْتِقْ لِأَنَّهُ عَلَّقَ التَّدْبِيرَ بِدُخُولِ الدَّارِ فَيَصِيرُ كَالْمُنَجَّزِ عِنْدَهُ وَعِنْدَهُ لَمْ يَكُنْ الْمِلْكُ قَائِمًا، وَالتَّدْبِيرُ لَا يَصِحُّ إلَّا فِي الْمِلْكِ أَوْ مُضَافًا إلَيْهِ، وَإِذَا لَمْ يَصِحَّ التَّدْبِيرُ لَمْ يَعْتِقْ بِمَوْتِهِ.
وَلَوْ عَلَّقَ عِتْقَ عَبْدٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ ثُمَّ اشْتَرَى بَاقِيَهُ فَفَعَلَ مَا عَلَّقَ عِتْقَهُ عَلَيْهِ لَمْ يَعْتِقْ إلَّا نِصْفُهُ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَنْزِلُ الْمُعَلَّقُ وَالْمُعَلَّقُ كَانَ النِّصْفَ وَالْعِتْقُ يَتَجَزَّأُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فَيَسْعَى فِي قِيمَةِ نِصْفِهِ لِسَيِّدِهِ. وَعِنْدَهُمَا يَعْتِقُ كُلُّهُ فَلَا يَسْعَى، وَلَوْ كَانَ بَاعَ النِّصْفَ الْأَوَّلَ ثُمَّ اشْتَرَى نِصْفَ شَرِيكِهِ ثُمَّ دَخَلَ الدَّارَ لَمْ يَعْتِقْ مِنْهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ الْمُعَلَّقَ النِّصْفُ الْمُبْتَاعُ لَا الْمُسْتَحْدَثُ وَقَدْ وُجِدَ الشَّرْطُ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ.
وَلَوْ جَمَعَ بَيْنَ عَبْدِهِ وَبَيْنَ مَا لَا يَقَعُ فِيهِ الْعِتْقُ مِنْ مَيِّتٍ أَوْ حَجَرٍ أَوْ حِمَارٍ وَقَالَ أَحَدُكُمَا حُرٌّ أَوْ قَالَ هَذَا أَوْ هَذَا عَتَقَ عَبْدُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَإِنْ لَمْ يَنْوِهِ، وَقَالَا: لَا يَعْتِقُ إلَّا أَنْ يَنْوِيَهُ، وَمِثْلُهُ وَأَصْلُهُ مَرَّ فِي الطَّلَاقِ. وَرَوَى ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ إذَا جَمَعَ بَيْنَ عَبْدِهِ وَأُسْطُوَانَةٍ وَقَالَ أَحَدُكُمَا حُرٌّ عَتَقَ عَبْدُهُ لِأَنَّ كَلَامَهُ إيجَابُ الْحُرِّيَّةِ لِلْجَزْمِ، وَلَوْ قَالَ هَذَا حُرٌّ
стр. 2062
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أَوْ هَذَا لَمْ يَعْتِقْ عَبْدُهُ لِأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ لَيْسَ بِإِيجَابٍ لَهَا كَقَوْلِهِ هَذَا حُرٌّ أَوْ لَا.
وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّرْطِ قَالَ إنْ دَخَلْت دَارَ فُلَانٍ فَأَنْتَ حُرٌّ فَشَهِدَ فُلَانٌ وَآخَرُ أَنَّهُ قَدْ دَخَلَ عَتَقَ لِأَنَّ الدُّخُولَ فِعْلُ الْعَبْدِ وَصَاحِبُ الدَّارِ فِي شَهَادَتِهِ بِهِ غَيْرُ مُتَّهَمٍ فَصَحَّتْ شَهَادَتُهُ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ إنْ كَلَّمْته فَشَهِدَ هُوَ وَآخَرُ أَنَّهُ كَلَّمَهُ لَمْ يَعْتِقْ لِأَنَّ فُلَانًا فِي هَذِهِ شَاهِدٌ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا شَاهِدٌ وَاحِدٌ عَلَى الشَّرْطِ، وَلَوْ شَهِدَ ابْنَا فُلَانٍ أَنَّهُ كَلَّمَ أَبَاهُمَا، فَإِنْ جَحَدَ الْأَبُ جَازَتْ شَهَادَتُهُمَا لِأَنَّهُمَا شَهِدَا عَلَى أَبِيهِمَا بِالْكَلَامِ وَعَلَى أَنْفُسِهِمَا بِوُجُودِ الشَّرْطِ وَإِنْ دَعَاهُ أَبُوهُمَا فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ هِيَ بَاطِلَةٌ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ جَائِزَةٌ لِأَنَّهُ لَا مَنْفَعَةَ لِلْمَشْهُودِ بِهِ لِأَبِيهِمَا فَمُحَمَّدٌ يَعْتَبِرُ الْمَنْفَعَةَ لِثُبُوتِ التُّهْمَةِ وَأَبُو يُوسُفَ يَعْتَبِرُ مُجَرَّدَ الدَّعْوَى وَالْإِنْكَارِ لِأَنَّ شَهَادَتَهُمَا يُظْهِرَانِ صِدْقَهُ فِيمَا يَدَّعِيهِ وَتَقَدَّمَ مِثْلُ هَذِهِ فِي النِّكَاحِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 2063
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِبَابُ الْعِتْقِ عَلَى جُعْلٍ
(وَمَنْ أَعْتَقَ عَبْدَهُ عَلَى مَالٍ فَقَبِلَ الْعَبْدُ عَتَقَ) وَذَلِكَ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ أَنْتَ حُرٌّ عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ أَوْ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَإِنَّمَا يُعْتَقُ بِقَبُولِهِ؛ لِأَنَّهَا مُعَاوَضَةُ الْمَالِ بِغَيْرِ الْمَالِ إذْ الْعَبْدُ لَا يَمْلِكُ نَفْسَهُ وَمِنْ قَضِيَّةِ الْمُعَاوَضَةِ ثُبُوتُ الْحُكْمِ بِقَبُولِ الْعِوَضِ لِلْحَالِ كَمَا
(بَابُ الْعِتْقِ عَلَى جُعْلٍ)
أَخَّرَ هَذَا الْبَابَ عَنْ أَبْوَابِ الْعِتْقِ مُنْجَزِهَا وَمُعَلَّقِهَا كَمَا أَخَّرَ الْخُلْعَ فِي الطَّلَاقِ؛ لِأَنَّ الْمَالَ فِي هَذَيْنِ الْبَابَيْنِ مِنْ الْإِسْقَاطِ غَيْرُ أَصْلٍ، بَلْ الْأَصْلُ عَدَمُهُ، فَأَخَّرَ مَا لَيْسَ بِأَصْلٍ عَمَّا هُوَ أَصْلٌ، وَالْجُعْلُ مَا يُجْعَلُ لِلْإِنْسَانِ عَلَى شَيْءٍ يَفْعَلُهُ، وَكَذَا الْجَعِيلَةُ، وَيُقَالُ الْجَعَالَةُ ضَبْطُ جِيمِهَا بِالْكَسْرِ فِي الصِّحَاحِ، وَفِي غَيْرِهِ مِنْ غَرِيبِ الْحَدِيثِ لِلْقُتَبِيِّ وَدِيوَانِ الْأَدَبِ لِلْفَارَابِيِّ بِالْفَتْحِ فَيَكُونُ فِيهِ وَجْهَانِ. (قَوْلُهُ: وَمَنْ أَعْتَقَ عَبْدَهُ عَلَى مَالٍ فَقَبِلَ الْعَبْدُ عَتَقَ) وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ أَنْتَ حُرٌّ عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ أَوْ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ أَوْ عَلَى أَنَّ لِي عَلَيْك أَلْفًا أَوْ عَلَى أَلْفٍ تُؤَدِّيهَا أَوْ عَلَى أَنْ تُعْطِيَنِي أَلْفًا أَوْ عَلَى أَنْ تَجِيئَنِي بِأَلْفٍ أَوْ بِعْتُك نَفْسَك بِأَلْفِ أَوْ وَهَبْتُكهَا عَلَى أَنْ تُعَوِّضَنِي أَلْفًا فَإِنَّهُ يُعْتِقُ إذَا قَبِلَ، وَإِنَّمَا يُعْتِقُ بِمُجَرَّدِ قَبُولِهِ، وَالْوَلَاءُ لِلْمَوْلَى؛ لِأَنَّهُ عَتَقَ عَلَى مِلْكِهِ، وَهُوَ مُوجِبٌ لِلْوَلَاءِ بِعِوَضٍ وَبِلَا عِوَضٍ؛ لِأَنَّهُ مُعَاوَضَةٌ، وَمِنْ
стр. 2064
فِي الْبَيْعِ، فَإِذَا قَبِلَ صَارَ حُرًّا، وَمَا شَرَطَ دَيْنٌ عَلَيْهِ حَتَّى تَصِحَّ الْكَفَالَةُ بِهِ، بِخِلَافِ بَدَلِ الْكِتَابَةِ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ مَعَ الْمُنَافِي وَهُوَ قِيَامُ الرِّقِّ عَلَى مَا عُرِفَ،
حُكْمِ الْمُعَاوَضَاتِ ثُبُوتُ الْحُكْمِ بِقَبُولِ الْعِوَضِ فِي الْحَالِ كَمَا فِي الْبَيْعِ، وَكَمَا إذَا طَلَّقَهَا عَلَى مَالٍ فَقَبِلَتْ، وَهَذَا لِأَنَّ الْمَوْلَى ثَبَتَ مِلْكُهُ فِي الْعِوَضِ الْكَائِنِ مِنْ جِهَةِ الْعَبْدِ بِقَبُولِهِ فَيَلْزَمُ زَوَالُ مِلْكِهِ عَنْ الْمُعَوَّضِ، وَإِلَّا اجْتَمَعَ الْعِوَضَانِ فِي مِلْكِهِ حُكْمًا لِلْمُعَاوَضَاتِ وَصَارَ كَالْبَيْعِ فَيُشْتَرَطُ الْقَبُولُ فِي مَجْلِسِهِ ذَلِكَ إنْ كَانَ حَاضِرًا، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا اُعْتُبِرَ مَجْلِسُ عِلْمِهِ. فَإِنْ قَبِلَ عَتَقَ وَلَزِمَهُ الْمَالُ دَيْنًا يُطَالَبُ بِهِ بَعْدَ الْحُرِّيَّةِ، وَإِنْ رَدَّهُ أَوْ أَعْرَضَ إمَّا بِالْقِيَامِ أَوْ بِاشْتِغَالِهِ بِعَمَلٍ آخَرَ بَطَلَ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْبَلَ بَعْدَهُ، وَإِذَا صَارَ دَيْنًا عَلَى حُرٍّ صَحَّتْ الْكَفَالَةُ بِهِ، وَعَلَيْهِ مَا ذُكِرَ فِي الْأَصْلِ.
أَعْتَقَ أَمَتَهُ عَلَى مَالٍ فَوَلَدَتْ ثُمَّ مَاتَتْ وَلَمْ تَتْرُكْ شَيْئًا فَلَيْسَ عَلَى الْمَوْلُودِ مِنْ ذَلِكَ الْمَالِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَى الْوَارِثِ مِنْ دَيْنِ الْمُوَرِّثِ شَيْءٌ، وَلَوْ كَانَتْ أَعْطَتْهُ فِي حَالِ حَيَاتِهَا كَفِيلًا بِالْمَالِ الَّذِي أَعْتَقَهَا عَلَيْهِ جَازَ؛ لِأَنَّهَا حُرَّةٌ مَدْيُونَةٌ، بِخِلَافِ بَدَلِ الْكِتَابَةِ لَا تَصِحُّ بِهِ الْكَفَالَةُ؛ لِأَنَّهُ دَيْنٌ ثَبَتَ مَعَ الْمُنَافِي لِثُبُوتِهِ بِالشَّرْعِ لِضَرُورَةِ حُصُولِ الْعِتْقِ لِلْعَبْدِ وَالْبَدَلِ
стр. 2065
وَإِطْلَاقُ لَفْظِ الْمَالِ يَنْتَظِمُ أَنْوَاعَهُ مِنْ النَّقْدِ وَالْعَرَضِ وَالْحَيَوَانِ، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ عَيْنِهِ؛ لِأَنَّهُ مُعَاوَضَةُ الْمَالِ بِغَيْرِ الْمَالِ فَشَابَهَ النِّكَاحَ وَالطَّلَاقَ وَالصُّلْحَ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ، وَكَذَا الطَّعَامُ وَالْمَكِيلُ وَالْمَوْزُونُ إذَا كَانَ مَعْلُومَ الْجِنْسِ، وَلَا تَضُرُّهُ جَهَالَةُ الْوَصْفِ؛ لِأَنَّهَا يَسِيرَةٌ.
لِلْمَوْلَى فَيَتَقَدَّرُ بِقَدْرِهِ فَلَا يَتَعَدَّى إلَى الْكَفِيلِ، وَالْمُنَافِي هُوَ الرِّقُّ فَإِنَّهُ يَنْفِي أَنْ يَكُونَ لِلْمَوْلَى عَلَى مَرْقُوقِهِ دَيْنٌ؛ وَلِأَنَّ الْكَفَالَةَ إنَّمَا تَصِحُّ بِدَيْنٍ صَحِيحٍ وَهُوَ مَا لَا يُخْرِجُ الْمَدْيُونَ عَنْهُ إلَّا بِأَدَاءٍ أَوْ إبْرَاءٍ مِمَّنْ لَهُ، وَبَدَلُ الْكِتَابَةِ يَسْقُطُ بِدُونِهِمَا بِأَنْ عَجَزَ نَفْسُهُ، وَكَمَا تَصِحُّ الْكَفَالَةُ بِهِ جَازَ أَنْ يَسْتَبْدِلَ بِهِ مَا شَاءَ يَدًا بِيَدٍ؛ لِأَنَّهُ دَيْنٌ لَا يَسْتَحِقُّ قَبْضَهُ فِي الْمَجْلِسِ فَيَجُوزُ أَنْ يَسْتَبْدِلَ بِهِ كَالْأَثْمَانِ، وَلَا خَيْرَ فِيهِ نَسِيئَةً؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ بِالدَّيْنِ حَرَامٌ.
(قَوْلُهُ: وَإِطْلَاقُ لَفْظِ الْمَالِ) أَيْ فِي قَوْلِهِ عَلَى مَالٍ يَنْتَظِمُ أَنْوَاعَهُ مِنْ النَّقْدِ وَالْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ وَالْعَرْضِ وَالْحَيَوَانِ وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ عَيْنِهِ بَعْدَ كَوْنِهِ مَعْلُومَ الْجِنْسِ كَمِائَةِ قَفِيزٍ حِنْطَةٍ، وَإِنْ لَمْ يَقُلْ جَيِّدَةً أَوْ صَعِيدِيَّةً وَكَفَرَسٍ أَوْ حِمَارٍ أَوْ عَبْدٍ؛ لِأَنَّ الْجَهَالَةَ يَسِيرَةٌ فَتُتَحَمَّلُ؛ لِأَنَّهُ مُعَاوَضَةُ مَالٍ بِغَيْرِ الْمَالِ فَشَابَهُ النِّكَاحَ. وَعَلَّلَ الْمُصَنِّفُ كَوْنَهُ مُعَاوَضَةً بِمَا لَيْسَ بِمَالٍ بِأَنَّ الْعَبْدَ لَا يَمْلِكُ نَفْسَهُ: يَعْنِي الْحَاصِلَ لَهُ فِي مُقَابَلَةِ الْمَالِ لَيْسَ مَالًا؛ لِأَنَّ نَفْسَهُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ لَيْسَ مَالًا؛ لِأَنَّهُ مُبْقَى عَلَى أَصْلِ الْحُرِّيَّةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى نَفْسِهِ حَتَّى صَحَّ إقْرَارُهُ بِالْحُدُودِ وَالدَّيْنِ وَإِنْ تَأَخَّرَ عَنْهُ إلَى الْحُرِّيَّةِ، وَكَذَا الْخُلْعُ وَالصُّلْحُ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ، وَفِيهَا يُغْتَفَرُ ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ، وَيَلْزَمُهُ الْوَسَطُ فِي تَسْمِيَةِ الْحَيَوَانِ وَالثَّوْبِ بَعْدَ تَسْمِيَةِ جِنْسِهِمَا مِنْ الْفَرَسِ وَالْحِمَارِ وَالْعَبْدِ وَالثَّوْبِ الْهَرَوِيِّ. وَلَوْ أَتَاهُ بِالْقِيمَةِ أُجْبِرَ الْمَوْلَى عَلَى الْقَبُولِ كَمَا فِي الْمَشْهُورِ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ، وَلَوْ لَمْ يُسَمِّ الْجِنْسَ بِأَنْ قَالَ عَلَى ثَوْبٍ أَوْ حَيَوَانٍ أَوْ دَابَّةٍ فَقَبِلَ عَتَقَ وَلَزِمَهُ قِيمَةُ نَفْسِهِ.
وَلَوْ أَدَّى إلَيْهِ الْعَبْدَ أَوْ الْعَرْضَ فَاسْتُحِقَّ، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ عَيْنِهِ فِي الْعَقْدِ فَعَلَى الْعَبْدِ مِثْلُهُ، وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الْقِيمَةَ فِي مِثْلِهِ مُخَلِّصٌ، وَإِنْ كَانَ مُعَيِّنًا بِأَنْ قَالَ أَعْتَقْتُك عَلَى هَذَا الْعَبْدِ أَوْ الثَّوْبِ أَوْ بِعْتُك نَفْسَك بِهَذِهِ الْجَارِيَةِ فَقَبِلَ وَعَتَقَ وَسَلَّمَهُ فَاسْتُحِقَّ رَجَعَ عَلَى الْعَبْدِ بِقِيمَةِ نَفْسِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يَرْجِعُ بِقِيمَةِ الْمُسْتَحَقِّ، وَعَلَى هَذَا الْخِلَافُ إذَا هَلَكَ قَبْلَ التَّسْلِيمِ، وَإِذَا كَانَ الْحُكْمُ أَنَّهُ لَوْ اشْتَرَى شَيْئًا بِعَبْدِ الْغَيْرِ صَحَّ الْبَيْعُ فَكَذَا هُنَا، إلَّا أَنَّ فِي الْبَيْعِ إذَا لَمْ يُجِزْ مَالِكُ الْعَبْدِ يُفْسَخُ الْعَقْدُ وَهُنَا لَا يُفْسَخُ بَعْدَ نُزُولِ الْعِتْقِ بِالْقَبُولِ. وَلَوْ اخْتَلَفَا فِي الْمَالِ جِنْسَهُ أَوْ مِقْدَارَهُ بِأَنْ قَالَ الْمَوْلَى أَعْتَقْتُك عَلَى عَبْدٍ وَقَالَ الْعَبْدُ عَلَى كُرِّ حِنْطَةٍ أَوْ عَلَى أَلْفٍ وَقَالَ الْعَبْدُ عَلَى مِائَةٍ فَالْقَوْلُ لِلْعَبْدِ مَعَ يَمِينِهِ، وَكَذَا لَوْ أَنْكَرَ أَصْلَ الْمَالِ كَانَ الْقَوْلُ لَهُ؛ لِأَنَّهُ عَتَقَ بِاتِّفَاقِهِمَا وَالْمَالُ عَلَيْهِ لِلْمَوْلَى فَالْقَوْلُ فِي بَيَانِهِ قَوْلُهُ وَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الْمَوْلَى إمَّا لِإِثْبَاتِ الزِّيَادَةِ أَوْ؛ لِأَنَّهُ يُثْبِتُ حَقَّ نَفْسِهِ بِبَيِّنَتِهِ، وَلَوْ كَانَ هَذَا الِاخْتِلَافُ فِي مَسْأَلَةِ التَّعْلِيقِ بِالْأَدَاءِ وَهِيَ الَّتِي تَلِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ: أَعْنِي قَوْلَهُ إنْ أَدَّيْت إلَيَّ أَلْفًا فَأَنْتَ حُرٌّ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَوْلَى مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّ التَّعْلِيقَ بِالشَّرْطِ تَمَّ بِهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي بَيَانِهِ بِخِلَافِ مَا قَبْلَهَا فَإِنَّ الْعَبْدَ عَتَقَ بِالْقَبُولِ فَيَكُونُ الِاخْتِلَافُ بَيْنَهُمَا فِي الدَّيْنِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ، أَمَّا هُنَا فَلَا يَعْتِقُ إلَّا بِالْأَدَاءِ، وَإِنَّمَا الِاخْتِلَافُ بَيْنَهُمَا فِيمَا يَقَعُ الْعِتْقُ فَكَانَ الْقَوْلُ لِلْمَوْلَى، فَإِنْ أَقَامَا الْبَيِّنَةَ فَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الْعَبْدِ، إذْ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الْبَيِّنَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ يُجْعَلُ كَأَنَّ الْأَمْرَيْنِ كَانَا فَأَيُّ الشَّرْطَيْنِ أَتَى بِهِ الْعَبْدُ يَعْتِقُ؛ وَلِأَنَّ الْبَيِّنَتَيْنِ لِلْإِلْزَامِ، وَفِي بَيِّنَةِ الْعَبْدِ مَعْنَى الْإِلْزَامِ أَتَمُّ، فَإِنَّهَا إذَا قُبِلَتْ عَتَقَ الْعَبْدُ بِأَدَاءِ خَمْسِمِائَةٍ، وَلَيْسَ فِي بَيِّنَةِ الْمَوْلَى إلْزَامٌ فَإِنَّهَا إذَا قُبِلَتْ لَا يَلْزَمُ الْعَبْدَ أَدَاءُ الْمَالِ هَكَذَا، فَاعْرِفْ هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ.
وَلَوْ قَالَ الْمَوْلَى أَعْتَقْتُك أَمْسِ عَلَى أَلْفٍ فَلَمْ تَقْبَلْ وَقَالَ الْعَبْدُ قَبِلْت فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَوْلَى مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِتَعْلِيقِ الْعِتْقِ بِقَبُولِهِ الْمَالَ وَهُوَ يَتِمُّ بِالْمَوْلَى، وَلِهَذَا يَتَوَقَّفُ بَعْدَ الْمَجْلِسِ إذَا كَانَ الْعَبْدُ غَائِبًا.
стр. 2066
قَالَ: (وَلَوْ عَلَّقَ عِتْقَهُ بِأَدَاءِ الْمَالِ صَحَّ وَصَارَ مَأْذُونًا) وَذَلِكَ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ إنْ أَدَّيْت إلَيَّ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَأَنْتَ حُرٌّ؛ وَمَعْنَى قَوْلِهِ صَحَّ أَنَّهُ يُعْتَقُ عِنْدَ الْأَدَاءِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَصِيرَ مُكَاتَبًا؛ لِأَنَّهُ صَرِيحٌ فِي تَعْلِيقِ الْعِتْقِ بِالْأَدَاءِ وَإِنْ كَانَ فِيهِ مَعْنَى الْمُعَاوَضَةِ فِي الِانْتِهَاءِ عَلَى مَا نُبَيِّنُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَإِنَّمَا صَارَ مَأْذُونًا؛ لِأَنَّهُ رَغَّبَهُ فِي الِاكْتِسَابِ بِطَلَبِهِ الْأَدَاءَ مِنْهُ، وَمُرَادُهُ التِّجَارَةُ دُونَ التَّكَدِّي فَكَانَ إذْنًا لَهُ دَلَالَةً.
(وَإِنْ أَحْضَرَ الْمَالَ أَجْبَرَهُ الْحَاكِمُ عَلَى قَبْضِهِ وَعَتَقَ الْعَبْدُ) وَمَعْنَى الْإِجْبَارِ فِيهِ وَفِي سَائِرِ الْحُقُوقِ أَنَّهُ يَنْزِلُ قَابِضًا بِالتَّخْلِيَةِ. وَقَالَ زُفَرُ ﵀: لَا يُجْبَرُ عَلَى الْقَبُولِ وَهُوَ الْقِيَاسُ؛ لِأَنَّهُ تَصَرُّفُ يَمِينٍ إذْ هُوَ تَعْلِيقُ الْعِتْقِ بِالشَّرْطِ لَفْظًا،
ثُمَّ الْعَبْدُ يَدَّعِي وُجُودَ الشَّرْطِ بِقَبُولِهِ وَزَوَالَ مِلْكِ الْمَوْلَى بِهِ وَالْمَوْلَى يُنْكِرُ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ كَمَا لَوْ قَالَ قُلْت لَك أَمْسِ أَنْتَ حُرٌّ إنْ شِئْت وَلَمْ تَشَأْ، وَقَالَ الْعَبْدُ بَلْ قَدْ شِئْت فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَوْلَى، بِخِلَافِ قَوْلِهِ لِغَيْرِهِ بِعْتُك هَذَا الثَّوْبَ أَمْسِ بِأَلْفٍ فَلَمْ تَقْبَلْ وَقَالَ الْآخَرُ بَلْ قَبِلْت الْقَوْلُ لِلْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ الْقَائِلَ أَقَرَّ بِالْبَيْعِ، وَلَا يَتَحَقَّقُ الْبَيْعُ إلَّا بِقَبُولِ الْمُشْتَرِي فَهُوَ فِي قَوْلِهِ لَمْ تَقْبَلْ رَاجِعٌ عَمَّا أَقَرَّ بِهِ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ عَلَّقَ عِتْقَهُ بِأَدَاءِ الْمَالِ صَحَّ وَصَارَ مَأْذُونًا) وَذَلِكَ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ إنْ أَدَّيْت إلَيَّ أَلْفًا فَأَنْتَ حُرٌّ، وَمَعْنَى صَحَّ قَوْلُهُ: أَيْ التَّعْلِيقُ فَيَسْتَعْقِبُ مُقْتَضَاهُ. وَهُوَ أَنَّهُ يَعْتِقُ عِنْدَ الْأَدَاءِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَصِيرَ مُكَاتَبًا؛ لِأَنَّهُ صَرِيحٌ فِي تَعْلِيقِ الْعِتْقِ بِالْأَدَاءِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ مَعْنَى الْمُعَاوَضَةِ فِي الِانْتِهَاءِ عَلَى مَا نُبَيِّنُ فِي خِلَافِيَّةِ زُفَرَ، وَالْكِتَابَةُ لَيْسَتْ صَرِيحًا فِي التَّعْلِيقِ بَلْ صَرِيحَةٌ فِي عَقْدِ الْمُعَاوَضَةِ، وَصَارَ الْعَبْدُ مَأْذُونًا ضَرُورَةَ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ بِصِحَّةِ هَذَا التَّعْلِيقِ وَاسْتِعْقَابِهِ آثَارَهُ مِنْ الْعِتْقِ عِنْدَ الْأَدَاءِ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنْ يَتَمَكَّنَ شَرْعًا مِنْ الِاكْتِسَابِ حَيْثُ عَلَّقَ عِتْقَهُ بِأَدَاءِ الْمَالِ، وَيَسْتَلْزِمُ طَلَبُ الْمَوْلَى مِنْهُ الْمَالَ فَلَزِمَ أَنْ يَجْعَلَهُ مَأْذُونًا؛ لِأَنَّهُ الْمَوْضُوعُ لِلِاكْتِسَابِ فِي الْعَادَةِ وَخُصُوصًا عَادَةُ الْمُتَحَقِّقِينَ بِصِفَةِ أَنَّهُمْ مَوَالِيَ الْعَبِيدِ هُوَ التِّجَارَةُ لَا التَّكَدِّي؛ لِأَنَّهُ خِسَّةٌ يَلْحَقُ الْمَوْلَى عَارُهَا، لَكِنَّهُ لَوْ اكْتَسَبَ مِنْهُ فَأَدَّى عَتَقَ لِوُجُودِ الشَّرْطِ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ أَحْضَرَ الْمَالَ أَجْبَرَهُ الْحَاكِمُ عَلَى قَبْضِهِ وَعَتَقَ الْعَبْدُ) وَمَعْنَى الْإِجْبَارِ فِيهِ وَفِي سَائِرِ الْحُقُوقِ مِنْ ثَمَنِ الْمَبِيعِ وَبَدَلِ الْإِجَارَةِ وَغَيْرِهَا أَنْ يَنْزِلَ قَابِضًا بِالتَّخْلِيَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ بِأَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ لَوْ مَدَّ يَدَهُ أَخَذَهُ، وَعَلَى هَذَا فَمَعْنَى نِسْبَةِ الْإِجْبَارِ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَحْكُمَ بِأَنَّهُ قَبَضَ هَذَا إذَا كَانَ الْعِوَضُ صَحِيحًا، أَمَّا لَوْ كَانَ خَمْرًا أَوْ مَجْهُولًا جَهَالَةً فَاحِشَةً كَمَا لَوْ كَانَ قَالَ لَهُ إنْ أَدَّيْت إلَيَّ كَذَا خَمْرًا أَوْ ثَوْبًا فَأَنْتَ حُرٌّ فَأَدَّى ذَلِكَ لَا يُجْبَرُ عَلَى قَبُولِهِمَا: أَيْ لَا يَنْزِلُ قَابِضًا إلَّا إنْ
стр. 2067
وَلِهَذَا لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى قَبُولِ الْعَبْدِ وَلَا يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ وَلَا جَبْرَ عَلَى مُبَاشَرَةِ شُرُوطِ الْأَيْمَانِ؛ لِأَنَّهُ لَا اسْتِحْقَاقَ قَبْلَ وُجُودِ الشَّرْطِ، بِخِلَافِ الْكِتَابَةِ؛ لِأَنَّهُ مُعَاوَضَةٌ وَالْبَدَلُ فِيهَا وَاجِبٌ.
وَلَنَا أَنَّهُ تَعْلِيقٌ نَظَرًا إلَى اللَّفْظِ وَمُعَاوَضَةٌ نَظَرًا إلَى الْمَقْصُودِ؛ لِأَنَّهُ مَا عَلَّقَ عِتْقَهُ بِالْأَدَاءِ إلَّا لِيَحُثَّهُ عَلَى دَفْعِ الْمَالِ فَيَنَالَ الْعَبْدُ شَرَفَ الْحُرِّيَّةِ وَالْمَوْلَى الْمَالَ بِمُقَابَلَتِهِ بِمَنْزِلَةِ الْكِتَابَةِ، وَلِهَذَا كَانَ عِوَضًا فِي الطَّلَاقِ فِي مِثْلِ هَذَا اللَّفْظِ حَتَّى كَانَ بَائِنًا فَجَعَلْنَاهُ تَعْلِيقًا فِي الِابْتِدَاءِ عَمَلًا بِاللَّفْظِ وَدَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْ الْمَوْلَى حَتَّى لَا يَمْتَنِعَ عَلَيْهِ بَيْعُهُ، وَلَا يَكُونُ الْعَبْدُ أَحَقَّ بِمَكَاسِبِهِ وَلَا يَسْرِي إلَى الْوَلَدِ الْمَوْلُودِ قَبْلَ الْأَدَاءِ، وَجَعَلْنَاهُ مُعَاوَضَةً فِي الِانْتِهَاءِ عِنْدَ الْأَدَاءِ دَفْعًا لِلْغُرُورِ عَنْ الْعَبْدِ حَتَّى يُجْبَرَ الْمَوْلَى عَلَى الْقَبُولِ،
أَخَذَهُ مُخْتَارًا، وَأَمَّا عَدَمُ الْعِتْقِ فِي قَوْلِهِ إنْ أَدَّيْت إلَيَّ أَلْفًا فَحَجَجْت بِهَا فَأَنْتَ حُرٌّ لَا يُجْبَرُ عَلَى الْقَبُولِ؛ لِأَنَّ التَّعْلِيقَ بِشَيْئَيْنِ الْمَالِ وَالْحَجِّ فَلَا يَعْتِقُ بِمُجَرَّدِ الْمَالِ لِبُطْلَانِ مَعْنَى الْمُعَاوَضَةِ، وَلِذَا إنْ كَانَ قَالَ إنْ أَدَّيْت إلَيَّ أَلْفًا أَحُجُّ بِهَا يُجْبَرُ عَلَى الْقَبُولِ؛ لِأَنَّ الْأَدَاءَ إتْمَامُ الشَّرْطِ وَالْحَجُّ وَقَعَ مَشُورَةً.
وَقَالَ زُفَرُ: لَا يُجْبَرُ عَلَى الْقَبُولِ: أَيْ لَا يَنْزِلُ قَابِضًا بِالتَّخْلِيَةِ بَلْ إنْ أَخَذَهُ كَانَ قَابِضًا وَعَتَقَ الْعَبْدُ. وَقَوْلُهُ هُوَ الْقِيَاسُ؛ لِأَنَّهُ تَصَرُّفُ يَمِينٍ إذْ هُوَ تَعْلِيقُ الْعِتْقِ بِالشَّرْطِ لَفْظًا، وَلِهَذَا لَا يَتَوَقَّفُ صِحَّتُهُ عَلَى قَبُولِ الْعَبْدِ وَلَا يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ، وَإِذَا كَانَ يَمِينًا فَلَا إجْبَارَ عَلَى مُبَاشَرَةِ شُرُوطِ الْأَيْمَانِ؛ لِأَنَّهُ لَا اسْتِحْقَاقَ قَبْلَ الشَّرْطِ بَلْ بِالشَّرْطِ، وَلَا يُجْبَرُ عَلَى أَنْ يُبَاشِرَ الْإِنْسَانُ سَبَبًا يُوجِبُ عَلَيْهِ شَيْئًا، بِخِلَافِ الْكِتَابَةِ؛ لِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ لَازِمَةٍ وَالْبَدَلُ فِيهَا وَاجِبٌ عَلَى الْعَبْدِ فَيُجْبَرُ عَلَى قَبْضِهِ إذَا أَتَى بِهِ أَمَّا هُنَا الْبَدَلُ لَيْسَ وَاجِبًا عَلَى الْعَبْدِ فَلَا يَلْزَمُ الْمَوْلَى قَبُولُهُ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْكِتَابَةَ قَدْ تَثْبُتُ بِصِيغَةِ الشَّرْطِ إذَا حَفَّ بِمَا يَقْتَضِيهَا كَقَوْلِهِ إنْ أَدَّيْت إلَيَّ أَلْفًا كُلَّ شَهْرٍ مِائَةً فَأَنْتَ حُرٌّ فَإِنَّهُ يَصِيرُ مُكَاتَبًا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ، كَذَا ذَكَرَهُ فِي الدِّرَايَةِ مُقْتَصِرًا، وَنَسَبَهُ إلَى الْخِزَانَةِ، وَالْمَسْأَلَةُ فِي مَبْسُوطِ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ.
وَذَكَرَ أَنَّ هَذَا هُوَ الْمَذْكُورُ فِي نُسَخِ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَفِي نُسَخِ أَبِي حَفْصٍ لَا يَكُونُ مُكَاتَبًا وَلَهُ بَيْعُهُ؛ لِأَنَّهُ تَعْلِيقٌ بِشُرُوطٍ، وَهُوَ أَنْ يُؤَدِّيَ الْمَالَ عَشْرَ مَرَّاتٍ وَالتَّعْلِيقُ بِشَرْطٍ وَاحِدٍ وَشُرُوطٍ سَوَاءً. وَوَجْهُ رِوَايَةِ أَبِي سُلَيْمَانَ أَنَّهُ جَعَلَهُ مُنَجَّمًا وَالتَّنْجِيمُ مِنْ حُكْمِ الْكِتَابَةِ وَالْعِبْرَةُ لِلْمَعَانِي لَا لِلْأَلْفَاظِ وَاسْتُشْهِدَ لِأَبِي حَفْصٍ بِمَا لَوْ قَالَ إنْ أَدَّيْت إلَيَّ أَلْفًا فِي هَذَا الشَّهْرِ فَلَمْ يُؤَدِّهِ فِيهِ، وَأَدَّاهُ فِي غَيْرِهِ لَا يَعْتِقُ اتِّفَاقًا. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي هَذَا تَنْجِيمٌ تَحْتَمِلُ التَّأَمُّلَ (قَوْلُهُ وَلَنَا أَنَّهُ تَعْلِيقٌ نَظَرًا إلَى اللَّفْظِ وَمُعَاوَضَةٌ بِالنَّظَرِ إلَى الْمَقْصُودِ؛ لِأَنَّهُ مَا عَلَّقَ عِتْقَهُ بِالْأَدَاءِ إلَّا لِيَحُثَّهُ عَلَى دَفْعِ الْمَالِ فَيَنَالَ الْعَبْدُ شَرَفَ الْحُرِّيَّةِ) مِنْ جِهَةِ السَّيِّدِ وَيَنَالَ السَّيِّدُ
стр. 2068
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الْمَالَ عِوَضًا عَنْهُ وَهُوَ مَعْنَى الْمُعَاوَضَةِ، وَقَدْ فَرَضَ صِحَّةَ هَذَا التَّصَرُّفِ لِتَحْقِيقِ هَذَا الْغَرَضِ شَرْعًا فَلَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِهِ مُعَاوَضَةً، وَلِذَا كَانَ عِوَضًا فِي الطَّلَاقِ إذَا قَالَ إنْ أَدَّيْتِ إلَيَّ أَلْفًا فَأَنْتِ طَالِقٌ حَتَّى وَقَعَ بَائِنًا لَكِنْ لَمَّا لَمْ يَكُنْ الْمَالُ لَازِمًا عَلَى الْعَبْدِ تَأَخَّرَ هَذَا الِاعْتِبَارُ إلَى وَقْتِ أَدَائِهِ إيَّاهُ، وَيَلْزَمُ اعْتِبَارُهُ مُكَاتَبًا؛ لِأَنَّ مَا بِالضَّرُورَةِ يَتَقَدَّرُ بِقَدَرِهَا فَيَثْبُتُ مِلْكُهُ لِذَلِكَ قُبَيْلَهُ وَيَلْزَمُ قَبُولُهُ عَلَى السَّيِّدِ وَبِهِ يَنْدَفِعُ الْإِيرَادُ الْقَائِلُ فِيهِ كَيْفَ تَصِحُّ الْمُعَاوَضَةُ وَكُلٌّ مِنْ الْبَدَلِ وَالْمُبْدَلِ لِلْمَوْلَى؛ لِأَنَّ عَلَى مَا ذَكَرَ يَكُونُ الْمَالُ لِلْعَبْدِ لَا لِلْمَوْلَى.
وَقَدْ أُجِيبَ بِأَنَّ هَذِهِ مُغَالَطَةٌ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ حَصَلَ لِلْعَبْدِ، وَهَذَا يَتِمُّ إنْ أُرِيدَ بِالْمُبْدَلِ الْعِتْقُ، أَمَّا إنْ أُرِيدَ بِهِ الْإِعْتَاقُ الَّذِي هُوَ فِعْلُهُ فَلَا، وَلَوْ حَوَّلَ تَقْرِيرَ الْإِشْكَالِ إلَى أَنَّ الْمَالَ مِلْكُ السَّيِّدِ فَكَيْفَ يَعْتِقُ بِأَدَائِهِ، وَإِنْ أُنْزِلَ مُكَاتَبًا كَمَا أَنَّ الْمُكَاتَبَ لَا يَعْتِقُ بِأَدَاءِ مَا كَانَ اكْتَسَبَهُ قَبْلَ الْكِتَابَةِ لَمْ يَقَعْ هَذَا الْجَوَابُ دَافِعًا، بِخِلَافِ ذَلِكَ الْجَوَابِ فَإِنَّهُ يَدْفَعُ الْإِشْكَالَ كَيْفَمَا قَرَّرَ. فَأَمَّا مَا قَبْلَ الْأَدَاءِ فَالْوَاجِبُ اعْتِبَارُ الشَّرْطِ وَإِلَّا لَتَضَرَّرَ السَّيِّدُ إذْ يَمْتَنِعُ بَيْعُهُ عَلَيْهِ وَيَصِيرُ الْعَبْدُ أَحَقَّ بِمَكَاسِبِهِ مِنْ سَيِّدِهِ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ أَدَاءُ مَالٍ وَتَسْرِي الْحُرِّيَّةُ إلَى الْمَوْلُودِ لِلْأَمَةِ الْمُعَلَّقِ عِتْقُهَا بِالْأَدَاءِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ عَبْدًا؛ لِأَنَّ رِقَّ الْوَلَدِ وَحُرِّيَّتَهُ تَابِعَةٌ لِأُمِّهِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ ثَبَتَ لَهُ جِهَتَا التَّعْلِيقِ وَالْمُعَاوَضَةِ فَوَجَبَ تَوْفِيرُ مُقْتَضَى كُلٍّ عَلَيْهِ، وَعَلَى هَذَا يَدُورُ الْفِقْهُ، أَيْ عَلَى تَرْتِيبِ مُقْتَضَى كُلِّ شَبَهٍ عَلَيْهِ وَتَخْرُجُ الْمَسَائِلُ الْمُخْتَلِفَةُ الَّتِي بَعْضُهَا يَقْتَضِي اعْتِبَارَهُ تَعْلِيقًا وَبَعْضُهَا يَقْتَضِي اعْتِبَارَهُ مُعَاوَضَةً، إلَّا أَنَّهُ لَمَّا تَأَخَّرَ اعْتِبَارُ الْمُعَاوَضَةِ إلَى وَقْتِ الْأَدَاءِ كَانَتْ أَحْكَامُ الشَّرْطِ أَكْثَرَ مِنْ أَحْكَامِ الْمُعَاوَضَةِ فَلَمْ يَثْبُتْ مِنْ أَحْكَامِهَا إلَّا مَا هُوَ بَعْدَ الْأَدَاءِ، وَهُوَ مَا إذَا وَجَدَ السَّيِّدُ بَعْضَ الْمُؤَدَّى زُيُوفًا فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِقَدْرِهِ جِيَادًا وَمَا كَانَ مِنْ
стр. 2069
فَعَلَى هَذَا يَدُورُ الْفِقْهُ وَتَخْرُجُ الْمَسَائِلُ نَظِيرُهُ الْهِبَةُ بِشَرْطِ الْعِوَضِ.
وَلَوْ أَدَّى الْبَعْضَ يُجْبَرُ عَلَى الْقَبُولِ إلَّا أَنَّهُ لَا يَعْتِقُ مَا لَمْ يُؤَدِّ الْكُلَّ لِعَدَمِ الشَّرْطِ كَمَا إذَا حَطَّ الْبَعْضَ وَأَدَّى الْبَاقِيَ. ثُمَّ لَوْ أَدَّى أَلْفًا اكْتَسَبَهَا قَبْلَ التَّعْلِيقِ رَجَعَ الْمَوْلَى عَلَيْهِ وَعَتَقَ لِاسْتِحْقَاقِهَا، وَلَوْ كَانَ اكْتَسَبَهَا بَعْدَهُ لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ مِنْ جِهَتِهِ بِالْأَدَاءِ مِنْهُ،
ضَرُورِيَّاتِ الْمُعَاوَضَةِ وَهُوَ تَقْدِيمُ مِلْكِ الْعَبْدِ لِمَا أَدَّاهُ وَإِنْزَالُهُ قَابِضًا إذَا أَتَاهُ بِهِ، وَفِيمَا قَبْلَ ذَلِكَ الْمُعْتَبَرُ جِهَةُ التَّعْلِيقِ فَكَثُرَتْ آثَارُهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمُعَاوَضَةِ فَلِهَذَا خَالَفَ الْمُعَاوَضَةَ الَّتِي هِيَ الْكِتَابَةُ فِي صُوَرٍ كَثِيرَةٍ. الْأُولَى: مَا إذَا مَاتَ الْعَبْدُ قَبْلَ الْأَدَاءِ وَتَرَكَ مَالًا فَهُوَ لِلْمَوْلَى وَلَا يُؤَدِّي مِنْهُ عَنْهُ وَيَعْتِقُ بِخِلَافِ الْكِتَابَةِ.
وَالثَّانِيَةُ: لَوْ مَاتَ الْمَوْلَى وَفِي يَدِ الْعَبْدِ كَسْبٌ كَانَ لِوِرْثِهِ الْمَوْلَى وَيُبَاعُ الْعَبْدُ بِخِلَافِ الْكِتَابَةِ. الثَّالِثَةُ: لَوْ كَانَتْ أَمَةً فَوَلَدَتْ ثُمَّ أَدَّتْ فَعَتَقَتْ لَمْ يَعْتِقْ وَلَدُهَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهَا حُكْمُ الْكِتَابَةِ وَقْتَ الْوِلَادَةِ بِخِلَافِ الْكِتَابَةِ. الرَّابِعَةُ: لَوْ قَالَ الْعَبْدُ لِلْمَوْلَى حُطَّ عَنِّي مِائَةً فَحَطَّ الْمَوْلَى عَنْهُ مِائَةً وَأَدَّى تِسْعَمِائَةٍ لَا يَعْتِقُ بِخِلَافِ الْكِتَابَةِ. وَالْخَامِسَةُ: لَوْ أَبْرَأَ الْمَوْلَى الْعَبْدَ عَنْ الْأَلْفِ لَمْ يَعْتِقْ، وَلَوْ أَبْرَأَ الْمُكَاتَبُ عَتَقَ كَذَا ذَكَرُوهَا، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا مَوْقِعَ لَهَا إذْ الْفَرْقُ بَعْدَ تَحَقُّقِ الْإِبْرَاءِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ يَكُونُ وَالْإِبْرَاءُ لَا يُتَصَوَّرُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا دَيْنَ عَلَى الْعَبْدِ بِخِلَافِ الْكِتَابَةِ.
السَّادِسَةُ: لَوْ بَاعَ الْمَوْلَى الْعَبْدَ ثُمَّ اشْتَرَاهُ أَوْ رُدَّ عَلَيْهِ بِخِيَارِ عَيْبٍ فَفِي وُجُوبِ قَبُولِ مَا يَأْتِي بِهِ خِلَافٌ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، نَعَمْ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا، وَلَكِنْ لَوْ قَبَضَهُ عَتَقَ بِخِلَافِ الْكِتَابَةِ فَإِنَّهُ لَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَقْبَلَهُ، وَيُعَدُّ قَابِضًا. وَوَجْهُ قَوْلِ مُحَمَّدٍ إنَّ وُجُوبَ الْقَبُولِ وَإِنْزَالَهُ قَابِضًا كَانَ مِنْ حُكْمِ الْكِتَابَةِ وَقَدْ بَطَلَتْ بِالْبَيْعِ فَلَا يَجِبُ الْقَبُولُ، غَيْرَ أَنَّهُ لَوْ قَبَلَهُ عَتَقَ بِحُكْمِ التَّعْلِيقِ وَهُوَ لَا يَبْطُلُ بِالْخُرُوجِ عَنْ الْمِلْكِ؛ لِمَا عُرِفَ فِي الْأَيْمَانِ بِالطَّلَاقِ، وَقَوْلُ أَبِي يُوسُفَ عِنْدِي أَوْجُهٌ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ الَّتِي تُطِلُّ بِالْبَيْعِ الَّتِي هِيَ الْقَائِمَةُ عِنْدَهُ. وَأَنْتَ عَلِمْت أَنَّ إنْزَالَهُ مُكَاتَبًا إنَّمَا هُوَ فِي الِانْتِهَاءِ، وَهُوَ مَا عِنْدَ أَدَائِهِ فَلَا يَنْزِلُ مُكَاتَبًا قَبْلَهُ بَلْ الثَّابِتُ قَبْلَهُ لَيْسَ إلَّا أَحْكَامُ التَّعْلِيقِ وَالْبَيْعُ كَانَ قَبْلَهُ وَلَا كِتَابَةَ حِينَئِذٍ مُعْتَبَرَةٌ شَرْعًا فَتَبْطُلُ، وَقَدْ فُرِضَ بَقَاءُ هَذِهِ الْيَمِينِ وَاعْتِبَارُ صِحَّتِهَا بَعْدَ الْبَيْعِ فَيَجِبُ ثُبُوتُ أَحْكَامِهَا، وَمِنْهَا وُجُوبُ الْقَبُولِ إذَا أَتَى بِالْمَالِ. السَّابِعَةُ: أَنَّهُ يَقْتَصِرُ عَلَى الْمَجْلِسِ فَلَا يَعْتِقُ مَا لَمْ يُؤَدِّ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ، فَلَوْ اُخْتُلِفَ بِأَنْ أَعْرَضَ أَوْ أَخَذَ فِي عَمَلٍ آخَرَ فَأَدَّى لَا يَعْتِقُ بِخِلَافِ الْكِتَابَةِ، هَذَا إذَا كَانَ الْمَذْكُورُ مِنْ أَدَوَاتِ الشَّرْطِ لَفْظَةَ إنْ، فَإِنْ كَانَ لَفْظَةُ مَتَى أَوْ إذَا فَلَا يُقْتَصَرُ عَلَى الْمَجْلِسِ. الثَّامِنَةُ: أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمَوْلَى بَيْعُ الْعَبْدِ بَعْدَ قَوْلِهِ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُؤَدِّيَ بِخِلَافِ الْمُكَاتَبِ.
التَّاسِعَةُ: أَنَّ لِلسَّيِّدِ أَنْ يَأْخُذَ مَا يَظْفَرُ بِهِ مِمَّا اكْتَسَبَهُ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَهُ بِمَا يُؤَدِّيهِ بِخِلَافِ الْمُكَاتَبِ. الْعَاشِرَةُ: أَنَّهُ إذَا أَدَّى وَعَتَقَ وَفَضَلَ عِنْدَهُ مَالٌ مِمَّا اكْتَسَبَهُ كَانَ لِلسَّيِّدِ فَيَأْخُذُهُ بِخِلَافِ الْمُكَاتَبِ. الْحَادِيَةَ عَشَرَ لَوْ اكْتَسَبَ الْعَبْدُ مَالًا قَبْلَ تَعْلِيقِ السَّيِّدِ فَأَدَّاهُ بَعْدَهُ إلَيْهِ عَتَقَ، وَإِنْ كَانَ السَّيِّدُ يَرْجِعُ بِمِثْلِهِ عَلَى مَا سَيَذْكُرُ، بِخِلَافِ الْكِتَابَةِ لَا يَعْتِقُ بِأَدَائِهِ؛ لِأَنَّهُ مِلْكُ الْمَوْلَى إلَّا أَنْ يَكُونَ كَاتَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَالِهِ فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يَصِيرُ بِهِ أَحَقَّ مِنْ سَيِّدِهِ فَإِذَا أَدَّى مِنْهُ عَتَقَ. (قَوْلُهُ: وَلَوْ أَدَّى الْبَعْضَ يُجْبَرُ عَلَى الْقَوْلِ إلَّا أَنَّهُ لَا يَعْتِقُ)؛ لِأَنَّ شَرْطَ الْعِتْقِ أَدَاءُ الْكُلِّ
стр. 2070
ثُمَّ الْأَدَاءُ فِي قَوْلِهِ إنْ أَدَّيْت يَقْتَصِرُ عَلَى الْمَجْلِسِ؛ لِأَنَّهُ تَخْيِيرٌ، وَفِي قَوْلِهِ إذَا أَدَّيْت لَا يَقْتَصِرُ؛ لِأَنَّ إذَا تُسْتَعْمَلُ لِلْوَقْتِ
وَلَمْ يُوجَدْ كَمَا لَوْ حَطَّ عَنْهُ الْبَعْضَ وَأَدَّى الْبَاقِيَ فَإِنَّهُ لَا يَعْتِقُ كَمَا ذَكَرْنَا فِي الْمَسَائِلِ؛ لِعَدَمِ الشَّرْطِ، وَإِنَّمَا يُجْبَرُ عَلَى قَبُولِهِ؛ لِأَنَّهُ بَعْضُ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ قَبُولُهُ، فَكَمَا يَجِبُ قَبُولُ الْكُلِّ يَجِبُ قَبُولُ بَعْضِهِ، وَلَا خَفَاءَ فِي وُرُودِ مَنْعِ هَذِهِ الْمُلَازَمَةِ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ قَبُولِ الْكُلِّ؛ لِأَنَّ بِهِ يَتَحَقَّقُ شَرْطُ الْعِتْقِ الَّذِي هُوَ حَقُّ الْعَبْدِ، وَلَيْسَ أَدَاءُ الْبَعْضِ كَذَلِكَ إلَّا إذَا كَانَ فِي ضِمْنِ الْكُلِّ فَإِنَّهُ يَجِبُ قَبُولُهُ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ مُحَقِّقٌ لِلْكُلِّ لَا بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ بَعْضُهُ فَلِذَا كَانَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ خِلَافٌ، وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ هُوَ الْمَذْكُورُ فِي الْإِيضَاحِ. وَذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ قَبُولُهُ كَمَا ذَكَرْنَا، وَذَكَرَ فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ أَنَّ عَدَمَ وُجُوبِ قَبُولِهِ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَأَنَّهُ الْقِيَاسُ، وَالِاسْتِحْسَانُ هُوَ أَنْ يُجْبَرَ عَلَى الْقَبُولِ كَالْمُكَاتَبِ، وَالْأَوْجُهُ وَهُوَ وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ وُجُوبَ قَبُولِهِ الْبَعْضَ لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَعْجِزُ عَنْ أَدَاءِ الْكُلِّ دَفْعَةً، وَمَا تَحَمَّلَ مَشَقَّةَ الِاكْتِسَابِ إلَّا لِذَلِكَ الْغَرَضِ، فَلَوْ وَقَفْنَاهُ عَلَى تَحْصِيلِ الْكُلِّ ذَهَبَ تَحَمُّلُهُ كَدَّ سَعْيِهِ خَالِيًا عَنْ غَرَضِهِ.
وَمِمَّا تَقَدَّمَ يُعْلَمُ أَنَّ السَّيِّدَ لَوْ خَطَفَهُ مِنْهُ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَهُ بِهِ جَازَ وَلَا يُحْتَسَبُ لَهُ بِهِ مِنْ أَدَاءِ الْمَشْرُوطِ. (قَوْلُهُ: ثُمَّ لَوْ أَدَّى أَلْفًا اكْتَسَبَهَا قَبْلَ التَّعْلِيقِ يَعْتِقُ وَيَرْجِعُ الْمَوْلَى عَلَيْهِ) بِمِثْلِهَا، أَمَّا الْعِتْقُ فَلِوُجُودِ الشَّرْطِ وَهُوَ أَدَاءُ الْأَلْفِ حَتَّى يَعْتِقَ لَوْ كَانَتْ أَلْفًا مَغْصُوبَةً، إلَّا أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ قَبُولُ الْمَغْصُوبَةِ، وَأَمَّا رُجُوعُ الْمَوْلَى بِمِثْلِهَا فَلِاسْتِحْقَاقِهِ إيَّاهَا، وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ لِاسْتِحْقَاقِهَا إضَافَةً لِلْمَصْدَرِ إلَى الْمَفْعُولِ، وَهُوَ تَعْلِيلٌ لِلرُّجُوعِ وَهَذَا؛ لِأَنَّهَا مِلْكُهُ، وَالْعَبْدُ وَإِنْ قُلْنَا إنَّهُ يَمْلِكُ مَا اكْتَسَبَهُ عِنْدَ الْأَدَاءِ وَيَصِيرُ عِنْدَهُ كَالْمُكَاتَبِ لَكِنَّ ذَلِكَ فِيمَا اكْتَسَبَهُ بَعْدَ التَّعْلِيقِ، وَهَذَا يُوجِبُهُ النَّظَرُ فِي الْغَرَضِ، وَهُوَ أَنْ يُعْتِقَهُ بِأَدَاءِ أَلْفٍ يَحْدُثُ حُصُولُهَا لَهُ فَيَمْلِكُ مَا لَمْ يَكُنْ مَالِكًا لَهُ، وَتِلْكَ الْأَلْفُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ فَيَرْجِعُ بِمِثْلِهَا دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْ الْمَوْلَى. (قَوْلُهُ: ثُمَّ الْأَدَاءُ فِي قَوْلِهِ إنْ أَدَّيْت يَقْتَصِرُ عَلَى الْمَجْلِسِ) فَلَوْ اخْتَلَفَ
следующие страницы →