Полный текст (1 326 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.
стр. 1261
ذَكَرَ سُبْحَانَهُ هَذِهِ الْآيَةَ عَقِيبَ قَوْلِهِ: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ﴾ [التوبة: ٦١] فَجَعَلَهُمْ مُؤْذِينَ لَهُ بِقَوْلِهِمْ: (هُوَ أُذُنٌ) ثُمَّ قَالَ: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [التوبة: ٦٣] فَجَعَلَهُمْ بِهَذَا مُحَادِّينَ، وَمَعْلُومٌ قَطْعًا أَنَّ مَنْ أَظْهَرَ مَسَبَّةَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالطَّعْنَ فِي دِينِهِ أَعْظَمُ مُحَادَّةً لَهُ وَلِرَسُولِهِ، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ مُحَادٌّ فَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ﴾ [المجادلة: ٢٠] وَالْأَذَلُّ أَبْلَغُ مِنَ الذَّلِيلِ، وَلَا يَكُونُ أَذَلَّ حَتَّى يَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ وَمَالِهِ؛ لِأَنَّ مَنْ كَانَ دَمُهُ وَمَالُهُ مَعْصُومًا لَا يُسْتَبَاحُ فَلَيْسَ بِأَذَلَّ، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٢] فَبَيَّنَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُمْ أَيْنَمَا ثُقِفُوا فَعَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ إِلَّا مَعَ الْعَهْدِ، فَعُلِمَ أَنَّ مَنْ لَهُ عَهْدٌ وَحَبْلٌ يَأْمَنُ بِهِ عَلَى نَفْسِهِ وَمَالِهِ لَا ذِلَّةَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَتْ عَلَيْهِ الْمَسْكَنَةُ، فَإِنَّ الْمَسْكَنَةَ قَدْ تَكُونُ مَعَ عَدَمِ الذِّلَّةِ، وَقَدْ جَعَلَ سُبْحَانَهُ الْحَادِّينَ فِي الْأَذَلِّينَ، فَلَا يَكُونُ لَهُمْ عَهْدٌ؛ إِذِ الْعَهْدُ يُنَافِي الذِّلَّةَ كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْآيَةُ، وَهَذَا ظَاهِرٌ فَإِنَّ الْأَذَلَّ لَيْسَ لَهُ قُوَّةٌ يَمْتَنِعُ بِهَا مِمَّنْ أَرَادَهُ بِسُوءٍ، فَإِذَا كَانَ لَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَهْدٌ يَجِبُ عَلَيْهِمْ بِهِ نَصْرُهُ وَمَنْعُهُ فَلَيْسَ بِأَذَلَّ، فَثَبَتَ أَنَّ الْمُحَادَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ لَا يَكُونُ لَهُ عَهْدٌ يَعْصِمُهُ.
стр. 1262
[فَصْلٌ بَيَانُ مَعْنَى الْكَبْتِ]
٢٧٣ - فَصْلٌ
[بَيَانُ مَعْنَى الْكَبْتِ] .
الدَّلِيلُ الثَّامِنُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [المجادلة: ٥] ) وَالْكَبْتُ: الْإِذْلَالُ وَالْخِزْيُ وَالتَّصْرِيعُ عَلَى الْوَجْهِ.
قَالَ النَّضْرُ وَابْنُ قُتَيْبَةَ: هُوَ الْغَيْظُ وَالْحُزْنُ.
وَقَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ: كُبِتُوا أُهْلِكُوا وَأُخْزُوا وَحَزِنُوا، وَإِذَا كَانَ الْمُحَادُّ مَكْبُوتًا فَلَوْ كَانَ آمِنًا عَلَى نَفْسِهِ وَمَالِهِ لَمْ يَكُنْ مَكْبُوتًا بَلْ مَسْرُورًا جَذِلًا يَشْفِي صَدْرَهُ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ آمِنًا عَلَى دَمِهِ وَمَالِهِ، فَأَيْنَ الْكَبْتُ إِذَنْ؟
стр. 1263
وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [المجادلة: ٥] فَخَوْفُهُمْ بِكَبْتٍ نَظِيرَ كَبْتِ مَنْ قَبْلَهُمْ، وَهُوَ الْإِهْلَاكُ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِي عِبَادِهِ وَأَوْلِيَائِهِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١] عَقِيبَ قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٥] دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ [الْمُحَادَّةَ] مُغَالَبَةٌ وَمُعَادَاةٌ حَتَّى يَكُونَ أَحَدُ الْمُحَادِّينَ غَالِبًا، وَهَذَا إِنَّمَا يَكُونُ بَيْنَ أَهْلِ الْحَرْبِ لَا أَهْلِ السِّلْمِ، فَعُلِمَ أَنَّ الْمُحَادَّ لَيْسَ بِمُسَالِمٍ فَلَا يَكُونُ لَهُ أَمَانٌ مَعَ الْمُحَادَّةِ، وَقَدْ جَرَتْ سُنَّةُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ أَنَّ الْغَلَبَةَ لِرُسُلِهِ بِالْحُجَّةِ وَالْقَهْرِ، فَمَنْ أُمِرَ مِنْهُمْ بِالْحَرْبِ نُصِرَ عَلَى عَدُوِّهِ، وَمَنْ لَمْ يُؤْمَرْ بِالْحَرْبِ أُهْلِكَ عَدُوُّهُ.
يُوَضِّحُهُ أَنَّ الْمُحَادَّةَ مُشَاقَّةٌ؛ لِأَنَّهَا مِنَ الْحَدِّ وَالْفَصْلِ وَالْبَيْنُونَةِ، وَكَذَلِكَ الْمُشَاقَّةُ مِنَ الشَّقِّ، وَكَذَلِكَ الْمُعَادَاةُ مِنَ الْعُدْوَةِ وَهِيَ الْجَانِبُ، يَكُونُ أَحَدُ الْعَدُوَّيْنِ فِي شَقٍّ وَجَانِبٍ وَحَدٍّ، وَعَدُوُّهُ الْآخَرُ فِي غَيْرِهَا، وَالْمَعْنَى فِي ذَلِكَ كُلِّهِ مَعْنَى الْمُقَاطَعَةِ وَالْمُفَاصَلَةِ، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إِلَّا مَعَ انْقِطَاعِ الْحَبْلِ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَ أَهْلِ الْعَهْدِ لَا يَكُونُ مَعَ اتِّصَالِ الْحَبْلِ أَبَدًا.
يُوَضِّحُهُ أَنَّ الْحَبْلَ وَصْلَةٌ وَسَبَبٌ، فَلَا يُجَامِعُ الْمُفَاصَلَةَ وَالْمُبَايَنَةَ.
وَأَيْضًا فَإِنَّهَا إِذَا كَانَتْ بِمَعْنَى الْمُشَاقَّةِ فَقَدْ قَالَ تَعَالَى:
стр. 1264
﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ - ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ [يُشَاقِقِ] اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال: ١٢ - ١٣] فَأَمَرَ بِضَرْبِ أَعْنَاقِهِمْ، وَعَلَّلَ ذَلِكَ بِمُشَاقَّتِهِمْ [وَمُحَادَّتِهِمْ] وَكُلُّ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ وَجَبَ أَنْ يُضْرَبَ عُنُقُهُ، وَهَذَا دَلِيلٌ تَاسِعٌ فِي الْمَسْأَلَةِ.
وَتَرْتِيبُهُ هَكَذَا: هَذَا مُشَاقٌّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، وَالْمُشَاقُّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مُسْتَحِقٌّ ضَرْبَ الْعُنُقِ، وَقَدْ تَبَيَّنَتْ صِحَّةُ الْمُقَدِّمَتَيْنِ.
وَنَظِيرُ هَذَا الِاسْتِدْلَالِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ﴾ [الحشر: ٣] وَالتَّعْذِيبُ فِي الدُّنْيَا هُوَ الْقِتَالُ وَالْإِهْلَاكُ، ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِالْمُشَاقَّةِ، وَأَخَّرَ عَنْهُمْ ذَلِكَ التَّعْذِيبَ لِمَا سَبَقَ مِنْ كِتَابَةِ الْجَلَاءِ عَلَيْهِمْ، فَمَنْ وُجِدَتْ مِنْهُ الْمُشَاقَّةُ مِنْ غَيْرِهِمْ مِمَّنْ لَمْ يُكْتَبْ عَلَيْهِ الْجَلَاءُ اسْتَحَقَّ عَذَابَ الدُّنْيَا الَّذِي أَخَّرَهُ عَنْ أُولَئِكَ، وَهَذَا دَلِيلٌ عَاشِرٌ فِي الْمَسْأَلَةِ.
стр. 1265
[فَصْلٌ زَوَالُ الْعِصْمَةِ عَنْ نَفْسِ وَمَالِ الْمُؤْذِي لِلَّهِ وَرَسُولِهِ]
٢٧٤ - فَصْلٌ
[زَوَالُ الْعِصْمَةِ عَنْ نَفْسِ وَمَالِ الْمُؤْذِي لِلَّهِ وَرَسُولِهِ]
الدَّلِيلُ الْحَادِي عَشَرَ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [الأحزاب: ٥٧] ) وَهَذِهِ الْأَفْعَالُ أَذًى لِلَّهِ وَرَسُولِهِ قَطْعًا، بَلْ أَذَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ يَحْصُلُ بِدُونِهَا.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٥٢] فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْمَلْعُونُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ عَادِمَ النَّصِيرِ بِالْكُلِّيَّةِ، فَلَوْ كَانَ مَالُهُ وَدَمُهُ مَعْصُومَيْنِ لَوَجَبَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ نُصْرَتُهُ وَكَانُوا كُلُّهُمْ أَنْصَارَهُ، وَهَذَا مُخَالَفَةٌ صَرِيحَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٥٢]
يُوَضِّحُهُ الدَّلِيلُ الثَّانِي عَشَرَ: وَهُوَ أَنَّ هَذَا مُؤْذٍ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، فَتَزُولُ الْعِصْمَةُ عَنْ نَفْسِهِ وَمَالِهِ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : " «مَنْ لِكَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ، فَإِنَّهُ قَدْ آذَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ» " فَنَدَبَ إِلَى قَتْلِهِ بَعْدَ الْعَهْدِ، وَعَلَّلَ ذَلِكَ بِكَوْنِهِ آذَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَسَتَأْتِي قِصَّتُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
стр. 1266
[فَصْلٌ مَدَّ اللَّهُ قِتَالَهُمْ حَتَّى يَنْتَهُوا عَنْ أَسْبَابِ الْفِتْنَةِ]
٢٧٥ - فَصْلٌ
[مَدَّ اللَّهُ قِتَالَهُمْ حَتَّى يَنْتَهُوا عَنْ أَسْبَابِ الْفِتْنَةِ] .
الدَّلِيلُ الثَّالِثَ عَشَرَ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٩٣] ) فَمَدَّ قِتَالَهُمْ إِلَى أَنْ يَنْتَهُوا عَنْ أَسْبَابِ الْفِتْنَةِ وَهِيَ الشِّرْكُ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُ لَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ، وَالْمُجَاهِرُ بِالسَّبِّ وَالْعُدْوَانِ عَلَى الْإِسْلَامِ غَيْرُ مُنْتَهٍ فَقِتَالُهُ وَاجِبٌ إِذَا كَانَ غَيْرَ مَقْدُورٍ عَلَيْهِ، وَقَتْلُهُ مَعَ الْقُدْرَةِ حَتْمٌ وَهُوَ ظَالِمٌ، فَعَلَيْهِ الْعُدْوَانُ الَّذِي نَفَاهُ عَمَّنِ انْتَهَى وَهُوَ الْقَتْلُ وَالْقِتَالُ، وَهَذَا بِحَمْدِ اللَّهِ فِي غَايَةِ الْوُضُوحِ.
[فَصْلٌ يُوَفَّى الْعَهْدُ إِلَيْهِمْ مَا لَمْ يَنْقُصُونَا شَيْئًا مِمَّا عَاهَدْنَاهُمْ عَلَيْهِ]
٢٧٦ - فَصْلٌ
[يُوَفَّى الْعَهْدُ إِلَيْهِمْ مَا لَمْ يَنْقُصُونَا شَيْئًا مِمَّا عَاهَدْنَاهُمْ عَلَيْهِ] .
الدَّلِيلُ الرَّابِعَ عَشَرَ: قَوْلُهُ: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١] ) إِلَى قَوْلِهِ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾ [التوبة: ٤] فَأَمَرَ سُبْحَانَهُ أَنْ يُوَفَّى لَهُمْ مَا لَمْ يُنْقُصُونَا شَيْئًا مِمَّا عَاهَدْنَاهُمْ عَلَيْهِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَنْ فَعَلَ تِلْكَ الْأَفْعَالَ فَقَدْ نَقَصَنَا جُلَّ مَا عَاهَدْنَاهُ عَلَيْهِ مَا خَلَا الدِّينَارَ الَّذِي هُوَ أَهْوَنُ شَيْءٍ عُوهِدَ عَلَيْهِ فَهُوَ
стр. 1267
أَوْلَى بِفَسْخِ الْعَهْدِ مِنْ نَقْصِ الدِّينَارِ، وَلَا كَانَ بَاذِلُهُ وَقَدْ جَاهَرَ بِأَعْظَمِ الْعَدَاوَةِ.
يُوَضِّحُهُ أَنَّ الدِّينَارَ لَمْ يَأْخُذْهُ مِنْهُ الْمُسْلِمُونَ لِحَاجَتِهِمْ إِلَيْهِ، وَقَدْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الدُّنْيَا، وَإِنَّمَا أَخَذَ مِنْهُ إِذْلَالًا لَهُ وَقَهْرًا حَتَّى يَكُونَ صَاغِرًا، فَإِذَا امْتَنَعَ مِنْ بَذْلِهِ لَمْ يَكُنْ صَاغِرًا فَاسْتَحَقَّ الْقَتْلَ، فَإِذَا أَتَى مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ مَنْعِ الدِّينَارِ مِمَّا يُنَافِي الصَّغَارَ، فَاسْتِحْقَاقُهُ لِلْقَتْلِ أَوْلَى وَأَحْرَى، وَهَذَا يُقَرِّبُ مِنَ الْمُقَاطِعِ.
стр. 1268
ذِكْرُ الْأَدِلَّةِ مِنَ السُّنَّةِ عَلَى وُجُوبِ قَتْلِ السَّبَّابِ وَانْتِقَاضِ عَهْدِهِ
الدَّلِيلُ الْأَوَّلُ: مَا رَوَاهُ الشَّعْبِيُّ عَنْ عَلِيٍّ «أَنَّ يَهُودِيَّةً كَانَتْ تَشْتُمُ النَّبِيَّ ﷺ وَتَقَعُ فِيهِ، فَخَنَقَهَا رَجُلٌ حَتَّى مَاتَتْ، فَأَبْطَلَ رَسُولُ اللَّهِ
стр. 1269
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَمَهَا» . وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي " السُّنَنِ ".
وَاحْتَجَّ بِهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: «كَانَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَعْمَى يَأْوِي إِلَى امْرَأَةٍ يَهُودِيَّةٍ، فَكَانَتْ تُطْعِمُهُ وَتُحْسِنُ إِلَيْهِ، فَكَانَتْ لَا تَزَالُ تَشْتُمُ النَّبِيَّ ﷺ وَتُؤْذِيهِ، فَلَمَّا كَانَ لَيْلَةٌ مِنَ اللَّيَالِي خَنَقَهَا فَمَاتَتْ، فَلَمَّا أَصْبَحَ ذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَنَشَدَ النَّاسُ فِي أَمْرِهَا، فَقَامَ الْأَعْمَى فَذَكَرَ لَهُ أَمْرَهَا، فَأَبْطَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دَمَهَا» .
стр. 1270
قَالَ شَيْخُنَا: وَهَذَا الْحَدِيثُ جَيِّدٌ، فَإِنَّ الشَّعْبِيَّ رَأَى عَلِيًّا وَرَوَى عَنْهُ حَدِيثَ [شُرَاحَةَ] الْهَمْدَانِيَّةِ، وَكَانَ فِي حَيَاةِ عَلِيٍّ قَدْ نَاهَزَ الْعِشْرِينَ سَنَةً وَهُوَ مَعَهُ فِي الْكُوفَةِ، وَقَدْ ثَبَتَ لِقَاؤُهُ لِعَلِيٍّ ﵁ فَيَكُونُ الْحَدِيثُ مُتَّصِلًا، وَإِنْ يَبْعُدْ سَمَاعُ الشَّعْبِيِّ مِنْ عَلِيٍّ فَيَكُونُ الْحَدِيثُ مُرْسَلًا، وَالشَّعْبِيُّ عِنْدَهُمْ صَحِيحُ الْمَرَاسِيلِ لَا يَعْرِفُونَ لَهُ إِلَّا مُرْسَلًا صَحِيحًا، وَهُوَ
стр. 1271
مِنْ أَعْلَمِ النَّاسِ بِحَدِيثِ عَلِيٍّ وَأَعْلَمِهِمْ بِثِقَاتِ أَصْحَابِهِ، وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ وَهُوَ:
الدَّلِيلُ الثَّانِي: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا رَوْحٌ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ الشَّحَّامُ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ رَجُلًا كَانَتْ لَهُ أُمُّ وَلَدٍ تَشْتُمُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَتَلَهَا، فَسَأَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ عَنْهَا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهَا كَانَتْ تَشْتُمُكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أَلَا إِنَّ دَمَ فُلَانَةَ هَدَرٌ» ".
стр. 1272
رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ عُثْمَانَ الشَّحَّامِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَنَّ أَعْمَى كَانَتْ لَهُ أُمُّ وَلَدٍ تَشْتُمُ النَّبِيَّ ﷺ وَتَقَعُ فِيهِ فَيَنْهَاهَا فَلَا تَنْتَهِي وَيَزْجُرُهَا فَلَا تَنْزَجِرُ، فَلَمَّا كَانَ ذَاتُ لَيْلَةٍ جَعَلَتْ تَقَعُ فِي النَّبِيِّ ﷺ وَتَشْتُمُهُ فَأَخَذَ الْمِغْوَلَ فَوَضَعَهُ فِي بَطْنِهَا وَاتَّكَأَ عَلَيْهَا فَقَتَلَهَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ ذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَجَمَعَ النَّاسَ فَقَالَ: " أَنْشُدُ اللَّهَ رَجُلًا فَعَلَ مَا فَعَلَ، لِي عَلَيْهِ حَقٌّ إِلَّا قَامَ " فَقَامَ الْأَعْمَى يَتَخَطَّى النَّاسَ وَهُوَ يَتَدَلْدَلُ حَتَّى قَعَدَ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَنَا صَاحِبُهَا، كَانَتْ تَشْتُمُكَ وَتَقَعُ فِيكَ فَأَنْهَاهَا فَلَا تَنْتَهِي وَأَزْجُرُهَا فَلَا تَنْزَجِرُ وَلِي مِنْهَا ابْنَانِ مِثْلُ اللُّؤْلُؤَتَيْنِ وَكَانَتْ بِي رَفِيقَةً، فَلَمَّا كَانَ الْبَارِحَةُ جَعَلَتْ تَشْتُمُكَ وَتَقَعُ فِيكَ فَأَخَذْتُ الْمِغْوَلَ فَوَضَعْتُهُ فِي بَطْنِهَا وَاتَّكَأْتُ عَلَيْهَا حَتَّى قَتَلْتُهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " أَلَا اشْهَدُوا أَنَّ دَمَهَا هَدَرٌ» ".
стр. 1273
وَالْمِغْوَلُ - بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ - قَالَ الْخَطَّابِيُّ: هُوَ شَبِيهُ الْمِشْمَلِ وَنَصْلُهُ دَقِيقٌ مَاضٍ، وَكَذَلِكَ قَالَ غَيْرُهُ: هُوَ سَيْفٌ دَقِيقٌ يَكُونُ غِمْدُهُ كَالسَّوْطِ، وَالْمِشْمَلُ السَّيْفُ الْقَصِيرُ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ الرَّجُلُ، أَيْ: يُغَطِّيهِ بِثَوْبِهِ، وَاشْتِقَاقُ الْمِغْوَلِ مِنْ غَالَهُ الشَّيْءَ وَاغْتَالَهُ إِذَا أَخَذَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَدْرِي.
قَالَ شَيْخُنَا: فَهَذِهِ الْقِصَّةُ يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ هِيَ الْأُولَى، وَعَلَيْهِ يَدُلُّ كَلَامُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ؛ لِأَنَّهُ قِيلَ لَهُ فِي رِوَايَةِ ابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ: فِي قَتْلِ الذِّمِّيِّ إِذَا سَبَّ أَحَادِيثُ؟ قَالَ: نَعَمْ؛ مِنْهَا حَدِيثُ الْأَعْمَى الَّذِي قَتَلَ الْمَرْأَةَ، قَالَ: سَمِعْتُهَا تَشْتُمُ النَّبِيَّ ﷺ .
ثُمَّ رَوَى عَنْهُ عَبْدُ اللَّهِ كِلَا الْحَدِيثَيْنِ، وَعَلَى هَذَا فَيَكُونُ قَدْ خَنَقَهَا وَبَعَجَ بَطْنَهَا، أَوْ تَكُونُ كَيْفِيَّةُ الْقَتْلِ غَيْرَ مَحْفُوظَةٍ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ.
وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّ وُقُوعَ قِصَّتَيْنِ مِثْلَ هَذِهِ لِأَعْمَيَيْنِ كُلٌّ مِنْهُمَا كَانَتِ الْمَرْأَةُ
стр. 1274
تُحْسِنُ إِلَيْهِ وَتُكَرِّرُ الشَّتْمَ، وَكِلَاهُمَا قَتَلَهَا وَحْدَهُ، وَكِلَاهُمَا نَشَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيهَا النَّاسَ، بَعِيدٌ فِي الْعَادَةِ.
وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ الْمَقْتُولَةُ يَهُودِيَّةٌ كَمَا جَاءَ مُفَسَّرًا فِي تِلْكَ الرِّوَايَةِ، وَيُمْكِنُ أَنْ تَكُونَا قِصَّتَيْنِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ الْحَدِيثَيْنِ.
فَإِنْ قِيلَ: يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْمَرْأَةُ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ لَيْسَتْ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، وَحِينَئِذٍ لَا يَدُلُّ عَلَى قَتْلِ الذِّمِّيِّ الْمُعَاهِدِ وَانْتِقَاضِ عَهْدِهِ بِالسَّبِّ، قِيلَ: هَذَا ظَنَّهُ بَعْضُ النَّاسِ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ بِالسُّنَّةِ كَثِيرُ عِلْمٍ، وَهُوَ غَلَطٌ لِأَنَّ هَذِهِ الْمَرْأَةَ كَانَتْ مُوَادَعَةً مُهَادَنَةً؛ إِذِ النَّبِيُّ ﷺ لَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ وَادَعَ جَمِيعَ الْيَهُودِ الَّذِينَ كَانُوا بِهَا مُوَادَعَةً مُطْلَقَةً، وَلَمْ يَضْرِبْ عَلَيْهِمْ جِزْيَةً، وَهَذَا مَشْهُورٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِمَنْزِلَةِ التَّوَاتُرِ بَيْنَهُمْ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: " لَمْ أَعْلَمْ مُخَالِفًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالسِّيَرِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا نَزَلَ الْمَدِينَةَ وَادَعَ يَهُودَ كَافَّةً عَلَى غَيْرِ جِزْيَةٍ» "، وَهُوَ كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَذَلِكَ أَنَّ الْمَدِينَةَ كَانَ فِيمَا حَوْلَهَا ثَلَاثَةُ أَصْنَافٍ مِنَ الْيَهُودِ: بَنُو قَيْنُقَاعَ، وَبَنُو النَّضِيرِ، وَبَنُو قُرَيْظَةَ. وَكَانَ بَنُو قَيْنُقَاعَ وَبَنُو النَّضِيرِ حُلَفَاءَ الْخَزْرَجِ، وَكَانَتْ قُرَيْظَةُ حُلَفَاءَ الْأَوْسِ، فَلَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ هَادَنَهُمْ وَوَادَعَهُمْ مَعَ إِقْرَارِهِ لَهُمْ وَلِمَنْ كَانَ حَوْلَ الْمَدِينَةِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنْ حُلَفَاءِ الْأَنْصَارِ عَلَى حِلْفِهِمْ وَعَهْدِهِمُ الَّذِي كَانُوا عَلَيْهِ حَتَّى إِنَّهُ عَاهَدَ الْيَهُودَ أَنْ يُعِينُوهُ إِذَا حَارَبَ ثُمَّ نَقَضَ الْعَهْدَ بَنُو قَيْنُقَاعَ ثُمَّ النَّضِيرُ ثُمَّ قُرَيْظَةُ.
стр. 1275
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: وَكَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعْنِي فِي أَوَّلِ مَا قَدِمَ الْمَدِينَةَ - كِتَابًا بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَادَعَ فِيهِ يَهُودَ وَعَاهَدَهُمْ وَأَقَرَّهُمْ عَلَى دِينِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَاشْتَرَطَ عَلَيْهِمْ وَشَرَطَ لَهُمْ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي عُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ قَالَ: أَخَذْتُ مِنْ آلِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ هَذَا الْكِتَابَ، كَانَ مَقْرُونًا بِكِتَابِ " الصَّدَقَةِ " الَّذِي كَتَبَ عُمَرُ لِلْعُمَّالِ، كَتَبَ: " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هَذَا مِنْ مُحَمَّدِ النَّبِيِّ ﷺ [بَيْنَ] الْمُسْلِمِينَ وَالْمُؤْمِنِينَ مِنْ قُرَيْشٍ وَيَثْرِبَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ فَلَحِقَ بِهِمْ وَجَاهَدَ مَعَهُمْ، أَنَّهُمْ أُمَّةٌ وَاحِدَةٌ دُونَ النَّاسِ
стр. 1276
الْمُهَاجِرُونَ مِنْ قُرَيْشٍ عَلَى رِبْعَتِهِمْ يَتَعَاقَلُونَ بَيْنَهُمْ مَعَاقِلَهُمُ الْأُولَى، يَفْدُونَ عَانِيَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَالْقِسْطِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَبَنُو عَوْفٍ عَلَى رِبْعَتِهِمْ يَتَعَاقَلُونَ مَعَاقِلَهُمُ الْأُولَى، وَكُلُّ طَائِفَةٍ تَفْدِي عَانِيَهَا بِالْمَعْرُوفِ وَالْقِسْطِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ.
ثُمَّ ذَكَرَ لِبُطُونِ الْأَنْصَارِ: بَنِي حَارِثٍ، وَبَنِي سَاعِدَةَ، وَبَنِي جُشَمَ، وَبَنِي النَّجَّارِ، وَبَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، وَبَنِي الْأَوْسِ مِثْلَ هَذَا الشَّرْطِ.
ثُمَّ قَالَ: وَإِنَّ الْمُؤْمِنِينَ لَا يَتْرُكُونَ مُفْرَحًا مِنْهُمْ أَنْ يُعْطُوهُ بِالْمَعْرُوفِ فِي فِدَاءٍ أَوْ عَقْلٍ، وَلَا يُحَالِفُ مُؤْمِنٌ مَوْلَى مُؤْمِنٍ دُونَهُ. . . " إِلَى أَنْ قَالَ: ". . . وَإِنَّ ذِمَّةَ اللَّهِ وَاحِدَةٌ يُجِيرُ عَلَيْهِمْ أَدْنَاهُمْ، فَإِنَّ الْمُؤْمِنِينَ بَعْضُهُمْ مَوْلَى بَعْضٍ دُونَ النَّاسِ، وَإِنَّهُ مَنْ تَبِعَنَا مِنْ يَهُودَ فَإِنَّ لَهُ النَّصْرَ وَالْأُسْوَةَ غَيْرُ
стр. 1277
مَظْلُومِينَ وَلَا مُتَنَاصَرٌ عَلَيْهِمْ، وَإِنَّ سِلْمَ الْمُؤْمِنِينَ وَاحِدَةٌ. . . " إِلَى أَنْ قَالَ ". . . وَإِنَّ الْيَهُودَ مُتَّفِقُونَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ مَا دَامُوا مُحَارِبِينَ، وَإِنَّ لِيَهُودِ بَنِي عَوْفٍ ذِمَّةً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، لِلْيَهُودِ دِينُهُمْ وَلِلْمُسْلِمِينَ دِينُهُمْ مَوَالِيهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ، إِلَّا مَنْ ظَلَمَ وَأَثِمَ فَإِنَّهُ لَا [يَوْتَغُ] إِلَّا نَفْسَهُ وَأَهْلَ بَيْتِهِ.
وَإِنَّ لِيَهُودِ بَنِي النَّجَّارِ مِثْلَ مَا لِيَهُودِ بَنِي عَوْفٍ، وَإِنَّ لِيَهُودِ بَنِي الْحَارِثِ مِثْلَ مَا لِيَهُودِ بَنِي عَوْفٍ، وَإِنَّ لِيَهُودِ بَنِي سَاعِدَةَ مِثْلَ مَا لِيَهُودِ بَنِي عَوْفٍ، وَإِنَّ لِيَهُودِ بَنِي جُشَمَ مِثْلَ مَا لِيَهُودِ بَنِي عَوْفٍ، وَإِنَّ لِيَهُودِ الْأَوْسِ مِثْلَ مَا لِيَهُودِ بَنِي عَوْفٍ، وَإِنَّ لِيَهُودِ بَنِي ثَعْلَبَةَ مِثْلَ مَا لِيَهُودِ بَنِي عَوْفٍ، إِلَّا مَنْ ظَلَمَ وَأَثِمَ فَإِنَّهُ لَا يَوْتَغُ إِلَّا نَفْسَهُ وَأَهْلَ بَيْتِهِ. وَإِنْ لَحِقَهُ بَطْنٌ مِنْ بَنِي ثَعْلَبَةَ مِثْلَهُ، وَإِنَّ لِبَنِي الشَّطْبَةِ مِثْلَ مَا لِيَهُودِ بَنِي عَوْفٍ، وَإِنَّ مَوَالِي ثَعْلَبَةَ كَأَنْفُسِهِمْ، وَإِنَّ بِطَانَةَ يَهُودَ كَأَنْفُسِهِمْ ".
ثُمَّ يَقُولُ فِيهَا: " وَإِنَّ الْجَارَ كَالنَّفْسِ غَيْرُ مُضَارٍّ وَلَا آثِمٍ، وَإِنَّهُ مَا كَانَ بَيْنَ أَهْلِ هَذِهِ الصَّحِيفَةِ مِنْ حَرْثٍ وَأَشْجَارٍ يُخْشَى فَسَادُهُ فَإِنَّ مَرَدَّهُ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى مُحَمَّدٍ ﷺ ، وَإِنَّ يَهُودَ الْأَوْسِ وَمَوَالِيَهُمْ وَأَنْفُسَهُمْ عَلَى مِثْلِ مَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ ".
стр. 1278
وَهَذِهِ الصَّحِيفَةُ مَعْرُوفَةٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ.
رَوَى مُسْلِمٌ فِي " صَحِيحِهِ " عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: «كَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى كُلِّ بَطْنٍ عُقُولَهُ، ثُمَّ كَتَبَ: " أَنَّهُ لَا يَحِلُّ [لِمُسْلِمٍ] أَنْ يَتَوَلَّى مَوْلَى رَجُلٍ مُسْلِمٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِ» ". فَقَدْ بَيَّنَ فِيهَا أَنَّ كُلَّ مَنْ تَبِعَ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْيَهُودِ فَإِنَّ لَهُ النَّصْرَ.
وَمَعْنَى الِاتِّبَاعِ مُسَالَمَتُهُ وَتَرْكُ مُحَارَبَتِهِ، لَا الِاتِّبَاعُ فِي الدِّينِ كَمَا بَيَّنَهُ فِي أَثْنَاءِ " الصَّحِيفَةِ " فَكُلُّ مَنْ أَقَامَ بِالْمَدِينَةِ وَمَخَالِيفِهَا غَيْرُ مُحَارِبٍ مِنْ يَهُودَ دَخَلَ فِي هَذَا.
ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ لِيَهُودِ كُلِّ بَطْنٍ مِنَ الْأَنْصَارِ ذِمَّةً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَمْ يَكُنْ بِالْمَدِينَةِ أَحَدٌ مِنَ الْيَهُودِ إِلَّا وَلَهُ حِلْفٌ، إِمَّا مَعَ الْأَوْسِ أَوْ مَعَ بَعْضِ بُطُونِ الْخَزْرَجِ، وَكَانَ بَنُو قَيْنُقَاعَ - وَهُمُ الْمُجَاوِرُونَ لِلْمَدِينَةِ وَهُمْ رَهْطُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ - حُلَفَاءُ بَنِي عَوْفِ بْنِ الْخَزْرَجِ رَهْطُ ابْنِ أَبِي رُهْمٍ، الْبَطْنُ الَّذِي بُدِئَ بِهِمْ فِيهِ هَذِهِ الصَّحِيفَةُ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ: «أَنَّ بَنِي قَيْنُقَاعَ كَانُوا أَوَّلَ يَهُودَ نَقَضُوا مَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَخَانُوا
стр. 1279
فِيمَا بَيْنَ بَدْرٍ وَأُحُدٍ، فَحَاصَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى نَزَلُوا عَلَى حُكْمِهِ، فَقَامَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ أَمْكَنَهُ اللَّهُ مِنْهُمْ - فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَحْسِنْ فِي مَوَالِيِّ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِي جَيْبِ دِرْعِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أَرْسِلْنِي "، وَغَضِبَ حَتَّى إِنَّ لِوَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ظِلَالًا وَقَالَ: " وَيْحَكَ أَرْسِلْنِي "، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا أُرْسِلُكَ حَتَّى تُحْسِنَ فِي مَوَالِيِّ: أَرْبَعِمِائَةِ حَاسِرٍ وَثَلَاثِمِائَةِ دَارِعٍ، قَدْ مَنَعُونِي مِنَ الْأَسْوَدِ وَالْأَحْمَرِ تَحْصُدُهُمْ فِي غَدَاةٍ وَاحِدَةٍ، إِنِّي وَاللَّهِ أَخْشَى الدَّوَائِرَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " هُمْ لَكَ» ".
стр. 1280
وَأَمَّا النَّضِيرُ وَقُرَيْظَةُ فَكَانُوا خَارِجًا مِنَ الْمَدِينَةِ، وَعَهْدُهُمْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَشْهَرُ مِنْ أَنْ يَخْفَى عَلَى عَالِمٍ.
وَهَذِهِ الْمَرْأَةُ الْمَقْتُولَةُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، كَانَتْ مِنْ بَنِي قَيْنُقَاعَ؛ إِذْ ظَاهِرُ الْقِصَّةِ أَنَّهَا كَانَتْ بِالْمَدِينَةِ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ مِنْهُمْ أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ فَإِنَّهَا كَانَتْ ذِمِّيَّةً لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِالْمَدِينَةِ مِنَ الْيَهُودِ إِلَّا ذِمِّيٌّ، فَإِنَّ الْيَهُودَ كَانُوا ثَلَاثَةَ أَصْنَافٍ وَكُلُّهُمْ مُعَاهِدٌ.
وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ الْفُضَيْلِ،
стр. 1281
عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ: «لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ وَادَعَتْهُ يَهُودُ كُلُّهَا، فَكَتَبَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا كِتَابًا، وَأَلْحَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كُلَّ قَوْمٍ بِحُلَفَائِهِمْ، وَجَعَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ أَمَانَا، وَشَرَطَ عَلَيْهِمْ شُرُوطًا، فَكَانَ فِيمَا شَرَطَ: " أَلَّا يُظَاهِرُوا عَلَيْهِ عَدُوًّا "، فَلَمَّا أَصَابَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَصْحَابَ بَدْرٍ وَقَدِمَ الْمَدِينَةَ بَغَتَ يَهُودُ وَقَطَعَتْ مَا كَانَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْعَهْدِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَجَمَعَهُمْ ثُمَّ قَالَ: " يَا مَعْشَرَ يَهُودَ، أَسْلِمُوا، فَوَاللَّهِ إِنَّكُمْ لَتَعْلَمُونِ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ قَبْلَ أَنْ يُوقِعَ اللَّهُ بِكُمْ مِثْلَ وَقْعَةِ قُرَيْشٍ ". فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ، لَا يَغُرَّنَّكَ مَنْ لَقِيَتْ، إِنَّكَ لَقِيتَ أَقْوَامًا أَغْمَارًا، وَإِنَّا وَاللَّهِ أَصْحَابُ الْحَرْبِ، وَإِنْ قَاتَلْتَنَا لَتَعْلَمَنَّ أَنَّكَ لَمْ تُقَاتِلْ مِثْلَنَا» .
ثُمَّ ذَكَرَ حِصَارَهُمْ وَإِجْلَاءَهُمْ إِلَى أَذْرِعَاتٍ، وَهُمْ بَنُو قَيْنُقَاعَ الَّذِينَ كَانُوا بِالْمَدِينَةِ.
فَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ كَعْبٍ مِثْلَ مَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ، وَبَيَّنَ أَنَّهُ عَاهَدَ جَمِيعَ الْيَهُودِ، وَهَذَا مِمَّا لَا يُعْلَمُ فِيهِ نِزَاعٌ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِسِيرَةِ النَّبِيِّ ﷺ .
وَمَنْ تَأَمَّلَ الْأَحَادِيثَ الْمَأْثُورَةَ وَالسِّيرَةَ كَيْفَ كَانَتْ مَعَهُمْ عَلِمَ ذَلِكَ ضَرُورَةً.
стр. 1282
وَمِمَّا يُوَضِّحُ ذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا ذُكِرَ لَهُ أَنَّهَا قُتِلَتْ نَشَدَ النَّاسَ فِي أَمْرِهَا، فَلَمَّا ذُكِرَ لَهُ ذَنْبُهَا أَبْطَلَ دَمَهَا، وَهُوَ ﷺ إِذَا حَكَمَ بِأَمْرٍ [عَقِبَ] حِكَايَةِ حَالٍ حُكِيَتْ لَهُ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الْمَحْكِيَّ هُوَ الْمُوجِبُ لِذَلِكَ الْحُكْمِ؛ لِأَنَّهُ حُكْمُ حَادِثٍ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ سَبَبِ حَادِثٍ، وَلَا سَبَبَ إِلَّا مَا حُكِيَ وَهُوَ مُنَاسِبٌ فَيَجِبُ الْإِضَافَةُ إِلَيْهِ.
وَأَيْضًا فَلَمَّا نَشَدَ النَّبِيُّ ﷺ فِي أَمْرِهَا ثُمَّ أَبْطَلَ دَمَهَا دَلَّ عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ مَعْصُومَةً، وَأَنَّ دَمَهَا كَانَ قَدِ انْعَقَدَ سَبَبُ ضَمَانِهِ، وَكَانَ مَضْمُونًا لَوْ لَمْ يُبْطِلْهُ النَّبِيُّ ﷺ ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ حَرْبِيَّةً لَمْ يَنْشُدِ النَّاسَ فِيهَا وَلَمْ يَحْتَجْ أَنْ يُبْطِلَ دَمَهَا وَيُهْدِرَهُ لِأَنَّ الْإِبْطَالَ وَالْإِهْدَارَ لَا يَكُونُ إِلَّا لِدَمٍ قَدِ انْعَقَدَ لَهُ سَبَبُ الضَّمَانِ، وَلِهَذَا لَمَّا رَأَى امْرَأَةً مَقْتُولَةً فِي بَعْضِ مَغَازِيهِ أَنْكَرَ قَتْلَهَا وَنَهَى عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ، وَلَمْ يُبْطِلْهُ وَلَمْ يُهْدِرْهُ، فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ فِي نَفْسِهِ بَاطِلًا هَدَرًا، وَالْمُسْلِمُونَ يَعْلَمُونَ أَنَّ دَمَ الْحَرْبِيَّةِ غَيْرُ مَضْمُونٍ بَلْ هُوَ هَدَرٌ لَمْ يَكُنْ لِإِبْطَالِهِ وَإِهْدَارِهِ وَجْهٌ، وَهَذَا - وَلِلَّهِ الْحَمْدُ - ظَاهِرٌ.
فَإِذَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ عَاهَدَ الْيَهُودَ عَهْدًا بِغَيْرِ ضَرْبِ جِزْيَةٍ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ إِنَّهُ أَهْدَرَ دَمَ يَهُودِيَّةٍ مِنْهُمْ لِأَجْلِ سَبِّهِ، فَأَنْ يُهْدِرَ دَمَ يَهُودِيَّةٍ مِنَ الْيَهُودِ الَّذِينَ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْجِزْيَةُ وَالْتَزَمُوا أَحْكَامَ الْمِلَّةِ - لِأَجْلِ السَّبِّ - أَوْلَى وَأَحْرَى، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ قَتْلُهَا جَائِزًا لَبَيَّنَ لِقَاتِلِهَا قُبْحَ مَا فَعَلَ، فَإِنَّهُ ﷺ لَا يُقِرُّ عَلَى بَاطِلٍ - كَيْفَ وَقَدْ قَالَ ﷺ :
стр. 1283
" «إِنَّ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا مُعَاهَدَةً بِغَيْرِ حَقِّهَا لَمْ يَرِحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ» ". وَلَأَوْجَبَ ضَمَانَهَا وَكَفَّارَةَ قَتْلِ الْمَعْصُومِ، فَلَمَّا أَهْدَرَ دَمَهَا عُلِمَ أَنَّهُ كَانَ مُبَاحًا.
وَقَدْ وَهَمَ الْخَطَّابِيُّ فِي أَمْرِ هَذِهِ الْمَقْتُولَةِ فَقَالَ: " فِيهِ بَيَانٌ أَنَّ سَابَّ النَّبِيِّ ﷺ يُقْتَلُ، وَذَلِكَ أَنَّ السَّبَّ مِنْهَا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ارْتِدَادٌ عَنِ الدِّينِ " فَاعْتَقَدَ أَنَّهَا مُسْلِمَةٌ، وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، بَلِ الظَّاهِرُ أَنَّهَا كَانَتْ كَافِرَةً كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْحَدِيثِ، وَلَوْ كَانَتْ مُرْتَدَّةً مُنْتَقِلَةً إِلَى غَيْرِ دِينِ الْإِسْلَامِ لَمْ يُقِرَّ سَيِّدَهَا عَلَى ذَلِكَ أَيَّامًا طَوِيلَةً، وَلَمْ يَكْتَفِ بِمُجَرَّدِ نَهْيِهَا عَنِ السَّبِّ، بَلْ كَانَ يَطْلُبُ مِنْهَا الْعَوْدَ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَالرَّجُلُ لَمْ يَقُلْ: " كَفَرَتْ وَلَا ارْتَدَّتْ " وَإِنَّمَا ذَكَرَ مُجَرَّدَ السَّبِّ وَالشَّتْمِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا لَمْ يَصْدُرْ مِنْهَا زَائِدٌ عَلَيْهِ.
стр. 1284
[فَصْلٌ حُجَّةُ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ فِي قَتْلِ السَّابِّ]
٢٧٧ - فَصْلٌ
[حُجَّةُ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ فِي قَتْلِ السَّابِّ]
الدَّلِيلُ الثَّالِثُ: مَا احْتَجَّ بِهِ الشَّافِعِيُّ عَلَى أَنَّ الذِّمِّيَّ إِذَا سَبَّ قُتِلَ وَبَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ، وَهُوَ قِصَّةُ كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ.
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: قَالَ الشَّافِعِيُّ: يُقْتَلُ الذِّمِّيُّ إِذَا سَبَّ النَّبِيَّ ﷺ وَتَبْرَأُ مِنْهُ الذِّمَّةُ.
وَاحْتَجَّ فِي ذَلِكَ بِخَبَرِ كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي " الْأُمِّ ": " لَمْ يَكُنْ بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَلَا قُرْبَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا يَهُودَ الْمَدِينَةِ، وَكَانُوا حُلَفَاءَ الْأَنْصَارِ، وَلَمْ يَكُنِ الْأَنْصَارُ أَجْمَعَتْ أَوَّلَ مَا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِسْلَامًا، فَوَادَعَتِ الْيَهُودُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ تَخْرُجْ إِلَى شَيْءٍ مِنْ عَدَاوَتِهِ بِقَوْلٍ [يَظْهَرُ] وَلَا فِعْلٍ، حَتَّى كَانَتْ وَقْعَةُ بَدْرٍ، فَتَكَلَّمَ بَعْضُهُمْ بِعَدَاوَتِهِ وَالتَّحْرِيضِ عَلَيْهِ، فَقَتَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيهِمْ ".
وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ بِهَذَا الْكَلَامِ كَعْبَ بْنَ الْأَشْرَفِ، وَقِصَّتُهُ مَشْهُورَةٌ مُسْتَفِيضَةٌ.
стр. 1285
وَقَدْ رَوَاهَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَنْ لِكَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ؟ فَإِنَّهُ قَدْ آذَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ " فَقَامَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ فَقَالَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتُحِبُّ أَنْ أَقْتُلَهُ؟ قَالَ: " نَعَمْ ". قَالَ: فَائْذَنْ لِي أَنْ أَقُولَ شَيْئًا، قَالَ: " قُلْ ".
فَأَتَاهُ وَذَكَّرَهُ مَا بَيْنَهُمْ، قَالَ: إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ قَدْ أَرَادَ الصَّدَقَةَ وَعَنَانَا فَلَمَّا سَمِعَهُ قَالَ: وَأَيْضًا وَاللَّهِ لَتَمَلُّنَّهُ، قَالَ: إِنَّا قَدِ اتَّبَعْنَاهُ الْآنَ، وَنَكْرَهُ أَنْ نَدَعَهُ حَتَّى نَنْظُرَ إِلَى أَيِّ شَيْءٍ يَصِيرُ أَمْرُهُ. قَالَ: وَقَدْ أَرَدْتُ أَنْ تُسْلِفَنِي سَلَفًا، قَالَ: فَمَا تَرْهَنُونَنِي؟ نِسَاءَكُمْ؟ قَالَ: أَنْتَ أَجْمَلُ الْعَرَبِ، أَنَرْهَنُكَ نِسَاءَنَا؟ قَالَ: تَرْهَنُونَ إِلَيَّ أَوْلَادَكُمْ؟ قَالَ: يُسَبُّ ابْنُ أَحَدِنَا فَيُقَالُ: رُهِنْتَ فِي وَسَقَيْنِ مِنْ تَمْرٍ، وَلَكِنَّ نَرْهَنُكَ اللَّأْمَةَ - يَعْنِي السِّلَاحَ - قَالَ:
стр. 1286
نَعَمْ؛ وَوَاعَدَهُ أَنْ يَأْتِيَهُ بِالْحَارِثِ وَأَبِي عَبْسِ بْنِ جُبَيْرٍ وَعَبَّادِ بْنِ بِشْرٍ، فَجَاءُوا فَدَعُوهُ لَيْلًا فَنَزَلَ إِلَيْهِمْ.
قَالَ سُفْيَانُ: قَالَ غَيْرُ عَمْرٍو: قَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: إِنِّي لَأَسْمَعُ صَوْتًا كَأَنَّهُ صَوْتُ دَمٍ، قَالَ: إِنَّمَا هُوَ مُحَمَّدٌ وَرَضِيعُهُ أَبُو نَائِلَةَ، إِنَّ الْكَرِيمَ لَوْ دُعِيَ إِلَى طَعْنَةٍ لَيْلًا لَأَجَابَ.
فَقَالَ مُحَمَّدٌ: إِنِّي إِذَا جَاءَ سَوْفَ أَمُدُّ يَدِي إِلَى رَأْسِهِ فَإِذَا اسْتَمْكَنْتُ مِنْهُ فَدُونَكُمْ، فَنَزَلَ وَهُوَ مُتَوَشِّحٌ فَقَالَ: أَنَجِدُ مِنْكَ رِيحَ الطِّيبِ؟
стр. 1287
قَالَ: نَعَمْ، تَحْتِي فُلَانَةُ أَعْطَرُ نِسَاءِ الْعَرَبِ.
قَالَ: أَفَتَأْذَنُ لِي أَنْ أَشُمَّ مِنْهُ؟
قَالَ: نَعَمْ، فَشَمَّ ثُمَّ قَالَ: أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أَعُودَ؟ قَالَ: فَاسْتَمْكَنَ مِنْهُ ثُمَّ قَالَ: دُونَكُمْ فَقَتَلُوهُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَرَوَى ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ مَحْمُودِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: «أَنَّ كَعْبَ بْنَ الْأَشْرَفِ عَاهَدَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَلَّا يُعِينَ عَلَيْهِ وَلَا يُقَاتِلَهُ، وَلَحِقَ بِمَكَّةَ ثُمَّ قَدِمَ الْمَدِينَةَ مُعْلِنًا بِمُعَادَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَكَانَ أَوَّلَ مَا خَزَعَ عَنْهُ قَوْلُهُ:
أَذَاهِبٌ أَنْتَ لَمْ تَحْلُلْ [بِمَنْقَمَةٍ] ... وَتَارِكٌ أَنْتَ أُمَّ الْفَضْلِ بِالْحَرَمِ
فِي أَبْيَاتٍ يَهْجُوهُ فِيهَا، فَعِنْدَ ذَلِكَ نَدَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى قَتْلِهِ» .
وَهَذَا مَحْفُوظٌ عَنِ ابْنِ أَبِي أُوَيْسٍ، رَوَاهُ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ.
стр. 1288
وَقَالَ: قَوْلُهُ " خَزَعَ " مَعْنَاهُ قَطَعَ عَهْدَهُ.
وَفِي رِوَايَةِ غَيْرِهِ: فَخَزَعَ مِنْهُ هِجَاؤُهُ لَهُ فَأَمَرَ بِقَتْلِهِ.
وَالْخَزْعُ الْقَطْعُ، يُقَالُ: " خَزَعَ فُلَانٌ عَنْ أَصْحَابِهِ يَخْزَعُ خَزْعًا؛ أَيِ: انْقَطَعَ وَتَخَلَّفَ، وَمِنْهُ سُمِّيَتْ " خُزَاعَةٌ " لِأَنَّهُمُ انْخَزَعُوا عَنْ أَصْحَابِهِمْ وَأَقَامُوا بِمَكَّةَ ".
فَعَلَى اللَّفْظِ الْأَوَّلِ يَكُونُ التَّقْدِيرُ: وَهَذَا أَوَّلُ خَزْعِهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ؛ أَيْ: أَوَّلُ انْقِطَاعِهِ عَنْهُ بِنَقْضِ الْعَهْدِ.
وَعَلَى الثَّانِي قِيلَ: الْمَعْنَى قَطَعَ هِجَاءَهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ مِنْهُ؛ أَيْ: نَقَضَ عَهْدَهُ وَذِمَّتَهُ.
وَقِيلَ: مَعْنَاهُ خَزَعَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ هَجَاهُ: أَيْ: نَالَ مِنْهُ وَشَعَّثَ مِنْهُ.
وَقَدْ ذَكَرَ أَهْلُ الْمَغَازِي وَالتَّفْسِيرِ - مِثْلَ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ - أَنَّ كَعْبَ بْنَ الْأَشْرَفِ كَانَ مُوَادِعًا لِلنَّبِيِّ ﷺ فِي جُمْلَةِ مَنْ وَادَعَهُ مَنْ يَهُودِ الْمَدِينَةِ، وَكَانَ عَرَبِيًّا مِنْ بَنِي طَيِّئٍ، وَكَانَتْ أُمُّهُ مِنْ بَنِي النَّضِيرِ.
стр. 1289
قَالُوا: فَلَمَّا قُتِلَ أَهْلُ بَدْرٍ شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَذَهَبَ إِلَى مَكَّةَ وَرَثَاهُمْ لِقُرَيْشٍ، وَفَضَّلَ دِينَ الْجَاهِلِيَّةِ عَلَى دِينِ الْإِسْلَامِ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا - أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٥١ - ٥٢] ثُمَّ لَمَّا رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ أَخَذَ يُنْشِدُ الْأَشْعَارَ [يَهْجُو بِهَا النَّبِيَّ ﷺ ] وَيُشَبِّبُ بِنِسَاءِ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى آذَاهُمْ، حَتَّى قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " «مَنْ لِكَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ؟ فَإِنَّهُ قَدْ آذَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ» ". وَذَكَرُوا قِصَّةَ قَتْلِهِ مَبْسُوطَةً.
وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ وَمَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ [ابْنِ] كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرٍ، وَذَكَرَ الْقِصَّةَ قَالَ: «فَفَزِعَتْ يَهُودُ وَمَنْ مَعَهَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ،
стр. 1290
فَجَاءُوا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ حِينَ أَصْبَحُوا فَقَالُوا: قَدْ طَرَقَ صَاحِبُنَا اللَّيْلَةَ وَهُوَ سَيِّدٌ مِنْ سَادَاتِنَا، [قُتِلَ غِيلَةً] بِلَا جُرْمٍ وَلَا حَدَثٍ عَلِمْنَاهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّهُ لَوْ قَرَّ كَمَا قَرَّ غَيْرُهُ مِمَّنْ هُوَ عَلَى مِثْلِ رَأْيِهِ مَا اغْتِيلَ، وَلَكِنَّهُ نَالَ مِنَّا الْأَذَى وَهَجَانَا بِالشِّعْرِ، وَلَمْ يَفْعَلْ هَذَا أَحَدٌ مِنْكُمْ إِلَّا كَانَ لِلسَّيْفِ ". وَدَعَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى أَنْ يَكْتُبَ بَيْنَهُمْ كِتَابًا يَنْتَهُونَ إِلَى مَا فِيهِ، فَكَتَبُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ كِتَابًا تَحْتَ الْعَذْقِ فِي دَارِ رَمْلَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ، فَحَذِرَتْ يَهُودُ وَخَافَتْ وَذَلَّتْ مِنْ يَوْمِ قَتْلِ ابْنِ الْأَشْرَفِ» .
стр. 1291
فَإِنْ قِيلَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ كَعْبًا كَانَ مِنْ أَهْلِ الْعَهْدِ بَلْ كَانَ حَرْبِيًّا، وَعَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الْعَهْدِ فَإِنَّهُ لَمْ يُبَحْ دَمُهُ بِالسَّبِّ بَلْ بِلُحُوقِهِ دَارَ الْحَرْبِ، فَإِنَّهُ لَحِقَ بِمَكَّةَ وَهِيَ دَارُ حَرْبٍ إِذْ ذَاكَ، فَهَذَا الَّذِي أَبَاحَ دَمَهُ.
وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ دَاوُدَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ كَعْبُ بْنُ الْأَشْرَفِ مَكَّةَ قَالَتْ قُرَيْشٌ: " أَلَا تَرَى إِلَى هَذَا الصُّنْبُرِ الْمُنْبَتِرِ عَنْ قَوْمِهِ، يَزْعُمُ أَنَّهُ خَيْرٌ مِنَّا وَنَحْنُ أَهْلُ الْحَجِيجِ وَأَهْلُ السَّدَانَةِ وَأَهْلُ السِّقَايَةِ، قَالَ: أَنْتُمْ خَيْرٌ، قَالَ: فَنَزَلَ فِيهِمْ: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ [الكوثر: ٣] قَالَ: وَأُنْزِلَتْ فِيهِ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ [النساء: ٥١] إِلَى قَوْلِهِ: (نَصِيرًا)
стр. 1292
وَقَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: قَالَ مَعْمَرٌ: أَخْبَرَنِي أَيُّوبُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ كَعْبَ بْنَ الْأَشْرَفِ انْطَلَقَ إِلَى الْمُشْرِكِينَ مِنْ كُفَّارِ قُرَيْشٍ فَاسْتَجَاشَهُمْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، [وَأَمَرَهُمْ] أَنْ يَغْزُوهُ، وَقَالَ لَهُمْ: إِنَّا مَعَكُمْ، فَقَالُوا: إِنَّكُمْ أَهْلُ كِتَابٍ وَهُوَ صَاحِبُ كِتَابٍ،
стр. 1293
وَلَا نَأْمَنُ أَنْ يَكُونَ مَكْرًا مِنْكُمْ، فَإِنْ أَرَدْتَ أَنْ نَخْرُجَ مَعَكَ فَاسْجُدْ لِهَذَيْنِ الصَّنَمَيْنِ وَآمِنْ بِهِمَا، فَفَعَلَ، ثُمَّ قَالُوا لَهُ: نَحْنُ أَهْدَى أَمْ مُحَمَّدٌ؟ نَحْنُ نَصِلُ الرَّحِمَ وَنُقْرِي الضَّيْفَ وَنَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَنَنْحَرُ الْكُومَ وَنَسْقِي اللَّبَنَ عَلَى الْمَاءِ، وَمُحَمَّدٌ قَطَعَ رَحِمَهُ وَخَرَجَ مِنْ بَلَدِهِ، فَقَالَ: بَلْ أَنْتُمْ خَيْرٌ وَأَهْدَى، قَالَ: فَنَزَلَتْ فِيهِ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ [النساء: ٥١]
وَقَالَ: حَدَّثَنَا [عَبْدُ الرَّزَّاقِ] ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنِ السُّدِّيِّ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ قَالَ: إِنَّ أَهْلَ مَكَّةَ قَالُوا لِكَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ لَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِمْ: دِينُنَا خَيْرٌ أَمْ دِينُ مُحَمَّدٍ؟ قَالُوا: اعْرِضُوا عَلَيَّ دِينَكُمْ، قَالُوا: نُعَمِّرُ بَيْتَ رَبِّنَا وَنَنْحَرُ الْكَوْمَاءَ وَنَسْقِي الْحَاجَّ الْمَاءَ وَنَصِلُ الرَّحِمَ وَنُقْرِي الضَّيْفَ، قَالَ: دِينُكُمْ خَيْرٌ مِنْ دِينِ مُحَمَّدٍ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ.
стр. 1294
قَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: «كَانَ كَعْبُ بْنُ الْأَشْرَفِ الْيَهُودِيُّ - وَهُوَ أَحَدُ بَنِي النَّضِيرِ [وَقَيِّمُهُمْ]- قَدْ آذَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِالْهِجَاءِ، وَرَكِبَ إِلَى قُرَيْشٍ فَقَدِمَ عَلَيْهِمْ، [فَاسْتَغْوَاهُمْ] بِهَمْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ [لَهُ] أَبُو سُفْيَانَ: أُنَاشِدُكَ اللَّهَ، أَدِينُنَا أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ أَمْ دِينُ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ؟ وَأَيُّنَا أَهْدَى فِي رَأْيِكَ وَأَقْرَبُ إِلَى الْحَقِّ؟ فَإِنَّا نُطْعِمُ الْجَزُورَ الْكَوْمَاءَ وَنَسْقِي اللَّبَنَ عَلَى الْمَاءِ وَنُطْعِمُ مَا هَبَّتِ الشَّمَالُ. قَالَ ابْنُ الْأَشْرَفِ: أَنْتُمْ أَهْدَى مِنْهُمْ سَبِيلًا، ثُمَّ خَرَجَ مُقْبِلًا حِينَ أَجْمَعَ رَأْيُ الْمُشْرِكِينَ عَلَى قِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُعْلِنًا بِعَدَاوَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهِجَائِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَنْ لَنَا مِنِ ابْنِ الْأَشْرَفِ؟ قَدِ اسْتَعْلَنَ بِعَدَاوَتِنَا وَهِجَائِنَا، وَقَدْ خَرَجَ إِلَى قُرَيْشٍ فَجَمَعَهُمْ عَلَى قِتَالِنَا، وَقَدْ أَخْبَرَنِي اللَّهُ بِذَلِكَ، ثُمَّ قَدِمَ عَلَى أَخْبَثِ
стр. 1295
مَا كَانَ [يَنْتَظِرُ] قُرَيْشًا أَنْ تَقْدَمَ فَيُقَاتِلَنَا مَعَهُمْ " ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مَا أُنْزِلَ فِيهِ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران: ٢٣] إِلَى قَوْلِهِ: (سَبِيلًا) وَآيَاتٍ مَعَهَا فِيهِ وَفِي قُرَيْشٍ، وَذُكِرَ لَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " اللَّهُمَّ [اكْفِنِي] ابْنَ الْأَشْرَفِ بِمَا شِئْتَ " فَقَالَ لَهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَقْتُلُهُ؟» . . . وَذَكَرَ الْقِصَّةَ فِي قَتْلِهِ، قَالَ: فَقَتَلَ اللَّهُ ابْنَ الْأَشْرَفِ بِعَدَاوَتِهِ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَهِجَائِهِ إِيَّاهُ وَتَأْلِيبِهِ عَلَيْهِ قُرَيْشًا وَإِعْلَانِهِ بِذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: كَانَ مِنْ حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ أَنَّهُ لَمَّا أُصِيبَ
стр. 1296
أَصْحَابُ بَدْرٍ وَقَدِمَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ إِلَى أَهْلِ السَّافِلَةِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ إِلَى أَهْلِ الْعَالِيَةِ بَشِيرَيْنِ، بَعَثَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى مَنْ بِالْمَدِينَةِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِفَتْحِ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَتْلِ مَنْ قُتِلَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، كَمَا حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُغِيثِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ الظَّفَرِيُّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ وَعَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ وَصَالِحُ بْنُ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ، كُلُّ وَاحِدٍ قَدْ حَدَّثَنِي بَعْضَ حَدِيثِهِ.
قَالُوا: «كَانَ كَعْبُ بْنُ الْأَشْرَفِ مِنْ طَيِّئٍ ثُمَّ أَحَدَ بَنِي نَبْهَانَ، وَكَانَتْ أُمُّهُ مَنْ بَنِي النَّضِيرِ، فَقَالَ حِينَ بَلَغَهُ الْخَبَرُ: أَحَقٌّ هَذَا الَّذِي يَرْوُونَ أَنَّ مُحَمَّدًا قَتَلَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ سَمَّى هَذَانِ الرَّجُلَانِ؟ - يَعْنِي زَيْدًا وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ - هَؤُلَاءِ أَشْرَافُ الْعَرَبِ وَمُلُوكُ النَّاسِ، وَاللَّهِ إِنْ كَانَ مُحَمَّدٌ أَصَابَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ لَبَطْنُ الْأَرْضِ خَيْرٌ مِنْ ظَهْرِهَا، فَلَمَّا تَيَقَّنَ عَدُوُّ اللَّهِ الْخَبَرَ خَرَجَ حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ وَنَزَلَ عَلَى الْمُطَّلِبِ بْنِ أَبِي وَدَاعَةَ السَّهْمِيِّ وَعِنْدَهُ عَاتِكَةُ بِنْتُ
стр. 1297
أَبِي الْعِيصِ بْنِ أُمَيَّةَ، فَأَنْزَلَتْهُ وَأَكْرَمَتْهُ [وَجَعَلَ يُحَرِّضُ] عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ [وَيُنْشِدُ] الْأَشْعَارَ، [وَيَبْكِي] أَصْحَابَ الْقَلِيبِ مِنْ قُرَيْشٍ الَّذِينَ أُصِيبُوا بِبَدْرٍ، وَذَكَرَ شِعْرَهُ وَمَا رَدَّ عَلَيْهِ حَسَّانُ وَغَيْرُهُ، ثُمَّ رَجَعَ كَعْبُ بْنُ الْأَشْرَفِ إِلَى الْمَدِينَةِ يُشَبِّبُ بِنِسَاءِ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى آذَاهُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَمَا حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الْمُغِيثِ -: " مَنْ لِي مِنِ ابْنِ الْأَشْرَفِ؟ " فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ: أَنَا لَكَ بِهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَا أَقْتُلُهُ» وَذَكَرَ الْقِصَّةَ.
وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ
стр. 1298
وَمَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁، فَكُلٌّ قَدْ حَدَّثَنِي مِنْهُ بِطَائِفَةٍ، وَكَانَ الَّذِي اجْتَمَعُوا لَنَا عَلَيْهِ قَالُوا: «كَانَ كَعْبُ بْنُ الْأَشْرَفِ شَاعِرًا، وَكَانَ يَهْجُو النَّبِيَّ ﷺ وَأَصْحَابَهُ وَيُحَرِّضُ عَلَيْهِمْ كُفَّارَ قُرَيْشٍ فِي شِعْرِهِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدِمَ الْمَدِينَةَ وَأَهْلُهَا أَخْلَاطٌ: مِنْهُمُ الْمُسْلِمُونَ الَّذِينَ تَجْمَعُهُمْ دَعْوَةُ الْإِسْلَامِ، فِيهِمْ أَهْلُ الْحَلْقَةِ وَالْحُصُونِ، وَمِنْهُمْ حُلَفَاءُ الْحَيَّيْنِ جَمِيعًا الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ، فَأَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ اسْتِصْلَاحَهُمْ كُلَّهُمْ وَمُوَادَعَتَهُمْ، وَكَانَ الرَّجُلُ يَكُونُ مُسْلِمًا وَأَبُوهُ مُشْرِكًا فَكَانَ الْمُشْرِكُونَ وَالْيَهُودُ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابَهُ أَذًى شَدِيدًا، فَأَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ وَالْمُسْلِمِينَ بِالصَّبْرِ عَلَى ذَلِكَ وَالْعَفْوِ عَنْهُمْ، وَفِيهِمْ أَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٦] وَفِيهِمْ أَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا﴾ [البقرة: ١٠٩] الْآيَةَ.
стр. 1299
فَلَمَّا أَبَى ابْنُ الْأَشْرَفِ أَنْ يَدَعَ عَنْ أَذَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَذَى الْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ بَلَغَ مِنْهُمْ، فَلَمَّا قَدِمَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ بِالْبِشَارَةِ مِنْ بَدْرٍ بِقَتْلِ الْمُشْرِكِينَ وَأَسْرِ مَنْ أُسِرَ مِنْهُمْ، فَرَأَى الْأُسَارَى مُقَرَّنِينَ كُبِتَ وَذَلَّ، ثُمَّ قَالَ لِقَوْمِهِ: وَيْلَكُمْ! لَبَطْنُ الْأَرْضِ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ ظَهْرِهَا الْيَوْمَ، هَؤُلَاءِ سُرَاةُ النَّاسِ قَدْ قُتِلُوا وَأُسِرُوا، فَمَا عِنْدَكُمْ؟ قَالُوا: عَدَاوَتُهُ مَا حَيِينَا، فَقَالَ: وَمَا أَنْتُمْ وَقَدْ وَطِئَ قَوْمَهُ وَأَصَابَهُمْ؟ وَلَكِنِّي أَخْرُجُ إِلَى قُرَيْشٍ فَأَحُضُّهَا وَأَبْكِي قَتْلَاهَا، لَعَلَّهُمْ يَنْتَدِبُونَ فَأَخْرَجُ مَعَهُمْ، فَخَرَجَ حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ وَوَضَعَ رَحْلَهُ عِنْدَ أَبِي وَدَاعَةَ بْنِ أَبِي صَبْرَةَ السَّهْمِيِّ وَتَحْتَهُ عَاتِكَةُ بِنْتُ أُسَيْدِ بْنِ أَبِي الْعِيصِ، فَجَعَلَ يَرْثِي قُرَيْشًا. . . وَذَكَرَ مَا رَثَاهُمْ بِهِ مِنَ الشِّعْرِ وَمَا أَجَابَهُ حَسَّانُ، فَأَخْبَرَهُ بِنُزُولِ كَعْبٍ عَلَى مَنْ نَزَلَ، فَقَالَ حَسَّانُ، فَذَكَرَ شِعْرًا هَجَا بِهِ أَهْلَ الْبَيْتِ الَّذِينَ نَزَلَ فِيهِمْ.
قَالَ: فَلَمَّا بَلَغَهَا شِعْرُهُ نَبَذَتْ رَحْلَهُ وَقَالَتْ: مَا لَنَا وَلِهَذَا الْيَهُودِيِّ؟ أَلَا تَرَى مَا يَصْنَعُ بِنَا حَسَّانُ؟ فَتَحَوَّلَ، فَكُلَّمَا تَحَوَّلَ عِنْدَ قَوْمٍ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَسَّانَ، فَقَالَ: " ابْنُ الْأَشْرَفِ نَزَلَ عَلَى فُلَانٍ ". فَلَا يَزَالُ
стр. 1300
يَهْجُوهُمْ حَتَّى يَنْبِذُوا رَحْلَهُ، فَلَمَّا لَمْ يَجِدْ مَأْوًى قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَبَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ قُدُومُهُ فَقَالَ: " اللَّهُمَّ اكْفِنِي ابْنَ الْأَشْرَفِ بِمَا شِئْتَ فِي إِعْلَانِهِ الشَّرَّ وَقَوْلِهِ الْأَشْعَارَ ".
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَنْ لِي مِنِ ابْنِ الْأَشْرَفِ؟ فَقَدَ [آذَانِي] فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ: أَنَا لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَا أَقْتُلُهُ، قَالَ: " فَافْعَلْ» ". وَذَكَرَ الْحَدِيثَ.
فَقَدِ اجْتَمَعَ لِابْنِ الْأَشْرَفِ ذُنُوبٌ مِنْهَا: أَنَّهُ رَثَى قَتْلَى قُرَيْشٍ، وَحَضَّهُمْ عَلَى مُحَارَبَةِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَوَاطَأَهُمْ عَلَى ذَلِكَ، وَأَعَانَهُمْ عَلَى مُحَارَبَتِهِ بِإِخْبَارِهِ أَنَّ دِينَهُمْ خَيْرٌ مِنْ دِينِهِ، وَهَجَا النَّبِيَّ ﷺ وَالْمُسْلِمِينَ.
قُلْنَا: الْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ:
следующие страницы →