← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 21747

أحكام أهل الذمة - ط رمادي

ابن القيم

Полный текст (1 326 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

قَالَ: أَخْذُهُ الْمِيثَاقَ. قَالَ مُحَمَّدٌ: فَقَدْ ذَكَرْنَا مَا حَضَرَنَا مِنَ الْأَخْبَارِ الْمَرْوِيَّةِ عَنِ السَّلَفِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ﴾ [الأعراف: ١٧٢] الْآيَةَ، وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا أَنَّ الطِّفْلَ يَسْقُطُ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ وَهُوَ عَارِفٌ بِاللَّهِ، وَلَا فِي شَيْءٍ مِنْهَا دَلِيلٌ عَلَى ذَلِكَ. قُلْتُ: أَبُو مُحَمَّدٍ لَمْ يَرُدَّ أَنَّهُمْ وُلِدُوا عَارِفِينَ بِاللَّهِ مَعْرِفَةً حَاصِلَةً مَعَهُمْ بِالْفِعْلِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّهُمْ وُلِدُوا عَلَى حُكْمِ تِلْكَ الْفِطْرَةِ وَالْمِيثَاقِ الَّذِي أُخِذَ عَلَيْهِمْ بِحَيْثُ لَوْ خُلُّوا وَفِطَرَهُمْ لَمَا عَدَلُوا عَنْ مُوجِبِ ذَلِكَ.

стр. 877

قَالَ مُحَمَّدٌ: فَيُقَالُ لَهُ: هَلْ عِنْدَكَ مِنْ دَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْفِطْرَةَ الَّتِي أَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ : " «أَنَّ كُلَّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَيْهَا» " هِيَ الْمَعْرِفَةُ بِاللَّهِ؟ أَوْ هَلْ يُحْكَى عَنْ أَحَدٍ مِنَ السَّلَفِ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ؟ أَوْ هَلْ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ بِقِيَاسٍ؟ فَإِنْ أَتَى بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الدَّلَائِلِ، وَإِلَّا بَانَ بَاطِلُ دَعْوَاهُ. فَإِنْ هُوَ رَجَعَ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] الْآيَةَ، فَقَالَ: اسْتِشْهَادُ اللَّهِ ذُرِّيَّةَ آدَمَ عَلَى أَنَّهُ رَبُّهُمْ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَعْرِفَةَ ذَلِكَ مُتَقَدِّمَةٌ عِنْدَهُمْ كَمَا اسْتَشْهَدَهُمْ عَلَيْهِ، فَهَذِهِ غَايَةُ حُجَّتِهِ عِنْدَ نَفْسِهِ. قَالَ: لِأَنَّ كُلَّ مُسْتَشْهَدٍ عَلَى شَيْءٍ لَمْ تَتَقَدَّمِ الْمَعْرِفَةُ عِنْدَهُ بِمَا اسْتُشْهِدَ عَلَيْهِ قَبْلَ الِاسْتِشْهَادِ، فَإِنَّ الْمُسْتَشْهِدَ دَعَاهُ إِلَى أَنْ شَهِدَ بِقَوْلِ الزُّورِ، وَاللَّهُ لَا يَأْمُرُ أَحَدًا بِذَلِكَ. فَيُقَالُ لَهُ: إِنَّ إِجَابَتَكَ عَنْ غَيْرِ مَا تَسْأَلُ عَنْهُ، وَاحْتِجَاجَكَ لَهُ هُوَ الدَّلِيلُ عَلَى عَجْزِكَ، وَعَلَى أَنَّهُ لَا حُجَّةَ لَكَ، إِنَّا لَمْ نَسْأَلْكَ عَنِ الْوَقْتِ الَّذِي اسْتَشْهَدَهُمُ اللَّهُ فِيهِ، وَقَالَ لَهُمْ: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟ فَأَجَابُوهُ بِأَنْ قَالُوا: بَلَى - هَلْ كَانُوا عَارِفِينَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ أَمْ لَا - إِنَّمَا سَأَلْنَاكَ عَنْ وَقْتِ سُقُوطِهِمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِهِمْ: هَلْ عِنْدَكَ حُجَّةٌ تُثْبِتُ أَنَّهُمْ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ عَارِفُونَ؟ فَإِنْ قَالَ: إِنَّ ثُبُوتَ الْمَعْرِفَةِ لَهُمْ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمْ وُلِدُوا عَلَى ذَلِكَ، فَهُمْ فِي وَقْتِ الْوِلَادَةِ عَلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ.

стр. 878

قِيلَ لَهُ: فَقَدْ كَانُوا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ مُقِرِّينَ أَيْضًا، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ أَخْبَرَ أَنَّهُ قَالَ: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟ قَالُوا: بَلَى، وَاللَّهُ لَا يُخَاطِبُ إِلَّا مَنْ يَفْهَمُ عِنْدَ الْمُخَاطَبَةِ، وَلَا يُجِيبُ إِلَّا مَنْ فَهِمَ السُّؤَالَ، فَإِجَابَتُهُمْ إِيَّاهُ بِقَوْلِهِمْ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمْ قَدْ فَهِمُوا عَنِ اللَّهِ، وَعَقَلُوا عَنْهُ اسْتِشْهَادَهُ إِيَّاهُمْ: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ، فَأَجَابُوهُ مِنْ بَعْدِ عَقْلِهِمْ لِلْمُخَاطَبَةِ وَفَهْمِهِمْ لَهَا بِأَنْ قَالُوا: بَلَى، فَأَقَرُّوا لَهُ بِالرُّبُوبِيَّةِ. فَيُقَالُ لَهُ: فَهَكَذَا تَقُولُ: إِنَّ الطِّفْلَ إِذَا سَقَطَ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ فَهُوَ مِنْ سَاعَتِهِ يَفْهَمُ الْمُخَاطَبَةَ إِنْ خُوطِبَ، وَيُجِيبُ عَنْهَا، وَيُقِرُّ لَهُ بِالرُّبُوبِيَّةِ، كَإِقْرَارِ الَّذِينَ أَقَرُّوا لَهُ بِالرُّبُوبِيَّةِ فِي الْوَقْتِ الَّذِي أَخَذَ عَلَيْهِمُ الْمِيثَاقَ، فَإِنْ قَالَ: " نَعَمْ " كَابَرَ عَقْلُهُ وَأَكْذَبَهُ الْعِيَانُ، وَإِنْ قَالَ: " لَا " أَقُولُ: ذَلِكَ فَرْقٌ بَيْنَ الْوَقْتَيْنِ، فَجُعِلَ حَالُهُمْ فِي وَقْتِ الْوِلَادَةِ خِلَافَ حَالِهِمْ فِي الْوَقْتِ الْأَوَّلِ عِنْدَ أَخْذِ الْمِيثَاقِ مِنْهُمْ، فَيُقَالُ لَهُ: فَكَذَلِكَ جَائِزٌ أَنْ يَكُونُوا فِي الْوَقْتِ الْأَوَّلِ عَارِفِينَ، وَهُمْ فِي وَقْتِ الْوِلَادَةِ غَيْرُ عَارِفِينَ كَمَا كَانُوا فِي الْوَقْتِ الْأَوَّلِ، فَقَدْ فَهِمُوا الْمُخَاطَبَةَ، وَعَقَلُوهَا، وَأَجَابُوا مُقِرِّينَ لِلَّهِ بِالرُّبُوبِيَّةِ، وَهُمْ فِي وَقْتِ الْوِلَادَةِ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ. قُلْتُ: كُلُّ مَنْ قَالَ بِأَنَّ الْعَهْدَ الَّذِي أُخِذَ عَلَيْهِمْ هُوَ أَنَّهُمْ أُخْرِجُوا مِنْ صُلْبِ آدَمَ وَخُوطِبُوا، وَأَقَرُّوا لَهُ بِالرُّبُوبِيَّةِ، ثُمَّ رُدُّوا فِي صُلْبِهِ، فَإِنَّهُ يُفَرِّقُ بَيْنَ حَالِهِمْ ذَلِكَ الْوَقْتَ وَحَالِهِمْ وَقْتَ الْوِلَادَةِ قَطْعًا، وَلَا يَقُولُ ابْنُ قُتَيْبَةَ وَلَا غَيْرُهُ: إِنَّهُمْ وُلِدُوا عَارِفِينَ فَاهِمِينَ يَفْهَمُونَ السُّؤَالَ، وَيَرُدُّونَ الْجَوَابَ، فَالْأَقْسَامُ أَرْبَعَةٌ: أَحَدُهَا: اسْتِوَاءُ حَالَتِهِمْ وَقْتَ أَخْذِ الْعَهْدِ، وَوَقْتَ سُقُوطِهِمْ - فِي

стр. 879

الْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ. الثَّانِي: اسْتِوَاءُ الْوَقْتَيْنِ فِي عَدَمِ ذَلِكَ. الثَّالِثُ: حُصُولُ الْمَعْرِفَةِ عِنْدَ السُّقُوطِ، وَعَدَمُهَا عِنْدَ أَخْذِ الْعَهْدِ، وَهَذِهِ الْأَقْسَامُ الثَّلَاثَةُ بَاطِلَةٌ لَا يَقُولُ بِوَاحِدٍ مِنْهَا. الرَّابِعُ: مَعْرِفَتُهُمْ وَفَهْمُهُمْ وَقْتَ أَخْذِ الْعَهْدِ دُونَ وَقْتِ السُّقُوطِ، وَهَذَا يَقُولُهُ كُلُّ مَنْ يَقُولُ: إِنَّهُ أَخْرَجَهُمْ مِنْ صُلْبِ أَبِيهِمْ آدَمَ، وَكَلَّمَهُمْ، وَخَاطَبَهُمْ، وَأَشْهَدَ عَلَيْهِمْ مَلَائِكَتَهُ، وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، ثُمَّ رَدَّهُمْ فِي صُلْبِهِ. وَهَذَا قَوْلُ جَمَاهِيرٍ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ، وَاعْتَمَدُوا عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ هَذِهِ الْآثَارِ مَرْفُوعِهَا وَمَوْقُوفِهَا. وَأَحْسَنُ شَيْءٍ فِيهَا حَدِيثُ مُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، وَقَدْ ذَكَرْنَا كَلَامَ الْأَئِمَّةِ فِيهِ، عَلَى أَنَّ إِسْحَاقَ قَدْ رَوَاهُ عَنْ حَكَّامِ بْنِ سَلْمٍ، عَنْ [عُمَارَةَ] بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ قَالَ: «سَأَلْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ، فَقَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْهَا، فَقَالَ: " خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ بِيَدِهِ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ، ثُمَّ أَجْلَسَهُ فَمَسَحَ ظَهْرَهُ، فَأَخْرَجَ ذَرًّا، فَقَالَ: ذَرٌّ ذَرَّاتُهُمْ لِلْجَنَّةِ يَعْمَلُونَ بِمَا شِئْتُ مِنْ عَمَلٍ، ثُمَّ أَخْتِمُ لَهُمْ بِأَحْسَنِ أَعْمَالِهِمْ فَأُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ، ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ، فَأَخْرَجَ ذَرًّا، فَقَالَ: ذَرٌّ ذَرَّاتُهُمْ لِلنَّارِ يَعْمَلُونَ بِمَا شِئْتُ مِنْ عَمَلٍ، ثُمَّ أَخْتِمُ لَهُمْ بِأَسْوَأِ أَعْمَالِهِمْ، فَأُدْخِلُهُمُ النَّارَ» "، فَهَذَا لَا ذِكْرَ فِيهِ لِمُخَاطَبَتِهِمْ، وَسُؤَالِهِمْ

стр. 880

وَاسْتِنْطَاقِهِمْ، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِسَائِرِ الْأَحَادِيثِ، وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمَحْفُوظُ عَنْ عُمَرَ ﵁. وَأَمَّا سَائِرُ الْأَحَادِيثِ فَالْمَرْفُوعُ الصَّحِيحُ مِنْهَا إِنَّمَا فِيهِ إِثْبَاتُ الْقَبْضَتَيْنِ، وَتَمْيِيزُ أَهْلِ السَّعَادَةِ مِنْ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ قَبْلَ إِخْرَاجِهِمْ إِلَى دَارِ التَّكْلِيفِ: مِثْلُ الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ أَحْمَدَ، عَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ، ثَنَا حَمَّادٌ، ثَنَا [الْجُرَيْرِيُّ] ، «عَنْ أَبِي نَضْرَةَ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ يُقَالُ لَهُ: أَبُو عَبْدِ اللَّهِ دَخَلَ عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ يَعُودُونَهُ، وَهُوَ يَبْكِي، فَقَالُوا لَهُ: مَا يُبْكِيكَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " إِنَّ اللَّهَ قَبَضَ قَبْضَةً بِيَمِينِهِ، وَأُخْرَى بِيَدِهِ الْأُخْرَى، فَقَالَ: هَذِهِ لِهَذِهِ، وَهَذِهِ لِهَذِهِ، وَلَا أُبَالِي " فَلَا أَدْرِي فِي أَيِّ الْقَبْضَتَيْنِ أَنَا» ! وَكَذَلِكَ حَدِيثُ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ يَرْفَعُهُ - الَّذِي تَقَدَّمَ هُوَ وَغَيْرُهُ مِنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي فِيهَا: " «إِنَّ اللَّهَ أَخْرَجَ ذُرِّيَّةَ آدَمَ مِنْ ظَهْرِهِ، وَأَرَاهُ إِيَّاهُمْ، وَجَعَلَ أَهْلَ السَّعَادَةِ فِي قَبْضَتِهِ الْيُمْنَى، وَأَهْلَ الشَّقَاوَةِ فِي الْقَبْضَةِ الْأُخْرَى» ".

стр. 881

وَأَمَّا الْآثَارُ الَّتِي فِيهَا أَنَّهُ اسْتَنْطَقَهُمْ، وَأَشْهَدَهُمْ، وَخَاطَبَهُمْ فَهِيَ بَيْنَ مَوْقُوفَةٍ، وَمَرْفُوعَةٍ لَا يَصِحُّ إِسْنَادُهَا كَحَدِيثِ مُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ، وَحَدِيثِ هِشَامِ بْنِ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ: فَإِنَّ فِي إِسْنَادِهِ بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ، وَرَاشِدُ بْنُ سَعْدٍ، وَفِيهِمَا مَقَالٌ، [وَقَتَادَةُ النَّصْرِيُّ،] وَهُوَ مَجْهُولٌ.

стр. 882

وَبِالْجُمْلَةِ، فَالْآثَارُ فِي إِخْرَاجِ الذُّرِّيَّةِ مِنْ ظَهْرِ آدَمَ، وَحُصُولِهِمْ فِي الْقَبْضَتَيْنِ كَثِيرَةٌ لَا سَبِيلَ إِلَى رَدِّهَا، وَإِنْكَارِهَا، وَيَكْفِي وُصُولُهَا إِلَى التَّابِعِينَ، فَكَيْفَ بِالصَّحَابَةِ؟ وَمِثْلُهَا لَا يُقَالُ بِالرَّأْيِ وَالتَّخْمِينِ، وَلَكِنْ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الصَّحِيحُ مِنْ هَذِهِ الْآثَارِ إِثْبَاتُ الْقَدَرِ، وَأَنَّ اللَّهَ عَلِمَ مَا سَيَكُونُ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ، وَعَلِمَ الشَّقِيَّ وَالسَّعِيدَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ، وَسَوَاءٌ كَانَ مَا اسْتَخْرَجَهُ فَرَآهُ آدَمُ هُوَ أَمْثَالُهُمْ، أَوْ أَعْيَانُهُمْ، فَأَمَّا نُطْقُهُمْ فَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي تَقُومُ بِهَا الْحُجَّةُ، وَلَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ: فَإِنَّ الْقُرْآنَ يَقُولُ فِيهِ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] فَذَكَرَ الْأَخْذَ مِنْ ظُهُورِ بَنِي آدَمَ لَا مِنْ نَفْسِ ظَهْرِ آدَمَ، " وَذُرِّيَّتَهُمْ " يَتَنَاوَلُ كُلَّ مَنْ وَلَدُوهُ إِنْ

стр. 883

كَانَ كَثِيرًا، كَمَا قَالَ فِي تَمَامِ الْآيَةِ: ﴿أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧٣] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ - ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ﴾ [آل عمران: ٣٣ - ٣٤] ، وَقَالَ: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾ [الإسراء: ٣] ، وَقَالَ: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأنعام: ٨٤] ، فَاسْمُ " الذُّرِّيَّةِ " يَتَنَاوَلُ الْكِبَارَ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢] ، فَشَهَادَةُ الْمَرْءِ عَلَى نَفْسِهِ فِي الْقُرْآنِ يُرَادُ بِهَا إِقْرَارُهُ، فَمَنْ أَقَرَّ بِحَقٍّ عَلَيْهِ فَقَدْ شَهِدَ بِهِ عَلَى نَفْسِهِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [النساء: ١٣٥] ، كَمَا احْتَجَّ الْفُقَهَاءُ بِذَلِكَ عَلَى صِحَّةِ الْإِقْرَارِ. وَفِي حَدِيثِ مَاعِزِ بْنِ مَالِكٍ: " فَلَمَّا «شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ» " أَيْ

стр. 884

أَقَرَّ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾ [التوبة: ١٧] ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا مُقِرِّينَ بِمَا هُوَ كُفْرٌ، فَكَانَ ذَلِكَ شَهَادَتَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ. وَمِنْهُ قَوْلُهُ: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾ [الأنعام: ١٣٠] ، فَشَهَادَتُهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ هِيَ إِقْرَارُهُمْ وَهِيَ أَدَاءُ الشَّهَادَةِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، وَلَفْظُ " شَهِدَ فُلَانٌ "، وَ " أَشْهَدَ بِهِ " يُرَادُ بِهِ تَحَمَّلَ الشَّهَادَةَ، وَيُرَادُ بِهِ أَدَاؤُهَا. فَالْأَوَّلُ كَقَوْلِهِ: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] . وَالثَّانِي: كَقَوْلِهِ: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النساء: ١٣٥] . وَقَوْلِهِ: ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] ، مِنْ هَذَا الثَّانِي لَيْسَ الْمُرَادُ: أَنَّهُ جَعَلَهُمْ يَتَحَمَّلُونَ الشَّهَادَةَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، وَيُؤَدُّونَهَا فِي وَقْتٍ آخَرَ، فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ إِنَّمَا يُشْهِدُ عَلَى الرَّجُلِ غَيْرَهُ، كَمَا فِي قِصَّةِ آدَمَ، لِمَا

стр. 885

أَشْهَدَ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةَ، وَكَمَا فِي شَهَادَةِ الْمَلَائِكَةِ، وَشَهَادَةِ الْجَوَارِحِ عَلَى أَصْحَابِهَا، وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ: الْمَعْنَى (أَشْهَدَ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ) ، لَكِنْ هَذَا اللَّفْظُ حَيْثُ جَاءَ فِي الْقُرْآنِ إِنَّمَا يُرَادُ بِهِ شَهَادَةُ الرَّجُلِ عَلَى نَفْسِهِ، بِمَعْنَى أَدَاءِ الشَّهَادَةِ عَلَى نَفْسِهِ، وَقَوْلُهُمْ " ﴿بَلَى شَهِدْنَا﴾ [الأعراف: ١٧٢] ": هُوَ إِقْرَارُهُمْ بِأَنَّهُ رَبُّهُمْ، وَمَنْ أَخْبَرَ بِأَمْرٍ عَنْ نَفْسِهِ فَقَدْ شَهِدَ بِهِ عَلَى نَفْسِهِ، فَإِنَّ قَوْلَهُمْ: " ﴿بَلَى شَهِدْنَا﴾ [الأعراف: ١٧٢] " مَعْنَاهُ: أَنْتَ رَبُّنَا، وَهَذَا إِقْرَارٌ مِنْهُمْ بِرُبُوبِيَّتِهِ لَهُمْ، وَجَعْلِهِمْ شُهَدَاءَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِمَا أَقَرُّوا بِهِ، وَقَوْلُهُ: " أَشْهَدَهُمْ " يَقْتَضِي أَنَّهُ هُوَ الَّذِي جَعَلَهُمْ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِأَنَّهُ رَبُّهُمْ، وَهَذَا الْإِشْهَادُ مُقِرُّونَ بِأَخْذِهِمْ مِنْ ظُهُورِ آبَائِهِمْ، وَهَذَا الْأَخْذُ الْمَعْلُومُ الْمَشْهُودُ الَّذِي لَا رَيْبَ فِيهِ هُوَ أَخْذُ الْمَنِيِّ مِنْ أَصْلَابِ الْآبَاءِ، وَنُزُولُهُ فِي أَرْحَامِ الْأُمَّهَاتِ، لَكِنْ لَمْ يَذْكُرْ هُنَا الْأُمَّهَاتِ، كَقَوْلِهِ: ﴿أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧٣] ، وَهُمْ كَانُوا مُتَّبِعِينَ لِدِينِ آبَائِهِمْ لَا لِدِينِ الْأُمَّهَاتِ، كَمَا قَالُوا: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: ٢٢] ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ﴾ [الزخرف: ٢٤] ، فَهُوَ سُبْحَانَهُ يَقُولُ: اذْكُرْ حِينَ أُخِذُوا مِنْ أَصْلَابِ الْآبَاءِ فَخُلِقُوا حِينَ وُلِدُوا عَلَى الْفِطْرَةِ مُقِرِّينَ بِالْخَالِقِ، شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِأَنَّ اللَّهَ رَبُّهُمْ، فَهَذَا الْإِقْرَارُ حُجَّةٌ لِلَّهِ عَلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَهُوَ يَذْكُرُ أَخْذَهُ لَهُمْ، وَإِشْهَادَهُ إِيَّاهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ خَلَقَ فَسَوَّى، وَقَدَّرَ فَهَدَى، فَأَخْذُهُمْ يَتَضَمَّنُ خَلْقَهُمْ، وَالْإِشْهَادُ يَتَضَمَّنُ هُدَاهُ لَهُمْ إِلَى هَذَا

стр. 886

الْإِقْرَارِ، فَإِنَّهُ قَالَ: " أَشْهَدَهُمْ " أَيْ جَعَلَهُمْ شَاهِدِينَ، فَهَذَا الْإِشْهَادُ مِنْ لَوَازِمِ الْإِنْسَانِ، وَكُلُّ إِنْسَانٍ جَعَلَهُ اللَّهُ مُقِرًّا بِرُبُوبِيَّتِهِ شَاهِدًا عَلَى نَفْسِهِ بِأَنَّهُ مَخْلُوقٌ، وَاللَّهَ خَالِقُهُ، وَهَذَا أَمْرٌ ضَرُورِيٌّ لِبَنِي آدَمَ لَا يَنْفِكُّ مِنْهُ مَخْلُوقٌ، وَهُوَ مِمَّا جُبِلُوا عَلَيْهِ، فَهُوَ عِلْمٌ ضَرُورِيٌّ لَهُمْ لَا يُمْكِنُ أَحَدًا جَحْدُهُ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: (أَنْ تَقُولُوا) ، أَيْ كَرَاهِيَةَ أَنْ تَقُولُوا، أَوْ لِئَلَّا تَقُولُوا: ﴿إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٢] ، أَيْ عَنْ هَذَا الْإِقْرَارِ لِلَّهِ بِالرُّبُوبِيَّةِ، وَعَلَى نُفُوسِنَا بِالْعُبُودِيَّةِ، فَإِنَّهُمْ مَا كَانُوا غَافِلِينَ عَنْ هَذَا، بَلْ كَانَ هَذَا مِنَ الْعُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ اللَّازِمَةِ لَهُمُ الَّتِي لَمْ يَخْلُ مِنْهَا بَشَرٌ قَطُّ، بِخِلَافِ كَثِيرٍ مِنَ الْعُلُومِ الَّتِي قَدْ تَكُونُ ضَرُورِيَّةً، وَلَكِنْ قَدْ يَغْفُلُ عَنْهَا كَثِيرٌ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ عُلُومِ الْعَدَدِ وَالْحِسَابِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَإِنَّهَا إِذَا تَصَوَّرَتْ كَانَتْ عُلُومًا ضَرُورِيَّةً، لَكِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ غَافِلٌ عَنْهَا. وَأَمَّا الِاعْتِرَافُ بِالْخَالِقِ فَإِنَّهُ عِلْمٌ ضَرُورِيٌّ لَازِمٌ لِلْإِنْسَانِ لَا يَغْفُلُ عَنْهُ أَحَدٌ بِحَيْثُ لَا يَعْرِفُهُ، بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ قَدْ عَرَفَهُ، وَإِنْ قُدِّرَ أَنَّهُ نَسِيَهُ. وَلِهَذَا يُسَمَّى التَّعْرِيفُ بِذَلِكَ تَذْكِيرًا، فَإِنَّهُ تَذْكِيرٌ بِعُلُومٍ فِطْرِيَّةٍ ضَرُورِيَّةٍ، وَقَدْ يَنْسَاهَا الْعَبْدُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ [الحشر: ١٩] ، وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: " «يَقُولُ اللَّهُ لِلْكَافِرِ: فَالْيَوْمَ أَنْسَاكَ كَمَا نَسِيتَنِي» ".

стр. 887

ثُمَّ قَالَ: ﴿أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٣] ، فَذَكَرَ سُبْحَانَهُ لَهُمْ حُجَّتَيْنِ يَدْفَعُهُمَا هَذَا الْإِشْهَادُ: إِحْدَاهُمَا: أَنْ يَقُولُوا: ﴿إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٢] ، فَبَيَّنَ أَنَّ هَذَا عِلْمٌ فِطْرِيٌّ ضَرُورِيٌّ لَا بُدَّ لِكُلِّ بَشَرٍ مِنْ مَعْرِفَتِهِ، وَذَلِكَ يَتَضَمَّنُ حُجَّةَ اللَّهِ فِي إِبْطَالِ التَّعْطِيلِ، وَأَنَّ الْقَوْلَ بِإِثْبَاتِ الصَّانِعِ عِلْمٌ فِطْرِيٌّ ضَرُورِيٌّ، وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى نَفْيِ التَّعْطِيلِ. وَالثَّانِي: أَنْ يَقُولُوا: ﴿إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٣] ، وَهُمْ آبَاؤُنَا الْمُشْرِكُونَ: أَيْ أَفَتُعَاقِبُنَا بِذُنُوبِ غَيْرِنَا؟ فَإِنَّهُ لَوْ قُدِّرَ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا عَارِفِينَ بِأَنَّ اللَّهَ رَبُّهُمْ وَوَجَدُوا آبَاءَهُمْ مُشْرِكِينَ، وَهُمْ ذَرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ، وَمُقْتَضَى الطَّبِيعَةِ الْعَادِيَّةِ أَنْ يَحْتَذِيَ الرَّجُلُ حَذْوَ أَبِيهِ حَتَّى فِي الصِّنَاعَاتِ، وَالْمَسَاكِنِ، وَالْمَلَابِسِ، وَالْمَطَاعِمِ إِذْ كَانَ هُوَ الَّذِي رَبَّاهُ، وَلِهَذَا كَانَ أَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، وَيُنَصِّرَانِهِ، وَيُمَجِّسَانِهِ، فَإِذَا كَانَ هَذَا مُقْتَضَى الْعَادَةِ وَالطَّبِيعَةِ، وَلَمْ يَكُنْ فِي فِطَرِهِمْ وَعُقُولِهِمْ مَا يُنَاقِضُ ذَلِكَ، قَالُوا: نَحْنُ مَعْذُورُونَ، وَآبَاؤُنَا هُمُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا، وَنَحْنُ كُنَّا ذُرِّيَّةً لَهُمْ بَعْدَهُمْ، وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَنَا مَا يُبَيِّنُ خَطَأَهُمْ: فَإِذَا كَانَ فِي فِطَرِهِمْ مَا شَهِدُوا بِهِ مِنْ أَنَّ اللَّهَ وَحْدَهُ هُوَ رَبُّهُمْ، كَانَ مَعَهُمْ مَا يُبَيِّنُ بُطْلَانَ هَذَا الشِّرْكِ، وَهُوَ التَّوْحِيدُ الَّذِي شَهِدُوا بِهِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ. فَإِذَا احْتَجُّوا بِالْعَادَةِ الطَّبِيعِيَّةِ مِنِ اتِّبَاعِ الْآبَاءِ كَانَتِ الْحُجَّةُ عَلَيْهِمُ الْفِطْرَةَ الطَّبِيعِيَّةَ الْفِعْلِيَّةَ السَّابِقَةَ لِهَذِهِ الْعَادَةِ الطَّارِئَةِ، وَكَانَتِ الْفِطْرَةُ الْمُوجِبَةُ

стр. 888

لِلْإِسْلَامِ سَابِقَةً لِلتَّرْبِيَةِ الَّتِي يَحْتَجُّونَ بِهَا، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ نَفْسَ الْعَقْلِ الَّذِي بِهِ يَعْرِفُونَ التَّوْحِيدَ حُجَّةٌ فِي بُطْلَانِ الشِّرْكِ لَا يَحْتَاجُ ذَلِكَ إِلَى رَسُولٍ، فَإِنَّهُ جَعَلَ مَا تَقَدَّمَ حُجَّةً عَلَيْهِمْ بِدُونِ هَذَا. وَهَذَا لَا يُنَاقِضُ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] ، فَإِنَّ الرَّسُولَ يَدْعُو إِلَى التَّوْحِيدِ، وَلَكِنَّ الْفِطْرَةَ دَلِيلٌ عَقْلِيٌّ يُعْلَمُ بِهِ إِثْبَاتُ الصَّانِعِ، لَمْ يَكُنْ فِي مُجَرَّدِ الرِّسَالَةِ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ، فَهَذِهِ الشَّهَادَةُ عَلَى أَنْفُسِهِمُ الَّتِي تَتَضَمَّنُ إِقْرَارَهُمْ بِأَنَّ اللَّهَ رَبُّهُمْ، وَمَعْرِفَتُهُمْ بِذَلِكَ أَمْرٌ لَازِمٌ لِكُلِّ بَنِي آدَمَ، بِهِ تَقُومُ حُجَّةُ اللَّهِ تَعَالَى فِي تَصْدِيقِ رُسُلِهِ، فَلَا يُمْكِنُ أَحَدًا أَنْ يَقُولَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنِّي كُنْتُ عَنْ هَذَا غَافِلًا، وَلَا أَنَّ الذَّنْبَ كَانَ لِأَبِي الْمُشْرِكِ دُونِي لِأَنَّهُ عَارِفٌ بِأَنَّ اللَّهَ رَبُّهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، فَلَمْ يَكُنْ مَعْذُورًا فِي التَّعْطِيلِ، وَالْإِشْرَاكِ بَلْ قَامَ بِهِ مَا يَسْتَحِقُّ بِهِ الْعَذَابَ. ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ - لِكَمَالِ رَحْمَتِهِ وَإِحْسَانِهِ - لَا يُعَذِّبُ أَحَدًا إِلَّا بَعْدَ إِرْسَالِ الرَّسُولِ إِلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ فَاعِلًا لِمَا يَسْتَحِقُّ بِهِ الذَّمَّ وَالْعِقَابَ: فَلِلَّهِ عَلَى عَبْدِهِ حُجَّتَانِ قَدْ أَعَدَّهُمَا عَلَيْهِ لَا يُعَذِّبُهُ إِلَّا بَعْدَ قِيَامِهِمَا: إِحْدَاهُمَا: مَا فَطَرَهُ عَلَيْهِ، وَخَلَقَهُ عَلَيْهِ مِنَ الْإِقْرَارِ بِأَنَّهُ رَبُّهُ، وَمَلِيكُهُ وَفَاطِرُهُ، وَحَقُّهُ عَلَيْهِ لَازِمٌ. وَالثَّانِيَةُ: إِرْسَالُ رُسُلِهِ إِلَيْهِ بِتَفْصِيلِ ذَلِكَ، وَتَقْرِيرِهِ وَتَكْمِيلِهِ، فَيَقُومُ عَلَيْهِ شَاهِدُ الْفِطْرَةِ، وَالشِّرْعَةِ، وَيُقِرُّ عَلَى نَفْسِهِ بِأَنَّهُ كَانَ كَافِرًا كَمَا قَالَ تَعَالَى:

стр. 889

﴿وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾ [الأنعام: ١٣٠] ، فَلَمْ يُنَفِّذْ عَلَيْهِمُ الْحُكْمَ إِلَّا بَعْدَ إِقْرَارٍ وَشَاهِدَيْنِ وَهَذَا غَايَةُ الْعَدْلِ.

стр. 890

[فَصْلٌ اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ فِي مَعْنَى الْفِطْرَةِ] . . .

стр. 891

١٨٢ - فَصْلٌ [اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ فِي مَعْنَى الْفِطْرَةِ] . قَالَ أَبُو عُمَرَ: وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْفِطْرَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا، وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي الْأَطْفَالِ، وَحُكْمِهِمْ فِي الدُّنْيَا، وَالْآخِرَةِ. فَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: تَفْسِيرُهُ آخِرَ الْحَدِيثِ " «اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ» "، هَكَذَا ذَكَرَ أَبُو عُبَيْدٍ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ لَمْ يَزِدْ شَيْئًا. وَذَكَرَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ سَأَلَهُ عَنْ تَأْوِيلِ هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ: كَانَ هَذَا الْقَوْلُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ قَبْلَ أَنْ يُؤْمَرَ النَّاسُ بِالْجِهَادِ. قَالَ أَبُو عُمَرَ: أَمَّا مَا ذَكَرَهُ عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ نَحْوُهُ، وَلَيْسَ فِيهِ مَقْنَعٌ مِنَ التَّأْوِيلِ، وَلَا شَرْحٌ مُوعِبٌ فِي أَمْرِ الْأَطْفَالِ، وَلَكِنَّهَا

стр. 892

جُمْلَةٌ تُؤَدِّي إِلَى الْوُقُوفِ عَنِ الْقَطْعِ فِيهِمْ بِكُفْرٍ، أَوْ إِيمَانٍ، أَوْ جَنَّةٍ أَوْ نَارٍ، مَا لَمْ يَبْلُغُوا الْعَمَلَ. قَالَ: وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ فَأَظُنُّ مُحَمَّدَ بْنَ الْحَسَنِ حَادَ عَنِ الْجَوَابِ فِيهِ: إِمَّا لِإِشْكَالِهِ عَلَيْهِ، وَإِمَّا لِجَهْلِهِ بِهِ، أَوْ لِمَا شَاءَ اللَّهُ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: " إِنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ قَبْلَ أَنْ يُؤْمَرَ النَّاسُ بِالْجِهَادِ "، فَلَا أَدْرِي مَا هَذَا! فَإِنْ كَانَ أَرَادَ أَنَّ ذَلِكَ مَنْسُوخٌ فَغَيْرُ جَائِزٍ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ دُخُولُ النَّسْخِ فِي أَخْبَارِ اللَّهِ وَأَخْبَارِ رَسُولِهِ؛ لِأَنَّ الْمُخْبِرَ بِشَيْءٍ كَانَ أَوْ يَكُونُ إِذَا رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ لَمْ يَخْلُ رُجُوعُهُ عَنْ تَكْذِيبِهِ لِنَفْسِهِ، أَوْ غَلَطِهِ فِيمَا أَخْبَرَ بِهِ، أَوْ نِسْيَانِهِ، وَقَدْ عَصَمَ اللَّهُ وَرَسُولَهُ فِي الشَّرِيعَةِ، وَالرِّسَالَةِ مِنْهُ، وَهَذَا لَا يُخَالِفُ فِيهِ أَحَدٌ لَهُ أَدْنَى فَهْمٍ، فَقِفْ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ أَمْرٌ حَتْمٌ فِي أُصُولِ الدِّينِ. وَقَوْلُ مُحَمَّدٍ: " إِنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ أَنْ يُؤْمَرَ النَّاسُ بِالْجِهَادِ "، لَيْسَ كَمَا قَالَ؛ لِأَنَّ فِي حَدِيثِ الْأَسْوَدِ بْنِ سَرِيعٍ مَا يُبَيِّنُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْهُ بَعْدَ الْأَمْرِ بِالْجِهَادِ. وَرَوَى بِإِسْنَادِهِ عَنِ الْحَسَنِ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ سَرِيعٍ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَا بَالُ أَقْوَامٍ بَالَغُوا فِي الْقَتْلِ حَتَّى قَتَلُوا الْوِلْدَانَ "؟

стр. 893

فَقَالَ رَجُلٌ: أَوَلَيْسَ آبَاؤُهُمْ أَوْلَادَ الْمُشْرِكِينَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أَوَلَيْسَ خِيَارُكُمْ أَوْلَادَ الْمُشْرِكِينَ؟ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ إِلَّا عَلَى الْفِطْرَةِ حَتَّى يَبْلُغَ فَيُعَبِّرَ عَنْهُ لِسَانُهُ، وَيُهَوِّدُهُ أَبَوَاهُ، أَوْ يُنَصِّرَانِهِ» ". قَالَ: وَرَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ الْحَسَنِ جَمَاعَةٌ، مِنْهُمْ: [بَكْرٌ الْمُزَنِيُّ] ، وَالْعَلَاءُ بْنُ زِيَادٍ وَالسَّرِيُّ بْنُ يَحْيَى. وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الْأَحْنَفِ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ سَرِيعٍ، وَهُوَ حَدِيثٌ بَصْرِيٌّ صَحِيحٌ.

стр. 894

وَرَوَى عَوْفٌ الْأَعْرَابِيُّ، عَنْ [أَبِي رَجَاءٍ الْعَطَّارِيِّ] ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ، «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ "، فَنَادَاهُ النَّاسُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَأَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ؟ قَالَ: " وَأَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ» " انْتَهَى. قَالَ شَيْخُنَا: أَمَّا مَا ذَكَرَهُ عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، وَمَالِكٍ فَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الْمَقْصُودَ أَنَّ آخِرَ الْحَدِيثِ يُبَيِّنُ أَنَّ الْأَوْلَادَ قَدْ سَبَقَ فِي عِلْمِ اللَّهِ مَا يَعْمَلُونَ إِذَا بَلَغُوا، وَأَنَّ مِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ فَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكْفُرُ فَيَدْخُلُ النَّارَ، فَلَا يُحْتَجُّ بِقَوْلِهِ: " «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ» " عَلَى نَفْيِ الْقَدَرِ كَمَا احْتَجَّتِ الْقَدَرِيَّةُ بِهِ، وَلَا عَلَى أَنَّ أَطْفَالَ الْكُفَّارِ كُلَّهُمْ فِي الْجَنَّةِ لِكَوْنِهِمْ وُلِدُوا عَلَى

стр. 895

الْفِطْرَةِ، فَيَكُونُ مَقْصُودُ الْأَئِمَّةِ أَنَّ الْأَطْفَالَ عَلَى مَا فِي آخِرِ الْحَدِيثِ. وَأَمَّا قَوْلُ مُحَمَّدٍ فَإِنَّهُ رَأَى الشَّرِيعَةَ قَدِ اسْتَقَرَّتْ عَلَى أَنَّ وَلَدَ الْكَافِرِ يَتْبَعُ أَبَوَيْهِ فِي الدِّينِ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا، فَيُحْكَمُ لَهُ بِحُكْمِ الْكُفْرِ فِي أَنَّهُ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَلَا يُدْفَنُ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يَرِثُهُ الْمُسْلِمُونَ، وَيَجُوزُ اسْتِرْقَاقُهُ، وَغَيْرُ ذَلِكَ، فَلَمْ يَجُزْ لِأَحَدٍ أَنْ يَحْتَجَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ حُكْمَ الْأَطْفَالِ فِي الدُّنْيَا حُكْمُ الْمُؤْمِنِينَ، وَهَذَا حَقٌّ وَلَكِنَّهُ ظَنَّ أَنَّ الْحَدِيثَ اقْتَضَى الْحُكْمَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا بِأَحْكَامِ أَطْفَالِ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ: هَذَا مَنْسُوخٌ، كَانَ قَبْلَ الْجِهَادِ لِأَنَّهُ بِالْجِهَادِ أُبِيحَ اسْتِرْقَاقُ النِّسَاءِ، وَالْأَطْفَالِ، وَالْمُؤْمِنُ لَا يُسْتَرَقُّ، وَلَكِنْ كَوْنُ الطِّفْلِ يَتْبَعُ أَبَاهُ فِي الدِّينِ فِي الْأَحْكَامِ الدُّنْيَوِيَّةِ أَمْرٌ مَا زَالَ مَشْرُوعًا، وَمَا زَالَ الْأَطْفَالُ تَبَعًا لِآبَائِهِمْ فِي الْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ، فَالْحَدِيثُ لَمْ يَقْصِدْ بَيَانَ هَذِهِ الْأَحْكَامِ، وَإِنَّمَا قَصَدَ مَا وُلِدُوا عَلَيْهِ مِنَ الْفِطْرَةِ. وَإِذَا قِيلَ: إِنَّهُ وُلِدَ عَلَى فِطْرَةِ الْإِسْلَامِ، أَوْ خُلِقَ حَنِيفًا، وَنَحْوُ ذَلِكَ، فَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ أَنَّهُ حِينَ خَرَجَ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ يَعْلَمُ هَذَا الدِّينَ، وَيُرِيدُهُ، فَاللَّهُ أَخْرَجَنَا مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِنَا لَا نَعْلَمُ شَيْئًا، وَلَكِنَّ فِطْرَتَهُ سُبْحَانَهُ مُوجِبَةٌ مُقْتَضِيَةٌ لِمَعْرِفَةِ دِينِ الْإِسْلَامِ، وَمَحَبَّتِهِ، فَفُطِرُوا عَلَى فِطْرَةٍ مُسْتَلْزِمَةٍ لِلْإِقْرَارِ بِالْخَالِقِ، وَمَحَبَّتِهِ، وَإِخْلَاصِ الدِّينِ لَهُ، وَمُوجِبَاتُ الْفِطْرَةِ وَمُقْتَضَيَاتُهَا تَحْصُلُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ بِحَسَبِ كَمَالِ الْفِطْرَةِ إِذَا سَلِمَتْ عَنِ الْمُعَارِضِ، كَمَا أَنَّ كُلَّ مَوْلُودٍ يُولَدُ فَإِنَّهُ يُولَدُ عَلَى مَحَبَّةِ مَا يُلَائِمُ بَدَنَهُ مِنَ الْأَغْذِيَةِ، وَالْأَشْرِبَةِ، فَيَشْتَهِي اللَّبَنَ الَّذِي يُنَاسِبُهُ، وَهَذَا مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠] ، وَقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى - وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ [الأعلى: ٢ - ٣]

стр. 896

فَهُوَ سُبْحَانَهُ خَلَقَ الْحَيَوَانَ مُهْتَدِيًا إِلَى طَلَبِ مَا يَنْفَعُهُ وَدَفْعِ مَا يَضُرُّهُ، ثُمَّ هَذَا الْحُبُّ وَالْبُغْضُ يَحْصُلُ فِيهِ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، ثُمَّ قَدْ يَعْرِضُ لِكَثِيرٍ مِنَ الْأَبْدَانِ مَا يُفْسِدُ مَا وُلِدَ عَلَيْهِ مِنَ الطَّبِيعَةِ السَّلِيمَةِ. ١٨٣ - فَصْلٌ قَالَ أَبُو عُمَرَ: وَأَمَّا اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ فِي الْفِطْرَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَمَا كَانَ مِثْلَهُ، فَقَالَتْ فِرْقَةٌ: الْفِطْرَةُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ أُرِيدَ بِهَا الْخِلْقَةُ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْهَا الْمَوْلُودُ مِنَ الْمَعْرِفَةِ بِرَبِّهِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى خِلْقَةٍ يَعْرِفُ بِهَا رَبَّهُ إِذَا بَلَغَ مَبْلَغَ الْمَعْرِفَةِ، يُرِيدُ أَنَّ خَلْقَهُ مُخَالِفٌ لِخِلْقَةِ الْبَهَائِمِ الَّتِي لَا تَصِلُ بِخِلْقَتِهَا إِلَى مَعْرِفَةٍ. قَالُوا: لِأَنَّ الْفَاطِرَ هُوَ الْخَالِقُ، قَالَ: وَأَنْكَرْتُ أَنْ يَكُونَ الْمَوْلُودُ يُفْطَرُ عَلَى إِيمَانٍ، أَوْ كُفْرٍ، أَوْ مَعْرِفَةٍ، أَوْ إِنْكَارٍ. قَالَ شَيْخُنَا: صَاحِبُ هَذَا الْقَوْلِ إِنْ أَرَادَ بِالْفِطْرَةِ التَّمَكُّنَ مِنَ الْمَعْرِفَةِ، وَالْقُدْرَةَ عَلَيْهَا فَهَذَا ضَعِيفٌ، فَإِنَّ مُجَرَّدَ الْقُدْرَةِ عَلَى ذَلِكَ لَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ حَنِيفًا، وَلَا أَنْ يَكُونَ عَلَى الْمِلَّةِ. وَلَا يَحْتَاجُ أَنْ يَذْكُرَ تَغْيِيرَ أَبَوَيْهِ لِفِطْرَتِهِ حَتَّى يَسْأَلَ عَمَّنْ مَاتَ صَغِيرًا، وَلِأَنَّ الْقُدْرَةَ فِي الْكَبِيرِ أَكْمَلُ مِنْهَا فِي الصَّغِيرِ، وَهُوَ لَمَّا نَهَاهُمْ عَنْ قَتْلِ

стр. 897

الصِّبْيَانِ فَقَالُوا: إِنَّهُمْ أَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ قَالَ: " «أَوَلَيْسَ خِيَارُكُمْ أَوْلَادَ الْمُشْرِكِينَ؟ مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ» "، وَلَوْ أُرِيدَ الْقُدْرَةُ لَكَانَ الْبَالِغُونَ كَذَلِكَ مَعَ كَوْنِهِمْ مُشْرِكِينَ مُسْتَوْجِبِينَ لِلْقَتْلِ. وَإِنْ أَرَادَ بِالْفِطْرَةِ الْقُدْرَةَ عَلَى الْمَعْرِفَةِ مَعَ إِرَادَتِهَا، فَالْقُدْرَةُ الْكَامِلَةُ مَعَ الْإِرَادَةِ التَّامَّةِ تَسْتَلْزِمُ وُجُودَ الْمُرَادِ الْمَقْدُورِ، فَإِذَا فُطِرُوا عَلَى الْقُدْرَةِ عَلَى الْمَعْرِفَةِ، وَإِرَادَتِهَا كَانَ ذَلِكَ مُسْتَلْزِمًا لِلْإِيمَانِ، وَلَمْ يَتَخَلَّفْ مُوجِبُهُ وَمُقْتَضَاهُ. [فَصْلٌ ذِكْرُ قَوْلِ مَنْ قَالَ أَنَّ الْفِطْرَةَ هِيَ الْبُدَاءَةُ] ١٨٤ - فَصْلٌ [ذِكْرُ قَوْلِ مَنْ قَالَ: أَنَّ الْفِطْرَةَ هِيَ الْبُدَاءَةُ] . قَالَ أَبُو عُمَرَ: وَقَالَ آخَرُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ: " «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ» " يَعْنِي الْبُدَاءَةَ الَّتِي ابْتَدَأَهُمْ عَلَيْهَا، يُرِيدُ أَنَّهُ مَوْلُودٌ عَلَى مَا فَطَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ خَلْقَهُ مِنْ أَنَّهُ ابْتَدَأَهُمْ لِلْحَيَاةِ وَالْمَوْتِ، وَالسَّعَادَةِ، وَالشَّقَاوَةِ، إِلَى مَا يَصِيرُونَ إِلَيْهِ عِنْدَ الْبُلُوغِ مِنْ قَبُولِهِمْ دِينَ آبَائِهِمْ، وَاعْتِقَادِهِمْ. قَالُوا: وَالْفِطْرَةُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الْبُدَاءَةُ، وَالْفَاطِرُ الْمُبْتَدِئُ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: يُولَدُ عَلَى مَا ابْتَدَأَهُ عَلَيْهِ مِنَ الشَّقَاءِ وَالسَّعَادَةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَصِيرُ إِلَيْهِ، وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ - فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾ [الأعراف: ٢٩ - ٣٠] .

стр. 898

وَرَوَى بِإِسْنَادِهِ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: لَمْ أَدْرِ مَا فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ حَتَّى أَتَى أَعْرَابِيَّانِ يَخْتَصِمَانِ فِي بِئْرٍ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: أَنَا فَطَرْتُهَا أَيِ ابْتَدَأْتُهَا. وَذَكَرُوا مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ فِي دُعَائِهِ: " اللَّهُمَّ جَبَّارَ الْقُلُوبِ عَلَى فِطْرَاتِهَا: شَقِيِّهَا وَسَعِيدِهَا ". قَالَ شَيْخُنَا: حَقِيقَةُ هَذَا الْقَوْلِ أَنَّ كُلَّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى مَا سَبَقَ فِي عِلْمِ اللَّهِ أَنَّهُ صَائِرٌ إِلَيْهِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ جَمِيعَ الْمَخْلُوقَاتِ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ، فَجَمِيعُ الْبَهَائِمِ هِيَ مَوْلُودَةٌ عَلَى مَا سَبَقَ فِي عِلْمِ اللَّهِ لَهَا، وَالْأَشْجَارُ مَخْلُوقَةٌ عَلَى مَا سَبَقَ فِي عِلْمِ اللَّهِ، وَحِينَئِذٍ فَيَكُونُ كُلُّ مَخْلُوقٍ قَدْ خُلِقَ عَلَى الْفِطْرَةِ. وَأَيْضًا فَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ: " «فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، وَيُنَصِّرَانِهِ» " مَعْنًى، فَإِنَّهُمَا فَعَلَا بِهِ مَا هُوَ الْفِطْرَةُ الَّتِي وُلِدَ عَلَيْهَا. وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ، فَلَا فَرْقَ فِي الْفِطْرَةِ بَيْنَ التَّهْوِيدِ، وَالتَّنْصِيرِ، وَبَيْنَ

стр. 899

تَلْقِينِ الْإِسْلَامِ، فَإِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ دَاخِلٌ فِيمَا سَبَقَ بِهِ الْعِلْمُ. وَأَيْضًا فَتَمْثِيلُهُ ذَلِكَ بِالْبَهِيمَةِ قَدْ وُلِدَتْ جَمْعَاءَ، ثُمَّ جُدِعَتْ يُبَيِّنُ أَنَّ أَبَوَيْهِ غَيَّرَا مَا وُلِدَ عَلَيْهِ. وَأَيْضًا فَقَوْلُهُ: " «عَلَى هَذِهِ الْمِلَّةِ» " وَقَوْلُهُ: " «إِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ» " مُخَالِفٌ لِهَذَا. وَأَيْضًا فَلَا فَرْقَ بَيْنَ حَالِ الْوِلَادَةِ وَسَائِرِ أَحْوَالِ الْإِنْسَانِ، فَإِنَّهُ مِنْ حِينِ كَانَ جَنِينًا إِلَى مَا لَا نِهَايَةَ لَهُ مِنْ أَحْوَالِهِ عَلَى مَا سَبَقَ فِي عِلْمِ اللَّهِ، فَتَخْصِيصُ الْوِلَادَةِ بِكَوْنِهَا عَلَى مُقْتَضَى الْقَدَرِ تَخْصِيصٌ بِغَيْرِ مُخَصِّصٍ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ " «قَبْلَ نَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ يُكْتَبُ رِزْقُهُ، وَأَجَلُهُ وَعَمَلُهُ، وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ» " فَلَوْ قِيلَ: كُلُّ مَوْلُودٍ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحَ عَلَى الْفِطْرَةِ لَكَانَ أَشْبَهَ بِهَذَا الْقَوْلِ، مَعَ أَنَّ النَّفْخَ هُوَ بَعْدَ الْكِتَابَةِ. [فَصْلٌ الْخَلْقُ كُلُّهُمْ صَائِرُونَ إِلَى مَا سَبَقَ فِي عِلْمِ اللَّهِ] ١٨٥ - فَصْلٌ [الْخَلْقُ كُلُّهُمْ صَائِرُونَ إِلَى مَا سَبَقَ فِي عِلْمِ اللَّهِ] . قَالَ أَبُو عُمَرَ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيُّ: وَهَذَا الْمَذْهَبُ شَبِيهٌ بِمَا حَكَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ.

стр. 900

قَالَ مُحَمَّدٌ: وَقَدْ كَانَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يَذْهَبُ إِلَى هَذَا الْقَوْلِ، ثُمَّ تَرَكَهُ. قَالَ أَبُو عُمَرَ: مَا رَسَمَهُ مَالِكٌ فِي " مُوَطَّئِهِ " وَذَكَرَهُ فِي أَبْوَابِ الْقَدَرِ، فِيهِ مِنَ الْآثَارِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَذْهَبَهُ فِي ذَلِكَ نَحْوُ هَذَا. قَالَ شَيْخُنَا: أَئِمَّةُ السُّنَّةِ مَقْصُودُهُمْ أَنَّ الْخَلْقَ كُلَّهُمْ صَائِرُونَ إِلَى مَا سَبَقَ فِي عِلْمِ اللَّهِ مِنْ إِيمَانٍ وَكُفْرٍ، كَمَا فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: " «إِنَّ الْغُلَامَ الَّذِي قَتَلَهُ الْخَضِرُ طُبِعَ يَوْمَ طُبِعَ كَافِرًا» "، وَالطَّبْعُ الْكِتَابُ: أَيْ كُتِبَ كَافِرًا، كَمَا قَالَ: " «فَيُكْتَبُ رِزْقُهُ، وَأَجَلُهُ، وَعَمَلُهُ، وَشَقِيٌّ، أَوْ سَعِيدٌ» " وَلَيْسَ إِذَا كَانَ اللَّهُ قَدْ كَتَبَهُ كَافِرًا يَقْتَضِي أَنَّهُ حِينَ الْوِلَادَةِ كَافِرٌ، بَلْ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكْفُرَ، وَذَلِكَ الْكُفْرُ هُوَ التَّغْيِيرُ، كَمَا أَنَّ الْبَهِيمَةَ الَّتِي وُلِدَتْ جَمْعَاءَ وَقَدْ سَبَقَ فِي عِلْمِهِ أَنَّهَا تُجْدَعُ كَتَبَ أَنَّهَا مَجْدُوعَةٌ بِجَدْعٍ يَحْدُثُ لَهَا بَعْدَ الْوِلَادَةِ، وَلَا يَجِبُ أَنْ تَكُونَ عِنْدَ الْوِلَادَةِ مَجْدُوعَةً. [فَصْلٌ تَفْسِيرُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ لِلْفِطْرَةِ وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ] ١٨٦ - فَصْلٌ [تَفْسِيرُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ لِلْفِطْرَةِ، وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ] . وَكَلَامُ أَحْمَدَ فِي أَجْوِبَةٍ مُتَعَدِّدَةٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْفِطْرَةَ عِنْدَهُ الْإِسْلَامُ

стр. 901

كَمَا ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ عَنْهُ أَنَّهُ آخِرُ قَوْلَيْهِ، فَإِنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إِنَّ صِبْيَانَ أَهْلِ الْحَرْبِ إِذَا سُبُوا بِدُونِ الْأَبَوَيْنِ كَانُوا مُسْلِمِينَ، وَإِذَا كَانُوا مَعَ الْأَبَوَيْنِ فَهُمْ عَلَى دِينِهِمَا، وَإِنْ سُبُوا مَعَ أَحَدِهِمَا فَفِيهِ رِوَايَتَانِ. وَكَانَ يَحْتَجُّ بِالْحَدِيثِ، ثُمَّ ذَكَرَ نَصَّ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ فِي سَبْيِ أَهْلِ الْحَرْبِ أَنَّهُمْ مُسْلِمُونَ إِذَا كَانُوا صِغَارًا، وَإِنْ كَانُوا مَعَ أَحَدِ الْأَبَوَيْنِ، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ: " «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ» " الْحَدِيثَ. وَذَكَرَ نَصَّهُ فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ مَنْصُورٍ: " إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ أَبَوَاهُ فَهُوَ مُسْلِمٌ ". وَكَذَلِكَ نَقَلَ يَعْقُوبُ بْنُ بُخْتَانَ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: إِذَا مَاتَ أَبَوَاهُ، وَهُوَ صَغِيرٌ أُجْبِرَ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ: " «فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، وَيُنَصِّرَانِهِ» ". وَقَالَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ الْهَيْثَمِ الْعَاقُولِيِّ فِي الْمَجُوسِيَّيْنِ يُولَدُ لَهُمَا وَلَدٌ فَيَقُولَانِ: هَذَا مُسْلِمٌ، فَيَمْكُثُ خَمْسَ سِنِينَ، ثُمَّ يُتَوَفَّى، قَالَ: يَدْفِنُهُ

стр. 902

الْمُسْلِمُونَ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " «فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، وَيُنَصِّرَانِهِ، وَيُمَجِّسَانِهِ» ". وَقَالَ فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ فِي الْأَبَوَيْنِ الْكَافِرَيْنِ يَمُوتَانِ، وَيَدَعَانِ طِفْلًا، يَكُونُ مُسْلِمًا لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : " فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، وَيُنَصِّرَانِهِ "، وَهَذَا لَيْسَ لَهُ أَبَوَانِ، قُلْتُ: يُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ؟ قَالَ: نَعَمْ، هَؤُلَاءِ مُسْلِمُونَ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ . وَهَذَا كَثِيرٌ فِي أَجْوِبَتِهِ، يُحْتَجُّ بِالْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ الطِّفْلَ إِنَّمَا يَصِيرُ كَافِرًا بِأَبَوَيْهِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَ أَبَوَيْنِ كَافِرَيْنِ، فَهُوَ مُسْلِمٌ، فَلَوْ لَمْ تَكُنِ الْفِطْرَةُ الْإِسْلَامَ لَمْ يَكُنْ بِعَدَمِ أَبَوَيْهِ يَصِيرُ مُسْلِمًا، فَإِنَّ الْحَدِيثَ إِنَّمَا دَلَّ عَلَى أَنَّهُ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، وَنَقَلَ عَنْهُ الْمَيْمُونِيُّ: أَنَّ الْفِطْرَةَ هِيَ الدِّينُ، وَهِيَ الْفِطْرَةُ الْأُولَى. فَهَذَا آخِرُ قَوْلَيْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ فِي الْفِطْرَةِ، وَقَدْ كَانَ يَقُولُ أَوَّلًا: إِنَّهَا مَا فُطِرُوا عَلَيْهِ مِنَ الشَّقَاوَةِ، وَالسَّعَادَةِ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الْكَحَّالُ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: " «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ» " مَا تَفْسِيرُهَا؟ قَالَ: هِيَ الْفِطْرَةُ الَّتِي فَطَرَ اللَّهُ النَّاسَ عَلَيْهَا شَقِيٌّ

стр. 903

أَوْ سَعِيدٌ. وَكَذَلِكَ نَقَلَ الْفَضْلُ بْنُ زِيَادٍ، وَحَنْبَلٌ، وَأَبُو الْحَارِثِ: أَنَّهُمْ سَمِعُوا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَالَ: الْفِطْرَةُ الَّتِي فَطَرَ اللَّهُ الْعِبَادَ عَلَيْهَا مِنَ الشِّقْوَةِ وَالسَّعَادَةِ. وَكَذَلِكَ نَقَلَ عَنْهُ عَلِيُّ بْنُ سَعِيدٍ أَنَّهُ سَأَلَهُ عَنْ قَوْلِهِ: " كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ " قَالَ: عَلَى الشَّقَاءِ وَالسَّعَادَةِ، وَإِلَيْهِ يَرْجِعُ كُلُّ مَا خَلَقَ. وَكَذَلِكَ قَالَ فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ بْنِ ثَوَابٍ: كُلُّ مَوْلُودٍ مِنْ أَطْفَالِ الْمُشْرِكِينَ عَلَى الْفِطْرَةِ، يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ الَّتِي خُلِقُوا عَلَيْهَا مِنَ الشَّقَاوَةِ وَالسَّعَادَةِ الَّتِي سَبَقَتْ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لِدَفْعِ ذَلِكَ إِلَى الْأَصْلِ. قُلْتُ: أَصْحَابُ هَذَا الْقَوْلِ يَحْتَجُّونَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن: ٢] ، وَبِقَوْلِهِ: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ - فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾ [الأعراف: ٢٩ - ٣٠] ، وَبِقَوْلِهِ ﷺ فِي خَلْقِ الْجَنِينِ: " «ثُمَّ يُبْعَثُ إِلَيْهِ الْمَلَكُ فَيُؤْمَرُ بِكَتْبِ رِزْقِهِ وَأَجَلِهِ، وَعَمِلِهِ، وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ» " وَبِقَوْلِهِ: " «إِنَّ الْغُلَامَ الَّذِي قَتَلَهُ الْخَضِرُ طُبِعَ يَوْمَ

стр. 904

طُبِعَ كَافِرًا» " وَبِالْآثَارِ الْمَعْرُوفَةِ: " «الشَّقِيُّ مَنْ شَقِيَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ» "، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْآثَارِ الدَّالَّةِ عَلَى الْقَدَرِ السَّابِقِ، وَأَنَّ الشَّقَاوَةَ، وَالسَّعَادَةَ بِقَضَاءٍ سَابِقٍ وَقَدَرٍ مُتَقَدِّمٍ عَلَى وُجُودِ الْعَبْدِ، وَهُوَ حَقٌّ لَا رَيْبَ فِيهِ، وَلَا نِزَاعَ فِيهِ بَيْنَ الصَّحَابَةِ، وَالتَّابِعِينَ، وَجَمِيعِ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَلَكِنْ لَا يُنَافِي كَوْنَ الطِّفْلِ قَدْ خُلِقَ عَلَى الْفِطْرَةِ الَّتِي هِيَ دِينُ اللَّهِ، فَإِنَّ الْقَدَرَ السَّابِقَ، وَالْعِلْمَ الْقَدِيمَ اقْتَضَى أَنْ تُهَيَّأَ لَهُ أَسْبَابٌ تَخْرُجُ عَنْ هَذِهِ الْفِطْرَةِ، وَقَوْلُهُ: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠] ، أَيْ لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يُغَيِّرَ الْخِلْقَةَ الَّتِي خَلَقَ عَلَيْهَا عِبَادَهُ وَفَطَرَهُمْ عَلَيْهَا مِنْ أَنَّهُمْ لَوْ خُلُّوا وَنُفُوسَهُمْ لَكَانُوا عَلَى الْحَنِيفِيَّةِ، فَخَلَقَهُمْ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ لَا تَغْيِيرَ لَهُ، وَإِنَّمَا التَّغْيِيرُ بِأَسْبَابٍ طَارِئَةٍ جَارِيَةٍ عَلَى الْخِلْقَةِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن: ٢] ، فَغَايَتُهُ أَنْ يَدُلَّ عَلَى أَنَّهُ خَلَقَ الْكَافِرَ كَافِرًا، وَالْمُؤْمِنَ مُؤْمِنًا، وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الصَّحَابَةِ، وَجَمِيعِ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَلَيْسَ فِيهِ مَا يَنْفِي كَوْنَهُمْ مَخْلُوقِينَ عَلَى فِطْرَةِ الْإِسْلَامِ، خَلَقَ لَهُمْ أَسْبَابًا أَخْرَجَتْ مَنْ أَخْرَجَتْهُ مِنْهُمْ عَنْهَا. وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ [الأعراف: ٢٩] ، فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ

стр. 905

كَمَا كَتَبَ عَلَيْكُمْ تَكُونُونَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ شَقِيًّا، وَسَعِيدًا.

стр. 906

وَقَالَ أَيْضًا: يَبْعَثُ الْمُسْلِمَ مُسْلِمًا وَالْكَافِرَ كَافِرًا. وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: عَادُوا إِلَى عِلْمِهِ فِيهِمْ: ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾ [الأعراف: ٣٠] . وَهَذَا يَتَضَمَّنُ إِثْبَاتَ عِلْمِهِ، وَقَدَرِهِ السَّابِقِ، وَأَنَّ الْخَلْقَ يَصِيرُونَ إِلَيْهِ لَا مَحَالَةَ، وَكَوْنُ هَذَا مُرَادَ الْآيَةُ غَيْرُ مُتَعَيَّنٍ، فَإِنَّ الْآيَةَ اقْتَضَتْ حُكْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يُعِيدُهُمْ كَمَا بَدَأَهُمْ عَلَى عَادَةِ الْقُرْآنِ فِي الِاسْتِدْلَالِ عَلَى الْمَعَادِ بِالْبُدَاءَةِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ سُبْحَانَهُ هَدَى فَرِيقًا وَأَضَلَّ فَرِيقًا، فَالْأَمْرُ كُلُّهُ لَهُ: بَدْؤُهُمْ وَإِعَادَتُهُمْ، وَهِدَايَةُ مَنْ هَدَى مِنْهُمْ وَإِضْلَالُ مَنْ أَضَلَّ مِنْهُمْ، وَلَيْسَ فِي شُرَكَائِهِمْ مَنْ يَفْعَلُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ. وَأَمَّا أَمْرُ الْمَلَكِ " «بِكَتْبِ شَقَاوَةِ الْعَبْدِ وَسَعَادَتِهِ فِي بَطْنِ أُمِّهِ» " وَقَوْلُهُ

стр. 907

" «الشَّقِيُّ مَنْ شَقِيَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ» " فَحَقٌّ لَا يُخَالِفُ فِيهِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ بَلْ قَدِ اتَّفَقَتْ كَلِمَتُهُمْ، وَكَلِمَةُ الصَّحَابَةِ قَبْلَهُمْ عَلَى ذَلِكَ. وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ «فِي الْغُلَامِ الَّذِي قَتَلَهُ الْخَضِرُ: " أَنَّهُ طُبِعَ يَوْمَ طُبِعَ كَافِرًا» " فَمِثْلُ ذَلِكَ سَوَاءً. وَ " كَافِرًا " حَالٌ مُقَدَّرَةٌ لَا مُقَارَنَةٌ، أَيْ طُبِعَ مُقَدَّرًا كُفْرُهُ، وَإِلَّا فَهُوَ فِي حَالِ كَوْنِهِ جَنِينًا وَطِفْلًا لَا يَعْقِلُ كُفْرًا وَلَا إِيمَانًا. فَإِنْ قِيلَ: فَإِذَا كَانَ هَكَذَا فَلِمَ قَتَلَهُ الْخَضِرُ؟ فَالْجَوَابُ مَا قَالَهُ لِمُوسَى: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ [الكهف: ٨٢] ، فَاللَّهُ تَعَالَى أَمَرَهُ بِقَتْلِ ذَلِكَ الْغُلَامِ لِمَصْلَحَةٍ، وَأَمَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِالْكَفِّ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ، وَالذُّرِّيَّةِ لِمَصْلَحَةٍ، فَكَانَ فِي كُلِّ مَا أَمَرَ بِهِ مَصْلَحَةٌ، وَحِكْمَةٌ وَرَحْمَةٌ يَشْهَدُهَا أُولُو الْأَلْبَابِ. [فَصْلٌ إِجْمَاعُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الِاسْتِنْطَاقَ كَانَ لِلْأَرْوَاحِ] ١٨٧ - فَصْلٌ [إِجْمَاعُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الِاسْتِنْطَاقَ كَانَ لِلْأَرْوَاحِ] . قَالَ أَبُو عُمَرَ: وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى قَوْلِهِ: " «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى

стр. 908

الْفِطْرَةِ» " أَنَّ اللَّهَ فَطَرَهُمْ عَلَى الْإِنْكَارِ وَالْمَعْرِفَةِ، وَعَلَى الْكُفْرِ، وَالْإِيمَانِ، فَأَخَذَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ الْمِيثَاقَ حِينَ خَلَقَهُمْ، فَقَالَ: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟ قَالُوا جَمِيعًا: بَلَى، فَأَمَّا أَهْلُ السَّعَادَةِ، فَقَالُوا: بَلَى، عَلَى مَعْرِفَةٍ لَهُ طَوْعًا مِنْ قُلُوبِهِمْ، وَأَمَّا أَهْلُ الشَّقَاوَةِ فَقَالُوا: بَلَى، كُرْهًا غَيْرَ طَوْعٍ. قَالُوا: وَيُصَدِّقُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ [آل عمران: ٨٣] ، قَالُوا: وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ - فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾ [الأعراف: ٢٩ - ٣٠] . قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيُّ: سَمِعْتُ إِسْحَاقَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ - يَعْنِي ابْنَ رَاهَوَيْهِ - يَذْهَبُ إِلَى هَذَا الْمَعْنَى، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ، اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠] ، قَالَ إِسْحَاقُ: يَقُولُ: لَا تَبْدِيلَ لِلْخِلْقَةِ الَّتِي جَبَلَ عَلَيْهَا وَلَدَ آدَمَ كُلَّهُمْ، يَعْنِي مِنَ الْكُفْرِ وَالْإِيمَانِ، وَالْمَعْرِفَةِ وَالْإِنْكَارِ، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] الْآيَةَ. قَالَ إِسْحَاقُ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ أَنَّهَا الْأَرْوَاحُ قَبْلَ الْأَجْسَادِ، اسْتَنْطَقَهُمْ

стр. 909

وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ، قَالُوا: بَلَى، فَقَالَ: انْظُرُوا أَنْ لَا تَقُولُوا إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ، أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ، وَذَكَرَ حَدِيثَ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فِي قِصَّةِ الْغُلَامِ الَّذِي قَتَلَهُ الْخَضِرُ قَالَ: وَكَانَ الظَّاهِرُ مَا قَالَهُ مُوسَى: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ [الكهف: ٧٤] ، فَأَعْلَمَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ الْخَضِرَ مَا كَانَ الْغُلَامُ عَلَيْهِ مِنَ الْفِطْرَةِ الَّتِي فُطِرَ عَلَيْهَا، وَأَنَّهُ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ، فَأَمَرَهُ بِقَتْلِهِ لِأَنَّهُ كَانَ قَدْ طُبِعَ يَوْمَ طُبِعَ كَافِرًا. قَالَ إِسْحَاقُ: فَلَوْ تَرَكَ النَّبِيُّ ﷺ النَّاسَ وَلَمْ يُبَيِّنْ لَهُمْ حُكْمَ الْأَطْفَالِ لَمْ يَعْرِفُوا الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُمْ مِنَ الْكَافِرِينَ لِأَنَّهُمْ لَا يَدْرُونَ مَا جُبِلَ كُلُّ وَاحِدٍ عَلَيْهِ حِينَ أُخْرِجَ مِنْ ظَهْرِ آدَمَ، فَبَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ حُكْمَ الدُّنْيَا فِي الْأَطْفَالِ بِقَوْلِهِ: " «أَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، وَيُنَصِّرَانِهِ وَيُمَجِّسَانِهِ» " يَقُولُ: أَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ مَا طُبِعَ عَلَيْهِ فِي الْفِطْرَةِ الْأُولَى، وَلَكِنَّ حُكْمَ الطِّفْلِ فِي الدُّنْيَا حُكْمُ أَبَوَيْهِ، فَاعْرِفُوا ذَلِكَ بِالْأَبَوَيْنِ، فَمَنْ كَانَ صَغِيرًا بَيْنَ أَبَوَيْنِ مُسْلِمَيْنِ أُلْحِقَ بِحُكْمِ الْإِسْلَامِ، وَأَمَّا إِيمَانُ ذَلِكَ، وَكُفْرُهُ مِمَّا يَصِيرُ إِلَيْهِ فَعِلْمُ ذَلِكَ إِلَى اللَّهِ. وَإِنَّمَا فَضَّلَ اللَّهُ الْخَضِرَ فِي عِلْمِهِ بِهَذَا عَلَى مُوسَى - لِمَا أَخْبَرَهُ بِالْفِطْرَةِ الَّتِي فَطَرَهُ عَلَيْهَا - لِيَزْدَادَ مُوسَى يَقِينًا، وَعِلْمًا بِأَنَّ مِنْ عِلْمِ الْخَضِرِ مَا لَا يَعْلَمُهُ

стр. 910

نَبِيٌّ، وَلَا غَيْرُهُ، إِذِ الْأَنْبِيَاءُ لَا يَعْلَمُونَ مِنَ الْغَيْبِ إِلَّا قَدْرَ مَا عَلَّمَهُمُ اللَّهُ، فَصَارَ الْحُكْمُ عَلَى مَا كَانَ عِنْدَ مُوسَى هُوَ حُكْمُ الشَّرْعِ فِي الدُّنْيَا، وَمَا بَطَنَ مِنْ عِلْمِ الْخَضِرِ كَانَ الْخَضِرُ مَخْصُوصًا بِهِ، فَإِذَا رَأَيْتَ الصَّغِيرَ بَيْنَ أَبَوَيْنِ مُسْلِمَيْنِ حَكَمْتَ لَهُ بِحُكْمِ الْإِسْلَامِ فِي الْمَوَارِيثِ، وَالصَّلَاةِ، وَكُلِّ أَحْكَامِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَمْ تَعْتَدَّ بِفِعْلِ الْخَضِرِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ مَخْصُوصًا بِذَلِكَ لِمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ مِنَ الْعِلْمِ الْخَفِيِّ، فَانْتَهَى إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فِي قَتْلِهِ. وَلَقَدْ سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ الْوِلْدَانِ أَفِي الْجَنَّةِ هُمْ؟ يَعْنِي: وِلْدَانَ الْمُسْلِمِينَ، وَالْمُشْرِكِينَ، فَقَالَ: حَسْبُكَ مَا اخْتَصَمَ فِيهِ مُوسَى وَالْخَضِرُ، وَهُوَ تَفْسِيرُ مَا اقْتَصَصْنَا مِنْ قَبْلُ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ، وَحُكْمُ النَّاسِ أَنَّهُمَا مُخْتَلِفَانِ، أَلَا تَرَى «أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ حِينَ قَالَتْ، لَمَّا مَاتَ صَبِيٌّ مِنَ الْأَنْصَارِ بَيْنَ أَبَوَيْنِ مُسْلِمَيْنِ: " طُوبَى لَهُ، عُصْفُورٌ مِنْ عَصَافِيرِ الْجَنَّةِ " رَدَّ عَلَيْهَا النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: " مَهْ يَا عَائِشَةُ، وَمَا يُدْرِيكِ، إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْجَنَّةَ وَخَلَقَ لَهَا أَهْلًا» . " قَالَ إِسْحَاقُ: فَهَذَا الْأَصْلُ الَّذِي يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ أَهْلُ الْعِلْمِ. قَالَ شَيْخُنَا: وَمَا ذَكَرَتْهُ هَذِهِ الطَّائِفَةُ أَنَّ الْمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ فَطَرَهُمْ عَلَى الْكُفْرِ وَالْإِيمَانِ، وَالْمَعْرِفَةِ، وَالْإِنْكَارِ، إِنْ أَرَادُوا بِهِ أَنَّ اللَّهَ سَبَقَ فِي عِلْمِهِ وَقَدَرِهِ أَنَّهُمْ سَيُؤْمِنُونَ، وَيَكْفُرُونَ، وَيَعْرِفُونَ، وَيُنْكِرُونَ، وَأَنَّ ذَلِكَ كَانَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ، وَقَدَرِهِ، وَخَلْقِهِ، فَهَذَا حَقٌّ لَا يَرُدُّهُ إِلَّا الْقَدَرِيَّةُ، وَإِنْ أَرَادُوا أَنَّ هَذِهِ الْمَعْرِفَةَ وَالنَّكِرَةَ كَانَتْ مَوْجُودَةً حِينَ أُخِذَ الْمِيثَاقُ فَهَذَا يَتَضَمَّنُ شَيْئَيْنِ:

стр. 911

أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمَعْرِفَةَ كَانَتْ مَوْجُودَةً فِيهِمْ كَمَا قَالَ ذَلِكَ كَثِيرٌ مِنَ السَّلَفِ، وَهُوَ الَّذِي حَكَى إِسْحَاقُ الْإِجْمَاعَ عَلَيْهِ، فَهَذَا إِنْ كَانَ حَقًّا فَهُوَ تَوْكِيدٌ لِكَوْنِهِمْ وُلِدُوا عَلَى تِلْكَ الْمَعْرِفَةِ وَالْإِقْرَارِ، وَهَذَا لَا يُخَالِفُ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ مِنْ أَنَّهُمْ يُولَدُونَ عَلَى " الْمِلَّةِ "، وَأَنَّ اللَّهَ خَلَقَهُمْ حُنَفَاءَ، بَلْ هُوَ مُؤَيِّدٌ لَهَا. وَأَمَّا قَوْلُهُ: " إِنَّهُمْ فِي ذَلِكَ الْإِقْرَارِ انْقَسَمُوا إِلَى طَائِعٍ وَكَافِرٍ " فَهَذَا لَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنَ السَّلَفِ فِيمَا أَعْلَمُ إِلَّا عَنِ السُّدِّيِّ، وَفِي " تَفْسِيرِهِ ": " لَمَّا أَخْرَجَ اللَّهُ آدَمَ مِنَ الْجَنَّةِ قَبْلَ أَنْ يُهْبِطَهُ مِنَ السَّمَاءِ مَسَحَ صَفْحَةَ ظَهْرِهِ الْيُمْنَى، فَأَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِّيَّةً بَيْضَاءَ مِثْلَ اللُّؤْلُؤِ كَهَيْئَةِ الذَّرِّ، فَقَالَ لَهُمْ: ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِي، وَمَسَحَ صَفْحَةَ ظَهْرِهِ الْيُسْرَى، فَأَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِّيَّةً سَوْدَاءَ كَهَيْئَةِ الذَّرِّ، فَقَالَ: ادْخُلُوا النَّارَ، وَلَا أُبَالِي " وَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾ [الواقعة: ٢٧] ،: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ﴾ [الواقعة: ٤١] ، ثُمَّ أَخَذَ مِنْهُمُ الْمِيثَاقَ، فَقَالَ: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟ قَالُوا: بَلَى، فَأَعْطَاهُ طَائِفَةٌ طَائِعِينَ، وَطَائِفَةٌ كَارِهِينَ عَلَى وَجْهِ التَّقِيَّةِ. فَقَالَ هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ: شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ، أَوْ يَقُولُوا: إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ " فَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْ وَلَدِ آدَمَ إِلَّا وَهُوَ يَعْرِفُ اللَّهَ أَنَّهُ رَبُّهُ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ:

стр. 912

﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ [آل عمران: ٨٣] ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٩] ، يَعْنِي يَوْمَ أَخَذَ الْمِيثَاقَ ". قَالَ شَيْخُنَا: فَهَذَا الْأَثَرُ إِنْ كَانَ حَقًّا فَفِيهِ أَنَّ كُلَّ وَلَدِ آدَمَ يَعْرِفُ اللَّهَ، فَإِذَا كَانُوا وُلِدُوا عَلَى هَذِهِ الْفِطْرَةِ فَقَدْ وُلِدُوا عَلَى هَذِهِ الْمَعْرِفَةِ، وَلَكِنْ فِيهِ أَنَّ بَعْضَهُمْ أَقَرَّ كَارِهًا مَعَ الْمَعْرِفَةِ، فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ الَّذِي يَعْرِفُ الْحَقَّ لِغَيْرِهِ وَلَا يُقِرُّ بِهِ إِلَّا مُكْرَهًا، وَهَذَا لَا يَقْدَحُ فِي كَوْنِ الْمَعْرِفَةِ فِطْرِيَّةً، مَعَ أَنَّ هَذَا لَمْ يَبْلُغْنَا إِلَّا فِي هَذَا الْأَثَرِ، وَمِثْلُ هَذَا لَا يُوثَقُ بِهِ، فَإِنَّهُ فِي تَفْسِيرِ السُّدِّيِّ وَفِيهِ أَشْيَاءُ قَدْ عُرِفَ بُطْلَانُ بَعْضِهَا، وَهَذَا هُوَ السُّدِّيُّ الْكَبِيرُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَهُوَ ثِقَةٌ فِي نَفْسِهِ.

стр. 913

وَأَحْسَنُ أَحْوَالِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ أَنْ تَكُونَ كَالْمَرَاسِيلِ إِنْ كَانَتْ أُخِذَتْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَكَيْفَ إِذَا كَانَ فِيهَا مَا هُوَ مَأْخُوذٌ عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِينَ يَكْذِبُونَ كَثِيرًا؟ وَقَدْ عُرِفَ أَنَّ فِيهَا شَيْئًا كَثِيرًا مِمَّا يُعْلَمُ أَنَّهُ بَاطِلٌ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي هَذَا إِلَّا مُعَارَضَتُهُ لِسَائِرِ الْأَحَادِيثِ الَّتِي تَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ بَيْنَ جَمِيعِ النَّاسِ فِي ذَلِكَ الْإِقْرَارِ لَكَفَى. وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ [آل عمران: ٨٣] ، فَإِنَّمَا هُوَ فِي الْإِسْلَامِ الْمَوْجُودِ بَعْدَ خَلْقِهِمْ، لَمْ يَقُلْ سُبْحَانَهُ: إِنَّهُمْ حِينَ الْعَهْدِ الْأَوَّلِ أَسْلَمُوا طَوْعًا، وَكَرْهًا، يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ ذَلِكَ الْإِقْرَارَ الْأَوَّلَ جَعَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى حُجَّةً عَلَيْهِمْ عِنْدَ مَنْ يُثْبِتُهُ، وَلَوْ كَانَ مِنْهُمْ مُكْرَهٌ لَقَالَ: لَمْ أَقُلْ ذَلِكَ طَوْعًا بَلْ كَرْهًا، فَلَا تَقُومُ عَلَيْهِ حُجَّةٌ. قُلْتُ: وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: " إِنَّهُمْ أَقَرُّوا عَلَى وَجْهِ التَّقِيَّةِ " كَلَامٌ بَاطِلٌ قَطْعًا، فَإِنَّ التَّقِيَّةَ أَنْ يَقُولَ الْعَبْدُ خِلَافَ مَا يَعْتَقِدُهُ لِاتِّقَاءِ مَكْرُوهٍ يَقَعُ بِهِ لَوْ لَمْ يَتَكَلَّمْ بِالتَّقِيَّةِ، وَهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَعْتَقِدُونَ أَنَّ لَهُمْ رَبًّا غَيْرَ اللَّهِ حَتَّى يَقُولُوا تَقِيَّةً: " أَنْتَ رَبُّنَا "، بَلْ هُمْ - فِي حَالِ كُفْرِهِمُ الْحَقِيقِيِّ، وَعِنَادِهِمْ، وَتَكْذِيبِهِمْ لِلرُّسُلِ - مُقِرُّونَ بِأَنَّ اللَّهَ رَبُّهُمْ وَقَدْ عَرَضَ لَهُمْ مَا غَيَّرَ تِلْكَ الْفِطْرَةَ الَّتِي فُطِرُوا عَلَيْهَا، فَكَانُوا مَعَ ذَلِكَ مُقِرِّينَ بِأَنَّهُ رَبُّهُمْ طَوْعًا، وَاخْتِيَارًا، لَا تَقِيَّةً، فَكَيْفَ يَقُولُونَ ذَلِكَ تَقِيَّةً فِي الْحَالِ الَّتِي لَمْ يَعْرِضْ لَهُمْ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ أَسْبَابِ الشِّرْكِ، وَلَا كَانَ هُنَاكَ شَيَاطِينُ تُضِلُّهُمْ؟ فَهَذَا مِمَّا يُعْلَمُ بُطْلَانُ تَفْسِيرِ الْآيَةِ بِهِ قَطْعًا بِلَا تَوَقُّفٍ.

стр. 914

وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: " فَقَالَ هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ: شَهِدْنَا " هَذَا خِطَابٌ قَطْعًا، بَلْ هُوَ مِنْ تَمَامِ كَلَامِهِمْ وَأَنَّهُمْ قَالُوا: بَلَى شَهِدْنَا، أَيْ أَقْرَرْنَا كَمَا قَالَ الرُّسُلُ لَمَّا أَخَذَ عَلَيْهِمُ الْمِيثَاقَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا﴾ [آل عمران: ٨١] ، وَكَأَنَّ قَائِلَ هَذَا الْقَوْلِ ظَنَّ أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٢] تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ: (شَهِدْنَا) ، وَذَلِكَ لَا يَلْتَئِمُ عِلَّةٌ لَهُ، فَقَالَ: قَوْلُهُ: (شَهِدْنَا) ، يَقُولُ اللَّهُ وَالْمَلَائِكَةُ، أَيْ شَهْدِنَا عَلَيْهِمْ لِئَلَّا يَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ: ﴿إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٢] . وَلَكِنَّ ذَلِكَ تَعْلِيلٌ لِأَخْذِهِمْ، وَإِشْهَادِهِمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، أَيْ أَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، فَشَهِدُوا لِئَلَّا يَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ذَلِكَ، لَيْسَ مَعْنَى " شَهِدْنَا " لِئَلَّا يَقُولُوا، وَلَكِنْ أُشْهِدُهُمْ لِئَلَّا يَقُولُوا. يُوَضِّحُهُ أَنَّ شَهَادَتَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ هِيَ الْمَانِعَةُ مِنْ قَوْلِهِمْ ذَلِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لَا شَهَادَةُ اللَّهِ، وَمَلَائِكَتِهِ عَلَيْهِمْ، وَلِهَذَا يَجْحَدُ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شِرْكَهُ وَفُجُورَهُ مَعَ شَهَادَةِ اللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ عَلَيْهِ بِذَلِكَ، فَيَقُولُ: لَا أُجِيزُ عَلَى نَفْسِي إِلَّا شَهَادَةً مِنِّي، وَلَا يُقِيمُ اللَّهُ الْحُجَّةَ عَلَيْهِ فَشَهَادَتُهُ حِينَ تَشْهَدُ عَلَيْهِ نَفْسُهُ وَتَشْهَدُ عَلَيْهِ جَوَارِحُهُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يس: ٦٥] ، وَهَذَا

стр. 915

غَايَةُ الْعَدْلِ، وَإِزَالَةُ شِبْهِ الْخُصُومِ مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٩] ، إِنَّمَا مَعْنَاهُ: لَوْ شَاءَ لَوَفَّقَكُمْ لِتَصْدِيقِ رُسُلِهِ وَاتِّبَاعِ مَا جَاءُوا بِهِ كَمَا قَالَ: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ [السجدة: ١٣] ، وَقَالَ: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ [يونس: ٩٩] ، وَقَالَ: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ [الأنعام: ٣٥] نَعَمْ، لَوْ شَاءَ فِي تَقْدِيرِهِ السَّابِقِ لَقَدَّرَ إِيمَانَهُمْ جَمِيعًا، فَجَاءَ الْأَمْرُ كَمَا قَدَّرَهُ. قَالَ شَيْخُنَا: وَأَمَّا احْتِجَاجُ إِسْحَاقَ بِقَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠] ، قَالَ إِسْحَاقُ: يَقُولُ: لَا تَبْدِيلَ لِلْخِلْقَةِ الَّتِي جُبِلَ عَلَيْهَا، فَهَذِهِ الْآيَةُ فِيهَا قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ مَعْنَاهَا النَّهْيُ، أَيْ لَا تُبَدِّلُوا دِينَ اللَّهِ الَّذِي فَطَرَ عَلَيْهِ عِبَادَهُ، وَهَذَا قَوْلُ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ لَمْ يَذْكُرُوا غَيْرَهُ كَالثَّعْلَبِيِّ، وَالزَّمَخْشَرِيِّ،
следующие страницы →