Полный текст (9 112 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.
стр. 1401
[مسألة: قوله تعالى وما أكل السبع إلا ما ذكيتم]
مسألة قال: وسئل مالك، ﵀، عن قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] الآية، فقال: من ذلك ما يؤكل ومنه ما لا يؤكل، إذا سقطت فأصابها شيء فشق جوفها فلا أرى أن تؤكل، وإذا ضرب وسطها فانقطعت بأي شيء تذكى أرأسها ما أرى أن تؤكل، قيل: أفرأيت قوله ﵎ ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾ [المائدة: ٣] الآية فقال: مما فيه ذكاة.
قال محمد بن رشد: وقع في بعض الكتب فشق حشوتها مكان فشق جوفها، والجواب صحيح على الروايتين جميعا؛ لأنه إذا شق حشوتها فلا تذكى ولا تؤكل باتفاق إلا على دليل رواية أبي زيد عن ابن القاسم في كتاب الديات؛ لأن ذلك مثل، وإذا شق جوفها ولم يشق حشوتها فلا تذكى ولا تؤكل على مذهبه في رواية أشهب عنه، وقد مضى القول على ذلك في المسألة التي قبل هذه المسألة.
[مسألة: فأرة ماتت في جرة زيت فيها خمس مائة رطل فباعه صاحبه]
مسألة وسئل مالك عن فأرة ماتت في جرة زيت فيها خمس مائة رطل فباعه صاحبه من رجل واشترط عليه أنه يبيعه إياه يدهن به الدلاء وصلاة الزرانيق والقنوات ولا يبيع منه شيئا، وإن كان لا يجوز بيعه فأخبرنا ندركه من قريب، فقال: لا والله ما أرى أن يباع ولا يؤكل ثمنه، قال ﷺ : «قاتل الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها» ، قيل له: إن المشتري يقول أنا اشتريته بما اشترطت ولست أريد أكله، فمر أنت البائع بما بدا لك، فقال
стр. 1402
لا والله ما حرم على البائع فلا يحل للمبتاع، ثم قال مالك بعد أن ذهب السائل: ولقد ندمت بأن لا أكون قد سألته بكم باعه، فإن هؤلاء يوفون بما يشترطون، فإن كان هذا إنما اشتراه لما ذكره فإنما يشتريه بأقل من نصف ثمنه، ولكن هم يقولون مثل هذا ويشترونه بأقصى ثمنه أو قريب منه ثم يبيعونه ولا يوفون بما يشترطون.
قال محمد بن رشد: قوله في آخر المسألة فإن هؤلاء لا يوفون بما يشترطون ولكنهم يقولون ذلك ثم يشترونه بأقصى ثمنه أو قريب منه ولا يوفون بما يشترطون يدل على أنه إنما لم يجز بيعه على الشرط مخافة ألا يفي المشتري بما شرط عليه من ذلك، ولو أمن من ذلك لأجازه فلما لم يأمن من ذلك لم يفسخ بيعه حماية للذرائع، لا لأن بيعه حرام لذاته كالخمر والخنزير والميتة، فعلى هذا لو باعه ممن يعلم ثقته ويأمن من أن يغش به لجاز له البيع وساغ له الثمن ولم يحرم عليه، وهذا قول ابن وهب وجماعة من السلف، ودليل ما في رسم الشجرة من سماع ابن القاسم من كتاب الصلاة في مسألة الصابون. وقد روي عن أبي موسى الأشعري أنه أجاز بيعه من غير المسلمين، والمشهور عن مالك المعلوم من مذهبه في المدونة وغيرها أن بيعه لا يجوز، وقد جعله في رسم اغتسل من سماع ابن القاسم قبل هذا كالميتة في أن بيعه لا يجوز، والأظهر في القياس أن بيعه جائز ممن لا يغش به إذا بين؛ لأن تنجسه بسقوط النجاسة فيه لا يسقط ملكه عنه ولا يذهب جملة المنافع منه ولا يجوز أن يتلف عليه، فجائز له أن يبيعه ممن يصرفه فيما كان له هو أن يصرفه فيه، وهذا في الزيت على مذهب من لا يجيز غسله،
стр. 1403
وأما على مذهب من يجيز غسله، وقد روي ذلك عن مالك على ما قد ذكرناه في سماع أصبغ من كتاب فسبيله في البيع سبيل الثوب النجس.
[مسألة: أكل ما عدا السمك من دواب البحر]
مسألة وسئل مالك عن اللبس الذي يقال له ترس الماء ربما أخذ ميتا وهو إذا أخذ حيا أقام أياما حتى يذبح أتراه من صيد البحر؟ فقال: ما أراه إلا من صيد البحر، إذا كان لا بأس على المحرم في صيده، فما بأسه يؤكل ميتا؟ وما أرى ذبحهم إياه إلا يستعجلون بذلك موته، قال : ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ [المائدة: ٩٦] الآية، فما أراه إلا من صيد البحر، وما أرى من ذبحه إلا يستطيل حياته، ومن الطير فيما بلغني من يطيل المكث في الماء ويعيش فيه وهو من صيد البر، قيل له: أرأيت إذا أخذ حيا أترى بأسا أن يذبح؟ قال: ما أرى بذلك بأسا إلا أن يكون ذلك يشكل أمره على الناس، فقلت: لقد شكك الناس فيه لما رأوا من ذبحه، فقال لي: هو كذلك، قيل له: إنه تطول حياته فأحب إليك أن يذبح أم يقتل؟ قال: ما أكره الذبح إلا لما يدخل على الناس فيه من الشك فإذا لم يكن ذلك فلا بأس بذبحه.
قال محمد بن رشد: اختلف أهل العلم في أكل ما عدا السمك من دواب البحر، فذهب مالك إلى أنها كالسمك في جواز أكلها بغير ذكاة وجدت طافية أو سلم على الماء أو حسر عنها الماء فماتت أو أخذت حية وإن
стр. 1404
كانت تعيش في البر فلا يحتاج فيها عنده إلى ذكاة الضفدع ودرس الماء وغيره إلا أنه كره خنزير الماء، وقال: أنتم تقولون خنزير، وقال الليث بن سعد: لا يؤكل خنزير الماء ولا إنسان الماء، ومن أهل العلم من فرق بينهما وبين السمك فلم يجز أكلها على حال، ومنهم من لم يجز أكلها إلا بذكاة، ومنهم من أوجب الذكاة فيما كان منها يعيش في البر، وهو قول ابن دينار من أصحاب مالك في المدينة لا أرى أن تؤكل ترس الماء إلا بذكاة لأنه يكون في البر والبحر، وقد بلغني أنه لا يكون بيضه إلا في البر، فإذا كان يعيش في البر والبحر فلا يؤكل حتى يذكى.
وقال عيسى عن ابن القاسم: كل ما كان مستقره ومأواه الماء فهو يؤكل بغير ذكاة وإن كان يرعى في البر وما كان مأواه ومستقره في البر فلا يؤكل بغير ذكاة وإن كان يعيش في الماء، فهذه الرواية عن ابن القاسم تفسر مذهب مالك واعتبار مالك في جواز أكل كل ما يعيش في البر من دواب البحر بغير ذكاة، بأن المحرم يصيده صحيح؛ لأنه إنما جاز له صيده من أجل أنه مذكى لا يحتاج إلى تذكية. فمن قال: لا يؤكل إلا بذكاة وأجاز للمحرم صيده فقد تناقض، واتفق أهل العلم كلهم في جواز أكل سمك البحر، وهو كل ما له سفتق من الحوت إلا الطافي منه فإن منهم من لم يجز أكله، وقد روي عن النبي، ﵇، من رواية جابر أنه قال: «ما ألقى البحر أو حسر عنه فكلوه وما طفا فلا تأكلوه» . ولم يصح عن مالك هذا الحديث فأجاز أكل الطافي وغيره، وقد سأل عبد الرحمن بن أبي هريرة عبد الله بن عمر عما لفظ به البحر فنهاه عن أكله ثم انقلب فدعا بالمصحف فقرأ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ [المائدة: ٩٦] .
стр. 1405
فأرسل إلى عبد الرحمن بن أبي هريرة أنه لا بأس بأكله، وتأول من لم يجز أكله بأن طعام البحر ملحه لا ما لفظه أو مات فيه، وبالله التوفيق.
[مسألة: عما صاد المجوسي من الجراد]
مسألة قال: وسألته عما صاد المجوسي من الجراد، فقال لي: لا خير فيه إلا إن ابتاعه منه مسلم حيا، فأما ما قطعوا رأسه أو جاءوا به مقتولا فلا خير فيه ولا يؤكل فقلت له: فما قطعوا رأسه أو عملوه قبل أن يأتوا به فلا بأس به؟ فقال لي: نعم.
قال محمد بن رشد: هذا صحيح على أصل مذهبه وقول الجمهور إنه من صيد البر يحتاج إلى التذكية وفدية المحرم إذا قتله، وعلى مذهب من جعله من صيد البحر وأجاز للمحرم أخذه وأكله يجوز أكله إذا صاده المجوسي، وهو قول عروة بن الزبير وروي ذلك عن ابن عباس، ﵁، وهو مذهب كعب الأحبار على ما في الموطأ عنه من أنه أفتى أصحابه المحرمين أن يأخذوه ويأكلوه، فقال عمر بن الخطاب: ما حملك على أن تفتيهم بهذا؟ قال: إنه من صيد البحر، فقال له: وما يدريك؟ قال: يا أمير المؤمنين والذي نفسي بيده إن هي إلا نثرة حوت تنثره في كل عام مرتين.
[مسألة: الذبح بالقصبة والعظم]
مسألة قال: وسألته عن الذبح بالقصبة والعظم، فقال لي: ليس بالذبح بالقصبة والعظم بأس إذا اضطررت إليه فلم تجد حديدا، قال الله : ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [الحديد: ٢٥] .
стр. 1406
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما في المدونة وغيرها أنه لا بأس بالذبح بما عدا الحديد إذا لم يجد حديدا ولا بأس بأكل ما ذبح بغير الحديد وإن كان واجدا للحديد إذا أنهر الدم بذلك كله، والأصل في جواز ذلك ما روي أن «جارية لكعب بن مالك كانت ترعى غنما لها بسلع فأصيبت شاة منها فذكتها بحجر فسئل رسول الله ﷺ فقال: " لا بأس بها فكلوها» ، وما روي عن عدي بن حاتم قال: «قلت يا رسول الله أرسل كلبي فيأخذ الصيد فلا يكون معي ما أذكيه به إلا المدوة والعصا، فقال: أنهر الدم بما شئت واذكر اسم الله إلا العظم والسن» . فإن أهل العلم اختلفوا في جواز الذبح بهما لما روي عن رافع بن خديج أنه قال: يا رسول الله إنا لاقوا العدو غدا وليس معنا مدى، قال: «ما أنهر الذم وذكرت اسم الله عليه فكل ليس السن والظفر، فسأخبرك أما السن فعظم، وأما الظفر فمدى الحبشة» على ثلاثة أقوال: أحدها: جواز الذبح بهما منزوعين كانا أو مركبين، والثاني: أن الذبح لا يجوز بهما منزوعين كانا أو متركبين، والثالث: أن الذبح يجوز بهما إذا كانا منزوعين ولا يجوز إن كانا مركبين، وإلى هذا ذهب ابن حبيب وهو الصحيح من الأقوال من جهة المعنى واستعمال الآثار، أما المعنى فهو ما قال ابن حبيب من أن الذبح بهما إذا كانا مركبين إنما هو خنق ونهش وليس بذبح، وإذا كانا منزوعين وعظما حتى أمكن إنهار الدم بهما فهما كسواهما مما ينهر الدم وإن لم يكونا ذكيين، وأما وجه استعمال الآثار على ذلك فهو أن قول النبي، ﵇، في حديث عدي ابن حاتم أنهر الدم بما شئت لفظ عام في جواز الذبح بكل شيء يحتمل الخصوص، ونهيه في حديث رافع بن خديج
стр. 1407
على أن الذبح بالسن وكذا العظم خاص، والخاص يقضي على العام فيحمل على البيان له والتخصيص لما قابله منه، إلا أنه لما احتمل أن يريد النبي، ﵇ بنهيه في حديث رافع بن خديج عن الذبح بالسن والظفر - السن والظفر المنزوعين - وأن يريد بهما المركبين لم يصح أن يخصص من ذلك إلا ما يتحقق أنه أراده منهما وهما المركبان؛ لأنه إذا كان أراد بذلك المنزوعين فقد أراد المركبين لأنهما أولى بالنهي من المنزوعين وإن كان أراد المركبين فلم يرد المنزوعين فتحققنا بهذا أنه أراد المركبين لا محالة وشككنا في المنزوعين، فوجب أن لا يخص من اللفظ العام إلا ما يتحققه لا ما يشك فيه فخصصا منه المركبين وبقي المنزوعان على أصل الإباحة بالأمر العام وهذا أبين.
[مسألة: أكل ما مات أو سكر من الحيتان بالسيكران]
مسألة فقيل له: إن عندنا بالأندلس أنهارا وبركا ماؤها يكثر ثم يقل فتبقى فيها الحيتان لا مخلص له، فيعمد إلى شجرة يقال لها السيكران فنطرحها في ذلك النهر فتأكلها الحيتان فتموت ومنها ما يسكر فنأخذها بالأيدي، أيؤكل ما مات من ذلك وما سكر؟ قال: لا بأس بذلك، ثم قال: لعل من أكل منها يسكر؟ فقيل له: لا، فقال: لا بأس بذلك وفيها أيضا من يموت بغير شيء فلا بأس بأكله.
قال محمد بن أحمد: إجازته في هذه الرواية لأكل ما مات أو سكر من الحيتان بالسيكران يبين أن كراهيته لذلك في رسم شك في طوافه من سماع ابن القاسم إنما هو للخوف على من يأكلها لا من أجل أن ذلك يؤثر في ذكاتها إذ لا يحتاج إلى ذكاته وقد ذكرنا هذا هنالك.
[مسألة: إذا كان الشتاء قلة اللحوم فلا يكاد يوجد إلا في مجزرة يهودي أفيشترى منه]
مسألة وسئل مالك فقيل له: إن بالأندلس إذا كان الشتاء قلة اللحوم
стр. 1408
فلا يكاد يوجد إلا في مجزرة يهودي أفيشترى منه؟ قال: أما أنا فلا أحب أن أفعل ذلك ولا أن يتخذ اليهودي إماما.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال إنه لا ينبغي للمسلم أن يشتري اللحم في مجزرة يهودي وهو يجد من ذلك مندوحة، فقد كانوا يبتغون لذبائحهم أهل الفضل والإصابة فكيف باليهودي والنصراني والكتابيين.
[مسألة: اللبن الذي ماتت فيه خنفساء أترى بأكله بأسا]
مسألة وسئل مالك عن لبن ماتت فيه خنفساء، أترى بأكله بأسا؟ قال: لا بأس بأكله إنما الخنفساء في هذا بمنزلة الذباب يموت في الطعام، وهذا الخشاش مثل هذه الأشياء التي لا دم لها فلا بأس بما مات فيه أن يؤكل أو يشرب، قيل له: أرأيت إن باع ما ماتت فيه هذه الخنفساء أترى أن يبين ذلك للمشتري؟ قال: نعم، إني لأرى ذلك إذا باعه أن يبين ما مات فيه لما يكره الناس من هذه الأشياء التي تموت فيها الدواب، فأرى إذا باع ذلك أن يبين ما سقط فيه من هذه الأشياء ولا أرى بأكله بأسا، والعقرب مثل ذلك لا بأس بأكل ما مات فيه.
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما في المدونة وغيرها من أن كل ما لا لحم له ولا دما سائلا من الخشاش فلا يفسد ما وقع فيه ومات من طعام أو شراب، والأصل في ذلك ما روي أن رسول الله ﷺ قال: «إذا وقع الذباب
стр. 1409
في شراب أحدكم فليغمسه كله ثم يطرحه فإن في أحد جناحيه سما وفي الآخر شفاء وأنه يقدم السم ويؤخر الشفاء» وفي بعض الآثار فليملغه ومعلوم أنه لضعفه قد يموت إذا غمس في الشراب من ساعته ويلزم على قياس هذا أن يؤكل بغير ذكاة، وهو قول عبد الوهاب في التلقين إن حكم هذه الأشياء التي لا لحم لها ولا دم سائلا حكم دواب البحر لا تنجس في أنفسها ولا تنجس ما مات فيها خلاف ما ذهب إليه ابن حبيب من أنه لا يؤكل شيء من ذلك إذا احتيج إليه حتى يذكى بما يذكى به الجراد مثل الحية والعقرب وبنات وردان والذر والنمل والسوس والحلم والدود والبعوض والذباب وما أشبهه ذلك، وفي تذكية الجراد اختلاف، وإنما أوجب على البائع أن يبين ذلك للمشتري لما قد يكره ذلك بعض الناس تقززا لا لنجاسة، قال مالك في كتاب ابن المواز: وكذلك طافي الحوت، فإن لم يبين كان للمشتري الرد وذلك في طافي الحوت أبين إذ من أهل العلم من لا يجيز أكله على ما مضى فوق هذا في هذا الرسم.
[مسألة: الجراد إذا طرح في النار وهو حي]
مسألة وسئل مالك عن الجراد إذا طرح في النار وهو حي، قال: ما أرى بذلك بأسا تلك ذكاة، وأحب إلي أن يقطع رأسه، وأرجو ألا يكون به بأس وإن لم يقطع رأسه؛ لأن الجراد يطير وهو يكبر
стр. 1410
ويصغر فإن قطف رؤوسها كلها واحدا واحدا طال ذلك، فلا أرى بأسا أن تؤخذ فتطرح في المرعف حيا وإن لم تنزع رؤوسها.
قال محمد بن رشد: اختلف في الجراد، فقيل: إنه لا يحتاج فيه إلى ذكاة ويجوز أكل ما وجد منه ميتا، وقيل: إنه لا بد فيه من الذكاة وذكاتها أن يفعل بها ما تموت به معجلا باتفاق كقطع رؤوسها أو نقرها بالإبر أو الشوك أو طرحها في النار أو الماء الحار وما أشبه ذلك، أو أن يفعل ما تموت به وإن لم يكن معجلا على اختلاف كقطع أرجلها وأجنحتها وإلقائها في الماء البارد وما أشبه ذلك؛ لأن سحنون وغيره لا يرى فيها ذكاة، وقد قيل: إن أخذها ذكاة وتوكل إن ماتت بعد أخذها بغير شيء فعل بها، وهو قول ابن حبيب من أصحاب مالك، وحكي ذلك عن بعض أصحاب النبي، ﵇، وجه القول الأول ما روي أن رسول الله ﷺ قال: «أحلت لنا ميتتان ودمان الحوت والجراد والكبد والطحال» ، واختلف في تعليل جواز أكلها ميتة بغير ذكاة، فقيل: إن العلة في ذلك أنها من صيد البحر على ما روي عن كعب الأحبار أنها نثرة حوت ينثرها في كل عام مرتين، فأجاز للمحرم أخذها وأكلها، وقيل: إن العلة في ذلك لا لحم لها ولا دم سائل، فمن علل بالعلة الأولى أوجب الذكاة فيما لا لحم له ولا دما سائلا من الحيوان لتحريم الله الميتة، وهو مذهب ابن حبيب، ومن علل بالعلة الثانية لم يوجب الذكاة في شيء من الحيوان الذي لا لحم له ولا دم سائل؛ لأنه يدخل في حكم الجراد المذكور في الحديث كما يدخل دواب البحر في حكم الحوت المذكور فيه، وهو قول عبد الوهاب في التلقين، ووجه القول الثاني: أن الله تعالى لما حرم الميتة لقوله : ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] فعم
стр. 1411
ولم يخص حيوانا من غيره ووجب أن يخص من ذلك ما قد أجمع أهل العلم على تخصيصه من ذلك وهو ما يصيده المحرم من صيد البحر.
[مسألة: الحوت أيطرح في النار حيا]
مسألة وسألته: عن الحوت أيطرح في النار حيا؟ فقال: ما أكره كراهية شديدة وهو إن تركه قليلا مات.
قال محمد بن رشد: هذا نحو ما تقدم في هذا الرسم خلاف ما مضى في رسم سلعة سماها من سماع ابن القاسم، وقد مضى هناك توجيه القولين، فلا معنى لإعادة ذلك.
[مسألة: الذكاة في الحلق واللبة]
مسألة قال مالك: وأمر عمر بن الخطاب مناديا ينادي ألا إن النحر في اللبة والحلق.
قال محمد بن رشد: أراد ألا إن الذكاة في الحلق واللبة فعبر عن الذكاة بالنحر؛ لأنه جل عملهم في ذلك اليوم يوم النحر من أجل أنه جل عمل الناس، وإن كان قد يذبح فيه ما يذبح كما ينحر فيه ما ينحر، وإنما نادى بهذا على الناس في الموسم يوم النحر بمنى حين نحرهم لهداياهم لئلا يتعدى أحد منهم اللبة في نحره ما ينحر مما ينحر والحلق في ذبحه ما يذبح مما يذبح وعرف مراده به ولم يرد، ﵁، أن يخير في النحر بين أن يكون في الحلق أو اللبة؛ لأن النحر لا يكون في موضع الذبح كما أن الذبح لا يكون في موضع النحر، ألا ترى لو أن أحدا نحر شاة في مذبحها لم تؤكل باتفاق؛ لأن الذكاة لا تكون إلا بقطع الأوداج والحلقوم، والنحر لا يأتي على ذلك
стр. 1412
فهو ما نحر ولا ذبح، وقد حمل بعض المتأخرين من المؤلفين قول عمر على التخيير بين اللبة والتحليق في النحر، فقال: وظاهر المذهب أنه حيث ما طعن بين اللبة والمذبح أجزأ إذا كان في الودج، واحتج بقول عمر هذا، وبقول مالك في المدونة: ما بين اللبة والمذبح مذبح ومنحر فإن ذبح فجائز، وإن نحر فجائز، وإلى هذا ذهب ابن لبابة في المنتخب، وهذا لا يصح، أما قول عمر، ﵁، فقد ذكرنا وجهه، وأما قول مالك، ﵀، فلم يرد أن ما بين اللبة والمذبح هو موضع للنحر والذبح مع القدرة على ذبح ما يذبح في نحره، ونحر ما ينحر في لبته، وإنما معنى قوله: إنه أجاز النحر والذبح فيما بين اللبة والمذبح إذا لم يصل إلى المذبح، ولا إلى المنحر لسقوط البهيمة في البئر مراعاة لقول من أجاز نحرها، حيث ما أمكن من جنب أو غيره عند الضرورة، لا أنه يرى ذلك موضعا للذبح والنحر من غير ضرورة، وهذا بين من مراده في المدونة إذا تأمل، ولو كان المذبح من البعير موضعا لنحره لكان الذبح هو المختار فيه لأنه أجهز، وهذا خلاف ما أجمعوا عليه من أن الإبل تنحر ولا تذبح، وإنما اختلفوا هل تؤكل إذا ذبحت أم لا تؤكل وهذا كله بين.
[مسألة: ذبح ذبيحة فأخطأ بالغلصمة أن تكون بالرأس]
مسألة وعن عيسى بن الوليد عن أبي زيد بن عبد الرحمن ابن أبي الغمر عن ابن القاسم عن مالك في من ذبح ذبيحة فأخطأ بالغلصمة أن تكون بالرأس: أن تلك الذبيحة لا تؤكل حتى تكون الغلصمة في الرأس.
قال سحنون وأصبغ وأشهب مثله.
وقال ابن وهب: لا بأس بأكلها، وقال محمد بن عبد الحكم: لا خير في أكله.
стр. 1413
قال محمد بن رشد: الغلصمة هي آخر الحلقوم، فإذا ألقاها إلى الجسد في الذبح فلم يقطع من الحلقوم شيئا فالاختلاف في هذه المسألة على اختلافهم في قطع الحلقوم هل هو شرط في صحة الذكاة أم لا؟ فقول مالك في هذه المسألة: إنها لا تؤكل هو على قوله في كتاب الذبائح من المدونة إنها لا تؤكل الذبيحة إلا بقطع الأوداج والحلقوم جميعا، وقد روي عن مالك ما ظاهره: أن قطع الحلقوم ليس بشرط في صحة الذكاة، من ذلك قوله في كتاب الصيد: إذا أدرك الصائد الصيد وقد فرى الكلب أو البازي أوداجه، قال: هذا قد فرغ من ذكاته، وقوله في المبسوط في من ذبح ذبيحة فقطع أوداجها، ثم سقطت في ماء أنه لا بأس بأكلها، وهو ظاهر قول ابن عباس في الموطأ ما فرى الأوداج فكلوه، وقد روي ذلك عن النبي، ﵇، من رواية أبي أمامة الباهلي، وهو ظاهر ما في الصحيحين عنه من قوله، ﵇: «ما أنهر الدم فكلوه» ؛ لأنه وإن كان ورد فيما تصح به الذكاة فهو يقتضي موضع الذكاة، فعلى هذا تؤكل الذبيحة، وإن كان العقدة في الجسد، وإلى هذا ذهب أبو المصعب وأنكر قول من قال: إنها لا تؤكل، وقال: هذه دار الهجرة وفيها المهاجرون والأنصار والتابعون لهم بإحسان لم يذكروا عقدة ولا غيرها، أفكانوا لا يعرفون الذبح؟ وعلى القول الأول لا تؤكل إلا أن تصير منها في الرأس حلقة مستديرة كالخاتم، وإن قطع بعضها وبقي سائرها في الجسد لم تؤكل على القول الأول أيضا، هذا كله على ما لابن القاسم وابن كنانة في المدونة: أنه إن قطع الودجين ونصف الحلقوم أجزأه، وقال سحنون: لا تؤكل، وبالله التوفيق.
[مسألة: النمس وصيده]
مسألة قال ابن نافع: سئل مالك: عن النمس وصيده، فقال: لا أعرف هذا، فوصف له أمره وصيده، فقال: إن أكل من صيده فلا خير
стр. 1414
فيه، قال ابن القاسم: لا أدري ما يأكل؟ الكلاب والبزاة تأكل قبل أن تدرك، ولكن إن كان نفعه وألا فلا خير فيه.
قال محمد بن رشد: هذه المسألة وقعت في بعض الروايات من كتب المدنيين لابن نافع في الكتاب الذي أوله السارق الذي يدخل البيت، والذي قاله ابن القاسم صحيح، إذ ليس من شرط تعليم الجوارح على مذهب مالك إلا أن يقفه الزجر والإشلاء، وأما أن يترك الأكل فلا، وقال ابن حبيب: إنما ذلك في الكلاب، وأما في الجوارح فتعليمها أن تدعى فتجيب، وأما أن تزجر فتزدجر فليس ذلك فيها، ولا يمكن ذلك منها، وليس ذلك بخلاف لما في المدونة؛ لأنه إنما شرط ذلك فيها إن كان يمكن ذلك منها، وتكلم ابن حبيب على ما يعرف من أن ذلك لا يمكن فيها، وليس قول مالك في النمس مخالفا لأصله في أنه لا يعتبر بأكل الكلب من صيده إذا قفه الزجر والاشلاء، ووجهه أنه لما وصف له من حاله أنه لا يقفه الزجر والاشلاء جعله بترك الأكل من صيده إن كان يمكن أن يقفه ذلك أيضا، فقال: إن أكل من صيده فلا يؤكل، كما أن الطيور التي لا تقفه الزجر يكتفى من تعليمها بأن تدعى فتجيب، وقال ابن حبيب في النمس: إنه ليس يقفه شيئا، فلا يؤكل صيده إلا أن يدرك ذكاته وبالله التوفيق.
[مسألة: أكل ما بات من الصيد]
من سماع عيسى بن دينار من ابن القاسم من كتاب نقدها نقدها مسألة قال عيسى: قال ابن القاسم: وسئل عن الاصماء والانماء
стр. 1415
فقال: الاصماء ما لم يبت والانماء ما بات، يعني من الصيد.
قال محمد بن رشد: روي عن ابن عباس أنه قال: ما أصميت فكل، وما أنميت فلا تأكل، وأظنه مرفوعا إلى النبي، ﵇، وروي عنه ﷺ أنه «نهى عن أكل ما بات من الصيد» ، وأنه قال: «لا أدري لعل هوام الأرض قتلته أو أعانت على حتفه» ، واختلف أهل العلم في هذا، فمنهم من حمل النهي على عمومه، ولم يجز أكل ما بات من الصيد، إلا أن تدرك ذكاته، وهو قول ابن القاسم وروايته عن مالك في المدونة، ومنهم من قال: معنى النهي إذا لم ينفذ الكلب أو البازي مقاتل الصيد، وأما إذا أدركه من الغد قد مات وسهمه في مقاتله أو قد أنفذتها كلابه فلا بأس بأكله؛ لأنه قد أمن مما خافه رسول الله ﷺ من أن يكون قد أعان على قتله بعض هوام الليل، وهذا قول ابن الماجشون، وأشهب، وابن عبد الحكم، ومنهم من فرق بين السهم والكلب، فقال: يأكله إذا وجده من الغد ميتا وسهمه في مقاتله، ولا يأكله إذا وجد الكلب قد أنفذ مقاتله، إذ لا يؤمن أن ذلك من فعل الكلب، وهذا قول أصبغ وهو أظهر الأقوال، وهذه الثلاثة الأقوال إنما هي مع إنفاذ المقاتل، وأما إذا وجده من الغد ميتا غير منفوذ المقاتل، فلا اختلاف في أنه لا يؤكل وبالله التوفيق.
[مسألة: يرسل كلبه فيعينه عليه كلب آخر]
من كتاب العرية مسألة وسألته: عن الرجل يرسل كلبه، فيعينه عليه كلب آخر معلم أو غير معلم، فقال: لا يؤكل ذلك الصيد كان معلما أو غير معلم إلا أن يكون الكلب الذي أعانه معلما وقد أرسله صاحبه على الصيد بعينه إذا نوياه جميعا فقتله كلباهما فهو حلال لا بأس بأكله.
стр. 1416
قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة مبينة لما في المدونة؛ لأنه قال فيها: من أرسل كلبه على صيد فأعانه عليه كلب غير معلم لم يؤكل، وهو لا يؤكل أيضا، وإن كان الكلب الذي أعانه عليه معلما إلا أن يكون صاحبه قد أرسله أيضا عليه بعينه كما قال في هذه الرواية إلا أن يعلم أن كلبه الذي أرسله هو الذي أنفذ مقاتل الصيد، فإنه يأكله وبالله التوفيق.
[مسألة: يضرب فخذي الصيد بالسيف فيطيرهما هل يحل أكلهما]
ومن كتاب أوله بع ولا نقصان عليك مسألة وسئل ابن القاسم: عن الذي يضرب فخذي الصيد بالسيف، فيطيرهما هل يحل أكلهما، فقال: كل ضربة ضرب بها من الورك إلى الرأس فجعله جزأين فجميعه حلال، فأما إذا ضربه، فأبان فخذيه ولم يجز له باثنين ولم تبلغ ضربته إلى الجوف، فلا يحل ما أبان منه، وغيره ذكي طيب.
قال محمد بن رشد: لا اختلاف أنه لا يؤكل ما أبان منه إذا أبان فخذيه ولم يجز له باثنين، ولا اختلاف في أنه يؤكل الجميع إذا أبانه بنصفين، وبلغت ضربته إلى الجوف، وليس في الرواية بيان إذا أبان وركيه مع فخذيه فجعله جزأين ولم يقسمه بنصفين، ولا بلغت ضربته إلى الجوف، وقد اختلف في ذلك، ففي كتاب ابن المواز عن ربيعة ومالك أنه لا يؤكل ما أبان منه، وقال ابن حبيب: إنه لا يؤكل إلا أن يكون العجر كله في الجزء الأسفل؛ لأنك قد قطعت من جوفه فكأنك قد قطعت وسطه، والصواب: أنه إذا أبان فخذيه مع وركيه فجعله جزأين، وإن كان العجز كله أو بعضه في الجزء الأسفل أن يؤكل الجميع؛ لأنه لا يمكن أن يتعيش، فهذا هو الأصل لا مراعاة النصف
стр. 1417
ولا الجوف، ألا ترى لو قطع نصف رأسه لأكل الجميع، إذ لا يمكن أن يعيش وقد قطع نصف رأسه؛ لأن ذلك مقتل، ولو أبان خطمه لم يؤكل الخطم إذ ليس بمقتل، وإن كان لا يمكن أن يعيش إذ إنما يموت جوعا، إذ لا يمكن أن يرعى ولو صب في حلقه ما يتغذى به لا يمكن أن يعيش.
[مسألة: أصاب الصيد بسلاحه فأطار رجله فمات]
مسألة قال ابن القاسم: إذا أصبت الصيد بسلاحك فأطرت رجله أو خسقت في لحمه، ثم فاتك بنفسه فمات فأكله حلال، وإن لم تدرك ذكاته.
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما في المدونة وغيرها، وهو مما لا اختلاف فيه لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ [المائدة: ٩٤] الآية.
[مسألة: الرجل يأتي إلى الغار فيدخل كلبه فيه هل يحل أكل ما قتل]
ومن كتاب أوله لم يدرك من صلاة الإمام إلا الجلوس مسألة وسألته: عن الرجل يأتي إلى الغار، فيدخل كلبه فيه وهو لا يدري أفيه شيء أم لا؟ وهو ينوي ما فيه هل يحل أكل ما قتل؟ قال: سألنا مالكا عن ذلك، فقال: ما قتل فهو حلال، قال سحنون في الذي يرسل كلبه في الجحر وهو لا يدري أفيه شيء أم لا، وينوي إن كان فيه شيء أرسله عليه فأصاب فيه صيدا فقتله، فقال: لا يحل أكله، وكذا لو أن رجلا أرسل كلبه في غايضة ولا يرى شيئا ونيته إن كان فيها شيء صاده، فأصاب صيدا أنه لا يؤكل.
стр. 1418
قال محمد بن رشد: قول ابن القاسم على أصله في المدونة خلاف قول سحنون، وقد مضى القول على هذا في رسم سلعة سماها من سماع ابن القاسم.
[مسألة: يسرح كلبه على صيد بعينه فتتبعه صيود فيجد كلبه قد قتل صيدا]
مسألة قلت لابن القاسم: فالرجل يسرح كلبه على صيد بعينه فتتبعه صيود، فتند كلها فيتوارى عنه فيجد كلبه قد قتل صيدا قال: لا يحل أكله حتى يعرفه.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال صحيح على ما في المدونة وغيرها: أنه لا يأكل ما قتله كلبه إلا أن ينويه أو يدرك ذكاته سواء رآه أو لم يره على مذهب ابن القاسم خلاف قول سحنون في المسألة التي قبل هذه وبالله التوفيق.
[مسألة: يسد في خليج بحر للصيد]
ومن كتاب أوله إن خرجت من هذه الدار مسألة قال ابن القاسم: ليس لأحد أن يسد في خليج بحر، ولا واد، أن يسد سد الصيد أن يمنع الناس من الصيد فيه، وهو والناس والصيد فيه سواء.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال؛ لأن النهر لجميع المسلمين، فليس أحد أحق فيه بالصيد من أحد، وإن كان يليه بأرضه من جانبيه، ولا له أن يسد فيه سدا للصيد، ولا أن يعمل فيه منصبا للصيد ينفرد فيه دون غيره، فإن فعل كان أحق بالصيد فيه حتى يأخذ قدر حاجته، ثم يشترك جميع الناس معه
стр. 1419
فيه، قال ذلك مطرف، وابن الماجشون في الواضحة، وذلك عندي بعد أن يستغل منه قدر نفقته فيه وبالله التوفيق. .
[مسألة: خلص الصيد من الكلب فبدر إلى شفرة فمات الصيد ولم يخرجها]
ومن كتاب التمرة مسألة قال ابن القاسم، وابن وهب: إذا خلص الرجل الصيد من الكلب فبدر إلى شفرة فبينما يخرجها وهي في حزامه مات الصيد، فلا بأس بأكله قال ابن القاسم: وهذا إذا كانت الشفرة معه، وأما إن كانت في خرج فمات فلا تؤكل.
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما في المدونة سواء، والمعنى في ذلك بين؛ لأن الشفرة إذا كانت معه في حزامه ولم يفرط وصار ذلك بمنزلة ما لو لم يدركها حتى قتلها الكلب، وأما إن لم تكن الشفرة معه، وكانت في خرجه أو مع رجل ينتظره حتى يلحق أو ما أشبه ذلك مما يكون فيه بعد فلا يؤكل؛ لأنه عسى لو كانت الشفرة معه لأدرك ذكاته، وبالله التوفيق.
[مسألة: الرجل ينصب الحبالة للصيد فيصطاد بها القوم هل لصاحب الحبالة شيء]
ومن كتاب أوله جاع فباع امرأته مسألة وسألت ابن القاسم: عن الرجل ينصب الحبالة للصيد، أو الفخ أو يعمل الحفرة ليقع فيها الصيد، فيخرج قوم فيطردون الصيد إلى ذلك المنصب فيه هل ترى لصاحب الحفرة أو الفخ أو الحبالة شيئا من الصيد؟ قال: نعم أرى أن يكون شريكا معهم في ذلك الصيد
стр. 1420
بقدر ما يرى له، قال أصبغ: أراه للذي طرد الصيد إلى الحبالة أو الحفرة واضطره إليها، وإلى الوقوع فيها، وعليه قيمة ما انتفع بالحبالة أو الحفرة، وإنما مثل الحبالة مثل ما لو تعدى على قوس رجل فرمى به صيدا فصاده أو خرج بأكلبه أو بزاته متعديا فصاد بها فالصيد له، وعليه قيمة ما انتفع به من قوسه ونبله وكلابه وبزاته، قال عيسى: قلت لابن القاسم: فلو لم يكونوا طردوا الصيد إلى ذلك المنصب، ولا أرادوه إلا أنهم طردوا صيدا، فاتبعوه حتى وقع فيه فقال: إن كان الصيد قد انقطع من الذين طردوه وهم منهم حيث شاء فسقط في ذلك المنصب فهو لصاحب المنصب دون الذين طردوه، وإن كانوا قد أعيوه، وأشرفوا منه على الرجاء والأخذ وكان كالشيء الذي قد حازوه لقدرتهم عليه حتى أسقطوه، فوقع في ذلك المنصب فهو للذين طردوه دون صاحب المنصب وليس لصاحب المنصب فيه قليل ولا كثير إذا كان على ما وصفت لك، وقال أصبغ مثله، قلت له: من حفر حفرة للصيد أو نصب حباله أو فخاخه، فوقع فيه الصيد فهو له، وإن وجد غيره قد وقع فيه الصيد لم يكن له أن يأخذه؟ قال: نعم ذلك له دون جميع الناس، وليس للذي وجده فيه قليل ولا كثير.
قال محمد بن رشد: قول ابن القاسم في هذه المسألة على معنى ما في المدونة في مسألة الصيد يطرده القوم حتى يدخل دار رجل وهم على بعد منه أو قرب، فيأخذه فيه، وعلى ما حكى ابن حبيب في الواضحة، ولا إشكال على مذهبه إذا طردوه إلى المنصب وقصدوا إيقاعه فيه فوقع فيه
стр. 1421
وهو متبوعون له على قرب منه أو بعد ما لم ينقطع عنهم أنهم فيه شركاء بقدر ما يرى له ولهم، وكذلك لا إشكال على مذهبه إذا كانوا على بعد منه ويئس من أخذه فمشى باختياره، وقد انقطع عنهم حتى وقع فيه أنه لصاحبه ولا حق لهم فيه، وكذلك لا إشكال على مذهبه لو طردوا صيدا ليأخذوه وهم لا يريدون إيقاعه في المنصب، فلما أعيوه وأشرفوا على أخذه، وكان كالشيء الذي قد ملكوه وحازوه لقدرتهم عليه وقع في المنصب دون أن يقصدوا إيقاعه فيه أنه لهم، ولا شيء لصاحب المنصب فيه، وانظر لو كانوا إنما طردوه وأعيوه وأكلوه وهم لا يريدون إيقاعه في المنصب فلما أشرفوا على أخذه قصدوا إيقاعه في المنصب ليخف عنهم في أخذه بعض النصب، فلم يقع في ذلك من قوله في هذه الرواية ولا في الواضحة بيان، والذي ينبغي في ذلك على مذهبهم أن يكون لهم، ويكون عليهم لصاحب المنصب قيمة انتفاعهم بمنصبه، وكذلك ينبغي أن يكون الجواب لو طردوا صيدا إلى دار رجل فأخذوه فيه، وقد حكى عبد الحق في ذلك عن شيوخه قولين؛ أحدهما: أنه لا- حق لصاحب الدار في ذلك إذ لم يتخذ الدار للصيد، والثاني: أن يكون معهم شريكا فيه كالمنصب سواء وكلا القولين عندي بعيد، والذي قلته أشبه وأولى، ووجه ما ذهب إليه ابن القاسم في هذه المسألة أنه لما كان المنصب هو الذي أمسك الصيد على الطارد حتى أخذه صار معاونا له على الصيد ومشاركا له فيه، فوجب أن يكون بينه وبين صاحب المنصب كما لو تعدى رجل على عبد رجل فخرج به وصاد معه صيدا أنه يكون بينهما، ووجه قول أصبغ أنه جعل المنصب والحبالة كقوس الرجل أو كفرسه يتعدى عليه الرجل فيصطاد به عند الجميع أو كبازه وكلبه على مذهبه، ولو قيل: إن الصيد يكون لصاحب المنصب، ويكون عليه للذين طردوا الصيد إليه أجرة مثلهم إلا أن يشاء
стр. 1422
أن يسلم الصيد إليهم قياسا على قول ابن القاسم في الذي يتعدى على كلب رجل أو بازه فيصيد به صيدا لكان قولا وبالله التوفيق.
[مسألة: طير يصاد بالخمر يوضع لها الحياض فتأتي فتشرب فتسكر]
ومن كتاب العتق مسألة وقال ابن القاسم في طير يصاد بالخمر يوضع لها الحياض، فتأتي فتشرب فتسكر، قال: لا بأس بأكلها وقد بلغني عن ابن القاسم بن محمد أنه قال في جدي رضع لبن الخنزيرة: لا بأس بأكله، ولا أرى أيضا بأكله بأسا، ولا بأكل الطير الذي يأكل الجيفة قبل حدثان ذلك أو بعد حدثانه، قال: نعم ذلك سواء لا بأس به، قال: وحدثني عن مالك عن ابن عمر أن ناقة له سقيت خمرا أو شحم خنزير فكره ركوبها.
قال محمد بن رشد: كراهية ابن عمر لركوب الناقة التي سقيت الخمر أو لحم الخنزير نهاية في التوقي ومبالغة في الورع، والأمر في ذلك خفيف، ووجه ما خافه من ذلك والله أعلم أن يصيبه شيء من عرقها أو بولها؛ لأن ذلك ينجس بنجاسة ما سقيت إياه من ذلك، وكذلك يستحب أن لا يذبح شيئا مما أكل النجس حتى يذهب ما في جوفه منها، وقد مضى القول على بقية المسألة في رسم حمل صبيا من سماع عيسى من كتاب الضحايا.
[مسألة: امرأة ترضع جديا بلبنها هل يؤكل]
مسألة قيل لسحنون: فالمرأة ترضع جديا بلبنها هل يؤكل؟ قال: نعم، قيل لسحنون: فأكل الخطاطيف هل يكره؟ قال: أما أنا فلا، وقد
стр. 1423
أخبرني علي بن زياد عن مالك أنه كان يكره أكلها، وكان ابن القاسم لا يكره أكلها.
قال محمد بن رشد: قد مضت هاتان المسألتان والقول فيهما في نوازل سحنون من كتاب الضحايا، فلا معنى لإعادته وهي ساقطة أيضا في بعض الروايات.
[مسألة: الكلب يصيد ما أرسل عليه فيتوارى به فيوجد على صيده قد قتله]
من سماع يحيى بن يحيى من ابن القاسم من كتاب الصلاة مسألة قال يحيى: قال ابن القاسم في الكلب يصيد ما أرسل عليه فيتوارى به فيوجد على صيده قد قتله: أنه لم ير منه قريبا صيدا فشككه في أن يكون غير الذي أرسله عليه فأكله حلال، وإن خفت أن يكون وقع غير الذي أرسلته عليه، فلا تأكله، قال: وكذلك الذي تقتله برميك إذا توارى عنك إن عرفت سهمك ورمحك بعينه فكله، وإن لم تجده فيه فخفت أن يكون غير صيدك الذي رميت، فلا تأكله بالشك.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة بينة المعنى؛ لأن هذا صيد وجده مقتولا، فلا يجوز له أن يأكله حتى يعلم أنه هو الذي رماه أو أرسل كلبه عليه.
стр. 1424
[مسألة: النصراني يخرج في طلب صيد مع المسلمين فيسبق إليه فيذكيه]
ومن كتاب أوله أول عبد ابتاعه فهو حر مسألة قال: وسألته عن النصراني يخرج في طلب صيد مع المسلمين فيسبق إليه فيذكيه أتراه بمنزلة ما يتعمده به المسلم من ذبيحته، أم تراه من طعام النصراني الذي يحل لنا أكله؟ فقال: أما إذا كان بادر إلى ذبحه خوفا من فواته وعلى حال الضرورة، فهو حلال لمن أكله، وإن كان الذي معه من المسلمين قد تمكنوا بذبحه فقدموه بذلك وبدءوه بالذبح فلا أحب أكله.
قال محمد بن رشد: ها هنا في ذبحه النصراني بتقديم المسلم إياه لذلك لا أحب أن يؤكل، وقد مضى من قول ابن أبي حازم في سماع أشهب لا بأس بأكله وبئس ما صنعت، وقد روى ابن أبي أويس عن مالك أنه قال: إنما يحل لنا أن نأكل ما ذبحوا لأنفسهم، وأما ما نوليهم ذبحه فلا، فظاهر هذا تحريم أكله إلا أن يتأول أنه أراد إنما يحل لنا أن نأكل دون كراهية ما ذبحوا لأنفسهم، وأما ما نوليهم ذبحه فلا يحل لنا أن نأكله إلا بكراهية، وقد مضى وجه الكراهية في ذلك في سماع أشهب من كتاب الضحايا ومضت المسألة أيضا في رسم حلف بطلاق امرأته من سماع ابن القاسم من هذا الكتاب.
[مسألة: يرمي الصيد قريبا من الحرم فيصيبه بسهمه إصابة لم تبلغ مقاتله]
من سماع سحنون وسؤاله ابن القاسم وأشهب
مسألة قال سحنون: سئل أشهب: عن الذي يرمي الصيد قريبا
стр. 1425
من الحرم فيصيبه بسهمه إصابة لم تبلغ مقاتله، ثم يتحامل فيدخل الحرم ثم يموت في الحرم أيؤكل؟ قال:. نعم.
قال محمد بن رشد: فهذا كما قال إنه يؤكل ولا جزاء عليه فيه؛ لأنه فعل ما يجوز له من إصابته في الحل وبالله التوفيق.
[مسألة: تعدى على باز رجل فاصطاد به صيدا]
من نوازل سئل عنها سحنون بن سعيد
مسألة وسئل: عن الذي يتعدى على فرس رجل فيركبه فيعقر عليه صيدا لمن يكون هذا الصيد؟ فقال: الصيد لمن صاده ولرب الفرس أجر مثله، قيل له: فإن تعدى على باز رجل فاصطاد به صيدا، فقال: هو للذي صاده ولرب الباز أجر بازه.
قال محمد بن رشد: هذا مذهب أصبغ خلاف مذهب ابن القاسم في تفرقته بين الفرس والبازي، وستأتي هذه المسألة في سماع أصبغ بكمالها، والقول عليها إن شاء الله.
[مسألة: الذبيحة يقطع منها شيء قبل أن تزهق نفسها]
مسألة وسئل سحنون: عن الصيد يعقره الناس في المغازي، فيقطعونه قبل أن يموت، وقد أنفذت الرماح مقاتله، قال: لا ينبغي لأحد أن يفعله ولا أحرمه.
قال محمد بن رشد: أما قطعه قبل أن يموت على سبيل الاقتسام له من غير انتهاب، فذلك مكروه كما يكره أن تنخع الذبيحة أو يقطع منها شيء قبل أن تزهق نفسها من غير أن يحرم ما قطع منها بعد كمال ذكاتها، وأما اقتطاعها على سبيل الانتهاب، فذلك حرام؛ لأن من صاده فيه شركاء بالسوية
стр. 1426
فلا يحل لأحد منهم أن يأخذ أكثر من حقه منه إلا برضا شركائه، وقد جاء أن النهبة حرام، وذلك فيما لم يأذن فيه صاحبه والله أعلم وسيأتي هذا المعنى في رسم سن من كتاب العقيقة وبالله التوفيق.
[مسألة: شاة غرقت فغطس عليها صاحبها بسكين فذكاها في داخل الماء]
مسألة وسئل سحنون: عن شاة أو بقرة وقعت في ماء فغرقت فغطس عليها صاحبها بسكين فذكاها في داخل الماء وهو يعرف أنها حية مجتمعة الحياة وهو يذبح، قال: لا بأس بأكلها.
قال محمد بن رشد: قد مضت هذه المسألة، والقول فيها في أول سماع ابن القاسم من هذا الكتاب فلا معنى لإعادته.
[مسألة: فرخ نحل يضرب في شجرة ثم يخرج فرخ لرجل آخر فيضرب عليه]
مسألة وسئل سحنون: عن النحل يفرخ فيخرج الفرخ يضرب في شجرة، ثم يخرج فرخ لرجل آخر فيضرب عليه، قال: هو للأول، ولو ضرب فرخ في بيت نحل لرجل آخر، قال: فهو كذلك أيضا هو لصاحب العامر.
قال محمد بن رشد: قال أبو إسحاق التونسي في هذه المسألة: لعله أراد أن الفرخين دخلا في جبح الأول، وأما لو دخلا في جبح الثاني لكان له ولو بقيا في الشجرة، فعاشا فيها وأفرخا لوجب أن يكونا وما أحدثا من عسل بينهما؛ لأن أحدهما لا مزية له على الآخر، وكلام أبي إسحاق التونسي تفسير، وله تفسير وذلك إنما يصح أن يكون الفرخان جميعا لمن دخلا في جبحه إذا لم يعلم ذلك بحدثانه حتى فات إخراج الفرخ من الجبح وقسمه
стр. 1427
بينهما؛ لأن حكم النحل في هذا حكم الأبرجة إذا دخلت حمام برج في برج آخر، فإن استُطيع ردها إلى برجها وإلا فهي لمن ثبتت في برجه، فكذلك فرخ النحل إذا لم يستطع أن يرد فرخ كل واحد منهما إلى صاحبه، فهو لمن ثبت في جبحه.
[مسألة: يسقط بعير أو شاة في بئر فلا يستطاع نحر البعير ولا ذبح الشاة]
مسألة قال سحنون: قال عبد العزيز بن أبي سلمة: يؤكل ما أصله الذبح بالنحر، ويؤكل ما أصله النحر بالذبح، وإن لم تكن ضرورة.
قال محمد بن رشد: هذا خلاف قول مالك في أنه لا يؤكل ما أصله النحر بالذبح، ولا ما أصله الذبح بالنحر إلا من ضرورة، والضرورة مثل أن يسقط بعير أو شاة في بئر، فلا يستطاع نحر البعير ولا ذبح الشاة، وقد قيل: إن عدم ما ينحر به ضرورة تجيز ذبحه، وإن عدم ما يذبح به ضرورة تجيز نحره، وقد قيل: إن الحبل في ذلك ضرورة، وذهب ابن بكير: أنه إن ذبح ما ينحر أكل، وإن نحر ما يذبح لم يؤكل، وأما البقر التي جاء فيها الذبح والنحر فالاختيار فيها عند مالك أن تذبح لقوله : ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧] ، فإن نحرت من غير ضرورة أكلت، ولا اختلاف في هذا أحفظه.
[مسألة: وجد أحدهم عشا فقال هو لي أنا رأيته قبلكم فبادره إليه رجل فأخذه]
مسألة قلت: أرأيت لو أن قوما كانوا سائرين في طريق، فوجد أحدهم عشا، فقال: هذا العش لي أنا رأيته قبلكم، فلا تأخذوه، فبادره إليه رجل فأخذه، فقال: هو لمن أخذه وليس قوله: هو لي قبض منه له ولا حيازة، قلت: فلو وجدوه كلهم فبادرهم إليه أحدهم فأخذه؟ قال:
стр. 1428
هو لمن أخذه، قلت: فلو وجدوه كلهم فأراده كل واحد منهم لنفسه وتدافعوا عليه ولم يترك بعضهم بعضا يصل إليه؟ قال: إذا أقضي به بينهم خوفا أن يقتتلوا عليه.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة لا اختلاف فيها، وهي أصل لما يختلف فيه من النفر المتيممين يجدون من الماء في الصحراء قدر ما يتوضأ به واحد منهم يسلمونه لأحدهم ليتوضأ به هل ينتقض تيمم جميعهم أو ينتقض تيمم الذي أسلم إليه وحده؟ وقد مضت هذه المسألة، والقول فيها مستوفا في سماع سحنون ونوازله من كتاب الوضوء، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
[مسألة: يجتمعون فيخرجون للصيد ويشتركون في كل ما يصيبون]
من سماع محمد بن خالد من ابن القاسم مسألة قال محمد بن خالد: سألت ابن القاسم عن القوم يجتمعون فيخرجون للصيد، ويشتركون في كل ما يصيبون من ذلك الصيد على أن يكون بينهم شرعا سواء، فقال ابن القاسم: إذا كانوا لا يفترقون فيه وكانوا يتعاونون عليه فلا أرى بذلك بأسا.
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما في كتاب الشركة من المدونة من أن شركة الأعمال بالأبدان لا تجوز إلا أن يكونا في موضع آخر ويتعاونان، والمعنى في ذلك بين؛ لأنهما إذا لم يتعاونا كان غررا؛ لأن كل واحد منهما يصير قد باع من صاحبه نصف ما صاد بنصف ما صاد هو، قال في المدونة: ولو اشتركا على أن ما صادا ببازيهما أو بكلبيهما فذلك بينهما بنصفين لم يجز إلا أن يتعاون الكلبان والبازيان أو يكونا بينهما، وقد قيل: إن الشركة جائزة،
стр. 1429
وإن لم يتعاون البازيان والكلبان إذا تعاونا هما؛ لأن عملهما أكثر من عمل الكلبين والبازيين.
[مسألة: تعدى على كلب رجل فاصطاد به]
من سماع أصبغ بن الفرج من ابن القاسم
من كتاب الزكاة والصيام مسألة قال أصبغ: سمعت ابن القاسم يقول في من تعدى على كلب رجل فاصطاد به: إن الصيد لصاحب الكلب إلا أنه بالخيار إن شاء دفع إلى المعتدي أجر مثله في عنائه وصيده وأخذ الصيد، وإن شاء أسلم الصيد، وإنما كان الصيد لصاحب الكلب؛ لأن كلبه هو الذي أخذه وصاده بمنزلة عبد الرجل يتعدى عليه الرجل فيبعثه يصيد له الحيتان، فما صاد فهو لسيده؛ لأن عبده الذي صاد، وضمان العبد والكلب إن عطبا من الرجل الذي صاد بالكلب وتعدى على العبد، والبازي مثل ذلك، ولكن لو تعدى على فرس رجل فصاد عليه لكان الصيد للرجل المتعدي؛ لأنه هو الصائد، وليس الفرس الصائد، وكان عليه في اصطياده أجرة مثله، قال أصبغ: بئس ما قال في الكلب، وليس الكلب كالعبد، العبد عامل بيديه مستغن بذاته، والكلب لا يصيد إلا بالإشلاء والزجر والتعليم والتوجيه، ولا يفعل ذلك إلا بصاحبه، والرجل ها هنا الصائد، فالصيد له، وعليه أجرة الكلب لصاحبه كالدابة يعمل عليها أو الجمل وما أشبه ذلك، قال سحنون: الكلب والفرس سواء، والصيد للصائد ويعطى صاحب الكلب والفرس أجرة كلبه وفرسه.
قال محمد بن رشد: لا يختلفون في الذي يتعدى على فرس الرجل
стр. 1430
أو قوسه أو نبله فذلك أن الصيد للمتعدي وعليه أجر المثيل في الفرس والقوس والنبل، ولا يختلفون أيضا في الذي يتعدى على العبد، فيبعثه يصيد له أن الصيد لصاحب العبد، واختلفوا في الذي يتعدى على كلب رجل أو بازه فيصيد به فحمله أصبغ وسحنون محمل الذي يتعدى على فرس رجل أو قوسه للعلة التي ذكر أصبغ من أن الكلب والباز لا يصيدان بذاتهما دون مرسل ومحرض فجعلا جل العمل للصائد المتعدي، وحمله ابن القاسم محمل الذي يتعدى على العبد فيرسله يصيد له، وقوله أظهر من قولهما؛ لأن جل العمل إنما هو للكلب والباز؛ لأنهما هما اتبعا الصيد وهما أخذاه، وإنما للمتعدي في ذلك الإرسال والإشلاء خاصة، فوجب أن يكون صاحب الكلب والباز أحق بالصيد؛ لأن له في صيده شيئين الإتباع والأخذ، وليس للمتعدي فيه إلا التحريض على ذلك على ما تأول من مذهب ابن القاسم في المزارعة الفاسدة أن الزرع يكون فيها لمن أخرج شيئين أرضا وبذرا، أو أرضا وعملا، أو بذرا وعملا، لمن أخرج شيئا واحدا أرضا أو عملا أو بذرا، وقد مضى في رسم جاع فباع امرأته من سماع عيسى اختلافهم في من طرد صيدا إلى فخ رجل فأوقعه فيه وأخذه، وتوجيه قول ابن القاسم: أنهما فيه شريكان خلاف قول أصبغ وسحنون: أنه للطارد وعليه قيمة ما انتفع فيه من فخ الرجل، ومن الدليل على صحة قوله في ذلك أيضا أنهما لو اشتركا في الصيد على أن يعمل أحدهما المنصب ويطرد الآخر الصيد إليه لكانت شركة صحيحة.
[مسألة: شرب الدم والخمر للمضطر]
مسألة قال أصبغ: قال ابن القاسم: يشرب المضطر الدم ولا يشرب الخمر، قال ابن القاسم في الميتة وضوال الإبل يأكل الميتة
стр. 1431
ولا يقرب ضوال الإبل، وقال لي ابن وهب مثل ذلك كله، وقال: الحجة في ضوال الإبل أن رسول الله ﷺ نهى عنها، وقد أرخص الله في الميتة والدم ولحم الخنزير للمضطر، ولم يرخص في الخمر، فذلك كله أحل من الخمر.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد تكلمنا عليها كلاما شافيا في رسم تأخير صلاة العشاء في الحرس من سماع ابن القاسم من كتاب الصلاة، فمن أحب الوقوف عليه تأمله هناك.
[مسألة: الدابة التي لا يؤكل لحمها يطول بها المرض أو تعيى على صاحبها]
مسألة وسئل ابن القاسم: عن الدابة التي لا يؤكل لحمها يطول بها المرض أو تعيى على صاحبها في أرض لا علف فيها، وما أشبهه أفيذبحها أفضل؟ قال: بل يدعها ولا يذبحها، قال ابن القاسم: ولو كانت لرجل دابة مريضة زمنة قد يئس من المنتفع بها على كل وجه ولا يريد علفها لم أر بأسا بذبحها وذبح هذه أحب إلي من تركها.
قال محمد بن أحمد: قال في الدابة التي يطول بها المرض أو تعيا على صاحبها في أرض لا علف فيها: أنه يدعها ولا يذبحها رجاء أن يجدها من يقوم عليها حتى تصح ويعلفها حتى تستريح، وقد اختلف إن وجدها صاحبها قد صحت عند الذي قام عليها هل يكون أحق بها أم لا؟ فروى ابن القاسم عن مالك في سماعه من كتاب اللقطة: أنه يكون أحق بها بعد أن يدفع إلى الذي قام عليها ما أنفق عليها، وقد قيل: إنها لمن قام عليها حتى حييت كمن أحيا أرضا مواتا، ولا سبيل لصاحبها إليها إلا أن يكون أسلمها في ماء ومرعى، وقال الليث بن سعد وغيره: صاحبها أحق بها بعد يمينه أنه كان على الرجوع فيها، واستحب في الزمنة التي قد يئس من المنتفع بها على كل حال
стр. 1432
أن يذبحها؛ لأن في ذلك إراحتها، وقد قيل: إنها تعقر ولا تذبح لئلا يشكك ذلك الناس في جواز أكلها، وهو الذي يأتي على قوله في سماع أشهب في الدابة التي تحيا بعد خروجها من البحر، وعلى ما في سماع ابن القاسم من كتاب الجهاد في الدابة التي تقف على صاحبها في أرض العدو، وقد قيل: إنها لا تعقر ولا تذبح ولا يصنع بها شيء من ذلك لنهي النبي، ﵇، عن المثلة، وقول أبي بكر الصديق: ولا يعقرون شاة أو بعيرا إلا لمأكلة، وهو قول ابن وهب وما ها هنا من إجازة ذبحها فهو على ما في كتاب الجهاد من المدونة.
[مسألة: رجل طبخ بإناء فلما غلى الدهن وجد فيه فأرة ميتة]
مسألة قال ابن القاسم: بلغني عن مالك أنه قال في رجل طبخ بإناء في المدينة، فلما غلى الدهن وجد فيه فأرة ميتة لم تنفسخ أو قد انفسخت وهي من ماء البئر حين صبه فيه، وقد عجنه به وطبخه بعد، فأمر مالك أن يتم طبخه ويأخذ الدهن الأعلى الذي عجن به فيطبخه بماء طيب.
قال محمد بن رشد: وقعت هذه المسألة ها هنا في بعض الروايات، وهي في هذا السماع من كتاب الوضوء ثابتة في كل رواية، وزاد في القليل أنه يهراق، وقد مضى القول عليها هناك مستوفى فلا معنى لإعادته.
[مسألة: دخل الصيد في ولجة لا يستطيع الخلاص منها فغشيه الكلب]
مسألة قلت لأصبغ: فلو خرجت طالبا فأثرت صيدا فأرسلت كلابي عليه فبينما هي طالبة إذ وقع في حفرة لا يستطيع الخروج منها ولا الخلاص، أو دخل في ولجة لا يستطيع الخلاص منها، فغشيه
стр. 1433
الكلب فيها فدخل عليه فقتله أيطيب لي أكله؟ فقال: أما ما كان مثل ما وصفت، وكل موضع لا يستطيع الخلاص منه ولا النجاة أدركه الكلب فيه فقتله، فإنه لا يؤكل؛ لأنه قد صار أسيرا لك، وهو مثل ما أنك لو أخذته وأثبته وأمكنك ذبحه، ثم أرسلت عليه كلبك فقتله فإنك لا تأكله وهي ميتة؛ لأنه قد صار في ذلك كالأنسية لا تؤكل إلا ذبحا أو نحرا، قلت له: فلو أدركه الكلب في غايضة فقتله فيها، أو دخل غارا فدخل عليه فيه فقتله أيطيب لي أكله؟ قال: نعم، هو طيب وهو خلاف الأول؛ لأن هذا يجوز له فعله ابتداء؛ لأنه إذا جاء إلى الغار ولا يستطيع الدخول فيه، وإلى الغايضة جاز له أن يرسل فيها كلابه تطلب الصيد فيها ويشليها ويحضها فما قتلت فيهما من شيء جاز له أكله وهكذا يبتغى الصيد.
قال محمد بن رشد: أجاز في هذه الرواية أن يرسل كلبه في الغار والغايضة يطلب الصيد فيهما، ويأكل ما قتل، ومثل هذا في كتاب محمد بن المواز، وقد روي عن ابن القاسم أنه أجاز ذلك في الغار، ولم يجزه في الغايضة مخافة أن يكون دخل في الغايضة بعد أن أرسل كلبه فيها ما كان خارجا عنها مما لم ينوه؛ لأنه إنما نوى ما كان في الغايضة ولا يخشى مثل هذا في الغار، وقد مضى لسحنون في رسم لم يدرك من سماع عيسى أن ذلك لا يجوز في الغار ولا في الغايضة؛ لأن مذهبه أنه لا يصح له أن ينوي من الصيد إلا ما رأى، وهو أحد قولي أشهب فهي ثلاثة أقوال.
[مسألة: يرسل بازه على فراخ الطير في شاهقة الجبل فيصيدها]
مسألة قلت لأصبغ: فالوكر يكون في شاهقة جبل أو على شجرة
стр. 1434
يكون فيها فراخ الطير فيرسل بازه عليها، فيصيدها أيأكلها أم لا؟ فقال: أما إن كانت بموضع عال مثل ما وصفت مما لم يوصل إلى الرقي عليها، ولا يوجد سبيل إلى صرعها ولا إنزالها على حال أو لعله يطاق ذلك إلا أنه يخاف في ذلك العطب والعنت، فإني لا أرى بأسا أن يرسل عليها بازه ويأكلها وإن قتلها، وهو مثل الغائضة والغار الذي لا ينال ما فيها إلا بمثل هذا، قال: وأما إن كانت بموضع قريب ينال بالطلوع إليها أو بأن يصرع بالرمح أو نحو ذلك، أو الاحتيال إليها فيقع إلى الأرض فيؤخذ فمثل هذا إن أرسل بازه عليها، فقتلها لم يأكلها وهذه لا تؤكل إلا بذكاة وهذه مأسورة مملوكة.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة لا اختلاف فيها ولا إشكال ولا موضع للكلام، وبالله التوفيق.
[مسألة: بقرة أزلقت ولدها]
من سماع أبي زيد بن أبي الغمر من ابن القاسم مسألة قال أبو زيد: قال ابن القاسم في بقرة أزلقت ولدها إنه ينظر، فإن كان مثل ذلك يحيى ويعيش لم يكن بأكله بأس، وإن كان مثله لا يعيش لم يؤكل وإن ذكي، وإن شك في أمره فقالوا: مثله يعيش ومثله لا يعيش، لم يؤكل وإن ذكي.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة لا أعرف فيها نص خلاف، والفرق بين الجنين الذي أزلقته البهيمة وبين المريضة في جواز تذكيتها، وإن علم أنها لا تعيش إذا تحققت حياتها عند الذبح بوجود علامات الحياة فيها بعد الذبح، هو أن المريضة قد علمت حياتها بطول مدة إقامها حية إلى أن ذبحت، والجنين الذي أزلقته البهيمة لم يتحقق حياته؛ لأن حياته في بطن أمه
стр. 1435
لا يعتبر بها؛ لأنه كعضو من أعضائها بدليل كون ذكاته في ذكاتها، وقد قال ابن حبيب: إنما لم يذك إذا شك هل يعيش أم لا خيفة أن يكون الذي سبق إليه من إزلاق أمه هو الذي ألقاه في الموت، وليس ذلك بعلة صحيحة إذا لو اعتبرت حياته في بطن أمه فكان إنما لم يذك إذا شك هل يعيش أم لا مخافة أن يكون إزلاق أمه هو الذي ألقاه في الموت لوجب أن يكون حكمه حكم المنخنقة وأخواتها في جواز تذكيته وإن علم أنه لا يعيش على مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك، وهو بين، وبالله التوفيق.
[مسألة: رمى صيدا فأصاب مقاتله ثم والى عليه بالرمي بعد حتى قتله]
مسألة وعن رجل رمى صيدا فأصاب مقاتله، ثم والى عليه بالرمي بعد حتى قتله ولو شاء أن يذكيه ذكاه، قال: يأكله.
قال محمد بن رشد: وهذا بين؛ لأنه قد فرغ من ذكاته بإنفاذ مقاتله، فهو بمنزلة من ذبح ذبيحة، ثم نخعها أو قطعها أو بقر بطنها قبل أن تزهق نفسها فلا يحرم شيء من ذلك عليه أكلها، وبالله التوفيق.
[مسألة: شاة أدركها أمر الله فوجدت وهي تضطرب فيدرك ذكاتها]
مسألة وقال ابن كنانة وابن القاسم في شاة أدركها أمر الله، فوجدت وهي تضطرب فيدرك ذكاتها فيذكيها ولم يخرج من الدم شيء، قال: إذا ذبحها وهي تضطرب فلا يضره، وإن لم يخرج من الدم شيء.
قال محمد بن رشد: يريد بقوله: تضطرب تتحرك تحركا يعلم به حياتها، وأدنى ذلك أن تطرف بعينها أو تحرك ذنبها أو تركض برجلها أو يوجد منها ما يقوم مقام التحريك مما يعلم به حياتها، وهو استفاضة نفسها في حلقها، وأما إن لم يكن اضطرابها إلا إرتعاشا وارتعادا أو شبه ذلك من مد يد أو رجل أو قبضة، فلا يلتفت إلى ذلك ولا يعد لها به حياة، وكذلك لو لم يكن
стр. 1436
منها إلا سيلان الدم خاصة لم يحكم لها به بالحياة ولم تؤكل، وهذا كله مما لا اختلاف فيه بين أهل العلم في المريضة إذا وجدت العلامات المذكورة التي يستدل بها على حياتها بعد ذبحها، واختلفوا إذا لم توجد بعد الذبح، ووجدت في حال الذبح وإجراء الشفرة على الحلق، فظاهر قول ابن حبيب في الواضحة أنها تؤكل، ووقع في موطأ ابن وهب عن مالك: أنها كانت قبل أن تذبح تعرف حياتها ويجري نفسها، فلا بأس بها، ظاهره وإن لم يوجد شيء من العلامات في حال الذبح ولا بعده وهو بعيد، وأما الصحيحة التي لا مرض فيها، فلا اختلاف بينهم أنها تؤكل وإن لم يتحرك منها شيء بعد ذبحها إذا سال دمها، ولو لم يسل دمها لجرى جواز أكلها على الاختلاف في المنخنقة وأخواتها إذا بلغ بها ما أصابها مبلغا يعلم أنها لا تعيش منه دون أن يصيب ذلك لها مقتلا؛ لأنه إذا لم يجر دمها يعلم بذلك أنها لو تركت لم تعش إذ لا يكون ذلك إلا من انقطاع بعضها من بعض، وقد مضى الاختلاف في ذلك أعني في المنخنقة وأخواتها في سماع أشهب من هذا الكتاب ومن كتاب الضحايا، وقد اختلف في ذلك أيضا أصحاب النبي، ﵇، فقال أبو هريرة: لا بأس بها، وقال زيد بن ثابت: إن الميتة لتتحرك ونهى عن أكلها، ذكر ذلك عنه مالك، ﵀، في موطأه؛ لأنها إنما كانت شاة تردت على ما جاء مبينا في غير الموطأ والأظهر قول من قال: إنها تؤكل قياسا على ما أجمعوا عليه في المريضة.
[مسألة: رمى صيدا فأصاب مقاتله وأدركه وقد افترسه سبع وسهمه في مقاتله]
مسألة وفيمن رمى صيدا، فأصاب مقاتله وأدركه وقد افترسه سبع وسهمه في مقاتله، أو وقع في بئر أو تردى من جبل، قال: إذا علم أنه قد أصاب مقاتله، فلا بأس بأكله، وإن لم يعلم أنه أصاب مقاتله فلا يقربه إلا أن يذكيه.
стр. 1437
قال محمد بن رشد: هذا بين إن كان ما أصابه بعد إنفاذ المقاتل فلا يضره إذ قد فرغ من ذكاته، وهو مثل من ذبح ذبيحة، فسقطت في ماء فماتت فيه أو تردت من جبل أنها تؤكل، قال: ذلك في المدونة وفي سماع أشهب وفي غير ما موضع، وبالله التوفيق وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم.
стр. 1438
[: كتاب الضحايا والعقيقة] [ مسألة: يضحي بالضحية بينه وبين اليتيم في حجره]
من سماع ابن القاسم من مالك ﵀ رواية سحنون من كتاب القبلة مسألة قال سحنون: أخبرني ابن القاسم قال: سمعت مالكا يقول: لا ينبغي لأحد أن يضحي بالضحية بينه وبين اليتيم في حجره.
قال محمد بن رشد: يريد أنه لا يجعل بعض ثمنها من ماله وبعضه من مال يتيمه فيشاركه فيها، ولا يدخله أيضا في أضحيته، وإن اشتراها من ماله، وكان في عيال إلا أن يكون من قرابته فيكون حينئذ من أهل بيته، وهذا مثل ما في المدونة وغيرها أنه لا يشترك في الضحايا، وقد روى ابن وهب عن مالك إجازة الاشتراك في الهدي التطوع، فيلزم ذلك في الضحية على القول: بأنها غير واجبة، وتحصيل الاختلاف في هذه المسألة أن فيها قولين؛ أحدهما: أن الاشتراك فيها جائز.
والثاني: أن ذلك لا يجوز، فإذا قلت: إن الاشتراك فيها جائز ففي صفته ثلاثة أقوال؛ أحدها: جواز الاشتراك في الشاة والبقرة والبدنة، وإن كانوا أكثر من سبعة أنفس.
والثاني: أنه يشترك في البدنة والبقرة سبعة أنفس فدون.
والثالث: أنه يشترك في البدنة عشرة أنفس وفي البقرة سبعة نفس، وإذا قلت: إن الاشتراك فيها لا يجوز، ففي ذلك ثلاثة أقوال؛ أحدها: أنه لا يجوز لأحد أن يدخل في أضحيته غيره.
والثاني: أن له أن يذبح أضحيته عنه وعن أهل بيته وهو مذهب مالك.
والثالث: أن له أن يذبحها عنه وعمن سواه وإن كانوا أهل أبيات شتى وأهل بيت الرجل الذي يجوز له أن يدخلهم
стр. 1439
في أضحيته على مذهب مالك أزواجه ومن في عياله من ذوي رحمه كانوا ممن يلزمه نفقتهم أو ممن لا يلزمه نفقتهم غير أن من كان منهم ممن تلزمه نفقته لزمه أن يضحي عنه إن لم يدخلهم في أضحيته حاشى الزوجة، وقد قيل: إنه يلزمه أن يضحي عنها إن لم يدخلها في أضحيته، وهو قول ابن دينار، ومن كان منهم لا يلزمه نفقته لم يلزمه أن يضحي عنه إن لم يدخله في أضحيته ولزمه هو أن يضحي عن نفسه إن كان له مال، وأما من في عياله من الأجنبيين، فلا يجوز له أن يدخلهم في أضحيته.
[مسألة: الضحية إن شح عليها أهل الميراث]
مسألة قال مالك في الضحية: إن شح عليها أهل الميراث باعوها وذلك قبل أن يضحى بها، وإذا مات وقد ذبحها كانت لأهله يأكلونها ولم تبع، وهو قول مالك، وإن كان قد أفرز منها شيئا لأحد من أهله، فهي له إذا أشهد عليه.
قال محمد بن رشد: قوله: إن لأهل الميراث أن يبيعوا الضحية إذ مات عنها الميت قبل أن يذبحها صحيح؛ لأنها لا تجب إلا بالذبح خلاف الهدي الذي يجب بالتقليد والإشعار، وقوله: إذا مات وقد ذبحها أنها تكون لأهله يأكلونها يريد لأهل بيته يأكلونها على ما كانوا يأكلونها لو لم يمت ورثة كانوا أو غير ورثة، وهو أظهر مما يأتي في رسم سن من هذا السماع، وفي رسم العتق من سماع عيسى من أن الورثة إنما يقسمونها بينهم على الميراث؛ لأن الورثة إنما يقسمون على الميراث ما تكون فيه الوصية والذين قال الله : ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١] . وقوله: إذا مات وقد أفرز شيئا منها لأهله كان له إذا أشهد عليه صحيح؛ لأن ذلك كالهبة لا تصح مع التنازع إلا بالبينة.
стр. 1440
[مسألة: جز الضحية بعد أن تسمى قبل أن يذبحها]
مسألة قال: وسمعت مالكا قال: لا تجز الضحية بعد أن تسمى قبل أن يذبحها؛ لأن ذلك ينقص من ثمنها، ولكن إذا ذبحت فيجزها إن شاء لنفسه، فإنما هي بمنزلة اللحم، قال ابن القاسم: وسمعت مالكا يقول: فإن جزها، ثم ذبحها لم يعد لغيرها وبئس ما صنع ولينتفع بصوفها ولا يبعه، قال سحنون: ولو باع الصوف لم أر بأسا أن يأكل ثمنه إذا كان جزه قبل الذبح، فإن جزه بعد الذبح فلا يأكله.
قال محمد بن رشد: الضحية عند مالك لا تجب أضحية وتصير نسكا إلا بالذبح، وإن اشتراها ليضحي بها وسماها أضحية، فلا يجب عليه بذلك ذبحها، وله أن يبدلها بخير منها، فكراهيته لها أن يجز صوفها من نحو كراهيته له أن يبدلها بدونها، ويستفضل من الثمن، وذلك بين من قوله: لأن ذلك ينقص من ثمنها، وقوله: إن جزها فلينتفع بصوفها ولا يبعه، يريد أنه يؤمر بذلك استحبابا كما يؤمر أن يتصدق بما استفضل من ثمنها إذا باعها واشترى غيرها؛ لأن ذلك عليه واجب، وإنما يستحب له ذلك لئلا يرجع عما نوى من الخير، قال إسماعيل القاضي: ولو اشترى الرجل أضحية، فقال: قد أوجبتها أضحية لوجب عليه ذبحها ولم يكن له بيعها، قال غيره: وتكون بذلك كما أشعر وقلد من الهدي في جميع الأمور إن تعدى عليه أحد فذبحه أجزأ عن صاحبه، وإن أصابه عيب لم يضره، وهو بعيد؛ لأنه يلزم عليه إن مات قبل أن يذبحه أن يجزيه ولا يكون عليه أن يعيد بأضحية أخرى على القول: بأن الضحية غير واجبة، وأما التسمية من غير إيجاب فلا يحرم عليه بيعها ولا بدلها، فقول سحنون: ولو باع الصوف لم أر بأسا بأكل ثمنه يريد أنه لا حرج عليه في ذلك إن فعل، فهو تفسير لقول مالك والله أعلم.
следующие страницы →