← Фикх малики

Фикх малики · id 21751

البيان والتحصيل

ابن رشد الجد

Полный текст (9 112 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

أو اصطادوه يوم السبت من الحيتان ولا يحرم علينا من ذلك شيء؛ لأنه طعامهم وإن لم يأكلوه، هذا معنى قوله دون لفظه، فبناه على أن الكفار مخاطبون بشرائع الإسلام، وهذا لا يصح فيما نحروه أو ذبحوه من كل ذي ظفر؛ لأنهم يعتقدون تحريم ذلك عليهم، فهو كالميتة إذ لا يقصدون بذلك ذكاة كمن رمى شاة يريد قتلها فأصاب مذبحها فقطع ودجيها وحلقومها، أو كمن ذبح شاة بالليل وهو يظنها خنزيرا، ولو ذبح ذلك لمسلم بأمره لتخرج جواز أكله على الاختلاف في المسلم يولي النصراني ذبح ما ينسكه؛ لأن النية في ذلك نية الأمر على ما بيناه في سماع أشهب من معنى قول ابن عمر للراعي: ربك أعلم بمن أنزلها من رأس الجبل، وإنما يصح في شحوم ما ذبحوه مما يأكلون على تأويل، إذ قد يحتمل أن يكون المراد بقوله : ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] أي: وطعامهم الذي هو حل لهم حل لكم، ويحتمل أن يكون المراد أي وطعامهم الذي أحل لهم وللمسلمين بالقرآن حل لكم، وأما على القول بأنهم غير مخاطبين بفروع الشريعة فشحومهم محرمة علينا على كل حال، إلا على مذهب من يأول أن المراد بذلك ذبائحهم، وذهب ابن لبابة أيضا إلى تحريم أكل ما ذبحوه لأعيادهم وكنائسهم أو سموا عليه اسم المسيح، تعليقا بظاهر قوله : ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٤٥] . وبظاهر قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] وسيأتي القول بعد هذا في رسم زونان فيما ذبحوه لأعيادهم وكنائسهم، وفي رسم باع غلاما من سماع ابن القاسم من كتاب الذبائح في معنى قوله : ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] .

стр. 1472

[مسألة: هل يجوز للمرء أن يضجع الذبيحة إذا أراد ذبحها على أي شقيها] مسألة وسئل ابن القاسم: هل يجوز للمرء أن يضجع الذبيحة إذا أراد ذبحها على أي شقيها شاء؟ قال ابن القاسم: الصواب عندي في ذلك على ما مضى عليه أمر المسلمين الشق الأيسر، ولو فعل ذلك رجل جاهل لم أحرم عليه أكلها ولم يكن في ذلك شيء. قال محمد بن رشد: وهذا كما قال: إن الصواب أن يضجعها على شقها الأيسر؛ لأنه الذي عليه عمل الناس من أجل أنه الذي يتأتى به الذبح للذابح مع استقباله القبلة؛ لأنه يمسك رأسها بشماله ويذبح بيمينه، ولا يتأتى له ذلك إذا أضجعها على الشق الأيمن دون كلفة ومشقة إلا أن يكون إلى غير القبلة، فإن أضجعها على الشق الأيمن وذبح دون أن ينحرف عن القبلة فأكلها جائز وبئس ما صنع. [مسألة: أكل الجدي الذي رضع الخنزيرة] ومن كتاب أوله حمل صبيا على دابة مسألة قال ابن القاسم في الجدي يرضع الخنزيرة: أحب إلي ألا يذبح حتى يذهب ما في جوفه من غذائه، ولو ذبح مكانه وأكل لم أر به بأسا؛ لأن الطير تأكل الجيف والدجاج تأكل النتن فتذبح مكانها، فأكلها حلال. قال محمد بن رشد: إنما احتج لجواز أكل الجدي الذي رضع الخنزيرة بجواز أكل الجلالة من الطير، لاتفاق أهل العلم على جواز أكل ذوات الحواصل من الجلالة، واختلافهم في ذوات الكروش منها، فكره جماعة من السلف أكل لحوم الجلالة منها وشرب ألبانها، لما روي «أن رسول الله ﷺ نهى عن أكل لحوم الجلالات وألبانها» ، وهي في القياس واحد كما

стр. 1473

قال ابن القاسم: فلا اختلاف في المذهب أن أكل لحوم الماشية والطير التي تغذى بالنجاسات حلال جائز، وإنما اختلفوا في الألبان والأعراق والأبوال على ما مضى القول فيه في مواضعه من كتاب الوضوء من ذلك في رسم الوضوء والجهاد من سماع أشهب ورسم سلف دينارا من سماع عيسى. [مسألة: شاة وضعت للذبح فذبحت فلم يتحرك منها شيء هل تؤكل] ومن كتاب النسمة مسألة وسئل ابن القاسم وابن وهب: عن شاة وضعت للذبح فذبحت فلم يتحرك منها شيء، هل تؤكل؟ قالا: نعم تؤكل إذا كانت حين تذبح حية، فإن من الناس من يكون ثقيل اليد عند الذبح حتى لا تتحرك الذبيحة، وآخر يذبح فتقوم الذبيحة تمشي، فإن كانت حية حين تذبح فلا بأس بها. قال محمد بن رشد: وهذا إذا سال دمها أو استفاض نفسها في حلقها بعد ذبحها استفاضة لا يشك معه في حياتها، وهذا في الصحيحة، بخلاف المريضة لا تؤكل وإن سال دمها إلا أن يعلم حياتها بأن تطرف بعينها أو تركض برجلها أو تحرك ذنبها أو تستفيض نفسها في حلقها بعد ذبحها. والفرق بينهما أن الصحيحة الحياة فيها قائمة بينة، فيكتفى من وجود علامات الحياة بعد الذبح بأقلها وهي سيلان الدم، وأما المريضة فلا يكتفى من وجود علامات الحياة فيها بعد الذبح بسيلان الدم وحده دون التحريك أو ما يقوم مقام التحريك من استفاضة نفسها في حلقها لخفاء الحياة فيها قبل ذبحها من أجل مرضها. [مسألة: الرجل يظن أن يوم التروية من أيام النحر فينحر فيه] ومن كتاب أوله باع شاة واستثنى جلدها مسألة وسئل ابن القاسم: عن الرجل يظن أن يوم التروية من أيام

стр. 1474

النحر فينحر فيه، هل له أن يبيع لحم تلك الأضحية؟ فقال: لا يبيعه وليضح بأخرى وهو مثل من نحر قبل الإمام يوم النحر أنه يعيد بأخرى ولا يبع من لحم تلك الأضحية شيئا. قال محمد بن رشد: ما هما سواء أما الذي نحر قبل الإمام فبين أنه لا يبيع من لحمها شيئا؛ لأنها أضحية تجزئه عند جماعة من العلماء إذا ذبح بعد الصلاة، وأما الذي ذبح يوم التروية فليس تحظير بيع لحمها عليه ببين، إذ ليس يوم التروية من أيام الذبح بإجماع، فمن ذبح فيه فليس من النسك في شيء، وإنما هو لحم قدمه لأهله على ما جاء في الحديث، فليس ببين أن يمنع من بيعه، روي عن البراء بن عازب قال: «خرج إلينا رسول الله ﷺ يوم أضحى إلى البقيع، فبدأ فصلى ركعتين، ثم أقبل علينا بوجهه فقال: إن أولى نسكنا في يومنا هذا أن نبتدئ بالصلاة، ثم نرجع فننحر، فمن فعل ذلك فقد وافق سنتنا، ومن ذبح قبل ذلك فإنما هو لحم عجله لأهله فليس من النسك في شيء» ، الحديث. [مسألة: يخرجون في الصائفة غزاة في أرض الروم ويدركهم الأضحى] مسألة وقال ابن القاسم في الذين يخرجون في الصائفة غزاة في أرض الروم ويدركهم الأضحى في أرض الروم، أترى أن يضحوا من غنمهم؟ قال: لا بأس به. قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن الغزاة لهم أن يأخذوا الطعام في أرض العدو ويذبحوا الغنم، وليس عليهم أن يرفعوا شيئا من ذلك إلى صاحب المغنم، فلما كان لمن أخذ شيئا من الغنم أن يذبحه ويأكله ويكون أحق به من غيره إلا أن يحتاج فيواسيه به جاز له أن يضحي به إن شاء الله تعالى.

стр. 1475

[مسألة: الرجل يشتري الضحية فيموت قبل ذبحها أيذبحها عنه الورثة] ومن كتاب العتق مسألة وسئل ابن القاسم: عن الرجل يشتري الضحية فيموت قبل ذبحها أيذبحها عنه الورثة؟ وكيف إن كان قد ذبحها أيقسم لحمها كسائر ماله، وكيف إن لحق مشتريها دين قبل أن يذبحها أتبتاع؟ وكيف إن لحقه بعد تقليد بدنته وإيجابها أتباع؟ قال: من مات قبل ذبح أضحيته فإن أحسن ذلك أن يذبحها عنه الورثة إن شاءوا، فإن أبوا وشحوا فهي مال من ماله، وإن كان قد ذبحها لم يبع من لحمها شيء واقتسمها الورثة على الميراث، وإن لحقه دين قبل ذبح أضحيته أخذها غرماؤه، فإن ذبحت لم تبع، وأرى في الذي يقلد البدنة أن للغرماء أيضا أخذها، وإن قلدت، وليس تقليد البدنة أشد من العتق وهو يرد. قال محمد بن رشد: قوله: إن مات قبل أن يذبح أضحيته إن الورثة لا يلزمهم أن يذبحوها عنه إلا أن يشاءوا، وإن للغرماء أن يأخذوها فيما لحقه من الدين بعد شرائها صحيح على أصولهم في أنها لا تجب إلا بالذبح، هذا قول مالك في المدونة ومذهبه ومذهب جميع أصحابه، وأما قوله: إنه إن مات بعد ذبحها فيقسمها الورثة بينهم على الميراث فقد مضى من القول على ذلك في رسم سن من سماع ابن القاسم ما فيه كفاية، وأما قوله في البدنة للغرماء: أخذها وإن قلدت، فمعناه في الدين القديم قبل التقليد، لا في الدين الحادث بعد التقليد، بدليل مسألة العتق التي احتج بها فوقع جوابه على غير ما سأله عنه؛ لأنه إنما سأله هل تباع فيما لحقه من الدين بعد التقليد والإشعار.

стр. 1476

[مسألة: اشترى أضحية فباعها ليشتري أفضل منها فوجد ثمن الأفضل أقل] مسألة وسئل ابن القاسم: عن رجل اشترى أضحية فباعها ليشتري أفضل منها، فوجد أفضل بأقل من الثمن الذي باع به، وكيف إن كان أقر الأولى ولم يبعها، ثم اشترى أفضل منها فلم يأت الأضحى حتى كانت الأولى أفضل وأسمن؟ فقال: أما الذي باع ليشتري أفضل منها فوجد أفضل بأقل من الثمن، فإن مالكا كره أن يشتري بأقل من الثمن الذي باع به، وإن كانت أفضل، ورأى أن ينقد الثمن كله في أضحيته، وذكر له الحديث فلم يعجبه، وأما الذي اشترى الضحية، ثم تركها واشترى أفضل منها فأتى يوم النحر والأولى أفضل فإنه يذبح الأفضل منهما كانت الأولى أو الأخيرة. قال محمد بن رشد: وجه كراهية مالك لمن اشترى أضحية فباعها ليشتري أفضل منها أن يستفضل من الثمن شيئا، وإن اشترى أفضل منها واستحبابه ليشتري شاة بجميع الثمن، هو أنه قد نوى القربة إلى الله تعالى بما أخرج من الثمن في الضحية الأولى، فكره له أن يرجع في شيء من ذلك، ولم يوجب ذلك عليه إذ لم يوجبه على نفسه بالنذر، فإن اشترى أفضل منها أو مثلها بأقل من الثمن الذي باع به تصدق بالفضل من الثمن، وإن اشترى دونها بأقل من الثمن تصدق بما استفضل من الثمن وبما بين قيمة التي أبدل على قيمة التي ضحى بها، وإن اشترى دونها بمثل الثمن أو بأكثر تصدق بما بين القيمتين لا أكثر، والحديث الذي ذكره له فلم يعجبه هو ما روي «أن النبي، ﵇، بعث مع حكيم بن حزام بدينار ليشتري له به أضحية، فاشترى بها بدينار فباعها بدينارين، واشترى له أضحية أخرى بدينار فجاء بها وبالدينار الفاضل إلى رسول الله ﷺ ، فتصدق به رسول الله ﷺ ودعا له بالبركة في تجارته» ، وإنما لم يعجب الحديث مالكا ولم ير العمل به؛ لأن

стр. 1477

حكيم بن حزام لم يفعل ذلك بأمر النبي، ﵇، ولا أباح النبي، ﵇، ذلك من فعله، بدليل تصدقه بالدينار الذي استفضل في الضحية التي كان ابتاعها له، وشكر له اجتهاده، فدعا له بالبركة في تجارته ولم يلمه على ما فعل، إذ قصد الخير واجتهد وخفي عليه وجه الكراهية في بيع الضحية والاستفضال من ثمنها، والله أعلم. [مسألة: دهنه بشحم أضحيته] ومن كتاب مسائل المدنيين مسألة قال سعيد بن حسان: أخبرنا أبو موسى هرون قاضي المدينة أنه سمع مالكا سأله أحد عن دهنه بشحم أضحيته شرك النعال، فنهاه عن ذلك وكرهه. قال محمد بن رشد: وجه الكراهية في ذلك بين؛ لأنه إذا باع النعال بالثمن يقع على الجلد والعمل وجميع ما ألانها وحسنها من الادهان بالشحم وغيره، فصار بائعا لشحم أضحيته. [مسألة: البيض يصلق فيوجد في إحداهن فرخ] ومن سماع يحيى بن يحيى من كتاب الصلاة مسألة قال يحيى: قال ابن القاسم في البيض يصلق فيوجد في إحداهن فرخ إن أكلهن كلهن لا يصلح؛ لأن بعضه يسقي بعضا، قال ابن وهب مثله، وسئل: عن أقداح بيض النعام أيشرب فيها إذا كان الفرخ الذي يخرج منها ميتا، فكرهه، وقال: أرأيت لو أن رجلا أراد أن يتداوى بشرب تلك القشرة بعينها أكان يصلح له ذلك وقد سقتها الميتة التي كانت في داخلها؟ فلا أحب ولا أراه حسنا. قال محمد بن رشد: قوله في البيض يصلق فيوجد في إحداهن فرخ

стр. 1478

إن أكلهن كلهن لا يصلح؛ لأن بعضه سقى بعضا، صحيح للعلة التي ذكرها من سقي النجس منها للطاهر؛ لأنه يرشح في الصلق، وهذا يرد قوله في سماع موسى بن معاوية في كتاب الوضوء: إن اللحم إذا طبخ بالماء النجس يغسل ويؤكل، وقد مضى هنالك من القول على ذلك ما فيه كفاية، وكذلك البيضة تخرج من الدجاجة الميتة لا تؤكل مخافة أن يكون سقتها الميتة، قاله مالك في المدونة، وقال ابن نافع: لا بأس بها، يريد إذا اشتد قبضها، ولها وجه ظاهر وهو أن الميتة لا تسقي البيضة بعد موتها؛ لأنها تبرد بالموت فلا يسري إليها منها شيء كما ألقيت البيضة بقشرها في دم أو بول بارد، بخلاف الصلق في الماء النجس، وأما كراهيته الشرب في أقداح بيض النعام التي تخرج منها الميتة فصحيح على مذهب مالك في كراهيته الامتشاط بعظام الميتة والادهان بمداهنها، وقد أجاز ذلك جماعة من السلف منهم عروة بن الزبير وابن شهاب وربيعة وقتادة والليث، وأخذ به ابن وهب ومطرف وابن الماجشون وأصبغ، وروي عن ابن شهاب أنه قال: كان سلف هذه الأمة من أصحاب رسول الله ﷺ يمتشطون بأمشاط عظام الفيل ويدهنون بمداهنها لا يرون بذلك بأسا، وجعل ابن وهب تلقيتها في الماء كالدباغ في الجلد وأجاز بيعها، وقشرة بيض النعام التي يخرج منها الميتة محمولة على ذلك بالمعنى والقياس، إذ لا فرق بينه وبينها. [مسألة: يشتركان في الأضحيتين في اشترائهما فإذا أرادا أن يضحيا اقتسماهما] من نوازل سئل عنها سحنون مسألة وسئل عن الفريقين يشتركان في الأضحيتين في اشترائهما، فإذا أرادا أن يضحيا اقتسماهما فقال أحدهما: أنا أضحي بهذه وأنت بهذه فضحيا كذلك وقد استويا جميعا في السمانة، قال: لا بأس بذلك، قيل: فلو كانت إحداهما أسمن من الأخرى؟ فقال: أكره ذلك

стр. 1479

للذي أخذ الأدنى؛ لأنه لا يجوز له أن يبدل أضحيته إلا بأجود منها، قيل له: فإذا وقع هل يجزئ عنه؟ فقال: إنما أكره أن يفعل ذلك فإذا وقع رأيته جائزا ما لم يأخذ لفضل الزيادة ثمنها، ولا يعود. قال محمد بن رشد: أما كراهيته ذلك للذي أخذ الأدنى فبينة، وأما قوله: إذا وقع ذلك رأيته جائزا ما لم يأخذ لفضل الزيادة ثمنها ولا يعود فليس ببين، إذ لا فرق في المعنى بين أن يأخذ لفضل الزيادة ثمنا ولا يأخذ لها ثمنا ويتركه لرفيقه؛ لأنه في الحالتين جميعا قد ضحى بالأدنى، وذلك هو الذي يكره له، فإن أخذ لفضل الزيادة ثمنا تصدق به، وإن لم يأخذ له ثمنا تصدق بماله بما بين القيمتين، هذا الذي يؤمر به والذي كان ينبغي لهما أن يفعلاه ابتداء أن يتفقا وما الأسمن؟ ويبيعا الأدنى ويبتاع الذي خرج عن الأسمن بنصيبه من ذلك مثل الذي ضحى به رفيقه أو أسمن مما وجد وإن زاد على الثمن من ماله، وقد مضى في رسم العتق من سماع عيسى ما يدل على هذا. [مسألة: المرأة ترضع جديا بلبنها هل يؤكل] مسألة وسئل عن المرأة ترضع جديا بلبنها هل يؤكل؟ قال: نعم. قال محمد بن رشد: وهذا كما قال، وهو مما لا إشكال فيه؛ لأن الألبان تابعة للحوم ولحوم آدم طاهرة، فألبان النساء طاهرة بإجماع، فلا يضر إرضاعها الجدي. [مسألة: أكل الخطاطيف التي تعشش في البيوت] مسألة وسئل: عن أكل الخطاطيف التي تعشش في البيوت هل يكره أكلها؛ لأنها قد تحرمت بمن نزلت عليه وعششت عنده؟ فقال: أما أنا

стр. 1480

فلا، فقال: أخبرني علي بن زياد عن مالك أنه كره أكلها، وكان ابن القاسم لا يكره أكلها، قال سحنون:. وما أرى بأكلها بأسا. قال محمد بن رشد: مذهب مالك، ﵀، إجازة أكل جميع الطير الغربان والأحدية والنسور والعقبان بظاهر قوله : ﴿لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً﴾ [الأنعام: ١٤٥] الآية لأنه لم يصح عنده عن النبي ﵇ النهي عن أكل ذي مخلب من الطير، فبقي ذلك على ما يقتضيه عموم الآية من تحليل ما عدا المذكور تحريمه فيها، وخصص من ذلك ما صح عنده فيه التحريم من الحمر الأنسية وشبهها، وكره أكل الخطاطيف في رواية علي بن زياد عنه للمعنى الذي ذكره مع قلة الانتفاع بأكلها لهزالها وضعفها كما كره عروة بن الزبير أكل الغراب والحداة لتسمية النبي ﵇ إياهما الفاسقين. [مسألة: اشترى أضحية ليضحي بها فلما انصرف من المصلى مات] من سماع عبد المالك بن الحسن من أشهب وابن وهب مسألة قال عبد المالك بن الحسن: سألت أشهب بن عبد العزيز: عمن اشترى أضحية ليضحي بها، فلما انصرف من المصلى مات، قال: لا يضحى بها عنه وتكون ميراثا. قال محمد بن رشد: قوله: لا يضحى بها عنه أي ليس يلزمهم ذلك إلا أن يشاءوا على ما قال ابن القاسم في رسم العتق من سماع عيسى إذ لا تجب الضحية إلا بالذبح.

стр. 1481

[مسألة: يسلف في الضحايا ويشترط أن يأتيه بها قبل يوم النحر فيؤخرها المسلف] مسألة قال: وسألت ابن وهب عن الرجل يسلف في الضحايا ويشترط أن يأتيه بها قبل يوم النحر فيؤخرها المسلف إليه إلى بعد يوم النحر أيلزم المسلف أخذها؟ قال: نعم يلزم المسلف أخذها وإن أتاه بها بعد يوم النحر. قال محمد بن رشد: قد مضى هذا والتكلم عليه في رسم الأقضية من سماع أشهب فلا معنى لإعادته. [مسألة: ما يذبح للكنائس] مسألة وسألته: عما يذبح للكنائس، قال: لا بأس بأكله. قال محمد بن رشد: كره مالك في المدونة أكل ما ذبحوا لأعيادهم وكنائسهم، وتأول في ذلك قوله : ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٤٥] . ووجه قول أشهب أن ما ذبحوا لكنائسهم لما كانوا يأكلونه وجب أن يكون حلا لنا لأن الله تعالى يقول: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] . وإنما تأويل قوله: ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٤٥] . ما ذبحوه لآلهتهم مما يتقربون به إليها ولا يأكلونه، فهذا حرام علينا بدليل الآيتين. [مسألة: الضحية يوجد بها العيب كان عند البائع بعد ما ذبحت] ومن سماع أصبغ بن الفرج من ابن القاسم مسألة قال أصبغ: سألت ابن القاسم عن الضحية يوجد بها العيب كان عند البائع بعد ما ذبحت فيأخذ قيمته ما يصنع به؟ قال: إن كان ذلك العيب مما يجوز في الضحايا كان له قيمته يصنع بها ما شاء، وأبدل مكانها إن كان في أيام النحر، وإن كان قد فات أيام الذبح

стр. 1482

كان بمنزلة من لم يضح والأرش له يصنع به ما شاء، وإن كان عيبا يجوز به في الضحايا تصدق بما يأخذ في قيمته؛ لأنه قد أوجبها وسماها ضحية، فليست عندي بمنزلة عتق التطوع؛ لأن العتق ليس يشتريه أحد حين يشتريه على أنه حر إنما يشتريه لنفسه، ثم يعتق بعد وهذه يشتريها وهي أضحية قد سماها وأوجبها. قال محمد بن رشد: أما قوله في العيب يوجد في الضحية بعد ذبحها، فصحيح لا أعلم فيه نص خلاف وحكم الضحية والرقبة الواجبة والهدي الواجب في وجود العيون بها بعد ذبح الضحية وتقليد الهدي وتنفيذ العتق سواء إلا في أن الضحية مرتبطة بوقت، فإن كان العيب مما لا يجوز به الضحية ولا الرقبة ولا الهدي فقيمة العيب له، ويعتق عبدا آخر ويهدي هديا آخر ويضحي أضحية أخرى إن كانت أيام الذبح لم تفت، وإن فاتت أيام الذبح لم يكن عليه في الأرش شيء، وكان بمنزلة من لم يضح ولا اختلاف في هذا كله إلا قول داود بن أبي زبير في سماع محمد بن خالد من كتاب الظهار، وإن كان العيب مما تجوز به الضحية والرقبة والهدي لم يتمول قيمة العيب التي يرجع في شيء من ذلك، إلا أنه في الضحية يتصدق به، وفي الرقبة يجعله في رقبة، فإن لم يكن فيه رقبة شارك به في رقبة أو أعان به في رقبة يتم به عتقها أو جعله في كتابة يتم له عتقها، وفي الهدي يجعله في هدي، فإن لم يكن فيه هدي لم يشارك به في هدي من أجل أن الهدي لا يشترك فيه عند مالك وتصدق به، وأما الرقبة التطوع والهدي التطوع فاختلف في وجود العيب بهما على ثلاثة أقوال؛ أحدها: أنه لا شيء عليه في قيمة العيب فيهما جميعا وهو قول ابن القاسم في سماع سحنون من كتاب الظهار. والثاني: أنه لا يتمول ما يرجع به للعيب فيهما جميعا، ويجعل ذلك في الهدي في هدي، أو يتصدق به إن لم يبلغ أن يكون فيه هدي، ويجعله في عتق في العتق أو يعين به إن لم يبلغ رقبة تامة، والثالث: تفرقته في المدونة

стр. 1483

بين عتق التطوع والهدي التطوع، وسواء كان العيب في هذا مما يجوز في الرقاب والهدي أو مما لا يجوز، الحكم في ذلك سواء. فهذا تحصيل هذه المسألة. [مسألة: باع بعض أهله جلد أضحيته] مسألة قال ابن القاسم في رجل باع بعض أهله جلد أضحيته، قال: أرى أن يتصدق بثمنه، قلت: أرأيت إن كان أهله قد استنفقوا الثمن أيخرجه من عنده ويتصدق به؟ قال: أرأيت لو وضع لهم لحما من لحم أضحيته فباعوه واستنفقوا الثمن أعليه أن يخرجه من عنده، قال: لا. أرى ذلك عليه في الوجهين إذا لم يجد الثمن بعينه، قال أصبغ: إذا لم يرخص لهم في البيع ولا أذن لهم فيه ولم يعطهم الجلد على وجه ذلك ليصنعوا به ما شاءوا من بيع أو غيره، فإن فعل فهو البائع وعليه إخراج مثل الثمن والصدقة إن شاء الله. قال محمد بن رشد: أما إذا رخص لهم في البيع أو أذن لهم فيه فلا إشكال عليه في أن يخرج الثمن من ماله إن كان قد استنفق؛ لأنه هو البائع فكأنه قد باع وأخذ الثمن ودفعه إليهم فأنفقوه، وأما إذا لم يأذن لهم في ذلك ولا رخّص لهم فيه وفات البيع، ولم يقدر على رد فقال في الرواية: إنه يتصدق بالثمن إذا وجده بعينه، ولا شيء عليه فيه إن كانوا قد استنفقوه، ومعنى ذلك عندي إن كانوا قد استنفقوه فيما له عنه غنى، وأما إن كانوا استنفقوه فيما يلزمه مما لابد له منه ولا محيص له عنه، فعليه أن يخرجه من ماله ويتصدق به؛ إذ لا فرق بين ذلك وبين أن يجده قائما بعينه؛ لأنه إذا لم يفعل ذلك فكأنه قد أنفقه هو إذ قد وقى به ماله.

стр. 1484

[مسألة: دفع جلد أضحيته إلى رجل يدبغه له فادعى أنه سُرق منه] من سماع أبي زيد بن أبي الغمر من ابن القاسم مسألة قال أبو زيد: سئل ابن القاسم عمن دفع جلد أضحيته إلى رجل يدبغه له، فادعى أنه سُرق منه، فقال: إن كان يثق به فلا أرى أن يأخذ منه فيه شيئا، وإن كان متهما أن يكون كذبه فإني أرى أن يأخذ منه قيمته ويتصدق به فهو أحب إليّ وضعفه. قال محمد بن رشد: هذا من قول ابن القاسم في قوله: إنه يأخذ القيمة ويتصدق بها، مثل قول عيسى بن دينار في أول رسم من سماعه وقد مضى هنالك القول في تضعيفه. [مسألة: اشترى أضحيتين واحدة له وأخرى لامرأته فذبحهما جميعا لنفسه] مسألة وسئل ابن القاسم عن رجل اشترى أضحيتين واحدة له وأخرى لامرأته فذبحهما جميعا لنفسه وعلى اسمه ساهيا، قال أحب إلي أن يبدل أضحية امرأته، فإن أبى فليست لامرأته أضحية ولا يجزئ عنها ما صنع. قال محمد بن رشد: هذا بيّن؛ لأن الضحية لا تجب إلا بالذبح ولا يجب على الرجل أن يضحي عن امرأته ولا أن يدخلها في أضحية إلا أن يشاء على مذهب مالك وجميع أصحابه حاشى ابن دينار. [مسألة: ضحى بنعجة حامل فلما ذبحها وجد ولدها يركض في بطنها] مسألة قال ابن القاسم: ضحيت بنعجة حامل فلما ذبحتها يركض ولدها في بطنها فأمرتهم أن يتركوها حتى تموت في بطنها، ثم

стр. 1485

أمرتهم فشقوا جوفها فأخرج ميتا فذبحته فسال منه دم فأمرت أهلي أن يشووه لي. قال محمد بن رشد: روي عن النبي، ﵇، من رواية جابر بن عبد الله وغيره أنه قال: «ذكاة الجنين ذكاة أمة» ، قال ابن عمر وسعيد بن المسيب وغيرهما من الصحابة والتابعين وجمهور علماء المسلمين: وذلك إذا كان قد تم خلقه ونبت شعره، وهو مذهب مالك وجميع أصحابه، وذلك إذا خرج ميتا أو خرج وبه رمق من الحياة، غير أنه يستحب أن يذبح إن خرج يتحرك، فإن سبقهم بنفسه قبل أن يذبح أُكل، وسواء مات في بطن أمه بموتها أو أبطأ موته بعد موتها ما لم يخرج وفيه روح، فإن خرج وفيه روح وهو ترجى حياته أو يشك فيها فلا يؤكل إلا بذكاة، وإن كان الذي فيه من الحياة رمق يعلم أنه لا يعيش فإنه يؤكل بغير ذكاة وإن كان الاستحباب أن يذكى عن مالك، وروي عن يحيى بن سعيد أنه قال: إنما يؤكل بغير ذكاة إن خرج ميتا، وأما إن بُقر عليه فأُخرج يتحرك فلا يؤكل إلا بذكاة، وهو اختيار عيسى بن دينار في المبسوطة، وأبو حنيفة لا يرى ذكاة الجنين في ذكاة أمه، ويقول: إنه لا يؤكل إلا أن يخرج حيا ويذكى، وقوله خلاف الجمهور وما جاء عن النبي، ﵇، في ذلك من الخبر المأثور، ومن أهل العلم من يرى ذكاة الجنين في ذكاة أمه ويقول: إنه يؤكل وإن لم ينبت شعره، وقد روي عن النبي، ﵇، أنه قال: «ذكاة الجنين في ذكاة أمه أشعر أو لم يشعر» إلا أنه حديث ضعيف فمذهب مالك هو الصحيح من الأقوال الذي عليه عامة فقهاء الأمصار. تم كتاب الضحايا بحمد الله

стр. 1486

[مسألة: العقيقة أيدخر منها أهلُها] كتاب العقيقة من سماع ابن القاسم من مالك من كتاب أوله حلف ألا يبيع سلعة سماها مسألة قال سحنون: حدثني ابن القاسم قال سئل عن العقيقة أيدخر منها أهلُها؟ فقال: ما شأن الناس فيها إلا إطعامها، وما أرى بذلك بأسا، وضرب مثلا، قال: أضحايا يدخرون ويأكلون؟ قال محمد بن رشد: قاس مالك، ﵀، العقائق على الضحايا في جواز الادخار منها؛ لأنها بمنزلتها في أنها نسك يُتقى فيها من العيوب ما يُتقى في الضحايا، ولا يجوز فيها إلا الجذع من الضأن والثني، ولا يباع لحمها ولا جلدها ولا يعطى الجزار على جزارتها شيئا من لحمها، قال في الموطأ: وتكسر عظامها ولا يُمَسّ الصبي بشيء من دمها؛ لأن ترك كسر عظامها وأن يلطخ رأس الصبي بدم من أفعال الجاهلية، وقد روي عن النبي ﵇ أنه قال: «في الغلام عقيقة فاهرقوا عنه دما وأميطوا عنه الأذى» ، فقيل: إن إماطة الأذى عنه المأمور به في الحديث هو ما كان أهل الجاهلية يفعلونه من لطخ رأسه بدمها، وقيل بل ذلك حلق شعر رأسه وهو الأظهر، قال : ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦] . الآية،

стр. 1487

فأوجب على المحرم الفدية لإماطة الأذى عن نفسه بحلق شعر رأسه، فكأن العقيقة فيها معنى الفدية عن المولود لإماطة الأذى عنه بحلق شعر رأسه، ولهذا المعنى والله أعلم قال عطاء: يبدأ بالحلق قبل الذبح بخلاف نحر الهدايا في الحج. [مسألة: حكم العقيقة] ومن كتاب أوله حلف بطلاق امرأته ليرفعن أمرا إلى السلطان مسألة قال: وسمعته يقول: إنه ليقع في قلبي من شأن العقيقة أن النصارى واليهود يعملون لصبيانهم شيئا يجعلونهم فيه يقولون قد أدخلناهم في الدين مثل ما يُنَصِّر النصارى صبيانهم، وإن من شأن المسلمين الذبح في ضحاياهم «وعق رسول الله ﷺ عن حسن وحسين» ، فيقع في قلبي في الذبح عنهم أنها شريعة الإسلام، وقد سمعت غيري يذكر ذلك. قال محمد بن رشد: اعتبار مالك، ﵀، في أن العقائق من شرائع الإسلام بما ذكره اعتبار بيِّن، ويوضحه أن العقيقة كانت في الجاهلية فأُقرت في الإسلام، فروي عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: «كنا في الجاهلية إذا وُلد لنا غلام ذبحنا عنه شاة ولطخنا رأسه بدمها، ثم كنا في الإسلام إذا وُلد لنا ولد غلام ذبحنا عنه شاة ولطخنا رأسه بالزعفران» ، فالعقيقة مشروعة في الإسلام، قيل: سنة غير واجبة يُكره تركها، وهو قول ابن حبيب، وقيل: مستحبة وليست سنة؛ لقول رسول الله ﷺ : «من وُلد له ولد

стр. 1488

فأحب أن ينسك عنه فليفعل» ، وما روي عن النبي ﵇ من قوله: «الغلام مرتهن بعقيقته تُذبح عنه يوم سابعه، ويحلق رأسه، ويسمى» يدل على وجوبها، وتأويل ذلك عنده أن ذلك كان في أول الإسلام ثم نسخ بقوله: يخير من أحب أن ينسك عن ولده فليفعل، وسقط الوجوب. [مسألة: حلق شعر الصبي يوم السابع] ومن كتاب أوله اغتسل على غير نية مسألة وسئل مالك عن حلاق الصبي يوم السابع، ويتصدق بوزن شعره فضة، قال: ليس ذلك من عمل الناس، وما ذلك عليهم. قال محمد بن رشد: يريد ليس ذلك مما التزم الناس العمل به ورأوه واجبا، لا أنه أنكره ورآه مكروها، بل مستحب من الفعل، روي: أن فاطمة بنت رسول الله ﷺ وزنت شعر حسن وحسين وزينب وأم كلثوم، فتصدقت بزنة ذلك فضة. [مسألة: العقيقة كيف يصنع بها] ومن كتاب أوله سلف في المتاع والحيوان مسألة قال ابن القاسم: وسمعت مالكا عن العقيقة كيف يصنع

стр. 1489

بها؟ أتطبخ ألوانا، ويُدعى لها الرجال؟ قال مالك: أما الأمر عندنا، فإنها تذبح يوم السابع وتطبخ، ويأكل منها أهل البيت، ويطعم منها الجيران، فأما أن يدعى الرجال، فإني أكره الفخر، وهذا الأمر عندنا في أن يأكل منها أهل البيت، ويطعم الجيران، ويسمى الصبي يوم السابع. قال محمد بن رشد: لما كانت شاة العقيقة نسكا لله، وقربة إليه؛ استحب ألا يعدل فيها عن سيرة السلف الصالح، أن يأكل منها أهل البيت، ويطعم منها الجيران، وكره أن تطبخ ألوانا فيدعى إليها الرجال؛ لئلا يدخل ذلك الفخر، فتفسد بذلك النية في معنى الطاعة لله بها والقرب، فإن أراد أن يدعو الرجال صنع من غيرها، ودعا عليها على ما قال بعد هذا في سماع أشهب، بعد أن يمضي النسك بنية خالصة لله، لا يشوبها شيء، يتقي أن يفسدها. وأما قوله: ويسمى الصبي يوم السابع، فهو اختيار مالك ﵀؛ لما جاء في الحديث من قول رسول الله ﷺ : «الغلام مرتهن بعقيقة، يذبح عنه يوم السابع، ويحلق رأسه، ويسمى» ، وروي عنه ﷺ أنه قال: «سموا المولود يوم سابعه» ، والأمر في ذلك واسع، وروي أن رسول الله ﷺ قال حين ولد له إبراهيم: «ولد لي الليلة غلام، فسميته باسم أبي إبراهيم» ، وأنه ﷺ «أُتِيَ بعبد الله بن أبي طلحة صبيحة الليلة التي وُلد فيها، فحنكه بتمر عجوة، ودعا له وسماه عبد الله» في حديث طويل، ويحتمل أن يكون معنى ما في الحديث من تسمية المولود يوم

стр. 1490

سابعه ألا تؤخر تسميته عن ذلك؛ لأنه إذا سماه قبل السابع فهو مسمى يوم السابع وبعده، فتتفق الآثار على هذا، قال ابن حبيب على اختيار مالك: ولا بأس أن يتخير له الأسماء قبل السابع ولا يوقع عليه الاسم إلا يوم السابع، فإن مات قبل يوم السابع يسمى بعد موته، ولم يترك بدون تسمية؛ لأنه ولد يُرجى شفاعته، وقد قال ﷺ : «إن السقط ليظل محبنطئا على باب الجنة، يقال له: ادخل الجنة، فيقول: لا أدخل حتى يدخل أبواي» ، وذكر لمالك الحديث الذي ذكر أن «السقط يقول يوم القيامة لأبيه: تركتني بلا اسم» ، فلم يعرفه. [مسألة: ذبح عقيقة ابنه قبل طلوع الشمس] ومن كتاب أوله باع غلاما مسألة قال مالك: وجه ذبح العقائق ضحوة، وهي سنة الذبائح في الضحايا وأيام منى، وهي ساعة الذبائح. قال محمد بن رشد: قاس مالك ﵀ العقائق على الذبائح في وقت ذبحها، كما قاسها عليها في جواز الادخار من لحمها في أول رسم من السماع، فإن ذبح عقيقة ابنه قبل طلوع الشمس لم يجزه على قياس قوله هذا، وهو نص قوله في المبسوطة، وقال عبد المالك بن الماجشون يجزيه إن كان بعد طلوع الفجر، وهو أظهر؛ لأن العقيقة ليست مضمنة بصلاة، فكان قياسها على الهدايا أحسن من قياسها على الضحايا، وأما إن ذبحها بليل فلا تجزيه، وهو نص قول ابن القاسم في سماع يحيى بعد هذا، وقد اختلفت من أي وقت يحسب سابع الولادة إذا ولد، على أربعة أقوال: أحدها: أنه يحسب له سبعة أيام بلياليها، من غروب الشمس، ويلغى ما قبل ذلك إن ولد في النهار أو في الليل بعد الغروب، ويعق عنه في ضحى اليوم السابع، وهو قول

стр. 1491

ابن الماجشون في ديوانه. والثاني: إن ولد في النهار بعد الفجر ألغي ذلك اليوم، وحسب له سبعة أيام من اليوم الذي بعده، وإن ولد قبل الفجر، وإن كان ذلك في الليل حسب له ذلك اليوم، وهو قول ابن القاسم وروايته عن مالك في المدونة وغيرها. والثالث: أنه إن ولد في شباب النهار قبل الزوال حسب ذلك اليوم، وإن لم يولد إلا بعد الزوال ألغي ذلك اليوم، وهذا القول حكى ابن الماجشون أنه كان قول مالك أولا، ثم رجع عنه. والرابع: أنه يحسب ذلك اليوم وإن ولد في بقية منه قبل الغروب، وهو قول عبد العزيز بن أبي سلمة، واختار أصبغ أن يلغى ذلك اليوم، فإن حسب أيام من تلك الساعة إلى مثلها اجتزأ بذلك، وهو قول حسن، فيذبح بعد كمال ستة أيام من الساعة التي ولد فيها، ودخوله في اليوم السابع، وإن كان ذلك في آخر النهار لما جاء عنه في الحديث من أنه يذبح عنه يوم سابعه. [مسألة: فيما ينثر على الصبيان عند خروج أسنانهم وفي العرائس] ومن كتاب أوله سن رسول الله ﷺ مسألة قال مالك: أخبرني شيخ قديم قال: لما كانت فتنة ابن الزبير انتهب الناس تمر مال الله، قال: فاشترت أمي من ذلك التمر، فعملت منه خلا حتى طاب، وذهبت الفتنة، فأمرتني أمي أن أذهب إلى ابن عمر أسأله عن ذلك، فأتيت ابن عمر فسألته عن ذلك، فأفتاني أن أهريقه ولا نأكله، قال مالك: أرى ابن عمر إنما كرهه لموضع النهبة، قال مالك فيما ينثر على الصبيان عند خروج أسنانهم، وفي العرائس، فيكون فيه النهبة قال: لا أحب أن يؤكل منه شيء إذا كان يُنتهب.

стр. 1492

قال محمد بن رشد: وجه فتوى ابن عمر ﵁ المرأة أن تهريق الخل ولا تأكله، هو أن التمر الذي عملته منه كان من مال الله، فكان الحق فيه أن يقسمه الإمام بالاجتهاد، فلما لم تكن هي ممن لها الاجتهاد في ذلك، لم يأمرها بالتصدق به، ورأى لها الخلاص أن تهريقه ولا تأكله؛ لأن تصدقها به من غير أن يكون لها الاجتهاد في ذلك من جنس النهبة التي وقعت فيه أولا، والله أعلم، ويحتمل أن يكون ابن عمر ﵁ أفتاها بإراقته، وترك أكله عقوبة لها على ما فعلت من عملها إياه من التمر المنهوب، ولم يأمرها بالصدقة؛ لئلا يظن ظان أنه تتصدق به على مِلْكها، فتكون مأجورة في فعلها، فيكون ذلك ذريعة إلى استجازة ذلك الفعل، وهذا من نحو ما قيل في من فعل ما لا يجوز له من تخليل الخمر، أنها لا تؤكل وتهرق ولا يتصدق بها. وقد ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن «أمر الرسول ﷺ بإكفاء القدور يوم خيبر من لحوم الحمر الأهلية» إنما كان من أجل أنها كانت منتهبة، وأما ما ينثر على الصبيان عند خروج أسنانهم، وفي العرائس، فيكون فيه النهبة، فكرهه مالك بكل حال؛ لظواهر الآثار الواردة عن النبي ﵇ في ذلك، من ذلك نهيه عن النهبة، وأنه قال: «النهبة لا تحل» ، وأنه قال: «من انتهب فليس منا» ، وفي ذلك تفصيل، أما ما ينثر عليهم ليأكلوه على وجه ما يؤكل دون أن ينتهب، فانتهابه حرام لا يحل ولا يجوز؛ لأن مُخرِجه إنما أراد أن يتساووا في أكله على وجه ما يؤكل، فمن أخذ منه أكثر مما كان يأكل منه مع أصحابه على وجه الأكل، فقد أكل حراما، وأكل سحتا لا مرية فيه، ودخل تحت الوعيد، وأما ما ينثر عليهم لينتهبوه فهذا كرهه مالك، وأجازه غيره، وتأول أن نهي النبي ﵇ عن الانتهاب إنما معناه انتهابا ما لم يُؤذن في انتهابه، بدليل ما روي عن عبد الله بن قرط، قال رسول الله ﷺ : «أحب الأيام إلى الله يوم

стр. 1493

النحر، ثم يوم القر، فقرب إلى رسول الله ﷺ بدنات خمسا أو ستا، فطفقن يزدلفن إليه بأيهن يبدأ، فلما وجبت جنوبها قال: كلمة خفية لم أفهمها، فقلت للذي كان إلى جنبي ما قال رسول الله ﷺ ؟ قال: من شاء انقطع» ، وما روي من «أن صاحب هدي رسول الله ﷺ قال: يا رسول الله، كيف أصنع بما عطب من الهدي؟ فقال له رسول الله ﷺ : "انحرها ثم الو قلائدها في دمها، ثم خل بين الناس وبينها يأكلونها» ؛ لأنه أباح ﷺ في هذين الحديثين للناس الذين يحل لهم الهدي أن يأخذ منهم من شاء ما أخذ من غير مقدار، ولا قسم معلوم، وفي هذا بيان إن شاء الله. [مسألة: الضأن والمعز سواء تجزي في العقيقة] مسألة قال مالك: الضأن والمعز سواء تجزي في العقيقة والمعز سواء، يريد في الإجزاء لا في الأفضل؛ إذ لا اختلاف أن الضأن أفضل من المعز، وفي قوله دليل أنه لا يجزي فيها ما عدا الضأن والمعز، وهو قوله في سماع يحيى بعد هذا، وقد مضى في سماع أشهب من كتاب الضحايا ما ظاهره ظهورا بينا أن البقر والإبل تجزي في

стр. 1494

ذلك أيضا، وهو الأظهر قياسا على الضحايا، وقد مضى الاختلاف في ترتيب الأفضل في ذلك في الضحايا في رسم مرض وله أم ولد فحاضت من سماع ابن القاسم، وهو يدخل في العقائق على قياس هذا القول، وبالله التوفيق، لا رب غيره، ولا معبود سواه. [مسألة: لم يعق عن ولده حتى كبر وعقل] من سماع أشهب وابن نافع من مالك رواية سحنون مسألة قال سحنون أخبرني ابن القاسم وابن نافع قالا: سئل مالك عمن لم يعق عن ولده حتى كبر وعقل، أترى أن يعق عنه إذا كبر؟ فقال: لا، فقيل له: أفرأيت الذي لا يتهيأ له ما يعق به عن ولده حتى يمر السابع؟ قال: لا، إلا أن يكون قريبا، ويعق عنه أيضا بعد ما خضب لحيته، أرأيت أصحاب رسول الله ﷺ الذين لم يعق عنهم في الجاهلية، أعقوا عن أنفسهم في الإسلام؟ هذه الأباطيل. قال محمد بن رشد: المشهور عن مالك مثل ما يأتي له بعد هذا في هذا السماع، أنه لا يعق عن المولود إلا يوم سابعه، فإن لم يفعل حتى غربت الشمس من يوم السابع، فقد فاتت العقيقة، خلاف قوله في هذه الرواية: إنه يعق عنه بعد السابع إذا كان قريبا، وروى ابن وهب أنه إن لم يعق عنه يوم سابعه عق عنه يوم السابع الثاني، فإن لم يفعل عق عنه في الثالث، فإن جاز ذلك فقد فات موضع العقيقة، وروى مثله عن عائشة، وروى ابن عبد الحكم القولين عن مالك، واختار رواية ابن وهب، ومن أهل العلم من أوجب العقيقة بظاهر قول النبي ﵇: «الغلام مرتهن بعقيقته» ، وبغيره

стр. 1495

من الأحاديث التي يدل ظاهرها على الوجوب، فقال: إن لم يعق عنه وهو صغير يلزمه أن يعق عن نفسه وهو كبير، واستدل بما روي عن النبي ﵇ من «أنه عق عن نفسه بعد ما جاءته النبوة» ، ولم يصح ذلك عند مالك ﵀، وأنكره في هذه، وقال: إن ذلك من الأباطيل. [مسألة: العقيقة أهي عن الغلام والجارية] مسألة وسئل عن العقيقة أهي عن الغلام والجارية سواء؟ فقال: نعم، الغلام والجارية سواء، يعق عنهما يوم سابعهما. قال محمد بن رشد: قد روي عن النبي ﵇ أنه قال: «من أحب أن ينسك عن ولده فلينسك عن الغلام شاتان مكافأتان، وعن الجارية شاتان» ، والمكافأتان المتماثلتان المشتبهتان، وذهب إلى هذا جماعة من أهل العلم منهم ابن عمر، وعائشة زوج النبي ﵇، فمن أخذ به فما أخطأ، ولقد أصاب. [مسألة: وقت العقيقة] مسألة قيل: أرأيت إن لم يتهيأ له يوم سابعه ويتهيأ له بعد ذلك بيوم أو بيومين أو في السابع الثاني؟ قال: لا يعق إلا في اليوم السابع، قيل له: أفيؤكل منها، فقال: نعم، يؤكل منها ويطعم، قيل له: أيعمل منها الطعام فيدعى عليه الناس؟ قال: ما رأيت الناس هاهنا عندنا على هذا، وما رأيتهم يفعلونه، إنما رأيتهم يقطعونه ثم يجمعونه في شيء، ثم يأكلون منه ويطعمون منه، ورأيتهم يبعثون به إلى الجيران، فإذا أرادوا أن يصنعوا طعاما صنعوه من غيرها، ثم دعوا عليه.

стр. 1496

قال محمد بن رشد: قوله: إنه لا يعق عنه بعد السابع وإن قرب هو قول ابن القاسم، وهو المشهور من قول مالك، خلاف ما تقدم في أول السماع، وقد مضى هناك الخلاف في ذلك وما بعد ذلك من أنه يؤكل منها ويطعم الجيران، ولا يصنع طعام يدعى عليه الناس إلا من غيرها هو معنى ما مضى في رسم سلف في المتاع والحيوان المضمون، من سماع ابن القاسم، وقد مضى عليه من القول هناك ما فيه كفاية ومقنع. [مسألة: وقت تسمية الغلام] مسألة وسئل مالك فقيل له: أيكره أن يسمى أحد قبل يوم السابع؟ قال: ما رأيت أحدا يسمى قبل يوم السابع، إنما يعق عنه ويسمى يوم السابع. قال محمد بن رشد: قد مضى الكلام أيضا على هذه المسألة في رسم سلف في المتاع والحيوان، من سماع ابن القاسم، فلا معنى لإعادته. [مسألة: يولد فيموت قبل السابع أعليه فيه عقيقة] مسألة قيل له: أرأيت الذي يولد فيموت قبل السابع، أعليه فيه عقيقة؟ فقال: لا. قال محمد بن رشد: وهذا كما قال، وهو مما لا اختلاف فيه أعلمه؛ لأن العقيقة إنما يجب ذبحها عنه يوم السابع إذا حلق رأسه، وأميط عنه الأذى على ما جاء عن النبي ﵇، ومضى القول فيه في أول رسم، من سماع ابن القاسم، فإذا مات قبل ذلك سقطت عنه العقيقة. [مسألة: إذا عق عن الولد يوم السابع أيجوز أن يطعم في ذلك لحما نيا] مسألة قيل: أرأيت الرجل إذا عق عن الولد يوم السابع، أيجوز أن يطعم في ذلك لحما نيا؟ قال: لا بأس بذلك، وفي ذلك سعة إن

стр. 1497

شاء الله، وإن أطعم نيا أو غيره، وقد كان الناس يطعمون ذلك الجيران. قال محمد بن رشد: قد تكرر هذا المعنى في هذا السماع، في سماع ابن القاسم وغيره، ومضى القول فيه، فلا وجه لإعادته. [مسألة: كان سابع ابنه يوم الأضحى هل تجزئ عنه في العقيقة والأضحية] مسألة قال موسى بن معاوية: قال معن: وسئل مالك عن رجل كان سابع ابنه يوم الأضحى، وليس عنده إلا شاة هل تجزئ عنه في العقيقة والأضحية؟ فقال: بل يعق بها. قال محمد بن رشد: معنى هذا إذا رجا أن يجد أضحية في بقية أيام الأضحى، وأما إذا لم يرج ذلك، فليضح بالشاة؛ لأن الضحية أوجب من العقيقة عند مالك وجميع أصحابه؛ لأن الأضحية قيل فيها: إنها سنة واجبة، وقيل: سنة غير واجبة، والعقيقة قيل فيها: إنها سنة غير واجبة، وقيل فيها: إنها سنة مستحبة، وقد مضى هذا في رسم حلف، من سماع ابن القاسم، ولو كان ذلك في آخر أيام النحر لكانت أولى، قاله العتبي، وهو على قياس ما قلناه، وبالله التوفيق. [مسألة: العقيقة أيطعم منها الرجل جيرته الأغنياء] من سماع عيسى بن دينار من ابن القاسم من كتاب أوله نقدها نقدها مسألة قال عيسى: وسئل ابن القاسم عن العقيقة، أيطعم منها الرجل جيرته الأغنياء؟ قال: أهل الحاجة أحب إلي، وإن فعل فأرجو ألا

стр. 1498

يكون عليه شيء، قيل له: أيصنع صنيعا يدعو إليه؟ قال: لا يعجبني. قال محمد بن رشد: وهذا كما قال: إن أهل الحاجة من جيرته أولى أن يطعمهم منها من الأغنياء، وإن كانت تحل للأغنياء؛ لأن الله تعالى حض على إطعام الفقراء من لحوم الهدايا التي تحل للأغنياء، قال تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: ٢٨] ، وقال: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: ٣٦] ، والقانع هو الفقير، وأما كراهيته أن يصنع صنيعا يدعى إليه، فمعناه من شاة العقيقة على ما تقدم في سماع أشهب، وفي رسم سلف في المتاع والحيوان المضمون، من سماع ابن القاسم، وأما من غير شاة العقيقة فلا بأس بذلك، وقد كان عبد الله بن عمر وغيره من السلف يدعون على الولاد والختان، ولا بأس على من دعي إلى ذلك أن يجيب إليه، وقد مضى في رسم الشريكين من سماع ابن القاسم، من كتاب الصيام، ما تجب فيه إجابة الداعي مما لا تجب مستوفى، وبالله التوفيق. [مسألة: العقيقة هل يدعو إليها الرجل والرجلين من إخوانه] ومن كتاب أوله أسلم وله بنون صغار مسألة وسئل ابن القاسم عن العقيقة هل يدعو إليها الرجل والرجلين من إخوانه؟ قال: لا يدعو لها أحدا، وإنما هي لجيرانه يقرب لهم منها.

стр. 1499

قال محمد بن رشد: قد مر هذا المعنى متكررا في هذا السماع، وسماع أشهب، وسماع ابن القاسم، ومضى من القول عليه ما لا زيادة فيه، وبالله التوفيق. [مسألة: ذبح عقيقة ابنه بليل أيجب عليه بدلها] من سماع يحيى بن يحيى من ابن القاسم من كتاب الصلاة مسألة قال يحيى: وسألته عمن ذبح عقيقة ابنه بليل، أيجب عليه بدلها كما يجب على من ذبح أضحيته ليلا؟ قال: أرى ذلك عليه واجبا، وحالهما عنده واحد، يريد الضحية والعقيقة. قال محمد بن رشد: أما من ذبح عقيقته بليل فلا تجزئ، واختلف أن ذبحها قبل طلوع الشمس وبعد طلوع الفجر على ما مضى القول عليه في رسم باع غلاما، من سماع ابن القاسم. [مسألة: سنة العقائق] مسألة قال سحنون: قال مالك: لا تجزئ في العقائق الإبل ولا المعز، وإنما سنة العقائق الغنم لا غير، وكذلك جاءت السنة. قال محمد بن رشد: وهذا مثل ظاهر قوله أيضا في رسم سن، من سماع ابن القاسم، خلاف ما حكى عنه ابن حبيب، من أنه لا يضحى ولا يعق إلا بالضأن والمعز والإبل والبقر، والضأن أفضلها، وهو ظاهر ما في سماع أشهب، من كتاب الضحايا، فقف على ذلك وتدبره.

стр. 1500

[مسألة: الجوز واللوز والسكر ينثر في الإمكاك أو الختان] من سماع أصبغ من ابن القاسم مسألة وسئل أصبغ عن الجوز واللوز والسكر ينثر في الإمكاك أو الختان، هل ترى ذلك جائزا؟ قال: نعم، ذلك جائز لا بأس به، ولا تجوز الخلسة فيه، فأما نثره للناس وعليهم للأكل، فلا بأس به. قال محمد بن رشد: قد مضى القول في هذه المسألة في رسم سن رسول الله ﷺ ، من سماع ابن القاسم، فلا معنى لإعادته هاهنا مرة أخرى، وبالله التوفيق. تم كتاب العقيقة

стр. 1501

[: كتاب الحج الأول] [مسألة: رمى الجمرة الأولى ثم الأخيرة ثم الوسطى] كتاب الحج الأول من سماع ابن القاسم من مالك من كتاب قطع الشجرة مسألة قال سحنون: أخبرني ابن القاسم عن مالك في من رمى الجمرة الأولى ثم الأخيرة ثم الوسطى، فإنه يرجع فيرمي الأخيرة، ثم حسبه، قال مالك: وإن رمى الأخيرة، ثم الوسطى، ثم الأولى؛ عاد لرميه من الوسطى، وإن رمى الأولى ثم الأخيرة، رمى الوسطى ثم الأخيرة. قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن الترتيب في رمي الجمرات الثلاث في كل يوم من أيام منى من سنة الرمي، فإن ذكر ذلك من يومه أصلح رميه، بأن يلغي ما قدمه ووضعه في غير موضعه، فيفعله مرة أخرى، وما بعده حتى يخلص له الترتيب ولا دم عليه، وإن لم يذكر ذلك في يومه حتى غابت الشمس، أصلح رميه أيضا بما ذكرناه حتى يصلح له الترتيب ما لم تنقض أيام منى، وكان عليه الدم، وقيل: لا دم عليه على اختلاف قول مالك في المدونة، فيمن ترك رمي جمرة من الجمار حتى غابت الشمس، ولم تنقض أيام منى، وإن لم يذكر ذلك إلا بعد أيام منى، فقد فاته الإصلاح، وعليه الدم قولا واحدا، قال ابن المواز: ولو رمى الجمار بحصاة حصاة، كل جمرة حتى أتمها

стр. 1502

بسبع، فيلزم الثانية بست، ثم الثالثة بسبع، وهو صحيح؛ لأن الترتيب يصح له بهذا. [مسألة: أفاض وطاف بالبيت ثم وطئ أهله] مسألة قال ابن القاسم: وسمعت مالكا يقول فيمن أفاض وطاف بالبيت ثم وطئ أهله، قبل أن يركع: إنه إن كان بمكة أفاض مرة أخرى فطاف وركع، ثم خرج معتمرا ويهدي، وإن خرج إلى أهله ركع ركعتين حيث كان وأهدى. قال محمد بن رشد: هذا على أصله فيمن وطئ بعد رمي الجمرة وقبل الإفاضة، أنه يهدي ويعتمر ليأتي بطواف الإفاضة الذي أفسده بالوطء قبله في إحرام صحيح، فلما كان الذي نسي الركعتين من طواف الإفاضة يجب عليه أن يعيد طواف الإفاضة ما كان بمكة أو قريبا منها، كان الذي وطئ قبل أن يعيد الطواف في حكم من وطئ قبل الطواف في وجوب الهدي والعمرة عليه. وقوله: وإن خرج إلى أهله ركع ركعتين حيث كان، وأهدى هديا، معناه إن لم يذكر ذلك حتى رجع إلى أهله، ولو علم وهو بمكة أو قريب منها أنه وطئ قبل الركعتين فخرج إلى بلده لوجب عليه الرجوع لما وجب عليه من إعادة الإفاضة، ومن العمرة، وهذا على القول بأن من وجب عليه أن يعيد في الوقت، فلم يعد حتى ذهب الوقت أنه يجب عليه أن يعيد بعد الوقت، ولأهل العلم فيمن وطئ قبل الإفاضة وبعد الرمي ثلاثة أقوال؛ أحدها: هذا أنه يعتمر ويهدي. والثاني: أنه يهدي ولا عمرة عليه، وقد ذكر ابن القاسم في الأول من حج المدونة أن هذا هو قول جل الناس. والثالث: أنه قد أفسد حجه، وهو قول عبد الله بن عمر وجماعة من السلف، وظاهر قول عمر بن الخطاب: من رمى الجمرة، فقد حل له ما حرم عليه إلا النساء والطيب، وفي بعض الروايات والصيد، واختلف قول مالك فيمن وطئ بعد الوقوف بعرفة

стр. 1503

وقبل رمي الجمرة، فالمشهور عنه أنه قد أفسد حجه، وقد روي عنه أن حجه تمام وعليه العمرة والهدي، وأما من وطئ قبل الوقوف بعرفة، فلا خلاف بين أهل العلم في أنه قد أفسد حجه. [مسألة: ترك أهله بمكة من الآفاق وخرج لغزو أو تجارة] مسألة قال ابن القاسم: وسمعت مالكا يقول: ليس على من ترك أهله بمكة من الآفاق، وخرج لغزو أو تجارة إذا قدم في أشهر الحج متعة، كما ليس على أهل مكة متعة. قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة، ومعناها أنه قدم مكة قبل أشهر الحج، فترك أهله بها على نية الاستيطان لها، ثم خرج لغزو أو لتجارة، فقدم معتمرا في أشهر الحج، وكذلك لو سكنها بغير أهل قبل أن يتمتع، قاله ابن المواز، فليست هذه المسألة بخلاف لمسألة كتاب الحج الأول من المدونة في الذي يقدم مكة في أشهر الحج معتمرا، ينوي استيطانها؛ لأنه لم يتقدم له استيطانها قبل قدومه معتمرا، فلذلك قال فيها: إنه ليس كأهل مكة؛ إذ لعله سيبدو له فيما نوى، قوله فيها معارض لما في إرخاء الستور من المدونة، وموضع الخلاف بينهما، هل يصدق فيما يدعي أنه أراد من ذلك أم لا؟ [مسألة: يلبي بالحج وهو مولى عليه] مسألة وقال مالك في الرجل يلبي بالحج، وهو مولى عليه، والمرأة عند أبيها، أو عند زوجها إن ذلك من السفه، ولا يجاز ذلك، ولا يمضي لمن فعله، وليس على المرأة أن تقضيه إذا هلك زوجها أو أبوها.

стр. 1504

قال محمد بن رشد: معنى هذه المسألة أنهم أحرموا من بيوتهم دون الميقات، وقبل أشهر الحج، فلذلك كان للأب والزوج والولي ألا يمضوا فعلهم، وأن يحلوهم من إحرامهم؛ لأن ذلك خطأ منهم وتعد، وقوله: وليس على المرأة أن تمضيه إذا هلك زوجها أو أبوها، مثل ما في المدونة؛ لأن معنى المسألة أنهم أحرموا بحجة الفريضة، فليس عليهم إذا قضوا حجة الفريضة للإحرام الذي حللهم منه شيء، ولو كانوا إنما أحرموا بحج التطوع، وتركوا الفريضة لوجب عليهم قضاء الحجة التي حللوا منها بعد قضاء حجة الفريضة على مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك، خلاف قول أشهب: إن العبد إذا أحرم بغير إذن سيده، فحلله سيده من إحرامه أنه لا يجب عليه في ذلك قضاء؛ لأنه إنما حله بحجة بعينها، كمن نذر صوما بعينه، فمنعه من صيامه عذر، وقال ابن المواز: إن المولى عليه والمرأة عند أبيها لا يلزمهم قضاء الإحرام الذي حللوا منه، كما لا يلزمهم العتق إذا ولوا أنفسهم، وهذا هو مذهب أشهب الذي ذكرناه. [مسألة: خرج يريد التمتع فألفى الناس قد فرغوا من الحج] مسألة قال مالك: لو أن رجلا خرج يريد التمتع، فألفى الناس قد فرغوا من الحج، لم يقع عليه شيء. قال محمد بن رشد: قوله يريد التمتع، أي يريد العمرة في أشهر الحج مثل الحج، فإذا أحرم بعمرة أو بحج، فألفى الناس قد فرغوا من الحج، فلا شيء عليه كما قال، إلا إكمال العمرة التي أحرم بها؛ لأنه قد فاته الحج

стр. 1505

في ذلك العام، وفي بعض الروايات خرج يريد الحج، والصحيح خرج يريد التمتع؛ لأن من خرج يريد الحج، فألفى الناس قد فرغوا من الحج، لا إشكال في أنه لا شيء عليه إن كان لم يحرم، وإن كان قد أحرم، فلا بد له من قضاء الحج الفائت، وعليه الهدي. [مسألة: هلك رجل بالفسطاط وأوصى أن يحج عنه] مسألة قلت لابن القاسم: لو هلك رجل بالفسطاط، وأوصى أن يحج عنه، فدفع عنه إلى رجل ليحج عنه، ولم يشترطوا عليه أن يحرم من ذي الحليفة أو غيرها، فخرج فأحرم عن نفسه من ذي الحليفة بعمرة، وحج عن الميت من مكة؟ قال: أراه ضامنا للحجة، أو يرد المال، ولا أبالي اشترطوا عليه الإحرام أو لم يشترطوا؛ لأن من دفع إليه مالا ليحج به عن ميت، فليحرم من ميقات الموضع الذي يحج منه. قال محمد بن رشد: قوله: إنه ضامن، وإن لم يشترطوا عليه الإحرام من ذي الحليفة، هو القول الذي رجع إليه ابن القاسم في المدونة، وكان أولا يقول: إنه لا ضمان عليه إلا أن يشترط عليه الإحرام من ذي الحليفة، وفي أصل السماع أنه لا ضمان عليه، وإن اشترطوا عليه أن يحرم من ذي الحليفة، ولا حجة للمستأجر عليه في أن قدم بين يدي حجه عمرة، وإن اشترط عليه ألا يفعل وهو بعيد، فهي ثلاثة أقوال؛ أبينها القول الذي رجع إليه ابن القاسم في المدونة، وهو قوله في هذه الرواية، وقوله أراه ضامنا للحجة أو يرد المال ليس معناه أنه مخير في ذلك، وإنما معناه أنه ضامن للحجة إن كان أخذ المال على الإجارة، إذ لم تقع الإجارة على أن يحج عليه في ذلك العام بعينه، وإن قال: استأجرك على أن يحج عنه في هذه العام، فلا يتعين بذلك العام، كمن استأجر سقاء على أن يسوق له اليوم قلة ماء، فإن لم يسقها ذلك اليوم وجب عليه أن يسوقها في اليوم الذي بعده، وإن استأجره على الحج

стр. 1506

وسكت فهو على أول سنة، فإن لم يحج في أول سنة لزمه أن يحج فيما بعدها، وذهب ابن العطار إلى أن السنة تتعين بذكرها، ولا تصح الإجارة عنده إلا بتعيينها، فقال: عقد الإجارة في ذلك على سنة مسماة لم تأت بعد، على أنه موسع عليه في تعجيلها، فأما قوله: إنها تتعين بذكرها، فقد قيل ذلك أنها تتعين إذا عينت، وهو الذي يدل عليه ما في الحج الثالث من المدونة، وأما ما ذهب إليه من أن الإجارة لا تصح إلا بتعيينها، فليس بصحيح، قد أجاز في سماع أبي زيد من هذا الكتاب الاستئجار على حجة مقاطعة في غير سنة بعينها، وسيأتي الكلام عليها هناك إن شاء الله، وأنه يرد المال إن كان أخذه، على البلاغ؛ لأنه إذا أخذه على البلاغ، فإنما هو رسول لهم لم يضمن الحج، فإذا تعدى فأنفق مالهم في غير ما إذن له فيه، صار ضامنا له، وترتب في ذمته، ومن ترتب في ذمته مال لم يجز أن يصرف في إجارة عند مالك وجميع أصحابه. [مسألة: خرج في مشي عليه فمرض في بعض الطريق] ومن كتاب القبلة مسألة قال ابن القاسم، وسمعت مالكا: قال فيمن خرج في مشي عليه، فمرض في بعض الطريق، فركب يوما أو ليلة، ثم مشى بعد ذلك حتى بلغ، فأرجو أن يجزئ عنه، ويهدي ما استيسر من الهدي، فإن لم يجد صام عشرة أيام. قال محمد بن رشد: هذا مثل ما في المدونة وغيرها من الدواوين أنه إن كان الذي ركب اليسير الأميال واليوم وشبهه، فليس عليه أن يعيد ثانية، ويجزئ الهدي، وسواء قرب مكانه أو بعد، وقد روى ابن وهب، عن مالك: أنه لا هدي عليه إن بعد مكانه كمصر وشبهها، وأما إن كان كثر ما ركب، ولم يكن جل الطريق، فإنه يرجع ثانية للمشي ما ركب باتفاق في المذهب إن كان

стр. 1507

موضعه قريبا كالمدينة ونحوها، واختلف إن كان موضعه بعيدا كمصر ونحوها، فقيل: إنه يرجع، قاله في كتاب ابن المواز، وهو ظاهر ما في المدونة في تفسير ابن مزين أنه لا يرجع، وأما إن بعد موضعه جدا كإفريقية والأندلس، فليس عليه أن يرجع ويجزئه الهدي؛ لأن الرجوع ثانية من الأندلس وشبهها من البعد أشق من الرجوع من المدينة ونحوها ثالثة، وأما إن كان الذي ركب جل الطريق فيما قرب، فعليه أن يمشي الطريق كله ثانية، رواه ابن الماجشون عن مالك في المبسوطة، ومثله في كتاب ابن المواز. [مسألة: حق أهل مكة وغيرهم ممن يقدم عليهم من الناس في دور مكة] ومن كتاب أوله حلف ألا يبيع سلعة سماها مسألة وسئل مالك عن تفسير هذه الآية: ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ [الحج: ٢٥] ، أي سواء في الحق والسعة، والباقي في أهل البادية وغيرهم ممن يقدم عليهم، وقد كانت الفساطيط تضرب في الدور، ولقد سمعت أن عمر بن الخطاب كان ينزع أبواب بيوت مكة إذا قدم الحاج. قال محمد بن رشد: تأويل مالك لهذه الآية على أن حق أهل مكة وغيرهم ممن يقدم عليهم من الناس في دور مكة سواء، واستدلاله على ذلك بما ذكر من فعل عمر بن الخطاب، يدل على أنها لا تباع ولا تكرى خلاف ظاهر قول ابن القاسم في كتاب كراء الدور والأرضين، وكتاب الحوائج من المدونة، لما ذكر من نفاق كراء الدور بها في أيام الموسم، وليس في الآية بيان يدفع القدر؛ لاحتمال رجوع الضمير من قوله: ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ [الحج: ٢٥]

стр. 1508

على المسجد المذكور دون سائر البلدة؛ على ما قاله جماعة من المفسرين، والأصل في اختلاف أهل العلم في هذه المسألة اختلافهم في افتتاح مكة، فمن ذهب إلى أنها افتتحت عنوة، قال: إن دورها لا تباع ولا تكرى، وهو قول أبي حنيفة وجماعة سواه، ويشهد لهذا القول ما روي أن رسول الله ﷺ قال: «مكة كلها مباح، لا تباع رباعها ولا تواجر» ، ومن ذهب إلى أنها مؤمنة، والأمان كالصلح، وأن أهلها مالكون لرباعها، أجاز لهم بيعها وكراءها، وهو قول الشافعي، ولا خلاف عند مالك وأصحابه في أنها افتتحت عنوة إلا أنهم اختلفوا هل من على أهلها بها، فلم تقسم كما لم يسب أهلها لما عظم الله من حرمتها؟ أو هل أقرت للمسلمين؟ فعلى هذا جاء الاختلاف في جواز كرائها في المذهب، فروي عن مالك في ذلك ثلاث روايات؛ أحدها: المنع، والثانية: الإباحة، والثالثة: كراهية كرائها في أيام الموسم خاصة. [مسألة: ذكر الحج في القرآن] مسألة قال مالك: الحج كله في كتاب الله تعالى، والصلاة، والزكاة، ليس لها في كتاب الله تفسير، ورسول الله ﷺ بين ذلك. قال محمد بن رشد: ظاهر قول مالك هذا أن الحج كله في كتاب الله تعالى مفسر، وأن الصلاة والزكاة ليستا مفسرتين فيه، وأن النبي ﷺ هو فسرهما، وليس ذلك بصحيح، بل ما أتى من ذكر الحج في القرآن مفتقر إلى بيان، والتفسير الذي فسره به رسول الله ﷺ ، وبين مراد الله فيه قولا وعملا، كافتقار الصلاة والزكاة إلى ذلك سواء، ولو تركنا وظاهر ما في القرآن من أمر الحج، لما صح لنا منه امتثال أمر الله به، إذ لم يبين فيه شيئا من صفة عمله وترتيبه في أوقاته التي لا تصح إلا فيها، وشرائطه التي لا تتم إلا بها، وسنته التي لا يكتمل إلا بها، فليس الكلام على ظاهره، وإنما معناه الذي أراده به أن الحج كله في كتاب الله تعالى، والصلاة والزكاة، تم الكلام هاهنا. ثم ابتدأ

стр. 1509

فقال: ليس لها - أي لجميع ذلك في كتاب الله تعالى - تفسير، ورسول الله ﷺ بين ذلك، ويبين تأويلنا هذا ما في كتاب ابن المواز من قوله: وكذلك الحج والزكاة تدل وجوبهما في القرآن مجملا، وبين رسول الله ﷺ ما أراد الله منه وفسره، وقوله في الرواية أيضا ليس لها، ولم يقل لهما، وقد نقل ابن أبي زيد هذه الرواية بالمعنى على ظاهرها نقلا غير صحيح، فقال فيها: الحج كله في كتاب الله سبحانه، وأما الصلاة والزكاة فذلك مجمل فيه، ولهذا وشبهه رأي الفقهاء قراءة الأصول أولى من قراءة المختصرات والفروع. [مسألة: رمي الجمار] مسألة وسئل مالك عن قول الله سبحانه: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩] ، قال: هو رمي الجمار، قال: ومن كلام أن يسموا العقل النذر، يريدون بذلك العود، وقال سحنون: يريد بالعقل عقل الجراح. قال محمد بن رشد: إنما تأول مالك ﵀ أن مراد الله بقوله تعالى: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩] هو رمي الجمار من أجل أن الوفاء بالشيء لا يكون إلا بإكماله إلى آخره، ورمي الجمار هو آخر عمل الحج مع الطواف الذي ذكره الله معه فقال: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] ، واستدل على ذلك بأن العرب تسمي العقل نذرا، وهو العدد الذي يجب في الجراح، يريد بذلك رمي الجمار، سماه الله نذرا؛ لأنه عده واجب رميه في الحج. [مسألة: يفيض من منى إلى البيت فيطوف طواف] مسألة وسألته عن الذي يفيض من منى إلى البيت، فيطوف طواف

стр. 1510

الإفاضة، ثم يريد أن يتنفل طوافا أو طوافين بعد ذلك، قال: ما هو من عمل الناس، وإني لأرجو أن يكون خفيفا، وكأني رأيته يرى أن ترك ذلك أعجب إليه. قال محمد بن رشد: رأى مالك ترك التنفل بالطواف إثر طواف الإفاضة أحسن من التنفل به، إذ لم يدرك الناس إلا على ذلك، ولأن الاختيار أن يعجل الإفاضة يوم النحر قبل الزوال، ثم يرجع إلى منى فيصلي بها الظهر كما فعل رسول الله ﷺ ، والوقت لا يتسع للتنفل بالطواف، وقد كان روي عن النخعي أنه قال: كانوا يستحبون الإفاضة يوم النحر، وأن يطوفوا يوم النحر ثلاثة أسابيع، وقول مالك أولى لما قدمناه، وقد روي «أن رسول الله ﷺ لم يفض إلا في آخر يوم النحر» . [مسألة: التلبية على الصفا والمروة] مسألة وسئل عن التلبية على الصفا والمروة، قال: لا بأس في ذلك في الحج، ولا يلبي أحد عليهما في العمرة، أحرم من ميقاته، أو من التنعيم، أو من الجعرانة؛ لأن التلبية تنقطع إذا أحرم من ميقاته إذا دخل الحرم، وينقطع إذا لم يحرم من ميقاته إذا دخل المسجد. قال محمد بن رشد: قوله: لا بأس أن يلبي في الحج على الصفا والمروة، يدل على أن الأحسن عنده ألا يفعل، فهو مثل ما في المدونة من أنه استحب للحاج أن يقطع التلبية إذا بدأ بالطواف حتى يفرغ من السعي بين الصفا والمروة، ثم يعود إليها حتى يروح يوم عرفة بعد الزوال إلى المسجد، أو إلى الموقف على اختلاف قوله في ذلك؛ لما رواه عن عبد الله بن عمر
следующие страницы →