Полный текст (9 112 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.
стр. 1716
يظهر بها حمل، فتريد أن تلحقه بزوجها فيما دون الخمسة الأعوام، فقيل ذلك لها، وهو الذي في كتاب طلاق السنة من المدونة، وقيل: ليس ذلك لها، وتحد ولا يلحق الولد بالزوج إذا جاء من ذلك الأمر البين، مثل أن تعتد في الوفاة أربعة أشهر وعشرا، وتحيض حيضة، وتقيم اثني عشر شهرا ونحوها لا حمل بها، ثم تأتي بحمل، وتزعم أنه من زوجها، وهو قول ابن دينار وعيسى عن ابن القاسم في المدنية.
[مسألة: اشترى جارية فأولدها ثم استحقها رجل فدفعها إليه الذي أولدها]
مسألة وسئل سحنون: عن رجل اشترى جارية، فأولدها ثم استحقها رجل، فدفعها إليه الذي أولدها، ثم اشتراها منه بعد ذلك، هل تكون الجارية عنده أم ولد، أم لا حتى يولدها بعد الاستبراء؟ فقال: إن كان دفعها إليه بقضاء قاض، ثم استبرأها فإنها لا تكون له أم ولد حتى يولدها فيما يستقبل، وإن كان دفعها إليه صلحا منه على غير قضاء قاض، ثم اشتراها فإنها تكون عنده أم ولد بملكه الأول حين أولدها [فيه] .
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قال؛ لأنها قد وجبت لها حرمة الإيلاد، فوجب أن لا ينقض إلا بحكم حاكم؛ لأنه يتهم على إبطال ما وجب لها من الحرمة بأن يصدق المستحق لها فيما ادعاه من الباطل، ويعمل معه على أن يشتريها منه لينقض بذلك حرمتها، وذلك ما لا يجوز له، وبالله التوفيق.
[مسألة: الجارية تواضع للاستبراء فيذهب الثمن في أيام الاستبراء]
مسألة وسئل عن الجارية تواضع للاستبراء فيذهب الثمن في أيام
стр. 1717
الاستبراء، وتخرج هي وبها عيب أو تموت، فقال: أشهب وابن القاسم يقولان: إن أحب أخذها، أخذها بالثمن التالف ولم يكن عليه غيره، وزعم غيرهما: أن ذلك ليس له إلا أن يغرم الثمن، وقد قيل أيضا: إن البيع يفسخ، وذكر مالك أن الثمن من المبتاع.
قال محمد بن رشد: قد مضى القول في هذه المسألة في أول رسم من سماع ابن القاسم [مستوفى] فلا معنى لإعادته مرة أخرى [هنا] .
[مسألة: ابتعت جارية بيع المسلمين وعهدتهم ثم بعتها بالبراءة فهل ترد علي هذا البيع]
مسألة قال سحنون: بلغني أن مالكا سئل فقيل له: إني ابتعت جارية بيع المسلمين وعهدتهم، ثم بعتها بالبراءة، فهل ترد علي هذا البيع؟ فقال: لا ترد عليه، ولكنني أكرهه.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضى القول فيها مستوفى في أول رسم من سماع أشهب في أوله وأخره من كتاب العيوب، فهو موضعها لمن أحب الوقوف عليها.
[مسألة: الرجل يشتري الجارية فيتواضعها للاستبراء]
مسألة وسئل مالك: عن الرجل يشتري الجارية فيتواضعها للاستبراء، فقال البائع: هلم الثمن، فواضعه على يدي رجل، فقال مالك: ليس ذلك عليه، وإنما يدفع الثمن إذا وجبت له الجارية.
قال محمد بن رشد: قد مضت هذه المسألة متكررة في أول رسم من
стр. 1718
سماع ابن القاسم، ومضى هناك من القول عليها ما فيه كفاية لمن أحب الوقوف عليها.
[مسألة: يشتري الجارية ويقول لبائعها أحبسها عندك حتى أعطيك الثمن]
مسألة قال سحنون: وسألت ابن القاسم عن الرجل يشتري الجارية من الرجل، فيقول لبائعها: أحبسها عندك حتى أعطيك الثمن أو كان البائع نفسه هو الذي أبى أن يدفعها إلى المبتاع حتى يقبض الثمن، ثم وطئها البائع فحملت منه، [فقال ابن القاسم: إذا كان البائع هو الذي احتبسها حتى يقبض الثمن ثم وطئها البائع فحملت منه] فلا حد عليه للشبهة التي فيها، ويأخذ المشتري جاريته، ويكون على البائع قيمة الولد، وإن كان البائع هو الذي أمكنه منها فاقرها مشتريها عنده فوطئها البائع بعد استبراء رحمها، فأرى أن يحد على كل حال، وهو رأيي، وإن كان لم يستبر رحمها، وقد كان يطؤها رأيت أن يدرأ عنه الحد؛ لأني لا أدري لعل هذا الحمل قد كان قبل ذلك الوطء، ورأيتها أم ولد له، ويعاقب عقوبة موجعة، ورواها أصبغ عن ابن القاسم، قال سحنون: وإن كانت من وخش الرقيق ومنعه البائع قبضها حتى يأتيه بالثمن، فوطئها البائع فأولدها كانت له أم ولد؛ لأن مصيبها كانت منه، وعتقه فيها جائز إذا احتبسها للثمن، وكذلك يقول جميع أصحابنا إن المصيبة منه إلا
стр. 1719
ابن القاسم وحده كان يقول: هي من المشتري، وإن كان تركها عنده المبتاع على وجه الوديعة، ولم يمنع من قبضها فإن الحد عليه، ولا يلحق به الولد؛ لأن مصيبتها من المبتاع.
قال محمد بن رشد: تحصيل القول في هذه المسألة أن الأمة المبيعة إن بقيت بيد البائع، فوطئها بعد البيع قبل الاستبراء وقد كان المبتاع ائتمنه على استبرائها، وهي ممن تجب مواضعتها لرفعتها، ولأن البائع كان يطؤها، فإنها تكون أم ولد له ويبطل البيع، وإن كان وطؤه إياها بعد أن استبرأها بائتمان المبتاع له على استبرائها، أو كانت من وخش الرقيق التي لا مواضعة فيها، وقد انتقد فإنه يحد، ولا يلحق به الولد، وتكون الأمة وولدها للمبتاع، واختلف إن كان لم ينتقد، فوطئها وهي عنده محبوسة بالثمن، فقال ابن القاسم: يدرأ عنه الحد بالشبهة، ويأخذ المشتري جاريته، ويكون على البائع قيمة الولد، وقال سحنون: تكون أم ولد له ويبطل البيع، وقد مضى في أول رسم من سماع ابن القاسم من كتاب العيوب تحصيل الاختلاف فيما تدخل به السلعة المبيعة في ضمان المبتاع كانت محبوسة بالثمن أو لم تكن، فلا معنى لإعادته [هنا] .
[بيع أم ولد العبد الحامل]
من سماع أصبغ بن الفرج قال أصبغ: سمعت ابن القاسم يقول في أم ولد العبد تكون حاملا: إنها لا تباع لغرمائه حتى تضع ما في بطنها؛ لأن ما في بطنها مال من مال سيده، ولا يجوز بيعها، ولا استثناؤها وإن
стр. 1720
العبد، وإن لم يكن عليه دين إذا أذن له سيده في بيعها باعها، وإن كانت حاملا، وقال أصبغ: وقال: وإن علم السيد بالحمل أو لم يعلم إذا أذن له بالبيع منهما فهو إذن، وهو جائز، وهو البيع.
قال محمد بن رشد: قوله: إن أم ولد العبد إذا كانت لا تباع لغرمائه حتى تضع ما في بطنها يريد إلا بإذن السيد، وكذلك لا يبيعها هو في دينه إذا كانت حاملا إلا بإذن سيده الذي الحمل له؛ لأن ولده من أمته، ومن أم ولده ملك لسيده بمنزلة من لا ملك له، وإذا لم تكن حاملا جاز له أن يبيعها في دينه بغير إذن سيده، قاله في المدونة، فإن فعل، ثم ظهر أنها كانت حاملا كان للسيد أن يفسخ البيع، قاله بعض شيوخ صقلية، وقال بعضهم ليس ذلك له؛ لأن البيع وقع بأمر جائز، فلا يرد، والبيع الأول هو الصحيح؛ لأن الحمل الذي ظهر بها ملك للسيد، فلا يمضي بيعه في دين العبد إلا برضاه، فعلى هذا لا بد في بيعها من المواضعة رفيعة كانت أو وضيعة؛ لأنه متى ظهر بها حمل كان للسيد فسخ البيع، وعلى القول الثاني لا مواضعة فيها إلا أن تكون رفيعة؛ لأنه إذا لم يكن للسيد فسخ البيع إن ظهر بها حمل صار حكمها حكم من باع أمة لم يطأها؛ لأن الحمل فيها عيب بها يكون المبتاع بالخيار بين أن يأخذ أو يرد، وليس له أن يبيعها في غير الدين إلا بإذن سيده، قاله في المدونة أيضا، قيل مراعاة لقول من يقول: إنها تكون أم ولد له إذا أعتق على أصل قول مالك في أن العبد إذا ملك ابنه لم يكن له أن يبيعه إلا بإذن سيده من أجل أنه يعتق عليه إن عتق، وقيل: مخافة أن تكون حاملا، والأول أظهر، وهو الصحيح؛ لأنه لا يبيعها حتى يستبريها، فإن باعها قبل أن يستبريها فلا بد فيها من المواضعة، فإن ألفيت حاملا كان للسيد فسخ البيع، ألا ترى أنه يجوز له أن يبيع أمته، وإن كان يطؤها دون إذن السيد، إذ لا بد فيها من المواضعة من أجل حق السيد في ولدها إن لم يسبرها قبل البيع، وإن أذن له
стр. 1721
السيد في أن يبيع أم ولده، أو أمة له كان يطؤها جاز ذلك عليه ولزمه، وإن ظهر بها حمل لم يكن علم به على ما قاله أصبغ في هذه الرواية، والوجه في ذلك أنها محمولة على أنها حامل؛ لأن جل النساء على الحمل كما قال مالك، فإذا أذن له في بيعها، فقد ترك حقه في الولد للمشتري إن ظهر بها حمل، فإن ردها المشتري بعيب حملها، فعلى القول بأن الرد بالعيب نقض بيع يكون الولد للسيد على ما كان، وعلى القول بأنه ابتداء بيع يكون الولد للعبد، وتباع عليه في الدين، وإن لم يكن عليه دين لم يكن له أن يبيعه إلا بإذن سيده على ما قال في المدونة في العبد يشتري ولده، فإن باع أم ولده بغير إذن سيده مضى البيع، ولم يرد، روى ذلك أصبغ عن ابن القاسم، وهو صحيح؛ لأن مراعاة الخلاف إنما يكون في الابتداء دون الانتهاء، ولو باع ولده في غير الدين بغير إذن سيده لوجب أن يرد البيع إذ لا اختلاف في أنه يعتق عليه إذا أعتق.
[مسألة: يطأ الجارية ثم يبيعها فيطؤها المشتري في ذلك الطهر قبل أن يستبرئها]
مسألة قال أصبغ: سألت ابن القاسم عن الرجل يطأ الجارية، ثم يبيعها فيطؤها المشتري في ذلك الطهر قبل أن يستبرئها، فيظهر بها حمل فتموت قبل أن تضع ممن هي؟ قال ابن القاسم: إذا ظهر بها حمل، ثم ماتت قبل أن تضع فمصيبتها من البائع، وسواء طاولها في ذلك حملها، أو لم يطاولها إذا ماتت قبل أن تضع، ويرجع المبتاع في ماله، فيأخذه ويعاقبه في فعله إلا أن يعذر بالجهالة.
قلت: فإن وضعته لأقل من ستة أشهر من يوم وطئها المشتري؟ قال فمصيبتها أيضا من البائع كان سقطا، أو تماما أو حيا أو ميتا، والولد ولده، وهي أم ولد له، فإن وضعته لستة أشهر من يوم وطئها المبتاع أو مقدار نقصانها بالأهلة فصاعدا تقارب الوطآن في ذلك أو لم يتقاربا أو وطئ هذا اليوم وهذا غدا، فهي من
стр. 1722
المبتاع، وهي أم ولده، والولد منه إذا وضعته سقطا كان أو تماما إذا كان ميتا، ولا أرى القافة في الأموات ولا أراهم يعرفون ذلك ولا أراهم، وإن وضعته حيا لستة أشهر من يوم وطئ الآخر فصاعدا دعي له القافة، فمن ألحقوه به منهما الحق به، وكان ولده ينسب إليه، وكانت أمه أم ولد منه وعوقبا إلا أن يعذرا بالجهالة.
قلت: فإن قالت القافة: اشتركا فيه ما يكون حالها؟ قال ابن القاسم: إذا قالت القافة: اشتركا فيه عتقت عليهما جميعا ساعتئذ مكانها؛ لأنهما قد اشتركا فيها جميعا وفي ولدها، فصارت أم ولدهما جميعا، فلا يحل وطؤها لواحد منهما بملك أبدا، وإنما كان فيها الاستمتاع فقد انقطعت المتعة فيها عنهما، فلا توقف عليهما وهي حرة ساعتئذ، وأما الولد فيترك حتى يبلغ فيوالي من شاء.
قلت: فإن مات الصبي قبل أن يبلغ، فيوالي من شاء من يرثه؟ قال: يرثانه جميعا؛ لأنهما جميعا أبواه أبدا لشركتهما فيه حتى يبلغ فتتبع فيه قضية عمر بن الخطاب وسنته، فيوالي من شاء فينسب إليه ويوارثه دون الآخر.
قلت: فإن مات الأبوان جميعا قبل أن يبلغ؟ قال: يوقف له ميراثه منهما جميعا حتى يبلغ فيوالي من شاء منهما، فيرثه وينتسب إليه دون الآخر، ويرد ما وقف له من ميراث الآخر إلى ورثته.
قلت: فإن مات أحدهما قال كذلك [أيضا] يوقف له ميراثه منه حتى يبلغ، فإن والى الميت أخذ ميراثه منه، وإن والى الحي رد ميراث الميت إلى ورثته.
стр. 1723
قلت: فإن مات الصبي بعد موت أحدهما، وقد وقف له ميراثه منه، والأب الآخر حي؟ قال: فميراث الصبي للأب الباقي، وليس للأب الميت، ولا لورثته منه شيء، ويرد ما كان وقف للصبي من ميراث الأب الميت إلى ورثة الميت، ولا يجب للصبي بموته حتى يرثه الأب الباقي، فيكون هذا الحي قد ورث الميت الأول، فهذا لا يكون، ولو رأيت أن ميراث الأول يجب للصبي إذا مات لأدخلت ورثة الميت الأول مع الأب الباقي في ميراث الصبي، فورثوه جميعا، فهذا ليس بشيء، هذا والذي لا شك فيه أن ميراث الصبي إذا مات بعد موت أحدهما للباقي وحده لا شرك معه فيه لأحد إلا الأم وحدها.
قلت: أرأيت إن مات الأبوان جميعا، ثم مات الصبي؟ قال ابن القاسم: إذا ماتا جميعا، فوقف له ميراثه منهما جميعا حتى يبلغ الصبي، فإن مات قبل أن يبلغ رد ميراثهما إلى من ورثهما دونه، ولم يجب للصبي منه شيء بموته بمنزلة موته بعد موت أحدهما، وكان ميراث الصبي لمن يرثه من قبل الأبوين جميعا؛ لأقعد الناس به من ورثتهما جميعا لكل قوم نصف الميراث في رأي يقتسمونه على الفرائض على قعددهم بالصبي على سهام الميراث بينهم.
قيل لعيسى بن دينار: فمن ينفق على هذا الصبي ويكسوه حتى يبلغ حد الموالاة؟ فقال الأبوان جميعا، قيل له: فإذا بلغ فوالى أحدهما هل يغرم لصاحبه الذي لم يواله ما أنفق عليه؟ قال: لا.
قال أصبغ: النفقة على المشتري حتى يبلغ، فإن والاه فبسبيل ذلك، وإن والى البائع رجع عليه بالنفقة.
قال محمد بن رشد: قول ابن القاسم في أول هذه المسألة إن الرجل إذا وطئ الجارية، ثم باعها فوطئها المشتري في ذلك الطهر قبل الاستبراء فظهر
стр. 1724
بها حمل، فماتت قبل أن تضع إن مصيبتها من البائع طاولها حملها أو لم يطاولها، ويرجع المبتاع في ماله فيأخذه معناه ما بينه وبين ما يلحق به الأنساب؛ لأن الحمل إن تطاول بها أكثر من خمسة أعوام، ثم ماتت فمصيبتها من المبتاع إذ قد علم أن الحمل ليس من البائع؛ وكذلك إن وضعته لأقل من ستة أشهر من يوم وطئها المشتري حيا أو ميتا تاما أو ناقصا، فمصيبتها من البائع أيضا، والولد ولده، وهي أم ولده؛ لأنه إن كانت وضعته تاما حيا أو ميتا، فالمشتري بريء منه، إذ لا يكون الحمل أقل من ستة أشهر، وإن كانت وضعته ناقصا، وأمكن أن يكون من المشتري فهو محمول على أنه من البائع؛ لأنه باعها ورحمها مشغول بمائه فالولد له، وهي باقية على ضمانه حتى يعلم خلاف ذلك، وأما إن وضعته لستة أشهر أو مقدار ما ينقص بالأهلة من يوم وطئها المبتاع إن افترق وطؤها تقارب الوطآن أو لم يتقاربا أو من يوم وطآها إن كان وطؤهما إياها في يوم واحد، وهو ميت أو سقط، فقال في الرواية: إنها من المبتاع، والولد منه، وهي أم ولد له، وقال يحيى بن سعيد في المدونة: إنها تعتق عليهما جميعا، والأظهر أن يحمل الولد على أنه من البائع، وتكون الأمة أم ولد له؛ لأنه باعها وماؤه فيها، فالضمان منه لا ينتقل عنه إلا بيقين، وليس وضعها إياه لستة أشهر مما يحقق أنه من المشتري، وأما إن وضعته حيا لستة أشهر أو مقدار نقصها بالأهلة، فتدعى له القافة، وقد قيل: إنه لا تدعى [له] القافة إلا أن تضعه لستة أشهر كاملة فأكثر، فإن نقص من ذلك يسيرا، أو أكثر فهو من البائع، والأشبه أن لا يعتبر نقصان اليوم واليومين في ستة أشهر، ألا ترى لو تزوج رجل امرأة، فأتت بولد بعد دخوله بها بستة أشهر إلا يوما أو يومين لم يصح أن تحد.
стр. 1725
وتحصيل القول في هذه المسألة: أن المشتري إذ وطئ الأمة التي اشتراها قبل الاستبراء فحملت وماتت قبل أن تضع فمصيبتها منه إلا أن يكون البائع يطؤها إلى أن باعها، فتكون مصيبتها منه وينقض البيع، فإن لم تمت ووضعته لأقل من ستة أشهر، والبائع يطأ فالولد ولده والأمة أم ولده، سقطا كان الولد أو تماما، حيا كان أو ميتا، وإن لم يكن البائع يطأ، فالولد ولد الأمة لا أب له، والمشتري بالخيار إن شاء أن يأخذ، وإن شاء رد إلا أن تكون وضعته سقطا يشبه أن يكون من المشتري، فيكون منه، وتكون الأمة أم ولد له، وإن وضعته لستة أشهر فأكثر والبائع يطأ، وولدته حيا دعي له القافة، فمن ألحقوه به منهما ألحق به، وكانت الأمة أم ولد له، إلا أن يدعيا الولد جميعا، فتعتق الأمة عليهما ويرجع المشتري بنصف الثمن على البائع، واختلف إن وضعته ميتا أو سقطا، فقال ابن القاسم في هذه الرواية: إنه من المبتاع، وإن الأمة أم ولد له، وقال يحيى بن سعيد في المدونة تعتق عليهما جميعا، والأظهر أن يلحق الولد بالبائع، وتكون الأمة أم ولد له، وقد قيل: إنه يلحق بالبائع، وتكون الأمة أم ولد له، وإن ولدته حيا ولا تدعى له القافة؛ لأن فراش الأول صحيح، وفراش الثاني فاسد، وقد قال ﷺ : «الولد للفراش وللعاهر الحجر» وقد أجمعوا لهذا الحديث أن الزوجين إذا وطآ المرأة في طهر واحد أن الولد للأول، وإن أتت به لأكثر من ستة أشهر لصحة فراشه، ولا فرق بين الموضعين في القياس.
وإن لم يكن البائع يطأ، فالأمة أم ولد للمبتاع وولدها لاحق به، وقد مضى في أول نوازل سحنون القول مستوفى في الحكم في ميراثه منهما وميراثهما منه إذا أتت به حيا لأكثر من ستة أشهر، وقالت القافة: إنهما اشتركا فيه في الجارية بين الشريكين، ولا فرق في هذا بين المسألتين، فلا معنى لإعادة القول في ذلك، وأما كسوته والنفقة عليه إلى أن يبلغ حد الموالاة إذا قالت القافة: إنهما اشتركا فيه فقول عيسى بن دينار أنهما ينفقان عليه جميعا، فإذا مات أحدهما أنفق على الصبي مما وقف له من ميراثه منه نصف نفقته ونصفها على الحي، وقيل لا
стр. 1726
ينفق عليه منه؛ لأنه إنما يأخذه بعد الموالاة، وهو الذي يأتي أيضا على قول ابن القاسم في رسم إن خرجت من سماع عيسى من كتاب الدعوى، والصلح في العبد الذي يدعيه الرجلان فيوقف إن النفقة عليهما جميعا، وهذا إذا ادعياه جميعا أو أنكراه جميعا أو لم يدعه واحد منهما، ولا أنكره وقال: لا أدري إن كان لي أم لا، وأما إن ادعاه أحدهما، وأنكره الآخر، فالذي يأتي على مذهب من قال بالموالاة، ولم يعمل قول القافة إنهما اشتركا فيه أن تكون النفقة على الذي يدعيه منهما إلى أن يبلغ حد الموالاة، فيوالي من أحب منهما فيلحق به، وإن كان الذي أنكره فتكون النفقة عليه من حينئذ، وأما على مذهب من أعمل قول القافة إنهما اشتركا فيه، ورأى أنه يصح أن يكون علوق المرأة بالولد من الرجلين، ولم يقل بالموالاة، فالنفقة عليهما جميعا، وإن كان أحدهما مقرا به والآخر منكرا له.
وقول عيسى: إنه لا يرجع الذي لم يواله على الذي والاه بشيء من النفقة بخلاف المدعيين في العبد يوقف، فينفقان عليه جميعا، ثم يقضى به لأحدهما، ووجهه أن القضاء بالموالاة ليس بأمر متفق عليه، وإنما هو استحسان على غير قياس، واتباع لما جاء عن عمر بن الخطاب ﵁ في ذلك.
وأما قول أصبغ إن النفقة على المشتري حتى يبلغ، فإن والاه فبسبيل ذلك، وإن والى البائع رجع عليه بالنفقة، فقاله على أصله في العبد يدعيه الرجل، فيوقف بما يجب توقيفه به أن النفقة على الذي هو بيده حتى يقضى به للطالب، فإن قضي له به رجع عليه بالنفقة، ولو قيل في هذه المسألة: إن النفقة على البائع ما لم يوال المشتري فيحكم بإلحاقه به مراعاة لقول من قال: إن الولد يلحق بالبائع على كل حال لصحة فراشه ولا يدعى للولد القافة على ما تقدم لكان أشبه من قول أصبغ.
[مسألة: ثلاثة نفر حر وعبد ونصراني وطئوا جارية مسلمة فحملت]
مسألة قيل لأصبغ: فلو أنهم ثلاثة نفر وطئوها في طهر واحد: حر
стр. 1727
مسلم، وعبد، ونصراني فحملت الأمة، والأمة مسلمة؟ فقال: إن قالت القافة: اشتركوا فيها فإنها تعتق على المسلم والنصراني، ولا تعتق على العبد، ويكون للعبد قيمة نصيبه عليهما جميعا، وإنما ألزمنا النصراني العتق؛ لأنه حكم وقع بين مسلم ونصراني، ولو كانت الأمة نصرانية عتق جميعها على الحر المسلم، وقوم عليه نصيب العبد والنصراني.
قال محمد بن رشد: قد تقدم قول أصبغ هذا في آخر أول مسألة من نوازل سحنون، ومضى من الكلام عليه ما فيه كفاية.
[مسألة: ثلاثة نفر وطئوا جارية في طهر واحد وقالت القافة إنه ليس لواحد منهم]
مسألة قلت لأصبغ؛ أرأيت إن قالت القافة: ليس هو لواحد منهما ما حال الولد وأمه؟ هل يكونان مملوكين؟ وكيف إن ادعاه أحدهم والمسألة على وجهها؟ قال أصبغ: أما الذي أنكرته القافة، فأرى أن يدفع إلى قافة بعد قافة، وتطلب له القافات حتى تجتهد في ذلك فرب قافة أبصر من قافة، وقافة فوق قافة حتى إذا استكمل، واستوى كلام القافات، رأيت إن كان الآباء مقرين جميعا كما ذكرت بالوطء في طهر واحد أن يحمل محمل الاشتراك، فيوالي من شاء، وتكون أمه تبعا له، ادعياه أو لم يدعياه، فإذا أقروا بالوطء في الطهر الواحد كان الوضع لستة أشهر فصاعدا إن شاء الله، ولا يبطل نسبه هكذا وهما مقران به، وثم لهما فراشان، وأما ما ذكرت
стр. 1728
من دعوى أحدهما إياه وإنكار الآخر، فإن صح الوطء عليهما في الطهر الواحد المقارب الذي لا يمكن الخروج لأحدهما منه في ولادته قبل وقته كشف منكر الولد عن وطئه الذي أقر به، فإن كان في صفته ما يمكن فيه الإنزال لم ألتفت إلى إنكاره وجعلته كالأول كأنهما اشتركا فيه، وإن لم يكن في صفة وطئه وإقراره ما يمكن ذلك، وكان يدعي الخلسة بالعزل من الوطء الذي أقر به، فإنني أستحسن ههنا أن أجعله للآخر، وأبوئه منه استحسانا، والقياس أن يكونا سواء، فلعله غلب ولا يدري، وقد قال عمرو بن العاص في نحو هذا: إن الوكاء ينفلت، والاستحسان في العلم يكون أغلب من القياس، وقد سمعت ابن القاسم يقول، ويروي عن مالك أنه قال: تسعة أعشار العلم الاستسحان.
قال سحنون: إذا قالت القافة: ليس لواحد منهما دعي لهما أيضا آخرون [ثم آخرون] ، فإن قالوا: ليس الولد لواحد منهما، فإنه يدعى أبدا غيرهم؛ لأن القافة إنما دعيت لتلحق الولد وليس لتنفيه، وهو قول ربيعة ومالك.
قال محمد بن رشد: ما قاله أصبغ وسحنون من أن القافة إذا قالت في الولد: إنه ليس لواحد منهما لا يحكم بقولها في ذلك، وينفى الولد عنهما، بل يدعى لهما آخرون وآخرون، فإن اتفقوا على أنه ليس لواحد منهما حمل محمل الاشتراك صحيح لا اختلاف فيه من أجل أن الشرع قد أحكم أن الولد للفراش، فلا يقبل قول القافة في نفيه عن الفراش إلى غير فراش، وإنما يؤخذ بقولها في إلحاق الولد بأحد الواطئين في طهر واحد من ملك اليمن بوجه
стр. 1729
شبهة دون صاحبه؛ لأنها لم تخرج الولد بذلك عن فراش إلى غير فراش، وإنما حكمت به لأحد الفراشين؛ لأن واطئ الأمة غير الزوجة بشبهة يسقط عنه الحد في وطئه، مثل أن يطأ أمة ابنه أو أمة له فيها شرك، أو أمة لا شرك له فيها ألا أنها محرمة عليه بنسب أو رضاع أو ما أشبه ذلك في حكم من وطئ ما يحل له مما ملكت يمينه في وجوب إلحاق الولد به، فإذا اجتمع الرجلان على الأمة فوطآها في طهر واحد بوجه شبهة، وهي لا تحل لواحد منهما، أو كانت تحل لأحدهما بالملك، ووطئها الآخر بوجه شبهة، فأتت بولد مما يمكن أن يكون لكل واحد منهما وجب أن تدعى لها القافة، فيلحق الولد بمن ألحقوه به منهما كانا مقرين بالولد ومذعنين له، أو منكرين له، أو أحدهما مقرا به ومدعيا له، والثاني منكرا له، وسواء أقرا بالوطء والإنزال، أو أقرا بالوطء وادعيا العزل أو ادعاه أحدهما؛ لأن الوكاء قد ينفلت كما قال عمرو بن العاص بدليل قوله ﵇ في حديث أبي سعيد الخدري في العزل: «ما عليكم ألا تفعلوا، ما من نسمة كائنة» الحديث إلا أن يدعي أحدهما الولد وهو ينزل، وينكره الآخر، وهو يعزل، فقال أصبغ ها هنا: إن الولد يلحق بالذي يدعيه استحسانا على غير مقتضى القياس، وقال: إن الاستحسان قد يكون أغلب من القياس، وحكى عن ابن القاسم روايته عن مالك أنهما قالا: تسعة أعشار العلم الاستحسان، والاستحسان الذي يكثر استعماله حتى يكون أعم من القياس هو أن يكون طرد القياس يؤدي إلى غلو في الحكم ومبالغة فيه، فيعدل عنه في بعض المواضع لمعنى يؤثر في الحكم فيختص به ذلك الموضع كنحو قول أصبغ في هذه المسألة؛ لأنه إذا كان الأصل بدليل الحديث أن من وطئ أمته فعزل عنها وأتت بولد يلحق به، وإن كان منكرا له وجب على قياس ذلك إذا كانت أمة بين رجلين، فوطآها جميعا في طهر واحد وعزل
стр. 1730
أحدهما عنها، فأنكر الولد وادعاه الآخر الذي لم يعزل عنها أن يكون الحكم في ذلك بمنزلته إذا كانا جميعا يعزلان أو ينزلان، والاستحسان كما قال: أن يلحق الولد بالذي ادعاه وأقر أنه كان ينزل، ويبرأ منه الذي [كان] أنكره وادعى أنه كان يعزل؛ لأن الولد يكون مع الإنزال غالبا، ولا يكون مع العزل إلا نادرا، فيغلب على الظن أن الولد إنما هو للذي ادعاه، وكان ينزل لا للذي أنكره وهو يعزل، والحكم بغلبة الظن أصل في الأحكام، وله في هذا الحكم تأثير، فوجب أن يصار إليه استحسانا كما قال أصبغ: ومن الاستحسان مراعاة الخلاف، وهو أصل في المذهب، من ذلك قولهم إن الماء اليسير إذا حلت فيه النجاسة اليسيرة، ولم تغير أحد أوصافه إنه لا يتوضأ به ويتيمم ويتركه، فإن توضأ به، وصلى لم يعد إلا في الوقت مراعاة لقول من رآه طاهرا، ويبيح الوضوء به ابتداء، وكان القياس على أصل قولهم أن يعيد أبدا إذا لم يتوضأ إلا بما يصح له تركه إلى التيمم؟ ومن ذلك قولهم في النكاح الفاسد الذي يجب فسخه، ولم يتفق على فساده إنه يفسخ بطلاق، وإنه يكون فيه الميراث، ويلزمه فيه الطلاق، وهذا المعنى أكثر من أن يحصى، وأشهر من أن يجهل أو يخفى.
وأما العدول عن مقتضى القياس في موضع من المواضع استحسانا لمعنى لا تأثير له في الحكم، فهو مما لا يجوز بإجماع؛ لأنه من الحكم بالهوى المحرم بنص التنزيل، قال : ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: ٢٦] الآية.
والحمد لله رب العالمين كثيرا كما هو أهله، والصلاة الكاملة على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما.
стр. 1731
[كتاب التجارة إلى أرض الحرب] [ الأحكام بين المسلم والكافر في الهدنة]
стр. 1732
من سماع ابن القاسم من مالك من كتاب قطع الشجر قال سحنون: أخبرني ابن القاسم عن مالك أنه قيل له: أرأيت قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] فهو ليس في هذا ذكر دية فقال: إنما كان ذلك في حرب رسول الله ﷺ أهل مكة يكون فيهم رجل مؤمن لم يهاجر، وأقام معهم فيصيبه المسلمون خطأ، فليس عليهم دية؛ لأنه يقول جل وعز: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ [الأنفال: ٧٢] ، وأما قوله: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ [النساء: ٩٢] فإنما ذلك في الهدنة التي كانت بين النبي ﵇ وبين المشركين أنه إن أصيب مسلم كان بين أظهرهم خطأ لم يهاجر، فإن ديته على المسلمين يؤدونها إلى قومه الذين كان بين أظهرهم الكفار، ومما يبين ذلك أن أبا جندل ورجلا آخر أتيا النبي عليه
стр. 1733
السلام في الهدنة مسلمين، فرده رسول الله ﷺ إليهم، فكما كان لهم أن يردوه إليهم، فكذلك كانت ديته لهم لو قتل خطأ، ومما يبين ذلك قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦] الآية، يقول: إن حبسوا عنكم مهرا كان لكم قبلهم، ثم عاقبتموهم فحبستم عنهم مهرا كان لهم قبلكم مثل ما صنعوا ﴿فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ﴾ [الممتحنة: ١١] فادفعوا إلى هذا المسلم ما كان أنفق على امرأته التي هربت منه إلى الكفر، وذلك قوله : ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ﴾ [الممتحنة: ١١] الآية، فكان الذي بين النبي ﵇ وبينهم ميثاق وهدنة في أشياء اصطلحوا عليها، منها أن يرد [إليهم] إلى الكفار من جاء إلى النبي مسلما من الرجال في الهدنة، وكان من حكم الله أن جاءت امرأة منهم ترغب في الإسلام لم يرجعها إليهم، وكان عليها أن تعطي زوجها الكافر ما كان ساق لها من مهر، وإن فاتت منا امرأة إليهم كان عليهم أن يعطونا مثل ما أنفق عليها زوجها وذلك قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة: ١٠] ﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠] ، وحرم على المسلمين فروج أولئك الكوافر، ومنعنا أن نرجع المسلمة منا إليهم لا يستحلها الكافر، وحرمت على زوجها الكافر، وعلى غيره من الكفار، فمن هنالك اتبعوا بالمهر واتبعناهم بالمهر، وذلك قوله : ﴿وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا﴾ [الممتحنة: ١٠]
стр. 1734
فأما الرجال في الهدنة، فإنهم كانوا يردون إليهم، فكما كان يرد إليهم الرجال في الهدنة، ومهور النساء في الهدنة وغير الهدنة، فكذلك كانت لهم دية مؤمن قتل بين أظهرهم خطأ ممن أسلم، ولم يخرج من عندهم حتى كانت الهدنة.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة سأل ابن القاسم مالكا في أولها عن المعنى الذي من أجلها سقطت الدية في المؤمن المقتول خطأ إذا كان بين قومه الكفار، إذ قال الله : ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] ولم يذكر في ذلك دية، يريد دية لجماعة المسلمين الذين يرثونه على الحكم في أن دية الخطأ تكون لورثة المقتول فأعلمه أن الآية منسوخة، يريد بقوله : ﴿وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٥] ، وأن ذلك إنما كان في أول الإسلام حين كانت الهجرة مفترضة وكان الميراث منقطعا بين من هاجر، وبين من آمن ولم يهاجر، لقوله : ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ [الأنفال: ٧٢] ولما أكمل جوابه عما سأله عنه تكلم على بقية الآية فقال: وأما قوله: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ [النساء: ٩٢] الآية، فإنما ذلك في الهدنة التي كانت بين النبي ﵇ وبين المشركين أنه أصيب مسلم كان بين أظهرهم بها قوله، فبين مذهبه في أن مراد الله تعالى بقوله: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ [النساء: ٩٢] أي: وإن كان المؤمن من قوم بينكم وبينهم ميثاق واحتج بذلك بما قاله من أن ذلك إنما كان في الهدنة التي كانت بين النبي ﵇ وبين المشركين على ذلك وعلى أن يرد إليهم من جاء من عندهم مسلما، فكانت لهم
стр. 1735
دية من قتل منهم من المسلمين، كما كان لهم أن يردوا إليهم بالشرط الذي شرطوه، وهو اعتبار صحيح؛ لأن إعطاءهم دية المسلم المقتول أيسر من رده إليهم، ولعلهم يقتلونه على إسلامه أو يفتنونه عن دينه، وقصده بهذا الاحتجاج الرد على أهل العراق فيما يذهبون إليه من أن مراد الله تعالى بقوله: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ [النساء: ٩٢] أي: وإن كان كافر من قوم بينكم وبينهم ميثاق من الكفار فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة؛ لأنهم يجعلون ذلك حجة لما يذهبون إليه من أن المسلم يقتل بالكافر، فيقولون: قد أوجب الله في قتل الكفار خطأ الدية والكفارة، فلما تساوى المسلم والكافر في القتل خطأ في وجوب الدية والكفارة وجب أن يتساويا في القتل عمدا في وجوب القصاص، وحجة مالك صحيحة، وقوله في تأويل الآية أصح؛ لأنه ظاهر التلاوة، إذ نص في أولها على المؤمن، ثم قال في أخرها: وإن كان، فكان الظاهر من قوله أنه أراد، وإن كان المؤمن المذكور أولا لا أنه ابتدأ كلاما آخر بحكم كافر لم يتقدم له ذكر، فلا يوجب الكفارة في قتل الكافر خطأ، وإنما يستحبها مراعاة للخلاف، وحجته في أن المؤمن لا يقتل بالكافر قوله ﵇: «لا يقتل مسلم بكافر ولا ذو عهد في عهده بكافر» يريد ولا يقتل أيضا ذو عهد إذا عوهد.
ويحمل أهل العراق الحديث على أن فيه تقديما وتأخيرا فيقولون: معنى لا يقتل مسلم ولا ذو عهد في عهده بكافر أي بكافر حربي عندهم ليس بمعاهد، وقولهم بعيد لوجهين: أحدهما؛ أن التقديم والتأخير مجاز، وحمل الحديث على المجاز لا يصح مع إمكان حمله على الحقيقة، والثاني: أن الإخبار بأن المسلم والمعاهد لا يقتلان بالحربي لا فائدة فيه، إذ قد تقرر علم وجوب قتله، وما في ذلك من عظيم الأجر، فكيف يشكل على أحد ارتفاع القصاص في ذلك حتى يحتاج النبي ﵇ إلى الإخبار بذلك.
وأما قوله في قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦] إن المعنى في ذلك، إن حبسوا عنكم مهرا كان لكم قبلهم، ثم عاقبتموهم فحبستم عنهم مهرا كان لهم
стр. 1736
قبلكم مثل ما صنعوا ﴿فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا﴾ [الممتحنة: ١١] أي فادفعوا إلى هذا المسلم ما كان أنفق على امرأته، وأن ذلك مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ [الممتحنة: ١١] الآية، فليس ببين، إذ ليس في معاقبتهم بحبس مهرهم عنهم ما يؤدون منهم مهورهم قال : ﴿وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا﴾ [الممتحنة: ١٠] ثم قال بعد ذلك ما معناه: فإن سألتم فلم تعطوا فآتوه مما تغنمون.
قال مسروق: وكذلك إن ذهبت إلى غير ذي عهد يعطى زوجها المهر من الغنائم، وذلك كله منسوخ بما نزل في براءة من فسخ العهود التي كانت بين النبي ﵇، وبين المشركين، وقد روي أن قوله : ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦] ، نزل في حمزة بن عبد المطلب رضوان الله عليه حين استشهد ومثل به، فأقسم النبي ﵇ أن يمثل بجماعة من الكفار، فالآية دالة بحملها على عمومها دون أن تقصر على ما روي من سببها على أنه لا يجب أن يعاقب المرء إلا بمثل ما اجترم من القتل أو الجراح وأخذ المال، وأنه لا يجب أن يعاقب الكفار في حبسهم المهور الواجبة عليهم إلا بأن يحبس عنهم المهور الواجبة لهم، وأما أن يجعل حبس المهور عنهم شرطا في دفع مهور أزواج المسلمين كما قال مالك في الرواية، فإنه بعيد، وقوله: فكان الذي بين النبي ﵇ وبينهم ميثاق وهدنة في أشياء اصطلحوا عليها منها أن يرد إليهم من الكفار من جاء إلى النبي ﵇ من الرجال في الهدنة، وكان من حكم الله إن جاءت امرأة منهم ترغب في الإسلام لم يرجعها إليهم يدل على أن حكم الله تعالى الوارد في سورة الممتحنة بأن لا يرجعن إليهم مطابق لما صالحهم النبي ﵇ من أن يرد إليهم من جاءه من عندهم مسلما من الرجال، وقد اختلف في ذلك فقيل: إن الصلح وقع على أن يرد إليهم من جاءه من عندهم مسلما من الرجال والنساء، ففسخ الله من الشرط في النساء ونسخه، فكان ذلك نسخا للسنة بالقرآن، ومن الدليل على هذا، ما روي من أن النبي ﵇ لما تم صلحه مع أهل مكة بالحديبية، وختم الكتاب الذي فيه العهد جاءته سبيعة بنت الحارث مسلمة وجاء زوجها
стр. 1737
فقال: يا محمد ردها علي فإن ذلك في شرطنا عليك، وهذه طينة كتابنا لم تجف، فنزلت: ﴿فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: ١٠] الآيات، فلم يردها عليهم، وأعطاه مهره، ولا يوجد في شيء من الآثار أن الشرط وقع نصا على أن يرد إليهم الرجال والنساء، ولا على أن يرد عليهم الرجال دون النساء، فيحتمل أن يكون الشرط وقع على أن يرد إليهم من جاء منهم مسلما، وأراد النبي ﵇ بذلك الرجال دون النساء، وأراد به المشركون الرجال والنساء، فلما قدمت سبيعة مسلمة طلبها زوجها واحتج بظاهر ما في الكتاب، فمنع الله من رد النساء على ما يوجبه ظاهر اللفظ، وأقر الحكم على ما أراده النبي ﵇ من أن لا يرد إليهم إلا الرجال، إذ لم ينص فيه على رد النساء، وزاد فيه أن يعطوا مهور من قدم من عندهم من النساء، ويسألوا مهور من مضى إليهم من نساء المسلمين، فقال تعالى: ﴿وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا﴾ [الممتحنة: ١٠] الآية، فعلى هذا يصح ما روي في هذا المعنى، ويرتفع الخلاف، ويكون معنى قول مالك: إن الصلح وقع على أن يرد إليهم من جاء من عندهم مسلما من الرجال على ما أراده النبي ﵇ ونواه، لا على أن ذلك كان صريحا في الصلح، إذ لو كان صريحا فيه لم يقل زوج سبيعة ما قال، والله أعلم بحقيقة ذلك كيف كان.
وقوله في آخر المسألة: فكما كان يرد إليهم الرجال في الهدنة ومهور النساء في الهدنة وغير الهدنة غلط في الرواية؛ لأن المهور إنما كانت ترد في الهدنة على ما ذكرناه من حكم الله بذلك لا في غير الهدنة، وقد رأيت لابن دحون أنه قال: قوله: وغير الهدنة ليس بمستقيم؛ لأن رد الصدقات التي أخذ النساء المهاجرات من أزواجهن لم يكن إلا في الهدنة خاصة، بذلك وقعت الهدنة بينهم أن يرد المسلمون صدقات من أتاهم من النساء مسلمات إلى الكفار، ويرد الكفار صدقات من أتاهم من النساء مرتدات إلى المسلمين، وليس قوله بصحيح، إذ لو وقعت الهدنة بينهم على ذلك لما طلب زوج سبيعة ردها بما في كتاب الصلح، وإنما كانت المطالبات
стр. 1738
بينهم بالمهور بحكم الله على ما ذكرناه لا بالشرط، والله أعلم، وهو الموفق بفضله.
[قوم من تجار العدو يأتون المسلمين وقد تقدم إليهم ألا ينزلوا إلا بموضع مسمى لهم]
ومن كتاب حلف ألا يبيع سلعة سماها وسئل مالك: عن قوم من تجار العدو يأتون المسلمين، وقد تقدم إليهم ألا ينزلوا إلا بموضع مسمى لهم، فيأتون دونه فينزلون بالموضع، فيريدون أن يستقوا الماء، فيمنعون من ذلك حتى يقاتلوا فقال: إذا منعوا كيف يبلغوا؟ ما أرى أن يقاتلوا، هذه أمور مشكلة، وإنه ليقال: لا يهرق دما أو لا يهراق إلا عن أمر يستبين صحته، فلا أحب لأحد أن يقاتل في مثل هذا ولا يقتل أحدا.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال؛ لأن منعهم من استقاء الماء منع لهم من النزول في الموضع الذي أذن لهم بالنزول فيه، إذ لا يستغنون في موضع نزولهم عن الماء، وقد قال ﷺ : «لا يمنع فضل الماء ليمنع به الكلأ» ، فنهى عن منع فضل الماء لما فيه من منع الكلأ، فكذلك هذه المسألة، وبالله التوفيق.
[الرجل يبتاع من رقيق العجم فيريد بيعهم من النصارى قبل أن يسلموا]
ومن كتاب أوله الشجرة تطعم بطنين في السنة وسئل مالك: عن الرجل يبتاع من رقيق العجم من السودان والصقالبة فيريد بيعهم من النصارى قبل أن يسلموا، قال: ما أعلمه حراما، ولا يعجبني أن يفعله أحد، إن كانوا صغارا فلا يجوز بيعهم من اليهود والنصارى، وإن بيعوا منهم فسخ بيعهم، وإن كانوا كبارا فلا بأس ببيعهم منهم، وإنما فرق بين الصغار والكبار أن
стр. 1739
الصغار يجبرون على الإسلام، وأن الكبار لا يجبرون، هكذا سمعت.
قال محمد بن رشد: قوله: وإن بيعوا منهم فسخ بيعهم، أمر مختلف فيه، فما ها هنا خلاف ما في كتاب التجارة إلى أرض الحرب من المدونة وما في سماع يحيى بعد هذا من كتاب السلطان لأشهب من أنهم يباعون عليه، ولا يفسخ البيع، ومثل قول سحنون في نوازله من كتاب جامع العيوب وما في كتاب المديان والشفعة من المدونة، وابن الماجشون يرى أن البيع في ذلك لا ينعقد، فعلى قوله: إن ماتوا في يده قبل أن يفسخ البيع كانت مصيبتهم من البائع، وإن أعتقهم أو باعهم من مسلم لم ينفذ شيء من ذلك، وتفرقته في جبرهم على الإسلام بين أن يكونوا صغارا أو كبارا خلاف ظاهر ما في سماع أصبغ بعد هذا، وقد مضى تحصيل القول في هذه المسألة في هذا الرسم من هذا السماع من كتاب الجنائز، وفي أول سماع أصبغ من كتاب الصلاة، فمن أحب الوقوف على الشفاء من ذلك تأمله هناك، وبالله التوفيق لا رب غيره، والحمد لله كثيرا.
[الديباج يباع من الروم]
ومن كتاب أوله حلف ليرفعن أمرا إلى السلطان قال: وسئل مالك عن الديباج يباع من الروم، قال: إن كانوا لا يتخذونه عدة للقتال، فلا بأس به.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال في المدونة وغيرها، وهو مما لا اختلاف فيه أنه لا يجوز أن يباعوا شيئا مما يستعينون به في حروبهم على المسلمين من ثياب ولا صفر ولا حرير ولا شيء من الأشياء، وإنما يجوز أن يباع منهم من العروض ما لا يتقوى به في الحروب ولا يرهب به في القتال من الكسوة ما يقي الحر والبرد، ومن الطعام ما لا يتقوت به مثل الزيت والملح وما أشبه ذلك، وبالله التوفيق.
[أعياد الكنائس يجتمع المسلمون إليها يحملون إليها الثياب والأمتعة]
ومن كتاب أوله تسلف في المتاع والحيوان المضمون وسئل مالك عن أعياد الكنائس يجتمع المسلمون إليها يحملون
стр. 1740
إليها الثياب والأمتعة وغير ذلك يبيعون فيها يبتغون الفضل، قال: لا بأس بذلك.
قال محمد بن رشد: قد كره مالك في رسم شك في طوافه من سماع ابن القاسم من كتاب الذبائح والصيد أن يباع منهم الجزرة إذا علم أنهم يريدون ذبحها في أعيادهم وكنائسهم، وأن يكروا الدواب ليركبوها إلى أعيادهم، وهو خلاف ما هنا، إذ لا فرق بين المسألتين، وقد وقع الاختلاف من قوله في مسألة الكراء منصوصا في سماع سحنون من كتاب السلطان كره ذلك مرة وأجازه أخرى.
واختلاف قوله جار عندي على الاختلاف في كونهم متعبدين بالشرائع، فيكره على القول بأنه عاص لله في إقامة عيده للمسلم أن يكون عونا له على الإثم والعصيان، ولا يكره له ذلك على القول: بأنه ليس بعاص لله في ذلك إلا بعد الإيمان، وعلى هذا أجاز في سماع زونان للرجل أن يسير بأمته إلى الكنيسة، وقد حكى ابن مزين عن أصبغ أن ذلك لا يجوز، فعلى قوله: إن فعل يلزمه أن يتصدق بجميع الثمن، ولا يلزمه ذلك على مذهب مالك، وإنما يستحب له على أحد قوليه أن يتصدق بما زاد في الثمن بسبب بيعهم ذلك لأعيادهم.
[قوم أرادوا أن يبيعوا أمة ومعها ابن لها حر صغير لا يستغني عن أمه]
ومن كتاب أوله الشريكان يكون لهما المال وقال مالك في قوم أرادوا أن يبيعوا أمة ومعها ابن لها حر صغير لا يستغني عن أمه، قال مالك: أرى ألا يفرق بينه وبين أمه، وأن لا يباع إلا ممن يشترط عليه أن لا يفرق بينه وبين أمه وأن تكون مؤنته عليه، وقال مالك: وإن بيعت بغير أرضها فلا أرى بأسا.
قال محمد بن رشد: معنى هذه المسألة: أن البائع أعتق الولد وهو صغير؛ لأن من أعتق صغيرا فعليه نفقته حتى يبلغ، فلما كانت على البائع نفقته ولم يجز له أن يفرق بينه وبين أمه لم يجز له بيع الأم إلا ممن يشرط عليه أن لا يفرق بينه وبين أمه، وأن تكون مؤنته عليه، يريد إلى أن يبلغ حد
стр. 1741
التفرقة، قاله ابن القاسم في العشرة، يريد وترجع عليه هو النفقة إذا بلغ حد التفرقة إلى أن يبلغ، وفي جواز هذا البيع اختلاف: أجازه هنا وفي كتاب التجارة إلى أرض الحرب من المدونة، قال في العشرة استحسانا لئلا يترك الصبي بغير نفقة فيهلك أو يمنع سيد الأمة من البيع فيضر به، قال: فإن مات الصبي لم يجب للبائع على المشتري شيء؛ لأنه لم يرد بذلك إلا كفاية المئونة لا التزيد في الثمن، وقال سحنون: لا يجوز البيع إلا عند الضرورة من فلس أو شبه ذلك، وقيل: إن البيع لا يجوز بحال؛ لأنه غرر، إذ لا يدرى هل يعيش الصبي إلى حد التفرقة أو يموت قبل ذلك، وقيل: البيع جائز، وإن مات الولد قبل الإثغار رجع البائع على المبتاع بقدر ذلك من قيمة الأم، وهو الذي يأتي على ما في رسم البراءة من سماع عيسى من كتاب جامع البيوع، ولو اشترط أن تكون النفقة مضمونة على المبتاع إلى حد الإثغار إن مات الولد قبل ذلك لجاز البيع باتفاق، والله أعلم.
وقد اختلف في التفرقة فروى ابن غانم عن مالك أن حدها الاحتلام في الرجال والمحيض في النساء، وقال ابن عبد الحكم وغيره لا يفرق بينهما أبدا، وإن ضرب على لحيته على ظاهر قول النبي ﵇: «لا توله والدة على ولدها ولا يفرق بين الوالدة وولدها» ، واختلف أيضا في التفرقة هل هي من حق الأم أو من حق الولد؟ فذهب ابن القاسم أن ذلك من حق الولد، فلا يفرق بينهما وإن رضيت الأم بالتفرقة، وهو معنى ما في المدونة وقول ابن نافع على ظاهر الآثار في النهي عن التفرقة مجملا، وقال ابن عبد الحكم في كتابه: إن التفرقة بينهما جائزة إذا رضيت الأم، وهو قول أشهب وروايته عن مالك في رسم الوصايا، وقد قيل: إن ذلك دليل ما في كتاب التجارة إلى أرض الحرب من المدونة، فانظر في ذلك وتدبره وبالله التوفيق.
[الخروج إلى أرض الشرك في البر والبحر للتجارة]
ومن كتاب اغتسل على غير نية وسئل مالك عن الخروج إلى أرض الشرك في البر والبحر
стр. 1742
للتجارة فقال: لا أحب ذلك ولا أراه له، قد جعل الله لكل نفس أجلا تبلغه، ورزقا تنفذه، وهو يجري عليه أحكامهم، فلا أرى له ذلك.
قال محمد بن رشد: قوله: لا أحب ذلك له، ولا أراه معناه: لا يحل ذلك ولا يجوز، فقد قال مالك: لم يكن من شأن العلماء ﵏ أن يقولوا: هذا حلال وهذا حرام، وكانوا يكتفون بأن يقولوا: لا بأس بهذا، وفي هذا سعة ولا أرى هذا، ولا أحب، وإني لأكرهه وما أشبه هذا، ويكتفي بذلك منهم، فعلى هذا أتى جوابه في هذه المسألة، والله أعلم.
ومن الدليل أن ذلك لا يجوز إجماع أهل العلم على أن من أسلم ببلد الحرب، فواجب عليه أن يخرج منه إلى بلد الإسلام ولا يقيم حيث تجري عليه أحكام الكفر، فإذا كان الخروج واجبا عليه مفروضا كان الدخول إليه حراما عليه محظورا، فمن فعل ذلك طائعا غير مكره وهو عالم بأن ذلك لا يحوز له كان ذلك جرحة فيه، وسقطت إمامته وشهادته، قال ذلك سحنون، وينبغي أن يحمل على التفسير لما في كتاب الولاء والمواريث من المدونة من إجازة شهادتهم لاحتمال أن يكونوا رمتهم الريح إلى بلاد العدو، ولم يذهبوا إليها للتجارة طائعين، ويحمل أيضا أن يكون إنما أجاز شهادتهم إذا عرفت توبتهم من ذلك، إذ يبعد أن تجاز شهادة من يدخل إلى بلد الحرب للتجارة وطلب الدنيا، وهو عارف بأن ذلك لا يجوز له، وأن أحكام الشرك تجري عليه، وبما هو أقل من هذا، يجرح الشاهد وتسقط شهادته، وقد كره مالك ﵀ السكنى ببلد يسب فيه السلف، فكيف ببلد يكفر فيه بالرحمن، ويعبد فيه من دونه الأوثان، لا تستقر على هذا نفس صحيح الإيمان.
[اشتراء النوبة والبجة]
من سماع أشهب وابن نافع عن مالك رواية سحنون من كتاب أوله بيوع وكراء قال سحنون: أخبرني أشهب وابن نافع قالا: سئل مالك عن
стр. 1743
اشتراء النوبة والبجة، فإن بيننا وبين النوبة والبجة هدنة، تعطينا النوبة رقيقا ونعطيهم طعاما، وتعطينا البجة إبلا ونعطيهم طعاما وهم يتسابون، فهل نشتري منهم شيئا من رقيقهم؟ فقال: كان يقال: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، فإنه لن يترك أحد شيئا لله، فوجد فقده، قال: وقال عبد الله بن عمر، وكان من أئمة الناس: إني لأحب أن أجعل بيني وبين الحرام سترة من الحلال ولا أحرمه، وقد قال رسول الله ﷺ لعبد الله بن عمرو بن العاص: «كيف لك إذا بقيت في حثالة من الناس وقد مرجت عهودهم وأماناتهم فاختلفوا فكانوا هكذا، وشبك بين أصابعه، فقال: كيف بي يا رسول الله؟ قال: عليك بما تعرف، ودع ما تنكر عليك بخاصة نفسك، وإياك وعوامهم، قال لي: وانظر لنفسك، وعليك بالبين المحض» ، قلت له: إنهم يبعثون إلينا برقيق من رقيقهم، فهل نشتري من رقيقهم التي يبعثون إلينا بهم للصلح الذي بيننا وبينهم فقال: "لا أدري ما هذا ولا ما هذا التفصيل بين هذا وهذا، وليس كل من فصل أصاب ".
قال محمد بن رشد: إذا كانت الهدنة بيننا وبين أهل الحرب على أن لا نقاتلهم ولا نسبيهم، فلا إشكال في أن ذلك ليس بعهد يمنعنا من شراء أولادهم منهم، ولا من شرائهم ممن سباهم في أن ذلك عهد يمنعنا من شرائهم ممن سباهم ومن شراء أولادهم، وإذا أعطيناهم أمانا وعهدا على أن يدخلوا إلينا في تجارة وينصرفون، أو على أن ندخل نحن إلى بلادهم في تجارة، وننصرف عنهم، فلا إشكال أيضا في أن ذلك ليس بعهد يمنعنا من شراء أولادهم منهم، ولا من شرائهم ممن سباهم، وأما إذا هادناهم على أن نتداخل للتجارة مهادنة مستمرة فهذا الذي رأى اشتراءهم ممن سباهم من مشتبهات الدين الذي تركه وجه
стр. 1744
الخلاص وطريق السلامة، واستدل على ذلك بقول عبد الله بن عمر: إني لأحب أن أجعل بيني وبين الحرام سترة من الحلال ولا أحرمه، وبقول النبي ﵇ لعبد الله بن عمرو بن العاص: «فانظر لنفسك، وعليك بالبين المحض؛» لأنه حمل قوله له على عمومه في جميع الأشياء، وإن كان مساق الحديث إنما هو على التحذير من الفتن التي وقعت بعده ألا يدخل منها في مشكل، وقد دخل فيه على ما أداه إليه اجتهاده مع عزم أبيه عليه في ذلك، فشهد مع معاوية حرب صفين، ثم ندم على ذلك لما ظهر إليه من البصيرة في خلاف رأيه الأول، فاستغفر الله من ذلك مخافة أن يكون قد قصر أولا في اجتهاده مع قول رسول الله ﷺ : «فانظر لنفسك وعليك بالمحض البين» ، وفي هذا الحديث علم جليل من أعلام النبوءة؛ لأنه أعلم عبد الله بما يكون بعده من الفتن وحضه على ما يصنع فيها في خاصة نفسه من الأخذ بالبين المحض، فانتهى ﵁ إلى ما حضه عليه، ورجع عما دخل فيه إذ بان له خلاف ما كان ظهر إليه، ولا فصل كما قال من شراء بعضهم من بعض إذا سبوهم، وشراء رقيقهم الذي يبعثون بهم فيما صولحوا عليه إذ كان أولئك الرقيق الذين يبعثون بهم من سبي بعضهم بعضا، وبالله التوفيق لا إله إلا هو.
[التجارة في النبل والسيوف والسلاح]
ومن كتاب البيوع الأول قال أشهب بن عبد العزيز: سئل مالك عن التجارة في النبل والسيوف والسلاح، قال: لا بأس بذلك، ولم تزل الناس يجيزونه إلا أن يخاف أن يصل إلى العدو.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال: لأن السلاح لا يحل أن يباع من العدو، ولا ممن يحمله إلى العدو، فلا يحل للرجل أن يتجر فيه إذا علم أنه يصل إلى العدو، مثل أن يكون الذين يبتاعونه منه يخرجون إلى بلد يحمل منه للعدو، ويكره ذلك إذا خاف أن يصل إليهم، قاله مالك في سماع أشهب من
стр. 1745
كتاب اللقطة، وهو معنى قوله في هذه الرواية، وكذلك تكره له التجارة فيه في حين الفتن التي تكون بين المسلمين إذا خشي أن يصل شيء منه إلى من يناوئ به الإسلام، ولا بأس بالتجارة فيها إذا أمن أن يصل منها شيء إلى العدو، أو إلى من يناوئ المسلمين، فإن باع السلاح من العدو، أو ممن يناوئ المسلمين ويخرج به عليهم، أو ممن يحمل ذلك إليهم وهو عالم بذلك ومضى ذلك وفات، ولم يعلم من باعه منه ولا قدر على رده، فقد اختلف فيما يلزمه بينه وبين ربه في التوبة من ذلك على ثلاثة أقوال: أحدها؛ أنه يلزمه أن يتصدق بجميع الثمن، وهذا على القول في أن البيع غير منعقد، وأنها باقية على ملكه؛ لوجوب رد الثمن على هذا القول إلى المبتاع إن علمه، والصدقة به عليه إن جهله كالربا، والثاني: أنه لا يلزمه أن يتصدق إلا بالزائد على قيمته لو بيع على وجه جائز، وهذا على القول بوجوب فسخ البيع في القيام وتصحيحه بالقيمة في الفوات.
والثالث: أنه لا يجب عليه أن يتصدق بشيء منه إلا على وجه الاستحباب مراعاة للاختلاف، وهذا على القول بأن البيع إن عثر عليه لم يفسخ، ويباع على المبتاع، وبالله التوفيق.
[الروم إذا قدموا علينا برقة بالرقيق جعلوا من كل صنف عشرة]
ومن كتاب الزكاة وسئل مالك فقيل له: الروم عندنا إذا قدموا علينا برقة بالرقيق جعلوا من كل صنف عشرة، فجعل ذلك أصنافا، ثم بدأ بأول صنف، فاختار منهم الرومي رأسا، ثم أخذ المسلمون من التسعة الباقية رأسا يختارونه منها، ثم يأتي إلى الصنف الآخر الثاني، فاختار منهم المسلمون رأسا ثم أتى إلى الصنف الثالث، فبدأ الرومي فاختار منهم رأسا، ثم اختار المسلمون من التسعة الباقية رأسا هكذا يفعلون، قد أحكموا ذلك وجعلوا كل صنف على حدته، فقال: أحكموه إحكام سوء.
قال محمد بن رشد: إنما عاب هذا الفعل؛ لأن الغرر فيه بين فلا يجوز ذلك؛ «لنهي رسول الله ﷺ عن بيع الغرر» وإنما الواجب في ذلك أن يقسم
стр. 1746
الرقيق بينهم وبين المسلمين على سنة قسم الرقيق بين الشركاء؛ لأن المسلمين قد حصلوا إشراكهم فيها بالعشر باعوا أو لم يبيعوا، وهذا في أهل الحرب فتقوم كلها، فيضرب عليها بالسهام، فيخرج للمسلمين ما خرج في العشر بالقيمة رأس أو بعض رأس أو رؤوس، وبالله التوفيق.
[المصاحف توجد في كنائس الروم بأرض العدو من مصاحفهم والصلب الذهب والورق]
من سماع ابن دينار من ابن القاسم من كتاب أوله نقدها نقدها قال عيسى بن دينار: وقال ابن القاسم: في المصاحف توجد في كنائس الروم بأرض العدو من مصاحفهم والصلب الذهب والورق، فقال: أما الصلب فيكسرونها، ثم تقسم ولا تقسم صلبا، وأما المصاحف فتمحى.
قال محمد بن رشد: قد قال في غير هذا الموضع في المصاحف: إنها تحرق كما روي عن عثمان ﵁ أنه فعل بالمصحف إذ جمع الناس على مصحف واحد، فإن كان ينتفع بها بعد محوها فمحوها أولى لبقاء المنفعة فيها للمسلمين، وإن كان لا منفعة فيها بعد محوها، فحرقها أولى؛ لأنه أقل عناء، ولا تترك على حال دون أن تحرق أو تمحى، إذ لا يجوز أن تقرأ؛ لأنها مغيرة محرفة كما أخبر الله في كتابه العزيز حيث يقول: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [المائدة: ١٣] ، وقال : ﴿ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ [البقرة: ٧٩] .
[مسألة: الإمام يبيع السبي على أن هذا زوج هذه وهذه امرأة هذا]
مسألة وقال ابن القاسم في الإمام يبيع السبي على أن هذا زوج هذه، وهذه امرأة هذا، يقول ذلك ثم يريد المشتري بعد ذلك أن
стр. 1747
يفرق بينهما، إنه ليس له أن يفرق بينهما، قال: وإن باعهم الذين يجلبونهم أيضا يعني الربانيين على هذا أيضا، وقالوا: إن هذا زوج هذه، وهذه امرأة هذا أقرهم على ذلك، وليس له أن يفرق بينهما، وهذا الذي ليس فيه اختلاف من أحد.
قال محمد بن رشد: قوله في الإمام إذا باع الرجل والمرأة من السبي على أنهما زوجان: إنه ليس للمشتري أن يفرق بينهما هو على ما ذهب إليه ابن حبيب في الواضحة من أن السباء يبيح فسخ نكاح الزوجين، فإن أسلما أو أسلم أحدهما قبل أن توطأ أقرا على نكاحهما، ولم يفسخ ثبتا سبيا معا أو مفترقين خلاف قول ابن القاسم وأشهب في المدونة: إن السباء يهدم نكاح الزوجين سبيا معا أو مفترقين، فعلى قولهما فيها لا سبيل إلى تركهم على ذلك النكاح إلا بنكاح جديد من مالكهم.
وذهب ابن المواز إلى أن السباء لا يهدم نكاح الزوجين ولا يبيح فسخه سبيا معا أو مفترقين، فإن سبيت الأمة على مذهبه، ثم سبي زوجها أو قدم بأمان قبل أن توطأ بالملك فهو أحق بها، وذهب ابن بكر إلى أنه إن سبيت هي قبله فسخ النكاح بسببها، وإن سبي قبلها أو سبيا معا فاستبقا الزوج أقرا على نكاحهما، فهي أربعة أقوال: أحدها؛ إذا تقدم سبي أحدهما فلا فرق بين أن يسبى الآخر بعد ذلك، أو يقدم بأمان في حكم فسخ النكاح يجري ذلك على الاختلاف المتقدم، وإذا تقدم قدوم أحدهما بأمان، ثم سبي الآخر بعده فلا ينفسخ النكاح بإجماع، ويخير إن كانت هي التي قدمت أولا للرق الذي أصابه بالسباء ويعرض عليها الإسلام إن كانت هي التي سبيت آخرا إلا أن تعتق، إذ لا يصح أن تكون زوجة لمسلم وهي أمة كافرة؛ لقوله : ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥] الآية، وبالله التوفيق.
стр. 1748
[حربي يقول لمعسكر المسلمين إن أعطيتموني امرأتي فلكم عندي أربعة من المسلمين]
ومن كتاب أوله أوصى أن ينفق على أمهات أولاده وسئل ابن القاسم عن رومي سبيت امرأته فأتى حتى وقف قريبا من عسكر المسلمين فقال لهم: إن أعطيتموني امرأتي فلكم عندي أربعة من المسلمين أعطيكموهم نصهم بأسمائهم، فقالوا له: نعم، فذهب] فأتى بواحد، ثم آخر ثم آخر ثم جاء، فقال لهم: لم أقدر على الرابع، قال ابن القاسم: إما أن يعطوه امرأته، وإما أن يردوا إليه الثلاثة، قال عيسى: أحب إلي أن يردوا إليه امرأته، ولا يعطوه الثلاثة، ولا ينبغي لهم غير ذلك.
قال محمد بن رشد: قول ابن القاسم ليس على ظاهره من التخيير بين الأمرين، وإنما معناه أنه لا بد من أحد الوجهين، فإذا لم يصح أحدهما لزم الثاني، وقول عيسى مبين لذلك؛ لأن قوله في أوله: أحب إلي ليس على ظاهره، ومعناه الوجوب، بدليل قوله في أخره: ولا ينبغي لهم غير ذلك، وهذا إذا كان لم يبرم العقد بينهم وبين الرومي على أن يعطوه امرأته ويعطيهم الأربعة من المسلمين، وإنما قالوا له: إن جئتنا بهم أعطيناك امرأتك، ولو انبرم العقد بينهم على هذا لكان الواجب إذا تحقق أنه لم يقدر على الرابع أن يكون له أن يأخذ امرأته، ويكون عليه قيمة ربعها على حكم الاستحقاق فيمن باع أمة بأربعة أعبد، فأعتق المشتري الأمة واستحق أحد الأعبد.
ولو لم يتحقق أنه لم يقدر عليه لكان من حق المسلمين أن يحبسوا المرأة حتى يأتي بالرابع على أصولهم في أن من حق البائع أن يمسك سلعته حتى يستوفي جميع ثمنها.
[مسألة: الربانين ما يؤخذ منهم في التجارة]
مسألة وسئل ابن القاسم عن الربانين: ما يؤخذ منهم؟ فقال: الذي تأخذ به من ذلك إنما هو صلح ما اصطلحوا أن ينزلوا عليه من ثلث
стр. 1749
أو ربع أو خمس أو عشر أو ما كان من الإمام في ذلك، قيل له: فإن نزلوا على العشر بصلح، فلم يوافقهم البيع ثم أرادوا الرجوع برقيقهم ومتاعهم فقال: يؤخذ منهم العشر، ولا يشبهوا أهل ذمتنا إذا أتوا لتجارة، فلم يوافقهم البيع أولئك لا يؤخذ منهم شيء إلا أن يبيعوا، قال ابن القاسم في سماع سحنون، وأصبغ ويمنعون من الوطء إن كان معهم جواري يحال بينهم وبين وطئهن حتى يباعوا للشرك الذي للمسلمين معهم باعوا أو لم يبيعوا أو فيما مات أو نقص، قال ابن القاسم: إلا أن يكونوا صولحوا على دنانير أو دراهم فلا يمنعوا من الوطء، وإن دخلوا من ذلك الموضع إلى غيره من سواحل المسلمين قبل أن يبيعوا لم يؤخذ منهم إلا ما أخذ.
قال محمد بن رشد: قوله في الربانيين إنه يؤخذ منهم إذا قدموا للتجارة ما صولحوا عليه هو مثل قوله في المدونة وروايته عن مالك خلاف رواية علي بن زياد عنه فيها أن في تجار أهل الحرب العشر.
ولا اختلاف في أن للإمام أن يمنعهم من دخول بلاد المسلمين للتجارة حتى يصالحوه على ما يأخذ منهم، وأنه إن صالحهم على أكثر من العشر لزمهم، ولم يكن لهم أن يؤدوا العشر، وإن صالحهم على أقل من العشر لزمه ولم يكن له أن يأخذ منهم أكثر مما صالحهم عليه، وإن أنزلهم على غير اتفاق ولا عادة جروا عليها أخذ منهم العشر، ولم يكن للإمام أن يزيد منهم على العشر ولا لهم أن ينتقصوه منه على القول: بأن ما صولحوا عليه يجب عليهم بدخولهم إلى بلاد المسلمين باعوا أو لم يبيعوا، وهذا لم يختلف فيه قول مالك ولا قول ابن القاسم، فاختلاف قول مالك في رواية ابن القاسم، وعلي بن زياد عنه في المدونة إنما يعود في هل للإمام أن ينزلهم ابتداء على أقل من العشر، أو دون اتفاق ويأخذ منهم العشر أم لا؟ فله ذلك على رواية ابن القاسم: وليس له ذلك على رواية علي بن زياد، فإن فعل لم يكن بين الروايتين اختلاف في أنه إن أنزلهم على أقل من العشر لم يكن له أن يأخذ منهم العشر، ولا في أنه إن أنزلهم دون اتفاق ولا جري عادة
стр. 1750
جروا عليها أن يكون له أن يأخذ منهم أكثر من العشر إلا أن يرضوا بذلك، ولا أقل منه إن طلبوا ذلك؛ لأنه يكون تاركا لبعض حق المسلمين.
وأما على قول ابن وهب في سماع أصبغ وأشهب في كتاب ابن المواز أنه لا يلزمهم أن يؤخذ منهم العشر، ولا ما صالحوا عليه إلا أن يبيعوا، فإن أنزلهم الإمام على غير إتقان ولا عادة جروا عليها فيصالحهم ما لم يبيعوا أو ينصرفوا، ولا يأخذ منهم شيئا، فإن لم يصالحهم حتى باعوا أخذ منهم العشر على كل حال، وقوله: إنهم يمنعون من الوطء صحيح؛ لأن المسلمين قد حصلوا إشراكا لهم بنفس نزولهم، وإن لم يبيعوا خلاف قول ابن وهب وأشهب.
[مسألة: الضيافة على أهل الذمة ضيافة الثلاثة الأيام]
مسألة قال ابن القاسم: وبلغني عن مالك أنه قال: تطرح الضيافة على أهل الذمة ضيافة الثلاثة الأيام إذا لم يوف لهم.
قال محمد بن رشد: معنى قول مالك في طرح الضيافة عنهم هو ما فسره به عيسى بن دينار في تفسير ابن مزين قال: يقول: إذا تعدى عليهم الإمام، وأخذ منهم أكثر من فرض عمر فلا يحل لأحد من المسلمين أن يستضيفهم، ولا يأكل لهم شيئا، وهو تفسير صحيح؛ لأن عمر إنما أوجب عليهم أن يضيفوا من مر بهم من المسلمين ثلاثا على أن يؤدوا المقدار الذي فرضه عليهم، فصار ذلك المقدار شرطا في وجوب الضيافة عليهم لمن مر بهم من المسلمين، فإذا لم يوف هم بالشرط، وأخذ منهم أكثر من ذلك سقطت عنهم الضيافة، فلا يحل لأحد أن يستضيفهم، ولا يأكل لهم شيئا.
[مسألة: الجزية على أهل الذمة]
مسألة قال مالك: ولا أرى أن يزاد عليهم في جزية جماجمهم على ما فرض عمر أربعة دنانير على أهل الذهب وأربعين درهما على أهل الورق، فلا أرى أن يزاد عليهم، وإن أيسروا، واحتج بقول عمر:
стр. 1751
قد فرضت لكم الفرائض، وسننت لكم السنن.
قال محمد بن رشد: المروي عن عمر ﵁ أنه فرض الجزية على أهل الذمة أربعة دنانير على أهل الذهب، وأربعين درهما على أهل الورق، وذلك أرزاق المسلمين، وضيافة ثلاثة أيام.
والذي كان يفرض عليهم في الأرزاق على ما حكى ابن وهب نحو قفيز قمح وثلاثة أثمان زيت في كل شهر، وشيء من عسل وكسوة لم يحد ذلك، فإرادته أنه لا يزاد عليهم فيما فرضه عليهم في الأرزاق مع الذهب أو الورق كما لا يزاد عليهم في الذهب ولا في الورق، والله أعلم، ولا اختلاف أعلمه في أنه لا يزاد عليهم على ما فرضه عمر، وإن أيسروا ولا ينقصونهم منه ما كان فيهم محتمل لذلك، فإن لم يكن فيهم محتمل لحمل المفروض عليهم في الأرزاق مع الذهب والورق لم يكن عليهم إلا الذهب أو الورق، واختلفوا إن ضعفوا عن حمل الأربعة دنانير أو الأربعين درهما، فقيل: إنه يسقط عنهم الجميع، وهو الظاهر من مذهب ابن القاسم، وقيل: إنهم يلزمون من ذلك بقدر احتمالهم ولا حد في ذلك، قاله القاضي أبو الحسن، وقيل: إن حد أقل الجزية دينار أو عشرة دراهم، وهذا في أهل العنوة الذين غلبوا على بلادهم وأقروا فيها لعمارة الأرض وفيمن استأمن على أن يكون من أهل ذمة المسلمين، وفيمن صولح على أداء الجزية مجملا دون تفسير، فإن صولحوا على أقل من ذلك أو أكثر مضى ذلك، ولزم الصلح على ما وقع عليه من قليل الجزية وكثيرها، هذا قول ابن حبيب وغيره: إن الجزية الصلحية لا حد لها في عدد ولا توقيت، وإنما هي على ما صالحوا عليه من قليل أو كثير على أن يدخلوا إلى بلاد المسلمين أو يقروا في بلادهم على دينهم إذا كانوا بحيث تجري عليهم أحكام المسلمين، وتؤخذ الجزية منهم عن يد وهم صاغرون، وهو كلام فيه نظر، والصحيح أنه لا حد لأقلها يلزم أهل
стр. 1752
الحرب الرضى به؛ لأنهم مالكون لأمرهم، وأن لأقلها حدا إذا بذلوه لزم الإمام قبوله وحرم عليه قتلهم؛ لقوله : ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ﴾ [التوبة: ٢٩] الآية ولم أر لأحد من أصحابنا حدا في ذلك، والذي يأتي على المذهب عندي أن أقلها ما فرض عمر على أهل العنوة، فإذا بذل ذلك أهل الحرب في الصلح على أن يؤدوه عن يد وهم صاغرون لزم الإمام قبوله وحرم عليه قتالهم، وله أن يقبل منهم في الصلح أقل من ذلك، وإن كانوا أغنياء، وقال الشافعي: أقل الجزية دينار، فإذا بذل الأغنياء دينارا حرم قتالهم، ولا قدر لأكثرها، يريد أنه ليس لكثرة ما يبذلونه في الصلح حد لا يجوز للإمام أن يتجاوزه بخلاف أهل العنوة الذي لا يجوز للإمام أن يتجاوز فرض عمر ﵁.
[أسلف النصراني النصراني خمرا أو خنازير فأسلم المسلف]
ومن كتاب أوله لم يدرك من صلاة الإمام إلا الجلوس وقال ابن القاسم: إذا أسلف النصراني النصراني خمرا، أو خنازير فأسلم المسلف كان عليه قيمة تلك الخنازير أو الخمر، وكذلك النصرانية تنتقد في صداقها خمرا أو خنازير، ثم تسلم قبل أن يبتنى بها وقد فات في يديها، فإنه يكون عليها غرم قيمة تلك الخنازير وتلك الخمر، قلت: فإن كان ذلك الخمر والخنازير عندها قائمة بعينها؟ قال: أرى أن تغرم قيمة ذلك وتكسر الخمر وتقتل الخنازير، قلت: فإن أسلم الذي أسلف الخمر والخنازير هل عليه أن يأخذ تلك الخنازير، فيقتلها أو تلك الخمر فيهريقها؟ قال ابن القاسم: أحب إلي أن تؤخذ الخمر والخنازير، فتكسر الخمر وتقتل الخنازير.
قال محمد بن رشد: قوله في النصراني الذي يسلفه النصراني الخمر والخنازير، فيسلم إن عليه قيمة تلك الخنازير أو الخمر صحيح على قياس قوله
стр. 1753
في المدونة وغيرها في أن المسلم إذا استهلك الخمر للنصراني أن عليه قيمتها؛ لأنه بإسلافه مستهلك للخمر الذي دفع إليه، إذ لا يقدر أن يؤدي إليه خمره ولا خنازيره بعد إسلامه، ولم يذكر متى تقوم إن كان يوم قبضها أو يوم أسلم أو يوم يحل عليه السلف إن كان مؤجلا، والذي يجب أن يكون عليه قيمة ذلك يوم الحكم إن كان السلف حالا، وإن كان مؤجلا لم يحل بعد فقيمته يوم الحكم على أن يقبض عند أجله، وحكى ابن حبيب عن مالك من رواية مطرف عنه أنه لا شيء عليه إذا أسلم على أصله أيضا في المسلم يستهلك الخمر للنصراني إنه لا شيء عليه فيها، وكذلك النصرانية تنتقد في صداقها خمرا أو خنازير، فتسلم قبل البناء تشبه مسألة القرض؛ لأنها بإسلامها قبل البناء ينفسخ النكاح ويجب عليها أن ترد للزوج ما قبضت منه وهي لا تقدر على ذلك لإسلامها، فتلزمها القيمة، وذلك أبين إذا أسلمت والخمر والخنازير قائمة بيدها في الاستهلاك، ولا يجب عليها شيء على رواية مطرف عن مالك المذكور في الوجهين، وأما إذا أسلم الذي أقرض الخمر والخنازير فأخذ ذلك من النصراني، وقتل الخنازير وإراقة الخمر أولى من ترك ذلك كما قال وبالله التوفيق.
[مسألة: أسلم نصراني إلى نصراني دنانير في خمر أو خنازير فأسلم أحدهما]
مسألة قال: ولو أسلم نصراني إلى نصراني دنانير في خمر أو خنازير فأسلم أحدهما؟ قال: إذا أسلم الذي أسلم إليه الثمن رد الثمن إلى صاحبه، فإذا أسلم صاحب الثمن، فإن مالكا قال فيها: لا أدري، أخاف أن أظلم الرومي إن قضيت عليه برد الدنانير وعليه خمر أو خنازير، ولكن أرى أن تؤخذ الخمر منه وتكسر على المسلم، وتؤخذ الخنازير، فتقتل أو تطرح في مكان لا يخلص أحد إلى أكلها، يحتمل أن يكون من قول مالك، فيكون هو جوابه الذي ترجح عنده من الوجهين في المسألة بعد وقوفه فيها، ويحتمل أن يكون من قول ابن القاسم خلافا لماله في المدونة من أنه يقضى عليه برد رأس المال
стр. 1754
بمنزلة إسلامهما جميعا؛ لأنه حكم، قلت: فإن رضي النصراني أن يرد عليه دنانيره؟ قال: ذلك حلال لا بأس به.
قال محمد بن رشد: توقف مالك ﵀ إذا أسلم الذي له السلم وقال: أخاف أن أظلم الرومي إن قضيت عليه بخلاف ما عليه، ولم يتوقف إذا أسلم الذي عليه السلم، وهو يقضي للذمي بخلاف ماله؛ لأن له خمرا أو خنازير، وهو يقضي عليه أن يأخذ دنانير، والفرق بين الموضعين أنه إذا أسلم الذي له السلم لم يمكن أن يقضى على الذمي بما عليه؛ لأن ما عليه يجوز له ملكه، فلما كان يمكن أن يقضى عليه بما عليه خشي أن يظلمه إن قضى عليه بخلاف ما عليه، وإذا أسلم الذي عليه السلم لم يمكن أن يقضى عليه بالخمر والخنازير؛ لأنه مسلم لا يحل له ملك ذلك، فلما لم يكن ذلك كان القضاء عليه برد رأس المال ضرورة يبيح أن يقضى للذمي بخلاف ماله، كمن أسلم فيما له إبان فانقضى الإبان قبل أن يأخذ سلمه أنه يقضى له برأس ماله، إذ لا يمكن أن يقضى له بماله وقوله: ولكن أرى أن تؤخذ الخمر عنه، فتكسر على المسلم وتؤخذ الخنازير فتقتل وتطرح في مكان لا يخلص أحد إلى أكلها، يحتمل أن يكون من قول مالك، فيكون هو جوابه الذي ترجح عنده من الوجهين في المسألة بعد وقوفه فيها، ويحتمل أن يكون من قول ابن القاسم خلافا لماله في المدونة من أنه يقضى عليه برد رأس المال بمنزلة إسلامهما جميعا؛ لأنه حكم بين مسلم ونصراني، وأما إذا رضي النصراني المسلم إليه أن يرد على المسلم الذي أسلم إليه دنانيره فلا إشكال في أن ذلك حلال جائز كما قال، ولا يلزم المسلم ذلك إذا قال: أنا أريد أن آخذ الخمر أو الخنازير فأهريق الخمر، وأقتل الخنازير على القول بأن ذلك هو الذي يوجبه الحكم.
[مسألة: نصراني أعطى نصرانيا دينارا في دينارين إلى شهر فأسلم أحدهما]
مسألة قلت: فلو كان نصرانيا أعطى نصرانيا دينارا في دينارين إلى شهر فأسلم أحدهما أو جميعا؟ قال: إن أسلما جميعا لم يكن لصاحب
стр. 1755
الدينار إلا ديناره، وإن أسلم صاحب الدينار لم يحل له أن يأخذ إلا ديناره، وإن أسلم الذي عليه الديناران كان عليه غرم الدينارين إلى النصراني.
قال محمد بن رشد: أما إذا أسلما جميعا أو أسلم الذي أسلم الدينار، فلا اختلاف في أنه لا يحل للمسلم إلا أن يأخذ ديناره، وإن أسلم صاحب الدينار لم يحل له أن يأخذ إلا ديناره، وإن أسلم الذي عليه الدينار لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٩] الآية.
وأما إذا أسلم المسلم إليه، فقال ابن القاسم في المدونة إنه يرد إلى المسلم ديناره بمنزلة إسلامهما جميعا؛ لأنه حكم بين مسلم ونصراني خلاف قوله ها هنا، واختلاف قوله في هذه المسألة جار على الاختلاف في الكفار هل هم مخاطبون بشرائع الإسلام أم لا؟ فقوله ها هنا على أنهم غير مخاطبين بشرائع الإسلام؛ لأنك إذا قلت: إن الربا لا يحرم على الذمي وجب أن يحكم له به على الذي أسلم، وإذا قلت: إنه يحرم عليه لم يجز أن يحكم له به على الذي أسلم؛ لأن المسلم لا يجوز له أن يؤكل الربا كما لا يجوز له أن يأكله، وتوقف فيها مالك في المدونة وقال: أخاف أن أظلم الذمي إن قضيت له بدينار وله ديناران إذ لم يترجح عنده أحد القولين على الآخر.
[مسألة: تسالفا الخمر والخنازير ثم أسلما جميعا]
مسألة قال: وكذلك إذا تسالفا الخمر والخنازير إذا أسلما جميعا لم يكن على الذي عليه الخمر ولا الخنازير قليل ولا كثير.
قال محمد بن رشد: وهذا عندي إذا أسلما معا أو أسلم المسلف قبل المسلف، وأما إن أسلم المسلف قبل المسلف فينبغي على قياس قول ابن القاسم في أول الرسم أن يكون عليه قيمة الخمر أو الخنازير للمسلم؛ لأن ذلك قد وجب له عليه بإسلامه قبل أن يسلم هو، فلا يسقط حقه بإسلامه، وقد
следующие страницы →