Полный текст (9 112 стр.). Показаны 2906–2945 · переход к 2911.
стр. 2906
مغيبه وغاب أثره وجب أن يرجع في أمره إلى حكم المفقود، وأما على مذهب ابن الماجشون الذي لا يعذره بالمغيب فإنه يطلق عليه إذا انقضى الأجل علم موضعه أو لم يعلم، قربت غيبته أو بعدت كان مفقودا أو غير مفقود؛ لأن حكم الإيلاء قد لزمه عنده، فلا يزاد فيه أكثر مما فرضه الله تعالى.
وأما قوله في الذي جن جنونا مطبقا عند الأجل إن السلطان يوكل عليه من يكون ناظرا له في أمره، فإن رأى له ألا يفيء وأن يطلق عليه فعل ولزمه ذلك، وإن رأى أن يفيء عنه فيكفر عنه إن كانت يمينه بعتق رقبة فعل، وأقر مع امرأته، وجاز عليه جميع ما فعل، ففي ذلك من قوله نظر إذ إنما يصح للوكيل أن يفيء عنه فيكفر عنه إذا كانت يمينه بعتق عبد بعينه أو صدقة شيء بعينه أو طلاق امرأة له أخرى وما أشبه ذلك؛ لأن الوكيل إذا أعتق ذلك العبد أو تصدق بذلك الشيء أو طلق تلك المرأة سقطت اليمين عنه وارتفع الإيلاء كما لو مات ذلك العبد أو ماتت تلك المرأة أو ملك ذلك الشيء الذي حلف بصدقته.
وأما إن كانت يمينه بمشي أو صيام أو صدقة شيء في ذمته ليس بعينه وما أشبه ذلك فلا يصح له أن يفيء عنه بشيء من ذلك؛ لأنه هو لو مشى عن نفسه أو صام أو تصدق عن يمينه قبل أن يحنث لم ينتفع بذلك، ولا انحلت به عنه اليمين، وكان عليه إن حنث أن يمشي مرة أخرى أو يصوم أو يتصدق، فالوكيل بمنزلة، بل هو أضعف مرتبة وحالا، إذ لا يصوم أحد عن أحد، ولا يمشي أحد عن أحد، ولو تصدق الوكيل عنه ليحل اليمين عنه لوجب عليه الضمان إذ أتلف عليه ماله فيما لا منفعة فيه، وكذلك إن كانت يمينه بالله فكفر عنه لا ينتفع بذلك ولا تنحل به عن اليمين؛ لأن الكفارة لا تكون إلا بنية، فلا يصح أن يكفر عنه بغير إذنه إلا على قياس أحد قولي ابن القاسم فيمن أعتق عبدا من عبيده عن رجل عن ظهاره بغير إذنه فرضي لما بلغه أن ذلك يجزيه، وهو قول ضعيف خارج عن الأصول،
стр. 2907
والقول الآخر هو الصواب أن ذلك لا يجزيه، وهذا كله على مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك، وهو المشهور في المذهب، وأما على مذهب ابن الماجشون فلا يوكل عليه من يفيء عنه إذ لا يؤمر وليه أن يكفر عنه على حال، كما لا يؤمر هو أن يكفر عن نفسه إذا كان مريضا؛ لأن فيئته عنده إنما هي الجماع لا غير.
وأما قوله: إذا كانت يمينه بالله فوطأها في جنونه أنه إن وطأها فيه لحنث به، ويكفر عنه وليه يمينه إن كان حلفه في حال صحته، فهو قول ضعيف؛ لأن فعله في حال الجنون كلا فعل، فإذا وطأ في حال جنونه وجب ألا يحنث بذلك ولا يجب عليه به عليه الكفارة، لقول النبي ﵇: «رفع القلم عن ثلاث فذكر فيهم المجنون حتى يفيق» ، ويكون ذلك مسقطا لحق زوجته في توقيفه حتى يمر به أربعة أشهر من يوم وطئها؛ لأنها قد نالت بوطئه إياها في جنونه ما ينال بوطئه إياها في صحته، وما تمادى به الجنون فلا توقيف فيه بحال.
ووجه قوله أنه رأى أنه لا يطأ إلا ومعه بقية من عقله فأشبه السكران عنده على مذهب من يرى أنه يلزمه الأفعال ولا يلزمه الأقوال.
وأما قوله: قلت: فلو كانت يمينه أن قال: أنت طالق إلا إن وطئتك إلا في بلد كذا وكذا أو حتى أغزو فقال وليه: أنا ألزمه هذه الطلقة ويطأ امرأته ويترك معها أو قال: أنا أسافر به إلى البلدة أو أغزو به ثم أرده فيطأ ولا يطلق عليه فقال: إن رأى ذلك خيرا له فعل، وجاز عليه، فلا يستقيم إذ لا منفعة له في إلزامه الطلقة في هذا؛ لأنها يمين هو فيها على بر، ولا اختلاف في أن من قال: امرأتي طالق إن فعلت كذا لا منفعة له في أن يقدم الطلاق قبل الحنث؛ لأن الطلاق يلزمه ثانية إن فعل ذلك الفعل وامرأته تحته على شيء من بقية طلاق ذلك المملك، وكذلك غزوه وسفره به لا منفعة له فيه إذ لم يسافر هو ولا غزا باختياره إلا أنه على أصله في تحنيثه بوطئه، وقد ذكرنا وجه قوله في ذلك.
وأما قوله بعد ذلك: إن الإيلاء لا يسقط عنه لما حل به من جنونه ولا
стр. 2908
يعذر في تركه المسيس لأن الوطء فيه قائم فمعناه أنه لا يسقط حق المرأة في ذلك ويكون لها القيام عليه في ذلك، فينزل وليه منزلته فيما يؤمر به من الكفارة.
وأما قوله: لأن الوطء فيه قائم، معناه لأن الوطء منه ممكن إن صح من جنونه، ويدل على هذا التأويل تنظيره إياه بالمولى يحل أجل إيلائه وهو مسجون أنه لا يعذر بأن يقول: أطأ إذا خرجت حتى يحنث نفسه الساعة بأن يكفر، وفي هذا في المدونة قولان إذا كانت يمينه بالله، وقد مضى هذا المعنى في أول سماع ابن القاسم وفي رسم الصلاة من سماع يحيى وغير ذلك من المواضع.
وأما قوله في الذي يريد سفرا بعيدا إنه يقول له: أقم مكانك أو وكل وكيلا إذا حل الأجل يفيء لك أو يطلق عليك ففيه نظر إذ لا يصح للوكيل أن يفيء عنه إلا بالعتق بعينيه والصدقة بشيء بعينيه وما أشبه ذلك حسبما تقدم في أول المسألة، وهو خلاف قول ابن القاسم لأنه لا يرى في ذلك وكيلا يؤمر له، وإنما يقال له: إما أن تقيم وإما أن تخرج فيطلق عليه إن لم يقدم للأجل، وإن خرج ولم يتقدم إليه لم يطلق عليه حتى يكتب إليه هذا مذهب ابن القاسم، وابن كنانة يرى أن يطلق عليه إذا حل الإيلاء وهو غائب وإن لم يتقدم إليه، ولا يلزمه عنده أن يتقدم إليه ولا يحبس عن سفره، وهو مذهب ابن الماجشون.
وأما إذا كان منكرا للإيلاء والمرأة تدعيه فلا اختلاف في أنه يحبس عن سفره حتى ينابذها في ذلك كما قال ابن كنانة والله أعلم.
[مسألة: يحلف لامرأته ألا يطأها إلا أن تطلب إليه ذلك فتأبى المرأة أن تطلب ذلك إليه]
مسألة وسئل سحنون عن الرجل يحلف لامرأته ألا يطأها إلا أن
стр. 2909
تطلب إليه ذلك فتأبى المرأة أن تطلب ذلك إليه، فيكون موليا.
قال سحنون: الحق لها فليس عليه الإيلاء ما لم تطلبه وإن أقام أكثر من أربعة أشهر.
قال محمد بن رشد: في كتاب ابن سحنون، قلت له: قد قيل: إنه مولى ولا يكون قيامها به سؤالا حتى تسأله، فعابه وقال: منع الوطء بسببها، وهو قول له وجه؛ لأنه متعدي في حلفه ألا يطأها حتى تسأله ذلك؛ لأن المرأة تستحي أن تفصح بطلب ذلك، وقد تزوجته على ذلك فلا ينبغي أن تلزم المشقة بالإفصاح بطلبه وقد قال الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة: ٢٢٦] فعم ولم يخص.
وأما من قال: إن وطئتك فأنت طالق إلا أن تأتيني فهو مولى إذ ليس عليها أن تأتيه روي ذلك عن مالك، وهو صحيح، والحجة في ذلك أن رسول الله ﷺ كان يأتي أزواجه في بيوتهن وبالله التوفيق.
[يقول لامرأته إن وطئتك أبدا فكل عبد اشتريته بمصر أنه حر]
من سماع أبي زيد من ابن القاسم قال ابن أبي زيد: وسئل عن الرجل يقول لامرأته: إن وطئتك أبدا فكل عبد اشتريته بمصر أنه حر أنه ليس بمولي.
قال محمد بن رشد: قد قال ابن القاسم: إنه مولي، والقولان في المدونة في هذه المسألة وفي ما كان من معناها لا يلزم الحالف بالحنث فيه شيء، وإنما ينعقد عليه فيه حكمه مثل أن يحلف ألا يطأ امرأته في السنة إلا مرة أو ألا يطأ إحدى امرأتيه ولا نية له، أو يقول: إن وطئت امرأتي فهي علي كظهر أمي، أو إن وطئتها فوالله لا أطؤها على مذهب من يقول
стр. 2910
في الحالف بالطلاق ثلاثا ألا يطأ، أنه يمكن من الوطء وما أشبه ذلك من المسائل، وبالله التوفيق.
[مسألة: تحته أمتان فتآلا منهما ثم اشترى إحداهما]
مسألة قال ابن القاسم في رجل تحته أمتان فتآلا منهما ثم اشترى إحداهما، فقال: يقع عليه إيلاء التي اشترى.
قال محمد بن رشد: قوله يقع عليه إيلاء التي اشترى، معناه يقع عنه أي يسقط عنه إذ لا حق للأمة من ملك اليمين في الوطء على سيدها فيلزمه الإيلاء فيها، ويدل على أن الإيلاء لا يكون إلا في الزوجات أيضا قول الله : ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٧] .
تم كتاب الإيلاء بحمد الله وعونه، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه.
стр. 2911
[كتاب اللعان]
[الملاعنة تلد توأما غلامين في بطن واحد فيهلك أحدهما ويترك مالا]
[كتاب اللعان]
стр. 2912
من سماع عبد الرحمن بن القاسم
من مالك بن أنس ﵀ قال سحنون: أخبرني ابن القاسم عن مالك، قال: سمعت مالكا يقول في الملاعنة تلد توأما: غلامين في بطن واحد فيهلك أحدهما ويترك مالا [فبأي شيء] ترى أن يتوارثا؟ أبوراثة الأخوة للأم أم الأخوة للأب.
قال: بل لوراثة الأب، وليس هو عندي كذلك الزنا؛ لأن ذلك لا أب له، ولأن هذا لو قال له أحد: ليس أبوك فلان جلد الحد، فأرى أن يتوارثا بوراثة الأب.
قال محمد بن رشد: الأتوام الذين لا يعرف آباؤهم أربعة، أتوام الزانية وأتوام المسبية والمستأمنة، وأتوام الملاعنة، وأتوام المغتصبة.
فأتوام الزانية يتوارثان من قبل الأم خاصة.
وأتوام المسبية والمستأمنة يتوارثان من قبل الأب والأم، واختلف في أتوام الملاعنة والمغتصبة، فالاستحسان في أتوام الملاعنة أنهم يتوارثان من قبل الأم والأب؛ لأن الفراش لهما معروف، ولو استلحقهما الأب للحقا به، وهو قول مالك في هذه الرواية، والقياس فيهم أنهم لا يتوارثون إلا من قبل الأم؛ لأن نسبهما من الأب منقطع وهو قول المغيرة وابن دينار، وكذلك القياس في أتوام المغتصبة ألا يتوارثان إلا من
стр. 2913
قبل الأم؛ لأن نسبهما من الأب منقطع، وإذ لا فراش لهما، ولو استلحقهما الغاصب لم يلحقا به وهو قول أصبغ، وقيل: إنهم يتوارثون من قبل الأم والأب استحسانا من أجل درء الحد عنهما وهو قول ابن القاسم في سماع يحيى من كتاب الاستلحاق فيه وفيه ضعف وإنما كان القياس فيهما ألا يتوارثا ألا من قبل الأم على الأصل؛ لأنه لا ميراث لابن الزنا من أبيه وإن عرف أنه أبوه بما ثبت من قول النبي ﷺ : «الولد للفراش وللعاهر الحجر» وهو قول مالك في هذه الرواية، أن ولد الزنا لا أب له، يريد أنه لا أب ينتسب إليه ولوارثه على حال إذ قد عرف أن له أبا؛ لأن جميع البشر لهم أب إلا: عيسى ابن مريم وآدم وحواء وأما من ذهب إلى أنه إنما لم يورث ابن الزنا من أبيه من أجل أنه لا يعرف أنه أبوه إذ لا فراش له، وأنه لو عرف لورثه، وأنه لو استلحقه لحق به، بدليل إجماعهم أنه يرث أمه وترثه، وهو مذهب أبي حنيفة والنخعي وإسحاق بن راهويه فالأتوام كلهم كيف ما كانوا يتوارثون من قبل الأب والأم، إذ قد علم أنهم لأب واحد، كما أنهم لأم واحدة، وإلى هذا ذهب ابن نافع، فقد روى عنه أن أتوام الزانية يتوارثون من قبل الأم والأب وبالله التوفيق.
[مسألة: يغيب عن أهله ثم يقدم وقد ماتت امرأته وتركت ولدا كان بعده، فأنكره]
مسألة كتاب قطع الشجر قال مالك في الرجل يغيب عن أهله ثم يقدم وقد ماتت امرأته وتركت ولدا كان بعده، فأنكره، أنه يلتعن ويبرأ من الولد، ويكون له من الميراث من امرأته التي لاعن.
قال محمد بن رشد: مثل هذا حكى ابن حبيب في الواضحة عن ابن الماجشون، قال في سؤاله وادعى الاستبراء وزاد قال: وقال إذا جاء كنت
стр. 2914
رأيتها تزني وأراد أن يلتعن فليس ذلك له ويحد، وهو كمن رمى امرأة طلقها، وكذلك في كتاب ابن المواز ولا اختلاف في أن له أن يلاعن إذا نفى الحمل وادعى الاستبراء واختلف إذا نفاه ولم يدع الاستبراء. على قولين هما في المدونة.
وقوله: إن لها الميراث صحيح لأنها زوجة ما لم تلتعن هي بعده، وهو قول ربيعة ومطرف واختيار ابن حبيب، وقيل: ما لم يلاعن الزوج، وهو ظاهر قول مالك في موطأه ومذهب الشافعي وقول عبد الله بن عمرو بن العاص في المدونة، وقيل: إن الفرقة تجب بلعان الزوج إن التعنت المرأة وهو مذهبه في المدونة لأنه قال فيها: إن التعن هو فماتت هي قبل أن يلتعن ورثها، وإن مات هو ورثته إن لم تلاعن وبالله التوفيق.
[مسألة: دخل بامرأة ثم طلقها وادعى أنه لم يمسها وصدقته ثم ظهر بها حمل]
مسألة وقال مالك فيمن دخل بامرأة ثم طلقها، وادعى أنه لم يمسها وصدقته، ثم ظهر بها حمل فادعت أنه منه وأقر بذلك: إنه يكمل لها الصداق ويلحق به الولد وتكون به الرجعة.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة بينة المعنى، قال: إنه يكمل لها الصداق، لإقراره بما ادعت من أن الحمل منه، وقال: إنه تكون له الرجعة من أجل أنها في عدة منه حتى تضع حملها، لقول الله : ﴿وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] ولا يتهم على أنه أقر بالحمل ليكون له الرجعة لأن إلحاق النسب يدفع التهمة.
ولو مات فظهر الحمل بها بعد موته فزعمت أنه منه للحق به الولد أيضا ولم يكن لها ميراث ولا أكثر من نصف الصداق، وقد قيل لها الميراث إن كان مات قبل انقضاء العدة، ولها جميع الصداق، وقد مضى ذلك في رسم لم يدرك من سماع عيسى من كتاب النكاح والحمد الله.
стр. 2915
[العبد يلاعن الحرة ثم يكذب نفسه فيلحق به الولد كم يحد]
من سماع أشهب وابن نافع من مالك
من كتاب الطلاق قال سحنون: وقال أشهب وابن نافع: سئل مالك عن العبد يلاعن الحرة ثم يكذب نفسه فيلحق به الولد كم يحد؟ قال: الحد أربعين، قيل له: أرأيت إن كانت امرأته أمة فلاعنها ثم أكذب نفسه فألحق به الولد أعليه حد؟ قال: ليس عليه شيء.
قال محمد بن رشد: قوله: إن العبد يحد أربعين إذا لاعن زوجته الحرة ثم أكذب نفسه صحيح على مذهبه في أن حد العبد في الفرية نصف حد الحر قياسا على حد الزنا وهو قول جماعة فقهاء الأمصار، وروي عن ابن مسعود أن حده ثمانون، وهو القياس لأن النصراني إذا كان يحد في الفرية ثمانين ولا ينقص من ذلك شيئا لنقصان مرتبته عن مرتبة الحر، لما تعلق في ذلك من الحق للمقذوف، فكذلك العبد، وهو قول عمر بن عبد العزيز في الموطأ.
وقوله: إذا كانت زوجته أمة إنه لا شيء عليه، معناه من الحد وإنما عليه الأدب لإذايته إياها بما نسب إليها وكذب فيه عليها.
[مسألة: يقول زنت امرأته فيقال له أرأيت ذلك فيأبى أن يقول نعم ويمضي على اللعان]
مسألة وسئل عن الذي يقول زنت امرأته، فيقال له: أرأيت ذلك؟ فيأبى أن يقول نعم، ويمضي على اللعان، فله أن يلاعن؟ فقال: إنما يجب اللعان بأحد وجهين، يقول قد استبرأت أو يقول قد رأيت.
قيل له: فالأعمى يلاعن؟ قال: الأعمى يلاعن، يقول: قد سمعت الحس وليس هذا مثله، وقد قال في أول الكتاب: لا
стр. 2916
يكون اللعان إلا ببيان رأيتها تزني.
قال محمد بن رشد: قوله إنما يجب اللعان بأحد وجهين، يقول قد استبرأت يريد في نفي الحمل، أو يقول قد رأيت، وهو أحد قولي مالك في المدونة، وله فيها قول آخر أنه إذا قذف أو نفى حملا لم يكن مقرا به لاعن ولم يسأل شيئا.
وتحصيل هذه المسألة أن اللعان على ستة أوجه ثلاثة منها متفق عليها، وثلاثة مختلف فيها.
فالمتفق عليها أن ينفي حملا لم يكن مقرا به ويدعي الاستبراء، وأن يدعي رؤية لا مسيس بعدها في غير ظاهرة الحمل، وأن ينكر الوطء فيقول: ما وطئتها قط أو منذ وضعت أو منذ مدة كذا لما لا يلحق إلى مثله الأنساب.
والمختلف فيها أن يقذف زوجته ولا يدعي رؤية، وأن ينفي حملا ولا يدعي الاستبراء، وأن يدعي رؤية لا مسيس بعدها في حامل بينة الحمل لأن ابن الجلاب حكى عن مالك فيها ثلاث روايات، إيجاب الحد ولا لعان، وثبوت النسب، وإيجاب اللعان وسقوط النسب به.
وقوله: إن الأعمى يلاعن وإن لم تصح منه الرؤية صحيح مثل ما في المدونة؛ لأن العلم قد يقع له من غير طريق الرؤية من جس وحس وما أشبه ذلك، وعلى هذا القول فإن القاذف لزوجته يحد ولا يلاعن، وأما على القول بأنه يلاعن إذا قذف فالأعمى والبصير في ذلك سواء.
[مسألة: الملاعن أيرضى منه بأن يقول رأيتها تزني أم يوقف على ذلك كما يوقف الشهود]
مسألة وسئل عن الملاعن أيرضى منه بأن يقول رأيتها تزني أم
стр. 2917
يوقف على ذلك كما يوقف الشهود؟ .
فقال: كنت أرى أن يوقف على ذلك حتى يقول كما يقول الشهود.
قال محمد بن رشد: قد روى ابن نافع عن مالك أنه لا يكشف عن ذلك كما يكشف الشهود، وجه القول الأول أن الله قد سماه شاهدا فوجب أن يكون عليه في ادعائه الرؤية ما يكون على الشاهد، ووجه القول الآخر، أنه ليس بشاهد على الحقيقة؛ لأنه لا يشهد أحد لنفسه، ونما سماه الله شاهدا من ناحية المشاهدة بالعين والقلب، فالمعنى في ذلك حصول العلم ألم تر أن مالكا قد قال في أحد أقواله: إن من قذف زوجته يلاعن وإن لم يدع رؤية، فإن كان قد قيل إنه يلاعن وإن لم يدع رؤية فكشفه عن صفة الرؤية إذا ادعاها إغراق والله أعلم.
[مسألة: ملاعنة العبد أهي مثل ملاعنة الحر يشهد خمس مرات]
مسألة وسئل عن ملاعنة العبد أهي مثل ملاعنة الحر؟ يشهد خمس مرات؟ .
قال: نعم في رأيي مثل لعان الحر.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: ٦] ، الآية ولم يخص في ذلك حرا من عبد، فوجب أن يستوي في ذلك الحر والعبد.
[مسألة: لعان العبد والأمة]
مسألة وسألته عن لعان العبد والأمة.
стр. 2918
فقال: أربع مثل لعان الحرة، فإنه لا يجب عليه الحد ألا بأربعة شهداء.
قال محمد بن رشد: اعتبار مالك ﵀ عدد أيمان العبد في ملاعنة الأمة بعدد الشهود الذين يقام عليها بهم الحد اعتبار صحيح؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: ٤] ، وقال: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ [النور: ٦] ، فدل ذلك على أن الله تعالى جعل كل يمين من لعان الزوج بإزاء شهادة كل شاهد يشهد على محصنة بالزنا وعلى أن آية اللعان على عمومها في جميع الأزواج والزوجات أحرارا كانوا أو عبيدا وبالله التوفيق.
[يلاعن امرأته وهي حامل فيمكث سنين ثم يكذب نفسه ويدعي الولد]
من سماع عيسى بن دينار من ابن القاسم
من كتاب إن خرجت من هذه الدار قال عيسى: سئل ابن القاسم عن الرجل يلاعن امرأته وهي حامل فيمكث سنين ثم يكذب نفسه ويدعي الولد، هل عليه نفقتها الذي حملت فيه الولد؟ .
قال: إن كان يوم حملها موسرا مثله ينفق فالنفقة لها لازمة.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال، وهو مما لا اختلاف فيه، ومثله في المدونة، وزاد فيها: وإن كان في بعض الحمل موسرا وفي بعضه معسرا لزمه ما كان فيه موسرا وسقط عنه ما كان فيه معسرا، وزاد في كتاب ابن المواز: وعليه أيضا أجر الرضاع ونفقته بعد ذلك إن كان مليا، وبالله التوفيق.
стр. 2919
[ينفي حمل المرأة التي لم يدخل بها]
ومن كتاب باع امرأته قلت: فالرجل ينفي حمل المرأة التي لم يدخل بها؟ .
قال: يلتعنان، قلت: فإن التعن فأبت أن تلتعن؟ قال: تضرب مائة وإذا نكلت عن اللعان أو صدقته بإقرار وتقيم تحته كما كانت وتبرأ من الحمل وتكون امرأته بحالها فلا شيء عليه.
[قلت: فالنصرانية تكون تحت المسلم فينتفي من حملها فيلتعن فتأبى أن تلتعن؟ قال: يبرأ من الحمل] .
قال محمد بن رشد: قوله في الذي ينفي حمل المرأة التي لم يدخل فيها إنهما يلتعنان، يريد وينفي الولد عن نفسه، ومعناه إذا كان ما ادعت امرأته من أنه كان يغشاها قبل أن يدخل بها يمكن وقد جاءت بالولد لستة أشهر فأكثر من يوم تزوجها، ولها نصف الصداق ولا سكنى عليه ولا متعة، قاله في المدونة، فإن جاءت بالولد لأقل من ستة أشهر أو ظهر بها حمل في أيام لا يشك أن الحمل قبل العقد، فلا صداق لها ولا لعان فيها، فإن لاعن قبل أن يوضع الحمل فأتت به لأقل من ستة أشهر لم يكن لها من الصداق شيء ولم يحرم عليه نكاحها بالتعانهما؛ لأنها كانت غير زوجة، قاله ابن الماجشون ومحمد ابن المواز، وهو بين في المعنى.
وقوله: إنه إذا التعن وأبت أن تلتعن تضرب مائة وتقيم تحته كما كانت بمنزلة النصرانية تنكل عن اللعان [خلاف قول سحنون في نوازله إن ملاعنته إياها ونكولها عن اللعان قطع للعصمة، وقول ابن القاسم هو الصحيح على قولهم إن العصمة لا تنقطع بين الزوجين إلا بتمام اللعان من المرأة إذ لا فرق على هذين القولين بين أن تنكل عن اللعان بعد لعان
стр. 2920
الزوج أو تصدقه قبل اللعان] على أن الولد [ليس] منه، ولا اختلاف بينهم إذا صدقته أنها تحد وتكون زوجته إن شاء طلق وإن شاء أمسك، كذلك قال هاهنا وفي كتاب الرجم من المدونة، وإنما اختلفوا هل ينتفي الولد منه دون لعان أو لا ينفيه إلا بلعان، وقد أنكر أبو بكر بن محمد قول سحنون لمخالفته الأصول، وبالله التوفيق.
[غاب عن امرأته عشر سنين أو أكثر فوجدها قد ولدت أولادا فأنكر الأولاد]
ومن كتاب الرهون وقال في رجل غاب عن امرأته عشر سنين أو أكثر فوجدها قد ولدت أولادا فأنكر الأولاد، وقالت المرأة: هم منك كنت تأتيني سرا. إنه لا يبريه من ولدها ومن الحد إلا أن يلتعن.
قيل: فإن قذف أحد من ولدها قبل أن يقدم أبوه، قال:
يجلد الحد إذا قال له: ليس أبوك فلان أو قال له: يا ابن زانية أو يا ابن الزانية إنه يضرب الحد، وإنما قذفه من قبل أن يقوم أبوه فيما يلزم من قذفه، بمنزلة ما لو قذف بعد أن يلتعن أبوه ويبرأ منه يلزمه في ذلك ما كان يلزمه في هذا [قال: وإن مات قبل أن يقدم أبوه ألحق به الولد وحد كل من قذفه وورثوه] .
قال محمد بن رشد: قوله: إنه لا يبريه من ولدها ومن الحد إلا أن يلتعن، معناه إذا كان ما ادعت المرأة من أنه كان يأتيها في مغيبه سرا يمكن على ما قال في المدونة في الذي ينفي حمل امرأته قبل الدخول وتدعي أنه منه وأنه كان يغشاها في أهلها وقد ذكرنا ذلك في رسم جاع.
ولو قدم بعد الغيبة الطويلة وقد ماتت المرأة فنفى ولدها لالتعن إذا كان لم يعلم به قبل ذلك، وورثها، قاله ابن القاسم في المدونة ومعناه
стр. 2921
إذا أمكن أن يكون الولد منه والله أعلم.
وأما لو علم مغيبه بالبينة العادلة في الأرض النائية المدة الطويلة التي لا يحلق في مثلها الأنساب فأنكر الأولاد لوجب أن لا يلحقوا به وأن تحد لما تبين من كذبها فيما ادعته والله أعلم، وفي كتاب ابن سحنون لأشهب أن الغائب إذا قدم فوجد ولدا فقال: هذا ليس ابني ولا ابنك أنه يحلف ما أراد قذفا ولا شيء عليه إلا أن يريد لعانا فيمكن من ذلك.
[مسألة: يغيب عن امرأته سنين فتلد ولدا فتقول المرأة ليس هو من زوجي]
مسألة وقال في الرجل يغيب عن امرأته سنين فتلد ولدا فتقول المرأة: ليس هو من زوجي ولا هو من رجل آخر، ثم يموت زوجها قبل أن يقدم: إنه يقام على المرأة الحد إذا أقامت على ذلك ولا تبن عنه ولا ينفي ذلك ولدها ومن نفى ولدها من أبيه كان عليه الحد وورث أباه.
قال محمد بن رشد: وهذا إذا أمكن أن يكون الولد منه على ما ذكرناه في المسألة التي فوقها والله أعلم.
[تزوج أمة وشرط أن ولده منها حر ثم لاعنها]
ومن كتاب يدير ماله وسئل عن رجل تزوج أمة وشرط أن ولده منها حر، إن الولد حر، قيل: فإن لاعنها؟ قال: هو حر، وإن لاعنها، قيل: فإن صدقته فيما قال فأقرت بالزنا وقالت: ليس ولده؟ قال: فهو رقيق إذا صدقته إلا أن يستلحقه يوما، فإن استلحقه يوما ما لحق به ولم ينظر في قولها إنه ليس ولده إذا زعم أنه ولده ويعتق إذا استلحقه.
стр. 2922
[مسألة: لاعنها ونفى الولد عن نفسه]
مسألة قال القاضي: لما كان إذا لاعنها ونفى الولد عن نفسه يجلد الحد من نفاه عنه وجب أن يكون حرا بهذه الشبهة. وأما إذا صدقته بما قال فقد انتفى منه بكل حال، وكان ولد زنا لا حد على من نفاه عنه فلم تكن له شبهة يعتق بها ما لم يستلحقه أبوه وبالله التوفيق.
[يطلق امرأته البتة ثم يزعم أنه رآها تزني بعد طلاقه إياها أيلاعن]
ومن كتاب يحيى بن يحيى من ابن القاسم من كتاب الصبرة قال يحيى: وسألته عن الرجل يطلق امرأته البتة ثم يزعم أنه رآها تزني بعد طلاقه إياها أيلاعن أم يكون بما ادعى من الرؤية قاذفا؟ .
فقال: أما ما كانت في عدتها فيلاعن بما ادعى من الرؤية، فإذا انقضت عدتها فادعى أنه رآها تزني كان قاذفا، ولا يجوز له. أن يلاعن.
قلت له: أرأيت إن انقضت عدتها ثم ظهر بها حمل في زمان يرى أن النساء يحملن لمثله أيلحق به الولد؟ .
قال: نعم إلا أن ينتفي من ذلك الحمل فيلاعن.
قلت: أرأيت إذا صار الحمل يلزمه إلا أن يلاعن فلم لا يكون له أن يلاعن بما يدعي من الرؤية للزنا بعد انقضاء العدة وهو يقول: أخاف أن يظهر بها حمل يلحقني فأنا رأيت ما رأيت من سوء فعلها فأنا أخبر به السلطان لأبرأ من حمل إن ظهر باللعان.
قال محمد بن رشد: اختلف فيمن ادعى أنه رأى زوجته تزني وهي
стр. 2923
في عدتها منه من طلاق بائن على ثلاثة أقوال، أحدهما: قول ابن القاسم هذا أنه يلاعن بما ادعى من الرؤية ولا يحد، والثاني: أنه يحد ولا يلاعن وهو قول ابن المواز، والثالث: أنه لا يحد ولا يلاعن، معناه إلا أن يظهر بها حمل فيكون له أن يلاعن لنفيه عن نفسه، وهو قول المغيرة، وإليه مال سحنون.
ووجه القول الأول: أن العدة لما كانت من توابع العصمة، وكانت حقا للزوج على المرأة حفظا لنسبه كان له أن يراعي أمرها فيها وعذر في الأخبار بما رأى من زناها لما في ستر ذلك من المضرة به في إدخال الداخلة عليه في نسبه فخرج له المخرج من ذلك باللعان كما قال الله، مخافة أن يموت فتأتي بولد فيلحق به.
ووجه القول الثاني: أنه لما لم يكن بها حمل ظاهر كان بما ادعى من رؤيته لزناها قاذفا إذا عجل بالإخبار بذلك قبل أن يظهر بها حمل، فوجب أن يحد لأنه قذف من ليست له بزوجة إذ قد خرجت من عصمته بالطلاق البائن، ثم إن ظهر بها حمل كان له أن يلاعن؛ لينفي الولد عن نفسه.
ووجه الثالث: أنه عذره بما ادعى من الرؤية مخافة أن يموت فتأتي بولد فيلحق به فأسقط عنه الحد، ولم ير أن يعجل باللعان إذ قد لا يكون بها حمل فلا يحتاج إليه.
وأما إذا ادعى أنه رآها تزني بعد أن انقضت عدتها فهو قاذف فوجب أن يحد لأنها كالأجنبية إذ لم يبق بينه وبينها سبب من أسباب العصمة إلا إن ظهر بها حمل فيكون له أن ينفيه.
وأما إن كانت في عدة منه من طلاق غير بائن فحكمها في جميع
стр. 2924
وجوه اللعان كحكم التي هي في عصمته، ولو ادعى بعد أن طلقها البتة أنه رآها تزني قبل أن يطلقها لحد ولم يلاعن، قاله ابن القاسم في التفسير الثالث من العشرة، وبالله التوفيق.
[طلق امرأته فنكحت في عدتها قبل أن تحيض شيئا]
ومن كتاب أصبغ من ابن القاسم قال أصبغ: من طلق امرأته فنكحت في عدتها قبل أن تحيض شيئا؟ قال: قول مالك إن الولد للأول متى ما جاءت به لأدنى من ستة أشهر ولأكثر ما بينهما وبين خمس سنين.
قلت: فإن نفاه الأب، فقال: قد استبرأتها قبل أن أطلق؟ قال: يلتعن الأب إذا وينفي الابن عن نفسه ولا تلتعن المرأة لأن للولد هاهنا سببا وأبا يلحق به، وفراشا قائما وهو الزوج الثاني إن كانت ولدته لستة أشهر فأكثر من يوم دخل بها الثاني، وإن كانت جاءت به لأقل من ستة أشهر فهو منقول من الأب الأول باللعان ومنهما جميعا لأن الثاني هاهنا بريء منه.
فإن قال الثاني إذا جاءت به لستة أشهر فأكثر ونفاه الأول: إنه ليس مني وقد استبرأتها بعد أن وطئتها التعن والتعنت، ولا بد لها من اللعان هاهنا، بمنزلة الزوج الواحد؛ لأن الولد ليس له نسب بعد يلحق به إلا هذا الأب فلا يدفعه هذا عن نفسه إلا بلعان منه، أو بانتفاء وتصديق منها له.
ولو كان دخوله بعد حيضة أو حيضتين فإن جاءت به لأدنى
стр. 2925
من ستة أشهر فهو للأول، والثاني منه بريء ولا ينفيه الأول إلا بلعان على نحو ما فسرت لك وإن جاءت به لستة أشهر فأكثر فهو للآخر إلا أن ينفيه ويدعي الاستبراء منه فيلتعن ويبرأ منه، ولا تلتعن المرأة ويرجع الولد هاهنا إلى الأول فيلحق به لأن فراشه قائم حين برئ منه الآخر، إلا أن يدعي أنه استبرأها لبل أن يطلقها فتلتعن هي وهو هاهنا؛ لأن الولد قد انقطع نسبه ولم يبق أب يلحق به.
قلت: فمن لاعنها منهما وحده ولم تلتعن هي لأن الولد لحق بالآخر أتحل للذي لاعنها ولم تلاعنه؟ قال: لا؛ لأن لعانه قد تم ونفل به الولد.
قلت: فمن استلحقه لحق به؟ قال: نعم، ويحد قلت: فإن استلحقه الآخر أيضا بعد ذلك؟ فقال: يحد ولا يلحق به لأن نسبه للمستلحق الأول.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة على أصولهم، وتحصيلها بتلخيص أنها إذا أتت بولد قبل ستة أشهر من يوم دخل بها الثاني فهو للأول إلا أن ينفيه بلعان فإن التعن حدت إلا أن تلتعن، والثاني منه بريء كان قد دخل بها بعد حيضة أو قبل حيضة.
وإن أتت به لأكثر من ستة أشهر فهو للأول إن كان دخل بها الثاني قبل حيضة ألا أن ينفيه بلعان، فإن التعن حدت إلا أن تلتعن فيلحق بالثاني، ولا تلاعن المرأة إلا أن ينفيه الثاني أيضا، وللثاني إن كان دخل بها بعد حيضة إلا أن ينفيه بلعان فيلحق بالأول ولا تلاعن المرأة إلا أن ينفيه الأول أيضا، ويختلف منها في موضعين: أحدهما: هل تحرم على الذي لاعنها منهما ولم تلاعنه إذا لحق بالآخر؟ فقال أصبغ هاهنا: إنها
стр. 2926
تحرم عليه، وقال سحنون: لا تحرم، وهو قول ابن المواز، والقياس على المشهور في المذهب من أن الفرقة لا تقع بين المتلاعنين إلا بتمام لعان المرأة بعد الزوج، وقول أصبغ يأتي على قياس القول بأن الفرقة تقع بينهما بتمام لعان الزوج، وهو ظاهر قول مالك في موطأه ومذهب الشافعي وقول عبد الله بن عمرو بن العاص في المدونة، والثاني: إذا التعنا ثم استلحقه الذي لاعنها أولا ولم تلاعنه لأنه لحق بالآخر هل يحد أم لا يحد؟ قال أصبغ: إنه يحد، وقال سحنون وابن المواز: لا يحد إذ لم ينفه أولا إلى زنى وإنما نفاه إلى الأب الآخر الذي نفاه بعد.
ومن استلحقه منهما أولا بعد التعانهما لحق به ولم يقبل للثاني بعد فيه دعوى.
وإن استلحقاه كلاهما بعد التعانهما كان الأول أحق به وبالله التوفيق.
[مسألة: قال لامرأته رأيتها تزني والمرأة صماء لا تسمع بكماء لا تفهم]
مسألة وسئل عن رجل قال لامرأته: رأيتها تزني والمرأة صماء لا تسمع بكماء لا تفهم ما يقال لها، هل ترى على الزوج لعانا وحده، أم لا؟ .
قال: يشار إليها بما قد عرفت به أنها تعرفه من الإشارة وتفهمه مما قد علم منها، فإذا أفهمت فإن صدقته أقيم عليها الحد، وإن جحدت قيل للزوج: التعن وادرأ عن نفسك الحد فإذا فعل قيل لها: حدي مخرجك بأن تلتعن وترد قوله بإشارة يعرف بها ما كان منها على وجه ما كان يعلم من أمرها، فإن فعلت فرق بينهما، فإن نكلت وجب عليها الحد.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال لأن الإشارة تفهم بها المعاني ويعبر بها عما في النفوس فتقوم مقام الكلام عند عدم الكلام، وقد سمى
стр. 2927
الله الإشارة كلاما، فقال: ﴿آيَتُكَ أَلا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلا رَمْزًا﴾ [آل عمران: ٤١] وبالله التوفيق.
[ينكح المرأة فتحمل فيقول إنما نكحتك منذ خمسة أشهر وينكر الحمل]
من سماع أبي زيد بن أبي الغمر من عبد الرحمن بن
القاسم قال أبو زيد: سئل ابن القاسم عن الرجل ينكح المرأة فتحمل، فيقول: إنما نكحتك منذ خمسة أشهر، وتقول: بل نكحتني منذ تسعة أشهر، وينكر الحمل إنه يلاعنها.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن العصمة متيقنة والفراش معلوم، فوجب أن يلحق به الولد إلا أن ينفيه بلعان.
[المرأة تلتعن قبل الرجل ثم تموت]
مسألة قال: وسئل عن المرأة تلتعن قبل الرجل ثم تموت.
قال: ينبغي أن يلتعن الرجل قبل ويقال للرجل: التعن وابرأ من الميراث ولا حد عليك، أو لا تلتعن فتحد ويكون لك الميراث، قال: ولو كانا جميعا حين التعنت المرأة قبل الرجل ولا يقال للمرأة التعني ثانية.
قال محمد بن رشد: لم ير ابن القاسم تبدئة الزوج في الأيمان باللعان قبل المرأة واجبا لاستوائهما في أن كل واحد منهما يدعي على صاحبه دعوى إن لم يثبتها وجب عليه حد، فالزوج يدعي على المرأة أنها زنت، وأن الولد غير لاحق به، فإن لم يثبت ذلك عليها وجب عليه حد القذف والمرأة تدعي على الزوج أنه وطأها الوطء الذي كان عنه ولدها وتريد إلحاقه به، فإن لم يثبت ذلك لها عليه وجب عليها حد الزنا، وإنما
стр. 2928
رأى ذلك متبعا لظاهر القرآن، إذ ليس فيه نص على وجوب الترتيب، فإنه بشهادة أحدهم أربع شهادات بالله أنه لمن الصادقين والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، فيحتمل أن يكون معنى قوله بعد ذلك: ويدرأ عنها العذاب إن كان الزوج هو الذي ابتدأ بالأيمان، فلهذا قال: إن المرأة إذا التعنت قبل الدخول وماتت يقال للرجل ما يقال للمرأة إذا التعن الرجل قبلها ثم مات: إما أن تلتعني فيسقط عنك الحد ولا يكون لك الميراث، وإما ألا تلتعني فتحد ويكون لك الميراث، إن المرأة إذا التعنت قبل الرجل ولم تمت التعن الرجل ولم تعد المرأة اللعان.
وذهب أشهب إلى أن ترتيب اللعان على ما ذكر الله في القرآن واجب فقال: إنه إن التعنت المرأة قبل الرجل التعن الرجل وأعادت المرأة اللعان، وإنما هو إذا حلفت المرأة أولا كما يحلف الرجل على تكذيب أيمانه، إذ لم يتقدم له يمين، فقالت: أشهد بالله إني لمن الصادقين ما زنيت وإن حملي هذا لمنه، وقالت في الخامسة: غضب الله عليها إن كانت من الكاذبين، فهاهنا قال ابن القاسم يلتعن الرجل فيقول: أشهد بالله إنها لمن الكاذبين ولقد زنت وما حملها هذا مني، ويقول في الخامسة لعنة الله علي إن كانت من الصادقين، ولا تعيد المرأة اللعان. وقال أشهب: يلغى لعان المرأة أولا ويبتدئ الرجل باللعان ثم تلتعن المرأة بعده.
وأما إن حلفت المرأة أولا فقالت: أشهد بالله إنه لمن الكاذبين، وقالت في الخامسة: غضب الله علي إن كان من الصادقين، فلا اختلاف بينهما في أن أيمان المرأة ملغاة؛ لأنها حلفت على تكذيب أيمان الزوج وهو لم يتقدم له يمين والله أعلم. وقول ابن القاسم هذا على أصله في الصبي يقوم له شاهد على حقه فيبدأ المدعى عليه باليمين ثم يبلغ الصبي
стр. 2929
فينكل على اليمين أنه يجتزأ بيمين المدعى عليه المتقدمة أولا، وعلى مذهب أشهب أن المرأة تعيد اللعان بعد الزوج، لا يجتزأ بيمين المدعى عليه في مسألة الصبي، [لأن العمد والخطأ في هذا سواء والله أعلم] .
[مسألة: نكح أمه أو أخته وهو لا يعلم فتحمل منه فينكر الحمل وأراد الملاعنة]
مسألة وسئل عن رجل نكح أمه أو أخته وهو لا يعلم فتحمل منه، فينكر الحمل وأراد الملاعنة ثم قامت بينة أنها أمه أو أخته، هل يلاعنها أو يلحقه الولد أو ماذا يصنع فيهما؟ .
قال ابن القاسم: يلاعنها وينفي الولد؛ لأن أصل نكاحه على وجه التزويج ويدرأ عنه الحد ويلحقه الولد ويلزمه الصداق وعليها العدة ولا بد من اللعان فيه فبه ينفي الولد، أو الحد ويلحقه الولد إنما هو قول يقوله أهل العراق وليس عليها حد عند أهل المدينة، وهم يقولون مع ذلك غير هذا: ليس بين العبد والحرة لعان، ولا بين المسلم والنصرانية لعان، ونحن نقول: إذا كان الحمل في الأمة والنصرانية من الحر والعبد ففيهن لعان وبين العبد والحرة لعان كان حمل أو لم يكن، وإنما يلاعن الحر الأمة والنصرانية في الحمل وليس في القذف فقد فسرنا لك هذا الوجه.
قال محمد بن رشد: وقع في بعض الكتب: وليس عليه حد عند أهل المدينة وهو صحيح، إذ ليس على واحد منهما حد في تناكحها إذا
стр. 2930
لم يعلما بالحرمة التي بينهما، قال رسول الله ﷺ : «تجاوز الله لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» ، وقوله: إن اللعان يكون بينهما كما يكون في النكاح الصحيح صحيح لأن حكمه حكم النكاح الصحيح في لحوق النسب ووجوب الصداق بالدخول ولزوم العدة فيه وإنما لم ير أهل العراق فيه لعانا تعلقا بظاهر قوله : ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: ٦] وليس بزوجين إذ لا ينعقد لأحد نكاح فيمن حرمه الله عليه من ذوات محارمه ومن قول فاسد؛ لأنه وإن لم يكن نكاحا منعقدا في الباطن فقد انعقد في الظاهر وترتبت أحكامه في الظاهر والباطن من لحوق النسب ووجوب الصداق والعدة، فكذلك اللعان.
وكذلك تعلقوا في إبطال اللعان بين العبدين، أو بين العبد والحرة، والحر تحته الأمة أو المسلم تحته النصرانية، لقول الله : ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ﴾ [النور: ٦] .
لأن الله سماهم شهداء إذ استثناهم من جنس الشهداء، والمستثنى من جنس المستثنى منه، فدل على أن اللعان شهادة، والعبد والمحدود والنصراني لا تجوز شهادته، وليس ذلك بشيء؛ لأن المستثنى منقطع، والمعنى فيه ولم يكن لهم شهداء غير قولهم الذي ليس بشهادة، كما قالوا: الصبر حيلة من لا حيلة له، والجوع زاد من لا زاد له وقد ناقضوا بقولهم: إن الفاسق المعلوم بالفسق يلاعن وشهادته لا تجوز، وبالله التوفيق.
[مسألة: تزوج أمة أو نصرانية ثم قال رأيتهما يزنيان]
مسألة قال ابن القاسم: في رجل تزوج أمة أو نصرانية ثم قال: رأيتهما يزنيان قال: فلا لعان عليه ولا حد فيهما جميعا إلا أن يقول:
стр. 2931
أخاف أن يأتي ولد فأنا أنفيه باللعان فإنه يلاعن إذا أراد أن ينفي عنه حملا يخافه، وتلاعن الأمة معه، ولا لعان على النصرانية.
ولو تزوج وصيفة لم تبلغ المحيض إلا أنها توطأ فقال: رأيتها تزني وأنا ألاعن مخافة أن تأتي بحمل فيلحقني، قال: يلاعن هو ولا لعان عليها وإن جاء حمل لم يلحق به، قيل له: ولا لعان عليها إذا كان زوجها لاعن قبل أن تحيض ثم بلغت المحيض؟ قال: لا.
قال محمد بن رشد: قوله إن الرجل لا يلاعن الأمة ولا النصرانية إلا في نفي الحمل أو رؤية يخشى أن يكون منها ولد فيلحق به، صحيح مثل ما في المدونة وغيرها إذ لا حد عليه في قذفهما، وتلاعن الأمة لأنها تنفي الحد عن نفسها بلعانها، وتلاعن الصغيرة التي يوطأ مثلها في نفي الحمل وغيره؛ لأن قاذفها يلاعن وتحد هي إذ لا حد عليها في زناها وتبقى له زوجة على المشهور في المذهب من أن الفرقة لا تقع بين المتلاعنين إلا بالتعان المرأة بعد الزوج، وقد مضى ذكر الاختلاف في ذلك في رسم قطع الشجر من سماع ابن القاسم وفي غيره من المواضع، وكذلك النصرانية لا لعان عليها إذ لا حد عليها في زناها إلا أن تشاء أن تلتعن هي على ما قال في المدونة فتلتعن في كنيستها، فإن أبت أن تلتعن بقيت زوجة له، وإن التعنت وقعت الفرقة بينهما قاله سحنون في كتاب ابنه وبالله التوفيق.
[مسألة: امرأتين شهدتا أن هذا الولد من امرأتي ولدته وكان الولد صغيرا]
مسألة قال ابن القاسم في امرأتين شهدتا أن هذا الولد من امرأتي ولدته وكان الولد صغيرا أو كبيرا، وأنا منكر لذلك وأقول: ولدها ذلك قد مات أو أقول حملها ذلك قد انفش وكنت أنا حاضرا أو غائبا.
стр. 2932
قال: يلحق به الولد بشهادة المرأتين حاضرا كنت أو غائبا على ولد صغير أو كبير.
قيل له: ولا يكون في مثل هذا لعان؟ قال: لا.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن شهادة النساء في الولادة جائزة وهو مما لا اختلاف فيه أحفظه، فيلحق به الولد بشهادتهما.
ولو لم يشهد على ولادته إلا امرأة واحدة أو لم يشهد على ولادته أحد فقالت هي: ولدته وهو ولدك، وقال هو: لم تلده ففي كتاب القذف من المدونة أن القول قولها أنها ولدته ويلحق به إلا أن ينكره ويدعي الاستبراء فيكون له أن ينفيه باللعان، وأن القول قول الأمة التي أقر سيدها بوطئها في الولادة إذا جاءت بالولد ويلزم السيد ولا يستطيع أن ينفيه ألا أن يدعي الاستبراء قبل الحمل، إلا أنها مسائل طرحها سحنون فأراه ذهب إلى أنه لا تصدق واحدة منهما في الولادة وإن جاءت بالولد لا الزوجة ولا الأمة، فلا يكون على الزوج إذا أنكر الولادة والولد أن ينفيه بلعان حتى تثبت الولادة، ولا تكون الأمة التي أقر سيدها بوطئها أم ولد وإن جاءت بالولد إلا أن تثبت الولادة فإن أثبتتها لحق به الولد، وكانت له أم ولد إلا أن يدعي الاستبراء قبل الحمل وتعلق به فيما ذهب إليهما، من أنهما يصدقان على الولادة إذا جاءت بالولد، فالظاهر من قول ابن القاسم في كتاب الشهادات وكتاب أمهات الأولاد من المدونة، والذي أقول به في هذا، أن الحرة بخلاف الأمة فتصدق الزوجة في الولادة إذا جاءت بالولد ويلزم زوجها إلا أن ينفيه بلعان إذ لا تهمة عليها في إقرارها بولادة الولد، ولا تصدق الأمة في ذلك؛ لأنها تتهم أن تأخذ لقيطا فتدعي أنها ولدته لتكون به أم ولد لسيدها ولعله قد مات فيلحق به نسب لا يدرى إقراره به وبالله التوفيق.
[ينتفي من حمل امرأته فيلاعنها فتنكل عن اللعان فلا يوجد سبيل إلى رجمها]
من مسائل نوازل سئل عنها سحنون وسئل عن الرجل ينتفي من حمل امرأته فيلاعنها فتنكل عن
стр. 2933
اللعان فلا يوجد سبيل إلى رجمها حتى تضع ثم يكذب الزوج نفسه قبل أن تضع وبعد أن نكلت عن اليمين هل له عليها رجعة؟ وهل بينهما ميراث؟ .
قال: ملاعنته إياها ونكولها قطع العصمة ولا يرثها ولا ترثه، وإذا وضعت رجمت.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة ليست على الأصول، والصحيح ما مضى في رسم جاع من سماع يحيى أن العصمة بينهما باقية والميراث بينهما قائم، وعلى القول بأن العصمة تنقطع بتمام لعان الزوج لا ميراث بينهما نكلت أو لم تنكل، فمراعاة سحنون لنكولها في انقطاع العصمة بينهما خارج عن الأصول وبالله التوفيق وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم.
стр. 2934
[كتاب الصرف الأول]
[قال لرجل ادفع إلى هذا نصف دينار فدفع إليه به دراهم]
كتاب الصرف الأول
стр. 2935
من سماع ابن القاسم من مالك
من كتاب الرطب باليابس أخبرني محمد بن عمرو بن لبابة قال: أخبرني العتبي محمد بن أحمد عن سحنون بن سعيد، قال: أخبرني ابن القاسم عن مالك في رجل قال لرجل: ادفع إلى هذا نصف دينار فدفع إليه به دراهم، قال ابن القاسم: ليس عليه إلا عدة الدراهم التي دفع يومئذ لأنه نصف دينار، وليس عليه أن يخرج دينارا فيصرفه وإنما الاختلاف إذا أمره بقضاء دينار تام، قال سحنون: قال ابن القاسم: يريد إذا كان المأمور إنما دفع إليه الدراهم، وأما إن كان إنما دفع إليه دينارا فصرفه فله نصف دينار بالغا ما بلغ.
قال محمد بن رشد: كذا وقع في هذه المسألة قال ابن القاسم: وليس له إلا عدة الدراهم التي دفع وصوابه قال مالك، فإن المسألة في قوله بدليل تفسير ابن القاسم له بقوله يريد إذا كان المأمور إنما دفع إليه الدراهم.
وأما قوله وإنما الاختلاف إذا أمره بقضاء دينار تام فأراه قول سحنون؛ لأنه إنما أشار إلى اختلاف قول ابن القاسم وغيره في ذلك الواقع في كتاب
стр. 2936
الكفالة والحوالة من المدونة، وفي قوله وإنما الاختلاف إذا أمره بقضاء دينار تام دليل على خلاف أنه إذا أمره بقضاء نصف دينار فقضاه دراهم إنما يرجع عليه بعدة الدراهم التي قضاه، وذلك إنما يصح على القول بأن من وجب له على رجل جزء من دينار قائم يراعى في وجه المصارفة فيه ما يوجبه الحكم من أن يقضيه فيه دراهم بصرف يوم القضاء؛ لأنه إذا قال له ادفع عني إلى فلان نصف دينار فكأنه إنما أمره أن يدفع إليه صرفه إذ هو الذي يوجبه الحكم، فوجب إذا دفع إليه صرفه أن يرجع بما دفع لأنه الذي أمر إلا أن يكون حابى المدفوع إليه في الصرف فلا يرجع بالمحاباة.
وأما على القول بأن من وجب له على رجل جزء من دينار قائم يراعى في وجه المصارفة فيه ما ترتب في الذمة من الذهب لا ما يوجبه الحكم في القضاء فدخل إذا أمره بقضاء نصف دينار تام فقضاه دراهم فالأمر مخير بين أن يعطيه نصف دينار أو دراهمه، وعلى هذا يأتي قول أصبغ في سماعه من كتاب العيوب فيمن باع سلعة بنصف دينار فأحال على المشتري غريما له بنصف دينار وليس بالدراهم خلاف قول ابن القاسم فيه وفي رسم حبل حبلة من سماع عيسى من كتاب جامع العيون.
وتحصيل القول فيمن أمر رجلا أن يقضي دينا عليه لرجل آخر فقضى عنه خلاف ما أمره به أن ذلك ينقسم على قسمين أحدهما أن يقضي عنه خلافه مما تختلف فيه الأغراض والثاني أن يقضي عنه أدنى منه في الصفة أو أقل منه في العدد أو ما يؤول إلى ما هو أقل منه في العدد.
فأما إذا قضاه خلافه مما تختلف فيه الأغراض ففي ذلك ثلاثة أقوال: أحدها أن ذلك جائز جملة من غير تفصيل، والثاني أن ذلك لا يجوز
стр. 2937
جملة من غير تفصيل، والثالث أن ذلك لا يجوز فيما لا تجوز فيه المبايعة إلا يدا بيد، مثل أن يأمره أن يقضي عنه دنانير فيقضي عنه دراهم، أو يأمره أن يقضي عنه دراهم فيقضي عنه دنانير أو يأمره أن يقضي عنه قمحا من قرض أو تمرا فيقضي عنه تمرا وما أشبه ذلك، وأن ذلك لا يجوز فيما تجوز المبايعة فيه إلى أجل، مثل أن يأمره أن يقضي عنه دنانير أو دراهم فيقضي ثمرا أو حبا أو كتانا أو قطنا وما أشبه ذلك مما يكال أو يوزن، فإذا قلنا إن ذلك لا يجوز فيما لا يجوز من ذلك على القول بأن ذلك لا يجوز فيفسخ القضاء ويرجع المأمور بما دفع ويبقى الدين كما كان عليه، وإذا قلنا أن ذلك جائز فيما يجوز من ذلك فيختلف بما يرجع به المأمور على الآمر على قولين: أحدهما أن المأمور يرجع على الآمر بما أمره به أن يدفع عنه، والثاني يرجع عليه بما دفع عنه إلا أن يشاء الآمر أن يدفع إليه ما كان عليه يكون مخيرا في ذلك، وهذا معنى قول مالك في كتاب المديان من المدونة أنه لا يربح في السلف.
وأما إذا قضاه دون ما أمره به في الصفة مثل أن يأمره أن يقضيه عنه دراهم محمدية فيقضيه يزيدية، أو دنانير هاشمية فيقضيه دمشقية أو سمرا فيقضيه محمولة أو أقل في العدد أو ما يؤول إلي ما هو أقل في العدة مثل أن يأمره أن يقضي عنه دنانير فيقضي عنه عرضا من العروض في بلد يبتاع فيه بالدنانير، أو يأمره أن يقضي عنه دراهم فيقضي عنه عرضا يبتاع فيه بالدراهم، فهذا الوجه الثالث لا اختلاف فيه أن القضاء جائز وأن المأمور يرجع على الآمر بما دفع إن كان الذي دفع أقل في العدد أو أدنى في الصفة أو بالأقل من قيمة العرض الذي دفع أو مما أمره الآمر أن يدفع
стр. 2938
عنه من الدنانير أو الدراهم، وكذلك الحكم في الكفيل يدفع من عنده الذي تكفل له عن المكفول به خلاف ما تكفل به عنه، وقد فرق ابن القاسم في أحد أقواله من كتاب الكفالة من المدونة بين المأمور والكفيل يقضيان الغريم خلاف ما له عندهما وسنزيد هذه المسألة بيانا إن شاء الله في رسم العرية من سماع عيسى من كتاب الحمالة إذا مررنا إن شاء الله بها، وأما إن اشترى الكفيل ما تحمل به ولم يخرجه من عنده فلا اختلاف في أنه يرجع بالثمن الذي اشترى به إذا لم يحاب البائع في اشترائه لأن المتحمل عنه كأنه قد أذن في الشراء، وكذلك المأمور أيضا وبالله التوفيق.
[مسألة: أخذ منه دراهم مقطعة في ذهب له فقال له غريمه إنما وضعتها حتى أصارفك]
مسألة وقال مالك: من كانت له ذهب على رجل فأخذ منه دراهم مقطعة، ثم قال له غريمه: إنما وضعتها على يديك حتى أصارفك (بالثمن الذي اشترى به) ، وقال الآخر: بل صارفتك: فالقول قول الذي قبض الدراهم إن كان جاء بأمر يعرف من الصرف، وإن جاء بأمر لا يعرف حلف الآخر، قال ابن القاسم: أحب إلي أن يحلف الذي عليه الذهب ويعطي الدراهم بالله ما باعه الدراهم ثم يتصارفان إن أحبا، فإن نكل عن اليمين حلف قابض الدراهم وكان القول قوله.
قال محمد بن رشد: وجه قول مالك في هذه المسألة أنه حمل قول الغريم: وضعتها على يديك حتى أصارفك بها على أنه أوجب على نفسه مصارفته بها من غير أن يتناجزا في الصرف، فوجب أن يكون القول قول الآخر الذي ادعى أنه قد صارفه بها؛ لأنه ادعى حلالا، إذ لا يحل
стр. 2939
الصرف إلا بالمناجزة ولو كان الدافع هو الذي ادعى المناجزة في الصرف، وقال القابض: إنما وضعتها على يدي حتى تناجزني فيها لكان القول قول الدافع عند مالك على أصله، ووجه قول ابن القاسم أنه حمل قوله وضعتها على يديك حتى أناجزك فيها على أنه إنما وعده بالمصارفة بها، ولم يوجب ذلك على نفسه، فوجب أن يكون القول قوله؛ لأن القابض مدعى عليه ما لم يقر له به من المصارفة، وهو أظهر من قول مالك.
ولو كان القابض هو الذي قال: إنما وضعتها على يدي حتى تصارفني بها وقال الدافع: بل صارفتك بها لكان القول قول القابض عند ابن القاسم على أصله.
ولو ادعى أحدهما القابض أو الدافع أنه صارفه بها مصارفة فاسدة مثل أن يقول: صارفتك بها على أن أحدنا بالخيار، أو على أن نبدل لك ما وجدت فيها من زائف وقال الآخر: بل ناجزتك فيها دون شرط لكان القول قول مدعي المناجزة منهما عندهما جميعا على أصولهم في أن القول قول مدعي الحلال من المتبايعين.
ولو قال أحدهما: صارفتني فيها، وقال الآخر: لم أصارفك فيها ولا ذكرنا صرفا وإنما كانت وديعة لكان القول قول من قال منهما إنما كانت وديعة عندهما جميعا، فهذا وجه القول في هذه المسألة، وقد كان بعض الشيوخ يصرفها إلى كتاب الكفالة من المدونة في الرجل يكون عليه للرجل مائة درهم من قرض ومائة درهم من كفالة، فيدفع إليه مائة درهم فيقول القابض: المائة التي قبضت هي الكفالة، ويقول الدافع: بل هي القرض، ويقول قول مالك في هذه المسألة مثل قول غير ابن القاسم في كتاب الكفالة وليس ذلك بصحيح؛ لأن المسألتين مفترقتان في المعنى فلا يصح حمل إحداهما على الأخرى، ألا ترى أن مسألة كتاب الكفالة قول ابن القاسم فيها أن المقبوض يقسم على الحقين، يريد بعد أيمانهما وذلك لا يصح في هذه المسألة لأنه حق واحد، وبالله التوفيق.
стр. 2940
[ابتاع حنطة بدينار وازن ثم إنه أعسر بالدينار الوازن]
ومن كتاب القبلة قال ابن القاسم: سمعت مالكا قال في رجل ابتاع حنطة بدينار وازن، ثم إنه أعسر بالدينار الوازن فقال للذي باع منه الحنطة: خذ مني دينارا ناقصا شعيرة وأرد عليك فضل الحنطة، قال مالك: إذا ثبت البيع بالوازن فلا ينبغي ذلك؛ لأنه قد ثبت عليه دينار وازن فأعطى مكانه ناقصا وزيادة حنطة. فذلك دينار بدينار وحنطة، وإن ثبت البيع بناقص فلا ينبغي له أن يعطي وازنا ويأخذ فضل شيء من الأشياء، فأما ما لم يثبت البيع إلا مراوضة منهما فلا بأس بذلك.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قال: إنه إن ثبت البيع بينهما بالدينار الوازن بإيجاب كل واحد منهما إياه لصاحبه فلا يجوز أن يأخذ منه ناقصا ويأخذ من الحنطة ما وجب لنقصان الدينار، وقال ابن حبيب: إنه يدخله أربعة أوجه، التفاضل بين الفضتين، والتفاضل بين الطعامين، وبين الطعام قبل أن يستوفي، والأخذ من ثمن الطعام طعاما، يريد إن كان الطعام قد قبضه المبتاع وافترقا، وأما إن قبضه ولم يفترقا فلا يدخله الأخذ من ثمن الطعام طعاما ولا بيع الطعام قبل أن يستوفى فالعلتان الثانيتان إنما هما التفاضل بين الذهبين. والتفاضل بين الطعامين، وأما الاقتضاء من ثمن الطعام طعاما، والبيع قبل الاستيفاء فلا يجتمعان؛ لأن الطعام إن كان قبض فلا يدخله البيع قبل الاستيفاء، وإن كان لم يقبض فلم يدخله الاقتضاء من ثمن الطعام طعاما، وإن كان قد قبض ولم يفترقا لم يدخله واحدة منهما، وكذلك لا يجوز له أن يأخذه في نقصان
стр. 2941
الدينار فلوسا ولا شيئا من الأشياء، وقد فرق في رسم المحرم يتخذ الخرقة لفرجه بعد هذا في آخر السماع بين أن يأخذ منه في النقصان فلوسا أو يحاسبه به في الطعام فيأخذ منه لنفسه ما وجب له فمنع من ذلك بالفلوس وأجازه بالطعام، وقال: إن ذلك بعد الوجوب، ويحتمل ذلك وجهين من التأويل.
أحدهما أن يكون إنما تكلم فيه على أن المبتاع قد أوجب البيع للبائع ولم يوجبه البائع له، وذلك مثل أن يقول المبتاع للبائع كم تبيعني من طعامك بدينار وازن؟ فيقول: عشرة أرادب، فيقول المبتاع: قد أخذته بذلك، فيخرج الدينار فيجده ناقصا قبل أن يقول البائع قد بعتك، والوجه في ذلك أن المبتاع لما أوجب على نفسه الدينار للبائع بعشرة أرادب وجب للبائع إن أراد أن يمضي له البيع به فلا يجوز له أن يبيعه منه بدينار ناقص وفلوس، ولما كان كان البائع لم يوجب على نفسه الطعام للمبتاع جاز للمبتاع أن يعطيه منه في نقصان الدينار، ولم يكن ذلك بيعا له قبل استيعابه إذ لم يجب له بعد ويكون معنى قوله في الرواية: وإنما هو عندي بمنزلة رجل اشترى بدرهمين حنطة، ثم قال له بعد ذلك: أعطني بدرهم وأقلني من درهم أنه بمنزلة في الجواز لا في استواء العلة لأنه في الدرهم من الدرهمين إقالة جائزة بعد تمام البيع، وفي نقصان الدرهم فعل جائز إذ لم يتم البيع بينهما، وهذا جائز أن يقال هذا مثل هذه وإن لم يكن مثله إلا في وجه من وجوهه، قال : ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢] يريد مثلهن في العدد لا فيما سواه وقال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأنعام: ٣٨] يريد أمثالها في أنهم أمم لا فيما سوى ذلك، ويستدل على أنهم إنما أراد بقوله فيها
стр. 2942
بعد الوجوب بعد أن أوجب المبتاع البيع للبائع ولم يوجبه له البائع بقوله: كأنه حمله على وجه المساومة، وفيه تفسير من البيع يريد أنه أخذ بشبه من المساومة إذ لم يتم البيع بينهما، وأخذ بشبه من البيع، إذ قد لزم أحدهما، والقياس أن يغلب أحد الوجهين، أما الوجوب فلا يجوز أن يحاسبه بالنقصان بالطعام، كما لا يجوز أن يأخذه به فلوسا، وأما المساومة إذا لم يجب البيع بينهما بإيجاب كل واحد منهما إياه لصاحبه فيجوز أن يحاسبه بالنقصان في الطعام وأن يأخذ به منه فلوسا، وأما إن كان في المراوضة قبل أن يوجب البيع واحد منهما لصاحبه فذلك جائز لا بأس به كما قال؛ لأن البيع إنما تم بما عقدا عليه آخرا فلا إشكال في جواز ذلك، فالمسألة على هذا التأويل في الدينار الوازن الذي له فضل في عينيه على الناقص تنقسم على هذه الثلاثة الأقسام وهي أن يكون ذلك الفعل بعد أن أوجب كل واحد منهما البيع لصاحبه وأن يكون قبل أن يوجبه واحد منهما لصاحبه وأن يكون قد أوجبه أحدهما ولم يوجبه الآخر له، وقد مضى تفسير ذلك والحكم فيه.
والتأويل الثاني أن يكون تكلم في هذه المسألة على أن للدينار الوازن فضلا في عينه على الناقص، وتكلم في مسألة رسم المحرم على أن الدرهم الكيل الوازن للأفضل له في عينه على الناقص فأجاز لما لم يكن له في عينه فضل على الناقص أن يأخذ الناقص ويحاسبه بقدر النقصان في الطعام، وأشبه عنده من اشترى حنطة بدرهمين فأقاله من أحدهما، ولم يقو عنده قوة الدرهمين إذ يجوز لمن كان له على رجل درهمان وازنان أن يأخذ منه أحد درهميه وبالآخر فلوسا ولا يجوز لمن له علي رجل درهم وازن أن يأخذ منه نصف درهم وبالنصف الآخر فلوسا إلا أنه أجازه مراعاة لقول من يرى الخيار من المتبايعين ما لم يتقاضيا أو يتفارقا، وهو معنى قوله: كأنه حمله على وجه المساومة، وفيه تفسير من البيع.
وهذا التأويل أظهر وأولى وأحسن من التأويل الأول والله أعلم.
стр. 2943
ولو اشترى رجل حنطة بدينار من الذهب التي إنما تجري مجموعة مقطوعة بالميزان كالذهب العبادية والشرفية لجاز إذا وجد عنده أقل من مثقال أن يأخذ بما نقص فلوسا أو بما شاء من العروض وأن يحاسبه بالنقصان فيما له من الطعام.
فقف على أن الدينار الوازن الذي له فضل في عينه على الناقص لا يجوز له بعد الوجوب أن يأخذ بنقصانه فلوسا، ويجوز له أن يحاسبه به في الطعام، وأن الدينار الذي يجري بالميزان مجموعا مقطوعا إذا لم يشترط أن يأخذه صحيحا يجوز فيه الوجهان وبالله التوفيق.
[مسألة: باع سلعة بدنانير ثم دعاه الذي عليه الذهب إلى أن يستعير ذهبا]
مسألة قال ابن القاسم: وسمعت مالكا قال في رجل باع سلعة بدنانير قائمة أو وازنة أو ناقصة نقصانا معروفا قيراطا قيراطا أو نصف قيراط كل دينار، ثم دعاه الذي عليه الذهب إلى أن يستعير ذهبا مثل الذهب الذي له فيزن له بها ذهبا أخرى قائمة أو مخالفة لنقصانها، ثم يعطيه إياها مكانه فدخل في ذلك اختلاف في العدد إنه لا ينبغي أن يكون له وازنة فيأخذ مكانها ناقصة بوزنها، وقال مالك: لا أحب هذا لأن هذا يدخل اختلافا في الوزن، وإنما تجوز المصارفة إذا حضرت الذهبان أو الورقان وأن هذه إحداهما غائبة والأخرى حاضرة.
قال محمد بن رشد: إنما قال: إن ذلك لا يجوز لأنه إنما أخذ ذهبا
стр. 2944
بوزن العدد الذي له هل يدري أخذ في الوزن أقل أو أكثر إذ لا بد من أن يزيد في الوزن أو ينقص، فهو يغتفر فضل العدد رجاء زيادة الوزن لا سيما والصرافون يزعمون أن الذهب إذا جمع نقص، فإذا فرق زاد، وهو مثل قوله في المدونة في مسألة الدرهمين الفردين يؤخذ بوزنهما فضة، ومثل قول ابن حبيب في الواضحة خلاف قوله في سماع أشهب أنه لا بأس أن يقتضي من الدينار القائم دينارا ناقصا خروبة وخروبة ذهب بوزنه، وقد قيل إنه ليس بخلاف، وإنما استخفه من أجل أنه دينار واحد، وأما إذا اقتضى من العدد الذي له ذهبا مجموعا في الوزن فإن كان أكثر من عدد الذهب الذي له لم يجر بحال؛ لأنه ترك فضل العين لزيادة الوزن، وإن كان أقل وزنا جاز إن كان أقل عددا ولم يجز إن كان أكثر عددا لأنه ترك فضل العين لزيادة القدر والله أعلم وبه التوفيق.
[مسألة: دفع إلى آخر له ذهبا أو ورقا ناقصا أو طعاما مأكولا فقال له أحسن إلي]
مسألة قال ابن القاسم: وسمعت مالكا قال في رجل دفع إلى آخر له ذهبا أو ورقا ناقصا أو طعاما مأكولا، فقال له: أحسن إلي أبدل لي هذا بأجود منه وأنفقه فيما تنفق.
قال مالك: إذا كان على وجه المعروف على غير شرط إن شاء تم على ذلك وإن شاء رد عليه مثل ما أخذ منه لم يلزمه غير ذلك، فلا أرى فيه بأسا يدا بيد.
قال محمد بن رشد: أجاز مبادلة الذهب أو الورق الناقصة بالذهب الوازنة والطعام المأكول بالطعام صحيح على وجه المعروف، ومعنى ذلك في الذهب والورق فيما قل منه مثل الدينار والثلاثة إلى الستة على ما
стр. 2945
في المدونة، وإن كان سحنون قد أصلح الستة وردها ثلاثة.
وقوله بأجود منه يدل على جواز بدلها بأوزن وأجود، خلاف قول مالك في المدونة مثل قول ابن القاسم.
وأما الطعام فيجوز مبادلة المأكول منه والمعفون بالصحيح السالم على وجه المعروف في القليل والكثير على ظاهر هذه الرواية وما وقع في رسم النسمة من سماع عيسى من كتاب جامع البيوع، ومنع من ذلك أشهب كالدنانير الكثيرة النقص بالوازنة [فلم يجز المعفون بالصحيح ولا الكثير العفن بخفيف العفن، وهو دليل ما في كتاب القسمة من المدونة من أنه لا يجوز الطعام المعفون بالطعام المعفون إلا أن يشبه بعضه بعضا ولا يتفاوت، وأجاز ذلك سحنون في المعفون وقال: إنه لا يشبه الدنانير النقص بالوازنة؛ لأن بين الدنانير الكثيرة النقص بالوازنة] تفاضلا في الوزن، ولا تفاضل في الكيل بين المعفون بالصحيح. قال: وكره المعفون بالصحيح لكره القمح بالشعير والجيد بالرديء، وكره في المأكول إذا كانت الحبة قد ذهب أكثرها.
ومعنى قوله إذا كان ذلك على غير شرط، أي أنه لا يجوز له أن يقول له أبدله لك على أني إن قدرت على نفقته وإلا صدقته عليك أو ضربت عليك مثله إن شئت وأخذت منك ما أعطيتك.
[مسألة: بيع الذهب بالفضة]
مسألة وقال مالك في الشيء من الحلي، يكون الذهب والورق قد صيغ.
قال: إن كان ما فيه من الفضة ثلث ذلك أو أدنى بيع بالفضة، وإن كان الذهب هو الثلث في القيمة بيع بالذهب يدا
следующие страницы →