Полный текст (9 112 стр.). Показаны 3711–3750 · переход к 3716.
стр. 3711
هو العامل للمشتري وإليه يدفع المشتري وإن دفع إلى غيره لم يبرئه لأنه هو مبايعه ولا يدري المشتري باعه له أو لغيره. وليس عليه كشف ذلك ولا له علة تنجيه، إذا لذهبت أموال الناس وتبطل وتحبس عن أربابها بالعلل، والثانية الميت هو العامل فهي وكالة بالقبض فقط فهو ما لم يتم حتى صار لغيره وانتقض قضاؤه، ووكالته فيه قضاء من قضائه ينقض إذا صار لغيره إن شاء الله. فهما مفترقتان، وليس للمشتري حبس ذلك عن البائع وهو القابض ما لم يوكل غيره يقبضه بعد موت الميت، ثم السلطان الناظر فيه بعد قبضه إياه لأهله يحسن النظر فيه والتوثيق.
قال محمد بن رشد: في الواضحة لمطرف وابن الماجشون أن الوكالة لا تنفسخ بموت الموكل، وأنه على وكالته ويجوز قبضه وخصومته ودفعه حتى يعزله الوارث أو يوكل غيره. وقال أصبغ تنفسخ الوكالة بموت الآمر ولا يجوز خصومته ولا القيام بضيعته حتى يوكله الوارث، إلا أن يموت عندما أشرف الوكيل على تمام الخصومة بالحكم له أو عليه بحيث لو أراد الميت فسخ وكالته ويخاصم هو أو يوكل غيره لم يكن له ذلك. وما كان من يمين كانت تجب على الميت حلفها الوارث إن كان فيهم من قد بلغ علم ذلك، وبقول أصبغ قال ابن حبيب، وهو مثل قول ابن القاسم في هذه الرواية. تفرقة أصبغ فيها قول ثالث في المسألة، وهي تفرقة ضعيفة إذا ثبت أن المال للميت أو علم بذلك الوكيل، وهي نحو قول أشهب المتقدم في سماع سحنون في انفصال الشريكين عن الشركة إن وكالة البائع منهما لا تنفسخ بالانفصال عنها. فإن قضى غريم من الغرماء الوكيل بعد موت الموكل على القول بأن الوكالة تنفسخ بموته وهو عالم بموته ضمن باتفاق؛ لأنه متعلم بالدفع إلى من علم أنه غير وكيل. وأما إن لم يعلم بموته ففي ذلك ثلاثة أقوال: أحدها أنه يضمن علم الوكيل بموته أو لم يعلم، وهو الذي يأتي على قياس ظاهر قول ابن القاسم في كتاب الشركة من المدونة وفي عزل الوكيل؛ والثاني أنه لا يضمن علم الوكيل بموته أو لم
стр. 3712
يعلم، وهو الذي يأتي على قول ابن القاسم في كتاب الشركة في مسألة انفصال الشريكين عن الشركة؛ والثالث أنه يضمن إن علم الوكيل بموت الموكل ولا يضمن إن لم يعلم بموته، وهو قول أشهب. وقد تأول ذلك على ابن القاسم في مسألة عزل الوكيل في المدونة. وقد مضى تحصيل هذا الخلاف وتوجيهه في سماع سحنون فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
[مسألة: دفع إلى رجل ثوبا يبيعه له بعشرة فقطعه على نفسه]
مسألة قال أصبغ: وسألت ابن القاسم عن رجل دفع إلى رجل ثوبا يبيعه له بعشرة فقطعه على نفسه. قال: يغرم قيمته إن كان أكثر من العشرة وإلا فالعشرة.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضت والقول عليها مستوفى في رسم استأذن من سماع عيسى فلا معنى لإعادته.
[مسألة: يدفع إلى الرجل السلعة يبيعها له ولا يسمي له شيئا فيبيعها له بدراهم]
مسألة قال أصبغ وسئل أشهب عن الرجل يدفع إلى الرجل السلعة يبيعها له ولا يسمي له شيئا فيبيعها له بدراهم قال: ذلك جائز. قلت: فإن كانت السلعة نقد مثلها والذي تباع به الدنانير؟ قال لا بأس به، أي لا ضمان عليه. قال أصبغ: مثله إذا باع من الدراهم بصرف ما يباع مثله من الدنانير استحسانا لأن الدراهم عين كالدنانير.
قال محمد بن رشد: أجاز أشهب بيعه السلعة بالدراهم ولم يشترط ما اشترط أصبغ من أن يكون باعها من الدراهم بصرف ما تباع به من الدنانير، فظاهره خلاف لقوله وأنه إذا باعها بقيمتها من الدراهم أو بأقل من قيمتها بما يتغابن الناس فيه في البيوع لم يكن عليه ضمان وإن كان ذلك أقل من صرف ما يباع به من الدنانير، ولم يجزه أصبغ أيضا وإن باعها من
стр. 3713
الدراهم بصرف ما تباع به من الدنانير إلا استحسانا من أجل أن الدنانير والدراهم عين، والقياس عنده ألا يجوز ذلك إذا كان البلد لا تباع السلع فيه إلا بالدنانير أو كانت السلعة لا يباع مثلها إلا بالدنانير. وقد رأيت لابن دحون أنه قال في هذه المسألة معناها إذا كان ببلد تباع فيه السلع بالدراهم، فأما إن كان البلد لا تباع فيه السلع بالدراهم فلا يجوز ذلك على الآمر. وليس قوله عندي بصحيح؛ لأن الكلام وموضع السؤال إنما هو إذا كان البلد لا تباع السلع فيه بالدراهم أو كانت السلع لا تباع مثلها إلا بالدنانير، فأجاز ذلك أشهب لوجهين: أحدهما أن الدنانير والدراهم عين، والعين هو الثمن، فإذا باع سلعته بما تباع به من العين لم يكن عليه ضمان، والثاني أن صرف الدراهم ليس مما يغبن فيه، وقد كان يقول مالك إنه إذا باع الرجل سلعة الرجل بما يشبه الذهب والورق من العرض التي لا يعنى في بيعها نفذ البيع ولم يرد. وقد قال إنه إذا كان الذي باع به مما يعنى في بيعه فعلى المتعدي بيعه، ثم رجع مالك بعد ذلك فقال إنه لا ينفذ بيعه إذا باع بغير الذهب والورق. وقع هذا الاختلاف في رسم العتق من سماع عيسى من كتاب جامع البيوع في بعض الروايات. وأما إذا كانت البلد تباع فيه السلع بالدراهم فلم يتعد المأمور إذا باع بالدراهم.
ويتخرج على ما ذكرناه في بيع السلعة بالدراهم في البلد الذي لا تباع فيه إلا بالدنانير ثلاثة أقوال: أحدها أن ذلك لا يلزم رب السلعة ويأخذ سلعته إن لم يرد أن يجيز البيع إلا أن يفوت فيكون له على المتعدي قيمتها من الدنانير؛ والثاني أن البيع يلزمه وينفذ عليه ويكون من حقه على المتعدي أن يصرف له الدراهم بدنانير، والثالث أن البيع يلزمه وينفذ عليه ولا يكون له فيه كلام؛ لأن الدراهم عين كالدنانير، وبالله التوفيق.
[مسألة: يأمر الرجل يشتري له سلعة فلان بخمسة عشر فيشتريها بستة عشر]
مسألة وسئل أشهب عن الرجل يأمر الرجل يشتري له سلعة فلان بخمسة عشر فيشتريها بستة عشر ويقول أبى البائع أن يبيع بخمسة
стр. 3714
عشر فاشتريتها لنفسي بستة عشر وتركتك. قال: القول قوله وهي له. قال أصبغ: أرى أن يحلف ويكون القول قوله، واستحسن أن يكون الأمر عليه بالخيار إن شاء زاده الدينار وأخذها ولم يصدقه أنه اشتراها لنفسه كما لا يصدق إذا اشتراها بالذي أمره، وإن شاء تركها وضمنه ماله.
قال محمد بن رشد: قول أصبغ وأرى أن يحلف خلاف ظاهر وقول أشهب، وهي يمين تهمة، فالاختلاف فيها على الاختلاف المعلوم في لحوق يمين التهمة. وأما استحسانه أن يكون الأمر عليه فيها بالخيار، إن شاء زاده الدينار وأخذها فهو بعيد، إذ لا يلزمه أن يشتريها له بأكثر مما أمره به ويزيد عنه من ماله، وإنما له أن يفعل ذلك إن شاء فلا يكون من حق الآمر أن يلزم المأمور فعل معروف لم يطع به ولا أقر أنه فعله. وقد اختلف إن اشتراها بالذي أمره أن يشتريها به دون زيادة فقال اشتريتها لنفسي وفسخت وكالتك عني، فقيل ليس ذلك له وتكون السلعة للآمر إلا أن يعلمه قبل أن يشتريها أنه لا يشتريها له وإنما يشتريها لنفسه، وهو قول ابن القاسم وأصبغ في الثمانية، وقيل إن السلعة تكون له وإن لم يتبرأ إليه من وكالته إياه إذا أشهد قبل الشراء أنه إنما يشتريها لنفسه. وقع هذا القول في الثمانية أيضا. وروى محمد بن يحيى السبائي عن مالك أن السلعة تكون له إذا زعم أنه اشتراها لنفسه وإن لم يشهد على ذلك قبل الشراء، ويحلف على ذلك إن اتهم. وقد ذكرنا هذا الاختلاف في نوازل عيسى، وبالله تعالى التوفيق.
[وكل وكيلا يقبض ثمن طعام له فلما حل الأجل قبض الوكيل الثمن وأنفقه]
من كتاب البيع والصرف وسمعته يقول فيمن وكل وكيلا يقبض ثمن طعام له باعه إلى أجل فلما حل الأجل قبض الوكيل الثمن أنفقه، فلما اقتضاه إياه الموكل دعاه الوكيل إلى أن يدفع إليه فيما قبض طعاما أو إداما.
стр. 3715
قال: لا بأس بذلك، قد كان يجوز له أن يشتري من الوكيل أو من غيره بثمن ذلك الطعام طعاما وإداما.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله، لا إشكال في جوازه؛ لأنه إنما أخذ الطعام من غير الذي باعه منه بالثمن الذي قبضه له من الطعام الذي باعه، فلا يدخل ذلك وجه من وجوه المكروه في بيوع الآجال، وبالله تعالى التوفيق.
[وكيل لرجل في ضياعه يكرى ويبيع قدم عليه وكيل آخر بعزله فأراد محاسبته]
ومن كتاب الكراء والأقضية أصبغ: سمعت ابن القاسم وسئل عن وكيل لرجل في ضياعه له المساكن والمزارع والضياع يكرى ويبيع قدم عليه وكيل آخر بعزله فأراد محاسبته وأخذ ما بقي في يديه من ذلك المال. قال: ذلك له، فزعم الوكيل الأول أن ناسا ممن يقبل منه ادعوا فسخ ما تقبلوا منه وأنهم تقبلوا حراما ويريدون خصومته، وقال: لا أدفع ما بيدي من المال الناض حتى يناقدني القوم. قال: ينظر فإن كان إن خاصموا كانت لهم التباعة فيما في يديه فالقول قوله وذلك له، وإن كان إن خاصموه كانت التباعة له قبلهم أو كانوا كفافا لا فضل لهم عنده كان عليه أن يعطي الوكيل القادم ما في يديه من المال إن شاء وإن أبى ويحمله على ما بقي قبل الناس السكان والمزارعين ويجمع بينهم، فإن أقروا له برئ، وإن لم يقروا له كان على الوكيل الأول البينة. فإن أقام البينة عليهم برئ أيضا وإلا ضمن؛ لأنه أتلف مال الرجل وقد أقر به أنه قبل هؤلاء وهؤلاء يجحدون، فهو ضامن لأنه أتلف حين لم يشهد، بمنزله سلعة دفعها إليه يبيعها له فقال بعتها من فلان بكذا وكذا أو جحد فلان.
стр. 3716
قال محمد بن رشد: هذه مسألة حسنة بينة لا إشكال فيها ولا لبس في شيء من معانيها يفتقر إلى بيان وتفسير.
[مسألة: أبضع من رجل بعشرة دنانير يشتري له بها قمحا فاشترى شعيرا]
مسألة وسألت ابن القاسم وسئل عن رجل أبضع من رجل بعشرة دنانير يشري له بها قمحا فاشترى شعيرا وقدم به وقال اشتريته لنفسي وضمنت الدنانير إن صاحب الدنانير إن شاء أن يأخذ الشعير أخذه لأنه اشتراه بدنانيره. قال أصبغ: هذا خطأ، إنما يكون ذلك لو اشتراه لصاحب الدنانير على النظر له والتعدي منه والقمح موجود حيث أمره بالاشتراء أو غير موجود. فأما إن اشتراه لنفسه والقمح موجود فهو له؛ لأنه إنما تعدى على دنانير غيره ولم يخالف وهو لحد فيستغل ماله عليه لنفسه دونه.
قال محمد بن رشد: ظاهر قول ابن القاسم أنه اشترى الشعير لنفسه وهو يجد القمح الذي أبضع معه فيه، ولذلك قال: إن صاحب البضاعة إن شاء أن يأخذ الشعير أخذه. ولو لم يجد القمح فاشترى بالبضاعة الشعير لنفسه لم يكن لصاحب البضاعة أن يأخذه؛ لأنه كالمعتدي على الوديعة. وقد نص على ذلك ابن القاسم في سماع سحنون، فليس قوله في هذه المسألة بخلاف لقول أصبغ إلا بما تأول عليه لا بما ظهر من قوله ولا هو معلوم من مذهبه، بل المنصوص له مثل قول أصبغ فلا يلزمه تخطيئة أصبغ له، وبالله التوفيق.
[تحاكم الواضع والمشتري إلى بعض أهل المشرق فألزم الواضع الوضيعة]
ومن كتاب محض القضاء قال أصبغ: سمعت أشهب يقول في الذي يبعث إلى الرجل وقول أشهب في الرواية ولو تحاكم الواضع والمشتري إلى بعض أهل المشرق فألزم الواضع الوضيعة في ماله لأنفذت له الوضيعة على البائع كما
стр. 3717
بالسلعة ليبيعها فيبيعها ثم يستوضعه المشتري فيضع له إن الوضيعة باطلة، وإن ربها بالخيار: إن شاء أجاز وإن شاء رجع على المشتري بماوضع له ولم يرجع على البائع الواضع بشيء. ويقول: ولو تحاكما الواضع والمشتري إلى بعض أهل المشرق فألزم الواضع الوضيعة في ماله لأنفذت له الوضيعة على البائع كما حكم ولم أرد حكمه ولم أر لربها على المشتري شيئا. ونزلت هذه به في نفسه وهو المشتري فتحاكما فحكم له على ما وصفنا ثم قدم ربها فتورع أشهب فيها بعد حين فصالح ربها بنصف الوضيعة أو أكثر قليلا وقال تخلج في نفسي شيء منها وإن كنت أراها لازمة للبائع الواضع كما حكم لي، وأعطى صاحبها ما صالحه به بحضرتنا وتحلله وأشهدنا عليه.
قال محمد بن رشد: قول أشهب في هذه المسألة إن الوضيعة باطلة وإن ربها بالخيار إن شاء أجاز وإن شاء رجع على المشتري بما وضع له ولم يرجع على البائع الواضع بشيء، يريد إلا يجد عند المشتري فاتبعه به، هو مثل قول غير ابن القاسم في مسألة المحاباة في الكراء إن الأخ يرجع على المحابى مال فيرجع على الأخ المحابي، يريد فيغرم ويتبع بما غرم المحابي، فهو قول أشهب بدليل قوله هذا والله أعلم. ومثل قول ابن القاسم في كتاب الشركة خلاف المشهور المعلوم من مذهبه في كتاب الاستحقاق وكتاب الخصب من المدونة وكتاب كراء الدور منها. وفي رسم العرية من سماع عيسى في الغاصب يغصب الشاة يهديها لقوم ويقوم صاحبها وقد أكلها الذين أهديت إليهم أن الغاصب إن كان بها مليا فهي عليه غرم وليس على الذين أهديت إليهم شيء، يريد وإن كان الغاصب معدما يرجع على الذين أهديت إليهم اتبع الذين أهديت إليهم بذلك الغاصب.
стр. 3718
حكم ولم أرد حكمه ولم أر لربها على المشتري شيئا صحيح لأنه حكم باجتهاد فيما لا نص فيه. وهذا الذي حكى عن بعض أهل المشرق من الحكم على الواضع بالوضيعة هو المشهور من مذهب ابن القاسم الذي حكيناه. وفي قول أشهب وإن كنت أراها لازمة للبائع الواضع كما حكم لي وإن كان مذهبه خلاف ذلك دليل واضح على اعتقاده لتصويب المجتهدين فيما اختلفوا فيه باجتهادهم.
[يوكل الرجل على حق له ببلد فيذهب إليه يخاصم له فيه الذي هو عليه]
من مسائل نوازل سئل عنها أصبغ وقال أصبغ في الرجل يوكل الرجل على حق له ببلد فذهب إليه يخاصم له فيه الذي هو عليه، فخاصمه وثبت عليه الحق، فقال الذي عليه الحق إني قد قضيته الحق وليس له قبلي شيء فاكتب إلى البلد الذي هو فيه ليوقفه السلطان فيحلفه ما اقتضى مني شيئا، فإن حلف أخذ مني وإن نكل سقط الحق عني. قال أصبغ: ليس ذلك له وأرى أن يقضي عليه الحق وترجأ له اليمين يحلفها إياه إذا شاء ويقضي عليه الساعة بغرم ما ثبت عليه.
قلت: فإذا قضيت عليه الساعة بالغرم ثم وجد صاحبه بعد ذلك أيحلف له؟ قال نعم. قيل: فإن نكل عن اليمين؟ قال: إن نكل حلف المطلوب الذي غرم ويبرأه من الحق ويعدى عليه بالذي كان قبض منه وكيله. وإن حلف تم حقه وكان قضاء قد مضى.
قيل له: فإن مات الذي كان له الحق قبل أن يحلفه المطلوب الذي غرم وقد كان له أن يحلفه ففاته بالموت؟ قال: يحلف ورثته على علمهم أنهم ما علموه قضاه.
قال محمد بن رشد: قوله فخاصمه وثبت عليه الحق يدل على أنه كان منكرا حتى ثبت عليه. وإيجاب اليمين على الطالب له في دعوى
стр. 3719
القضاء بعد إنكار الدين أصل قد اختلف فيه قول مالك، من ذلك مسألة رسم كتب عليه ذكر حق من سماع ابن القاسم من كتاب التخيير والتمليك في الذي يقول لامرأته أمرك بيدك فتقول قد طلقت نفسي ثلاثا فيقول لم أرد الطلاق ثم يقول بعد ذلك أردت واحدة إنه يحلف على نيته ويلزمه تطلقة واحدة. وأنكر ذلك هناك أصبغ فقال: هذا عندنا وهم من السماع، ولا تقبل منه نيته بعد أن قال لم أرد شيئا، والقضاء ما قضت المرأة من البتات. فإيجابه اليمين على الطالب في هذه المسألة بقوله ويرجأ له اليمين يحلفها إياه إن شاء اختلاف من قوله في هذا الأصل، وهو أصل قد اختلف فيه قول مالك. من ذلك الذي يدعي عليه الوديعة فيجحدها فتقوم عليه البينة بها فيدعي ضياعها أو ردها. والقولان قائمان من المدونة من كتاب اللعان وكتاب العتق الأول.
وقوله إنه يقضي عليه بالحق وترجأ له اليمين يحلفها إياه معناه في البعيد الغيبة على ما قاله محمد بن عبد الحكم، فإنه فرق في ذلك بين قريب الغيبة وبعيدها. ولا اختلاف عندي في القريب الغيبة. وأما البعيد الغيبة فيتحصل فيها أربعة أقوال حسبما مضى القول فيه في رسم حمل صبيا من سماع عيسى قبل هذا، ومضى بيان ذلك أيضا في رسم العتق من سماع عيسى من كتاب الأقضية، فلا معنى لإعادة شيء من ذلك.
وقوله: وإن نكل الطالب حلف المطلوب الذي غرم وبرئ من الحق ويعدى عليه بالذي كان قبض وكيله إن كان قد دفعه إليه، وأما إن كان لم يدفعه إليه فقال في رسم حمل صبيا من سماع عيسى: ولا يرجع على الوكيل بشيء مليا كان أو معدما. ومعناه لا يلزمه أن يرجع عليه ويترك الرجوع على صاحب الحق، بل له أن يرجع عليه إن أحب، فإن رجع على صاحب الحق رجع صاحب الحق على الوكيل.
أما قوله إذا مات الطالب قبل أن يحلف فإن له أن يحلف ورثته على علمهم أنهم ما علموه قضاه، قيل وإن لم يدع المطلوب عليهم العلم، وهو ظاهر قول أصبغ في هذه الرواية وقول مالك في رسم الطلاق من سماع
стр. 3720
أشهب من كتاب الطلاق؛ وقيل بل إذا ادعى عليهم العلم على ما في كتاب النكاح الثاني وكتاب بيع الغرر من المدونة. وإنما يجب عليهم اليمين إذا كانوا ممن يظن بهم العلم على ما قال في كتاب العيوب والأقضية من المدونة، فإن نكلوا عن اليمين حلف المطلوب على ما يدعي معرفته من أنه قد دفعه لا على أن الورثة يعلمون أنه قد دفع، فهذه اليمين ترجع على غير الصفة التي نكل عنها الورثة. ولها نظائر كثيرة، فيختلف في لحوق هذه اليمين إذا لم يدع المطلوب عليهم العلم لأنها يمين تهمة، ولا يختلف في رجوعها على المطلوب لعلمه بما يحلف عليه كما يختلف في رجوع يمين التهمة، وبالله التوفيق.
[مسألة: أبضع مع رجل دنانير فضاعت بعد بلوغه]
مسألة وسئل أصبغ عن رجل أبضع مع رجل دنانير فضاعت بعد بلوغه، فقال المبضع إنما أرسلتها معك تدفعها إلى فلان فلم تدفعها إليه، وفلان ذلك معروف هناك قائم، وقال المبضع معه إنما أرسلتها معي أشتري لك بها ثوبا فضاعت قبل أن أشتري بها أو اشتريت بها فعطب أو غرق. قال أصبغ: أرى القول قول رب الدنانير مع يمينه، وأرى الرسول ضامنا إن لم تكن له بينة، وأرى البينة عليه، وأراه هو المدعي لأنه قد أقر بوصول الدنانير وقبضها منه ودفعه إليه إياها وأنها له، وادعى ما أتلفها عليه، فهو المدعي، والسنة أن البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه. فأرى المدعى عليه صاحب الدنانير لأنه قد ثبتها قبل الدعوة بالإقرار بها. وهذا رأيي فيما فسرت، وقياس على قول كان يقوله ابن القاسم فيمن دفع إلى رجل دنانير يشتري له بها طعاما فاشترى له شعيرا وقال بهذا أمرتني وقال الآخر بالقمح أمرتك. وكنت أعرفه دهره يقول القول قول رب الدنانير لأن هذا قد أقر له بها
стр. 3721
وادعى عليه فيه ما ينقضه وما يضره، وادعى حين تعدى ما لم يأمره فهو المدعي، ثم رجع عنه بعد حين وقال بقول أشهب إن القول قول المأمور ولا يكون القول قول الآمر. ولا يعجبني أنا ذلك، وقوله الأول به أقول: القول قول الآمر وعليه أقيس.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضى القول عليها مستوفى في رسم باع شاة من سماع عيسى فلا معنى لإعادته.
[مسألة: يبضع مع الرجل بالبضاعة من العروض ليبلغها إلى موضع أمره به]
مسألة وسئل عن الرجل يبضع مع الرجل بالبضاعة من العروض ليبلغها إلى موضع أمره به، فيقدم على الموضع فيسأل عن البضاعة فيزعم أنه تركها بموضع سماه في بعض الطريق مع متاع له أيضا، ويزعم أنه خاف عليها وعلى متاعه فتركها وترك بعض متاعه أو متاعه كله وتخلص ببدنه، وذلك بقوله لا يعرف مما قال منه شي، هل ترى عليه يمينا فيما صنع وتراه مصدقا في قوله؟
وأرأيت إن أمره المبضع أن يبيع البضاعة في بعض الطريق بموضع سماه له ويبلغ بالثمن إلى أهله، فلما أتى الموضع لم يعط بها ثمنا يرضيه فجعلها في الموضع نفسه عند رجل أمره ببيعها ومضى إلى بلده، وهذا كله بقوله، أتراه ضامنا في تركه البيع وتركه البضاعة ولم يؤمر بذلك فضاعت؟ وكيف لو لم يتركها ومضى إلى بلده، وهذا كله بقوله، أتراه ضامنا في تركه البيع وتركه البضاعة ولم يؤمر بذلك فضاعت؟ وكيف لو لم يتركها ومضى إلى بلده حيث أمره بدفع المال فأصيب في الطريق فذهبت منه، أتراه ضامنا أم لا ترى عليه شيئا إذا زعم، أنه إنما أراد النظر لصاحب البضاعة والتوفير عليه إذ لم يجد ثمنا يرضاه؟ وكيف إن
стр. 3722
أمره بثمن معلوم فلم يجد لها ذلك الثمن فخرج بها إلى بلده كما أعلمتك؟ وما الذي ترى له أن يصنع إن أتى الموضع الذي أمره بالبيع فيه فلم يجد فيه ثمنا يرضاه أو لم يجد الثمن الذي أمره به إن أمره بثمن؟ وكيف إن أشهد على جميع ما ذكرت لك وكان ما قال معروفا؟ قال أصبغ: أما الأمر الأول في تخليفه إياها ببعض الطريق كما ذكر من عجز أو خوف فلا أرى عليه شيئا، وأرى القول قوله إذا حلف على ذلك وخلفها عند مستودع اختيارا منه وحرزا عنده واجتهادا مع شيته أو غير شيته، كل ذلك سواء، وأراه بريئا على هذا هنا إن شاء الله، وخيرها لصاحبها وشرها عليه. وأما الذي أمره ببيعها فلم يبعها فأرى إن كان سأله ثمنا فلم يجده فلا شيء عليه، وهو مثل الأول إذا عجز وخلفها عن عجز أو عن أمر من صاحبها ألا يتجاوز بها؛ وإن كان لم يسم له ثمنا وقد أمره بالبيع ولا يجاوزه فترك ذلك وجاوزه بالسلعة إلى موضع آخر فأراه ضامنا وإن كان ذلك منه نظرا فيما يقول فلا يصدق. وإن كان لما ترك البيع أقرها بمكانها نظرا ليعاود البيع به ولم يجاوزها لما يرجوه فيما بعد ذلك، فقد لا يبيع الرجل عند أول سوم ويرجو غيره ويترك البيع به ثم لا يجد بعد ذلك بيعا فلا ضمان على هذا إذا كان على هذا هكذا وإنما خلفها لهذا وشبهه. وإن كان إنما أمره بالبيع به ولم يأمره بالتخلف وأهمل له المضي به إن لم يستبع له هناك فخلفها من غير عجز عنها ولا خوف لوجه بين لا يقدر معه على المضي بها وعذر بين فأراه ضامنا أيضا؟
قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة تشتمل على ثلاث مسائل: أحدها أن يبضع معه البضاعة من العروض ليبلغها إلى موضع سماه فيقدم الموضع دونها ويزعم أنه خاف عليها فتركها في الطريق مع متاعه أو بعض
стр. 3723
متاعه فخلص ببدنه، ولا يعلم ذلك إلا بقوله، فهذه المسألة جوابه فيها أنه مصدق مع يمينه أنه خلفها ببعض الطريق كما ذكر من عجزه أو خوف عند مستودع اختيارا منه وحرزا عنده واجتهادا مع شية أو غير شية ولا شيء عليه. فأما تصديقه أنه خاف عليها فاستودعها في الطريق نظرا لصاحبها فصواب لا اعتراض فيه، واليمين في ذلك إذا لم يكذبه صاحبه يمين تهمة يجري الأمر فيها على الاختلاف المعلوم في لحوقها من غير تحقيق الدعوى. وأما تصديقه أنه تركها في الطريق لعجزه عن حملها أو إسقاطه عنه الضمان بذلك فهو مثل قول ابن القاسم في رسم شك في طوافة من سماع ابن القاسم في الذي يبضع معه البضاعة إلى بلد آخر فلا يجد لها محملا معه فيعطيها لبعض من يثق به معه أنه لا ضمان عليه، وفيه نظر لأنه شبهه بالحاضر يستودع الوديعة فيستودعها غيره من خراب منزل أو عورة بيت أو ليس عنده من يحفظ منزله أنه لا ضمان عليه، وهي لمسألة المسافر أشبه؛ لأنه إذا دفعها إليه في السفر إنما دفعها إليه لتكون عنده ولا يستودعها غيره. فالذي يأتي فيها على مذهب مالك قياسا على قوله في المدونة في المسافر إنه ضامن للبضاعة إذا دفعها إلى غيره ليحملها وإن لم يجد هو لها محملا. ولهذا الذي ذكرناه لم ير سحنون قول ابن القاسم حسنا على ما قاله في الرسم المذكور. وكذلك يأتي على مذهبه في هذه المسألة أنه إن كان أخذها ليحملها فعجز عن حملها واستودعها في الطريق فتلفت له أنه ضامن لها.
وأما المسألة الثانية وهي أن يأمره أن يبيع البضاعة بالطريق بثمن سماه ويبلغ بالثمن إلى أهله فلم يجد الثمن الذي سماه له في ذلك الموضع، فجوابه فيها أنه لا شيء عليه إذا تركها في ذلك الموضع عن عجز أو عن أمر من صاحبها ألا يجاوز بها ذلك المكان، يريد بعد يمينه أنه لم يجد بها في ذلك الموضع ذلك الثمن الذي سماه له، فإن لم يأمره صاحبها ألا يجاوز بها ذلك المكان فتركها فيه وهو غير عاجز عن حملها فتلفت ضمنها، فسواء قال له إن لم تستبع فاحملها أو سكت عن ذلك هو ضامن لها إن تركها في ذلك الموضع وهو قادر على حملها، إلا أن يخاف عليها
стр. 3724
في حملها. وإنما ذلك من أجل أنه أمره إن باعها أن يحمل الثمن، فدل ذلك من أمره على أنه أراد إن لم يبعها أن يحملها. ولو أمره أن يبيعها في الطريق ويدفع الثمن هناك إلى من سماه له لوجب أن يكون ضامنا لها إن لم تستبع فحملها مع نفسه إلا ألا يجد من يودعها عنده في ذلك الموضع فيكون ذلك عذرا يسقط عنه الضمان في حملها.
وأما المسألة الثالثة وهي أن يأمره أن يبيع البضاعة بالطريق ويحمل الثمن مع نفسه إلى أهله ولا يسمى ما يبيعها به، فهذا جوابه فيها أنه لا شيء عليه في تركه إياها في ذلك الموضع ليعاود بها البيع إذ قد لا يبيع الرجل في أول سوم لما يرجوه من الزيادة وإن كان قد لا يجد فيها ذلك الثمن الذي تركه، وإن كان قال له إن لم تستبع فاحملها مع نفسك أو سكت عن ذلك. وأما إن قال له لا تحملها إن لم تستبع واتركها هناك فحملها فتلفت فهو ضامن لها. ولم يجب على ما سأله عنه إذا لم يجد بها ما يرضاه من الثمن فتركها عند رجل أمره ببيعها ومضى إلى بلده. والجواب في ذلك أنه ضامن لها إن تلفت؛ لأن الوكيل على البيع ليس له أن يوكل غيره عليه. وقد مضى الكلام على هذا في رسم الصرف من سماع يحيى. وقد مضى الكلام إذا لم يستبع فتركها في ذلك الموضع مودعة وأن الحكم في ذلك أن يكون ضامنا لها إن تلفت إلا أن يكون أمره ألا يحملها ولا يتجاوز بها ذلك الموضع أو خاف عليها في حملها. فهذا تفسير قول أصبغ في هذه المسألة، وهو كله صحيح على أصولهم لا اعتراض فيه، إلا فيما ذكرناه في المسألة الأولى.
[مسألة: يوكله على مخاصمة ويشهد أنه جعله فيما أقر به عليه لخصمه كنفسه]
مسألة قيل لأصبغ: أرأيت الرجل يوكل وكيلا على مخاصمة ويشهد أنه جعله فيما أقر به عليه لخصمه كنفسه، فيقر الوكيل بأشياء. قال أصبغ: إن وكله على خصومة ولم يفسر شيئا فهو وكيل على المرافعة وحدها، وليس له صلح ولا إقرار، وهو وجه
стр. 3725
الوكالة أبدأ إذا أبهمت حتى يستثني فيها، فإذا استثنى فيها وكان الاستثناء أن جعل له الصلح أو الإقرار وجعل بمثابة نفسه في الصلح، أو الإقرار إفصاحا كان كذلك، وإلا لم تعد الخصومة إلى الصلح ولا إلى الإقرار لم يجز ذلك عليه ولا يلزمه ذلك إن فعل، كتب في ذلك أنه بمثابته أو لم يكتب، فيحمل مثابته ومحمل نفسه إن جعله في مثابته محمل الخصومة وحدها لا يعدوه ذلك كذلك يكون القضاء وكذلك يعمل عليه الحاكم ويقبل الوكالة ولا يردها ثم ينظر في أمورهم لصاحب الوكالة وعليه كما يكون لخصمه وعليه من جميع وجوه الخصومات والدفاع والثبت والاستحقاق والحكومات والفصل ما عدا الإقرار والمصالحة فلا تلحق الموكل.
قال محمد بن رشد: قوله إنه إن وكله على الخصومة ولم يفسر شيئا فهو وكيل على المدافعة وحدها وليس له صلح ولا إقرار وهو وجه الوكالة إذا أبهمت، يريد إذا أبهمت في الخصومة فلم ينص فيها على ما سواها من صلح ولا إقرار.
وقوله حتى يستثني فيها، يريد حتى يتبين فيها أنه جعل إليه مع الخصومة ما سوى المرافعة من الصلح أو الإقرار أو غير ذلك، فعبر عن التسمية بالاستثناء على سبيل التجوز في الكلام. وكذلك قوله في آخر المسألة ما عدا الإقرار والمصالحة فلا يلحق الموكل، معناه ولا يلحق الموكل الإقرار المصالحة فعبر عن ذلك بلفظ الاستثناء تجوزا.
وقوله إن الحاكم يقبل الوكالة ولا يردها وإن لم يجعل إليه فيها إلا المرافعة فهو خلاف ما ذهب إليه ابن العطار في وثائقه من أن الوكالة لا تقبل منه على الخصام حتى يجعل إليه فيها مع الإنكار والإقرار. ونزلت فقضى فيها لا يقبل منه الوكالة على ذلك إلا أن يحضر مع وكيله ليقر بما وقعه عليه حكمه أو يكون في وقت الحكم قريبا من مجلس القاضي. وقد
стр. 3726
مضى في نوازل عيسى ورسم أسلم من سماعه ما فيه بيان لهذه المسألة، وبالله تعالى التوفيق، لا إله إلا هو ولا معبود سواه.
تم الجزء الثاني من البضائع والوكالات والحمد لله، وصلى الله على سيدنا ونبينا ومولانا محمد المصطفى وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 3727
[كتاب العيوب الأول]
[اشترى جارية فأقامت عنده سنين ثم قالت قد ولدت مع سيدي الذي باعني منك]
كتاب العيوب الأول
стр. 3728
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وصلى الله على محمد، عونك يا الله من سماع ابن القاسم
من مالك من كتاب الرطب باليابس قال سحنون: أخبرني ابن القاسم عن مالك أنه قال فيمن اشترى جارية فأقامت عنده سنين ثم قالت قد ولدت مع سيدي الذي باعني منك، فقال لا يحرمها ذلك على سيدها، وذلك عيب ترد منه إن باعها وكتمه. قال سحنون: قال ابن القاسم: يريد إذا باعها للمشتري الذي زعمت له ذلك، فإنه إذا لم يبين ذلك لمشتريها منه أنها قد ذكرت له أنها قد ولدت مع سيدها الأول كان عيبا ترد منه؛ لأن أهل الورع لا يقدمون على مثل هذا.
قال محمد بن رشد: قوله إن الجارية لا تحرم على سيدها بقولها
стр. 3729
له بعد سنين قد ولدت من سيدي الذي باعني صحيح لأنها تدعي الحرية أو عقد عتق إن كان سيدها الذي باعها حيا، وقد قال رسول الله ﷺ : «البينة على من ادعى واليمين على من أنكر» وتتهم أيضا على إرادة الرجوع إليه وأن ذكرت ذلك بحدثان شرائه إياها، فكيف إذا لم تذكره إلا بعد سنين، إلا أن يرع هو في خاصة نفسه إذا لم تظهر له تهمتها فيما قالته فهو حسن، وقد قال رسول الله ﷺ : «الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات فمن اتقى المشبهات استبرأ لدينه» الحديث، وأخبر ﵇ عن رضاع امرأة فتبسم وقال: «كيف وقد قيل» ، وذلك بين من قوله إنه عيب إن باعها ولم يبين من أجل أن أهل الورع لا يقدمون على مثل هذا. ولو أخبره قبل أن يشتريها مخبر صدق أنها حرة من أصلها وأن سيدها أعتقها أو أنها ولدت منه لما حل له أن يشتريها من جهة قبول خبر الواحد لا من طريق الشهادة. ولو قالت ذلك في عهدة الثلاث أو في الاستبراء لكان له ردها به على قياس قوله إن ذلك عيب يجب عليه أن يبين به إذا باعها؛ لأن ما حدث من العيوب في العهدة والاستبراء فضمانه من البائع، وبذلك أفتى ابن لبابة وابن مزين وعبد الله بن يحيى وغيرهم من نظرائهم، وقع ذلك في أحكام ابن زياد، خلاف ما روي عن مالك من رواية المدنيين عنه بأن ذلك ليس بعيب ترد منه إذ لا يقبل ذلك منها. وقد روى داود بن جعفر عن مالك نحوه، قال إذا سرق العبد في عهدة الثلاث رد بذلك، وإن أقر على نفسه بالسرقة لم يرد لأنه يتهم على إرادة الرجوع إلى سيده. ومعنى ذلك عندي إذا كانت سرقته التي أقر بها لا يجب عليه القطع فيها، وبالله تعالى التوفيق.
[مسألة: يبيع العبد ويقول عهدتك وتباعتك على]
مسألة وقال في الذي يبيع العبد ويقول عهدتك وتباعتك على
стр. 3730
الذي اشتريته منه، ولعله ليس من أهل البلد ولا المعروف وهو حاضر يشير إليه أو غائب وهو معروف. قال مالك: إن كان معروفا وهو غائب أو حاضر فهو سواء، وشرطه باطل إلا أن يكون عند مواجبة البيع، وهو أحب ما فيه إلي. وقال مالك: كل من اشترط عهدة لم تكن عند الصفقة فهو باطل وتباعته على بائعه.
قال محمد بن رشد: قوله: وهو أحب ما فيه إلي دليل على الاختلاف، وفي ذلك ثلاثة أقوال: قيل إن الشرط عامل، وقيل إنه غير عامل، وقيل إنه عامل بالقرب دون البعد. وإذا لم يكن عاملا فقيل إن البيع به فاسد، وقيل يبطل الشرط ويصح البيع، وهو قوله في هذه الرواية، وقد مضى القول في هذه المسألة مستوفى في رسم سلم دينارا في ثوب إلى أجل من سماع عيسى من كتاب السلم والآجال، وسيأتي أيضا في هذا الرسم من سماع عيسى من هذا الكتاب.
[مسألة: اشترى عبدا فأبق عنده فزعم العبد أنه أبق عند سيده الأول]
مسألة قال مالك فيمن اشترى عبدا فأبق عنده فزعم العبد أنه أبق عند سيده الأول، قال: إن كان بائعه أخبره أنه لغيره فلا يمين عليه، وإن لم يكن أخبره فلا بد من اليمين.
قال محمد بن رشد: مذهب ابن القاسم في هذه المسألة إيجاب اليمين على البائع وإن لم يعلم أنه أبق عند المشتري إلا بقوله، مثل ظاهر روايته هذه عن مالك في قوله: وإن لم يكن أخبره فلا بد من اليمين، إذ لم يفرق فيما بين أن يثبت إباقه عند المشتري أو لا يثبت ذلك عنده، خلاف ما في المدونة، ومذهب أشهب أنه لا يمين عليه في ذلك، مثل
стр. 3731
روايته عن مالك في رسم الأقضية الثاني من سماعه بعد هذا، ومثل ما في المدونة، حكى ذلك ابن المواز عنها وقال هو من رأيه قولا ثالثا إنه لا يمين عليه إلا أن يظهر العيب عند المشتري، فالذي في المدونة إنما هو لأشهب لا لابن القاسم. وكذلك القول في السرقة والزنا والعيوب التي تكون في الأخلاق، وأما [العيوب] التي تكون في الأبدان ويمكن أن تكون حادثة عند المشتري فلا اختلاف في وجوب اليمين فيها على البائع، وإنما يختلف في صفه اليمين، فقيل إنه يحلف علي البت في الظاهر والخفي، وهو قول ابن نافع ورواية يحيى عن ابن القاسم بعد هذا في رسم أول عبد ابتاعه فهو حر، وقيل إنه يحلف على العلم في الظاهر والخفي، وهو قول أشهب، وقيل إنه يحلف على البت في الظاهر وعلى العلم في الخفي، وهو مذهب ابن القاسم. وأختلف قوله إن نكل عن اليمين فقال في المدونة إنها ترجع علي المبتاع على نحو ما كانت على البائع، وإلى هذا ذهب ابن حبيب وقال في رسم الفصاحة من سماع عيسى إنه يحلف على العلم في الوجهين جميعا. وقد كان بعض الشيوخ يقول ليست هذه الرواية بخلاف لما في المدونة؛ لأنه إنما أوجب فيها اليمين على البائع من أجل قول العبد إنه أبق عند سيده، فهي شبهة وجبت بها اليمين عليه، وذلك غلط ظاهر، لا تأثير لقول العبد في ذلك؛ لأنه يتهم على إرادة الرجوع إلى سيده. [وبالله التوفيق] .
[مسألة: اشترى عبدا فوجد به عيبا يرد منه]
مسألة قال مالك فيمن اشترى عبدا فوجد به عيبا يرد منه فرأى
стр. 3732
صاحبه فأخبره بذلك وأشهد عليه أنه غير راض به وأنه بريء به، فأقبل ليأخذ عبده فوجده قد هلك بعد قول المشتري أو أبى البائع أن يقبضه فذهب المشتري يستأدي عليه فهلك العبد، قال: العبد من المشتري حتى يرده إلى البائع بقضاء السلطان أو بأمر يعرفه صاحب العبد فيقبض عبده. قال ابن القاسم: قال لي مالك إذا قضى به السلطان فهو من البائع وإن لم يقبضه من المشتري.
قال محمد بن رشد: قول مالك في آخر المسألة إن السلطان إذا قضى برده فهو من البائع وإن لم يقبضه من المشتري مبين لقوله قبل ذلك حتى يرثه إلى البائع بقضاء من السلطان. وقد اختلف بماذا تدخل السلعة المردودة بالعيب في ضمان البائع علي أربعة أقوال: أحدها أنها تدخل في ضمانه بإشهاد المبتاع على العيب وأنه غير راض به وإن لم يرض البائع بقبض عبده ولا حكم عليه به حاكم، وهو قول أصبغ؛ والثاني أنها لا تدخل في ضمانه حتى يرضى بقبض عبده أو يثبت العيب عند السلطان وإن لم يحكم بعد برده، وهو الذي يأتي على قول مالك في موطأه وعلى قول غير ابن القاسم في الشهادات من المدونة؛ والثالث أنه لا يدخل في ضمانه وإن رضي بقبضه حتى يمضي من المدة ما يمكنه فيه قبضه، وإن ثبت العيب عند السلطان فحتى يقضي برده ويمضي من المدة أيضا ما يمكنه فيه قبضه، وهو معنى قول مالك في هذه الرواية، فإذا قضى برده ومضى من المدة ما يمكنه فيه قبضه دخل في ضمان البائع بالحكم وإن لم يقبضه من المشتري، ولا خلاف في هذا؛ لأن حكم الحاكم لا يفتقر إلى قبض وحيازة، وإنما يختلف إذا رضي البائع بأخذ عبده دون حكم هل يدخل في ضمانه بنفس الرضي دون القبض؟ أو لا يدخل في ضمانه بنفس الرضي حتى يقبضه [أو يمضي من المدة ما يمكنه فيه قبضه؟ أو لا يدخل في ضمانه حتى يقبضه وإن مضى من المدة ما يمكنه فيه قبضه؟ فقيل إنه يدخل في ضمانه بنفس الرضى دون القبض، وقيل إنه لا يدخل في ضمانه بنفس
стр. 3733
الرضى حتى يقبضه أو يمضي من المدة ما يمكنه فيه قبضه] وقيل إنه لا يدخل في ضمانه حتى يقبضه وإن مضى من المدة ما يمكنه فيه قبضه، وهو ظاهر قوله في هذه الرواية أو بأمر يعرفه صاحب العبد فيقبض عنده وهذا هو القول الرابع، وهو علي قياس القول بأن الرد بالعيب ابتداء بيع، وأن على البائع في البيع حق توفيه. ووجه القول الأول أن المبتاع لما كان بالخيار بين أن يرد بالعيب أو يمسك شاء البائع أو أبى لم يكن للاعتبار برضاه معنى ووجب إذا أشهد المبتاع أنه قد رد أن ينتقض البيع فتكون المصيبة من البائع؛ والقول الثاني على قياس القول بأن الرد بالعيب نقض بيع فإذا وجب بثبوت العيب أو بإقرار البائع به وجب أن يكون الضمان من البائع؛ والقول الثالث على قياس القول بأن الرد بالعيب ابتداء بيع وأن البائع ليس عليه حق توفيه، فإذا مضى من المدة ما يمكنه فيه القبض فالمصيبة منه وإن لم يقبض؛ والقول الرابع على قياس القول بأن الرد بالعيب ما لم يقبض المبتاع وإن مضى من المدة ما كان يمكنه فيه القبض. والاختلاف في هذا جار على اختلافهم في المكيال إذا سقط من يد المشتري وهو يكيل لنفسه بعد أن امتلأ وقبل أن يفرغه في وعائه، فروى يحيى عن ابن القاسم في رسم يشتري الدور والمزارع للتجارة من كتاب جامع البيوع أن ضمانه من البائع، وعلى هذا يأتي قوله في هذه الرواية فيقبض عبده. وقال سحنون في نوازله من الكتاب المذكور: مصيبة ما في المكيال من المشتري، فعلى قوله يدخل العبد المردود بالعيب في ضمان البائع بنفس رضاه بقبضه. وقد قيل إن على البائع في العروض حق توفية وأنها في ضمانه وإن طال الأمد وكان قد قبض الثمن ما لم يقبضها المبتاع أو يدعوه البائع إلى قبضها فيأبى، وهو قول أشهب في ديوانه، وعلى قياس قوله يأتي القول الرابع حسبما بيناه. وقد قال ابن دحون: قوله في هذه
стр. 3734
الرواية ويقبض العبد قول غريب يوجب أن كل من اشترى شيئا بعينه فمات قبل قبض المشتري له أنه من بائعه، ولا اختلاف في ذلك إلا في هذه القولة النادرة، وليس قوله بصحيح، إذ قد بينا وجه دخول الاختلاف فيه، وأنه قول من رأى على البائع حق توفية في العروض. قال ابن دحون: وإنما الاختلاف إذا احتبسه البائع بالثمن، فابن القاسم يقول حكمه حكم الرهن، وغيره يقول هو من البائع.
قال محمد بن رشد: والقولان لمالك في كتاب العيوب من المدونة، قوله فيه: وقد قال مالك بقولهما جميعا بعد أن ذكر اختلاف سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار في ذلك، فلو كان البائع لما رضي بقبض عبده بالعيب أبى المبتاع أن يرجعه إليه حتى يرد إليه الثمن فهلك فيما بين ذلك لجرى الأمر فيه على هذا الاختلاف. [وبالله التوفيق] .
[مسألة: تصدق بعبد أو ثوب ثم اطلع على عيب فيه]
مسألة قال وسمعت مالكا [يقول] قال فيمن تصدق بعبد أو ثوب ثم اطلع على عيب فيه، قال يأخذ قيمة العبد كما لو أعتقه لأنه قد فات فلا يستطيع رده. قال سحنون وعيسى: قيمة العيب للمتصدق به.
محمد بن أحمد: قوله إنه يأخذ قيمة العيب إذا تصدق به أو أعتقه هو المشهور في المذهب، وقد قيل إنه إذا تصدق به أو أعتقه فهو فوت ولا رجوع له بقيمة العيب، روى ذلك زياد عن مالك، ففي قياسه الصدقة على العتق نظر، إذ لا فرق بينهما، الاختلاف فيهما سواء ومن حق القياس أن يقاس ما اختلف فيه على ما اتفق عليه. وفي تعليله أيضا بقوله لأنه قد
стр. 3735
فات فلا يستطيع رده نظر؛ لأنه يفوت بالبيع ولا يستطيع رده ولا يرجع للعيب بشيء على مذهبه، فكان وجه القياس أن يقول يأخذ قيمة العيب كما لو فات لأنه قد خرج من يده بغير عوض. وقول سحنون وعيسى إن قيمة العيب للمتصدق به صحيح على معنى ما في الشفعة من المدونة في الذي يهب العبد لرجل ثم يستحق فيأخذ له ثمنا أنه لا شيء للموهوب له من الثمن، وبالله التوفيق.
[باع عبدا له أو وليدة وبه عيب غره أو دلسه]
ومن كتاب القبلة قال ابن القاسم وسمعت مالكا قال من باع عبدا له أو وليدة وبه عيب غره أو دلسه إنه يعاقب البائع ويرد عليه.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال، وهو مما لا اختلاف فيه أن الواجب على من غش أخاه المسلم أو غره أو دلس له بعيب أن يؤدب على ذلك مع الحكم عليه بالرد؛ لأنهما حقان مختلفان، أحدهما لله ليتناهى الناس عن حرمات الله، والآخر للمدلس له بالعيب، فلا يتداخلان ولا ينوب أحدهما عن الآخر، كالقطع في السرقة الذي يجب مع رد السرقة إلى المسروق منه.
[مسألة: ابتاع عبدا فأبق منه ثم وجد من يشهد له أنه كان أبق عند الذي باعه]
مسألة قال ابن القاسم: وسمعت مالكا قال: من ابتاع عبدا فأبق منه ثم وجد من يشهد له أنه كان أبق عند الذي باعه، فقال الذي باعه لم يأبق منك ولكنك غيبته أو بعته، قال: يحلف بالله ما بعته ولقد أبق مني ثم يأخذ ثمنه من البائع.
قال محمد بن رشد: إنما كان القول قول المبتاع إنه أبق عنده،
стр. 3736
لأن مصيبته في الإباق من البائع إذا أثبت أنه باعه إياه وهو آبق. وهذا مثل ما حكى بعض الرواة عن سحنون أنه سئل عن الرجل يشتري العبد أو الأمة فيدعي أنه أبق في العهدة ولا بينة له في إباقه، فقال إن ادعى ذلك في الأيام الثلاثة حلف على ذلك، وإن لم يدع ذلك إلا بعد العهدة لم يقبل إلا ببينة، فجعل القول قول المبتاع في إباق العبد بالموضع الذي لو ثبت أنه أبق فيه لكانت مصيبته من البائع، فهو أصل واحد، والله تعالى ولي التوفيق.
[يبيع الميراث فيبيع الجارية ويقال إن الجارية تزعم أنها عذراء]
ومن كتاب حلف ألا يبيع رجلا سلعة سماها وسئل عن الذي يبيع الميراث فيبيع الجارية ويصاح عليها ويقول الذي يصيح عليها إنها تزعم أنها عذراء ولا يكون ذلك شرطا منهم في ذلك إنما يقولون إنها تزعم ثم يجدها غير عذراء فيريد أن يردها. قال: ذلك له. فقيل له: إنهم يزعمون أنا لم نشترط وإنما قلنا ذلك بأمر زعمته، قال: أرى أن يردها إلا أن يكونوا لم يقولوا له شيئا فأما أن يقولوا مثل هذا ثم يشتري المشتري وهو يظن ذلك فأرى أن يردها، وكذلك إن قال إنها تنصب القدور وتخبز، ويقولون إنها تزعم ولا يشترطون ذلك، فإذا هي ليست كذلك، فإني أرى أن يردها إلا ألا يخبروا شيئا فلا أرى عليهم شيئا.
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما في رسم البيوع من سماع أصبغ بعد هذا، وفي رسم يوصي من سماع عيسى من كتاب النكاح، وهو مما لا اختلاف فيه أعلمه، سواء قال في الجارية أبيعها منك على أنها عذراء أو
стр. 3737
على أنها رقامة أو خبازة أو وصفها بذلك فقال أبيعها منك وهي عذراء أو رقامة أو خبازة، وذلك كله كالشرط لأنه إذا قال: إنها تزعم أنها على صفة كذا وكذا، أو قالت هي عند البيع إني على صفة كذا وكذا ولم يكذبها في قولها ولا تبرأ منه فقد أوهم أنها صادقة فيما زعمت، فكأنه قد باع على ذلك وشرطه للمبتاع. وإنما يفترق الشرط من الوصف في النكاح حسبما مضى القول عليه في رسم يوصي من سماع عيسى من كتاب النكاح فلا معنى لإعادته. [وبالله التوفيق] .
[مسألة: يشتري العبد فيجده أعسر]
مسألة وسئل عن الرجل يشتري العبد فيجده أعسر أتراه عيبا؟ قال نعم أراه عيبا وأرى أن يرده به. قال ابن القاسم وإن كان أيسر وانتفع بيديه جميعا فلا أرى أن يرد.
قال محمد بن رشد: في حديث عمر أنه كان أعسر أيسر. قال أبو عبيدة هو الذي يعمل بيديه جميعا، وقال والمحدثون يقولون أعسر أيسر وهو خطأ، قال ابن لبابة: الأعسر الذي لا يعمل إلا باليد اليسرى، والأيسر الذي يعمل بيديه جميعا. فإذا كان يعمل بيديه جميعا فليس ذلك بعيب كما قال لأنها زيادة منفعة إلا أن تنقص يمناه في قوتها والبطش بها عن يمنى من لا يعمل بيسراه فيكون ذلك عيبا، قاله ابن حبيب في الواضحة في الأعسر الذي هو أعسر أيسر يعمل بيديه جميعا. وقوله صحيح مفسر لقول ابن القاسم، وبالله التوفيق.
стр. 3738
[باع غلاما من رجل فأقام عنده ما شاء الله ثم وجد به عيبا كان عند بائعه]
ومن كتاب أوله
الشجرة تطعم بطنين في السنة وسئل عمن باع غلاما من رجل فأقام عنده ما شاء الله ثم وجد به عيبا كان عند بائعه، وبالعبد عيب يحدث مثله يكون عند الأول والآخر ولا يدرى متى حدث، قال أرى أنه مردود بالعيب الأول، وليس على الآخر في العيب الذي حدث شيء، وإنما هو مدع فيه أن يقول حدث عندك ومن يعلم ذلك، وليس على المبتاع أكثر من أن يحلف بالله ما علمت أنه حدث عندي.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة حسنة صحيحة، إنما كان القول قول المبتاع في العيب الذي يقدم ويحدث إنه ما حدث عنده من أجل أنه قد وجب له أن يرد بالعيب القديم ويأخذ جميع الثمن، فالبائع يريد أن ينتقصه من الثمن بأن يقول حدث عندك العيب فلا ترده إلا أن ترد ما نقصه ذلك، فهو مدع عليه في ذلك، إن نكل المبتاع عن اليمين حلف البائع أنه ما يعلم العيب كان عنده أو ما كان عنده إن كان من العيوب الظاهرة على مذهب ابن القاسم، ثم كان المشتري بالخيار بين أن يرد ويرد ما نقصه العيب، أو يمسك ويرجع بقيمة العيب؛ فإن نكل البائع أيضا لزمه العيبان جميعا، وكان المبتاع مخيرا بين أن يمسك ولا شيء له أو يرد ولا شيء عليه، قاله ابن القاسم بعد هذا في رسم الفصاحة من سماع عيسى، وهو صحيح. [وبالله التوفيق] .
[مسألة: الجارية تشترى فتوجد غير مخفوضة]
مسألة وسئل عن الجارية تشترى فتوجد غير مخفوضة، أترى أن
стр. 3739
ترد؟ قال قد سئلت عن ذلك قبل اليوم، فقيل له فماذا قلت فيه؟ قال: رأيت أنها إن كانت من جواري العرب الذين يخفضون فإنه يردها، وإن كانت من رقيق العجم الذين لا يخفضون لم أر أن ترد منه. فقيل له: فالخدم؟ فقال: لا، ليس الخدم مثل المرتفعات، لا يرد الخدم من رقيق العجم ولا من رقيق العرب.
قال محمد بن رشد: وكذلك العبد يشترى فيوجد غير مختون، قاله ابن القاسم بعد هذا في رسم الجواب من سماع عيسى، وزاد أن من طال مكثه في أيدي العرب فهو بمنزلة ما ولد عندهم. وقال في سماع محمد بن خالد بعد هذا: إن الجارية الرائعة ترد إذا وجدت غير مخفوضة، ولم يفرق بين أن تكون من رقيق العرب ولا من رقيق العجم، وينبغي أن يحمل على أن هذا تفسير له، ولا يحمل على ظاهره من الخلاف؛ لأنه يبعد أن يرد رقيق العجم بذلك. وذهب ابن حبيب إلى أنه يرد بترك الختان والخفاض الرفيع والوضيع من بلاد المسلمين، وقال إن ما طال لبثه في أيدي المسلمين من رقيق العجم فهو بمنزلة ما ولد عندهم، يرد بذلك الرفيع والوضيع إلا أن يكونا من الصغر بحيث لم يفت ذلك منهما. وهذا كله في المسلمين من الرقيق، وأما النصارى منهم فلا يردون بترك الختان ولا الخفاض، قاله ابن حبيب. وقال في سماع محمد بن خالد في العبد المسلم يوجد غير مختون إنه يرد بذلك ولم يفرق بين وضيع ولا رفيع، مثل قول ابن حبيب في الواضحة، خلاف ما في رسم الجواب من سماع عيسى.
والصحيح في القياس والنظر ألا يفرق في الختان بين رفيع ولا وضيع بخلاف الجواري في الخفاض، فيتحصل في المسألة ثلاثة أقوال: أحدها أن يرد الرفيع والوضيع من الغلمان والجواري بترك الختان والخفاض، وهو قول ابن حبيب في الواضحة، والثاني أنه لا يرد بذلك إلا
стр. 3740
الرفيع دون الوضيع من الجواري والغلمان جميعا، وهو قول ابن القاسم في سماع عيسى، والثالث الفرق بين الجواري والغلمان على ما ذكرنا، وبالله تعالى التوفيق.
[الغلام يبيعه الرجل ويتبرأ من الإباق في عهدة الثلاث ثم يموت]
ومن كتاب طلق بن حبيب وسئل مالك عن الغلام يبيعه الرجل ويتبرأ من الإباق في عهدة الثلاث ثم يموت ولا يعلم أنه مات في العهدة أو بعد ذلك، فقال البائع هو منك وقال المبتاع لا بل هو منك، فقال: أراه من المبتاع ضامنا حتى يأتي عليه ببينة أنه مات في عهدة الثلاث، فإن لم يعلم ذلك وجهل فهو من المبتاع. فقيل له: والعور وغير ذلك من العيوب؟ قال نعم هو من المبتاع إلا أن يعلم أن ذلك أصابه في العهدة. وأخبرني العتبي قال: قال ابن نافع عن مالك: إن المصيبة من البائع حتى تعلم البينة أنه خرج سالما من عهدة الثلاث.
قال محمد بن رشد: رواية ابن نافع هذه وقعت في بعض الروايات مختصرة، وهي في المدونة وفي أول سماع أشهب كاملة، قال فيها: إن المصيبة من البائع حتى يعلم أنه خرج من العهدة سالما، ووقع في آخر سماع أشهب أن المصيبة من المبتاع حتى يعلم أنه مات في العهدة مثل رواية ابن القاسم هذه. والخلاف إنما هو إذا عمي أمره فلم تعلم حياته ولا موته أو علم أنه مات ولم يعلم إن كان موته في عهدة الثلاث أو بعدها. وأما إن علم أنه مات في عهدة الثلاث فمصيبته من البائع بلا خلاف، فإن عمي أمره فترادا الثمن على إحدى روايتي أشهب وابن نافع عن مالك في أن المصيبة من البائع، ثم أتى العبد، كان للبائع ولم يرد إلى المبتاع، ولو أتى قبل أن يترادا الثمن كان للمبتاع، حكى ذلك محمد
стр. 3741
ابن المواز عن أشهب. ومعنى ذلك عندي إذا تراضيا على ذلك بغير حكم، وأما لو حكم بذلك عليهما لوجب أن يرد العبد إلى المبتاع لانكشاف خطأ الحكم في ذلك بما لا اختلاف فيه، وبالله التوفيق.
[يبيع السفينة من الرقيق من السند والزنج فتباع جملة فتوجد بينهم جارية حاملة]
ومن كتاب أوله صلى نهارا ثلاث ركعات وسئل عن الرجل يبيع السفينة من الرقيق من السند والزنج فتباع جملة فتوجد بينهم جارية حاملة أترد؟ قال: ما أرى ذلك لهم؛ لأنهم وخش.
قال محمد بن رشد: قوله فتباع جملة يريد صفقة واحدة وقد عرف عددهم، إذ لا يجوز بيع الرقيق جزافا. ولم ير أن ترد الحامل منهن بعيب الحمل إذ لا ينقص الحمل من جملة الثمن شيئا من أجل أنهم وخش. ولو اشتراها وحدها لكان له أن يردها، قال ذلك في آخر سماع أصبغ على قوله في المدونة وغيرها إن الحمل عيب في الوخش والمرتفعات. وكان القياس إذا كان له أن يردها إذا اشتراها وحدها أن يكون له أن يردها بما ينوبها من الثمن إذا اشتراها مع غيرها جملة كما قال في المدونة وغيرها في السلع تشترى جملة فيوجد ببعضها عيب أن المعيب يرد منها بما ينوبه من الثمن، إلا أنه استحسن هذا في الحمل خاصة مراعاة لقول من لا يرى الحمل عيبا في وخش الرقيق. وممن قال بذلك ابن كنانة، ورآه ابن حبيب فيهن عيبا
[اشترى جارية من رجل فسأله عن حيضتها]
ومن كتاب سن رسول الله ﷺ وسئل عن رجل اشترى جارية من رجل فسأله عن حيضتها، فقال إنها صغيرة ولم تحض بعد وكانت قصيرة فطمع المشتري أن يكون لها نشوز عند حيضتها، فلما اشتراها لم تقم إلا عشرا أو
стр. 3742
نحوها حتى حاضت.
قال: قال مالك: إن كانت قد بلغت ومثلها تحيض ويخاف أن تكون تحيض، فأرى أن يستحلفه أنها ما حاضت عنده، وإن كانت صغيرة فقد ائتمنه على ما قال، ولا أرى أن يستحلفه.
قال محمد بن رشد: قوله: إن كانت قد بلغت ومثلها تحيض، معناه: إن كانت قد بلغت في حالها مبلغا يشبه أن يحيض مثلها ويخاف أن تكون [قد] حاضت عنده استحلف ما حاضت عنده، واليمين ههنا يمين تهمة، فيدخل في ذلك من الاختلاف ما يدخل في لحوق يمين التهمة، وكذلك إن نكل عن اليمين لجرى الحكم في ذلك على الاختلاف في رد يمين التهمة، ترد عليه في أحد القولين بالنكول دون رد يمين، وفي القول الثاني لا ترد عليه إلا بعد يمين المشتري، والقول الأول هو المشهور، وقوله: وإن كانت صغيرة أي وإن كانت فيما يظهر من حالها أنها صغيرة لا يحيض مثلها فلا يمين عليه، وذلك بيّن على ما قال: لأن حيضتها وهي على هذه الحال علة فيها ومصيبة دخلت عليه، فلا حجة له في ذلك على البائع. [وبالله تعالى التوفيق] .
[مسألة: اشترى من رجل جارية مثلها لا توطأ فوجدها مفتضة]
مسألة قيل لسحنون: ولو أن رجلا اشترى من رجل جارية مثلها لا توطأ فوجدها مفتضة، قال: إن كانت من وخش الرقيق فليس ذلك بعيب، وإن كانت من علية الرقيق فذلك عيب يردها به، وإن كانت مثلها توطأ فليس ذلك بعيب كانت من علية الرقيق أو من وخشها.
стр. 3743
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن الجارية التي يوطأ مثلها محمولة على أنها قد وطئت فليس له أن يردها إذا وجدها مفتضة، والتي لا يوطأ مثلها محمولة على أنها لم توطأ، وليس ذلك كالشرط فيها، فإذا وجدها مفتضة كان له أن يرد الرفيعة بذلك؛ لأن الافتضاض ينقص من قيمتها، ولم يكن له أن يرد الوخش بذلك؛ إذ لا ينقص الافتضاض من قيمتها إلا أن يشتريها على أنها غير مفتضة بشرط، وذلك قائم من قوله في المدونة: إنه إذا اشترى الجارية البكر فافتضها فليس له أن يبيعها مرابحة يبين إلا أن تكون من الوخش اللواتي لا ينقصهن الافتضاض شيئا فليس عليه أن يبين، وبالله التوفيق.
[عبد ابتاعه رجل فخرج بائعه إلى مكة ووجد المشتري بالعبد عيبا]
ومن كتاب أخذ يشرب خمرا قال: وسئل مالك: عن عبد ابتاعه رجل فخرج بائعه إلى مكة، ووجد المشتري بالعبد عيبا توقيفا في يده فأتى به السلطان فأشهد عليه، ثم إن الرجل قدم من مكة والعبد مريض، أترى أن يرده؟ قال: نعم، أرى أن يرده إلا أن يكون مرضا مخوفا.
قال عيسى بن دينار: قال لي ابن القاسم: فإن كان مرضا مخوفا استؤني به ما لم يدخل في ذلك ضرر، فإن كان برؤه قريبا رده، وإن كان مرضا يتطاول به أو هلك رد إليه قدر قيمة العيب.
قال محمد بن رشد: قول ابن القاسم في رواية عيسى عنه في المرض المخوف إنه يستاني به يريد إن رجي برؤه إلى مدة قريبة لا يكون في الاستيناء إليه ضرر، تفسير لقول مالك فإن برئ بالقرب رد، وهو معنى قوله: وإن كان برؤه قريبا رده، وإن لم يبرأ بالقرب وتطاول أمره أو هلك رد إليه قيمة العيب، [ولو كان مرضه مرضا لا يرجى برؤه منه إلى مدة قريبة لم
стр. 3744
يستأن به على قياس قوله ورجع بقيمة العيب] وفي نوازل سحنون في بعض الروايات أنه يرده مريضا، وإن كان مرضه مرضا مخوفا رده ورد معه ما نقصه عيب المرض المخوف، فقيل: إن الاختلاف في هذا جار على اختلافهم في جواز بيع المريض، وليس ذلك عندي بصحيح؛ لأن الاختلاف في ذلك إنما هو مع تراضي المتبايعين على ذلك، والمردود عليه بالعيب لا يرضى أن يأخذ عبدا مريضا يخشى عليه الموت، ويدل على ذلك أيضا قول مالك: إن المرض المخوف فوت في الرد بالعيب، مع أن مذهبه جواز بيعه، فهو دليل قوله في المدونة في كتاب بيع الخيار في الأمة تشترى بالخيار فتلد في أيام الخيار.
وظاهر قوله في كتاب الاستبراء منها وفي رسم الجواب من سماع [عيسى بعد هذا وفي سماع] ، سحنون أيضا، ونص قول أصبغ في الثمانية قال: لا بأس ببيع المريض ما لم يقارب الموت أو ينزل به أسبابه من شدة المرض أو البلاء في جسده، مثل السل والمد ونحو ذلك، خلاف قول ابن الماجشون، واختيار ابن حبيب في أن بيعه لا يجوز إذا بلغ منه المرض مبلغا لو كان حرا لم يجز القضاء له إلا في ثلث ماله، وسحنون يميل أبدا إلى قول ابن الماجشون، فوجه قوله: إنه يرد بالعيب وإن كان مريضا مرضا مخوفا مراعاة قول من يرى الرد بالعيب نقض بيع، وأنه يرجع به إلى البائع المالك الأول. [وبالله تعالى التوفيق] .
[مسألة: ابتاع جارية من رجل فزوجها فولدت له أولادا ثم وجد بها عيبا]
مسألة وسئل عن رجل ابتاع جارية من رجل فزوجها فولدت له أولادا، ثم وجد بها عيبا كان عند الأول، أترى ولادتها فوتا أو يردها بولدها إن شاء أو يمسك؟ فتفكر فيها، ثم قال: أرى إن أحب أن يردها ردها بولدها، وإن أحب أن يمسك أمسك، ولا أرى له
стр. 3745
في العيب شيئا.
قال عيسى: وسألت ابن القاسم عن هذا فقال: ذلك رأيي لم يكن قول ابن القاسم في كتاب سحنون.
قال محمد بن رشد: الزيادة في الرقيق في الرد بالعيب تنقسم على قسمين: زيادة في الحال، وزيادة في العين، فأما الزيادة في الحال مثل العبد والجارية يتخرجان أو يتعلمان الصناعات أو يفيدان الأموال، فهذا لا اختلاف فيه أنه ليس بفوت، والمشتري مخير بين أن يرد أو يمسك ولا شيء له؛ وأما الزيادة في العين، فتنقسم على ثلاثة أقسام: زيادة الولد، وزيادة الكبر، وزيادة السمن.
فأما زيادة الولد ففيها قولان؛ أحدهما: أن ذلك ليس بفوت وهو مخير بين أن يرد الجارية وولدها إن كانوا على ما قال في هذه الرواية، أو يردها ويجمع ثمنهم إن كان قد باعهم، على ما قال في رسم باع شاة من سماع عيسى، وبين أن يسمك ولا شيء له؛ والثاني: أنه فوت يكون فيه مخيرا بين أن يرد ويرد الأولاد أو ثمنهم إن كان باعهم وبين أن يسمك ويرجع بقيمة العيب، قاله ابن القاسم في سماع موسى بن معاوية إذا كان قد باع الأولاد، ولا فرق بين أن يبيعهم أو يكونوا قياما على هذا القول، كما لا فرق بين ذلك في القول الأول، وأصبغ يقول: إنه إذا باع الأولاد رد الأم وأخذ حصتها من الثمن كأن البيع وقع عليها معهم يوم ولدوا، وهو بعيد.
وأما زيادة الكبر ففيها أيضا قولان؛ أحدهما: أن ذلك فوت يكون المبتاع فيه مخيرا بين أن يرد أو يمسك ويرجع بقيمة العيب، وهو قول ابن حبيب في الواضحة وحكاه عن مالك؛ والثاني: أنه فوت يوجب له الرجوع بقيمة العيب، وليس له أن يرده إلى البائع إلا أن يرضاه، وهو الذي في المدونة، ولا فرق بين زيادة الولد، وزيادة الكبر فيحمل كل واحد منهما على صاحبه، ويدخل فيه من الاختلاف ما دخل فيه، فيكون في زيادة الولد ثلاثة أقوال وفي زيادة الكبر ثلاثة أقوال.
وأما زيادة السمن في الجواري فلم يره ابن القاسم فوتا إلا أن فيه أيضا قولين؛ لأن ابن حبيب يراه فوتا يوجب التخيير للمبتاع بين أن يرد أو يمسك ويرجع بقيمة العيب، ويدخل فيه القول الثالث بالمعنى، والله الموفق.
стр. 3746
[بيع الرجل الأعداد من الكتان والبز]
ومن كتاب يسلف في المتاع والحيوان وسئل مالك: عن بيع الرجل الأعداد من الكتان والبز، تفتح فينظر إلى ثوبين أو ثلاثة أو رطل من الكتان أو رطلين، فيوجد الذي بعده لا يشبهه، قال مالك: إن الأعدال يكون أولها أفضل من آخرها، فإذا فتح العدل فجاء ذلك صنف واحد أو بعضه قريب من بعض، فإن كان الأول الذي نظر إليه هو أجود إلا أنه صنفه أو قريب منه، فإني أرى البيع جائزا عليه، ومثل ذلك الرجل يشتري البيت فيه تمر أو قمح فيكون أوله خيرا من آخره، فإذا جاء في ذلك تغير قريب رأيت ذلك جائزا، وإن جاء أمر فاسد رأيت أن يرد عليه.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة مبينة لما في المدونة وغيرها؛ لأن العرف كالشرط عليه يدخل المتبايعان فلا قيام للمبتاع إلا فيما تفاحش وخرج عن العرف.
[مسألة: يقدم البلد بالكتان وما أشبهه من المتاع فتكون تلك السلعة من سلع الفسطاط]
مسألة وسئل: عن الذي يقدم البلد بالكتان وما أشبهه من المتاع فتكون تلك السلعة من سلع الفسطاط، ويكون لها عمال معروفون بأعمالهم فيقدم بها الرجل البلد، فيقول له بعض من يشتري منه من عمل من اشتريت؟ فيقول: من عمل فلان، وهو عمل قد عرفوه، فيشترونه منه ولا يفتحونه ولا ينظرون إليه.
قال مالك: لا أحب لهم أن يشتروا حتى يفتحوه وينظروا إلى شيء منه.
стр. 3747
محمد بن أحمد: وهذا كما قال: إن الاختيار ألا يشتروه حتى يفتحوه وينظروا إليه، فإن لم يفعلوا جاز؛ لأنهم إنما اشتروا على ما قد عرفوه وعاينوه، فلا يشبه شراء ذلك على الصفة؛ لأن الشراء على الصفة غرر، إذ لا تقوم الصفة مقام العيان، وإنما جاز عند الضرورة لبيع السلعة الغائبة إذ لا يمكن فيها المعاينة، وكبيع الأحمال على البرنامج [لما في حلها ونشرها على السوام من الضرر على أرباب المتاع] ، [وبالله التوفيق] .
[مسألة: بيع الثياب في الجراب بالبراءة]
مسألة وقال مالك في بيع الثياب في الجراب بالبراءة: لا خير فيه، وهو مما لا يستطاع أن تدرك معرفته، فلذلك رأيت البراءة لا ينتفع بها فيه إلا أن يكون الشيء غير المضر ولا المفسد.
قال محمد بن رشد: يحتمل أن يريد ببيع الثياب في الجراب بيع الأعدال في لفائفها أو أوعيتها على صفة البرنامج، ويحتمل أن يريد بذلك بيع الثوب الرفيع في جرابه الذي يفسده ويغيره إخراجه من جرابه ونشره؛ لأن هذا أجيز بيعه على الصفة لهذه الضرورة على اختلاف في ذلك، وقال: إنه لا خير في البراءة في ذلك من أجل أن معرفته غير مدركة، والمعنى في ذلك: أنه لما كان بيع البراءة إنما جاز من أجل أنه يلزمه أن يبين ما علم ولا يبرأ إلا مما لم يعلم، كره أن يبيع بالبراءة ما يجهل عيوبه، ورأى عيوب الثياب المبيعة على هذه الصفة مما يخفى على البائع ولا تدرك معرفتها فكره البراءة فيها لذلك، وقال: إنها إن وقعت برئ من الشيء اليسير مراعاة لقول من رأى أن البراءة نافعة فيها في القليل والكثير، وهو قول جماعة من السلف وقول ابن وهب من أصحاب مالك واختيار ابن حبيب، وقد كان مالك يراها في الرقيق والحيوان، قاله في موطأه، ثم رجع إلى أنها لا تجوز إلا في الرقيق [وحده] ، وبالله التوفيق.
стр. 3748
[أيام العهدة في الاستبراء متى هي]
ومن كتاب أوله اغتسل على غير نية وسئل مالك: عن أيام العهدة في الاستبراء متى هي، أبعد الاستبراء أم قبله؟ قال: من يوم تباع تدخل في الاستبراء، ليس بعد الاستبراء عهدة.
قال محمد بن رشد: مثل هذا في رسم الأقضية من سماع أشهب، وإنما هذا إذا أقامت في الحيضة ثلاث ليال أو أزيد، وأما إن كان الاستبراء أقل من ثلاث فلا بد من تمام عهدة الثلاث، ولا تدخل عهدة الثلاث في عهدة السنة، قاله مالك في رسم الأقضية المذكور من سماع أشهب.
والفرق على قوله بين دخولها في الاستبراء، ودخولها في عهدة السنة أن عهدة الثلاث والاستبراء يتفقان في أن الضمان فيهما من البائع في كل شيء، فوجب أن يدخل الأقل منهما في الأكثر، وعهدة السنة إنما هي من الجنون والجذام خاصة فلم يدخل فيها الاستبراء ولا عهدة الثلاث.
وقد قال مالك في الواضحة إن عهدة السنة من يوم عقد البيع، وقاله ابن الماجشون في كتاب ابن المواز، ووجه هذا القول أنه لما كان الاستبراء وعهدة الثلاث وعهدة السنة يتفقان في الجذام والبرص وجب أن يدخل الأقل من ذلك في الأكثر فيما يتفقان فيه، وذهب المشايخ السبعة إلى أن عهدة الثلاث بعد الحيضة، فأحرى على قولهم أن تكون عهدة السنة بعد الاستبراء وبعد عهدة الثلاث، فيتحصل في المسألة ثلاثة أقوال؛ أحدها: أن العهدتين والاستبراء لا يدخل شيء من ذلك في شيء ويبدأ بالاستبراء، ثم عهدة الثلاث ثم عهدة السنة، وهو قول المشايخ السبعة، والثاني: أنهن يتداخلن جميعا فيكون الاستبراء وعهدة الثلاث وعهدة السنة كلها من يوم عقد البيع، وهو قول مالك في الواضحة، وقول ابن الماجشون في كتاب ابن المواز، والثالث: أن الاستبراء وعهدة الثلاث يتداخلان جميعا فيكونان من يوم البيع وعهدة السنة بعد تمامها جميعا، وهو قول مالك في سماع أشهب ودليل قوله في هذه الرواية، وبالله التوفيق.
стр. 3749
[يشتري الجارية الفاره فإذا هي لقية]
ومن كتاب البز وسئل مالك: عن الرجل يشتري الجارية الفاره فإذا هي لقية أتراه عيبا ترد به؟ قال لي: نعم أرى ذلك.
قال محمد بن رشد: ظاهر قوله: أن غير الفاره لا ترد بذلك، ومثله في رسم الأقضية الآخر من سماع أشهب، وفي رسم الأقضية الثاني منه أن الرد لا يجب بذلك إلا أن يشترط الرشدة، وابن القاسم يرى الرد في ذلك في الفاره، وغير الفاره وإن لم يشترط، فهي ثلاثة أقوال.
[مسألة: باع ثوبا فوجد به المبتاع خرقا فزعم البائع أنه قد بينه له وأنكر المبتاع]
مسألة وسئل مالك: عن رجل باع ثوبا فوجد به المبتاع خرقا فزعم البائع أنه قد بينه له وأنكر المبتاع، أترى أن يحلف في هذا عند المنبر؟ قال: لا أرى أن يحلف عند المنبر إلا في ربع دينار فصاعدا.
قال محمد بن رشد: ظاهر هذا أنه لا يحلف عند المنبر إلا أن تكون قيمة العيب ربع دينار، وقد روي ذلك عن ابن المواز، وهو بعيد؛ لأنه يجب عليه إذا اختلف المتبايعان فقال البائع: بعت بعشرة دراهم وقال المبتاع: بل ابتعت بتسعة دراهم ألا يحلفا عند المنبر، وذلك لا يصح؛ لأن اليمين إنما هي في فسخ بيع الثوب وثمنه أكثر من ربع دينار، فكذلك الثوب المعيب إنما ينظر إلى قيمته؛ لأنه هو الذي يرد لا إلى قيمة عيبه، فينبغي أن يعدل بالكلام عن ظاهره فيقال: معنى قوله: إلا في ربع دينار فصاعدا، أن تكون قيمة الثوب الذي فيه العيب ربع دينار فصاعدا لا قيمة العيب، أو يقال: معناه إذا فات الثوب ووجب الرجوع بقيمة العيب، وبالله التوفيق.
стр. 3750
[يشتري الدابة فيسافر عليها فيجد بها عيبا في سفره]
ومن كتاب أوله نذر سنة يصومها وسئل مالك: عن الرجل يشتري الدابة فيسافر عليها فيجد بها عيبا في سفره، ثم يقدم بها وهي على حالها، أله أن يردها؟ قال: نعم ذلك له.
قيل له: وإن ركبها؟ قال: نعم.
قيل: أفترى عليه في ركوبها شيئا؟ قال: لا، الحاضر قد يركب فيجد العيب فلا يكون عليه في ركوبها شيء، يريد قبل أن يجد.
قال ابن القاسم: وأما المسافر يجد العيب في سفره فليس عليه في ركوبها شيء وليس عليه أن يتكارى عليها من يقودها، ولكن إذا أتى بها على حالها ردها ولم يضره ركوبها، فإن عجفت في سفره كان بالخيار، إن أحب أن يردها ويغرم ما نقص العجف منها، أو يمسكها ويأخذ قيمة العيب.
وأما الحاضر فإنه إن ركبها ركوب احتباس لها بعد أن يجد العيب وإقامته عليها لزمته؛ لأن ذلك رضي منه بالعيب، فأما إن كان يركبها ليردها عليه وما أشبهه فلا شيء عليه في ركوبها وليردها.
قال محمد بن رشد: ابن القاسم يجيز للمشتري إذا وجد العيب بالدابة اشتراها في سفره أن يمضي في سفره ويركبها ولا يوجب عليه الرجوع بها إلا أن يكون قريبا لا مؤنة عليه في الرجوع، ويستحب له أن يشهد أن ركوبه إياها ليس برضى منه بالعيب، فإن لم يفعل لم يضره ذلك وكان له ردها، هو ظاهر قول مالك في هذه الرواية ومعناه.
وابن كنانة يقول: إنه إذا وجد العيب بالدابة في سفره فليشهد عليه ويردها ولا يركبها في ردها ألا أن يكون بين قريتين فيبلغ عليها إلى القرية ليشهد؛ وابن نافع يقول في المدنية: إنه لا يركبها ولا يحمل عليها إلا ألا يجد من ركوبها أو الحمل عليها بدا في السفر أو الغزو، فليشهد على ذلك ويركب أو يحمل حتى إلى الموضع الذي لا يجوز له أن يركبها فيه، يعني حتى يجد حكما وبينة تشهد له بذلك الموضع
следующие страницы →