Полный текст (9 112 стр.). Показаны 3991–4030 · переход к 3996.
стр. 3991
[مسألة: قال من يحفر لي بئرا طولها وعرضها كذا فله كذا فحفر رجل نصفها]
مسألة قال أصبغ: سئل ابن القاسم عمن قال: من يحفر لي بئرا طولها كذا وكذا، وعرضها كذا وكذا فله كذا وكذا، فحفر رجل نصف ذلك، ثم يعتل. قال: لا أرى له حقا إلا أن ينتفع بها صاحبها، فإن انتفع بها أخذ قدر ما عمل مما انتفع به. قيل له: فلو قال: من جاءني بخشبة من موضع كذا وكذا فله كذا، فحملها رجل إلى نصف الطريق؟ قال: هو مثله لا أرى له شيئا إلا أن يحملها صاحبها فينتفع بها، فإذا انتفع بها فله أجره على قدر ما حملها من الطريق.
قال محمد بن رشد: قال في البئر: إنه يكون للمجعول له فيما حفر من البئر إذا انتفع بذلك صاحبها قدر ما عمل مما انتفع به، ولم يبين وجه العمل في ذلك، وفيه تفصيل، وقد مضى بيانه في رسم أخذ يشرب خمرا، من سماع ابن القاسم، فلا معنى لإعادته، وكذلك قال أيضا في الخشبة: إنه يكون له أجره على قدر ما حملها من الطريق، فأجمل القول في ذلك دون بيان، وقد مضى بيانه في الرسم المذكور، من سماع ابن القاسم، فلا وجه لإعادته، وبالله التوفيق.
[مسألة: يستأجر بدينار على دابة يبيعها له وله الدينار باع أو لم يبع]
مسألة قال أصبغ: سمعت أشهب، وسئل عن الذي يستأجر بدينار على دابة يبيعها له بالإسكندرية، وله الدينار باع أو لم يبع. قال: لا بأس بذلك. قيل له: وإن لم يسم للتسويق والبيع هناك أجلا؟ قال: نعم. قيل له: فما البيع؟ قال: على قدر بيع مثلها. ثم قال:
стр. 3992
أرأيت لو أعطاه هاهنا ثوبا يبيعه بخمسة دراهم، فالقيام بالبيع معروف في كل سلعة وفي كل بند، وقال هو معروف.
قال محمد بن رشد: قول أشهب هذا صحيح، وهو نحو ما مضى لابن القاسم، في سماع محمد بن خالد، فليس بخلاف لما في المدونة، ولا فيما مضى في رسم العتق، من سماع عيسى، وقد مضى القول على ذلك هناك، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
[استأجر أجيرا أشهرا في علوفة دواب فماتت قبل الشهر فأراد أن يستعمله في غيره]
ومن كتاب البيع والصرف وسئل أشهب عن رجل استأجر أجيرا أشهرا في علوفة دواب، فماتت قبل الشهر، فأراد أن يستعمله في غيره. قال: ليس ذلك له، إما جاءه بمثل تلك الدواب يقوم بعلوفتها، وإلا فلا شيء للمستأجر على الأجير، والإجارة له كلها.
قيل له؛ فإن رضي الأجير أن يتحول إلى عمل آخر غيره؟ قال: لا بأس بذلك.
قال محمد بن رشد: أجاز أشهب الإجارة على علوفة دواب بأعيانها، وإن لم يشترط الخلف، ورأى أن الحكم يوجبه، وذلك خلاف مذهب ابن القاسم في المدونة وغيرها، مثل قول سحنون وابن حبيب، وقد مضى تحصيل القول في هذه المسألة في رسم العتق، من سماع عيسى.
وأما قوله: إنه إن رضي الأجير أن يتحول إلى عمل آخر غيره، فلا بأس به، معناه فيما يشبه العلوفة لا يتباعد. قال ذلك ابن أبي زيد، وهو صحيح على معنى ما في المدونة أن من اكترى دابة إلى موضع، فليس له أن يركبها إلى موضع غيره، وإن كان مثله في الحزونة والسهولة، إلا أن يرضى بذلك الكري، خلاف قول مالك في آخر أول رسم من سماع ابن
стр. 3993
القاسم، وخلاف ما في الواضحة من أن من اكترى أجيرا لعمل يسميه، فله أن يستعمله فيه، وفيما يشبهه من الأعمال؛ إلا أن يشترط الأجير ألا يستعمله إلا في العمل الذي سمى بعينه. وأما فيما لا يشبه العلوفة، فلا يجوز وإن رضيا؛ لأنه فسخ دين في دين، وسواء كان قد انتقد، أو لم ينتقد في هذه المسألة؛ لأن الخلف فيها واجب، والكراء بينهما قائم، فيدخله فسخ الدين في الدين، وإن كان لم ينتقد. ولو استأجره شهرين على أن يعمل الشهر الأول في عمل سماه، والشهر الآخر بعده في عمل آخر سماه بعيد منه، جاز على مذهب ابن القاسم إن لم ينتقد، ولم يجز على مذهب ابن الماجشون. والقولان قائمان من المدونة من مسألة: من أكرى راحلة بعينها فركبها بعد شهر، وبالله التوفيق.
[مسألة: استأجر أجيرا يخدمه واشترط عليه السفر إن احتاج إليه]
مسألة وسئل أشهب عمن استأجر أجيرا يخدمه، واشترط عليه إن احتجت إلى سفر شهرا أو شهرين في السنة سافرت بك. قال: لا بأس بذلك.
قال محمد بن رشد: إنما أجاز إذا استأجر الأجير لخدمته أن يشترط عليه أن يسافر به من أجل أنه قد وقت السفر شهرا أو شهرين، وإذا قال شهرا أو شهرين، فالمشترط عليه إنما هو شهران؛ لأن الأجير إنما يدخل على الأكثر الذي يلزمه بالشرط. ولا يضر أن يكون المستأجر بالخيار في أن يسافر به أقل من شهرين، وفي إلا يسافر به أصلا؛ لأن ذلك حق له تركه بعد انعقاد الأجرة على شيء معلوم. والأصل في جواز هذا، وما كان في معناه قول الله : ﴿أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ﴾ [القصص: ٢٧]
стр. 3994
لأن الأجير هاهنا يقول: قد أجرتك نفسي على أن أسافر معك شهرين، إلا أن تخفف عني السفر أو بعضه، فذلك من عندك تفضل منك علي. واشتراطه عليه السفر به شهرين من السنة دون أن يسميهما يتخرج على قولين؛ فيجوز على مذهب ابن القاسم الذي يجيز أن يشترط عليه السفر في أول السنة، أو بعد مضي بعضها، ولا يجوز على مذهب ابن الماجشون، الذي لا يجيز أن يشترط عليه السفر إلا في أول السنة، أو فيما قرب من أولها، ولا يجوز بعد مضي شهر منها أو أكثر، ولو شرط عليه أن يسافر به إن احتاج إلى السفر، ولم يوقت مقداره، لم يجز عند جميعهم، وهو قوله في المدونة وغيرها: إن ما تباعد من الأعمال لا يجوز أن يستأجره عليها دون بيان، وبالله التوفيق.
[مسألة: يقول للرجل أعطني عبدك يعمل لي اليوم وأعطيك عبدي غدا]
مسألة وسئل أشهب عن الذي يقول للرجل: أعطني عبدك النجار يعمل لي اليوم، وأعطيك عبدي الخياط يخيط لك غدا. قال: لا بأس بذلك.
قال محمد بن رشد: قد مضت هذه المسألة، والقول فيها في أول رسم من سماع أشهب، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
[يجعل جعلا لرجل في طلب عبد له أبق فيأتي به فيستحقه مستحق]
ومن كتاب محض القضاء وسئل أشهب عن الذي يجعل جعلا لرجل في طلب عبد له أبق، فيأتي به فيستحقه مستحق، قبل أن يقبض الجعل، وقبل
стр. 3995
أن يقبض العبد ربه، على من ترى الجعل؟ قال: على الجاعل، وليس على المستحق شيء. قيل له: وكذلك إن استحق بحرية؟ قال: نعم. فقيل له: فإن استحق بحرية كانت من الأصل ألا يرجع به عليه، أو قال السائل على مستحقه من الأصل. قال: لا. قال أصبغ: ولا على أحد ويبطل.
قال محمد بن رشد: في كتاب ابن المواز بإثر هذه المسألة: قال محمد: وأجوز ذلك عندي أن يكون الجعل على الجاعل ثابتا عليه يغرمه، ويكون على مستحقه جعل مثله يغرمه للجاعل، إلا أن يكون أكثر مما غرمه الجاعل، وقد ناظرت فيها من أرضى فقال لي مثله.
قال محمد بن المواز: وهو بين إن شاء الله؛ لأن كل آبق جاء به من تكلف طلبه لم يصل إليه حتى يدفع جعل مثله، ولا نفقة له في ذلك، وإن جاء به من لم يطلبه، فلا جعل له ولا نفقة. وقول ابن المواز: وإن جاء به من لم يطلبه، فلا جعل له، ولا نفقة خلاف ما في المدونة من أنه ليس له إلا نفقته. وقد بين محمد بن المواز وجه ما ذهب إليه من الرجوع على المستحق بجعل مثله، والأظهر ما روى أصبغ عن ابن القاسم أن الجعل على الجاعل؛ لأن المنفعة فيه له من أجل أن ضمان العبد منه، فلو لم يوجد لخسر الثمن الذي أدى فيه، وإذا وجده فأخذه صاحبه المستحق له، رجع على البائع الذي أدى فيه، والمستحق إن لم يجد العبد لا تكون مصيبته منه؛ لأن له أن يجيز البيع، فيأخذ الثمن من البائع.
وهذا الاختلاف إنما هو إذا أخذ المستحق العبد، وأما إن أجاز البيع، وأخذ الثمن، فالجعل على الجاعل قولا واحدا، وروى ابن أبي جعفر الدمياطي، عن ابن القاسم فيمن دفع إليه ثوب يبيعه، بجعل فباعه، ثم استحق أنه لا جعل له. وهذا بيّن على ما قال؛ لأن المستحق إذا أخذ ثوبه انتقض البيع، فوجب رد الجعل، وأما إن أجاز البيع، وأخذ الثمن، فينبغي أن يكون الجعل للمجعول له على الجاعل، ويرجع الجاعل به على المستحق، وقد مضى في رسم الفصاحة، من سماع عيسى، من كتاب جامع البيوع من معنى هذه المسألة ما فيه بيان لهذه، وبالله التوفيق.
стр. 3996
[مسألة: بعث رجلا إلى المعدن ينفق عليه ويعمل له وما أصاب له ثلثه]
مسألة وسمعت أصبغ، وسئل عن رجل بعث رجلا إلى المعدن ينفق عليه، ويعمل له، فما أصاب كان له منه ثلثه أو نصفه، أو جزء مما يتراضيان عليه، وإن لم يصب شيئا ذهبت نفقته باطلا. قال أصبغ: لا يصلح ذلك، وذلك فاسد لا شك فيه، وهو من الغرر، وهو منقوض ما لم يفت بالعمل والخروج، فإن فات فهو مثل ما كانوا يتعاملون به في معدن الزبرجد قديما، مما قد عرفتم، وعرف الناس عندكم كيف كانوا يبعثون، ويخرجون عليه على مثل هذا.
ونزل عندنا في أيامه كثيرا، ونحن حينئذ نتبع أصحابنا ومشايخنا الفقهاء في زمان ابن القاسم وأشهب، وابن وهب كانوا يسألون عنه ويتكلمون فيه مما ينزل، ويختلفون ويختلف فيها القول من الناس، فكان الذي استقر عليه قولنا كقول أكثرهم وأكابرهم أنها أجرة، وهي أجرة فاسدة، يكون المكتسب فيها، والنيل إن فات وعمل، ووجد للباعث الذي عليه النفقة، كمن استأجر أجيرا على أن ما اكتسب في عمله فهو له، فالإصابة له والحرمان عليه، وليس للأجير إلا إجارة مثله في شخوصه، وفي عمله، وإقامته وكثرته. فإن وفرت عليه إجارة مثله على أن مئونته على نفسه حوسب بما أكل وشرب وأنفق. وإن شاءوا قوموا الإجارة على أن طعامه وشرابه على المستأجر، فكان له في القضاء أقل من القيمة الأولى، ودخل هذا في هذا المعنى، فعلى أي الوجهين قومت به، فهو سواء، وهو صواب، وله إجارة مثله على كل حال أصاب أو لم يصب؛ لأنه لو أصاب الكثير كان للأول الباعث، وكذلك إذا لم
стр. 3997
يصب إلا القليل، أو لم يصب شيئا، فعليه مثل الذي له، ولهذا إجارته كاملة على قدر عمله. فإجارة مثله ليس بمثل ما سمى له، إن كان سمى له تسمية مع ما يصيب؛ لأن الإجارة فسدت بالجزء الذي استثنى مما يصيب، فلا يدري أيصيب أم لا؟ فصارت مخاطرة؛ كالذي يستأجر في الزرع، وعمله بجزء مما يخرج، وصار حراما فاسدا، وكذلك هذا. ولو كانت الإجارة من نفقته وطعامه وشرابه فقط أو تسمية مسماة من العين دونها أو معها، وليس له في الإصابة شيء كان حلالا، وكان جائزا، وكان مما يبين أن الكسب كله للباعث، وكان بمنزلة الأجير يستأجر بقدر له، ويعمل بشيء مسمى فذلك جائز، وبمنزلة الرجل يستأجر الأجير يوما على أن يصيد له صيد البحر أو البر بشيء مسمى، فذلك له جائز، ما أصاب فهو له، وما لم يصب ليس عليه فيه غرم، وليس عليه إلا اجتهاده؛ لأنه إنما استأجره على أن يعمل ما يعمل الصائد من نصب، وإلقاء شبكة، أو نصب حبالة أو غيره مما يعرف، فهو كالصانع فلا بأس به.
قال محمد بن رشد: أما إذا استأجره على أن يعمل في المعدن بجزء مما يخرج منه على أن له نفقته، فالمكروه فيها بين، والفساد فيها ظاهر؛ لأن الغرر فيها موجود في جهة كل واحد منهما؛ لأن الأجير يعمل على شيء مجهول، لا يدري ما هو، ولا ما يحصل له فيه، والمستأجر ينفق على أن يأخذ في نفقته جزءا مما يخرج من المعدن، فكأنه باع نفقته بذلك، وهو غرر بين. فقول أصبغ: إنها إجارة فاسدة، يكون النيل للمستأجر، ويكون للأجير أجرة مثله إن فاتت الإجارة بالعمل صحيح، والاختلاف الذي ذكر أنه وقع فيها بعيد. وإنما الاختلاف المعلوم في ذلك إذا استأجره على
стр. 3998
العمل فيه بجزء مما يخرج منه على أن نفقته على نفسه، فقيل - وهو المشهور -: إنها إجارة فاسدة؛ لأن الأجير يعمل فيها على شيء مجهول لا يعلم قدره، وقد قال رسول الله ﷺ : «من استأجر أجيرا فليؤاجره بأجر معلوم إلى أجل معلوم» وقيل: إنها إجارة جائزة؛ لأن ما لا يجوز بيعه يجوز الاستئجار عليه بالجزء منه قياسا على المساقاة والقراض؛ لأن الثمرة لما لم يجز بيعها قبل بدو صلاحها، جازت فيها المساقاة، ولأن العين لما لم يجز فيه الكراء جاز فيه القراض، وهو قول ابن القاسم في أصل الأسدية، قال فيها: إن ما ظهر في أرض الصلح من المعادن، إن لهم أن يمنعوها الناس، ولهم أن يأذنوا لهم في عملها، ويكون لهم ما يصالحون الناس عليه من الخمس أو غير ذلك. وكذلك قال في كتاب ابن المواز: إن لهم أن يعاملوا الناس فيها بالثلث والربع، وأنكر محمد معاملتهم فيها بالثلث والربع، ووقف عنه، وبالله التوفيق.
[استأجر حصادين على أن يحصدوا له زرعا فذهبوا فحصدوا زرعا لغيره]
من سماع أبي زيد بن أبي الغمر
من عبد الرحمن بن القاسم
وسئل ابن القاسم عن رجل استأجر حصادين على أن يحصدوا له زرعا، فذهبوا فحصدوا زرعا لغيره، وهو قريب من زرعه. قال: إن كان الخطأ جاء من قِبل الأجراء، فإنه ينظر إلى صاحب ذلك الزرع، فإن كان له عبيد أو أجراء، ويريد أنه لا يحتاج إلى الإجارة في حصاد زرعه، لم يكن عليه شيء وبطل عملهم، وإن كان لا أجراء له ولا عبيد ولا يجد بدا من أن يستأجر على حصاد زرعه كان عليه قيمة ما حصدوا. وإن كان الخطأ جاء
стр. 3999
من قبل صاحب الزرع قال لهم: احصدوا لي هذا الزرع، وهو يظن أنه زرعه، وكان صاحب الزرع لا أجراء له ولا عبيد، ولا يجد بدا من أن يستأجر على حصاد زرعه، فإن عليه أن يدفع للذي استأجر الحصادين قيمة عمل الأجراء، ويكون للأجراء على الذي استأجرهم أجرتهم التي استأجرهم عليها.
قال محمد بن رشد: مثل هذا حكى ابن حبيب في الواضحة سواء. وقد قيل: إنهم لا شيء لهم عليه، وإن لم يكن له عبيد ولا أجراء؛ إذ لم يستأجرهم، وهو ظاهر قول ابن القاسم في أول مسألة من سماع يحيى، من كتاب البضائع والوكالات والخصام. وقال محمد بن جعفر: إنه إن كان له عبيد وأجراء، فله أن يستعملهم في مثل ما عملوا له، وهو قول له وجه، وبالله التوفيق.
[مسألة: استأجر أجراء يحرثون له أرضا فذهبوا يحرثون أرضا لغيره]
مسألة وسئل ابن القاسم عن رجل استأجر أجراء يحرثون له أرضا، فذهب الأجراء يحرثون أرضا إلى جنب أرضه وهم لا يعلمون، وإنما جاء الخطأ من قبل الأجراء، أترى على صاحب الأرض الذي حرثت له أرضه أجرة ما عملوا؟ قال: إن زرعها وانتفع بذلك الحرث كان ذلك عليه، وإن لم ينتفع به، وقال: لم أرد أن أزرعها، وإنما أردت أن أكريها، فلا أرى عليه شيئا.
قال محمد بن رشد: قال في هذه المسألة: إنه إن زرع الأرض وانتفع بحرثها كان عليه الأجرة للذي أخطأ في حرثها. ومعنى ذلك إذا لم يكن له بقر وعبيد وأجراء على ما قاله في المسألة التي قبلها، وقد مضى القول فيها. ومن الناس من حمل هذه المسألة على ظاهرها، فقال في المسألة ثلاثة أقوال؛ إيجاب الأجرة على كل حال، وسقوطها على كل
стр. 4000
حال، والفرق بين أن يكون له عبيد وأجراء، أو لا يكون، وبالله التوفيق.
[مسألة: استأجر بنّاء يبني له دارا فيذهب البنّاء فيجد البقعة قد استحقت]
مسألة وسئل ابن القاسم عن رجل استأجر بنّاء يبني له دارا بالريف بموضع معروف على صفة معروفة، فيذهب البنّاء إلى الريف، فيجد البقعة قد استحقت فيرجع. قال: أرى له إجارته ذاهبا، ولا أرى له شيئا في رجوعه.
قال محمد بن رشد: وكذلك من استأجر أجيرا أياما على عمل بعينه في غير الموضع الذي استأجره فيه، فله الأجرة في ذهابه؛ لأنه ذهب إلى عمله، ولا أجرة له في انصرافه؛ لأنه انصرف إلى غير عمله، حكى ذلك ابن حبيب عن ابن الماجشون، وحكى عن أصبغ: أنه لا شيء له إلا منذ يبلغ الموضع الذي فيه العمل. قال الفضل: ولو انصرف لمحاسبة بينه وبين المستأجر؛ لكانت له الأجرة في منصرفه، وهذا إذا لم يكن عند الناس في ذلك عرف، فإن كان فيه عندهم عرف وجب الحكم به، وبالله التوفيق.
تم كتاب الجعل والإجارة، والحمد لله حق حمده، والصلاة والسلام على سيدنا محمد نبيه وعبده، وعلى آله وصحبه وسلم.
يتلوه إن شاء الله كتاب كراء الدور والأرضين.
стр. 4001
[كتاب كراء الدور والأرضين] [: تكارى أرضا ثلاث سنين ليزرعها فزرع سنة أو سنتين]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
صلى الله على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما.
كتاب كراء الدور والأرضين
стр. 4002
من سماع ابن القاسم من مالك رواية سحنون
من كتاب القبلة
قال سحنون: أخبرني ابن القاسم، قال: سمعت مالكا يقول: من تكارى أرضا ثلاث سنين يزرعها فزرع سنة أو سنتين ثم استقال صاحبه فأقاله وفيها زرع لم يبلغ صلاحه، فأراد صاحب الأرض أن يقلع زرعه، قال: ليس ذلك له، ولكن يقر زرعه ويسقي من الماء ما يصلحه حتى يدرك ويحسب ذلك عليه من حساب الثلاث سنين وكرائها.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال إنه إذا استقال صاحبه فيما بقي من أمد اكترائه وفي الأرض زرع قد زرعه أن الإقالة إنما تقع على ما بقي من المدة بعد خروج الزرع الذي في الأرض؛ لأن الأرض قد فاتت في تلك المدة بالزرع الذي زرعه فيها.
ألا ترى أنه لو اكترى منه الأرض مسانهة
стр. 4003
أو مشاهرة كل سنة بكذا، أو كل شهر بكذا فزرع فيها لكان الكراء قد لزمهما جميعا إلى خروج الزرع، ليس لرب الأرض أن يقول للمكتري اقلع زرعك واخرج، ولا للمكتري أن يقلع زرعه ويخرج إذا أبى من ذلك رب الأرض، فكذلك إذا تقايلا فيما بقي من المدة وفي الأرض زرع، ليس لرب الأرض أن يقول للمكتري اقلع زرعك واخرج لأنك قد استقلت في الأرض، ولا للمكتري أيضا أن يقلع زرعه ويخرج إذا أبى من ذلك رب الأرض.
فإن وقعت الإقالة بينهما على ذلك بإفصاح جازت ولزمهما إلا أن يكون الزرع قد قارب أن يأخذ الحب فيمنعان من ذلك لمنفعة العامة، كما يمنع من بيع الفتى من البقر للذبح وما أشبه ذلك.
وإن اختلفا ولم يبلغ الزرع الحد الذي يمنعان من قلعه فقال أحدهما: إنما وقعت الإقالة بيننا من وقت الإقالة على قلع الزرع بإفصاح، وأنكر ذلك الآخر وادعى الإبهام، أو أن الإقالة إنما وقعت بينهما من بعد خروج الزرع، فالقول قول المنكر منهما مع يمينه.
وهذا إذا لم ينقد، وأما إن كان قد نقد فلا تجوز الإقالة في ذلك إلا على اختلاف سيأتي القول فيه في رسم الشريكين من هذا السماع، ورسم حمل صبيا من سماع عيسى.
وقوله: ويحسب ذلك عليه من حساب الثلاث سنين وكرائها، معناه: من حسابها على القيمة لا على عدد الشهور.
وهذا إذا كانت الأرض على السقي يعمل فيها الشتاء والصيف؛ لأن الكراء في ذلك مختلف. وكذلك قال في
стр. 4004
المدونة.
وأما إن كانت الأرض للزرع فانقضاء السنة رفع الزرع منها.
فإن تكاراها ثلاث سنين فاستقاله بغد أن زرع في أول سنة فالإقالة تقع في السنتين الباقيتين، وإن استقاله بعد أن زرع في السنة الثانية فالإقالة إنما تقع في السنة الثالثة.
وقال في المدونة: إن الكراء لا يقسم فيها على السواء وإنما يقسم على قدر النفاق والتشاح، وذلك بين إن كان الكراء نقدا أو مؤخرا كله؛ لأن ما يتعجل منفعته من الأرض أكثر كراء مما يتأخر منه.
وأما إن لم يكن الكراء نقدا ولا مؤخرا وكان الحكم فيه أن ينقده كراء كل سنة عند تمام الزرع فيها، فقال في كتاب ابن المواز: إنه ينقده في كل سنة ثلث الكراء إن كان الكراء لثلاثة أعوام خلاف ظاهر ما في المدونة أن الكراء يفض على قدر النفاق والتشاح، وهو الأظهر؛ لأن السنة الأولى تعجلت منفعتها وتعجل نقدها، وكل سنة بعدها تتأخر منفعتها بقدر تأخر النقد فيها، فوجب أن يقسم الكراء عليها بالسواء إذا حدث ما يوجب سقوطه من إقالة أو غرق أو عطش وما أشبه ذلك.
ووجه ما في المدونة أنه قد يكون ما تعجل عقده وقبضه ونقده أنفق مما تعجل عقده وتأخر قبضه ونقده، وهو صحيح إن كان ذلك عند الناس كذلك، وبالله التوفيق.
[: كراء الأرض من أرض الجزية والزيادة فيها]
ومن كتاب أوله حلف ألا يبيع رجلا سلعة سماها وسئل: عن الرجل يتكارى الأرض من أرض الجزية ويزداد
стр. 4005
في أرضها أشياء يكتمها، أتحب أن يشترى من قمحه؟ قال: إني لأكره ذلك وما يعجبني، وأكره هذه القطائع التي في أرض مصر التي أقطعها من أقطعها.
ولم ير أن يقطع لأحد فيها ولا أن يشترى من قمحها.
قال محمد بن رشد: أما أخذ المسلم من الذمي أرض الجزية بما عليها من الخراج يكتبه على نفسه فلا ينبغي ذلك ولا يحل، وقد سئل ابن عمر عن ذلك فقال: لا يحل لمسلم أن يكتب على نفسه الذلة والصغار، وروى عن النبي ﵇ أنه قال: «من خلع رقبة ذمي فجعلها في عنقه فقد استقال هجرته وولى الإسلام ظهره» وأما اكتراؤه إياها منه كراء صحيحا دون أن يأخذها بما عليها من الجزية فكره ذلك مالك لما فيه من معنى ذلك، ولقد قال: لا أحب لأحد أن يزرعها بعارية وأرى ذلك من باب حماية الذرائع، وأما كراهيته لشراء قمح الذي يكتري أرض الجزية ويزداد فيها ما ليس منها، فالمعنى فيه بين، وذلك أن الذي يكتم من الأرض ويزرعه مع أرض الجزية الذي اكتراه على أنه منها وهو يعلم أنه ليس منها في حكم المغصوب من الأرض.
стр. 4006
وقد قال جماعة من أهل العلم أن من غصب أرضا فزرعها لنفسه بطعامه أن الزرع لصاحب الأرض؛ لقول النبي ﵇: «ليس لعرق ظالم حق» فمن ذهب إلى هذا لم يحل عنده شراء ذلك الطعام منه؛ لأنه في حكم العين المغصوب، ومن لم ير للمغصوب منه الأرض إلا كراء أرضه يكره شراء ذلك الطعام منه حتى يصلح شأنه مع رب الأرض لمخالطة الحرام ماله ومراعاة لقول المخالف وهو قول مالك.
وأما كراهيته الإقطاع في أرض مصر فالمعنى في ذلك أنها افتتحت عنده عنوة، ومن مذهبه أنه لا يجوز الإقطاع في أرض العنوة، وهو قول ابن حبيب في باب زكاة المعادن من كتاب الزكاة، وإنما يجوز للإمام أن يقطع على مذهب مالك فيما جلى عنه أهله بغير قتال، وفي الفيافي البعيدة من العمران وحده، ما لم تنله أخفاف الإبل للمرعى.
وعند أبي حنيفة أن يصيح صائح في طرف العمران فلا يسمعه، وأما ما قرب من العمران من الموات، فقيل: إنه لمن أحياه، وقيل: ليس لأحد أن يحييه إلا بإذن الإمام، وهو قول مالك في المدونة، واختلف إن أحياه بغير إذنه على هذا القول، فقيل: يكون الإمام مخيرا بين أن يمضيه له أو يعطيه قيمته منقوضا ويخرجه منه، وقيل: إن له أن يمضي له مراعاة للاختلاف فيه وهو ظاهر المدونة،
стр. 4007
وقيل: إنه بين أهل القرى هم أحق به، وقد قيل في مصر: إنها افتتحت صلحا.
حكى ذلك الليث عن يزيد بن أبي حبيب، وعبيد الله بن أبي جعفر، يعني أن الصلح وقع على أن تكون الأرض للمسلمين كما فعل النبي ﵇ ببعض أرض أهل الحجاز، لا على أنها تركت لأهلها، فعلى هذا يجوز الإقطاع فيها.
وقد اختلف في سبب دخول الليث فيها.
فقيل بالاشتراء، وقيل بالاكتراء، وقيل بالإقطاع، وإنكار الليث أن تكون أخذت عنوة يدل على أن مذهبه في أرض العنوة أن تخمس وتقسم، وقيل: إنها افتتحت صلحا، ثم نقضوا فأخذها عمرو بن العاص عنوة.
ورأيت للخمي أن إقطاع أرض العنوة جائز على مذهب مالك وذلك خلاف هذه الرواية وبالله التوفيق.
[: كرى داره بدينار في السنة ثم أراد بعد ذلك أخذ دراهم]
ومن كتاب أوله سلف في المتاع والحيوان وسئل مالك: عمن أكرى داره بدينار في السنة ثم أراد بعد ذلك بشهر أو شهرين أن يأخذ دراهم فكره ذلك، وقال: لا يأخذ منه أكثر مما حل عليه، ولكن ينظر إلى قدر ما سكن من السنة، فيأخذ به دراهم جزءا، وما لم يسكن فلا يأخذ منه ورقا قبل أن يحل، ولكن إن حل فليأخذه أجزاء مقطعة.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قال إنه لا يجوز له أن يأخذ منه دراهم بأكثر مما حل له عليه من الدينار؛ لأنه إذا فعل ذلك كان قد باع ما لم يحل له من الذهب بدراهم معجلة، فدخله الصرف المتأخر، وأنه يجوز له أن يأخذ منه دراهم بالجزء الذي حل له عليه من الدينار، ويبقى له
стр. 4008
عليه ما بقي من الدينار.
فإذا حل أخذ به منه ما شاء ولا يجوز له أن يأخذ به منه قبل أن يحل إلا عرضا معجلا، أو مثل الذهب الذي له عليه في عينه ووزنه وطيبه، أو أفضل من ذلك، وبالله التوفيق.
[مسألة: رجلان في منزل ضاق بهما هل يخرج الآخر مقابل عوض]
مسألة وسئل مالك: عن رجلين كانا في منزل من منازل الإمارة فضاق بهما، فقال أحدهما لصاحبه: هل لك أن أعطيك كذا وكذا وتخرج عني؟ فقال مالك: لا أراه يحسن وكرهه؛ لأنه لا يدري متى يخرج منه، يعني بذلك أنه يعطي ولا يدري متى يخرج منه ليس إلى أجل، ثم قال: لو كان لك لم أر به بأسا. وأما منازل الإمارة فلا أراه لموضع الأجل.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قال؛ لأنه لا يدري كل واحد منهما متى يعزل عن الإمارة فيخرج عن الدار باشتراء المشتري ما لا يدري ما لا يدوم له وباع البائع ما كان لا يدري ما لا يدوم له، والذي يجوز لهما أن يفعلاه في ذلك إذا ضاقت عن سكناهما جميعا أن يكروها - قليلا قليلا ويقتسما الكراء أو يتقاومانها فيما بينهما كذلك لمدة قريبة العام والعامين ونحوهما على معنى ما في الوصايا الثاني من المدونة فإن انقضت قبل أن يخرجا منها تقاوماها ثانية، وإن أخرجا
стр. 4009
منها قبل انقضاء الأمد الذي تقاوماها إليه رجع الباقي في الدار بالمقاومة على الخارج عنها بما ينوب ما بقي من المدة، ويجوز أن يكرياها السنين الكثيرة ويتقاوماها السنين الكثيرة بغير نقد على معنى ما في رسم الأقضية الرابع من سماع أشهب من كتاب الصدقات والهبات، وبالله التوفيق.
[: الرجل يتكارى الدار وينقد كراءها فيسكن أشهرا ثم يبدو له الفسخ]
ومن كتاب أوله الشريكان لهما مال وسألت مالكا: عن الرجل يتكارى الدار وينقد كراءها فيسكن أشهرا ثم يبدو لهما أن يتفاسخا ويرد صاحب الدار على المكتري ما بقي له.
قال مالك: لا خير فيه.
قلت له: أليس يشبه الرجل يتكارى للحمولة ثم يحملها حتى إذا كان في بعض الطريق فأراه مثل الرجل يحج أو ما أشبه ذلك؟ فقال مالك: لا، هو مخالف.
وسئل ابن القاسم عما فرق بينهما، فقال: لأنه ليس يتهم أحد ممن يحمل مثل أن يدبر إبله أو يفلس أو يقع بينهم الشراء ويهلك الكري أو المتكاري فرخص في ذلك؛ لأنه ليس فيه تهمة، فلذلك أرخص فيه، قال: فأما ما لا عمل فيه فإنه إنما هو بمنزلة السلع المضمونة إلى الآجال فيصير بيعا وسلفا إلا ألا ينتقد فيها فلا بأس به.
قال محمد بن رشد: اختلف قول مالك وابن القاسم في استئجار الرجل بعينه وكراء الراحلة بعينها والدار والأرض وما أشبه ذلك، فمرة حمله محمل السلم الثابت في الذمة ومحمل الإجارة المضمونة من أجل أن
стр. 4010
المنافع تقتضي شيئا بعد شيء فهي غير معينة في أن الإقالة فيها لا تجوز، وإن لم يكن فيها بمجردها فساد إذا ظهر المكروه فيها بإضافتها إلى الصفقة الأولى؛ لأنه اتهمهما على القصد إلى ذلك والعمل عليه فمنع من ذلك حماية للذرائع، وهو قوله في هذه الرواية، ومرة حمله محمل العروض المعينات في أن الإقالة فيها جائزة إلا أن تنعقد بمجردها على ما لا يجوز.
وقع اختلاف قول مالك في ذلك في هذا الرسم من هذا السماع من كتاب الجعل والإجارة، واختلاف قول ابن القاسم فيه في رسم حمل صبيا من سماع عيسى بعد هذا من هذا الكتاب، وهذا الاختلاف إنما هو إذا تقايلا بغير سبب يرفع التهمة عنهما، وأما إذا وقعت الإقالة بينهما لسبب يعلم أنهما لم يقصدا في عقد الكراء إليه كالتفليس أو الموت أو الشراء أو دبر البعير أو ما أشبه ذلك مما يرفع التهمة عنهما، فالإقالة بينهما جائزة إذا سلمت في نفسها من الفساد، فلا فرق في شيء من ذلك كله بين كراء الدار والراحلة والأجير، وبالله التوفيق.
[: رجلان تكاريا أرضا ليزرعاها فبدا لأحدهما كراء حصته منها]
ومن كتاب اغتسل على غير نية
وقال في رجلين تكاريا أرضا ليزرعاها فبدا لأحدهما أن يكري حصته منها، قال: أرى شريكه أولى بها، وكذلك لو أن رجلين وهبت لهما ثمرة شجر عشر سنين حبسا عليهما، ثم أراد أحدهما أن يبيع حصته من ذلك بعدما تطيب، قال: أرى
стр. 4011
شريكه أولى بها ممن أراد شراءها بالذي بذلها به.
قال سحنون: قال مالك: لا شفعة في الأكرية، وقاله ابن القاسم.
قال محمد بن رشد: قول مالك أرى شريكه أولى بها في مسألة الكراء وفي مسألة الثمرة، يريد أولى بها من المشتري بالثمن الذي بذل فيها، لا أنه يأخذ الثمرة من المشتري بالشفعة بعد تمام الشراء والكراء من المكتري بالشفعة بعد تمام الكراء، فليس ما قاله مالك في مسألة الثمرة والكراء بخلاف لما حكى سحنون عن مالك وابن القاسم من أنه لا شفعة في الأكرية؛ لأنهما مسألتان.
فالمسألة الأولى: وهي أن الشريك أولى بالثمرة وبالكراء بما بذل المشتري والمكتري فيها من الثمن والكراء لا خلاف فيها، وكذلك يجب في كل شيء مشترك لا شفعة فيه، ومثله قول مالك في الذي تكون تحته الأمة لقوم فتلد منه فيبيعونها وولدها أنه أحق بها بما يعطى فيها، وقد مضى القول في ذلك في رسم نقدها من سماع عيسى من كتاب النكاح.
والمسألة الثانية: وهي هل تكون له الشفعة في الكراء بعد تمامه وفي الثمرة بعد الشراء أم لا؟ فيها اختلاف، اختلف في ذلك قول مالك، وقع اختلاف قوله في الثمرة في المدونة وفي الكراء في الواضحة، وأخذ بوجوب الشفعة في ذلك ابن الماجشون وابن عبد الحكم، وبأن لا شفعة في ذلك ابن القاسم ومطرف وأصبغ، وبه أخذ ابن حبيب، وكذلك اختلف قول مالك أيضا في الشفعة في الكتابة والدين يباعان، هل يكون للمكاتب والذي عليه الدين الشفعة في ذلك أم لا؟ فقال مرة: إن لهما الشفعة في ذلك، وأخذ به مطرف وابن الماجشون وابن وهب، وأشهب
стр. 4012
وأصبغ وابن عبد الحكم، وإليه ذهب ابن حبيب، وحكى في ذلك حديثا من مراسيل سعيد بن المسيب أن رسول الله ﷺ قال: «الشفعة في الكتابة والدين» ، وحكي عن مالك من رواية ابن القاسم عنه: أنه استحسن الشفعة في ذلك، ولم ير القضاء بها، وبالله التوفيق.
[مسألة: تكارى أرضا فنبت الزرع فيها ثم جاء سيل فذهب به]
مسألة وقال مالك في رجل تكارى أرضا فزرعها فنبت الزرع فيها، ثم جاء سيل فذهب به، قال: لا أرى للمتكاري أن يرجع إلى صاحب الأرض يأخذ منه كراءه، وإنما ذلك بمنزلة الزرع تصيبه الجائحة.
قال محمد بن رشد: إنما هذا إذا ذهب به السيل بعد إبان الحرث أو في إبان الحرث فانكشف السيل عن الأرض في وقت يمكنه فيه إعادة الزرع، وأما لو ذهب به في إبان الحرث فلم ينكشف السيل عنها حتى فاته أن يعيد زرعه لكان له أن يرجع بكرائه على صاحب الأرض على معنى ما في المدونة.
وبالله التوفيق.
[كراء الدار التي فيها خراب مدة سنين مع اشتراط إعمارها]
ومن كتاب البز وسئل مالك: عن رجل أكرى من رجل دارا له وفيها خراب وأكراها إياه سنين فاشترط المتكاري على صاحب الدار مواضع أراها إياه يعمرها من كرائها، فلما وجب ذلك بينهما ندم صاحب الدار، وقال للذي تكارى: قد بدا لي، لا أريد أن أعمر شيئا، فإن بدا لك أن تسكن بغير عمران فاسكن.
قال مالك: أليس قد أراه
стр. 4013
ذلك؟ قال: بلى، قال مالك: فإن ذلك لازم له في الكراء، وهو جائز.
قال محمد بن رشد: هذا صحيح على معنى ما في المدونة من أنه يجوز أن يكتري الرجل الدار بعشرين دينارا على أنها إن احتاجت إلى مرمة رمها من العشرين دينارا، زاد في النوادر في هذه المسألة، قال محمد: إذا عرف البناء؛ لأن البناء ليس كالمرمة، يريد محمد: أن ذلك لا يجوز إلا أن يصف البناء الذي يبني به تلك المواضع ويعمرها به من الكراء بخلاف المرمة، والذي أقول به أن ذلك جائز وإن لم يصف البناء كالمرمة، سواء من أجل أن المكتري كالوكيل له على ذلك، فإذا بنى تلك المواضع وعمرها بالبناء على الهيئة التي تشبه أن تبنى عليها لزمه، كمن وكل رجلا أن يشتري له ثوبا أو جارية فاشترى له ما يشبه أن يشتري له من ذلك لزمه، ولو وصف البنيان لكان أتم وأحسن، وقد مضى هذا المعنى في رسم العرية من سماع عيسى من كتاب الجعل والإجارة، وبالله التوفيق.
[مسألة: كراء العرصة الخربة على أن ينفق عليها]
مسألة وسئل مالك: عن رجل تكارى عرصة خربة على أن ينفق عليها ويكون كراؤها كذا وكذا، قال مالك: أرى أن يسمى ما ينفق فيها ويقاصه بذلك في كراء ما تكارى به من السنين، فقيل له: أفيجعل كراءها دراهم؟ قال: بل أجزاء يجعل نفقته عشرة دنانير وكراءه إياها عشرين سنة في كل سنة نصف دينار، أو أقل من ذلك أو أكثر من السنين والأجزاء، فعلى هذا يتكارى المتكاري ويكري صاحب الدار.
стр. 4014
قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة بينة في المعنى؛ لأن مآلها إن أكراه العرصة عشر سنين سنة بعشرة دنانير على أن يبني بها العرصة لربها، إذا شرط أن يقاصه بالنفقة في الكراء، ولو لم يشترط أن يقاصه بالنفقة في الكراء لم يجز؛ لأنه إذا لم يكن الكراء بالنقد لم يوجب الحكم المقاصة به، ووجب أن يتبعه بنفقته سلفا حالا عليه ويؤدي إليه الكراء بقدر ما سكن شيئا بعد شيء على ما يوجبه الحكم في ذلك.
قال ابن المواز: وهذا إذا كان البناء لرب العرصة ويسمى ما بنى به وكان ذلك من الكراء لا يزيد عليه، وشرط ابن المواز أن يكون ذلك من الكراء لا يزيد عليه صحيح مثل ما في المدونة (لأنه إن شرط أن ينفق في العرصة أكثر من كرائها كان الزائد على الكراء سلفا منه لرب العرصة، فدخله كراء وسلف.
قال ابن المواز: وأما إن كان البناء للمكتري فلا يحتاج إلى تسمية ما يبنى، ولا ما ينفق، ولا أحب شرطه في أصل الكراء إلا) أنه إن بنى فمتى ما خرج فلرب العرصة أن يعطيه قيمته مقلوعا أو يأمره بقلعه.
وقول ابن المواز إن البناء إذا كان للمكتري فلا أحب اشتراطه في أصل الكراء صحيح بين؛ لأنه إذا اشترط ذلك عليه فقد وقع الكراء على أن يأخذ المكري من المكتري بنيانه بقيمته مقلوعا عند انقضاء أمد الكراء، وذلك غرر لا يجوز، وإنما لم ير في الرواية أن يجعل كراءها دراهم إذا كان ينفق فيها دنانير ويقاصه بها في الكراء لأنه يدخله عدم المناجزة في الصرف، إذ لا يحل الكراء عليه إلا بالسكنى شيئا بعد شيء، ولو قال:
стр. 4015
أكتري منك العرصة لعشرين سنة بعشرة دنانير نصف مثقال لكل سنة على أن أنفق فيها مائة درهم من مالي تكون مقاصة بالكراء، أو قال: أكتري منك العرصة بمائة درهم لعشرين سنة على أن أنفق فيها عشرة دنانير تكون مقاصة بالكراء لجاز ذلك، وإن سمج القول؛ لأن الأمر يئول فيه إلى صحة الفعل، وهو كراء العرصة عشرين عاما بالعدد الذي سمى أنه ينفق فيها، وبالله التوفيق.
[: العبد يستأجره الرجل شهر بعشرة وشهر بخمسة]
ومن كتاب سن رسول الله ﷺ وسئل مالك: عن العبد يستأجره الرجل هذا الشهر بعشرة دراهم وهذا الشهر بعده بخمسة دراهم، قال مالك: إن كان ذلك شيئا واحدا فلا بأس به، كأنه كل شهر بسبعة دراهم ونصف، وإن كان أراد أن يجعل هذا الشهر بعشرة دراهم إن أصاب العبد أمر حاسبه على ذلك ويرد عليه خمسة بحسابه فلا خير فيه إن ثبت هذا الأول بعشرة والآخر بخمسة حتى يكونا جميعا في كراء واحد، ويكون الكراء كله على الشهرين نصفين.
قال ابن القاسم: وهذا من وجه بيعتين في بيعة؛ لأن العبد لو هلك في الشهر الأول غبن الكري المستكري، فإن هلك في الشهر الآخر غبن المستكري الكري، فهذا خطر لا يصلح، قال ابن القاسم: وكذلك الأرضون والدور والدواب وكل ما يتكارى.
стр. 4016
قال محمد بن رشد: أما إذا سمى لأحد الشهرين اللذين جمعتهما الصفقة أقل مما ينوبه من الإجارة أو الكراء وللثاني أكثر مما ينوبه من ذلك أو لأحد الثوبين اللذين اشتراهما صفقة واحدة أقل مما ينوبه من جملة الثمن وللآخر أكثر مما ينوبه منه على أنه متى وقع استحقاق في أحدهما أو ما يوجب الرجوع بمنابه من الثمن رجع بما سمى له من الثمن فلا اختلاف في أن البيع فاسد، وأما إن وقع البيع بينهما بالتسمية على أنه إن وقع استحقاق في أحدهما أو بما يوجب الرجوع بمنابه من الثمن إذا فض على قيمتهما لا بما سمى له منه، فلا اختلاف في أن البيع جائز.
واختلف إذا عري الأمر من بيان، فقيل: إن التسمية لغو والبيع صحيح، وإن وقع استحقاق في أحدهما فض الثمن عليهما ورجع بما ينوبه، ولم يلتفت إلى التسمية، وهو مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك في المدونة، وقول سحنون وأصبغ، وقيل: إن التسمية مراعاة والبيع فاسد إن كان سمى لأحدهما أقل مما ينوبه من جملة الثمن وللآخر أكثر مما ينوبه منه، وهو أحد قولي مالك في رواية ابن القاسم عنه في رسم باع غلاما من هذا الكتاب في بعض الروايات، وقال: سئل: عمن تكارى دارا سنتين فتكارها هذه السنة بستة وهذه بأربعة وكراؤه مختلف في السنتين، قال: الكراء فاسد وقد سكن سنة.
قال: يرد الكراء ويكون لصاحب الدار قيمة سكناه في تلك السنة وأراه فاسدا.
قال سحنون: الكراء جائز لا بأس به، ووقع الاختلاف في ذلك أيضا في الدمياطية، قال: وسئل ابن القاسم عن
стр. 4017
قول مالك في الرجل يتكارى الدار أو الحمام أو العبد شهرين في صفقة واحدة بكراءين مختلفين شهرا بعشرة وشهرا بعشرين، لم كرهه مالك وقد بيع الرجل الثوبين صفقة واحدة، والعبدين والدارين بثمنين مخلفين؟ قال: إنما كره مالك من ذلك ما كان بيعتين في بيعة، وذلك أن يكون الكراء في الشهرين متقاربا، فلما أراد أن يجمعهما بسعر واحد خاف المكتري أن يجيء فيما اكترى دعوى تخرجه من يده في بعض أجل الكراء فخاطره بأن يجعل كراء هذا الشهر الأول بعشرة، وكراؤه المعروف بخمسة عشر، فإن سكن الدار شهرا فاستحقت فأخرج أو أصابها هدم أو حريق كان كراء الشهر الماضي بعشرة، وسقط عنه الشهر الثاني عشرون، ولو جمعهما كان من الكراء عليه خمسة عشر، وعسى أن يحدث في الدار أو الحمام في الشهر الأول ما يمنعه منه ثم ينتفع به الشهر الثاني فيغرم له عشرين فيكون قد حمل عليه خمسة دنانير فوق كراء ذلك الشهر للمخاطرة التي أدخلا، فلهذا نهى عنه مالك ورآه من بيعتين في بيعة.
قيل: ويدخل مثل هذا في بيع الثوبين والدارين؟ قال: نعم، انظر أبدا إلى كل ما جمع في البيوع فأضيف بعضه إلى بعض في الصفقة واختلف فيه الأثمان، فإن كان ما وضع على كل صنف ما يرى أنه ثمنه أو كراؤه لو أفرد دون صاحبه فلا بأس به، وإن جمعته الصفقة فليس يدخله بيعتان في بيعة، وإن رأيت أنه قد وضع على أحدهما مالا يسوى وخفف عن الآخر حتى يأتي من ذلك أمر
стр. 4018
بين يدل على أنهما أرادا الخطار على مثل ما وصفت لك من أمر الكراء فلا خير فيه، وهو من بيعتين في بيعة.
قال الوليد: وسألت أصبغ عن بيع الدارين والثوبين، فقال: لا بأس بالبيع فيهما على حال صفقة واحدة سمى لهما ثمنا أو لم يسمه، كان الثمن يشبه ما سمى لكل واحد منهما أو أقل منهما أو أكثر فهو سواء، والبيع جائز، وإن وجد عيبا فض الثمن على قيمتهما، ولم يلتفت إلى التسمية على حال، وليس تفسد التسمية في هذا ولا يلتفت إليها؛ لأنه يرجع إلى أن يفض وليس في هذا عندنا اختلاف.
هذا نص ما وقع في الدمياطية، وهو يبين موضع الاختلاف في المسألة على ما ذكرناه، وبالله التوفيق.
[مسألة: رجل كان يسكن منزلا فأنفق فيه مالا ثم أرادوا إخراجه]
مسألة وسئل مالك: عن رجل كان يسكن منزل رجل فأنفق فيه مائتي درهم ثم أرادوا أن يخرجوه فلم يكن عند صاحب المنزل الدراهم، فقال رجل: أنا أقضي عنك فأعطاه فيها ثلاثة عشر دينارا، ثم قال له بعد ذلك أنا آخذ منك هذا المنزل بدرهمين كل شهر حتى ينفد مالي عليك، قال مالك: لا خير في هذا الكراء، وأرى أن يفسخ وأرى أن يكون له على صاحب البيت ثلاثة عشر دنانير ويقوم كراء مسكنه فيما سكن ثم يدفع إلى صاحب المنزل.
قال محمد بن رشد: قوله إنه كراء لا خير فيه يفسخ بين؛ لأنه فسخ دين في دين، فسخ ما له عليه من الذهب التي أدى عنه في سكنى
стр. 4019
منزل لا ينتجز قبضه، وذلك جائز على مذهب أشهب الذي يرى أن قبض الشيء المكترى ليستوفي فيه الكراء قبض لجميع الكراء، فيجيز لمن له على رجل دين أن يأخذ منه به عبدا يخدمه إلى أجل ما، أو دابة يركبها إلى أجل ما.
وقد اختلف قول مالك في هذا الأصل وقع اختلاف قوله في رسم حلف من سماع ابن القاسم من كتاب الرواحل والدواب، وسيأتي القول على ذلك هنالك إن شاء الله.
وأما قوله إذا فسخ الكراء إنه يكون له على صاحب البيت ثلاثة عشر دينارا فهو كما قال، إن كان دفع عنه الدنانير بأمره، وأما إن كان أمره أن يقضي عنه المائتي درهم فأعطاه فيها ثلاثة عشر دينارا، فقيل: إن ذلك لا يجوز، ويفسخ القضاء ويرجع بما دفع، ويبقى الدين على صاحب المنزل كما كان، وقيل: إن ذلك جائز، ويرجع بالأقل من ذلك يكون الآمر مخيرا بين أن يدفع إليه ما دفع، أو ما أمره بدفعه، وقد مضى تحصيل القول في هذا المعنى في أول مسألة من سماع ابن القاسم من كتاب الصرف.
وأما قوله إنه يكون عليه كراء المسكن لصاحب المنزل على ما يقوم به فهو بين لا إشكال فيه؛ لأنه سكنه على كراء فاسد فيكون عليه فيه القيمة.
[: كراء الأرض بالحنطة ليزرعها قمحا]
ومن كتاب أوله نذر سنة يصومها وسئل مالك: عن الرجل يتكارى الأرض بالحنطة فيزرعها، فيزرعها قمحا، أترى أن يشتري منه ذلك القمح؟ قال: تركه أحب إلي.
قال محمد بن رشد: إنما كره مالك أن يشتري منه ذلك القمح؛ لأن مكتري الأرض بالحنطة كأنه مشتر للقمح الذي رفع من الأرض بالحنطة
стр. 4020
التي دفع إذ عرضه في اكتراء الأرض ما يخرج له منها فوجب على قياس هذا أن يكون القمح لرب الأرضين، والصحيح على الأصول أن يكون القمح للمكتري ويكون عليه قيمة كراء الأرض ذهبا أو ورقا ويرجع بحنطته بشراء القمح منه على هذا جائز، وإنما كره مالك شراءه منه تورعا للمعنى الذي ذكرناه، وبالله التوفيق.
[مسألة: كراء الدار سنة بعشرة واشتراط المحاسبه بما سكن إن لم يكمل المدة]
مسألة وسئل مالك: عن الرجل يتكارى الدار سنة بعشرة دنانير ويشترط على صاحبها إن بدا له أن يخرج قبل السنة حاسبه بما سكن، إلا أنه يشترط عليه سنة، قال: لا بأس بذلك إذا لم ينقد في كرائه، فإذا نقد فلا خير فيه، قال: وكذلك الرجل يتكارى سنين، ويقول: متى ما بدا لي أن أخرج خرجت فيقيم سنتين أو ثلاثا. قلت له: أفتراه مثله؟ فقال: نعم، قال: وكذلك الدواب.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قال؛ لأنه كراء بخيار، فلا يجوز إذا نقد؛ لأنه إن خرج قبل انقضاء الأمد رد عليه كراء ما بقي من الأمد، فدخله كراء وسلف، ويجوز إذا لم ينقد، وهو قول ابن القاسم في سماع أبي زيد، وقول ابن القاسم وروايته عن مالك في أول كتاب الجعل والإجارة من المدونة، وقول مالك في رسم الشجرة، ورسم باع غلاما من سماع ابن القاسم من كتاب كراء الرواحل والدواب، قياسا
стр. 4021
على البيع الذي يجوز أن يكون أحد المتبايعين فيه بالخيار.
وقال سحنون: لا يجوز؛ لأنه كراء إلى أجل مجهول، وقول ابن القاسم وروايته عن مالك أظهر؛ لأنه بمنزلة أن يقول الرجل للرجل قد بعتك من صبرتي هذه ما شئت، كل قفيز بدرهم، وبالله التوفيق.
[: كراء البئر لسقي الزرع حتى حصاده فتهورت بعد السقي]
من سماع أشهب وابن نافع من مالك رواية سحنون من كتاب الأقضية الأول قال سحنون: أخبرني أشهب وابن نافع، قالا: سألنا مالكا عمن أكرى بيره رجلا سنة يسقي بها زرعه، أو أكراه إياها حتى يحصد زرعه، فتهورت بيره بعدما يسقي، فقال: يكون له من الكراء بقدر ما سقى من السنة أو من الأيام التي يحصد فيها زرعه، مثل العبد يؤاجره شهرا فيعمل بعضه ثم يموت، فكذلك بير الزرع إذا سقى به بعض السنة ثم تهور البير أخذ مما آجره به إياها بقدر ما سقى من السنة إن كان انتفع بما سقى من زرعه استكراها صيفة وشتاء، فسقى صيفة وحصد زرعه ثم هارت البير فله كراء الصيفة بحسب ما أكراه من الصيفة والشتاء؛ وإن كان سقى زرعه ثم هارت البير ولم يحصد شيئا من زرعه، ولم ينتفع به فمات الزرع لم يكن له
стр. 4022
عليه فيما سقى شيء، ورد عليه الكراء كله؛ لأنه لم ينتفع به، وأما إذا انتفع بمائه وسقى عليه وحصد ثم هارت البير فإنه يأخذ منه من الكراء بحسب ما آجره السنة بعشرة دنانير فسقى ستة أشهر ثم هارت البير فإنه يرد عليه نصف كرائه ويأخذ كراءه على ما أحب أو كره، ليس عليه أن يرد إلا ذلك قط.
وعمارة البير شديدة، وربما أنفق عليها المال الكثير والعين كذلك، فإن قال الذي كان له الزرع هات العشرة دنانير من كراء البير أعمر بها البير فذلك له، فإن زاد من عنده عشرين دينارا فليس له على صاحب البير من ذلك شيء.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة حسنة جيدة صحيحة على معنى ما في المدونة وغيرها؛ لأن الحكم في تهور البير المكتراة لسقي الزرع كالحكم في تهور البير في الأرض المكتراة للزرع في أن جميع الكراء يبطل، وإن سقى بعض السنة إذا بطل الزرع ولم ينتفع بما سقى، وفي أن له أن ينفق في إصلاح البير كراء سنة واحدة؛ لأنه يحيي بذلك زرعه ولا ضرر فيه على رب البير أو الأرض، وفي أنه إن سقى بعض السنة فانتفع بما سقى كان عليه من الكراء بحساب ذلك.
وقوله فإن زاد من عنده عشرين دينارا فليس له على رب البير من ذلك شيء، يريد: إلا أن يكون له فيه نقض قائم من حجر أو آجر وشبهه فله قيمته مقلوعا، إلا أن يخلي بينه وبين قلعه، وبالله التوفيق.
стр. 4023
[: تهور البئر المؤجرة قبل انقضاء المدة ورفض صاحب الأرض تعميرها]
ومن كتاب الأقضية قال: وسألته عمن تكارى أرضا ونقد كراءها فزرع في الأرض فبلغ الزرع حتى سنبل ثم تهور البير فأبى صاحب الأرض أن يعمرها، فقال لي: إن شاء المتكاري أخذ منه كراء سنة واحدة مما دفع إليه فعمر به البير وليس له أن يأخذ كراء السنين كلها، ليس له أن يأخذ إلا كراء سنة، فإن كره ذلك ترك الزرع يبطل وأخذ كراءه كله، ولم يكن لصاحب الأرض شيء.
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما في المدونة أن البير إذا تهورت بعد أن يزرع المكتري فأبى رب الأرض من إصلاح البير كان من حق المكتري أن ينفق فيها كراء تلك السنة وحدها، وإن كان قد نقده فيؤخذ من رب الأرض وينفق في إصلاح البير، وإن كان قد استهلكه ولم يوجد له مال، كان للمكتري أن ينفقه عنه، ويكون له سلفا عليه، وإن لم يكن في كراء السنة ما يقوم بإصلاح البير، وأراد المكتري أن يزيد فهو متطوع بالزيادة، لا شيء له فيها إلا أن يكون فيما أخرج من ذلك شيء قائم فيكون له أن يأخذه إلا أن يعطيه رب الأرض قيمته مقلوعا، وإن انهارت البير قبل أن يزرع وأبى رب الأرض من إصلاح البير انفسخ الكراء ولم يكن للمكتري أن ينفق من كراء الأرض في البير شيئا، فإن أنفق فهو متطوع فيما أنفق يكون لرب الأرض كراؤه كاملا للسنين كلها التي كان الكراء إليها أو لما كفى الماء الذي عاد في البير بنفقة المكتري فيها منها، أعني من السنين المكتراة ولا شيء له فيما أنفق إلا في نقض قائم
стр. 4024
من حجر أو آجر أو شبه ذلك، فيكون له أن يأخذه إلا أن يعطيه رب البير والأرض قيمة ذلك مقلوعا، هذا معنى ما في كتاب ابن المواز والمدونة وغيرهما والذي يأتي على أصولهم، وبالله التوفيق.
[: بناء المؤجر الدار التي تهدمت قبل انقضاء المدة بما عليه من الكراء]
من سماع عيسى بن دينار من ابن القاسم من كتاب العرية قال عيسى بن دينار: سئل ابن القاسم: عن الرجل يكتري داره من الرجل سنة فلم يقم فيها إلا شهرين حتى تهدمت فقام الذي تكارها فبناها بما عليه من الكراء وصاحب الدار غائب فلما سكن السنة جاءه صاحب الدار يطلب منه الكراء، وادعى الآخر أنه بناها ما ترى فيها؟ قال ابن القاسم: يكون لصاحب الدار من الكراء بقدر ما سكن المتكاري قبل أن تهدم، ويكون له كراء العرصة فيما بعد الهدم وليس للمتكاري إلا نقض بنيانه إلا أن يعطى قيمته نقضا.
فإن كان ليس فيه نقض ينتفع به مثل الجص والتزويق والتراب، فليس له فيه شيء، وكل نقض لا ينتفع به إذا قلع مثل الجص والتزويق والتراب فلا شيء فيه.
قال محمد بن رشد: الذي يأتي على أصولهم في الدار المكتراة ينهدم منها ما يذهب أكثر منافعها أو منفعة البيت الذي هو وجهها أو يكشفها بانهدام حائطها وما أشبه ذلك أن المكتري يكون في ذلك مخيرا بين
стр. 4025
أن يسكن بجميع الكراء أو يخرج، فإن أراد أن يسكن على أن يحط عنه ما ينوب ما انهدم من الكراء لم يكن ذلك له إلا أن يرضى بذلك رب الدار فإن رضي بذلك رب الدار جرى جوازه على الاختلاف في جمع الرجلين سلعتهما في البيع، وإن بنى المكري الدار قبل أن يخرج المكتري منها لزمه الكراء ولم يكن له أن يخرج، وإن بناها بعد أن خرج لم يكن عليه الرجوع إليها إلا أن يشاء، وإن سكت وسكن الدار مهدومة لزمه جميع الكراء.
هذا الذي يأتي على مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك في المدونة.
فقوله في هذه الرواية إنه يكون لصاحب الدار كراء العرصة فيما بعد الهدم خلاف مذهبه في المدونة.
وأما قوله وليس للمتكاري إلا نقض بنيانه إلى آخر قوله فهو صحيح على مذهبه.
والهدم في الدار المكتراة ينقسم على قسمين: أحدهما: أن يكون يسيرا، والثاني: أن يكون كثيرا، واليسير على ثلاثة أقسام: يسير لا مضرة فيه على الساكن ولا ينقص من كراء الدار شيئا، ويسير لا مضرة فيه على الساكن، إلا أنه ينقص من قيمة كراء الدار، ويسير فيه مضرة على الساكن إلا أنه لا يبطل من منافع الدار شيئا.
والكثير على ثلاثة أقسام أيضا: كثير يعيب السكنى وينقص من قيمة الكراء، ولا يبطل من المنافع شيئا، وكثير يبطل اليسير من منافع الدار كالبيت ينهدم منها وهي ذات بيوت، وكثير يذهب أكثر منافعها أو منفعة البيت الذي هو وجهها أو يكشفها بانهدام حائطها، أو ما أشبه ذلك، وقد ذكرنا حكم هذا الوجه، وأما حكم سائر الأقسام فلها موضع غير هذا تذكر فيه، وبالله التوفيق.
стр. 4026
[: كراء منازل فيها علو ليس له سلم]
ومن كتاب يوصي لمكاتبه بوضع نجم من نجومه وسئل: عن رجل اكترى منازل سنة، وفي المنازل علو ليس له سلم، فقال لصاحب المنازل اجعل للعلي سلما فإنا لا نخلص إليه فتوانى فيه فلم يجعل له سلما ولم ينتفع به المتكاري حتى انقضت السنة، قال: ينظر إلى ما يصيب ذلك العلو من الكراء، فيطرح عن المتكاري.
قال محمد بن رشد: إنما قال إنه إذا لم يجعل المكري للمكتري سلما يخلص به إلى الانتفاع بالعلو حتى انقضت السنة أنه لا كراء عليه فيه؛ لأنه باع منه جميع منافع الدار، فعليه أن يسلمها إليه، وإسلامه للعلو هو بأن يجعل له سلما يرقى عليه، والكراء في هذا بخلاف الشراء، لو باع منه الدار، وفيها علو لا يرتقى إليه إلا بسلم لم يكن عليه أن يجعل له سلما يرتقي عليه، كما لا يلزمه أن يجعل له دلوا وحبلا يصل به إلى ماء البير؛ لأن ما باع منه قد أسلمه إليه فهو إن شاء أسكنه وإن شاء هدمه وإن شاء باعه وفعل به ما يفعله ذو الملك في ملكه، لا يمنعه من التصرف فيه بما شاء من هذه الوجوه كونها دون سلم.
وقد ذهب ابن العطار في وثائقه قياسا على هذه المسألة إلى أن من باع دارا لها علو وفيها سلم ينقل من موضع إلى موضع أنه للمشتري وإن لم يشترطه، وليس قوله بصحيح، بل لا يكون للمشتري إلا أن يكون سلما من خشب في هيئة الدرج متخذا لذلك العلو، ولو صح قياس الشراء على الكراء لوجب أن يكون على البائع أن يأتيه بسلم للعلو من الدار وإن لم يكن في الدار سلم يوم البيع، وهذا ما لم يقله ابن العطار، فما أصاب في قوله ولا في قياسه، ولا يلزم في الكراء أن يأتيه بدلو وحبل لاستقاء الماء من البير، كما يلزمه أن يأتيه بسلم
стр. 4027
يرقى عليه إلى علية الدار.
فالفرق بين الموضعين أنه باع منه منافع العلية ولم يبع منه ماء البير، وإنما أكرى منه دارا فيها بير لها ماء ينتفع بما شاء منه إن شاء، وذهب ابن العطار أيضا إلى أن من باع دارا وفيها مطاحن مبنية يكون للمبتاع السريد والحجر الأسفل وللبائع الحجر الأعلى قياسا على ما قاله بعض الشيوخ أن معنى قوله في المدونة: لا شفعة في الأرحى، إنما يعني بذلك الحجر الأعلى، وأما الحجر الأسفل ففيه الشفعة؛ لأنه من البناء كقدر الحمام، وهي تفرقة لا وجه لها، إذ لا ينتفع بأحد الحجرين دون الآخر، فعلى ما في المدونة لا شفعة فيهما، وعلى رواية عيسى عن ابن القاسم في رقيق الحائط فيهما الشفعة، وأما المطاحن المبنية في الدار المبيعة فالصواب أنها للبائع، ولا يعتبر بكونها مبنية في الدار إذ ليست من بناء الدار ولا من أنقاضه، وإنما هي عروض للبائع لا يستحقها المبتاع بكونها منصوبة في الدار التي ابتاع، وبالله التوفيق.
[مسألة: كراء الدار سنة واختلاف المتكاريين في دفع الأجرة]
مسألة قال ابن القاسم: قال مالك: إذا تكارى الرجل الدار سنة بعينها فسكن سنة ثم جاء صاحب الدار عند انسلاخ السنة يطلب منه الكراء، فقال: قد قبضته مني، لم يقبل قوله عليه، وعليه كراء تلك السنة، إلا أن يأتي منه ببراءة إذا قام عليه بحدثان ذلك، وإن طال ذلك بعد انسلاخ السنة ثم جاءه بعد ذلك يطلب منه كراء السنة، فقال: قد دفعته إليه، كان القول قوله، ولم يكن لصاحب
стр. 4028
الدار عليه إلا يمينه بالله لقد قضى إليه دنانيره، فلا يبالي خرج من الدار أو كان فيها إذا طال ذلك، القول قوله مع يمينه ويبرأ، ولو كان أكراه السنة بعينها فسكن بعد ذلك تسع سنين وصاحب الدار ينظر إليه لم يواجبه على كراء، ثم جاء بعد عشر سنين يطلب كراء السنة الأولى وكراء التسع سنين التي كانت بعد السنة فلا شيء له في كراء السنة الأولى، إذا قال قد دفعته، وله قيمة كراء التسع سنين إذا قام بحدثان انسلاخها إلا أن يأتي الساكن ببراءة تبرئه من الكراء، وإلا لم يقبل قوله.
وإن خرج من الدار وطال ذلك ثم جاء يطلب الكراء فلا شيء له لا كراء السنة، ولا كراء التسع سنين، إذا زعم أنه قد دفع ذلك ويحلف ويبرأ، فإذا قام يطلب ذلك بحدثان ذلك، فله كراء التسع سنين وإن كان قد خرج من الدار، وإذا سكن الدار عشر سنين، وكان صاحب الدار يجدد عليه الكراء كل سنة ويشهد عليه ثم جاء بعد ذلك يطلب كراء تلك العشر سنين كلها فلا شيء له إذا زعم أنه قد دفع ذلك إليه إلا كراء السنة الأخيرة إن كان قام بحدثان ذلك، وإن كان قد خرج وطال ذلك ثم قام يطلب فلا كراء له فيما مضى ولا في السنة الأخيرة.
وإنما يكون له كراء السنة الأخيرة إذا قام بحدثان انسلاخها، وأما إذا طال ذلك فلا
стр. 4029
شيء له، وتجديد كراء السنة بعد السنة براءة من التي قبلها مع يمين الساكن.
وأما إذا أكراها عشر سنين مسجلة فلما انسلخت جاء يطلب الكراء فإنه إن جاء يطلبه بحدثان انسلاخ العشر سنين فله الكراء إلا أن يأتي الساكن منه ببراءة تبرئه، فإن قام يطلب ذلك بعد طول زمان، فالقول قول الساكن مع يمينه ويبرأ.
قلت: فلو استكرى منه سنة، فلما سكن ستة أشهر جاءه يطلب الكراء، فقال: قد دفعت إليك جميع كراء السنة، أيكون القول قوله أم ماذا العمل فيه؟ ولأي شيء جعلت القول قول رب الدار إذا قام يطلب ذلك بحدثات السكنى؛ قال: لا يقبل قوله في السنة ولا بحدثان ذهابها، وكذلك قال مالك؛ لأنه أمر ليس فيه فوت.
قال محمد بن رشد: مراعاة العرف في دعوى المتكاري دفع الكراء أصل متفق عليه في المذهب لا اختلاف فيه عند مالك وأصحابه، فجوابه في هذه الرواية على أن العرف كان عندهم أن من اكترى دارا سنة بكذا، أو كل سنة بكذا، ولم يقل كل شهر بكذا أو سنين مسماة بكذا، ولم يقل كل شهر بكذا أو كل سنة بكذا أن الكراء إنما يدفعه عند انقضاء السنة التي اكترى، أو عند انقضاء السنين التي اكترى، ولذلك قال: إنه لا يصدق إذا ادعى دفع كراء السنة التي اكترى أو السنين التي اكترى بحدثان انسلاخها، وإنما يصدق إذا ادعى دفع ذلك بعد طول زمان، خرج من الدار أو كان ساكنا فيها، ولو كان العرف بالبلد دفع الكراء شهرا بشهر وإن كان اكترى منه سنة أو سنتين على ما هو العرف عندنا لوجب أن يكون
стр. 4030
القول قول المكتري في دفع كراء ما مضى من الأشهر، والقول قول رب الدار في الشهر الآخر ما لم يطل الأمر بعد انقضائه.
والذي جرى به العمل أنه إذا مضى أكثر الشهر كان القول قول المكتري في دفع كراء الشهر الذي قبله، وإذا لم يمض منه أكثره كان القول قول رب الدار إنه ما قبض كراء الشهر الذي قبله، وقيل: إن القول قوله ما قبض كراء الشهر الفارط ما لم ينقض الشهر الذي هما فيه.
وأما قوله في هذه الرواية إذا أكرى منه السنة بعينها ثم سكن بعد ذلك تسع سنين وصاحب الدار ينظر إليه لم يواجبه فيها على كراء، ثم قام بعد انقضاء العشر سنين يطلبه بكراء السنة الأولى وكراء التسع سنين أنه إن قام بحدثان انسلاخها فله قيمة كراء التسع سنين، ولا شيء له من كراء السنة الأولى، وإن قام بعد طول فلا شيء له، لا كراء السنة ولا كراء التسع سنين، إذا زعم أنه قد دفع ويحلف ويبرأ.
فقوله فيها إن له قيمة كراء التسع سنين لا على حساب كراء السنة الأولى، وهو مثل قوله في كتاب كراء الرواحل والدواب من المدونة فيمن اكترى دابة يوما فبحسبها شهرا أن عليه في التسعة وعشرين يوما كراء مثلها على قدر ما استعملها لا على حساب كراء اليوم، ومثل ما اختاره في رسم إن خرجت بعد هذا، ولا يعتبر في هذه المسألة على هذا القول بالعرف إن كان العرف بالبلد تأدية الكراء فيه سنة بسنة إذا لم يواجبه في التسع سنين على كراء معلوم، ويعتبر به على القول الآخر وعلى مذهب غيره، وهو أشهب الذي يرى عليه الكراء في التسع سنين
следующие страницы →