Полный текст (9 112 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
قال محمد بن رشد: وجه رواية ابن القاسم عن مالك بإسقاط وجوب تخليل اللحية في الغسل من الجنابة أن الأصل كان ألا يجب تخليل شعر الرأس واللحية؛ لأنه من أصل الخلقة، فإذا كشف صار ما تحته من البواطن، وانتقل فرض الغسل إليه، فخرج من ذلك تخليل شعر الرأس بما ثبت في الحديث، من أن رسول الله ﷺ «كان يخلل شعر رأسه من الجنابة» ، وبقي شعر اللحية على الأصل. ووجه رواية أشهب بإيجاب تخليلها القياس على شعر الرأس، وما روي من قول النبي ﷺ : «اغسلوا الشعر وانقوا البشر فإن تحت كل شعر جنابة» ، فعم ولم يخص، وبالله التوفيق.
[مسألة في البير تقع فيها الفارة فيصرف ماؤها في طعام يصنع به]
ومن كتاب أوله يسلف في المتاع والحيوان المضمون مسألة في البير تقع فيها الفارة
فيصرف ماؤها في طعام يصنع به وسئل مالك عن بئر وقعت فيه فارة فبلوا بمائها قمحا فقلوه، أترى أن يؤكل؟ فقال مالك: لا يأكلون الميتة.
قال محمد بن رشد: شدد مالك، ﵀، في هذه الرواية في أكل القمح المبلول بالماء الذي ماتت فيه الفارة وجعل ذلك كالميتة، فإن كان فهم من سؤال السائل أن الماء كان قد تغير لونه أو طعمه من ذلك أو رائحته على الاختلاف في مراعاة تغير الرائحة فلا إشكال ولا اختلاف في أنه كالميتة لا يحل منه إلا ما يحل من الميتة؛ وإن كان أجاب على أنه لم يتغير من ذلك، فوجه قوله أنه حمله على النجاسة في المنع من أكله ابتداء على سبيل التوقي والتحرز من المتشابه، كما منع من الوضوء به ابتداء، وقال: إنه يتيمم ويتركه،
стр. 37
وإن كان لا يراه نجسا على الحقيقة، كأنه يقول: إن توضأ به وصلى لا يعيد إلا في الوقت. وفي رسم "النذر والجنائز والذبائح" ورسم "الوضوء والجهاد" من سماع أشهب، وفي سماع موسى بن معاوية في الخبز المعجون بمثل هذا الماء أنه لا يؤكل، وهذا وجه القول فيه. وفي غسل اللحم المطبوخ به اختلاف من رواية أشهب ورواية موسى عن ابن القاسم، وسنتكلم على ذلك إذا مررنا به إن شاء الله تعالى، وبالله التوفيق.
[مسألة: في الغسل في الفضاء]
] وسئل مالك عن الغسل في الفضاء، فقال: لا بأس بذلك.
فقيل له: يا أبا عبد الله إن فيه حديثا، فأنكر ذلك وقال تعجبا: ألا يغسل الرجل في الفضاء، ورأيته يتعجب من الحديث إنكارا له.
قال محمد بن رشد: وجه إجازة مالك، ﵀، للرجل أن يغتسل في الفضاء إذا أمن أن يمر به أحد هو أن الشرع إنما قرر وجوب ستر العورة عن المخلوقين من بني آدم دون من سواهم من الملائكة؛ إذ لا تفارقه الحفظة الموكلون عليه منهم في حال من الأحوال. قال الله : ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨] ، وقال: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ﴾ [الانفطار: ١٠] ﴿كِرَامًا كَاتِبِينَ﴾ [الانفطار: ١١] ﴿يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار: ١٢] . ولهذا قال مالك تعجبا: ألا يغتسل الرجل في الفضاء؟ إذ لا فرق في حق الملائكة بين الفضاء وغيره، وأنكر الحديث لما كان مخالفا للأصول؛ لأن الحديث إذا كان مخالفا للأصول فإنكاره واجب إلا أن يرد من وجه صحيح لا مطعن فيه فيرد إليها بالتأويل الصحيح. وقد روي عن
стр. 38
أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا حدثتم عني حديثا تنكرونه ولا تعرفونه فكذبوا به فإني لا أقول ما ينكر ولا يعرف» . ويكره التجرد لغير ضرورة ولا حاجة في الفضاء وغير الفضاء، ففي رسالة مالك إلى هارون: إياك والتجرد خاليا فإنه ينبغي لك أن تستحي من الله إذا خلوت، وذكر في ذلك عن النبي ﷺ حديثا.
[مسألة: في حكم طهارة الأزقة والطرق]
] وسئل عن طين المطر والماء الذي لا يستطاع أن يتخلص من أذاه يصيب الثياب من مشي الدابة أو غيرها، قال: أرى أن يكون الناس من ذلك في سعة.
قال محمد بن رشد: مثل هذا في المدونة، وزاد فيها: وإن كان فيه أبوال الدواب وأرواثها، يريد ما لم يكن غالبا أو عينا قائمة، وهو كما قال ﵀؛ لأن الله قد وسع على هذه الأمة ورفع عنهم الحرج في دينهم، فقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] ، وقال رسول الله ﷺ : «إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق فإنه لن يشاد الدين أحد إلا غلبه» ، ومثل هذا المعنى في الآثار كثير، وبالله التوفيق.
стр. 39
[مسألة: في مسح الرأس بفضل ماء اللحية أو الذراعين]
] وسئل مالك عمن يمسح رأسه بفضل ذراعيه، فقال: لا أحب ذلك. قيل لابن القاسم: فلو مسح بفضل ذراعيه وبفضل لحيته ثم صلى فلم يذكر حتى خرج الوقت، قال: يعيد وإن ذهب الوقت، وليس هذا بمسح.
قال محمد بن رشد: أما مسح الرجل رأسه بفضل ذراعيه فلا يجوز؛ لأنه لا يمكن أن يتعلق بذراعيه من الماء ما يمكنه به المسح ويكفيه له. وليس في قول مالك: لا أحب ذلك - دليل على أنه إن فعله أجزأه؛ لأنه قد يقول لا أحب تجوزا فيما لا يجوز عنده بوجه، فقد كان العلماء يكرهون أن يقولوا هذا حلال وهذا حرام فيما طريقه الاجتهاد، ويكتفون بأن يقولوا: أكره هذا ولا أحب هذا ولا بأس بهذا وما أشبه هذا من الألفاظ، فيُجتزى بذلك من قولهم ويُكتفى به. وكذلك فضل اللحية إذا لم يتعلق بها من الماء ما فيه كفاية للمسح، وعلى هذا تكلم ابن القاسم في هذه الرواية بدليل قوله: وليس هذا بمسح، وقد اختلف إذا عظمت فكان فيما يتعلق بها من الماء ما فيه كفاية للمسح وفضل بين، فأجاز ابن الماجشون لمن ذكر مسح رأسه وقد بعد عنه الماء أن يمسح بذلك البلل، ومنع مالك من ذلك في المدونة، وهذا الاختلاف جار على اختلافهم في إجازة الوضوء بالماء المستعمل عند الضرورة، فظاهر قول مالك في المدونة أن ذلك لا يجوز مثل المعلوم من قول أصبغ خلاف قول ابن القاسم، وبالله التوفيق.
стр. 40
[مسألة في الخف يصيبه الروث]
ومن كتاب أوله تأخير العشاء في الحرس [مسألة في الخف يصيبه الروث] وسئل عن الخفين يلبسهما الرجل فيأتي المسجد فيصيبهما الروث الرطب فيخلعهما فيصلي ثم يخرج يمشي بهما فيكثر ذلك عليه، أترى أن يمسحهما ويصلي بهما؟ [قال: إن أصابهما روث رطب فلا يصلي بهما] حتى يغسلهما أو يخلعهما. قال ابن القاسم: قد خففه مالك بعد ذلك إذا كان غالبا.
قال محمد بن رشد: هذا المعنى من اختلاف قول مالك متكرر في رسم "المحرم" والرسم الذي بعده، وزاد في رسم "المحرم": وأما العذرة وبول الناس وخرو الكلاب وما أشبهها فلا يجزئ فيها إلا الغسل، وهو كله معنى ما في المدونة، وعند مالك ﵀ وجميع أصحابه أن النجاسات كلها لا يطهرها إلا الماء وإن زال العين بغير الماء فالحكم باق؛ لأنه خفف في أحد قوليه أن يمسح الخفين من أرواث الدواب الرطبة وأبوالها ويصلي فيها دون أن يغسل للمشقة التي تلحق الناس في خلعهما أو غسلهما لكثرة تكرر ذلك عليهم كلما أقبلوا أو أدبروا، والطرقات لا تنفك عنها ولا يمكن التوقي منها، فخص الخف بالمسح من أبوال الدواب وأرواثها الطرية لهذه العلة، كما خص المخرج بالمسح بالأحجار لتكرر الأذى عليه ومشقة غسله أبدا كلما تكرر عليه الأذى، وكما جوز لمن يكثر الترداد إلى مكة من الحطابين وغيرهم أن يدخلوها بغير إحرام، ومثل هذا كثير. وقال ابن حبيب: إن النعل والقدم
стр. 41
لا يجزئ فيهما المسح؛ إذ لا مؤنة في نزع النعل ولا في غسل القدم، وفي المدونة دليل ضعيف على أن النعل بمنزلة الخف يجزئ فيه المسح من أرواث الدواب وأبوالها، بخلاف الدم والعذرة. وقد أعمله أبو إسحاق التونسي على ضعفه بحكم منه على مساواته بين النعل والخف. قال: إذ قد يحتاج الرجل أن يصلي في نعليه كما يحتاج أن يصلي بخفيه، وإن غسلهما كلما احتاج إلى الصلاة بهما أفسدهما الغسل. ولما قاله أبو إسحاق وجه إذا احتاج إلى الصلاة بهما لشدة حر الأرض أو بردها، وأما إذا لم يحتج إلى ذلك فما قاله ابن حبيب أظهر؛ إذ لا مؤنة في خلعهما. وقد جاء «أن رسول الله ﷺ خلع نعليه في الصلاة فخلع الناس نعالهم فلما انصرف قال لهم: خلعتم نعالكم؟ فقالوا: رأيناك خلعت فخلعنا، فقال: إن جبريل أتاني فأخبرني أن فيهما قذرا» . وفي هذا دليل؛ إذ خلعهما ولم يكتف بمسحهما. والخفاف الذي عندنا والشمشكات تجري مجرى النعال. وأما القدم فقياسه على الخفين في جواز مسحه لمشقة غسله كلما أراد الصلاة أولى من قياسه على النعلين، وإلى هذا ذهب أبو إسحاق فيه، وبالله التوفيق.
واختلف في وجه تفرقته بين أرواث الدواب وأبوالها وبين العذرة والدم وخرو الكلاب وما أشبه ذلك، فقيل: إنما فرق بين ذلك مراعاة للاختلاف في نجاسة أرواث الدواب وأبوالها، وقيل: إنما فرق بين ذلك؛ لأن الطرقات لا تنفك من أرواث الدواب وأبوالها غالبا، وهي تنفك مما سوى ذلك من النجاسات، والأول أظهر والله أعلم وبه التوفيق.
стр. 42
[مسألة: في وضوء الجنب إذا أراد النوم]
] وسئل مالك عن الرجل تصيبه الجنابة نهارا وهو يريد أن يقيل، أيتوضأ وضوء الصلاة مثل الليل؟ قال: نعم، لا ينام حتى يتوضأ.
قال محمد بن رشد: مثل هذا في المدونة سواء، وإنما سأله عن نوم النهار؛ لأن السنة إنما جاءت في نوم الليل. ذكر مالك في موطاه عن عبد الله بن عمر أنه قال: «ذكر عمر بن الخطاب لرسول الله ﷺ أنه تصيبه الجنابة من الليل، فقال له رسول الله ﷺ : توضأ واغسل ذكرك ثم نم» ، فقاس مالك ﵀ نوم النهار على نوم الليل في ذلك؛ إذ لا فرق بينهما في المعنى، مع أنه ظاهر قول عائشة زوج النبي ﷺ ، فإنها كانت تقول: " إذا أصاب أحدكم المرأة ثم أراد أن ينام قبل أن يغتسل فلا ينم حتى يتوضأ وضوءه للصلاة " فوضوء الجنب قبل أن ينام من السنن التي الأخذ بها فضيلة وتركها إلى غير خطيئة، بدليل ما روي عن عائشة، ﵂، أنها قالت: «كان رسول الله ﷺ ربما نام وهو جنب لهيئته لا يمس
стр. 43
ماء» ، وإن كان قد قال ابن حبيب: إن محمل ذلك على أنه يتيمم إذ لم يحضره الماء، وقال: إن الوضوء للجنب لازم لا يسع أحدا تركه، وما قلناه هو الظاهر والله أعلم. ومما يدل على التوسعة في ذلك أن ابن عمر كان لا يغسل رجليه في وضوئه له، وقد اختلف في معنى أمره بالوضوء فقيل: إنما أمر بذلك لعله ينشط فيغسل، وقيل: إنما أمر بذلك مخافة أن يتوفى في منامه فيكون على أدنى الطهارتين، والأول أظهر والله أعلم؛ لأن الوضوء لا يرفع حدث الجنابة. ألا ترى أن الحائض لا تؤمر بذلك إذ لا تملك تعجيل طهرها، وهذا بين، وبالله التوفيق.
ومن كتاب أوله رجل كتب عليه ذكر حق
[مسألة: في غسل المستيقظ من النوم يده قبل أن يدخلها في إنائه]
] وسئل عن الرجل يستيقظ من النوم فيدخل يده في إنائه، قال: لا بأس بذلك، وإنما مثله في ذلك الجرة تكون في البيت فيستيقظ أهل البيت فيغرفون منها فيدخلون أيديهم فيها فلا يكون بذلك بأس.
قال محمد بن رشد: قوله لا بأس بذلك؛ أي لا بأس بالماء إن فعل ذلك ما لم يعلم بيده نجاسة. ولا ينبغي له إذا استيقظ من نومه أن يدخل
стр. 44
يده في وضوئه قبل أن يغسلها؛ لقول رسول الله ﷺ : «إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يده قبل أن يدخلها في وضوئه فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده» ، فإن فعل ذلك وهو موقن بطهارة يده فالماء طاهر، وإن فعله وهو موقن بنجاستها فالماء نجس على مذهب ابن القاسم يتيمم ويتركه، فإن توضأ به أعاد في الوقت مراعاة للخلاف، وإن فعله وهو لا يعلم طهارة يده من نجاستها فهي محمولة على الطهارة حتى يوقن بنجاستها، وسواء أصبح جنبا أو غير جنب على المشهور في المذهب. وقال ابن حبيب: إن كان بات جنبا أنجس ذلك الماء وهو معنى الحديث، وحكي ذلك عن الحسن البصري. فإن كان الإناء مثل المهراس والغدير الذي لا يقدر على أن يغسل يده منه إلا بإدخالها فيه أدخل يده فيه إن لم يعلم بها دنسا، ولا يأخذ الماء بفيه ليغسلها، إذ ليس ذلك من عمل الناس، قاله في آخر سماع أشهب. وأما إن كانت يده قذرة فلا يدخلها فيه حتى يغسلها، وليحتل في ذلك بأن يأخذ الماء بفيه أو بثوب أو بما يقدر عليه، قاله في سماع موسى بن معاوية الصمادحي بعد هذا من هذا الكتاب، وبالله التوفيق.
[مسألة: في المسافرين ينزلون دون المنهل بموضع لا ماء فيه]
] وسئل مالك عن قوم كانوا في سفر وليس معهم ماء فأرادوا أن ينزلوا من الليل دون المنهل بثلاثة أميال خوفا إذا أتوا المنهل من الليل أن يذهب بعض متاعهم أو يسرقوا في ظلمة الليل ويتيممون
стр. 45
للصلاة إذا أصبحوا، فكره ذلك وقال: لا يعجبني إلا أن يرسلوا أحدا يأتيهم بماء.
قال محمد بن رشد: فإن فعلوا فقد قال ابن عبد الحكم: لا إعادة عليهم، وهو ظاهر الرواية، وقال أصبغ: يعيدون في الوقت، وقال ابن القاسم: يعيدون في الوقت وبعده، وقع هذا الاختلاف في المبسوطة، والقول الأول أظهر والله أعلم؛ لأنهم فعلوا ما يجوز لهم من النزول دون المنهل بثلاثة أميال للعلة التي خافوها من ذهاب متاعهم. والدليل على جواز ذلك لهم «أن رسول الله ﷺ " أقام على التماس عقد عائشة أم المؤمنين ﵂ حتى أصبح الناس على غير ماء» فلا وجه لمن قال من الشيوخ: إن الخوف على ذهاب المال لا يمنع من الفرض بخلاف الخوف على النفس، مع السنة الثابتة في هذا. وإذا كان لا يلزمه أن يشتري الماء لغسله ووضوئه بما لا يشبه من الثمن إذا رفعوا عليه فيه، وكان له أن ينتقل إلى التيمم ويحوط ماله من أن يشتري الماء بأكثر من ثمنه على ما قال في المدونة، فأحرى أن يكون له أن ينتقل هاهنا إلى التيمم بالنزول دون المنهل حياطة على ماله خوف السرقة عليه، مع أن طلب الماء لا يلزمه إلا بعد دخول وقت الصلاة؛ لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ [المائدة: ٦] الآية، وبالله التوفيق.
стр. 46
[مسألة: المريض الذي لا يستطيع أن ينهض إلى الماء ولا يجد من يناوله إياه]
ومن كتاب أوله الشريكين يكون لهما مال مسألة وقال مالك في تفسير هذه الآية: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦] ، أن ذلك في المريض الذي لا يستطيع أن ينهض إلى الماء ولا يجد من يناوله إياه، فإذا كان كذلك يتيمم كما يتيمم المسافر إذا لم يجد الماء.
قال محمد بن رشد: ليس هذا نص التلاوة في الآية، وإنما ساقها على معنى من قدر فيها تقديما وتأخيرا، فأعاد شرط عدم الماء على السفر والمرض، فقال: إن المريض الذي يتيمم هو الذي لا يستطيع أن ينهض إلى الماء ولا يجد من يناوله إياه، فلم يجعل المريض الذي لا يقدر على مس الماء إن كان واجدا له من أهل التيمم، وكذلك الحاضر العادم للماء على قياس هذه الرواية ليس من أهل التيمم. ومن حمل الآية على ظاهرها ولم يقدر فيها تقديما ولا تأخيرا جعلهما جميعا من أهل التيمم، وهو مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك في المدونة؛ لأن تأويل الآية على هذا: وإن كنتم مرضى لا تقدرون على مس الماء ولا تجدون من يناولكم إياه، أو على سفر غير واجدين للماء، فاكتفى بذكر المرض عن ذكر عدم الماء وعدم القدرة على مسه وبذكر السفر عن ذكر عدم الماء لما كان ذلك الأغلب من أحوالهما، وفهم ذلك من مراد الله كما فهم من مراده ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] أن معنى ذلك: فأفطر
стр. 47
﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] . ولما كان الحاضر واجدا للماء في أغلب الأحوال صرح في الآية بشرط عدمه، فقال: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣] . والتيمم: القصد، والصعيد: وجه الأرض وهو ما صعد منه أي ارتفع، والطيب الطاهر، وبالله التوفيق.
[مسألة: السيف يقاتل به الرجل فيكون فيه الدم هل يغسل]
مسألة وقال مالك في السيف يقاتل به الرجل في سبيل الله فيكون فيه الدم، هل ترى أن يغسل؟ قال: ليس ذلك على الناس.
قال محمد بن رشد: قال عيسى: وكذلك الذي شأنه الصيد، وهو كما قال؛ لأنه أمر قد مضى الناس على إجازته وتخفيفه. وقد كان أصحاب رسول الله ﷺ يصلون بأسيافهم وفيها الدم ولا يبالون بذلك، ولو كانوا يغسلون أسيافهم في غزواتهم لصلواتهم في عهد رسول الله ﷺ وبعده لنقل ذلك وعرف، والله أعلم وبه التوفيق.
[مسألة: لبس الخاتم فيه ذكر الله أيلبس في الشمال وهو يستنجى به]
مسألة قال: وسألت مالكا عن لبس الخاتم فيه ذكر الله، أيلبس في الشمال وهو يستنجى به؟ قال مالك: أرجو أن يكون خفيفا.
قال محمد بن رشد: قوله: أرجو أن يكون خفيفا - يدل على أنه عنده مكروه وأن نزعه أحسن، وكذلك قال فيما يأتي في هذا السماع في رسم "مساجد القبائل"، وفي رسم "الوضوء والجهاد" من سماع أشهب، ومثله لابن حبيب في الواضحة. ووجه الكراهية في ذلك بينة؛ لأن ما كتب فيه اسم الله تعالى فمن الحق أن يجعل له حرمته. وقد قال مالك ﵀ في كتاب التجارة إلى أرض الحرب من المدونة: إني لأعظم أن يعمد إلى دراهم فيها ذكر الله وكتابه فيعطاها نجسا، وأعظم ذلك إعظاما شديدا وكرهه. وقول ابن
стр. 48
القاسم في رسم "مساجد القبائل": وأنا أستنجي بخاتمي وفيه ذكر الله -ليس بحسن من فعله، ويحتمل أن يكون إنما يفعله؛ لأن الخاتم قد عض بإصبعه، فيشق عليه تحويله إلى اليد الأخرى كلما دخل الخلاء واحتاج إلى الاستنجاء فيكون إنما تسامح في ذلك لهذا المعنى، فهو أشبه بورعه وفضله، والله أعلم وبه التوفيق.
[مسألة المرأة ترى الدم عند وضوئها فإذا قامت ذهب ذلك عنها]
مسألة وسئل عن المرأة ترى الدم عند وضوئها، فإذا قامت ذهب ذلك عنها. قال مالك: أرى ألا تترك الصلاة إلا أن ترى دما تنكره، ولتشد ذلك بشيء.
قال محمد بن رشد: وقعت هذه المسألة أيضا في رسم "يوصي" من سماع عيسى، وزاد فيها من قول مالك: وليس عليها غسل، وهو تفسير لهذه الرواية. ووجه ذلك أن الدم لما كان يتكرر عليها عند كل وضوء دون سائر الأوقات لم يجعل ذلك حيضا، ورآها مستنكحة بذلك من الشيطان، فأمرها بالصلاة ولم ير عليها غسلا، كما فعل عبد الله بن عمر ﵁ في المرأة التي استفتته في نحو هذا، ذكره مالك في كتاب الحج من الموطأ، عن أبي الزبير المكي، أن أبا عامر الأسلمي عبد الله بن سفيان أخبره أنه كان جالسا مع عبد الله بن عمر، فجاءته امرأة تستفتيه فقالت: إني أقبلت أريد أن أطوف بالبيت، حتى إذا كنت عند باب المسجد هرقت الدماء، فرجعت حتى ذهب ذلك [عني ثم أقبلت حتى إذا كنت عند باب المسجد هرقت الدماء فرجعت حتى ذهب ذلك عني] ، ثم أقبلت حتى إذا كنت عند باب المسجد هرقت الدماء، فقال عبد الله بن عمر: إنما ذلك ركضة من الشيطان فاغتسلي ثم استتري بثوب ثم طوفي. وقد قال ابن أبي زيد: معنى ما أراد مالك أنها
стр. 49
تغتسل منه وإن تمادى عند كل وضوء حتى تجاوز أيامها والاستظهار، ثم هي مستحاضة. ومالك أولى بتبيين ما أراد، وقد بينه في رسم "يوصي" من سماع عيسى على ما ذكرناه وبينا هناك وجهه ومعناه.
[مسألة: الرجل يكون في السفر فيريد الصلاة والماء قريب منه ولكن يخشى السباع]
مسألة وسئل مالك عن الرجل يكون في السفر فتحضره الصلاة والماء منه على ميل ونصف ميل، فيريد أن يذهب إليه وهو يتخوف عناء ذلك أو يتخوف منه أن ينفرد إما من سلابة وإما من السباع، قال: لا أرى عليه أن يذهب إليه وهو يتخوف.
قال محمد بن رشد ﵁: وسواء تخوف على نفسه أو على ماله دون نفسه ليس عليه أن يذهب وهو يتخوف على شيء من ذلك على ما صححناه في مسألة رسم "كتب عليه ذكر حق" قبل هذا. ودليل هذه الرواية أنه إن لم يتخوف شيئا فعليه أن يذهب إليه على الميل والنصف ميل. وفي النوادر إن كانت عليه في ذلك مشقة فليتيمم.
قال محمد بن رشد: وذلك على قدر ما يجد من الجلد والقوة، وذلك مفسر في رسم "البز" بعد هذا. وأما الميلان فهو كثير ليس عليه في سفر ولا حضر أن يعدل عن طريقه ميلين؛ لأن ذلك مما يشق، قاله سحنون في نوازله من هذا الكتاب، وبالله التوفيق.
[مسألة: الرجل يسلس بوله فلا ينقطع عنه]
ومن كتاب أوله اغتسل على غير نية مسألة وقال مالك في الرجل يسلس بوله فلا ينقطع عنه، قال: أرى أن يتوضأ لكل صلاة، ولو كان الشتاء واشتد عليه الوضوء ثم فرق بين الصلاتين لم أر بذلك بأسا.
стр. 50
قال محمد بن رشد: حكى عبد الحق عن بعض البغداديين أن الذي يسلس بوله أو مذيه من إبردة، إنما يستحب له الوضوء لكل صلاة إذا كان ينقطع المذي أو البول ثم يعود. وأما إن لم ينقطع ذلك البتة فلا معنى لاستحباب الوضوء لكل صلاة، وهو معنى صحيح ينبغي أن يحمل على التفسير لجميع الروايات، فنقول: إن معنى قوله في هذه الرواية فلا ينقطع عنه؛ أي لا يكاد ينقطع، لا أنه يسيل أبدا لا ينقطع، وهذا جائز أن يسمى الشيء باسم ما قرب منه، ومنه قول النبي ﷺ : «أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه» . وقد اختلف إن صلى صلاتين بوضوء واحد من غير ضرورة ولا مشقة تلحقه، فقيل: يعيد الأخرى في الوقت، وقيل: لا إعادة عليه، حكى ابن المواز القولين جميعا عن مالك في المستحاضة، وهذا مثله؛ لأنه ساوى بينهما على ظاهر قوله في المدونة، وكذلك قال ابن المواز وإن ذلك كالذي يسلس منه البول. وقد يحتمل أن يفرق بينهما للاختلاف في المستحاضة، فقد قيل: عليها الغسل لكل صلاة، وقيل: عليها أن تغتسل للظهر والعصر غسلا واحدا، وللمغرب والعشاء غسلا واحدا، وللصبح غسلا واحدا. وقيل: إنها تغتسل من ظهر إلى ظهر. وذهب مالك إلى أنها تغتسل غسلا واحدا وتتوضأ لكل صلاة، وبالله التوفيق.
[مسألة: الرجل يمرض فتغمز امرأته رجليه ورأسه]
مسألة وسئل مالك عن الرجل يمرض فتغمز امرأته رجليه ورأسه، قال: لا ينقض ذلك وضوءها، والرجل مثل ذلك لامرأته، وإنما ينقض الوضوء ما كان من ذلك للذة. فأما الرجل تناوله امرأته الشيء أو يناولها، فتمسه أو يمسها فليس عليه شيء، وإنما الذي عليه من
стр. 51
ذلك الذي هو للذة. وقال مالك في الجسة من فوق الثوب أو من تحته إذا كان على وجه اللذة فأرى عليه الوضوء. وقال سحنون: كان علي بن زياد يروي إن كانت الجسة من فوق ثوب كثيف لا يصل بجسه إلى جسدها فلا شيء عليه. وإن كان ثوبا خفيفا يصل في جسه إلى جسدها فحينئذ يكون عليه الوضوء.
قال محمد بن رشد: ظاهر هذه الرواية أن اللمس مع القصد إلى الالتذاذ يوجب الوضوء وإن لم يلتذ، وهو ظاهر ما في المدونة أيضا، ونص رواية عيسى عن ابن القاسم في رسم "أوصى" من هذا الكتاب خلاف ما في سماع أشهب، وسواء كانت الملامسة من فوق الثوب أو من تحته، إلا أن يكون الثوب كثيفا على ما في رواية علي بن زياد؛ لأنها تحمل على التفسير. وتحصيل هذه المسألة أن من التذ باللمس فلا خلاف في أن الوضوء واجب عليه سواء قصد إلى الالتذاذ به أو لم يقصد. واختلف إذا قصد الالتذاذ به فلم يلتذ على قولين، وأما إن لم يقصد الالتذاذ بذلك ولا التذ به فلا خلاف في أنه لا وضوء عليه، وبالله التوفيق.
[مسألة: ليس على المرأة أن تقوم قبل الفجر فتنظر في طهرها]
مسألة قال مالك: ليس على المرأة أن تقوم قبل الفجر فتنظر في طهرها، وليس هذا من عمل الناس، ولم يكن للناس ذلك الزمان مصابيح.
قال محمد بن رشد: كان القياس أن يجب عليها أن تنظر قبل الفجر بقدر ما يمكنها إن رأت الطهر أن تغتسل وتصلي المغرب والعشاء قبل طلوع الفجر؛ إذ لا اختلاف في أن الصلاة تتعين في آخر الوقت على من لم يصلها في سعة من الوقت، فسقط ذلك عنها في الاتساع ومن ناحية المشقة
стр. 52
التي تدركها في القيام من الليل، فخفف ذلك عنها بأن تنظر عند إرادة النوم، فإن استيقظت عند الفجر وهي طاهر فلم تدر لعل طهرها كان من الليل حملت في الصلاة على ما نامت عليه ولم يجب عليها قضاء صلاة الليل حتى توقن أنها طهرت من قبل الفجر، وأمرت في رمضان بصيام ذلك اليوم وأن تقضيه احتياطا. فيجب على المرأة أن تنظر عند النوم للعلة التي ذكرنا، وعند أوقات الصلوات، ويجب ذلك عليها في أوائلها وجوبا موسعا، ويتعين في آخرها بقدر ما يمكنها أن تغتسل وتصلي قبل خروج الوقت. والأصل في هذه المسألة قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ [المائدة: ٦] الآية. لأنها دالة على أن التأهب لها بالغسل والوضوء لا يجب إلا عند إرادة فعلها بدخول وقتها، وهو بين، وبالله التوفيق.
[مسألة: يخرج من منزله وهو على غير يريد منزلا آخر فتغرب عليه الشمس]
مسألة وسئل عن رجل خرج من منزله وهو على غير وضوء وهو يريد منزلا آخر قريبا منه، وهو يرى أنه سيأتيه قبل غروب الشمس، فغربت عليه وبينه وبين الموضع الذي كان يريده ميل أو ميلان، قال: لا يصلي حتى ينتهي إلى موضعه الذي يريد فيتوضأ ويصلي.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن الميل أو الميلين يأتي عليهما قبل مغيب الشفق، ولو كان لا يدرك الماء قبل مغيب الشفق لوجب عليه أن يتيمم ويصلي كما قال في المدونة، ولا اختلاف في هذه المسألة؛ لأنه مسافر وإن كان سفرا قريبا لا تقصر فيه الصلاة. وقيل: إنها جارية على الاختلاف في الحاضر العادم للماء هل هو من أهل التيمم أم لا؟ على
стр. 53
اختلافهم في آية التيمم هل تحمل على ظاهرها أو يقدر فيها تقديم وتأخير على ما تقدم القول عليه في رسم "الشريكين"؟ وبالله التوفيق.
[مسألة: الرجل يفضي بيده إلى فرجه ليس بينهما حجاب هل ينقض الوضوء]
مسألة قال سحنون: حدثني ابن القاسم عن مالك عن يزيد عن عبد المالك بن المغيرة، عن سعيد بن أبي سعيد القبري، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «من أفضى بيده إلى فرجه ليس بينهما حجاب فقد وجب عليه الوضوء للصلاة» .
قال محمد بن رشد: قد روي هذا المعنى عن النبي، ﵇، من وجوه كثيرة، وروي عن طلق بن علي أنه قال: «قدمنا على رسول الله ﷺ فجاءه رجل كأنه بدوي، فقال: يا رسول الله، هل ترى في مس الرجل ذكره بعدما يتوضأ فقال: وهل هو إلا بضعة منك» . فمن أهل العلم من أوجب الوضوء من مس الذكر، ومنهم من لم يوجبه، ومنهم من فرق بين العمد والنسيان، فاستعمل الآثار الواردة في ذلك ولم يطرح منها شيئا. والأقوال الثلاثة قائمة في المذهب لمالك. روى أشهب عنه في هذا الكتاب أنه قال: من مس ذكره انتقض وضوءه، فظاهره في العمد والسهو. وروي عنه في كتاب الصلاة أنه سئل عن مس الذكر، فقال: لا أوجبه وأبى، فروجع في ذلك فقال: يعيد ما كان في الوقت وإلا فلا، فظاهره أيضا في العمد والسهو. وروى ابن وهب عنه في سماع سحنون من هذا [الكتاب] القول الثالث
стр. 54
أنه لا إعادة عليه إلا أن يمسه عامدا. وإلى هذا يرجع ما في المدونة على تأويل بعض الناس، وقد تأول ما فيها [على الظاهر] من التفرقة بين باطن الكف وظاهره من غير اعتبار بقصد ولا وجود لذة، وهذا كله إذا مسه على غير حائل. واختلف قوله: إن مسه على حائل خفيف على قولين، أحدهما: أنه لا وضوء عليه، وهو قول مالك في رواية ابن وهب عنه في سماع سحنون من هذا الكتاب اتباعا لظاهر هذا الحديث، والثاني: أن عليه الوضوء، وهو قوله في رواية علي بن زياد عن مالك. وأما إن كان الحائل كثيفا فلا وضوء عليه قولا واحدا، وبالله التوفيق.
[مسألة: الرجل يتوضأ ولم يخلل أصابع رجليه]
مسألة وسئل مالك عمن توضأ ولم يخلل أصابع رجليه، قال: يجزئ عنه.
قال محمد بن رشد: ظاهر هذه الرواية أن تخليلها أحسن، وكذلك قال ابن حبيب أن تخليلها مرغب فيه. وفي رسم "نذر سنة" بعد هذا: أنها لا تخلل، ونحوه روى ابن وهب عن مالك في المجموعة، قال: ولا خير في الجفاء والغلو، وبالله التوفيق.
ومن كتاب البز
[مسألة: الرجل يجنب فيدخل البير المعين يغتسل فيه]
مسألة وسئل مالك عن الرجل يجنب فيدخل البير المعين يغتسل فيه، قال: كنت أسمع أن ينهى أن يغتسل الجنب في الماء الدائم والمقيم. فقيل له: إن البير ربما كانت كثيرة الماء، قال: هو ماء مقيم
стр. 55
وإن كان معينا، قد قيل لأبي هريرة حين ذكر غسل اليد للوضوء، فقيل له: فأين المهراس؟ قال: أف لك، لا تعارض الحديث، يريد أن رسول الله ﷺ قاله.
قال محمد بن رشد: قد مضى التكلم في أول رسم من هذا السماع على الغسل في الماء الدائم، وفي رسم "كتب عليه ذكر حق" على حكم إدخال اليد في الماء قبل غسلها: وظاهر قول أبي هريرة أنه لا يسعه أن يدخل يده في المهراس قبل أن يغسلها للحديث، ويلزمه أن يحتال لغسلها إلا أن يوقن بطهارتها خلاف ما يأتي في آخر سماع أشهب من تخفيف ذلك، فانظر ذلك وقف عليه. وبالله التوفيق.
[مسألة: المسافر يحضره وقت الصلاة وليس معه ماء والماء متنح عن الطريق]
مسألة وسئل مالك عن المسافر يحضره وقت الصلاة وليس معه ماء، والماء متنح عن الطريق، أترى أن يعدل إليه؟ قال: إن ذلك لمختلف، فمنهم القوي والضعيف، والأمر الذي لا يقوى عليه فهو على قدر ما يطيق، فإن لم يكن يقوى على ذلك وذلك يشق عليه فأرجوه أن يكون ذلك واسعا له إن شاء الله.
قال محمد بن رشد: قد تقدم القول على هذا المعنى في آخر رسم "الشريكين" بما أغنى عن إعادته، وبالله التوفيق.
стр. 56
[مسألة نضح الثوب ما وجه ذلك]
مسألة وسئل مالك عن نضح الثوب ما وجه ذلك؟ قال: تخفيف، وهو جيد. قال ﵇ للرجل حين سأله لعلي، قال: «اغسل ذكرك وأنثييك وانضح» . وكان عبد الله بن عمر ينضح، وهو حسن، وهو تخفيف، يريد تخفيفا لما يشك فيه.
قال محمد بن رشد: هذا أصل قد تقرر في المذهب أن ما شك في نجاسته من الثياب يجزي فيه النضح. والأصل في ذلك نضح أنس ﵁ للنبي، ﵇، الحصير الذي صلى عليه. وأن عمر بن الخطاب لما غسل ما رأى في ثوبه من الاحتلام نضح ما لم ير. وأما احتجاجه في الرواية لذلك بقوله ﵇: «اغسل ذكرك وأنثييك وانضح» فليس ببين؛ لأن النضح بعد الغسل لما قد غسل ليس لشك في نجاسته، وإنما هو لرفع ما يخشى أن يكون يطرأ عليه بعد ذلك من الشك في أن يكون قد خرج منه بعد الغسل بقية من ذلك المذي، كما قال سعيد بن المسيب: إذا توضأت وفرغت فانضح بالماء، ثم قل: هو الماء. ووجه ما ذهب إليه في احتجاجه أن النضح يرفع الشك الذي قد وقع كما يرفع الشك الذي يتوقع، ويحتمل أن يكون أراد ﷺ بقوله: " وانضح " أي: انضح ما شككت فيه من ثيابك أن يكون المذي قد أصابه. فعلى هذا التأويل يصحح الاحتجاج بالحديث لوجوب نضح ما شك في نجاسته من الثياب، ويكون بينا لا إشكال فيه. وإنما أمره ﷺ بغسل أنثييه لما يخشى أن يكون قد أصابهما من الأذى؛ لأن المذي من شأنه أن يمتد وينفرش، ولذلك قال مالك ﵀: ليس على الرجل غسل أنثييه
стр. 57
من المذي إلا أن يخشى أن يكون قد أصابهما منه شيء، وهو أصله أن ما شك في نجاسته من الأبدان فلا يجزئ فيه إلا الغسل بخلاف الثياب. ومن الدليل على وجوب غسل ما شك فيه من الأبدان قوله، ﵇،: «إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يده قبل أن يدخلها في وضوئه فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده» فأمر بغسل اليد للشك في نجاستها، وهذا بين. وفي كتاب ابن شعبان أنه ينضح ما شك فيه من الثياب والأبدان، وهو شذوذ. وذهب ابن لبابة إلى أن يغسل ما شك فيه من الثياب والأبدان، ولم ير النضح إلا مع الغسل في الموضع الذي ورد فيه الحديث. وقال: إن نضح الحصير للنبي ﷺ لم يكن لنجس، وحكى ذلك عن ابن نافع، وهو خروج عن المذهب. ويحتمل عنده أن يكون معنى قول النبي ﷺ : «اغسل ذكرك وأنثييك وانضح» أي: انضح واغسل ذكرك وأنثييك؛ لأن الواو لا توجب رتبة، وتكون إرادته بالنضح الصب، فكأنه قال: صب الماء على ذكرك وأنثييك واغسلهما؛ لأن الصب قد يسمى نضحا، ومنه الحديث: «إني لأعرف مدينة ينضح البحر بناحيتها» أي: يصب، والله أعلم بمراده ﷺ ، وبالله التوفيق.
[مسألة: الرجل يدخل حوض الحمام وهو ملآن أترى ذلك يجزيه في طهوره]
مسألة وسئل مالك عن الرجل يدخل حوض الحمام وهو ملآن، أترى ذلك يجزيه في طهوره؟ قال: نعم، إن كان طاهرا فنعم، يريد بذلك الماء والرجل جميعا.
стр. 58
قال محمد بن رشد: قوله نعم؛ يريد أن ذلك يجزيه من غسله إذا فعل بالشرطين اللذين وصف، لا أنه يبيح ذلك ابتداء لوجهين، أحدهما: الاغتسال في الماء الدائم للحديث الوارد في ذلك على ما تقدم له في أول مسألة من هذا الرسم وفي غير ما موضع، والثاني: كراهية الاغتسال بالماء السخن من الحمام، فقد قال في سماع أشهب: والله ما دخول الحمام بصواب، فكيف يغتسل من ذلك الماء؟ وبالله التوفيق.
[مسألة: المسح على الخفين في الحضر أيمسح عليهما]
مسألة وسئل عن المسح على الخفين في الحضر أيمسح عليهما؟
فقال: لا، ما أفعل ذلك. ثم قال: إني لأقول اليوم مقالة ما قلتها قط في جماعة من الناس: قد أقام رسول الله ﷺ بالمدينة عشر سنين، وأبو بكر وعمر وعثمان خلافتهم، فذلك خمس وثلاثون سنة، فلم يرهم أحد يمسحون. قال: وإنما هي [هذه] الأحاديث. قال: ولم يروا يفعلون ذلك، وكتاب الله أحق أن يتبع ويعمل به.
قال محمد بن رشد: كان مالك أول زمانه يرى المسح في السفر والحضر، ثم رجع فقال: يمسح المسافر ولا يمسح المقيم، ثم قال أيضا: لا يمسح المسافر ولا المقيم. والصواب الذي عليه جمهور الصحابة والتابعين وعلماء المسلمين إجازة المسح في السفر والحضر. وقد روى عن النبي ﷺ المسح على الخفين نحوُ أربعين من الصحابة، وروي عن الحسن البصري أنه قال: أدركت سبعين من أصحاب رسول الله ﷺ يمسحون على الخفين. وروي عنه أنه قال: أجمع أصحاب رسول الله ﷺ على أنه من لم ير المسح على الخفين يجزئه حتى يخلعهما فيغسل رجليه لم تجاوز صلاته أذنيه
стр. 59
ولو صلى أربعين سنة حتى يتوب. ولم يرو عن أحد من الصحابة إنكار المسح على الخفين إلا عن ابن عباس وأبي هريرة وعائشة. فأما ابن عباس فروي عنه أنه قال: «مسح رسول الله ﷺ على الخفين» ، فسل الذين يزعمون أن رسول الله ﷺ قد مسح على الخفين أقبل المائدة أو بعد المائدة، والله ما مسح بعد المائدة، ولأن أمسح على ظهر عير بالفلاة أحب إلي من أن أمسح عليهما. وإنما قال ابن عباس: إنه لم يمسح على الخفين بعد نزول المائدة؛ لأنه لم يره مسح فظن أنه لم يمسح، ومن رأى حجة على من لم ير. فقد روي «أن جرير بن عبد الله البجلي قال: " رأيت رسول الله ﷺ يمسح على خفيه، فقالوا: بعد نزول سورة المائدة؟ فقال: إنما أسلمت بعد نزول سورة المائدة ".» وقول ابن عباس: لأن أمسح على ظهر عير بالفلاة أحب إلي من أن أمسح على الخفين، يحتمل أن يكون ذلك منه اختيارا لترك المسح في خاصته؛ لأنه من قوم اختصهم رسول الله ﷺ دون الناس بإسباغ الوضوء على ما روي عنه أنه قال: «ما اختصنا رسول الله ﷺ إلا بثلاث: إسباغ الوضوء، وأن لا نأكل الصدقة، وأن لا ننزي حمارا على فرس» . ويكون المسح له وللناس باقيا عنده على حكمه قبل نزول المائدة، بدليل ما روي عنه أنه سئل عن المسح على الخفين، فقال: للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يوم وليلة. وكذلك أبو هريرة قد روي عنه أيضا إجازة المسح. وأما عائشة فقد روي أنها سئلت عن ذلك فتوقفت وقالت: اسألوا عليا فإنه كان يسافر مع رسول الله ﷺ ، فسئل فقال: «كان رسول الله ﷺ يأمرنا أن نمسح على أخفافنا» . والصحيح من مذهب مالك، ﵀، الذي عليه أصحابه إجازة المسح في السفر والحضر، فهو مذهبه في موطاه، وعليه مات. روي
стр. 60
عن ابن نافع قال: دخلنا على مالك في مرضه الذي مات فيه فقلنا له: يا أبا عبد الله قد أقمت برهة من عمرك ترى المسح على الخفين وتفتي به ثم رجعت عنه، فما الذي ترى في ذلك الآن ونثبت عليه؟ فقال: يا ابن نافع، المسح على الخفين في الحضر والسفر صحيح يقين ثابت لا شك فيه، إلا أني كنت آخذ في خاصة نفسي بالطهور، فلا أرى من مسح قصر فيما يجب عليه، وأرى المسح قويا والصلاة تامة. ومثل هذا في نوازل أصبغ من قوله وروايته عن ابن وهب.
[مسألة: إذا لبس الخفين المقيم والمسافر وهو طاهر فليمسح عليهما]
مسألة أخبرنا سحنون عن ابن وهب أنه قال: سمعت مالكا يقول: إذا لبس الخفين المقيم والمسافر وهو طاهر فليمسح عليهما، ليس عند أهل بلادنا في هذا وقت إذا انتهى إليه لم يمسح على الخفين، ولكن ما داما عليه.
قال محمد بن رشد: هذا هو المعلوم من قول مالك في المدونة وغيرها الذي عليه أصحابه أن لا توقيت في ذلك، وقد روي عن مالك التوقيت في ذلك كالذي يذهب إليه أهل العراق: ثلاثة أيام للمسافر، ويوم وليلة للمقيم، في رسالته إلى هارون الرشيد. وقد قيل: إنها لم تصح عنه، والله أعلم وبه التوفيق.
[مسألة: الغسل باللبن والعسل يغسل به رأسه]
مسألة وسئل مالك عن الغسل باللبن والعسل يغسل به رأسه، قال: ما يعجبني ذلك، وغيره أحب إلي منه.
قال محمد بن رشد: هذا نحو ما في رسم "النذور والجهاد" من سماع أشهب، ونحو قول سحنون في نوازله، وفي سماع أشهب أيضا من هذا الكتاب. وقال ابن نافع فيه: لا بأس بالوضوء بالنخالة. وهذا إنما يكره من
стр. 61
ناحية السرف والترفه والتشبه بأمر الأعاجم وما للأطعمة من الحرمة، لا لأنه حرام، فمن تركه أجر، ومن فعله لم يكن عليه إثم ولا حرج على حد المكروه؛ لأنه مما في تركه ثواب وليس في فعله عقاب. وقول ابن نافع: لا بأس بالوضوء بالنخالة؛ معناه لا إثم عليه إن فعل ذلك، فليس بخلاف لقول مالك وسحنون. وكذلك ما وقع في سماع أشهب من كتاب الحدود: لا بأس أن تمشط المرأة بالنضوح تعمله من التمر والزبيب، معناه: لا إثم عليها في ذلك؛ لأن النهي إنما جاء في الخليطين للشرب، لكنه مكروه لها من ناحية السرف، فإن تركته أجرت، وإن فعلته لم تأثم، فليس في شيء من ذلك كله تعارض ولا اختلاف، وبالله التوفيق.
[مسألة: الرجل تبول الدابة قريبا منه فيشك أن يكون أصابه شيء من بولها]
مسألة وسئل مالك عن الرجل تبول الدابة قريبا منه فيشك أن يكون أصابه شيء من بولها، فقال: إن استيقن أنه أصابه ولم يره غسل تلك الناحية، وإن شك نضح وهو يجزئ عنه.
قال محمد بن رشد: وهذا على أصله الذي قد قرره في غير ما موضع أن ما شك في نجاسته من الثياب يجزئ فيه النضح، فإن لم يفعل أعاد في الوقت. واختلف إذا وجد في ثوبه احتلاما فغسل ما رأى وترك أن ينضح ما لم ير، فقال في سماع ابن أبي زيد يعيد في الوقت، وقال ابن حبيب: لا إعادة عليه؛ لأن النضح هاهنا إنما هو لتطيب النفس، وهو قول ابن نافع في تفسير ابن مزين، وبالله التوفيق.
[: الفرس في مثل الغزو والأسفار يكون صاحبه يمسكه فيبول فيصيبه بول الفرس]
ومن كتاب أوله صلى نهارا ثلاث ركعات وسئل [مالك] عن الفرس في مثل الغزو والأسفار يكون صاحبه يمسكه فيبول فيصيبه بول الفرس، قال: أما في أرض العدو
стр. 62
فإني أرجو أن يكون خفيفا إذا لم يكن له من يمسكه غيره، وأما في أرض الإسلام فليتقه ما استطاع، ودين الله يسر.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأنه مما لا يستطيع المسافر التوقي منه، لا سيما الغازي في أرض العدو، فهو موضع تخفيف للضرورة، كما خفف مسح الخف من الروث الرطب، وكما جوز للمرأة أن تصلي في الثوب الذي ترضع فيه إذا لم يكن لها ثوب غيره، مع أن تدرأ البول عنه جهدها.
[: الرجل يجعل الخرقة يمسح بها وجهه عند وضوئه]
ومن كتاب أوله مساجد القبائل وسئل مالك عن الرجل يجعل الخرقة يمسح بها وجهه عند وضوئه، قال: لا بأس بذلك، وأنا أفعل ذلك، ثم قال: وما الذين يسألون عن مثل هذا؟ فقيل: إن بعض الناس يذكرون أن بلال بن عبد الله بن عمر نهى رجلا عن ذلك، ويقولون: هو يذهب بنور الوجه، فوعظه أن يحدث بذلك أو يقبله ممن حدثه، قال: ولو قاله بلال أيؤخذ منه ذلك؟
قال محمد بن رشد: إنما أنكر مالك، ﵀، والله أعلم، هذا الحديث ووعظ أن يحدث بذلك أو يقبله ممن حدثه لبيان بطلانه، وذلك أن نور الوجه هو بياضه، فإن كان أراد أن مسح الوضوء بالخرقة يذهب بياض الوجه في الدنيا فيسود أو تعلوه كالغبرة، فذلك ترده المشاهدة، وإن كان أراد أنه يذهب بياضه في الآخرة فيسود أيضا أو تعلوه غبرة، فذلك يرده القرآن؛ لأن الله تعالى أخبر في كتابه أن ذلك من علامات الكفار، قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٦] .
стр. 63
وقال: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ﴾ [عبس: ٤٠] ﴿تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ [عبس: ٤١] ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾ [عبس: ٤٢] وقد «روي أنه، ﵇، كانت له خرقة ينشف بها بعد الوضوء» وقع هذا الأثر في المدونة من رواية عائشة، ﵂، وقولها: «كانت له خرقة يتنشف بها عند الوضوء» يقتضي أن ذلك كان شأنه الذي يداوم عليه، فلا يعارض هذا ما روي «عن ميمونة أنها قالت: " صببت لرسول الله ﷺ غسلا فاغتسل به ثم أتيته بمنديل أو خرقة فلم يردها أو لم ينفض بها» ؛ إذ قد يحتمل أن يكون كره الخرقة لشيء علمه فيها، أو كره مناولتها إياه، أو أحب أن يكون هو الذي يتناولها بنفسه تواضعا لله ، ولعلها قامت بها عليه فكره قيامها؛ إذ ذلك من فعل الجبابرة، وقد قال، ﵇: «من أحب أن يتمثل له الرجال قياما فليتبوأ مقعده من النار» . ومن الناس من كره ذلك في الغسل دون الوضوء اتباعا للآثار، فهي أقوال. وقد عللت الكراهية فيها بأنه أثر عبادة فكرهت إزالته كدم الشهيد، وهو من التعليل البعيد، وبالله التوفيق.
[مسألة: الخاتم يكون في يد الرجل أيحركه عند الوضوء]
مسألة وسئل عن الخاتم يكون في يد الرجل أيحركه عند الوضوء؟
قال: لا أرى ذلك على أحد أن يحرك خاتمه. فقيل له: أيستنجي به وفيه ذكر الله؟ قال: إن ذلك عنده لخفيف، ولو نزعه لكان أحسن، وفي هذا سعة، وما كان من مضى يتحفظ هذا التحفظ في مثل هذا
стр. 64
ولا سئل عنه. وقال ابن القاسم: وأنا أستنجي بخاتمي وفيه ذكر الله.
قال محمد بن رشد: قوله: لا أرى على أحد أن يحرك خاتمه عند الوضوء مثله في بعض الروايات لأبي زيد بن أبي آمنة في الذي يكون في إصبعه خاتم قد عض به، فهو كما قال؛ لأنه إن كان سلسا فالماء يصل إلى ما تحته ويغسله، وإن كان قد عض بإصبعه صار كالجبيرة لما أباح الشرع له من لباسه إياه، فلا ينبغي أن يدخل في هذا لهذه العلة الاختلاف الموجود في المدنية وفي بعض روايات العتبية فيمن توضأ وقد لسق بظفره أو بذراعه الشيء اليسير من العجين أو القير أو الزفت؛ لأن الأظهر من القولين تخفيف ذلك على ما قاله أبو زيد بن أبي آمنة في بعض روايات العتبية، ومحمد بن دينار في المدنية، خلاف قول ابن القاسم في المدنية، وظاهر قول أشهب في بعض روايات العتبية. وقد روي عن أبي تميم الجيشاني قال: " دخلت أنا وإخوتي على عمر بن الخطاب وعلى بعضهم خاتم فقال له عمر: كيف يتم وضوءك وهذا عليك؟ فنزعه وألقاه ". وهذا شاذ والله أعلم بصحته؛ إذ لو كان هذا واجبا لاتصل به العمل، ونقل نقل التواتر الذي لا يجهل، وبالله التوفيق.
وفي البخاري عن ابن سيرين " أنه كان يغسل موضع الخاتم إذا توضأ "، وذلك من الاعتداء في الوضوء المنهي عنه ومن الغلو في الدين، قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٧٧] . وأما الاستنجاء به وفيه ذكر الله فقد مضى القول فيه في رسم "الشريكين"، وبالله التوفيق.
стр. 65
[حكم درق البازي]
ومن كتاب أوله مرض وله أم ولد فحاضت قال ابن القاسم: في درق البازي قال: يعيد في الوقت إلا أن يكون الذي يصيب ذكيا، فقيل لابن القاسم: فالحمام تصيب أرواث الدواب، فقال: أحب إلي أن لو أعاد في الوقت من صلى بخروها.
قال محمد بن رشد: ذكر ابن حارث في كتاب يحيى بن إسحاق من رواية أصبغ عن ابن القاسم أن درق البازي نجس، وإن كان الذي يأكل ذكيا. قال أصبغ: ولا يعجبني قوله: إذا كان الذي يأكل ذكيا وأراه طاهرا. وفي المبسوطة أيضا لمالك مثل قول ابن القاسم في رواية أصبغ عنه أنه نجس يعيد منه في الوقت وإن كان الذي يصيب منه ذكيا. وقد روي عن مالك أنه لا يوكل ككل ذي مخلب من الطير لنهي رسول الله ﷺ عن ذلك. وعلى هذه الرواية يأتي أن درق البازي نجس وإن كان الذي يأكل ذكيا. وقوله في الحمام: يصيب أرواث الدواب أن أحب إليه أن لو أعاد في الوقت من صلى بخروها، إنما إذا علم من حالها أنها تأكل أرواث الدواب ولم يتحقق أنها أكلتها، ولو تحقق ذلك لقال: إنه يعيد في الوقت على كل حال؛ لأن خرو ما يأكل النجس عنده نجس، وبالله التوفيق.
[: خرو الحمام يصيب الثوب]
ومن كتاب أوله نذر سنة يصومها وسئل مالك عن خرو الحمام يصيب الثوب، قال: هو عندي خفيف، وغسله أحب إلي.
قال محمد بن رشد: وهذا إذا لم يعلم أنها أكلت نجاسة على ما تقدم في الرسم الذي قبل هذا، وبالله التوفيق.
[مسألة: الرجل يكون معه الماء القليل لوضوئه أترى يسقيه عطشانا ويتيمم]
مسألة وسئل مالك عن الرجل يكون معه الماء القليل لوضوئه فيمر
стр. 66
به رجل] فيستقيه، أترى أن يسقيه ويتيمم؟ قال: ذلك يختلف، أما رجل يخاف أن يموت فأرى ذلك له، وإن لم يبلغ منه الأمر الخوف فلا أرى ذلك له، وقد يكون عطش خفيف، ولكن إن أصابه من ذلك أمر يخافه فأرى ذلك له.
قال محمد بن رشد: خوفه على الرجل الذي يستقيه كخوفه على نفسه سواء، وقد قال في رسم "الوضوء والجهاد" من سماع أشهب: إنه إذا كان معه من الماء قدر وضوئه فخاف العطش أنه يجوز له أن يتيمم ويبقي ماءه، وهو كما قال؛ لأن الخوف على النفس يسقط حق الله. قال الله : ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩] .
[مسألة: نام فاحتلم وصلى الصبح فرأى في قميصه الاحتلام وهو بالسوق]
مسألة وسئل مالك عن من نام فاحتلم وصلى الصبح فرأى في قميصه الاحتلام وهو بالسوق وذلك نهارا بعد أن طلعت الشمس، وهو يريد أن يشتري حاجة، أفترى أن يمضي لحاجته أم ينصرف فيغتسل ويصلي الصبح؟ قال: بل ينصرف ويغتسل ويصلي الصبح.
قال محمد بن رشد: مثل هذا في كتاب الوضوء من المدونة سواء. والدليل على صحته قول النبي ﷺ : «إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو نسيها ثم فزع إليها فليصلها كما كان يصليها في وقتها» ، فإن الله ﵎ يقول: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] وقد قال في كتاب الصلاة الأول من المدونة: من ذكر صلاة قد خرج وقتها فليس له أن يتنفل قبلها، وليس الأمر في ذلك
стр. 67
عندي بضيق؛ لما روي أن رسول الله ﷺ «صلى إذ نام عن الصلاة في الوادي ركعتي الفجر قبل صلاة الصبح» وبالله التوفيق.
[مسألة: الفارة تأكل من الخبز أيؤكل من موضعها الذي أكلت منه]
مسألة وسئل مالك عن الفارة تأكل من الخبز أيؤكل من موضعها الذي أكلت منه؟ قال: لا بأس بذلك.
قال محمد بن رشد: مثل هذا في المدونة قال: وسألنا مالكا عن الخبز من سؤر الفارة، فقال: لا بأس بذلك، وهو على أصله فيها أن السباع والدجاج التي تأكل النتن إن شربت من اللبن لم يطرح إلا أن يتيقن أن في مناقرها أذى. ويروى الخبز من سؤر الفارة بفتح الخاء، يريد ما عجن بالماء الذي شربت فيه، وذلك على مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك سواء، وإنما يفترق ذلك على مذهب ابن الماجشون الذي يقول إن الكلب إذا ولغ في اللبن أكل، وإذا ولغ في الماء وعجن به أو أصبح أنه لا يؤكل شيء من ذلك؛ لأنه فساد أدخله هو على نفسه بفعله، والله أعلم.
[مسألة: الرجل يدخل إصبعه في فيه عند وضوئه ويدخلها في مائه]
مسألة وسئل مالك عن الرجل يدخل إصبعه في فيه عند وضوئه، ويدخلها في مائه، قال: لا بأس بذلك. فقيل له: فالسواك يدخله في مائه الذي يتوضأ به وقد أدخله في فيه، أيتوضأ بذلك الماء؟ قال: لا بأس بذلك.
قال محمد بن رشد: إنما سأله عن ذلك لما خشي أن ينضاف الماء لما تعلق بإصبعه أو سواكه من ريقه، فرأى ذلك خفيفا؛ إذ لا يتغير الماء من
стр. 68
الريق إلا أن يكثر البصاق فيه. وقد استحب في رسم "الوضوء والجهاد" من سماع أشهب غسل يده قبل أن يعيدها إلى وضوئه وهو حسن، إذ روي عن أبي الحسن القابسي أن الماء اليسير ينضاف بما حل فيه من الطاهر اليسير وإن لم يتغير به، كما تفسده النجاسة اليسيرة وإن لم يتغير بها، وهو شذوذ.
مسألة وسئل مالك عن الاستنثار، أيستنثر الرجل من غير أن يضع يده على أنفه؟ فأنكر ذلك، وقال: لا أعرفه، كأنه يرى أنه يضع يده إذا أراد أن يستنثر.
قال محمد بن رشد: وهو كما قال؛ لأن ذلك هو السنة، والشأن في الاستنثار الذي مضى عليه العمل وأخذه الصغير عن الكبير. ووجه ذلك أنه يضع يده على أنفه إذا استنثر يدفع ما يخرج من أنفه مع الماء الذي استنشقه من أن يسيل على فمه ولحيته، ولذلك أنكر مالك تركه، وهو موضع الإنكار، وبالله التوفيق.
مسألة وسئل مالك عن المتيمم كيف يتيمم؟ قال: ضربة لوجهه، وضربة ليديه، يمر يده اليسرى على اليمنى من فوقها وباطنها، واليمنى على اليسرى مثل ذلك من فوقها وباطنها.
قال محمد بن رشد: هذا هو الاختيار عند مالك في التيمم، ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين، يمر اليسرى على اليمنى من فوقها وباطنها، الأصابع على ظهور الأصابع، وظهر الذراع والكف على بطن الذراع إلى أصل الكف، ثم اليمنى على اليسرى من فوقها وباطنها كذلك، إلا أنه ينتهي إلى آخر الأصابع، قاله ابن حبيب، وخالفه غيره في ذلك فقال
стр. 69
يمسح اليمنى باليسرى إلى أطراف الأصابع، ثم اليسرى باليمنى كذلك. وما في المدونة محتمل للتأويل. والفرض عنده ضربة واحدة للوجه واليدين إلى الكفين، فإن تيمم أحد عنده إلى الكفين أعاد في الوقت، وإن تيمم بضربة واحدة لم يكن عليه إعادة. وقال ابن حبيب يعيد في الوجهين في الوقت، وقال ابن نافع ومحمد بن عبد الحكم: يعيد في الوجهين جميعا في الوقت وبعده. ويتحصل من اختلاف أهل العلم في صفة التيمم تسعة أقوال؛ لأن في حده ثلاثة أقوال، قيل: إلى الكوعين، وقيل: إلى المرفقين، وقيل: إلى المنكبين، قيل بضربتين ضربة للوجه وضربة لليدين، وقيل بضربة واحدة للوجه واليدين، [وقيل بضربة واحدة للوجه واليدين] وضربة ثانية للوجه أيضا واليدين. واختيار ابن لبابة الذي قد ذكرناه في رسم "الشجرة" قول عاشر في المسألة.
[مسألة: الجنب أيحرك لحيته بالماء إذا اغتسل]
مسألة وسئل مالك عن الجنب أيحرك لحيته بالماء إذا اغتسل؟ قال: نعم. فقيل له: فعند الوضوء؟ قال: يحرك ظاهرها من غير أن يدخل يده فيها، وهو مثل أصابع الرجل أراد أنها لا تخلل.
قال محمد بن رشد: قد مضى القول في تخليل الرجلين في آخر رسم "اغتسل". وأما تخليل اللحية في الوضوء ففيها ثلاثة أقوال: أحدها قوله في هذه الرواية وفي المدونة أنها لا تخلل، وهو قول ربيعة أن تخليلها مكروه، والثاني: أن تخليلها مستحب، وهو قول ابن حبيب في الواضحة، والثالث: أن تخليلها واجب، وهو قول مالك في رواية ابن وهب وابن نافع عنه حكاه ابن حارث. وقد مضى في رسم "أخذ يشرب خمرا" من توجيه الاختلاف في تخليلها في الغسل ما يدل على ذلك في الوضوء لمن فهم. وأظهر الأقوال
стр. 70
استحباب تخليلها، " فقد روي «أن عمار بن ياسر توضأ فخلل لحيته فقيل له: أتخلل لحيتك؟ فقال: وما يمنعني وقد رأيت رسول الله ﷺ يخلل لحيته» وبالله التوفيق.
[رجل جهل في السفر فتيمم فضرب ضربة واحدة ثم سأل عن ذلك بعد أيام]
من كتاب أوله المحرم يتخذ خرقة لفرجه وسئل مالك عن رجل جهل في السفر فتيمم فضرب ضربة واحدة فيمم بها وجهه ويديه وصلى، ثم سأل عن ذلك بعد أيام، قال: أرجو أن يجزئ عنه، وغير ذلك كان أصوب. قال ابن القاسم: لا أرى عليه إعادة في الوقت ولا بعده.
قال محمد بن رشد: قد مضى في الرسم الذي قبل هذا من التكلم على هذه المسألة بما فيه كفاية.
[مسألة: استنجى بدرة ثم توضأ وصلى]
مسألة وسئل عمن استنجى بدرة ثم توضأ وصلى. قال: صلاته تجزئه.
قال محمد بن رشد: قد مضى القول في هذه المسألة في رسم "سن" بما فيه كفاية.
[مسألة: الخفين وما يصيب أهل مصر في أخفافهم من الروث الرطب]
مسألة وسئل مالك عن الخفين وما يصيب أهل مصر في أخفافهم من الروث الرطب أيمسحه الرجل ويصلي به؟ قال: أرجو أن يكون واسعا إن شاء الله، وما الناس كلهم سواء، من الناس من يركب،
стр. 71
ومن الناس من يجعل زوجي خفاف لموضع البرد فينزع الأعلى، وأرجو أن يكون خفيفا. فقلت له: فأحب إليك أن ينزعه؟ قال: نعم، هو أحب إلي، ولا أراه ضيقا على الناس. فقيل له: فالعذرة يطأ عليها؟ قال: ليس هذا مثل الروث، والروث أسهل عندي من العذرة، ولا أرى أن يصلي بالعذرة حتى يغسلها. قال: والبول بول الناس عنده مثل العذرة وخرو الكلاب وما أشبهها لا يجزئ فيها إلا الغسل، إلا أرواث الدواب وأبوالها فإن المسح يجزئ فيها.
قال محمد بن رشد: وهذه المسألة قد تقدم الكلام عليها في رسم أوله "تأخير صلاة العشاء ".
[مسألة: الطعام يوقد بأرواث الحمير أيؤكل]
مسألة وسألته عن الطعام يوقد بأرواث الحمير أيؤكل أم لا؟ فقال لي: أما الخبز الذي ينضج فيه فلا يؤكل، وأما ما طبخ في القدر فأكله خفيف وهو يكره بدءا، وقال سحنون مثله.
قال محمد بن رشد: هذا نحو ما وقع في رسم "شك في طوافه" في بعض الروايات، قال: لا يوقد بعظام الميتة لا الطعام ولا الشراب، قال ابن القاسم: ولا أرى أن يوقد بها في الحمامات، قال ابن القاسم: ولا أرى بأسا أن تخلص بها الفضة من التراب إن شاء الله تعالى، ونفرد القول على هذه المسألة في موضعها. وهذا كما قال؛ لأن الخبز الذي ينضج فيه قد داخله من عين نجاسة الروث النجس وسرى فيه فنجس بذلك. وأما ما طبخ عليه في القدر فلم يصل إليه من عين النجاسة شيء ينجس به من أجل الحائل الذي بينه وبينه، وإنما يكره من أجل ما يصل إليه من دخان الروث النجس؛ لما في ذلك من الشبهة من أجل من يقول: إن الدخان نجس وإن لم يكن عندنا نجسا.
стр. 72
[مسألة: الرجل يتوضأ يريد بذلك طهر الوضوء هل يجزئ ذلك للصلاة]
مسألة وسئل مالك عن الرجل يتوضأ يريد بذلك طهر الوضوء، ولا يريد بذلك صلاة، فتحضره الصلاة، أفترى أن يصلي بذلك الوضوء؟ قال: نعم إذا أراد بذلك طهرا.
قال محمد بن رشد: لا إشكال أن يصلي صلاة الفريضة بهذا الوضوء؛ لأنه إذا نوى به الطهر فقد قصد به رفع الحدث، فهذا أعم ما ينوي المتوضئ بوضوئه. وإنما الكلام إذا لم يعم ويقصد رفع الحدث، وإنما توضأ لشيء يعنيه هل يصلي بذلك صلاة الفريضة أم لا؟ وهذا ينقسم على ثلاثة أقسام: أحدها: أن يتوضأ لما لا يصح فعله إلا بوضوء كمس المصحف أو الصلاة على جنازة وما أشبه ذلك، والثاني: أن يتوضأ لما يصح فعله بغير طهارة والوضوء له مشروع استحبابا كالنوم وقراءة القرآن طاهرا وما أشبهه، والثالث: أن يتوضأ لما لم يشرع له الوضوء أصلا كالدخول على السلطان وما أشبه ذلك. فالأول يصلي به باتفاق، والثاني يصلي به على اختلاف، والثالث لا يصلي به باتفاق، وبالله التوفيق.
[الرجل يمشي بخفيه في مكان القشب الرطب فيصيبه من ذلك أيصلي فيه]
من كتاب أوله حلف ليرفعن أمرا إلى السلطان وسئل مالك عن رجل يمشي بخفيه في مكان القشب الرطب فيصيبه من ذلك، أيصلي فيه؟ قال: لا، حتى يغسله أو يخلعه. قيل له: فالحديث الذي جاء في القشب؟ قال: ذلك القشب اليابس فيما تقول. قال ابن القاسم: ثم سمعته بعد ذلك يخففه في أرواث الدواب وأبوالها إذا مسحت وإن كانت طرية.
قال محمد بن رشد: قد تكررت هذه المسألة في مواضع، ومضى القول فيها في رسم "تأخير العشاء" ما فيه كفاية، وبالله التوفيق.
стр. 73
[مسألة: الرجل يمر تحت السقائف فيقع عليه ماؤها]
مسألة وسئل مالك عن الرجل يمر تحت السقائف فيقع عليه ماؤها، قال: أراه في سعة ما لم يستيقن بنجس.
قال محمد بن رشد: زاد في هذه المسألة في رسم "نقدها" من سماع عيسى: فإن سألهم، فقالوا: هو طاهر، فإنه يصدقهم إلا أن يكونوا نصارى فلا أرى ذلك. وهذا كما قال: إن النصارى يحمل ما سال عليه من عندهم على النجاسة ولا يصدقون إن قالوا: إنه طاهر، بخلاف المسلمين؛ لأنهم ممن يتوقى من النجاسة ويخاف من ربه العقوبة. وقد تكررت في هذا الرسم بعينه من كتاب الصلاة، وبالله التوفيق.
[مسألة: الدود يخرج من الدبر أترى فيه وضوءا]
مسألة وسئل مالك عن الدود يخرج من الدبر، أترى فيه وضوءا؟ قال مالك: لا، هو عندي مثل البول الذي يفلت من صاحبه. قال ابن القاسم: يريد السلس.
قال محمد بن رشد: هذه المسألة فيها ثلاثة أقوال: أحدها: أن لا وضوء عليه خرجت الدود نقية أو غير نقية، وهو المشهور في المذهب أن لا وضوء إلا فيما يخرج من السبيلين من المعتادات على العادة، والثاني: أنه لا وضوء [عليه] إلا فيما تخرج غير نقية، وهذا على قول من يرى الوضوء فيما خرج من السبيلين من المعتادات خرج على العادة أو على غير العادة، والثالث: أن عليه الوضوء وإن خرجت نقية، وهو قول ابن عبد الحكم خاصة
стр. 74
من أصحابنا؛ لأنه يرى الوضوء مما خرج من السبيلين من المعتادات وغير المعتادات، وبالله التوفيق.
من سماع أشهب وابن نافع عن مالك رواية سحنون
[تخليل اللحية في الوضوء]
من كتاب الجنائز وسئل مالك عن تخليل اللحية في الوضوء، قال: لا أرى ذلك عليه، يغسل وجهه ويمر يديه على لحيته. قيل له: أفيخلل لحيته من الجنابة؟ قال: نعم ويحركها، قد «كان رسول الله ﷺ يخلل أصول شعر رأسه من الجنابة» .
قال محمد بن رشد: دليل هذه الرواية أن تخليل اللحية مستحب عنده؛ لأنه لما نفى وجوب تخليلها بقوله: لا أرى ذلك عليه، دل على الاستحباب؛ إذ لا يقول أحد إن تخليلها من قبيل المباح. وقد تقدم القول في تخليلها في الوضوء في آخر رسم "نذر سنة" من سماع ابن القاسم، وفي تخليلها في غسل الجنابة في رسم "أخذ يشرب خمرا" منه بما لا معنى لإعادته هاهنا وبالله التوفيق.
[مسألة: تقبيل الرجل أخته أو ابنته أينقض الوضوء]
مسألة وسئل عن تقبيل الرجل أخته أو ابنته أينقض الوضوء؟ قال: لا.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن القبلة من الملامسة، فإنما ينتقض الوضوء من ناحية اللذة، والنساء في ذلك على ثلاثة أحوال: من لا يوجد في تقبيلهن لذة ومنهن من لا يُبتغى في تقبيلهن لذة، ومنهن من يُبتغى في تقبيلهن اللذة. فأما اللواتي لا يوجد في تقبيلهن لذة وهن الصغيرات اللواتي لا يشتهى مثلهن فلا وضوء في تقبيلهن وإن قصد بذلك اللذة ووجدها بقلبه إلا على مذهب من يوجب الوضوء في الالتذاذ بالتذكار. وأما اللواتي
стр. 75
لا يبتغى في تقبيلهن لذة وهن ذوات المحارم فلا وضوء في تقبيلهن إلا مع القصد إلى الالتذاذ بذلك من الفاسق الذي لا يتقي الله؛ لأن القصد في تقبيلهن الحنان والرحمة، فالأمر محمول على ذلك حتى يقصد سواه. وأما اللواتي يبتغى بتقبيلهن اللذة وهن من سوى ذوات المحارم فيجب الوضوء في تقبيلهن مع وجود اللذة أو القصد إليها وإن لم توجد، واختلف إذا عدم الأمران على قولين، وبالله التوفيق.
[مسألة: المسافر لا يجد وفي الرفقة من معه ماء أيتيمم للصلاة ولا يسألهم]
مسألة وسئل عن المسافر لا يكون معه ماء وقد حضرت الصلاة وفي الرفقة من معه ماء، أترى أن يتيمم ويصلي ولا يسألهم؟ أم ترى ألا يتيمم حتى يسألهم؟ فقال: يتيمم وهو يجد ماء، لا، ولكن يسأل من يليه ومن يظن أنه يعطيه. قبل أن يتيمم، وليس عليه أن يتبع أربعين رجلا في الرفقة فيسألهم كلهم، ولكن يسأل من يليه ويرجو ذلك منه.
قال محمد بن رشد: قد تقدم القول في هذه المسألة في رسم "شك في طوافه" من سماع ابن القاسم، ويأتي في رسم " أبي زيد " ما فيه زيادة في معناها.
[مسألة: المتوضئ في الصفر والحديد]
مسألة وسئل عن المتوضئ في الصفر والحديد، فقال: لا بأس بذلك، وقد أتي عبد الله بن عمر بوضوء في تور نحاس فأبى أن يتوضأ فيه، قال مالك: وأراه نحاه ناحية الفضة.
قال محمد بن رشد: معنى قول مالك في هذه المسألة: لا بأس بذلك؛ أي لا بأس ولا كراهية فيه عندي، وإن كان عبد الله بن عمر قد كرهه ونحا به ناحية الفضة.
следующие страницы →