Полный текст (9 112 стр.). Показаны 4306–4345 · переход к 4311.
стр. 4306
شذ منهم، فحط من السعر، أو باع بأغلى مما يبيع به عامتهم: إما أن تبيع بما يبيع به العامة، وإما أن ترفع من السوق، كما فعل عمر بن الخطاب ﵁ بحاطب بن أبي بلتعة، إذ مر به وهو يبيع زبيبا له في السوق، فقال له: إما أن تزيد في السعر، وإما أن ترفع من سوقنا؛ لأنه كان يبيع بالدرهم أقل مما كان يبيع به أهل السوق، وأما أهل الحوانيت والأسواق الذين يشترون من الجلاب وغيرهم جملا، ويبيعون ذلك على أيديهم مقطعا مثل اللحم والأدم والفواكه، فقيل: إنهم كالجلاب لا يسعر عليهم شيء من بياعتهم، وإنما يقال لمن شذ منهم وخرج عن الجمهور: إما أن تبيع كما يبع الناس، وإما أن ترفع من السوق، وهو قول مالك في هذه الرواية، في رسم باع شاة، من سماع عيسى.
وممن روي ذلك عنه من السلف عبد الله بن عمر، وقيل: إنهم في هذا بخلاف الجلاب، لا يتركون على البيع باختيارهم إذا غلوا على الناس ولم يقنعوا من الربح بما يشبه، كان على صاحب السوق الموكل على مصلحته أن يعرف بما يشترون، فيجعل لهم من الربح ما يشبه، وينهاهم أن يزيدوا على ذلك، ويتفقد السوق أبدا، فيمنعهم من الزيادة على الربح الذي جعل لهم كيف ما تقلب السعر من زيادة أو نقصان، فمن خالف أمره عاقبه بما يراه من الأدب، وبالإخراج من السوق إن كان معتادا لذلك مستسرا به، وهو قول مالك في رسم البيوع الأول، من سماع أشهب، وإليه ذهب ابن حبيب، وقاله من السلف جماعة منهم: سعيد بن المسيب، ويحيى بن سعيد، وهو مذهب الليث، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، ولا يجوز عند أحد من العلماء أن يقول لهم: لا تبيعوا إلا بكذا وكذا، ربحتم أو خسرتم من غير أن ينظر إلى ما يشترون به، ولا أن يقول لهم فيما قد اشتروه لا تبيعوه إلا بكذا وكذا مما هو مثل الثمن الذي اشتروه به أو أقل، وإذا ضرب لهم الربح على قدر ما يشترون به،
стр. 4307
مثل أن يقول لهم: تربحون في المدي كذا وكذا، فلا يتركهم أن يغلوا في الشراء، وإن لم يزيدوا في الربح؛ إذ قد يفعلون ذلك، ويتساهلون فيه؛ إذ لا ينتقصهم بذلك من ربحهم شيئا، وإذا علم ذلك منهم ضرب لهم الربح على ما يعلم من مبلغ السعر، وقال لهم: لا سبيل لكم أن تبيعوا إلا بكذا وكذا، فلا تشتروا إلا على هذا، وهو قول مالك في رسم البيوع الأول، من سماع أشهب: ليس بأيديكم شيء تعتلون به، اشتروا على ثلث رطل يسعره عليكم من الضأن، وعلى نصف رطل يسعره عليكم من الإبل؛ لأن ذلك إنما يجوز له أن يفعله إذا علم أنهم يتساهلون في الشراء، ويزيدون على القيمة، ويقولون له: لا حجة لك علينا؛ إذ لا نربح أكثر مما سميت لنا، فهذا تأويل الرواية، والله أعلم.
[مسألة: خمر تعمل من القز ثم يبل لها الخبز فيرش عليها لتشتد وتصفق]
مسألة وسئل عن خمر تعمل من القز، ثم يبل لها الخبز، فيرش عليها لتشتد وتصفق. قال: لا خير في هذا، هذا غش ولا يعجبني.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله، إن ذلك من الغش؛ لأن المشتري يظن أن شدتها إنما هو من ذاتها وصفاقة نسجها، فإن علم المشتري أنها مرشوشة بماء الخبز، وأن ذلك يشدها ويصفقها لم يكن له كلام، وإن لم يعلم أنها مرشوشة بذلك كان بالخيار بين أن يمسك أو يرد، فإن فاتت ردت إلى القيمة إن كانت القيمة أقل من الثمن، وكذلك إن علم أنها مرشوشة بذلك، ولم يعلم أن ذلك يشدها ويصفقها.
وسيأتي في رسم البيوع الأول، من سماع أشهب نحو هذا، وهذا على ما قاله ابن حبيب من أن ما يصنعه حاكة الديباج من تصميغها غش؛ لأنه وإن كان التصميغ لا يخفى على المشتري، فقد يخفى عليه قدر ما أحدث فيه من الشدة
стр. 4308
والتصفيق، وقد قال في الفراء يترب وجوه الفراء ليحسنها، ويغيب ما فيها من العيوب أن المشتري إن علم بتتريبها، فليس له ردها إلا أن يجد بها عيبا. وقاله ابن القاسم في رسم الجواب، من سماع عيسى، من كتاب العيوب؛ لأنه رأى تأثير التتريب غير خاف على من علم التتريب، بخلاف التصميغ، والله أعلم، ومما يشبه هذا ما قاله ابن حبيب أن من الغش ما يفعل النعال من تغليظهم حواشيها قبل أن تحذا ليواروا بذلك رقتها، ويزيدوا في تحسينها. قال: وعلى الإمام العادل تأديب من فعله، وللمشتري أن يرد ما اشترى منها قبل حذوها وبعد حذوها، والله الموفق.
[مسألة: الرجل يبيع نصف الوصيفة أو نصف الدابة ويشترط عليه نفقتها سنة]
مسألة وسئل عن الرجل يبيع نصف الوصيفة أو نصف الدابة من الرجل، ويشترط عليه نفقتها سنة، وأن له عليه إن ماتت الدابة أخذ ذلك منه، أو باعهما أو ماتتا، فذلك له عليه ثابت، وإن بقيت إلى ذلك، فهو حقه استوفاه منه، قال: لا بأس بذلك. أنكرها سحنون.
قال محمد بن رشد: وقعت هذه المسألة متكررة في هذا الرسم من هذا السماع، من كتاب جامع البيوع، ومضى القول عليها هناك مستوفى، فلا وجه لإعادته، وبالله التوفيق.
[: تلقي الركبان]
ومن كتاب أوله شك في طوافه وسئل مالك عن النفر من التجار يخرجون إلى الريف، فيشترون أغناما فيأتون بها قريبا من الفسطاط على قدر الميل ونحوه، فيجعلونها في مراعٍ ترعى فيه، ويشتد عليهم دخولها
стр. 4309
الفسطاط، ويكون ذلك أرفق بهم، فيدخل الرجل المدينة، فيدعو رجلا منهم يأمنه فيبيعه إياها، ثم يدخل المشتري لها قليلا قليلًا فيبيعها هو، قال: إني أخاف أن يكون من التلقي، وعندنا رجال يفعلونه ببلدنا؛ قلت له: أفتكرهه؟ قال: نعم، أكره أن يعمل به، وأراه من تلقي السلع.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال: إن ذلك من تلقي السلع؛ لأن المعنى في النهي عن تلقي السلع عند مالك، إنما أريد به نفع أهل الحاضرة، كما أريد بالنهي عن أن يبيع حاضر لباد نفع أهل الحاضرة بأن يكون البادي والجالب هو المتولي البيع في السوق على ما هو عليه من الجهل بالسوق، فيشتري أهل الحاضرة منه في السوق بما يرضى به من قليل الثمن وكثيره، فإذا باع الغنم الجالب لها من رجل من أهل الحاضرة قبل أن يصل إلى السوق، فكان هو الذي يقوم بها ويبيعها على معرفة، فقد قطع عن أهل الحاضرة الحق الذي جعله رسول الله ﷺ لهم في ذلك، والله الموفق.
[مسألة: العبد يشكو العزبة فيسأل سيده أن يبيعه لذلك]
مسألة وسئل عن العبد يشكو العزبة، فيسأل سيده أن يبيعه لذلك، ويقول: قد وجدت موضعا، قال: ليس ذلك على سيده، ولو جاز ذلك لقال ذلك الخدم.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال أنه ليس على الرجل واجبا أن يبيع عبده ممن يزوجه إذا سأله ذلك وشكا العزبة، وإنما يرغب في ذلك، ويندب إليه، وليس امتناعه منه من الضرر الذي يجب به بيعه عليه، كما ليس عليه أن يزوجه واجبا إذا سأله ذلك؛ لأن قول الله تعالى:
стр. 4310
﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور: ٣٢] ليس على الوجوب، إنما هو أمر بالإنكاح على سبيل الحض والترغيب، وإنما يباع عليه إذا تبين ضرره به في تجويعه وتعريته وتكليفه من العمل ما لا يطيق، وضربه في غير حق، إذا تكرر ذلك منه، أو كان شديدا منهكا. وسيأتي هذا المعنى في رسم حلف ليرفعن أمرا، ورسم صلى نهارا، وفي سماع أصبغ، عن أشهب، وهذا ما لا أعلم فيه اختلافا، والله أعلم.
[مسألة: الرجل يكتب ذكر الحق في المسجد]
مسألة وسئل مالك عن الرجل يكتب ذكر الحق في المسجد، قال: أما ما كان خفيفا، فلا بأس به، وأما الشيء يطول فلا أحبه.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال؛ لأن المساجد إنما وضعت لذكر الله والصلاة، قال الله : ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾ [النور: ٣٦] ﴿رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [النور: ٣٧] فواجب أن ترفع وتنزه عن أن تتخذ لغير ما وضعت له، وقد اتخذ عمر بن الخطاب ﵁ رحبة بناحية المسجد، فقال: من كان يريد أن يلغط أو ينشد شعرا، أو يرفع صوته، فليخرج إلى هذه الرحبة، وكان عطاء إذا مر به بعض من يبيع في المسجد دعاه فسأله ما معه، وما يريد، فإذا أخبره أنه يريد أن يبيعه، قال: عليك بسوق الدنيا، فإنما هذا سوق الآخرة، وبالله التوفيق.
[مسألة: الرجل يشتري الزعفران فيجده مغشوشا هل يرده]
مسألة وسئل مالك عن الرجل يشتري الزعفران فيجده مغشوشا؛
стр. 4311
أترى أن يرده؟ قال: نعم، أرى أن يرده، وليس عن هذا سألني صاحب السوق، إنما سألني أنه أراد أن يحرق المغشوش بالنار لما فيه من الغش، فنهيته عن ذلك.
وسئل مالك عما يغش من اللبن، أترى أن يراق؟ قال: لا، ولكن أرى أن يتصدق به على المساكين من غير ثمن إذا كان هو الذي غشه. قيل له: فالزعفران أو المسك أتراه مثله؟ قال: ما أشبهه بذلك إذا كان هو الذي غشه، فأراه مثل اللبن. وسئل ابن القاسم عن هذا، فقال: أما الشيء الخفيف من ذلك فلا أرى به بأسا، وأما إذا كثر ثمنه فلا أرى ذلك، وأرى على صاحبه العقوبة؛ لأنه يذهب في ذلك أموال عظام.
قال محمد بن رشد: لم ير مالك أن يحرق الزعفران المغشوش، ولا أن يراق اللبن المغشوش بالماء على الذي غشه، قال في رسم الأقضية الثاني من سماع أشهب: وأرى أن يضرب من أنهب أو انتهب، وأرى أن يتصدق بذلك على المساكين أدبا له، وسواء على مذهبه كان ذلك يسيرا أو كثيرا؛ لأنه ساوى في ذلك بين الزعفران واللبن والمسك، والمسك قليله كثير، وخالفه ابن القاسم، فلم ير أن يتصدق من ذلك إلا بما كان يسيرا، وذلك إذا كان هو الذي غشه، وأما من وجد عنده من ذلك شيء مغشوش لم يغشه هو، وإنما اشتراه أو وهب له أو ورثه، فلا اختلاف في أنه لا يتصدق بشيء من ذلك، والواجب أن يباع ممن يؤمن أن يبيعه من غيره مدلسا بذلك، وكذلك ما وجب أن يتصدق به من المسك والزعفران على الذي غشه، يباع ممن يؤمن أن يغش به ويتصدق بالثمن أدبا للغاش الذي غشه.
وقول ابن القاسم في أنه لا يتصدق من ذلك على الغاش إلا بالشيء اليسير أحسن من قول مالك؛ لأن الصدقة بذلك من العقوبات في الأموال،
стр. 4312
والعقوبات في الأموال أمر كان في أول الإسلام، من ذلك ما روي عن النبي ﵇ في مانع الزكاة: «إنما آخذها منه وشطر ماله عزمة من عزمات ربنا» ، وما روي عنه فيه: «حريسة الجبل أن فيها غرامة مثليها وجلدات نكال» ، وما روي عنه من «أن من أخذ بصيد في حرم المدينة شيئا، فلمن أخذه سلبه» ، ومن مثل هذا كثير، ثم نسخ ذلك كله بالإجماع على أن ذلك لا يجب، وعادت العقوبات في الأبدان، فكان قول ابن القاسم أولى بالصواب استحسانا، والقياس أن لا يتصدق من ذلك بقليل ولا كثير، وبالله التوفيق.
[مسألة: أصحاب القلانس يجعلون مع القطن صوفا يخلطونه به]
مسألة وسئل عن أصحاب القلانس، يجعلون مع القطن صوفا يخلطونه به، أو يجعلونه من تحته، قال: لا خير في هذا، وأراه من الغش، فقيل له: فالقطن الخلق مع الجديد، قال: لا خير فيه. قيل له: فإن أهل الحار يقدمون علينا بالقمح مغلوثا، يريد الكثير التبن، فيؤمرون بغربلته قبل أن يبيعوه، قال: هو من الحق، قال: وأرى أن يؤخذ الناس به.
قال محمد بن رشد: أما خلط الصوف مع القطن، أو القطن الخلق مع الجديد، أو جعله من تحته في القلانس أو غيرها، فلا إشكال في أن ذلك من الغش الذي لا يحل ولا يجوز، ولو اشترى رجل قلنسوة فوجد
стр. 4313
حشوها صوفا؛ لكان له أن يردها، وكذلك لو وجد حشوها قطنا باليا إلا أن تكون من القلانس التي العرف فيها أنها لا تحشى إلا بالقطن البالي، فلا يكون له أن يردها على قياس ما قال في أول رسم من سماع أشهب، من كتاب العيوب، في الذي يشتري القلنسوة السوداء فيجدها من ثوب ملبوس، وقد مضى القول على ذلك هناك، وأما غربلة القمح من التبن والغلث عند البيع، فذلك واجب إن كان التبن والغلث فيه كثير، يقع في أكثر من الثلث؛ لأن بيعه على ما هو عليه من الغرر، ويستحب إن كان التبن والغلث فيه يسيرا، وبالله التوفيق.
[مسألة: البساتين تكون حوالي الفسطاط يشتريها التجار ويبيعونها في الفسطاط]
مسألة وسئل مالك عن أجنة النخيل والأعناب التي تكون حوالي الفسطاط، فيخرج التجار إليها فيشترونها، ويحملونها في السفن فيبيعونها في الفسطاط، قال: لا بأس بذلك.
قال محمد بن رشد: قول مالك هذا خلاف قوله في رواية أشهب عنه في أول سماعه بعد هذا، مثل قول أشهب فيه من رأيه، ولكلا القولين وجه: فوجه قول مالك هذا اتباع ظواهر الآثار في أنها إنما وردت في تلقي الجلب قبل وصوله، ووجه قول أشهب مراعاة معنى الآثار في أن المعنى فيها نفع أهل الحاضرة، بأن يتولى الجالب إليها بيع ما يجلب، فيبيع بما يرضى به من قليل الثمن وكثيره، علم سعر الحاضرة أو جهله، وبالله التوفيق.
стр. 4314
[مسألة: الطحانون يشترون الطعام فيغلون بذلك أسعار الناس هل يمنعون]
مسألة وسئل مالك عن الطحانين يشترون الطعام فيغلون بذلك أسعار الناس، قال: أرى أن كل ما أضر بالناس في أسعارهم أن يمنعه الناس، فإن أضر ذلك بالناس منعوا منه.
قال محمد بن رشد: في شراء الطحانين الطعام جملة من الجلاب، وبيعه على أيديهم دقيقا، رفقا بعامة الناس؛ لمشقة الطحين عليهم إذا اشتروا القمح، فإن كان ذلك يغلي عليهم الأسعار، فالواجب أن ينظر السلطان في ذلك، فإن كان لا يفي المرفق الذي للعامة في ذلك بما يغليه من أسعارهم منع من ذلك، وإن كان يفي به أو يزيد عليه فيما يراه باجتهاده لم يمنع من ذلك، وأما شراء أهل الحوانيت الدقيق من الجلاب وبيعه على أيديهم من الناس، وشراء الطعام وبيعه على أيديهم غير مطحون، فلا وجه من الرفق في ذلك لعامة الناس، فينبغي أن يمنع من ذلك إذا كان فيه تغلية للأسعار، ويباح إذا لم يضر ذلك بالأسعار على مذهب من يجيز فيه الاحتكار، وهو مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك، وعليه يأتي إباحة ذلك في رسم يسلف بعد هذا، وقد قال ابن حبيب: إنه يمنع من ذلك في كل ما لا يجوز احتكاره من الطعام، وقد مضى تحصيل الاختلاف فيما يجوز احتكاره من الطعام مما لا يجوز في رسم البيوع الأول، من سماع أشهب، من كتاب جامع البيوع، وبالله التوفيق.
[: لبس الحزام للأنباط]
ومن كتاب أوله الشجرة تطعم بطنين في السنة وسئل مالك عن الحزم للأنباط؛ أترى أن يلزموا ذلك؟ قال: إني أحب لهم الذلة والصغار، فقال: قد كانوا يلزمون ذلك فيما مضى. قيل له: أفيكنون؟ قال: إني لأكره أن نرفع بهم، وقد كان قبل ذلك يرخص فيه. قال ابن القاسم: وأنا أرجو أن
стр. 4315
يكون خفيفا.
وحدثني مالك، عن هشام بن حكيم بن حزام مثل ما حدثني به أول، قال كان عمر بن الخطاب إذا سئل الأمر الذي لا ينبغي يقول: أما ما بقيت أنا وهشام فلا يكون ذلك، وقال هشام لبعض أمراء الشام وقد رأى نبطيا قد أقيموا في الشمس لخراجهم، فقال لهم: أشهد لسمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله ليعذب في الآخرة الذين يعذبون الناس في الدنيا» ، وكان هشام قد تبتل وترك نكاح النساء، وكان في حاله شبيها بالسياحة، لا أهل له ولا مال.
قال محمد بن رشد: ما رأى مالك من أن يلزم الأنباط الحزم صحيح لوجهين؛ أحدهما: ما ذكره من استحباب الذلة والصغار لهم؛ لقوله : ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة: ٢٩] إلى قوله: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] . والثاني: أن يعرفوا بذلك من المسلمين حتى لا يبدءوا بالسلام؛ لنهي النبي ﵇ عن ذلك، على ما جاء من أنه ﷺ قال: «إنا راكبون غدا إن شاء الله إلى يهود، فلا تبدءوهم بالسلام، وإذا سلموا عليكم فقولوا: وعليكم» ، وروي عنه ﷺ أنه قال: «لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام، وإذا لقيتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقها» ، وقال إبراهيم النخعي: لا بأس إذا كانت لك حاجة إلى النصراني الكحال، فأتيته أن تبدأه بالسلام، قال عبد
стр. 4316
الملك: هي رخصة عند الاضطرار، وكذلك ينبغي في سائر أهل الذمة من اليهود والنصارى أن يلزم النصارى منهم الحزم، واليهود علامة يعرفون بها، إذلالا لهم وصغارا، وحذرا للمسلمين من أن يظنوهم من المسلمين فيبدءوهم بالسلام.
روي عن عمر بن الخطاب أنه كتب إلى أمراء الأجناد يأمرهم أن يختموا في رقاب أهل الجزية بالرصاص، ويظهروا مناطقهم، ويجزوا نواصيهم، ويركبوا على الآكاف عرضا، ولا يدعونهم يشبهون المسلمين في لباسهم، وكراهيته لتكنيتهم صحيح أيضا؛ لأن تكنيتهم إكرام لهم، وترفيع بهم، وذلك خلاف ما يستحب من إذلالهم وإصغارهم لمحادتهم الله ورسوله، قال تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة: ٢٢] .
وترخيصه قبل ذلك في ذلك قريب من كراهيته لذلك؛ لأن الترخيص إنما يكون في المكروه لا في المباح، وكذلك قول ابن القاسم: وأنا أرجو أن يكون خفيفا هذا نحو قول مالك من أجل أن المكروه لا إثم في فعله، ويؤجر تاركه على تركه، ولا حجة لأحد في إباحة ذلك دون كراهة؛ لقول النبي ﷺ لصفوان بن أمية: «انزل أبا وهب» ؛ لأنه إنما قال له ذلك استئلافا له رجاء إسلامه، وكذلك قوله للذي كان يقبل عليه بحديثه من عظماء المشركين؛ إذ دخل عبد الله بن أم مكتوم: «يا أبا فلان، هل ترى بما أقول بأسا؟» لأنه إنما أقبل عليه بحديثه وكناه رجاء إسلامه وإسلام من وراءه بإسلامه، وإنما تكون تكنية الكافر مباحة إذا لم يقصد بذلك ترفيعه، وكانت الكنية كالاسم الذي يعرف به، وقد قال الله في كتابه: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ [المسد: ١] ، فذكره بكنيته، ولم يكن ذلك ثناء من الله عليه بذلك، ولا ترفيعا له، بل مقته بذلك، وأوعده بما أوعده به، وبالله التوفيق.
стр. 4317
[مسألة: الأدب للناس في حلفهم بالطلاق]
مسألة وسئل عن الأدب للناس في حلفهم بالطلاق، فقال: لقد سألني زياد عن الذي سألتني عنه، فقلت له: إنه الناس عن ذلك، فقال لي: إنهم لن ينتهوا إلا أن أضربهم، فقلت له: فافعل، اضربهم.
قال محمد بن رشد: الأدب في ذلك واجب لوجهين؛ أحدهما: ما ثبت من قول النبي ﵇: «من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت» ، وما روي عنه أنه قال: «لا تحلفوا بالطلاق والعتاق، فإنهما من أيمان الفساق» ، ذكر ذلك ابن حبيب في الواضحة. والثاني: أنه من اعتاد الحلف به لم يكد يخلص من الحنث به، فتكون زوجته تحته مطلقة من حيث لا يشعر، وقد قال مطرف وابن الماجشون: إن من لزم ذلك واعتاده فهو جرحة فيه، وإن لم يعرف حنثه، وقيل لمالك: إن هشام بن عبد الملك كتب أن يضرب في ذلك عشرة أسواط، فقال: أحسن إذ أمر فيه بالضرب، وروي أن عمر كتب أن يضرب في ذلك أربعين سوطا، وبالله التوفيق.
[مسألة: إتلاف الخمر لأهل الذمة]
مسألة قال سحنون: وحدثنا ابن القاسم قال: حدثنا مالك أن أبا أيوب الأنصاري نزل منزلا من قرى الشام وكان فيها مواليه، وكان ينهى عن الخمر فمرت به قطار تحمل الخمر، فقام إليها برمحه فبعج تلك الزقاق التي فيها الخمر فذهب ما فيها، فقال صاحب
стр. 4318
تلك الأرض: يا أبا أيوب، إن هذا يكسر خراجها، فقال أبو أيوب: لن أسكنها وخرج عنها.
قال محمد بن رشد: كان القطار التي مرت بأبي أيوب لأهل ذمة تلك القرية، والله أعلم، وإنما بعجها لإظهارهم الخمر في قرية يسكنها المسلمون معهم، وهذا هو الواجب ألا يباح لأهل الذمة إظهار الخمر والخنازير في موضع يسكنها المسلمون معهم، إلا أن يكونوا هم الغالبين عليهم، وإنما معهم من المسلمين الواحد والاثنان والقليل. وذلك فيما بعد من الحاضرة على ما يأتي بعد هذا، في رسم البيوع الثاني، من سماع أصبغ، وكذلك لا يباح لهم أن يحملوها من قرية من قراهم إلى قرية من قراهم، إلا بعد أن لا يسلكوا بها على شيء من حواضر الإسلام وقراهم.
وما ظهر إلى الإمام من خمرهم، فعليه أن يهرقها ويضرب حاملها، كان منهم أو من غيرهم، وإن خرج منهم رجل سكران في جماعة المسلمين كان عليه أن يضربه على ذلك، وكذلك يمنعون من إظهار صليبهم في أعيادهم واستسقائهم في جماعة المسلمين، فإن فعلوا كسرها وضربهم، قاله ابن حبيب وغيره. وقول صاحب الأرض لأبي أيوب: إن هذا يكسر خراجها، يقول: إذا فعل هذا بأهل القرية ضعفوا عن أداء ما لزمهم من الخراج، فأحفظه قوله غضبا لله، وحلف ألا يسكنها تنزها عن سكنى موضع تظهر فيه الخمر وتورعا عن ذلك رحمة الله عليه ورضوانه.
[مسألة: البيع على الوصف]
مسألة وسئل عن الرجل يبيع البز والطعام والغنم، وغير ذلك من
стр. 4319
السلع، فإذا كان ذلك على مسيرة اليوم واليومين جاءه خبر ذلك وصفته، فيخبر الناس بذلك فيقول له رجل بعينه: أفترى ذلك جائزا؟ قال: لا أراه جائزا، وأراه من التلقي، قيل له: فالبز من هذا. قال: نعم، البز مثل الطعام، ولا ينبغي أن يعمل في أمر واحد بأمرين مختلفين، وأكره ذلك، وأراه من تلقي السلع، ولا أرى أن يباع حتى يقدم به.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذه المسألة كالمعنى في أول مسألة من رسم شك في طوافه، وقد مضى القول عليها هناك، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
[: حكم نفخ اللحم كما يصنع الجزارون]
ومن كتاب أوله حلف ليرفعن أمرا إلى السلطان وسئل مالك عن نفخ اللحم كما يصنع الجزارون، فقال: إني لأكرهه، وأرى أن يمنعوا، وهو يغير طعمه، وقال أشهب في كتاب العتق: سمعت مالكا يقول: أرى أن يؤدب الجزارون الذين ينفخون اللحم، وأرى أن يمنعوا من ذلك.
قال محمد بن رشد: يعني بهذا النفخ، النفخ بعد السلخ الذي إنما يفعلونه ليظهر اللحم به سمينا، فيكره لوجهين؛ أحدهما: ما ذكره من أنه يغير طعم اللحم. والثاني: أنه من الغش المنهي عنه في البيوع؛ قال رسول الله ﷺ : «من غشنا فليس منا» ، أي ليس على هدينا وطريقتنا، ولو اشترى
стр. 4320
المشتري اللحم المنفوخ، ولم يعلم أنه منفوخ؛ لكان له أن يرده من ناحية الغش، ومن ناحية تغيير رائحته أيضا، ورده من جهة الغش أبين. وأما نفخ الذبيحة قبل السلخ، فلا كراهة فيه؛ لأنه يحتاج إليه، وفيه صلاح ومنفعة، وبالله التوفيق.
[مسألة: الدراهم النقص يبتاع الناس بها في أسواقهم هل تغير]
مسألة وسئل مالك عن الدراهم النقص يبتاع الناس بها في أسواقهم، أترى أن تغير؟ فقال: بل أرى أن تترك، وأرى في ذلك رفقا للناس، حتى إن الرجل ليأتي بالدرهم الوازن، فما يعطى به إلا شبه ما يعطى بالناقص، والمرأة تأتي بغزلها وما أشبهه، فأرى أن يتركوا ولا يمنعوا، وهو مرفق بالناس.
قال محمد بن رشد: رأى تغيير الدراهم الناقصة ومنع الناس من التجارة بها تضييقا على الناس؛ لأنهم يتسامحون فيها، فإن قطعت بارت على الناس، فلم ينتفعوا بها، ولا سومحوا فيها، والمسامحة في البيع والشراء محمودة، قال رسول الله ﷺ : «رحم الله عبدا سمحا إن باع، سمحا إن ابتاع، سمحا إن قضى سمحا، إن اقتضى. . .» ، وقوله: والمرأة تأتي بغزلها يريد أن المرأة قد تأتي بغزلها تبيعه، وتأخذ الدينار الناقص لجوازه بجواز الوازن، أو قرب ما بينهما، فإن غيرت النواقص وقطع التجر بها بار عليها دينارها الناقص الذي أخذته في مغزلها، فأضر ذلك بها، فليس للإمام أن يمنع الناس من أن يتجروا بالناقص، ويأخذوه باختيارهم، ولا له
стр. 4321
أيضا أن يلزمهم أن يتجروا به، ويأخذوه بغير اختيارهم، وذلك بين في رسم يسلف بعد هذا من سماع ابن القاسم، وبالله التوفيق.
[مسألة: عجوز أكلت لحم جاريتها]
مسألة وقال مالك في عجوز أكلت لحم جاريتها قيل له: يا أبا عبد الله نيبته؟ قال: لا، ولكن مضغته وأثرت بجلدها - وأشار بيده - أثرا شديدا، فأمرت صاحب السوق أن يبيعها، ولم ير في ذلك عتقا.
قال محمد بن رشد: ولو نيبتها لم تعتق، قال ذلك أشهب وسحنون، ومثله في كتاب ابن المواز أن المثلة إنما تكون فيما لا ينجبر، وأما العضة والتنيب، فليس بمثلة تعتق بها، ولكن يؤدب السيد، وكذلك الحرق بالنار لا يكون مثلة إلا أن يتفاحش منظره، قاله في المدونة، وكذلك حلق رأس الجارية، ولحية الغلام ليس بمثلة، إلا في العبد النبيل التاجر، والأمة الرائعة.
قاله ابن الماجشون، عن مالك في الواضحة، وإن كتب في جبهة عبده بنار أو مداد وإبرة عبد فلان عتق عليه، وقال أشهب: لا يعتق عليه، ولا اختلاف في أنه يعتق عليه إذا قطع جارحة من جوارحه أنملة فما فوقها، إلا الضرس الواحدة والسن الواحدة، فإن أصبغ لم ير ذلك مثلة، وقال: لا يعتق عليه إلا في جل الأسنان وجل الأضراس، وأما بيعها عليه فهو صحيح؛ لأن ما فعلته بها ضرر بين بها، فالواجب أن تخرج عن ملك من أضربها، كما تطلق المرأة على زوجها إذا أضر بها ولم يؤمن على غيبها، وبالله التوفيق.
стр. 4322
[: ليس للرجل أن يجعل على الرحبة نجافا وبابا ليختص بمنفعتها]
ومن كتاب أوله حديث طلق وسئل مالك عن رجل له داران، وهما في رحبة وأهل الطريق ربما ارتفقوا بذلك الفناء إذا ضاق الطريق على الأحمال وما أشبهها، فدخلوا فيه، فأراد أن يجعل عليه نجافا وبابا حتى تكون الرحبة له فناء، ولم يكن على الرحبة باب، ولا نجاف، قال: ليس ذلك له.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال: إنه ليس له أن يجعل على الرحبة نجافا وبابا ليختص بمنفعتها، ويقطع ما للناس من الحق في الارتفاق بها؛ لأن الأفنية لا تتحجر، إنما لأربابها الانتفاع بها، وكراؤها فيما لا يضيقها على المارة فيه من الناس، ولا يضر بهم فيه على ما يأتي في رسم تأخير صلاة العشاء بعد هذا، وقد اختلف أن يحجر من الفناء الواسع الشيء اليسير الذي لا يضر تحجيره بمن يمر في الطريق، هل يقر ذلك له أو يهدم عليه على ما يأتي في سماع زونان، وسماع أصبغ بعد هذا، وبالله التوفيق.
[مسألة: بيع العهدة أترى أن يحمل عليها أهل الأمصار]
مسألة وسألته عن بيع العهدة أترى أن يحمل عليها أهل الأمصار؟ فقال: وددت ذلك، ولكنهم لا يعبئون بها، ولقد كان ربيعة يقول: لوددت أن أمير المؤمنين جمع العلماء فاستشارهم في أمر الأحكام حتى يكتب لهم كتابا يجعله في الناس، يحملهم عليه كلهم حتى يكون ذلك أمرا واحدا، وقال مالك في بيع الجواري
стр. 4323
اللائي يراد بهن الوطء، ينبغي للإمام أن يتقدم إلى الناس في ذلك حتى يحملوا على المواضعة، وذكر ذلك عندما كلمته في بيع أهل منى، وأهل مصر عند الخروج إلى الحج في الغرباء الذين يقدمون فداء أن يحملوا على ذلك على ما أحبوا أو كرهوا.
وروى أشهب عن مالك في كتاب الأقضية الثاني، قال: سألت مالكا عن عهدة السنة والثلاث، أترى أن يحمل أهل الآفاق على ذلك؟ فقال: ما أرى ذلك، وأرى أن يتركوا على حالهم، وليس في مثل هذا شيء، وهذا مثل بيع البراءة عندنا، وهم هاهنا بمكة أقرب إلينا لا يعملون به، وأرى أن يقروا، وذلك مثل بيع البراءة عندنا، قلت له: أرأيت الجواري؟ قال: لا أرى أن يبعن كذلك، وأرى فيهن المواضعة في الحيضة بمنى وغيرها.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضى القول فيها مستوفى في رسم الأقضية الثاني، من سماع أشهب، من كتاب العيوب، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
[مسألة: المرأة تسأل زوجها أن تسلم على أخيها أو أبيها فيمنعها من ذلك]
مسألة وسئل مالك عن المرأة تسأل زوجها أن تسلم على أخيها أو أبيها، فيمنعها من ذلك، أترى ذلك له؟ قال: لا، ليس له أن يمنعها من ذلك، ما لم تكن تكثر، وللأمور التي يريد أن يمنعها
стр. 4324
لها وجوه، وليس كل النساء سواء، فأما المرأة المتجالة، فلا أرى ذلك له، ورب امرأة لا تؤمن في نفسها، فأرى ذلك له، فقيل له: أفتأذن له في ذلك وإن كره؟ قال: نعم، وإن هذا الأمر عندنا كثير يختصمون فيه، ولقد استشرت فيه، فرأيت أن يؤذن لهن إلا أن يكثرن من ذلك، أو يأتي من ذلك أمر لا يؤمن فيه، ولقد جاءني رجل فقال لي عن امرأة كان لها مال، وكانت تعطف به على زوجها، ثم إنها قطعت ذلك عنه، وأراد سفرا، وكانت في دار ليس معها فيها أحد إلا ذو محرم منها، فقال لها عند خروجه، وحرم عليها ألا تخرج من عتبة بيته، فأمرتها أن تخرج إليهم، ورأيت ذلك ضررا من فعله.
قال محمد بن رشد: قوله: إنه ليس له أن يمنع زوجته من الخروج إلى أبيها وأخيها، وأنه يقضى عليه بذلك، هو مثل ما في رسم الطلاق الثاني، من سماع أشهب، من كتاب الأيمان بالطلاق، خلاف ما ذهب إليه ابن حبيب من أنه لا يقضى عليه حتى يمنعها من الخروج إليهم، ويمنعهم من الدخول إليها، فحينئذ يقضى عليه بأحد الوجهين، كما أنه لا يحنث إذا حلف حتى يحلف على الطرفين، فيحنث في أحدهما، وهذا الخلاف عندي إنما هو في الشابة المأمونة، وأما المتجالة فلا اختلاف في أنه يقضى لها بالخروج إلى زيارة أبيها وأخيها، وأما الشابة غير المأمونة في نفسها فلا اختلاف في أنه لا يقضى لها بالخروج إلى ذلك ولا إلى الحج.
وروى ذلك ابن عبد الحكم عن مالك، والشابة محمولة على
стр. 4325
أنها مأمونة حتى يثبت عليها بأنها غير مأمونة، هذا تحصيل القول في هذه المسألة على ما تدل عليه هذه الرواية وغيرها، ويلزم الرجل أن يأذن لامرأته في أن يدخل عليها ذوات رحمها من النساء، ولا يكون ذلك من الرجال إلا في ذي المحرم منهم خاصة، وقد مضى في أول رسم من سماع أشهب، من كتاب الصلاة، تحصيل القول في خروج النساء إلى الجنائز والمساجد والعيدين، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
[مسألة: للشرط المتصرفين بين أيدي القضاء في أمور الأحكام رزق من بيت المال]
مسألة قال مالك: كان زياد بن عبيد الله يبعث شرطا في الأمر يكون بين الناس في المناهل، ويجعل لهم في أموالهم؛ فنهيته عن ذلك، وقلت: إنما هذا على السلطان يرزقهم، قيل له: فإن صاحب السوق جعل لمن ولي عليهم شركا معهم فيما اشتروا، فقال: ما أشرت به ولا أمرته بذلك، ثم قال: إن هذه الأمور يخاف فيها ما يخاف، وفسر فيها تفسيرا.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال: إن الواجب أن يجعل للشرط المتصرفين بين أيدي القضاء في أمور الأحكام رزقا من بيت المال؛ لأن ذلك من المنافع التي تعم المسلمين، فإن لم يفعل كان جعل الغلام المتصرف بين الخصمين على الطالب في إحضار خصمه المطلوب، إلا أن يلد المطلوب ويختفي ويغيب تعنيتا بالطالب، فيكون الجعل في إحضاره عليه، وأما جعل صاحب السوق لمن ولى على أهل السوق شركا معهم فيما اشتروا فالمكروه فيه بين، وذلك أنه إذا كان له معهم شرك فيما اشتروا سامحهم في الفساد لما له فيه من النصيب، وبالله التوفيق.
стр. 4326
[: الاشتراء من أهل الذمة وهم يلزمون بالخراج]
ومن كتاب أوله سن رسول الله وسئل مالك عن الاشتراء من أهل الذمة، وهم يلزمون بالخراج، فقال: إني لأكره الاشتراء منهم على هذه الحال، وعلى وجه الضغطة، فأما إذا لم يكن على هذه الحال، فلا أرى به بأسا، وقال ابن القاسم: قال مالك في الذي يضغط في الخراج، فيبيع بعض متاعه على وجه الضغطة. قال ابن القاسم: أرى أن يرد عليه ما باع بغير ثمن يؤخذ منه إذا كان بيعه إياه على عذاب أو ما أشبهه من الشدة؛ لأن أخذه الذهب على تلك الحال ليس بأخذ، ولا أرى لمشتري ذلك أن يستحله، ولا يحبسه.
قال محمد بن رشد: إنما يرد عليهم ما اشترى منهم على وجه الضغطة إذا كان الذي يطلبون به ويضغطون فيه ظلما وتعديا، أو كانوا فقراء لا يلزمهم ما وجب عليهم حتى يوسروا، فيبيع عليهم ما لا يلزم بيعه، كثوب يستتر به وشبهه، فهذا يلزم مشتريه رده؛ لأنه بيع عليه ظلما، فأما أن يباع عليه شيء في حق واجب عليه من جزيته أو من غير جزيته تحت الضغط والإكراه، فلا يرد عليه، وهو سائغ لمن اشتراه منه، وقد كان ينبغي أن يترفق بهم في تقاضي ذلك منهم، وألا يعذبوا، وسبيل المضغوط من المسلمين على بيع متاعه في غير حق سبيل الذمي في رد ماله عليه بغير ثمن، بل هو في المسلم أشد؛ لأن حرمته أعظم، قال ذلك ابن حبيب، وحكاه عن مالك من رواية ابن القاسم عنه، وعن مطرف، وابن عبد الحكم، وأصبغ.
وسواء علم المشتري في ذلك أنه مضغوط أو لم يعلم، قال ذلك ابن القاسم، عن مالك في المبسوطة، وسواء وصل الثمن من المبتاع إلى المضغوط، فدفعه المضغوط إلى الظالم، أو جهل هل دفعه إليه أو أدخله في منافعه، أو كان الظالم هو الذي تولى قبضه من المبتاع، للمضغوط في
стр. 4327
ذلك كله أن يأخذ ماله من المشتري، أو ممن اشتراه من المشتري بغير ثمن، ويرجع المشتري من المشتري من المضغوط على المشتري من المضغوط، والمشتري من المضغوط على الظالم الضاغط، إلا أن يعلم أن البائع أدخل الثمن في منافعه، ولم يدفعه إلى الظالم، فلا يكون له إلى ذلك سبيل حتى يدفع الثمن إلى المشتري.
قال ذلك كله ابن حبيب في الواضحة، وحكاه عن مطرف، وابن عبد الحكم، وأصبغ، وذهب سحنون إلى أنه إذا كان المضغوط هو البائع القابض للثمن، فلا سبيل له إلى ما باع إلا بعد غرم الثمن، وحكاه عن مالك، وقال ابن كنانة: بيعه لازم له، غير مفسوخ عنه، وهو أحرى لوجوبه عليه ولزومه إياه؛ لأنه أنقذه مما كان فيه من العذاب والسجن، والذي مضى عليه عمل القضاة أنه من تصرف للسلطان في أخذ المال وإعطائه، أنه إذا أضغط فيه فبيعه جائز، ولا رجوع له فيه، وإن كان ممن لم يتصرف في أخذ المال وإعطائه، فلا يشتري منه إذا أضغطه، فإن اشترى منه، فله القيام، وهو صحيح؛ لأنه إذا ضغط فيما خرج عليه من المال الذي تصرف فيه، أو تبين أنه حصل عنده، فلم يضغط إلا فيما صار عنده من أموال المسلمين، وذلك حق، وبالله التوفيق.
[مسألة: لا تترك المرأة الشابة تجلس إلى الصناع]
مسألة قال مالك: أرى للإمام أن يتقدم إلى الصناع في قعود النساء إليهم، وأرى ألا تترك المرأة الشابة تجلس إلى الصناع، فأما المرأة المتجالة، والخادم الدون التي لا تتهم على القعود، ولا يتهم من تقعد عنده، فإني لا أرى بذلك بأسا.
стр. 4328
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال من أنه يجب على السلطان تفقد مثل هذا والنظر فيه؛ لأنه مسئول عنه، قال رسول الله ﷺ : «الإمام راع وهو مسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها وهي مسئولة عن رعيتها، والعبد راع في مال سيده وهو مسئول عن رعيته؛ ألا وكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته» ، وقد قال رسول الله ﷺ : «ما تركت أضر على الرجال من النساء» ، وقال: «باعدوا بين أنفاس الرجال والنساء» ، وبالله التوفيق.
[: يكره أن ينقش البسر بالمدية حتى يصير رطبا]
ومن كتاب أوله أخذ يشرب خمرا وسئل مالك وكلم صاحب السوق في رطب يبيعونه مغمقا أن يتقدم إليهم إلا يبيعوه، وأن يضرب الذي استعمله عليهم إن غيب لهم في ذلك، وقد قال أيضا في كتاب أوله حلف ليرفعن أمرا إلى السلطان: وأنا أكره أن ينقش البسر بالمدية حتى يصير رطبا، وإنما كرهه لموضع الفساد للثمرة ورأى ذلك فسادا للثمرة، وقوله ينقش يعجلها عن إبلاغ طيبها من غير رش، وقوله مغمقا يرشونه بالخل، ويغمونه ليسرع طيبه.
قال محمد بن رشد: وقع هذا التفسير في بعض الكتب، وهو صحيح؛ لأن النقش هو أن يؤثر في البشرة أثرا كالجرح، فيسرع إليها الترطيب، والتغمم هو أن يرش البسر بالخل، ثم يغم فيسرع إليه الترطيب، وذلك كله فساد وغش للثمرة في الموضع الذي يرطب فيه البسر إذا
стр. 4329
ترك، وأما في مثل الأندلس الذي لا يرطب فيه البسر، ويفسد إن ترك فجائز أن يجد بسرا، ويغم بعد الرش بالخل، وأن ينقش؛ لأن ذلك صلاح له، وليس بغش فيه، لاستواء معرفة الناس في ذلك، وهذا نحو ما قال في سماع أشهب، من كتاب جامع البيوع، من أن الموز الذي لا يطيب حتى يقطع جائز أن يباع قبل أن يطيب، وقد مضى القول على ذلك هنالك، فلا معنى لإعادة ذكر ذلك، وبالله التوفيق.
[: الذين يبيعون على أيديهم يشترون الطعام والقطاني من أهل السوق فيبيعون]
ومن كتاب أوله يسلف في المتاع والحيوان وسئل مالك عن أهل السوق الذين يبيعون على أيديهم، يشترون الطعام والقطاني من أهل السوق فيبيعون؛ قال مالك؛ لم يزل ذلك من أمر الناس، ولا أرى به بأسا مثل أهل الحوانيت الذين يبيعون بالفلوس، ويشترون من أهل السواحل، أو أهل الجمل.
قال محمد بن رشد: إنما أجاز ذلك، ولم ير به بأسا إذا كان ذلك لا يضر بالأسعار على أصل مذهبه في إباحة الاحتكار في الطعام في وقت كثرته، إذا لم يغل ذلك الأسعار على المسلمين، ولا كان فيه ضرر عليهم، وقد مضى هذا المعنى وذكر الاختلاف فيه في آخر رسم شك، فلا معنى لإعادته، والله الموفق.
[مسألة: كراهة تعليم الرجل ابنه كتاب العجم]
مسألة وقال مالك: أكره للرجل المسلم أن يحضر ابنه في كتاب العجم، فيتعلم الوقف كتاب الأعجمية، وأكره للمعلم المسلم أن يعلم أحدا من النصارى الخط أو غيره.
стр. 4330
قال الإمام القاضي أبو الوليد: الكراهية في هذا كله بينة، أما تعليم الرجل ابنه كتاب العجم، فللاشتغال بما لا منفعة فيه، ولا فائدة له، عما له منفعة وفائدة مع ما فيه من إدخال السرور عليهم بإظهار المنفعة بكتابهم والرغبة في تعليمه، وذلك من توليهم، وقد قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١] ، وأما تعليم المسلم النصراني، فلما فيه من الذريعة إلى قراءتهم القرآن مع ما هم عليه من التكذيب له والكفر به، وقد قال ابن حبيب في الواضحة: إن ذلك ممن فعله مسقط لإمامته وشهادته، وقد مضى ذلك في سماع أشهب، من كتاب الجعل والإجارة، والله الموفق.
[مسألة: صياح الإمام في الناس بجواز ذهبهم كلها]
مسألة وسئل مالك عن صياح الإمام في الناس بجواز ذهبهم كلها، فقال: ما يعجبني ذلك، وما أرى أن يفعل ذلك بالناس، ولا أحب أن يكره الناس على ذلك، وأرى أن لا يكره الناس إلا بما أحبوا من النقد، فقلت له: يا أبا عبد الله: إن عندنا دنانير دمشقية توضع في عيونها درهم لكل دينار، وذلك أن الصيارفة ردوها ليأخذوا على عيوبها، وهي عندكم جارية، فلا ترى مثل هذا للإمام أن يقصر الناس عليه. قال مالك: لا أرى ذلك يبيع الرجل بأي نقد أحب، ولا يكره أحد على شيء.
قال محمد بن رشد: معنى ما سأله عنه من صياح الإمام في الناس بجواز ذهبهم كلها هو أن يجوزوا فيما بينهم جميع الأذهاب إذا لم تكن مغشوشة، ولا يردوا منها شيئا، وإن اختلفت أعيانها، فكره الصيارفة
стр. 4331
بعضها، وردوها إذا كان ردهم إياها لغير غش. وقوله في المنع من ذلك صحيح؛ إذ لا يلزم أحدا أن يبيع إلا بما يرضى به من النقد، قال تعالى: ﴿إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] ، وقد مضى هذا المعنى في رسم حلف، وبالله التوفيق.
[مسألة: أيام الحصاد يدخل الناس أطعماتهم بالفسطاط ويخزنونها]
مسألة وسألت مالكا عن أيام الحصاد يدخل الناس أطعماتهم بالفسطاط ويخزنونها، ثم يحتاج إليها بعد ذلك أهل الريف والسواحل، أترى أن يتركوا أن يشتروا من الفسطاط؟ فقال: إن كان عندهم ما يغنيهم، فلا أرى ذلك، وإن لم يكن عندهم ما يغنيهم، واحتاجوا إلى الطعام رأيت أن يشتروا.
قال محمد بن رشد: قوله في أهل الريف والسواحل: إنه إن كان عندهم ما يغنيهم، فلا أرى أن يتركوا أن يشتروا من الفسطاط؛ ظاهره أنه إن كان عندهم ما يغنيهم، فلا يتركوا أن يشتروا للحكرة من الفسطاط، وإن لم يضر ذلك بأهل الفسطاط، ولا غلى عليهم أسعارهم، ومذهبه في المدونة أنهم لا يمنعون أن يحتكروا من الفسطاط إن لم يضر ذلك بهم، ولا غلى عليهم أسعارهم، فعلى ما في المدونة يحتكر أهل الريف والسواحل من الفسطاط، إن لم يضر ذلك بهم، كما يحتكر أهل الفسطاط من الريف والسواحل، وعلى هذه الرواية لا يحتكر أهل السواحل والريف من الفسطاط، ويحتكر أهل الفسطاط من الريف والسواحل.
ووجه ذلك أن الحواضر فيها يوجد الطعام عند الشدائد، فهي غياث للبوادي، وقوله: وإن لم يكن عندهم ما يغنيهم، يريد أهل السواحل والريف واحتاجوا، رأيت أن يشتروا، يريد وإن أضر ذلك بأهل الفسطاط، وأما أهل القرى التي فيها الأسواق فحكمها حكم
стр. 4332
الفسطاط، وقد نص على ذلك في المدونة، فلا يحتكر هؤلاء من هؤلاء، ولا هؤلاء من هؤلاء، إذا أضر ذلك بهم، وغلى عليهم أسعارهم، ومن احتاج منهم، ولم يكن عنده ما يغنيه؛ كان له أن يشتري ما يحتاج إليه لقوت هؤلاء من هؤلاء، وهؤلاء من هؤلاء، وإن أضر ذلك بهم، وغلى عليهم أسعارهم؛ لأن المواساة بين جميع المسلمين واجبة عند الحاجة، وبالله التوفيق.
[مسألة: كنائس الفسطاط المحدثة في خطط الإسلام هل تغير وتهدم]
مسألة وسئل مالك عن الكنائس التي في الفسطاط المحدثة في خطط الإسلام، إن أعطوهم العراض، وأكروها منهم يبنون فيها الكنائس، قال مالك: أرى أن تغير وتهدم، ولا يتركوا ذلك، ولا خير فيه.
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما في المدونة وغيرها، وهو مما لا اختلاف فيه أعلمه، والأصل في ذلك ما روي أن رسول الله ﷺ قال: «لا ترفعن فيكم يهودية ولا نصرانية» يعني البيع والكنائس، وإنما يكون لأهل الصلح أن يحدثوا الكنائس في قراهم التي صالحوا عليها، وأن يرموا كنائسهم القديمة، إذا كانوا منقطعين عن دار الإسلام وحريمه، ولم يسكن المسلمون معهم في موضعهم، وإن لم يشترطوه. قال ذلك ابن حبيب في الواضحة، وحكاه عن مطرف، وابن الماجشون، وما إذا كانت قراهم في بلاد الإسلام، فليس ذلك لهم، إلا أن يكون لهم أمر أعطوه، قاله مالك في المدونة، واختلف في أهل العنوة، فقال ابن القاسم: ليس ذلك
стр. 4333
لهم، وقال غيره: ذلك لهم، والقولان في الجعل والإجارة من المدونة، وبالله التوفيق.
[: المدني يقدم بتجارة لمصرأيقوم معه المصري في بيعها]
ومن كتاب أوله تأخير صلاة الإمام في الحرس وسئل مالك عن الرجل من أهل المدينة يقدم بتجارة إلى مصر، أيقوم معه المصري في بيعها؟ قال: «نهى رسول الله ﷺ أن يبيع حاضر لباد» قيل: أفترى مصريا باديا؟ قال: وكذلك المدني يقدم مصر، فيقوم معه في بيع سلعته، فلا أرى أن يقوم مصري مع مدني، ولا مدني مع مصري يبيع له، ولا يشير عليه، قيل له: أويبتاع له؟ قال: إني لأخفف أن يبتاع له، ولا أحب أن يبيع له، قال ابن القاسم: وقد قال لي مالك قبل ذلك: إنما أكره من المدنيين والمصريين غير أهل المدائن، فأما من كان منهم من القرى الذين يشبهون أهل البادية، فأولئك عندي مثل أهل البادية، ولا أرى أن يباع لهم، فأما في أهل المدائن، ويبيع بعضهم لبعض، فأرجو أن يكون ذلك خفيفا، وهو أحب قوله إلي. قال ابن القاسم: ومن كان من أهل البادية أو القرى الذين يشبهون أهل البادية، فلا يباع لهم، ولا يشار عليهم، ولا بأس أن يشترى لهم.
стр. 4334
قال محمد بن رشد: قد مضت هذه المسألة والقول فيها مستوفى في أول رسم من كتاب حلف ليرفعن رجلا، فلا معنى لإعادة ذلك، وبالله التوفيق.
[مسألة: كراء الأفنية التي في طريق المسلمين]
مسألة وسئل مالك عن الأفنية التي تكون في الطرق يكريها أهلها، أترى ذلك لهم، وهي طريق للمسلمين؟ فقال: أما كل فناء ضيق إذا وضع فيه شيء أضر ذلك بالمسلمين في طريقهم، فلا أرى أن يمكن أحد من الانتفاع به وأن يمنعوا، وأما كل فناء إن انتفع به أهله لم يضيق على المسلمين في ممرهم شيئا لسعته، لم أر بذلك بأسا. قال النبي ﷺ : «لا ضرر ولا ضرار» فإذا وضع في طريق المسلمين ما يضيق به عليهم، فقد أضر بهم.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال، إن لأهل الأفنية أن يكروها ممن يضع فيها ما لا يضيق به الطريق على المارة فيه؛ لأنه إذا كان لهم أن ينتفعوا بها على هذه الصفة، وكانوا أحق بذلك من غيرهم، كان لهم أن يكروها؛ لأن ما كان للرجل أن ينتفع به كان له أن يكريه، وهذا ما لا أعلم فيه اختلافا، وإنما الذي لا يباح لصاحب الفناء أن يقتطعه ويدخله في داره، فإن فعل وكان ذلك يضر بالطريق هدم عليه، وأعيد إلى حاله، واختلف إن كان لا يضر، فقيل: إنه يهدم عليه أيضا، وهو قول أشهب وابن
стр. 4335
وهب في سماع زونان، وقيل: إنه لا يهدم عليه، وهو قول أصبغ وروايته عن أشهب في رسم الأقضية والحبس، من سماع أصبغ، وقد مضى ذكر هذا في رسم طلق قبل هذا، وبالله التوفيق.
[مسألة: النصراني يستكتب أي يُتخذ كاتبا]
مسألة وسئل عن النصراني يستكتب، فقال: لا أرى ذلك، إن الكاتب يستشار، فيستشار النصراني في أمور المسلمين وغير ذلك، فما يعجبني أن يستكتب.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله، ومثله في الأقضية من المدونة، ولا ينبغي أيضا أن يستكتب القاضي من المسلمين إلا العدول المرضيين، وبالله التوفيق.
[مسألة: الرجل يقضي الرجل ذهبا في المسجد]
مسألة وسئل عن الرجل يقضي الرجل ذهبا في المسجد، فقال: لا أرى به بأسا، وأما ما كان على وجه التجارة والصرف، فلا أحبه.
قال محمد بن رشد: هذا نحو ما مضى في رسم شك في طوافه، في كتاب ذكر الحق في المسجد، والمعنى فيه بين، على ما ذكرته هناك، وبالله التوفيق.
[مسألة: النظر في النجوم وعلم الحساب]
مسألة وسئل عن الرجل ينظر في النجوم فيقول: الشمس تكسف
стр. 4336
غدا، والرجل يقدم غدا، أو ما أشبه هذا. قال: أرى أن يزجر عن ذلك، فإن لم يفعل أدب في ذلك، ثم قال: وإني لأرى هؤلاء المعالجين الذين يعالجون المجانين، ويزعمون أنهم إنما يعالجون بالقرآن، وقد كذبوا ليس كما قالوا، ولو كانوا يعلمون ذلك لعلمته الأنبياء، قد صنع لرسول الله ﷺ سم، فلم يعرفه حتى أخبرته الشاة، وإني لا أرى هذا ينظر في الغيب، وإنها عندي لمن حبائل الشيطان.
قال محمد بن رشد: ليس قول الرجل الشمس تكسف غدا، أو القمر ليلة كذا، من جهة النظر في النجوم وعلم الحساب بمنزلة قوله من هذا الوجه فلان يقدم غدا في جميع الوجوه؛ لأن الشمس والقمر مسخران لله تعالى في السماء، يجريان في أفلاكهما من برج إلى برج على ترتيب وقدر وحساب لا يتعديانه، قال الله تعالى: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس: ٣٩] ، وقال: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ [الرحمن: ٥] ، وقال: ﴿فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠] ؛ فالقمر سريع الذهاب يقطع جميع برج السماء في شهر واحد، ولا تقطعها الشمس إلا في اثني عشر شهرا، فهو يدرك الشمس في آخر كل شهر، ويصير بإزائها من البرج الذي هي فيه، ثم يخلفها، فإذا بعد عنها استهل، وكلما زاد بعده منها زاد ضوؤه، إلى أن ينتهي
стр. 4337
في البعد ليلة أربعة عشر، فتكمل استدارته وضوؤه لمقابلته الشمس، ثم يأخذ في القرب منها، فلا يزال ضوؤه ينقص إلى أن يدرك الشمس فيصير بإزائها على ما أحكمه خالق الليل والنهار، لا إله إلا هو.
فإذا قدر الله تعالى على ما أحكمه من أمره وقدره من منازله في مسيره أن يكون بإزاء الشمس في النهار فيما بين الأبصار وبين الشمس ستر جرمه عنا ضوء الشمس كله إن كان مقابله، أو بعضه إن كان منحرفا عنها، فكان ذلك هو الكسوف للشمس، آية من آيات الله تعالى، يخوف الله بها عباده، كما قال : ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء: ٥٩] ، ولذلك أمر النبي ﵇ بالدعاء عند ذلك، وسن له صلاة الكسوف، فليس في معرفة وقت الكسوف بما ذكرناه من جهة النجوم وطريق الحساب ادعاء علم غيب، ولا ضلالة وكفر على وجه من الوجوه، ولكنه يكره الاشتغال به؛ لأنه مما لا يعني، وقد قال رسول الله ﷺ : «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» وفي الإنذار به قبل أن يكون ضرر في الدين؛ لأن من سمعه من الجهال يظن أن ذلك من علم الغيب، وأن المنجمين يدركون علم الغيب من ناحية النظر في النجوم، فوجب أن يزجر عن ذلك قائله، ويؤدب عليه كما قال؛ لأن ذلك من حبائل الشيطان.
وأما قوله: فلان يقدم غدا، فهو من التخرص في علم الغيب والقضاء بالنجوم، وقد اختلف في المنجم يقضي بتنجيمه، فيقول: إنه يعلم متى يقدم فلان، ووقت نزول المطر، وما في الأرحام، وما يستتر الناس به من الأخبار، وما يحدث من الفتن والأهوال، وما أشبه ذلك من المغيبات، فقيل: إن ذلك كفر يجب به القتل دون استتابة؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلا كُفُورًا﴾ [الفرقان: ٥٠]
стр. 4338
ولقول النبي ﵇: قال تعالى: «أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر بي، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب» . وقيل: إنه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل.
روي ذلك عن أشهب، وقيل: إنه يزجر عن ذلك ويؤدب عنه، وهو قوله في هذه الرواية، والذي أقول به: إن هذا ليس باختلاف قول في موضع واحد، وإنما هو اختلاف في الأحكام بحسب اختلاف الأحوال، فإذا كان المنجم يزعم أن النجوم واختلافها في الطلوع والغروب هي الفاعلة لذلك كله، وكان مستسرا بذلك، فحضرته البينة قتل بلا استتابة، فهو كافر زنديق، وإن كان معلنا بذلك غير مستتر به يظهره ويحاج عليه استتيب، فإن تاب وإلا قتل كالمرتد سواء، وإن كان مؤمنا بالله تعالى مقرا بأن النجوم واختلافها في الطلوع والغروب لا تأثير لها في شيء مما يحدث في العالم، وأن الله تعالى هو الفاعل لذلك كله، إلا أنه جعلها أدلة ما يفعله، فهذا يزجر عن اعتقاده ويؤدب عليه أبدا حتى يكف عنه ويرجع عن اعتقاده ويتوب عنه؛ لأن ذلك بدعة يجرج بها، فتسقط إمامته وشهادته على ما قاله سحنون في نوازله، من كتاب الشهادات، ولا يحل لمسلم أن يصدقه في شيء مما يقول، وأنى يصح أن يجتمع في قلب مسلم تصديقه مع قَوْله تَعَالَى: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥] ، وقوله: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ٢٦]
стр. 4339
﴿إِلا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن: ٢٧] ، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان: ٣٤] ، وروي عن النبي ﵇ أنه قال: «من صدق كاهنا أو عرافا أو منجما، فقد كفر بما أنزل على قلب محمد» ، ويمكن أن يصادف في بعض الجمل وذلك من حبائل الشيطان، فلا ينبغي أن يغتر أحد بذلك، ويجعله دليلا على صدقه فيما يقول، كما لا ينبغي أن يصدق المعالجون الذين يعالجون المجانين فيما يزعمون من أنهم يعالجون بالقرآن، فلا يعلم الأمور الغائبة على وجهها وتفاصيلها إلا علام الغيوب، أو من أطلعه عليها علام الغيوب؛ ليكون ذلك دليلا على صحة نبوته، قال في كتابه حاكيا عن عيسى ابن مريم ﵊: ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٤٩] .
فادعاء معرفة ذلك، والإخبار به على الوجه الذي تعرفه الأنبياء، وتخبر به تكذيب لدلالتهم، وفي دون هذا كفاية لمن شرح الله صدره وهداه، ولم يرد إضلاله وإغواءه، والذي ينبغي أن يعتقد فيما يخبرون من الجمل، فيصيبون مثل ما روي عن هرقل أنه أخبر أنه نظر في النجوم، فرأى ملك الختان قد ظهر إن ذلك إنما هو على معنى التجربة التي قد تصدق في الغالب، من نحو قول النبي ﷺ : «إذا نشأت بحرية ثم تشاءمت فتلك عين غديقة» ، وبالله التوفيق.
стр. 4340
[: الطبيب يسقي النصراني أو المسلم الدواء فيموت منه]
ومن كتاب أوله كتاب عليه رجل ذكر حق وسئل مالك عن طبيب عالج رجلا فأتى على يديه فيه، قال: إن كان الطبيب ليس له علم، ووجد بينة أنه دخل في ذلك ظلما وجرأة، وأنه ليس ممن يعمل مثل هذا، وليست له به معرفة، فأرى أن يستأذن عليه، وإني لأحب للإمام أن يتقدم إلى هؤلاء الأطباء في قطع العروق وما أشبهه، ألا يقدم أحد منهم على عمله إلا بإذنه، فإني لا أزال أسمع بطبيب قد عالج رجلا فقطع عرقه أو صنع به شيئا، فأعنته فمات منه، ثم قال: أتى على يدي، ولم أره يجعل على الذي عرف بالعلاج فيعالج بما يعرف شيئا، ولكنه يستحب أن ينهى عن الأشياء التي فيها هلاك الناس إلا بإذن الإمام. قال عيسى: غر من نفسه أو لم يغر ذلك خطأ، وديته على عاقلته.
قال محمد بن رشد: تحصيل القول في هذه المسألة أن الطبيب إذا عالج الرجل فسقاه، فمات من سقيه، أو كواه فمات من كيه، أو قطع منه شيئا فمات من قطعه، أو الحجام إذا ختن الصبي فمات من ذلك، أو قلع ضرس الرجل فمات من ذلك، فلا ضمان على واحد منهما في ماله ولا على عاقلته إذا لم يخطئا في فعلهما، إلا أن يكون قد تقدم السلطان إلى الأطباء والحجامين ألا يقدموا على شيء مما فيه غرر إلا بإذنه، ففعلوا ذلك بغير إذنه، فأتى على أيديهم فيه بموت أو ذهاب حاسة أو عضو، فيكون عليهم الضمان في أموالهم، هذا ظاهر ما في رسم العقول بعد هذا في سماع أشهب.
وقال ابن دحون: إن ذلك يكون على العاقلة إلا
стр. 4341
فيما دون الثلث، وذلك خلاف الرواية المذكورة، وأما إذا أخطأ في فعلهما مثل أن يسقي الطبيب المريض ما لا يوافق مرضه، فيموت من ذلك، أو تزل يد الخاتن أو القاطع فيتجاوز في القطع، أو يد الكاوي فيتجاوز في الكي، أو يكون ما لا يوافقه الكي فيموت منه، أو يقلع الحجام غير الضرس التي أمر بها، وما أشبه ذلك، فإن كان من أهل المعرفة، ولم يغر مع نفسه فذلك خطأ يكون على العاقلة، إلا أن يكون أقل من الثلث فيكون ذلك في ماله، وأما إن كان لا يحسن وغر من نفسه، فعليه العقوبة من الإمام بالضرب والسجن، واختلف في الدية، فقيل: إنها تكون عليه في ماله، ولا يكون على العاقلة من ذلك شيء، وهو ظاهر قوله في هذه الرواية، وقيل: إن كان ذلك خطأ يكون على العاقلة، إلا أن يكون أقل من الثلث، فيكون ذلك في ماله، وأما إن كان لا يحسن وغر من نفسه، فعليه العقوبة من الإمام بالضرب والسجن.
واختلف في الدية، فقيل: إنها تكون عليه في ماله، ولا يكون على العاقلة من ذلك شيء، وهو ظاهر قوله في هذه الرواية، وقيل: إن كان ذلك خطأ يكون على العاقلة، إلا أن يكون أقل من الثلث، فيكون في ماله، وهو قول عيسى بن دينار هاهنا، وظاهر رواية أصبغ عن ابن القاسم في كتاب الديات؛ لأنه قال في الطبيب يسقي النصراني أو المسلم الدواء فيموت منه: إنه لا شيء عليه إلا أن يعلم أنه أراد قتله؛ لأن تأويل ذلك أن الدية على عاقلته مثل قول عيسى هاهنا، وظاهر رواية أصبغ عن ابن القاسم، والكفارة تابعة للدية، حيث ما لزمت الدية العاقلة؛ لكون القتل خطأ محضا أو في المال؛ لما فيه من شبهة العمد لزمت الكفارة، وحيث ما لم تلزم الدية لم تلزم الكفارة إلا استحسانا، حسبما قاله مالك في رسم البز، من سماع ابن القاسم، من كتاب الديات في الصبي تسقيه أمه الدواء، فيشربه فيموت.
وإذا تقدم السلطان إلى الأطباء ألا يداوي أحدهم ما يخاف منه، وفيه غرر إلا بإذنه، فوجه العمل في ذلك إذا استؤذن أن يجمع أهل تلك الصناعة، فإن رأوا أن يداوى العليل بذلك الدواء المخوف داواه به؛ لم يكن عليه شيء، ولا على عاقلته إن مات منه، وإن رأوا ألا يجبر عليه بذلك الدواء المخوف نهاه عن سقيه إياه، فإن تعدى ضمن في ماله، وقيل على العاقلة، وبالله التوفيق.
стр. 4342
[: التناجش أن يكون الرجل يعطي الرجل السوم وهو ليس من حاجته]
ومن كتاب أوله اغتسل على غير نية وقال مالك: التناجش أن يكون الرجل يعطي الرجل السوم، وهو ليس من حاجته؛ لأن يقتدي به أحد من أهل الاشتراء، فيغتر به؛ فهذا التناجش.
قال محمد بن رشد: فإن فعل ذلك أحد ليس من قبل البائع، ولا كان له فيه سبب؛ لزم المشتري البيع، ولم يكن له فيه خيار، وباء الناجش بالإثم في ذلك، وأما إن كان البائع دس الناجش ليزيد في سلعته، أو كان من سببه مثل عبده أو أجيره أو شريكه، أو ما أشبه هؤلاء ممن هو من ناحيته، فالمشتري بالخيار في رد السلعة إن كانت قائمة أو التمسك بها بالثمن الذي اشتراها به، وإن فاتت في يديه ردت إلى القيمة إن كانت القيمة أقل من الثمن الذي اشتراها به، قال ذلك ابن حبيب في الواضحة، وهو صحيح على أصولهم، وبالله التوفيق.
[مسألة: تفسير لا يبع حاضر لباد]
مسألة وقال مالك في تفسير «لا يبع حاضر لباد» : أهل البادية وأهل القرى، وأما أهل المدائن من أهل الريف؛ فإنه ليس بالبيع لهم بأس ممن يرى أنه يعرف السوم، إلا من كان منهم يشبه البادية، فإني لا أرى لأحد أن يبيع لهم.
قال محمد بن رشد: قد تقدمت هذه المسألة والاختلاف فيها في رسم، أو له تأخير صلاة العشاء في الحرس، ومضى تحصيله في رسم حلف ألا يبيع سلعة سماها، فلا معنى لإعادة ذلك، وبالله التوفيق.
стр. 4343
[: بيع المدر الذي يأكله الناس]
ومن كتاب البز وسئل مالك عن بيع المدر الذي يأكله الناس، فقال: ما يعجبني ذلك أن يباع ما يضر بالناس، فإنه ينبغي للإمام أن ينهى الناس عما يضرهم في دينهم ودنياهم، ثم قال يقول الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة: ٤] أفالطين من الطيبات؟ إني لأرى لصاحب السوق أن يمنعهم من بيعه وينهى عنه.
قال الإمام القاضي أبو الوليد: هذا كما قال: إنه إذا كان الناس يأكلونه، وهو مضر بهم، فلا ينبغي أن يباع، ويجب على الإمام أن ينهى عن ذلك، وهذا إذا لم يكن له وجه إلا الأكل؛ لأنه إذا لم يكن له وجه إلا الأكل، وكان يضر الآكلين له بكل حال، فهو كالسم الذي قد أجمع الناس على تحريم بيعه، وقال سحنون في كتاب الشرح: لا يحل بيعه، ولا ملكه.
وأما إن كانت به منفعة لغير الأكل، فلا ينبغي أن يمنع بيعه جملة، وإنما ينبغي أن يباع ممن يصرفه في غير الأكل، ويؤمن أن يبيعه ممن يأكله. وقد قال ابن المواز: أكره أكله، فأما بيعه فلا أدري، قد يشترى لغير وجه. وقال ابن الماجشون: أكله حرام، وفي احتجاج مالك بالآية التي احتج بها على أنه لا يستباح إلا ما أحل الله نحو قول ابن الماجشون. وروى عنه ابن القاسم في الجامع قال: كل أمر أحله الله فاتبعوه، ونهي نهى الله عنه فاجتنبوه، وعفو عفا الله عنه فدعوه، وقد قيل: إن المسكوت عنه مباح، وإلى هذا ذهب أبو الفرج.
وجه القول الأول من طريق النظر أنه قد ثبت أن الأشياء ملك لمالك، والأصل أنه لا يستباح ملك أحد إلا بإذنه، ووجه القول الثاني: أن خلق الله تعالى له دليل على الإباحة؛ إذ لا يجوز أن يخلقه عبثا لغير وجه منفعة، وبالله التوفيق.
стр. 4344
[: إذا غلا الطعام واحتيج إليه وبالبلد طعام يأمر الإمام أهله فيخرجوه للسوق]
ومن كتاب أوله باع غلاما بعشرين دينارا قال مالك: إذا غلا الطعام، واحتيج إليه، وكان بالبلد طعام، فلا أرى بأسا أن يأمر الإمام أهله فيخرجوه إلى السوق، فيباع إذا احتاج الناس إليه، وإنما يكون ذلك عند حاجة الناس، وليس في كل زمان.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال، ومثله في كتاب ابن المواز، وهو أمر لا أعلم فيه خلافا؛ لأن هذا وشبهه مما يجب الحكم فيه للعامة على الخاصة؛ إذ لا يصح أن يترك الناس يجوعون، وفي البلد طعام عند من لا يريده إلا للبيع، ومما يشبه هذا من منفعة العامة قول النبي ﵇: «لا يبع حاضر لباد» ، «ولا تلقوا السلع حتى يهبط بها إلى الأسواق» ، فلما رأى رسول الله ﷺ أن ذلك يصلح للعامة أمر فيه بذلك، ولما حكم ﷺ بالشفعة للشريك على المشتري، ووجب أن يؤخذ منه الشقص الذي اشترى بالثمن شاء أو أبى لمنفعة الشريك بذلك، وإزاحة ضرر الشركة عنه، كان أحق أن يؤخذ الطعام من الذي هو عنده بالثمن لمنفعة عامة الناس بذلك، وإزاحة الضرر عنهم، ولا ضرر في ذلك على البائع؛ إذ لم يؤخذ منه إلا بالثمن الذي يسوى في السوق، وبالله التوفيق.
[مسألة: يمنع من السوق كل من لا يبصر البيع من المسلمين]
مسألة قال مالك: كتب عمر بن الخطاب إلى أمراء الأجناد: إن
стр. 4345
الله قد أغنى بالمسلمين، فلا تجعلوا النصراني في أعمالكم، يريد ألا يكونوا جزارين ولا صرافين مع المسلمين؛ لأن الله قد أغنى بالإسلام وكثروا. وفي أهل الإسلام ما جزأ من تباعاتهم. قال سحنون: ويمنع من السوق كل من لا يبصر البيع من المسلمين.
قال محمد بن رشد: هذا من معنى ما تقدم في المسألة التي قبلها في الحكم على الخاصة بما فيه منفعة للعامة، وإزاحة الضرر عنهم؛ لأنه إذا كان يجب النظر لهم على الخاصة في أمور الدنيا كان في أمر الدين أولى؛ لأن النصارى يستحلون الربا والجهال يقعون فيه؛ إذ لا يمكنهم التوقي منه بجهلهم، وذلك يضر بعامة الناس، فوجب أن يحكم لهم بذلك عليهم، ولهذا المعنى يجب إخراج من تعود الغش من المسلمين، ولم يردعه الأدب عنه من السوق، وقد مضى هذا المعنى في رسم حلف ألا يبيع رجلا سلعة سماها، وبالله التوفيق.
[: الأمة إذا استباعت من ساداتها]
ومن كتاب أوله صلى نهارا ثلاث ركعات وسئل مالك عن الأمة إذا استباعت من ساداتها، قال: ينظر في ذلك، فإن كان ضررا بيعت، وإن كان ليس بضرر ما هي فيه لم تبع.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قال؛ إذ ليس في مقدار الضرر الذي يجب به أن تباع على ساداتها حد إلا الاجتهاد، وقد مضى هذا المعنى في رسم شك، ورسم حلف ليرفعن أمرا ويأتي أيضا في سماع أصبغ، وبالله التوفيق.
следующие страницы →