Полный текст (9 112 стр.). Показаны 4376–4415 · переход к 4381.
стр. 4376
أرى به بأسا ما لم يعظمنه جدا كأسنة البخت العجاف، فهي إذا عظمت شبيهة بذلك، فأما ما كان مقتصدا، فلا بأس بذلك كان شكل النساء عندنا قديما ثم تركنه، وأراه من شكل نساء العرب قديما.
قال محمد بن رشد: أما الغش الذي ذكر أن النساء يضعنه، فالكراهة فيه بينة؛ لأنه القصة المنهي عنها في حديث معاوية؛ إذ خطب الناس بالمدينة، فتناول قصة من شعر كانت بيد حرسي، فقال: يا أهل المدينة، أين علماؤكم؟ سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن مثل هذه، وقال: «إنما هلك بنو إسرائيل حين اتخذ هذه نساؤهم» ، وهي شبه الجمة من الشعر أو الوبر، تضعها المرأة التي لا شعر لها، أو التي لها شعر لطيف على رأسها تراءى به أنه شعرها، وقد لعن رسول الله ﷺ الواصلة والمستوصلة، هذا من ذلك المعنى.
وإنما النونة التي لم ير بها أصبغ بأسا للمرأة ما لم تعظمه جدا حتى يكون كسنام البعير الأعجف، فهو شيء كان النساء يصنعنه فيضعنه على رءوسهن تحت أخمرتهن هيئة من هيئاتهن، لا تشبه به أنه شعرها، فلا وجه للكراهة فيه، وإنما كره ما عظم منه لخروجه عن شكل نساء العرب، وكونه تشبه شكل نساء العجم، والتزيي بزي العجم مكروه للنساء كما هو للرجل، فهذا وجه قوله عندي، والله أعلم.
[مسألة: خلط اللحم السمين بالمهزول]
مسألة وسئل عن الجزار يكون عنده اللحم السمين، واللحم
стр. 4377
المهزول فيخلطهما جميعا فيبيعها بوزن واحد مخلوطا، والمشتري يرى ما فيه من المهزول والسمين، غير أنه لا يعرف وزن هذا من هذا، قال ابن القاسم: إذا كانت الأرطال اليسيرة الخمسة والستة، ومثل ما يشتري الناس على المجاز بالدرهم والدرهمين ونحو ذلك، فلا أرى به بأسا، وإن كثرت الأرطال مثل العشرين والثلاثين وما أشبه ذلك فلا خير فيه، وأرى أن يمنع الجزارون من مثل هذا أن يخلطوا السمين والمهزول، وأراه من الغش، ولا أرى ذلك يجوز لهم.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال؛ لأن البيوع لا تنفك عن الغرر اليسير فهو مستخف فيها مستجاز، ومن الدليل على ذلك أن رسول الله ﷺ «نهى عن بيع الغرر،» والبيع لا يوصف بأنه بيع غرر حتى يكون الغرر ظاهرا فيه وغالبا عليه، وإنما يجوز شراء الأرطال اليسيرة من اللحم المخلوط السمين بالمهزول إذا اشتراه كله، فرأى ما فيه من السمين والمهزول، وإن لم يعرف حقيقة ما يقع من هذا؛ لأن الغرر في هذا خفيف يسير، فأما إن كان إنما يشتري منه وزنا معلوما على أن يعطيه إياه من السمين والمهزول وهو لا يدري قدر ما يعطيه من كل واحد منهما، ولا يراه حتى يزنه فلا يجوز قليلا كان أو كثيرا، إلا أن يقع شراؤه على أنه في الخيار فيه حتى يفرزه ويزنه، وعلى هذا المعنى يجوز عندنا شراء التين الأخضر على العد؛ لأنه لو اشترى منه من جملة تينه مائة تينة في التمثيل على أن يعدها له البائع، أو على أن يعدها المبتاع لنفسه ليختارها لم يجز
стр. 4378
لأن البيع إن وقع بينهما على أن يعدها له البائع كان غررا، إذ لا يدري المبتاع ما يعطيه البائع لأنه يتفاوت تفاوتا بعيدا في الصغر والكبر والنضج والطيب، وإن وقع بينهما على أن يعدها المبتاع لنفسه ويختار دخله التفاضل فيما لا يجوز التفاضل فيه، وبيع الطعام قبل استيفائه؛ لأنه مخير بين أن يأخذ الصغير أو الكبير فكأن قد باع أحدهما بالآخر، فلا يجوز البيع في ذلك إلا على أن يكون المبتاع بالخيار حتى (يعد) له ما يعد فإن رضي أخذ وإلا ترك، وهذه المسألة تحمل على جواز صبرتين صغيرتين مختلفتين في الجودة، أو في النوع على كل واحد، فإن كانتا كبيرتين لم تجز لأنه خطر، إذ لا يدرى قدر ما في كل واحدة، فإن كثرت الجيدة غبن البائع، وإن قلت غبن المشتري، فإن صغرتا حتى يعلم قدر كل واحدة جاز على ما قال في اللحم، فهو قياسه، وبالله التوفيق.
[مسألة: خلط الزيت الرديء بالجيد]
مسألة وسألته: عن الرجل يخلط الزيت الرديء بالجيد، والقمح الرديء بالجيد، هل يحل شيء من هذا؟ قال ابن القاسم: لا خير في هذا ولا يحل، وهذا من الغش فلا يحل، وإن كان يريد أن (يبين) إذا باع فلا خير في ذلك، ولا يحل له خلطه، ولا أدري كيف سألت عن هذا؟ وقال لي مالك مرة في شيء سألته عنه: أنت حتى الساعة هاهنا تسأل عن مثل هذا.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال، إن خلط الجيد بالرديء للبيع من الغش الذي لا يجوز لأحد أن يفعله، وإن بين عند البيع أنه مخلوط،
стр. 4379
وينبغي للإمام أن يمنع منه ويضرب عليه، فإن فعل كان للمشتري أن يرد وإن بين أنه مخلوط جيد برديء، إلا أن يبين مقدار الرديء الذي خلطه بالجيد وصفتهما جميعا قبل الخلط حتى يستوي علمهما فيه، فلا يكون للمشتري حينئذ أن يرد، ويكون هو قد باء بالإثم في خلطه، إذ قد يغش به غيره؛ لأنه مما يمكن الغش به، وإنما يجوز له أن يبيعه على هذا البيان التام ممن يعلم أنه لا يغش به، أو ممن لا يدري ما يصنع به، ويكره له أن يبيعه ممن يخشى أن يغش به، ولا يجوز له أن يبيعه ممن يعلم أنه يغش به على ما مضى القول فيه في رسم الرهون.
وهذا في الصنف الذي يختلط ولا يمتاز بعد الخلط جيده من رديئه كالزيت والسمن والعسل وشبه ذلك، وأما الصنفان اللذان يمتازان بعد الخلط إلا أنه لا يعلم مقدار كل واحد منهما من صاحبه كالقمح والشعير، أو السمن والعسل أو الغلث والطعام وما أشبه ذلك فإن كان أحد الصنفين منهما يسيرا جدا تبعا لصاحبه جاز أن يبيع ولا يبين؛ لأن المشتري يراه ويعرفه، وإن لم يكن أحدهما يسيرا ولا تبعا لصاحبه، فلا يخلو من أن يكون يمكن تمييزه أو لا يمكن تمييزه، فإن كان مما يمكن تمييزه كالغلث مع الطعام، واللحم السمين مع المهزول وما أشبه ذلك، فلا يجوز أن يباع الكثير من ذلك على ما هو عليه حتى يميز أحدهما عن صاحبه، ويجوز أن يباع القليل منه على ما هو عليه على ما قاله في المسألة التي قبل هذه في اللحم السمين والمهزول، وإن كان مما لا يمكن تمييز أحدهما من صاحبه كالسمن من العسل، والقمح من الشعير، والماء من اللبن، وما أشبه (ذلك) ممن يأكله ويؤمن أن يغش به.
قاله ابن حبيب في الواضحة في اللبن والعسل المغشوش بالماء، وقيل: إن ذلك لا يجوز، وهو قول مالك في الواضحة.
وكتاب ابن المواز: أن من خلط قمحا بشعير لقوته فيكره له أن يبيع ما فضل له منه، يريد إلا أن يبين مقدار الشعير فيه من القمح، وقيل: إن كان خلطه للبيع لم يجز أن يبيعه، وإن كان خلطه للأكل جاز له أن يبيعه، وهو قول ابن القاسم في كتاب ابن
стр. 4380
المواز، وقيل: إنه لا يجوز له أن يبيعه إلا أن يكون يسيرا خلطه للأكل، وهو قول مطرف وابن الماجشون في الواضحة، فهذا تحصيل القول في هذه المسألة، وبالله التوفيق.
[مسألة: البدوي يبعث للحضري بمتاع يبيعه له هل يصح]
مسألة وسألته: عن البدوي يبعث إلى الحضري بمتاع يبيعه له، هل يصلح له ذلك؟ قال ابن القاسم: لا يصلح أن يبيعه له، ولا يشير عليه في البيع إن قدم، ولا بأس أن يشير عليه في الاشتراء، وأن يشتري له، وأن يجهز له عليه، ورواها أصبغ، وقال: لا بأس أن يشتري لرسوله.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال، إنه لا يجوز له أن يبيع له متاعه الذي بعث به، كما لا يجوز (له) أن يبيعه له إذا قدم به؛ لأن رسول الله ﷺ «نهى أن يبيع حاضر لباد» (فعم) ولم يخص حاضرا من غائب، فوجب أن يحمل على عمومه (في الوجهين) الاشتراء لرسوله يجوز كما يجور الاشتراء له، وقد مضى القول على ذلك في رسم سلعة سماها من سماع ابن القاسم، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
[: لا بأس أن يقطع الرجل الدنانير والدراهم حليا لنسائه]
ومن كتاب القطعان وقال ابن القاسم: لا بأس أن يقطع الرجل الدنانير والدراهم حليا لبناته ونسائه، وقال ابن وهب مثله.
стр. 4381
قال محمد بن رشد: هذا كما قال؛ لأن الكراهية في قطع الدنانير إنما هي لما يوجب ذلك من فساد النقود التي يبتاع الناس بها، وقد مضى في رسم شك في طوافه، ورسم تأخير العشاء من سماع ابن القاسم من كتاب الصرف بيان ما لا يجوز من ذلك (وما يكره) وما يجوز منه وما يتفق عليه من ذلك، وما يختلف فيه، فلا معنى لإعادة شيء من ذلك هاهنا، فقطعها ليعمل منها حلي خارج عن ذلك كله جائز باتفاق، ولا وجه للكراهية فيه، وبالله التوفيق.
[مسألة: الذي يعمل الدوامات للصبيان يبيعها منهم]
مسألة وسئل ابن القاسم: عن الذي يعمل الدوامات للصبيان يبيعها منهم، فقال: أكرهها له.
قال محمد بن رشد: إنما كره ذلك له من أجل بيعه إياها من الصبيان، ولا يدري هل أذن لهم في ذلك آباؤهم أم لا؟ إلا أنه لما كان الأظهر أنهم مطلقون على ذلك ليسارة ثمنه، كرهه ولم يحرمه، ولو علم رضا آبائهم بذلك لم يكن لكراهيته وجه، وإن اللعب مباح لهم لا يمنعون منه، قال ذلك ابن شعبان وهو صحيح، لقول الله تعالى، حاكيا عن إخوة يوسف لأبيهم في يوسف أخيهم: (أرسله معنا غدا نرتع ونلعب) ، وبالله التوفيق.
[: السوق وما يباع فيه هل يقوَّّّّّّّّّم على أهله]
ومن كتاب أوله باع شاة وسئل عن السوق وما يباع فيه، هل يقوم على أهله؟ قال ابن القاسم؛ قال مالك: لا يقوم عليهم شيء، وإنما يصنع فيه
стр. 4382
كما صنع عمر بن الخطاب بحاطب بن أبي بلتعة، قلت: فالبقول والكراث والبصل والزيت والعسل واللحم وجميع الأشياء لا يقوم عليهم شيء من ذلك؟ قال: لا، قلت: لا على أصحاب الحوانيت ولا على غيرهم؟ قال: نعم، لا على أصحاب الحوانيت ولا غيرهم، وإنما يقال لمن حط السعر وأدخل على الناس فسادا: إما أن تلحق بأسعار الناس وإما أن ترفع من سوقنا.
قلت: فلو أن واحدا قام واللحم ثلاثة أرطال فباع أربعة، هل يقام له الناس؟ قال: لا يقام له الناس، لا لواحد ولا لاثنين ولا لثلاثة ولا لأربعة ولا لخمسة، ولو رفع لواحد لاشترى سلع الناس بحكمه، إذ لا يبيع معه أحد، فيدخل على الناس في ذلك ضرر، ولكن يبيع هو ويبيع الناس معه، ولا يقام لواحد، وإنما يقام الواحد والاثنان إذا كان جل الناس على سعر، فقام الواحد أو الاثنان فحطوا من السعر فأدخلوا الفساد فأولئك يقامون من السوق أو يلحقون بسعر الناس.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضى القول عليها مستوفى في رسم حلف ألا يبيع رجلا سلعة سماها من سماع ابن القاسم فلا وجه لإعادته هنا مرة أخرى، وبالله التوفيق.
[: الأجذم الشديد الجذام أيحال بينه وبين وطء رقيقه]
ومن كتاب العتق وسئل ابن القاسم: عن الأجذم الشديد الجذام، أيحال بينه وبين وطء رقيقه؟ فقال: نعم، إذا كان في ذلك ضرر، رأيت أن يمنع من ذلك، وإنما فرق بينه وبين الحرة حين حدث ذلك به،
стр. 4383
وهي عنده لموضع الضرر، وسئل عنها سحنون غير مرة، فقال: لا أرى أن يحال بين الأجذم ووطء إمائه.
(قال محمد) بن رشد: قياس ابن القاسم الأمة في هذا على الحرة صحيح، فهو أظهر من قول سحنون، وقد قال رسول الله ﷺ : «لا عدوى ولا هام ولا صفر ولا يحل الممرض على المصح وليحل المصح حيث شاء"، قالوا: يا رسول الله، وما ذاك؟ قال رسول الله ﷺ : "إنه أذى» ، وما نهى عنه رسول الله، وقال فيه: إنه أذى فالمنع منه واجب، وقد مر عمر بن الخطاب بامرأة مجذومة وهي تطوف بالبيت، فقال لها: "يا أمة الله، لا تؤذي الناس لو جلست في بيتك " فجلست.
وإذا وجب بهذا وما أشبهه من الأحاديث أن يحال بين المجذومين وبين اختلاطهم بالناس لما في ذلك من الإذاية لهم والضرر بهم كان منع الرجل المجذوم من وطء إمائه أوجب؛ لأن الضرر بذلك عليهن أكثر، ووجه قول سحنون إن المجذوم يحتاج إلى النساء، فرأى الضرر الداخل على المجذوم في ترك وطء إمائه أكثر من الضرر الداخل
стр. 4384
عليهن في وطئه إياهن، إذ قد يئول ذلك به إلى العنت، فرأى ألا يحال بينه وبين ذلك لقول النبي ﵇: «إذا اجتمع ضرران نُفِيَ الأصغر للأكبر» ، وبالله التوفيق.
[: الإجبار على هدم الجدار المائل]
من سماع يحيى بن يحيى من ابن القاسم قال يحيى: وسألت ابن القاسم عن جدار رجل بين داره ودار جاره مال ميلا شديدا حتى خيف انهدامه، أترى للسلطان إذا شكا، ذلك (جاره) وما يخاف من ضرره وإذائه أن يأمر صاحبه بهدمه؟ فقال: نعم، ذلك واجب عليه أن يأمره بهدمه، قلت: فعلى من بنيانه؟ قال: يقال لجاره إن شئت فاستر على نفسك أو دع، ولا يجبر صاحب الجدار على بنيانه، قيل له: أيبني جاره ما يستتر به في موضع الجدار؟ فقال: ليس ذلك له، وإنما يقال له: إن شئت أن تبني في أرضك وحوز دارك وتستر وإلا فدع.
قيل: فإن شكا إليه ما يخاف من انهدام الجدار فلم يهدمه حتى انهدم على إنسان أو دابة أو بيت لضيق به، فقتل أو هدم ما سقط عليه أيضمن ذلك صاحب الجدار؟ قال: نعم، يضمن كل ما أصاب الجدار بعد الشكاية إليه والبيان له.
قال يحيى: وإن لم يكن ذلك بسلطان فإنه ضامن إذا تقدم إليه وأشهد عليه.
قال محمد بن رشد: قوله إن الحائط إذا هدمه بأمر السلطان خوف سقوطه أنه لا يلزمه إعادته، خلاف قوله في سماع يحيى من كتاب الأقضية، ومثل قوله في رسم إن خرجت من سماع عيسى منه، وقد مضى
стр. 4385
هناك تحصيل القول في هذا المعنى فلا وجه لإعادته.
وقول يحيى إنه ضامن لما أفسد الحائط إن انهدم بعد التقدم إليه والإشهاد عليه، وإن لم يكن ذلك بسلطان مفسر لقول ابن القاسم، ومثل ما في المدونة.
وقد قيل: إنه لا ضمان عليه إلا فيما فسد بانهدامه بعد أن قضى عليه السلطان بهدمه ففرط في ذلك، وهو قول عبد الملك، وقول ابن وهب في سماع زونان بعد هذا من هذا الكتاب، وقد قيل: إنه ضامن لما أصاب إذا تركه بعد أن بلغ حدا كان يجب عليه هدمه وإن لم يتقدم في ذلك إليه ولا أشهد عليه، وهو قول أشهب وسحنون.
وما أصاب الجمل الصئول والكلب العقور في الموضع الذي يجوز اتخاذه فيه يجري على هذا الاختلاف، والضمان في ذلك لا يتعدى المال إلى العاقلة عند ابن القاسم، كذلك روى عيسى عنه في رسم لم يدرك من كتاب الديات، وهو ظاهر قوله في ظاهر هذه الرواية، وروى زونان في سماعه عن ابن وهب أن العاقلة تحمل من ذلك الثلث فصاعدا، وهو قول مالك، رواه عنه أشهب وابن عبد الحكم، وبالله التوفيق.
[: الرجل يفتح في جداره الكوة إلى الدار فيحجبها آخر]
ومن كتاب المدينين قال: وسئل: عن الرجل يفتح في جداره الكوة إلى الدار أو الزقاق للضوء والشمس فيبني رجل آخر جداره فيرفعه حتى تظلم تلك الكوة أو لا تدخلها الشمس.
قال مالك: ذلك له، لا يحال بينه وبين ذلك، ولو كان ذلك لا يجوز كان أول ما يفتح الكوة تسد عليه.
قال محمد بن رشد: هذا صحيح على معنى ما في المدونة،
стр. 4386
وفي ذلك اختلاف قد مضى تحصيله وذكره في رسم المكاتب من سماع يحيى من كتاب الأقضية فأغنى ذلك عن إعادة ذكره هاهنا، وبالله التوفيق.
[: الذي يبيع على بيع أخيه أو يخطب على خطبته]
ومن سماع سحنون من ابن القاسم قال سحنون: سألت ابن القاسم: عن الذي يبيع على بيع أخيه، أو يخطب على خطبة أخيه، أو يتلقى الركبان فيشتري منهم، أو يبيع حاضر لباد.
قال: أما إذا باع على بيع أخيه أو خطب على خطبة أخيه لم أر أن يفسخ، ورأيته أن يؤدب صاحب هذا، وأما أن يبيع حاضر لباد، فأرى أن يمضي البيع وأن يؤدب أهله، وأما إذا تلقى الركبان فإني أرى أن تعرض السلعة على أهل الأسواق بالثمن الذي اشتراها به، فإن أخذوها وإلا ردوها عليه، ولم أردها على بائعها، وأؤدبه ضربا وجيعا إلا أن يغرر بالجهالة، وقال غيره: تفسخ هذه الأشياء كلها وترد السلع على أربابها.
قال محمد بن رشد: قد مضى القول على هذه المسألة مستوفى في رسم يوصي من سماع عيسى فلا معنى لإعادته مرة أخرى، وبالله التوفيق.
[مسألة: بيع العنب ممن يعصره خمرا]
مسألة وسئل: عن الذي يبيع العنب ممن يعصره خمرا أو يكري حانوته ممن يبيع الخمر، أو يكري دابته إلى الكنيسة، أو يبيع شاته ممن يذبحها لأعياد النصارى، قال: أما بيع العنب من يعصره خمرا، أو كراء البيت ممن يبيع الخمر، فأرى أن يفسخ
стр. 4387
الكراء ويرد البيع ما لم يفت، فإن فات تم البيع ولم أفسخه، وأما كراء الدابة، وبيع الشاة فإنه يمضي ولا يرد، وقد اختلف في كراء الدابة قول مالك، فمن ثم رأيت له ذلك.
وبلغني عن أشهب أنه سئل عن الذي يبيع كرمه من النصراني، فقال: أرى أن تباع على النصراني، بمنزلة شرائه العبد المسلم.
قال محمد بن رشد: إنما قال في الذي يبيع العنب ممن يعصره خمرا أو يكري حانوته ممن يبيع فيه الخمر إن الكراء يفسخ، والبيع يرد ما لم يفت، فإن فات مضى ولم يفسخ، من أجل أنه بيع وكراء لا غرر فيه ولا فساد في ثمن ولا مثمون، فأشبه البيع الذي طابقه النهي، كالبيع يوم الجمعة بعد النداء، وبيع الحاضر للبادي، وما أشبه ذلك من البيوع التي لا تجوز مع سلامتها من الغرر والمجهول، فيدخل في ذلك من الاختلاف ما يدخل في هذه البيوع، قيل: إنها تمضي بالثمن إذا فاتت، وقيل: إنها ترد إلى القيمة، وقيل: إنها لا تفسخ وإن كانت قائمة.
فعلى قياس هذا القول لا يفسخ بيع العنب ممن يعصر خمرا، ولا كراء الحانوت ممن يبيع فيه الخمر وإن أدرك قبل الفوت، فإن كان المشتري نصرانيا منع من بيع الخمر في الحانوت، وبيع عليه العنب، وإن كان مسلما منع من جميع ذلك ولم يفسخ منه شيء، وقال: إن البيع إذا فات تم ولم يفسخ، ولم يتكلم على ما يجب على البائع والمكري في الثمن والكراء، فأما ثمن العنب فيسوغ له، إلا أن يكون ازداد فيه بسبب بيعه للعصر فيجب أن يتصدق بالزيادة، وأما الكراء فيتصدق بجميعه، قيل: لأنه لا يحل له كثمن الخمر، وقيل: أدبا له، لا من أجل أنه عليه حرام كثمن الخمر، وهو ظاهر هذه الرواية.
وسواء في العنب باعه ممن يعصره خمرا بتصريح، أو باعه منه وهو يعلم أنه يعصره خمرا.
وأما كراء البيت فقال ابن حبيب فيه:
стр. 4388
إنه إن أكراه وهو يعلم أنه يبيع فيه الخمر لهم، يفسخ الكراء بخلاف العنب، والفرق بينهما عنده أن العنب يغاب عليه فلا يمكن (منعه) من عصره، بخلاف بيع الخمر في الحانوت، وقال ابن القاسم: يفسخ الكراء في الحانوت إذا أكراه وهو يعلم أنه يبيع فيه الخمر، كما يفسخ البيع في العنب إذا باعه ممن يعلم أنه يعصر خمرا، وقد مضى في رسم شك في طوافه من سماع ابن القاسم من كتاب الذبائح والصيد وجه اختلاف قول مالك في كراء الدابة وبيع الشاة والحكم في ذلك إذا وقع، فمن أحب الوقوف عليه هناك تأمله هناك، وقياس بيع الكرم من النصراني على بيع المسلم منه صحيح قاسه أشهب عليه، فقال: إنه يباع عليه على مذهبه في أنه يباع عليه العبد المسلم إذا اشتراه ولا يفسخ فيه البيع، وقاسه سحنون عليه في نوازله من كتاب جامع البيوع فقال: إن البيع يفسخ على مذهبه في أنه إذا اشترى العبد المسلم فسخ البيع فيه، وبالله التوفيق.
[: الوالي يلي بعد وال آخر كان قبله فيزيد في المكائل]
ومن سماع محمد بن خالد وسؤاله ابن القاسم قال محمد: سألت ابن القاسم: عن الوالي يلي بعد وال آخر كان قبله فيزيد في المكائل، قال: إن كان في ذلك للمسلمين نظر بموافقة حق لا يكره الناس على البيع به فلا أرى به بأسا.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله إنه إذا كان في ذلك نظر للمسلمين بموافقة حق كان له أن يفعله، وأما قوله: لا يكره الناس على البيع به ففيه نظر؛
لأن له أن يحمل الناس على التبايع به إذا رأى ذلك نظرا للمسلمين،
فمعنى قوله لا يكره الناس على البيع به، أي: لا يحجره جملة حتى لا يجيز لأحد بيعا إلا به، وبالله التوفيق.
стр. 4389
[مسألة: الدابة الصئول تعدو على الصبي المملوك فتقتله]
مسألة من سماع عبد الملك بن الحسن قال عبد الملك: سألت ابن وهب: عن الدابة الصئول تعدو على الصبي المملوك فتقتله، وقد كان جيران صاحب الدابة شكوا إلى صاحبها أمر دابته وما كانوا خافوا منها على صبيانهم وأنفسهم قبل ذلك، وتقدموا واستنهوا منها فلم يبعها حتى عدت على صبي مملوك فقتلته، أو كانت مربوطة أو أفلتت من رباطها فقتلت الصبي، أو كان سلطان تقدم إلى صاحب الدابة حين استنهى جيرانه منها، وقال له: إن آذت بعد يومها هذا ضمنتك ما آذت فيه، فهل الأمران واحد إذا قدم السلطان إليه أو جيرانه أو أشهدوا عليه؟ وهل يضمن صاحب الدابة ما عقرت دابته بعد هذا؟ فقال: الدابة الصئول عندي في هذا بمنزلة الكلب العقور، لا ضمان على ربها حتى يتقدم إليه السلطان، فإذا تقدم إليه بعد المعرفة بالصئول والعقر فلم يحبسها عن الناس، أو يغربها عنهم فعقرت ضمن، وهو قول مالك في الكلب على ما وصفت لك، فإن كان دون الثلث ففي ماله، وما كان الثلث فصاعدا حملته العاقلة، وهو من الخطأ إن كان المعقور حرا، وإن كان عبدا ففي مال رب الدابة والكلب على كل حال.
وقول أشهب: لا ضمان على صاحب الدابة على أي الوجوه، كان تقدم السلطان إليه أو استنهى جيرانه (منه) .
стр. 4390
قال محمد بن رشد: قوله: لا ضمان على صاحبها حتى يتقدم إليه السلطان خلاف ما في المدونة وخلاف ما مضى في سماع يحيى قبل هذا من أنه يضمن إذا أنهى إليه وأشهد عليه وإن لم يكن ذلك بسلطان، وقيل: إنه ضامن وإن لم يتقدم إليه ولا أشهد عليه، قاله أشهب وسحنون في الحائط إذا بلغ مبلغا يجب عليه هدمه فتركه، وكذلك يجب على مذهبهما في الدابة الصئول والكلب العقور إذا علم بحالهما فلم يغربهما ولا حبسهما حتى عديا على أحد فقتلاه.
وقول أشهب هاهنا (في الدابة) قول رابع في المسألة. ووجهه: أنه حمل قول النبي ﷺ : «جرح العجماء جبار» على عمومه في كل حال.
وهذا الاختلاف كله إنما هو إذا حبس الدابة الصئول حيث يجوز له حبسها فيه، واتخذ الكلب العقور حيث يجوز له اتخاذه فيه، وأما إن اتخذ الكلب العقور أو حبس الدابة الصئول حيث لا يجوز له فهو ضامن لما أصابا، وإن لم يتقدم إليه قولا واحدا، وقد مضى في سماع يحيى ذكر الاختلاف في هل تحمل العاقلة من ذلك في الأحرار ما بلغ الثلث، فلا معنى لإعادته.
[مسألة: وجد في زرعه مهرين فساقهما إلى داره فأدخلهما داره فتلفا]
مسألة قال: وسألت ابن وهب: عن رجل وجد في زرعه مهرين فساقهما إلى داره فأدخلهما داره، فلما كان من جوف الليل خرقا داره أو خرقا زرب الدار فخرجا منها فعقرتهما السباع، فهل يضمنهما الذي ساقهما إلى داره؟ أو إن كانا في داره وعقرهما
стр. 4391
السبع في الدار أيضمنهما صاحب الدار؟ قال: أراه ضامنا إذا عقرا أو أصيبا في الأمر الذي سببه وأصله منه، ولم يكن له سوقهما وحبسهما في داره، وإنما له إتيان السلطان إذا كان السلطان قريبا والاستنهاء إلى صاحبهما أو ردهما عن زرعه، فإذا ترك ذلك وساقهما إلى داره وربطهما أو حبسهما فأراه متعديا، وأرى عليه ضمانهما إن أصيبا في ذلك، وقال أشهب: فهو ضامن لهما أبدا حتى يرجعا إلى صاحبهما ماتا في داره أو عقرا خارجا من داره.
قال محمد بن رشد: قول أشهب مثل قول ابن وهب، فلو قال فيه وقال أشهب مثله لكان أحسن، والمسألة كلها بينة لا موضع للقول فيها إلا قوله: إنما له إتيان السلطان إن كان السلطان قريبا.
فمعناه: إذا كان الإذاء والرعي في الليل أو بالنهار في موضع لا يصح إهمال الأنعام والمواشي فيها دون راع يذودها.
وأما إذا كان ذلك بالنهار في موضع لأصحاب المواشي إهمال مواشيهم فيه دون رعاة يرعونها وذواد يذودونها، فليس له إتيان السلطان ولا رفع الأمر إليه؛ لأن رسول الله ﷺ قضى أن على أهل الحوائط والزرع حفظهما بالنهار، وأن على أهل المواشي حفظها بالليل، فما أفسدت فيه ضمنوه، وقد مضى بيان هذا والقول فيه في رسم كتاب الأقضية لابن غانم من سماع أشهب من كتاب الأقضية فمن أحب الوقوف عليه تأمله هناك، وبالله التوفيق.
[مسألة: الرجل يبني في داره غرفة فيفتح لها بابا على دار جاره فيشتكي جاره]
مسألة قال: وسألت ابن وهب: عن الرجل يبني في داره غرفة فيفتح لها بابا على دار جاره فيشتكي جاره ضرورة ذلك الباب، هل يمنع صاحب الغرفة من ذلك الباب ويؤمر بسده أم لا؟ قال: إن كان فتحه الباب مضرا لجاره مثل أن يكون ليس له مصرف ولا مدخل
стр. 4392
ولا مخرج إلا بالتشريف عليه والنظر في منزله والتطلع على عياله منع ولم يكن له فتحه.
وإن كان ليس كذلك، وإنما هو أمر يخاف أن يتطلع منه، وليس على ما وصفت لك لم يمنع من ذلك، وقيل له: استر على نفسك إن شئت، أو يعلم ما قلت من تطلعه فيمنع من ذلك ويزجر عنه ويؤدب عليه بعد التقدمة ولا يغلق بابه على حال، وإنما ذلك بمنزلة ظهر القصر وسطحه، والبنيان يرفعه عليه فيحتج أيضا فيقول: أخاف أن يتطلع عليَّ منه، أو الكوة يفتحها الرجل في منزله للضوء والروح فيحتج بمثل ذلك فليس له في ذلك حجة إذا كان على ما وصفت لك.
وقال أشهب: إذا كان يناله المار فأرى أن يمنع من ذلك حتى يرفع بقدر ما لا يناله، وإن نظر منه المار لم يكن ذلك له، فإن تطلع منه أو تشرف لغير حاجة فإنه يمنع من ذلك.
قال محمد بن رشد: قول ابن وهب إن كان فتحه الباب مضرا بجاره مثل أن يكون ليس له مصرف ولا مدخل إلا بالتشريف عليه والنظر في منزله والتطلع على عياله منع، هو مثل قول أشهب إن كان يناله المار فأرى أن يمنع، ومثل ظاهر ما في كتاب حريم البير من المدونة على معنى ما جاء عن عمر بن الخطاب أنه كتب في ذلك أن يوضع وراء تلك الكوة سرير ويقوم عليه رجل فإن كان ينظر إلى ما في دار الرجل منع من ذلك، وإن كان لا ينظر لم يمنع من ذلك؛ لأن الأسرة مما يتخذها الناس في بيوتهم، فإذا كان من قام عليها اطلع على جاره منع من ذلك، فالمعنى في هذا كله أن ما كان من الاطلاع لا يصل إليه المطلع إلا بكلفة ومئونة وقصد إلى الاطلاع بتكلف صعود لا وجه له إلا ذلك لم يمنع من ذلك،
стр. 4393
وقيل للذي يشكو الاطلاع: استر على نفسك، فإن أثبت عليه أنه اطلع عليه بقصد إلى ذلك كان حقا على الإمام أن يؤدبه على ذلك ويزجره حتى لا يعود إليه.
وقد أفتى الشيوخ عندنا فيمن فتح في قصبة له بابا لا يطلع منها على دار جاره إلا بأن يخرج رأسه من الباب (ليطلع) أو يخرج إلى السقف بين يدي الباب، أو يجعل على الباب شرجيا وثيقا يمنع من أن يخرج منه إلى السقف، أو يخرج أحد منه رأسه ليطلع، وهو حسن من الفتوى، فإذا ثبت الاطلاع فقيل: يحكم بسده وإزالة أثره لئلا يكون له بعد مدة دليلا على القدم فيكون له إعادته، يقوم ذلك من قول مالك في أول رسم من سماع أشهب من كتاب الأقضية.
وقال ابن الماجشون في الواضحة: لا يلزمه سده، ويكون له أن يجعل أمام ذلك ما يستره ويواريه، وقد قيل: إن الاطلاع ليس من الضرر الذي يجب قطعه على حال، وعلى الذي يطلع عليه أن يستر على نفسه بما يقدر عليه، وقد ذكرنا ذلك في رسم المكاتب من سماع يحيى من كتاب الأقضية، فمن أحب الوقوف عليه تأمله هناك.
وإنما يمنع من ضرر الاطلاع ما كان محدثا، قال في كتاب تضمين الصناع من المدونة: ومن كانت له على جاره كوة قديمة أو باب قديم فليس له سد ذلك عليه، وإن لم يكن له في ذلك منفعة وعليه فيه مضرة، وكذلك قال ابن الماجشون: إن الأبواب والكوى التي يطلع منها إن كانت قديمة قبل بناء الدار المطلع عليها لم يمنع من ذلك.
قال: ولو أراد صاحب العرصة أن يمنعه من فتح باب على عرصته قبل بنائها لضرر ذلك عليه إذا بنى لم يكن ذلك له، وقال مطرف: له أن يمنعه قبل البناء وبعده؛ لأنه حق له يذب عنه.
قال: ولو ترك أن يمنعه قبل أن يبني كان له أن يمنعه إذا بنى ولا يكون تركه الذب على حقه قبل أن يبني مانعا له
стр. 4394
منه إذا بنى إلا أن يكون صاحب العرصة اشتراها على ذلك، فليس له أن يسدها عليها، وإنما له أن يمنعه من الإحداث.
وقال أصبغ بقول مطرف، واختاره ابن حبيب، واختلف على معنى ما في المدونة إن أشكل هل هو قديم أو حادث؟ ففي أحكام ابن زياد أنه محمول على أنه محدث حتى يثبت أنه قديم، وفي كتاب ابن سحنون أنه محمول على أنه قديم حتى يثبت أنه محدث، والله تعالى الموفق.
[مسألة: الرجل تكون داره لاصقة بسكة فأراد تحويل باب داره من موضعه]
مسألة وسألت ابن وهب: عن الرجل تكون داره لاصقة بسكة نافذة أو غير نافذة، فأراد أن يحول باب داره من موضعه ذلك إلى موضع من داره هو أرفق به فمنعه جاره الذي يلي داره، وقال: إن ما بين بابك وبابي مجلس وموقف لدابتي ومنزل لأحمالي، فإذا أدنيت بابك مني لم أقدر على أن أقعد على بابك ولا تقف دابتي على بابك وانقطع عني المرفق الذي كنت أرتفق به فيما بين بابي وبابك، وقال الآخر: الجدار جداري كله لي، وهو لاصق بالطريق فأنا أفتح في جداري إلى طريق بابي، ولا أمنع من مرفقي لما تريد أنت أن توسع على نفسك في الفناء، وهما جميعا في ناحية واحدة من الطريق متجاوران، فهل يمنع فتح بابه حيث يريد؟ فقال: إن كانت السكة غير نافذة، وكان فتحه الباب قبالة باب صاحبه حتى يكون الداخل والخارج وما يكون بقاعة الدار وخلف الباب بعينه، أو كان الفتح قريبا من بابه وكان مضرا به
стр. 4395
ضررا بينا يعرف ويستبان منع من ذلك، ولم يكن له فتحه ولا تحويله عن حاله إلى مثل هذا، وإن كان طريقا سالكا وسكة واسعة حتى يكون هو وغيره من المارة في فتح داره وإن فتح والمرور بها والنظر سواء، ولا يكون مضرا به في غير ذلك لم يمنع من ذلك وخلي بينه وبينه.
وقال أشهب: إذا كان تقديمه ذلك يضر بجاره على ما وصفت فليس ذلك له، وإن كان إنما تقديمه تقديما يكون فيما بقي ما لا يقطع عليه فيه المرفق، ويتسع هو حتى لا يكون مضطرا إلى أكثر منه، فليس له أن يمنعه إذا سد الباب الأول، وذلك إذا كان في زقاق غير نافذ، فأما إن كان في سكة مسلوكة فله أن يفتح ما شاء من أبواب في جداره، ويقدم ما شاء من باب ويؤخره.
قال: وسألت ابن وهب: عن الرجل يفتح في ناحية من داره حوانيت إلى سكة من سكك الناس ولرجل مقابل تلك الحوانيت دار وباب مفتوح في ذلك الزقاق مقابل الحوانيت التي فتح عليها جاره فشكا أن الحوانيت تضره فيمن يخرج من خدمه وأهله إلى حوائجهم، وأهل الحوانيت قوم مرابطون لا يديمون، فهل له سبيل إلى ذلك أم يمنع منه؟ فقال: سبيل الحوانيت سبيل ما وصفت لك قبل ذلك في السكة النافذة وغير النافذة على ما فسرت لك، إن شاء الله.
قال أشهب: له أن يفتح ما شاء من حوانيت، ويفعل ما أراد إن كانت سكة نافذة.
قال محمد بن رشد: قول ابن وهب وأشهب هذا في تحويل الباب وفتحه في السكة النافذة وغير النافذة مثل قول ابن القاسم وروايته عن
стр. 4396
مالك في آخر كتاب القسمة من المدونة حاشا موضعين:
أحدهما: قول ابن وهب، وإن كان طريقا سالكا وسكة واسعة لم يمنع من ذلك، وخلَّى بينه وبينه إذ لم يشترط في المدونة سعة السكة، وإنما قال فيها: وإن كانت السكة نافذة فله أن يقيم ما شاء، ويحول بابه إلى أي موضع شاء.
والموضع الثاني: قول أشهب في الزقاق الذي ليس بنافذ: إن له أن يحول بابه إلى موضع لا يضر بجاره إذا سد الباب الأول؛ لأن في قوله إذا سد الباب الأول دليلا على أنه ليس له أن يفتح فيه بابا زائدا على حال، وإنما له أن ينقله من موضعه إلى موضع لا ضرر فيه ولا تضييق على جاره. ودليل ما في المدونة: أن له أن يفتح فيه بابا زائدا في موضع لا ضرر فيه على جاره، وأن ينقل بابه إليه، وقد قيل في الزقاق النافذ: إنه لا يجوز لأحد أن يفتح فيه بابا، ولا يتخذ مجلسا قبالة باب جاره إلا أن ينكب عن ذلك قليلا، وهو قول سحنون، روى ذلك (عنه) حبيب وابنه محمد، وذهب ابن زرب إلى أنه لا يجوز لأحد في الزقاق الذي ليس بنافذ أن يفتح فيه بابا ولا أن يحول بابه فيه من موضع إلى موضع على حال إلا بإذن جميع أهل الدرب، قال: لأنهم كلهم مشتركون فيه، بدليل ما قال في المدونة في الدارين تكون إحداهما في جوف الأخرى، ولأهل الدار الداخلة الممر في الدار الخارجة، فيقسم أهل الدار الداخلة دارهم فيريد كل واحد منهم أن يفتح لداره بابا في الدار الخارجة: إن ذلك ليس لواحد منهم، وإنما لهم الممر الذي كانوا يمرون عليه قبل القسمة.
فيتحصل في فتح الرجل الباب أو تحويله عن موضعه في الزقاق الذي ليس بنافذ ثلاثة أقوال: أحدها: أن ذلك لا يجوز بحال إلا بإذن جميع
стр. 4397
أهل الزقاق، وهو الذي ذهب إليه ابن زرب قياسا على مسألة المدونة المذكورة، وبه جرى العمل بقرطبة.
والثاني: أن ذلك له فيما لم يقابل دار جاره ولا قرب منه فقطع به مرفقا عنه وهو قول ابن القاسم في المدونة، وقول ابن وهب هاهنا.
والثالث: أن له تحويل بابه على هذه الصفة إذا سد الباب الأول، وليس له أن يفتح فيه بابا لم يكن قبل بحال، وهو دليل قول أشهب هاهنا.
ويتحصل أيضا في فتح الرجل بابا أو حانوتا في مقابلة باب جاره في الزقاق النافذ ثلاثة أقوال: أحدها: أن ذلك له جملة من غير تفصيل إلا أن ينكب عن ذلك وهو قول سحنون.
والثالث: أن ذلك له إذا كانت السكة واسعة، وهو قول ابن وهب هاهنا، والسكة الواسعة ما كان فيها سبعة أذرع فأكثر، لما جاء من أن رسول الله ﷺ قال: «الطريق سبعة أذرع» وقع ذلك في مسند ابن أبي شيبة من رواية ابن عباس، فوجب أن يكون ذلك حد سعة الطريق، وبالله التوفيق.
[مسألة: الرجل يتزيد في داره من طريق المسلمين ذراعا أو ذراعين]
مسألة وسألته: عن الرجل يتزيد في داره من طريق المسلمين ذراعا أو ذراعين، فإذا بنى جدارا وأنفق فيه وجعله بيتا قام عليه جاره الذي هو مقابله من جانب الطريق فأنكر عليه ما يريد، ورفعه إلى السلطان وأراد أن يهدم ما زاد من الطريق، وزعم أن سعة الطريق كان رافقا به؛ لأن ذلك كان فناء له ومربطا لدابته، وفي بقية الطريق ممر للناس، وكان فيما بقي من سعة الطريق ثمانية أذرع أو تسعة أذرع، هل لذلك الجار إلى هدم بنيان جاره الذي بنى سبيل؟ أو رفع ذلك بعض من كان يسلك تلك الطريق وفي بقية
стр. 4398
سعته ما قد أعلمتك؟ فقال: نعم، يهدم ما بنى كان في سعة الطريق ثمانية أذرع أو تسعة على ما وصفت، لا ينبغي لأحد التزيد من طريق المسلمين، وينبغي للقاضي أن يتقدم في ذلك إلى الناس ويستنهي إليهم ألا يحدث أحد بنيانا في طريق المسلمين، وذكر أن عثمان بن الحكم الجذامى حدثه عن عبيد الله بن عمر عن أبي حازم أن حدادا ابتنى كيرا في سوق المسلمين قال: فمر عمر بن الخطاب فرآه، فقال: لقد انتقصتم السوق ثم أمر به فهدمه، قال أشهب: نعم يأمر السلطان بهدمه رفع ذلك إليه من كان يسلك الطريق أو رفع ذلك جيرانه، لا ينبغي لأحد التزيد من طريق المسلمين، كان في الطريق سعة أو لم تكن، كان مضرا ما تزيد أو لم يكن مضرا ويؤمر بهدمه، وينبغي للسلطان أن يتقدم في ذلك إلى الناس ألا يزيد أحد من طريق المسلمين.
قال محمد بن رشد: اتفق مالك وأصحابه فيما علمت أنه لا يجوز لأحد أن يقتطع من طريق المسلمين شيئا فيزيده ويدخله في بنيانه وإن كان الطريق واسعا جدا لا يضره ما اقتطع منه، ولم ير بذلك مالك بأسا في المسجد، وحكى ابن وهب عن ربيعة في المجموعة أنه لا يجوز لمن بنى مسجدا في طائفة من داره أن يتزيد فيه من الطريق.
واختلفوا إن تزيد في داره من الطريق الواسعة جدا ما لا يضر بها ولا يضيقها على المارة فيها.
فقال ابن وهب وأشهب هاهنا: إنه يهدم عليه ما تزيد من الطريق وتعاد على حالها، وهو قول مالك في رواية ابن وهب عنه، وقول
стр. 4399
مطرف وابن الماجشون في الأبرجة يبنيها الرجل في الطريق ملصقة بجداره، واختار ابن حبيب على ظاهر ما جاء عن عمر بن الخطاب في الكير الذي ابتني في السوق فأمر به فهدم.
وقيل: إنه لا يهدم عليه ما يزيد من الطريق إذا كان ذلك لا يضر بها لسعتها لماله من الحق فيه، إذ هو فناؤه له الانتفاع به وكراؤه على ما مضى في رسم تأخير صلاة العشاء من سماع ابن القاسم.
والأصل في ذلك ما جاء من أن عمر بن الخطاب ﵁ قضى بالأفنية لأرباب الدور، أفنيتها ما أحاط بها من جميع نواحيها، فلما كان أحق بالانتفاع به من غيره لم يكن لأحد أن ينتفع به إلا إذا استغنى هو عنه وجب أن لا يهدم عليه بنيانه، فيذهب هدرا ماله وهو أعظم الناس حقا في ذلك الموضع، بل لا حق لأحد معه فيه إذا احتاج إليه، فكيف إذا لم يوصل إلى أخذه منه مع حاجته إليه إلا بهدم بنيانه وتلف ماله، وهذا بين، لا سيما ومن أهل العلم من يبيح له ذلك ابتداء، في المجموعة من رواية ابن وهب عن ابن سمعان أن من أدرك من العلماء قالوا في الطريق يريد أهلها بنيان عرصتها أن الأقربين إليها يقتطعونها على قدر ما شرع فيها من رباعهم بالحصص، فيعطى صاحب الربع الواسع بقدره، وصاحب الصغير بقدره، ويتركون لطريق المسلمين ثمانية أذرع.
قال محمد بن رشد: وإنما قالوا ثمانية أذرع احتياطا والله أعلم ليستوفي فيها السبعة الأذرع المذكورة في الحديث على زيادة الذراع ونقصانه.
ووجه القول: أن الطريق حق لجميع المسلمين كالحبس، فوجب أن يهدم على الرجل ما يزيده في داره منها، كما يهدم عليه ما يزيد من أرض محبسة على طائفة المسلمين، أو من ملك لرجل بعينه، والقول الأول أظهر، والقائلون بالثاني أكثر، وكل مجتهد مصيب.
وقد نزلت بقرطبة قديما واختلف الفقهاء فيها فأفتى ابن لبابة وأبو صالح أيوب بن سليمان، ومحمد بن وليد بالقول الأول ألا يهدم ما تزيد من الطريق إذا كان ذلك لا يضر بها،
стр. 4400
وأفتى عبيد الله بن يحيى وابنه يحيى، ويحيى بن عبد العزيز، وسعد بن معاذ وأحمد بن بيطير بالقول الثاني أن يهدم ما تزيد منه على كل حال، وبالله التوفيق.
[مسألة: الرجل يغرس في داره شجرة فتطول حتى يشرف على دار جاره]
مسألة وسألت ابن وهب عن الرجل يغرس في داره شجرة فتطول حتى يشرف على دار جاره، فإذا طلع فيها من يجني ثمرها نظر إلى ما في دار جاره، أو يغرسها قريبا من جدار جاره فيزعم جاره أن موضع الشجرة مضر به، وهو يخاف أن يطرق من تلك الشجرة فيدخل عليه في داره، وهو يشتكي من يطل عليه منها، هل يقطع عنه ما يؤذيه من طولها؟ أو تقطع الشجرة التي يخاف أن يطرق منها لقربها من جداره أم لا؟ وتكون الشجرة قد تقادمت ومضى لها أعوام وهي تزيد في كل عام، فإذا رفع أمرها وما أضرت به إلى السلطان هل يؤمر بقطعها لما يؤذيه ويشرف منها على عياله؟
فقال: إن لم يكن ضرره إلا ما شكا وذكر مما يخاف من الطروق من ناحيتها، أو طلوع من يجنيها لم يكن ذلك شيئا ولم تكن له فيه حجة، ومنع من يجنيها من التطلع والإضرار إن علم ذلك منهم، وأما قطعها فليس له قطعها ولكن إن انتشرت وعظمت حتى تخرج فروعها من أرض صاحبها وحدوده وتقع في أرض جاره وحدوده ويضر به قطع ذلك الذي أضر به ووقع في حده وأذاه فقط.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال، وهو مما لا اختلاف فيه أن
стр. 4401
الرجل إذا غرس في داره شجرة فلجاره أن يقطع ما طال من أغصانها فأذاه في جداره ودخل في حصته وهوائه - له أن يقطع الشجرة أيضا إن كان غرسها بموضع يضر غرسها بالجدار لقربها منه، وأما ما يخاف من أن يطرق منها، أو من يطلع عليه منها من يجنيها فلا حجة له في ذلك، وأما إن كانت الشجرة قديمة من قبل بناء الجدار فليس له أن يقطعها وإن أضرت بالجدار.
واختلف هل له أن يقطع ما طال من أغصانها فأضر بجدار جاره؟ فقال ابن الماجشون: ليس ذلك له؛ لأنه قد علم أن هذا يكون من شأن الشجرة، فقد صار ذلك من حريمها وهوائها قبل بناء الجدار، وقال مطرف وأصبغ: ذلك له، وهو أظهر، وإياه اختار ابن حبيب، وإذا كانت لرجل شجرة في أرضه، وإلى جانبها أرض لجاره فله أن يقطع ما طال وانبسط وامتد من فرعها على أرضه، ومن كانت في أرضه شجرة لغيره فليس له أن يقطع ما طال وانبسط منها، قاله ابن القاسم وغيره.
[مسألة: مبتلى له في منزل سهم وله حظ في شرب فأراد من معه إخراجه منه]
مسألة وسئل: عن المبتلى يكون في منزل له فيه سهم، وله حظ في شرب فأراد من معه في المنزل إخراجه منه، وزعموا أن استسقاء الماء من مائهم الذي يشربون منه مضرة بهم فطلبوا إخراجه من المنزل؟
فقال ابن وهب: إذا كان له مال أمر بأن يشتري لنفسه من يقوم بأمره، ويخرج له في حوائجه ويلزم بيته ولا يخرج.
قيل: فإن لم يكن له مال؟ قال: يخرج من المنزل إذا لم يكن فيه شيء وينفق عليه من بيت مال المسلمين.
стр. 4402
قال محمد بن رشد: هذا كما قال إنه إذا كان له مال أمر بأن يشتري لنفسه من يقوم بأمره ويخرج له ويستسقي له ماءه أو يستأجر له من يفعل له ذلك كله، فإن لم يكن له مال كان من الحق على الإمام أن يقوم له بذلك من بيت مال المسلمين؛ لأن استسقاءه الماء معهم من مائهم ضرر بهم، فإن لم يكن ثم إمام يقوم له بذلك لم يمنعوا من استسقاء الماء فيموتوا عطشاء، ولا من مخالطة الناس في مجتمعاتهم وأسواقهم لسؤالهم وقضاء حوائجهم فيهلكون ضياعا، وإنما اختلف في منعهم من المساجد والجوامع.
فقال عيسى بن دينار في نوازله من هذا الكتاب، وفي بعض الروايات: إنهم لا يمنعون من ذلك بحكم؛ لأن عمر بن الخطاب لم يعزم بالنهي على المرأة المجذومة التي رآها تطوف بالبيت مع الناس، وإنما قال لها: يا أمة الله لو جلست في بيتك كان خيرا لك. ونحو ذلك حكى ابن حبيب في الواضحة عن مطرف وابن الماجشون: أنهم لا يمنعون من مساجد الجماعة لشهود الجمعة المفروضة لأنها على من قوي على شهودها، كما هي على غيرهم، قال: وأما غير الجمعة فلا بأس أن يمنعوا إلا الواحد بعد الواحد، وقال سحنون فيه: يمنعون من ذلك وتسقط إلا الواحد بعد الواحد، وقال سحنون فيه: يمنعون من ذلك وتسقط الجمعة عنهم، واستدل على ذلك بحديث النبي ﵇: «من أكل من هذه الشجرة فلا يقرب مساجدنا يوفينا بريح الثوم» .
وبحديث عمر في قوله للمرأة المجذومة: لو جلست في بيتك كان خيرا لك؛ لأنه قضى في طلبها فجلست في بيتها، فلما مات قيل لها: إن الذي نهاك قد مات، فقالت: ما كنت لأطيعه حيا وأعصيه ميتا.
وقوله أظهر؛ لأن المنع من إذاية
стр. 4403
المسلمين واجب، وإذا كان المنع من إذايتهم بريح الثوم واجبا بالسنة، فأحرى أن يكون واجبا من إذايتهم بمخالطة الجذماء لهم، وقد قال رسول الله ﷺ في حلول الممرض على المصح، وفي قول عمر ﵁ للمجذومة: يا أمة الله لا تؤذي الناس - دليل على أنه أراد بقوله لها: لو جلست في بيتك، الأمر لها بذلك والقضاء عليها به، لكنه رفق بها في الأمر رحمة بها وحنانا عليها، وتوسم فيها أنها تكتفي بذلك وتنتهي فلم تخب فراسته فيها وأطاعته حيا وميتا.
واختلف في إخراجهم عن الحاضرة إلى ناحية منها، قال ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون: أما الواحد والنفر القليل من المرضى فلا يخرجون عن حاضرة ولا عن قرية، ولا عن سوق ولا عن مسجد جامع ولا غير جامع، فإذا كثروا في الحاضرة اتخذوا لأنفسهم موضعا كما صنع بمرضى مكة عند النعيم موضعهم وبه جماعتهم، وأما مرضى القرى فإنهم لا يخرجون عنها وإن كثروا، إلا أنهم يمنعون من أذاهم في مسجدهم إذا شكوا ضرر ذلك بهم، وقال أصبغ: لا يقضى عليهم في الحاضرة بالخروج إلى ناحية منها ولكن إن كفوا مؤناتهم يجرى ذلك عليهم منعوا من مخالطة الناس بلزوم بيوتهم أو التنحي ناحية.
قال عبد الملك: والحكم عليهم بتنحيتهم ناحية إذا كثروا أحب إلي، وهو الذي عليه الناس.
قال مطرف وابن الماجشون: ولا يمنعون من الأسواق لتجارتهم وما يحتاجون إليه من حوائجهم والتطرق للمسألة إلا أن يجري عليهم الإمام أرزاقهم من فيء المسلمين، وبالله التوفيق.
[مسألة: بيع رقيق اليهود من النصارى والعكس]
مسألة وسئل ابن وهب: عن بيع رقيق اليهود من النصارى أو بيع رقيق النصارى من اليهود، فقال: أكرهه للعداوة التي بينهم، وسئل عنها سحنون فقال مثله.
стр. 4404
قال محمد بن رشد: قد مضى التكلم على قول ابن وهب في هذا السماع من كتاب جامع البيوع فإنه وقع هنالك أكمل وأبين، فمن أحب الوقوف عليه تأمله هناك، والله الموفق لا رب غيره.
[: العبد يستبيع من سيده لضرورته]
من سماع أصبغ بن الفرج
قال أصبغ: سمعت أشهب وسئل عن العبد يستبيع من سيده لضرورته، فقال: إن كان ضررا قد عرف وكثر بيع عليه، وإن كان إنما هي الزلة والفلتة من سيده كف عنه ونهى حسبة، قال: مرة بعد مرة، فإن عاد بيع عليه.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله وقد مضى هذا المعنى في رسم شك في طوافه، ورسم حلف ليرفعن أمرا ورسم صلى نهارا ثلاث ركعات، فلا معنى لإعادة شيء من ذلك، وبالله التوفيق.
[مسألة: المدبر يضربه سيده ويؤدبه]
مسألة وسئل: عن المدبر يضربه سيده ويؤدبه، قال: يخرج من يديه ويؤاجر عليه، قال أصبغ: ولا يباع لأن المدبر لا يباع على حال في الحياة، ولا تنقض الضرورة التدبير لأنه عتق.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله قياسا على مدبر النصراني يسلم أنه يؤاجر ولا يباع عليه، كما يباع عليه عبده إذا أسلم، وبالله التوفيق.
[: الرجل يهدم داره وله الفناء الواسع فيزيد فيها من الفناء]
ومن كتاب الأقضية والحبس قال أصبغ: سألت أشهب: عن الرجل يهدم داره وله الفناء الواسع فيزيد فيها من الفناء يدخله من بنيانه ثم يعلم بذلك، قال:
стр. 4405
لا يعرض له إذا كان الفناء واسعا رجراجا لا يضر الطريق، وقد كرهه مالك، وأنا أكرهه ولا آمر به، ولا أقضي عليه أن يهدمه إذا كان واسعا رجراجا ولا يضر ذلك بشيء منه ولا يحتاج إليه ولا يقاربه المشي، قال أصبغ في الرجل يبني دارا له فيأخذ من طريق المسلمين شيئا يزيده فيها، كان ذلك مضرا بطريق المسلمين أو لا يضر: أترى ذلك جائزا، وهل تجوز شهادة من فعل مثل هذا؟
قال أصبغ: إن كان اقتطعه اقتطاعا مما يضر بالطريق والمسلمين وأدخله في بنيانه، وكان إدخاله فيما يرى بمعرفة لا بجهالة، أو وقف عليه فلم ينته، فلا أرى أن تجوز شهادته ويهدم بنيانه إذا أضر جدا، وإن كانت الطريق واسعة جدا كبيرة، وكان الذي أخذ الشيء اليسير جدا الذي لا يضر ولا يكون فسادا في صغير ما أخذ وسعة الطريق وكثرته فلا أرى أن يهدم بنيانه ولا يعرض له، وقد سألت أشهب عنها بعينها ونزلت عندنا فكان هذا رأيي فيها، فسألته عنها فقال لي مثله.
قال محمد بن رشد: هذا من قول أصبغ وروايته عن أشهب خلاف ما مضى قبل هذا في سماع زونان، وقد مضى القول على ذلك هنالك مجودا مستوفى فلا وجه لإعادته هنا، والله الموفق.
[: النصارى يبيعون الخمر]
ومن كتاب البيوع الثاني قال أصبغ: وسمعته يقول: لا يترك النصارى يبيعون الخمر بالجزيرة؛ لأن الجزيرة من الفسطاط، قلت له: فالقنطرة؟ قال: لا ولا القنطرة.
قلت: فيتركون في قراهم يبيعونها، قال: نعم، قلت: وإن كان فيها مسلمون؟ قال: نعم، فمتى علم أنه يبيع من المسلمين منع، قال أصبغ: هذا في غير المدن من القرى التي
стр. 4406
هي مساكنهم، وهم الغالبون عليها، ليس للمسلمين فيها إلا قليل فلا يعرض لهم.
قال محمد بن رشد: قول أصبغ سمعت أشهب يقول في رجل حلف، يحمل على التفسير لقول ابن القاسم، وتفسير قوله أن ما كان من مواضعهم قريبا من الفسطاط، كالجزيرة والقنطرة فلا يتركون أن يبيعوا فيها الخمر وإن لم يكن معهم فيها من المسلمين أحد مخافة أن يتناولها منهم أحد من الفسطاط.
وما بعد من قراهم عن الفسطاط، فكان منها على مثل الميل، وإن كان دون فرسخ فلا يمنعون من إدخالها وبيعها وشربها وبيعها بعضهم من بعض، وإن كان بين أظهرهم مسلمون. قال ذلك أصبغ في مجالسه، وهو قوله هاهنا.
وقال أيضا في مجالسه: إنه لا يباع لهم ذلك إلا ألا يسكن معهم في قراهم أحد من أهل الإسلام، وقد مضى هذا في رسم الشجرة من قول ابن القاسم، وبالله التوفيق.
[: رجل حلف ليقضين رجلا حقه فيأبى أن يقبله]
ومن كتاب الجامع قال أصبغ: سمعت أشهب، يقول في رجل حلف ليقضين رجلا حقه فيأبى أن يقبله، أتراه في سعة من هذا؟ قال: هذا يأتي السلطان، قيل له: أفيجبر السلطان صاحبه على أخذه؟ قال: نعم، صاغرا ويقيمه.
قال محمد بن رشد: لا يخلو الحالف ليقضين رجلا حقه من ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون معنى ما حلف عليه وأراده أن يقضيه حقه ليبرئ ذمته من دينه.
والثاني: أن يكون معنى ما حلف عليه وأراده ألا يحبس عليه حقه ويمطله به، مثل أن يقضيه حقه فيقول: أقضيكه غدا، فيقول: أخشى
стр. 4407
ألا تفعل، فيحلف ليقضينه غدا وما أشبه ذلك.
والثالث: ألا يكون ليمينه بساط يحمل عليه، ولا يكون له فيها نية ولا إرادة، فأما الوجه الأول فلا يبر فيه إلا بأن يقبض منه حقه، فإن أبى من قبوله كان من حقه أن يجبر على ذلك ليبرئ ذمته من دينه فيبر في يمنيه.
وأما الوجه الثاني: فيبر فيه بأن يأتيه بحقه قبله أو لم يقبله، فإن كانت يمينه بطلاق أو عتاق أو ما أشبه ذلك مما يقضي به عليه القاضي فأتاه بحقه فأبى قبوله أشهد عليه بذلك ولم يلزمه شيء.
وأما الوجه الثالث: فيتخرج على قولين: أحدهما: أنه لا يبر إذا أبى من قبوله إلا بأن يرفع ذلك إلى السلطان يدفع إليه حقه شاء أو أبى.
والثاني: أنه يبر إذا أتاه بحقه فأبى أن يقبله منه دون أن يجبره على قبضه منه، وقد مضى ما يبين هذا المعنى في رسم أسلم من سماع عيسى من كتاب الأيمان بالطلاق، وبالله التوفيق.
[مسألة: رهن قدحًا بكساء ثم تنازع فيه]
مسألة وسئل: عن رجل أتى بمكة إلى زمزم فوجد رجلا معه قدح، فقال: ناولني قدحك هذا، فقال: إني أخاف عليه، فقال: هذا كسائي عندك حتى أعود إليك به، فوضع الكساء وأخذ القدح ثم رجع فلم يجد الرجل، قال: لو أتى السلطان حتى يأمره إن كان صادقا أن يبيع القدح ويقبض ثمنه من ثمن الثوب، قيل له: هو صادق، وهذا صحيح ألا يقبضه لنفسه دون السلطان؟ قال: لا، قيل له: ويأمره السلطان؟ قال: نعم، يأمره من غير حكم على الغائب، ويقول له: إن كنت صادقا فافعل، فإن جاء الرجل كان على خصومته.
قال محمد بن رشد: هذه المسألة وقعت في بعض الروايات وهي صحيحة على أصولهم، وعلى معنى ما في كتاب طلاق السنة من المدونة،
стр. 4408
وعلى ما في نوازل سحنون من كتاب المديان والتفليس، فإن باع القدح بأمر السلطان وقبض ثمنه من ثمن كسائه، أي: من قيمته فقدم صاحب القدح بالكساء وأقر بما قال البائع للقدح بأمر السلطان لم يكن له إلا ما باع به القدح لبيعه إياه بأمر السلطان، ولو باعه بغير أمره كانت له قيمته، وإن ادعى القدح وأنكر رهن الكساء حلف في الكساء وأخذ قدحه، وإن أقر بالكساء وادعى القدح وأنكر الرهن فيه حلف على إنكار الرهن ورد الكساء، وأخذ قيمة قدحه أيضا، وهذا خلاف ما جرى به العمل من أن القاضي لا يحكم للمرتهن ببيع الرهن حتى يثبت عنده الدين والرهن وملك الراهن له ويحلف مع ذلك أنه ما وهب دينه ولا قبضه ولا أحال به وأنه لم يزل في ذمته إلى حين قيامه، والذي جرى به العمل من هذا هو على أصل مطرف وابن الماجشون في كتاب طلاق السنة من المدونة التي أشرنا إليها، وبالله التوفيق.
[فاسد يأوي إليه أهل الفسق والخمر ما يصنع به]
من سماع أبي زيد بن أبي الغمر من ابن القاسم قال أبو زيد: قال ابن القاسم: سئل مالك عن فاسد يأوي إليه أهل الفسق والخمر ما يصنع به؟ قال: يخرج من منزله وتحرز عليه الدار والبيوت، فقال: فقلت: لا تباع، قال: لا، فلعله يتوب فيرجع إلى منزله، قال ابن القاسم: يتقدم إليه مرة أو مرتين، فإن لم يتب أخرج وأكرى عليه.
قال محمد بن رشد: قد قال مالك في الواضحة: إنها تباع عليه، خلاف قوله في هذه الرواية، وقوله فيها يصح لما ذكره من أنه قد يتوب فيرجع إلى منزله، ولو لم تكن الدار له وكان فيها بكراء أخرج منها وأكريت
стр. 4409
عليه ولم يفسخ كراؤه فيها، قاله في كراء الدور من المدونة وقد روي عن يحيى بن يحيى أنه قال: أرى أن يحرق بيت الخمار، وقال: وقد أخبرني بعض أصحابنا أن مالكا كان يستحب أن يحرق بيت المسلم الذي يبيع الخمر، قيل: وقيل النصراني يبيع الخمر من المسلمين، قال: إذا تقدم إليه فلم ينته فأرى أن يحرق عليه بيته بالنار، قال: وحدثني الليث أن عمر بن الخطاب حرق بيت رويشد الثقفي لأنه كان يبيع الخمر، وقال له: أنت فويسق ولست رويشد، وبالله التوفيق.
تم الكتاب بحمد الله.
стр. 4410
[: كتاب الشهادات الأول]
[: شهد عليه رجال بحق فحلف بالطلاق إن كانوا شهدوا علي بحق وإنه لباطل]
كتاب الشهادات الأول
стр. 4411
من سماع ابن القاسم عن مالك بن أنس من كتاب أوله قطع الشجر قال: أخبرنا سحنون، عن ابن القاسم، عن مالك، أنه قال فيمن شهد عليه رجال بحق فحلف بالطلاق إن كانوا شهدوا علي بحق، وإنه لباطل، قال: لا يفرق بينه وبينها، فإن شهد عليه غيرهم طلقت عليه امرأته، قال ابن القاسم: وأصل قول مالك في هذا أن من حلف تكذيبا للشهود سموا أو لم يسموا، ثم شهدوا أنه لا يلزمه ذلك الطلاق، مثل أن يقال له: إن فلانا وفلانا يشهدان عليك، وإن ثم شهودا يشهدون عليك، فيقول: امرأته طالق البتة إن شهدوا علي إلا بزور، وإن لم تكن شهادتهم باطلا، أو كذبوا علي في شهادتهم، ثم شهدوا فلا شيء عليه، وإن شهدوا فقال هذا القول بعدما شهدوا فلا شيء عليه، فأما أن يقول امرأتي طالق البتة إن كنت تسألني حقا أو إن كنت شربت خمرا، ولا فعلت
стр. 4412
كذا وكذا، مثل أن يقول: لم أدخل دار فلان ولم أكلم فلانا، ثم شهد عليه قوم أنه فعله حنث.
قال ابن القاسم: قال لي مالك: ولو أنه أقر أنه فعل شيئا من ذلك عند نفر ثم حلف بطلاق امرأته البتة إن كان فعله دين ولم يكن عليه طلاق، ولو أنه أقر أنه حلف بطلاق امرأته على شيء ألا يفعله، ثم شهد عليه أنه قد فعله، ثم زعم أنه قد كذب بما أقر به طلق عليه ولم يصدق، ولو شهد عليه نفر في حق فحلف بعدما شهدوا أن امرأته طالق إن كان له علي شيء لم يلزمه طلاق، قال ابن القاسم: لأن يمينه هاهنا بعدما شهدوا تكذيبا للشهادة، وسمعت مالكا يقول: ولو سئل عن أمر ذكر له أنه حلف فيه بالطلاق ألا يفعله، وقد رئي يفعله فجحده ثم أقر بعد ذلك أنه قد كان قاله، يريد الذي قال إني قد كنت حلفت، لزمه الطلاق.
قال محمد بن رشد: هذه المسائل صحاح كلها، وأصلها في كتاب الأيمان بالطلاق من المدونة وتكررت في رسم يشتري الدور والمزارع للتجارة من سماع يحيى من كتاب الأيمان بالطلاق بزيادة اليمين في الموضع الذي يدين فيه منها، ومثله في المدونة ولا اختلاف في شيء أحفظه منها.
وتلخيصها أن اليمين على الفعل بالطلاق كان ببينة أو بإقرار إذا تقدم على الإقرار بالفعل أو الشهادة عليه به طلقت عليه امرأته، وإن تقدم الإقرار بالفعل أو الشهادة به عليه على اليمين كان ببينة أو بإقرار لم تطلق عليه، والفرق بين أن يتقدم اليمين على الفعل، أو الفعل على اليمين، هو أن اليمين إذا تقدم ببينة أو بإقرار فقد لزم حكمه، ووجب ألا
стр. 4413
يصدق في إبطاله، وإذا تقدم الفعل بيمينه أو بإقرار لم تثبت اليمين بتكذيب ذلك حكما إذا لم يقصد الحالف إلى إيجاب حكم الطلاق الذي حلف به على نفسه، وإنما قصد إلى تحقيق نفي ذلك الفعل، وبالله التوفيق.
[مسألة: شهادة الأخ لأخيه في الفرية]
مسألة قال مالك: لا تجوز شهادة الأخ لأخيه في الفرية، ولا في الحد وأشباه ذلك.
قال محمد بن رشد: يريد بالفرية هاهنا الفرية التي لا توجب الحد وإنما توجب الأدب، مثل أن يقول له: يا سارق أو يا شارب الخمر أو يا آكل الربا وما أشبه ذلك، بدليل قوله: ولا في الحد، يريد بالحد مثل أن يقذف في بدنه أو ينفى عن أبيه، وإن كان ليس بأخيه لأبيه، قال في رسم أول عبد ابتاعه من سماع يحيى: أو يقذف أمه وإن كان ليس بأخيه لأمه، ومعنى ذلك إذ قام بحدها إما بعد موتها وإما في حياتها بتوكيلها، وكما لا تجوز شهادته له في الحدود لا تجوز في نفيها عنه، مثل أن يشهد عليه أنه قذف رجلا فشهد هو أن ذلك الرجل عبد أو ما أشبه ذلك، ويريد بقوله: وأشباه ذلك ما يشبه في وقوع الحمية فيه والتهمة بالعصبية، مثل أن يجرح عمدا.
قال في الرسم المذكور من سماع يحيى أو يقتل، يريد عمدا وإن كان له أولاد فكان إنما يشهد لهم؛ لأن القتل مما تقع فيه الحمية، وأجاز أشهب في سماع زونان شهادة الأخ لأخيه في الجراح خطئها وعمدها، وإذا أجازها في جراح العمد ولم يراع ما يقع في ذلك من الحمية فيلزم على قياس قوله إجازتها في الحدود والقتل، وأما جراح الخطأ وقتل الخطأ فتجوز شهادته له في ذلك؛ لأنه مال ولا اختلاف في جواز شهادته له في الحقوق والأموال وإن عظمت، إذا لم يكن الشاهد منهما لأخيه في عيال المشهود له، ولا يضر أن يكون المشهود له في عيال الشاهد، وقيل: إذا كان مبرزا
стр. 4414
في العدالة وهو قول ابن القاسم في المدونة، وقيل: إذا كان جائز الشهادة لا بأس بحاله وهو قول مالك في رواية ابن وهب عنه، ولم يفرقوا في شهادته له بالمال بين أن يكون أبواه حيين أو لا يكونا حيين، والذي يأتي على قياس قول ابن القاسم في أنه لا تجوز شهادة الرجل لزوجة ابنه، ولا لزوجة أبيه، ولا لابن زوجته، ولا لأبيها، ولا تجوز شهادته له إذا كان أبواه حيين أو أحدهما، أو أبوه إذا كان أخاه لأبيه، أو أمه إذا كان أخاه لأمه؛ لأنه يجر بذلك نفعا إلى أبويه، أو إلى أحدهما فيها فيدخل عليهما من السرور بالشهادة لابنهما، وهذا هو المعنى عنده في أنه لا تجوز شهادته لابن زوجته ولا لأبيها ولا لزوجة ابنه، خلاف مما ذهب إليه سحنون على ما يأتي من اختلاف قولهما في ذلك في رسم جاع من سماع عيسى.
وأجاز ابن القاسم شهادته له في النكاح، ومنع من ذلك سحنون إذا نكح إلى من يتزين بنكاحه إليهم، وهو يحمل على التفسير لقول ابن القاسم، وإلى هذا ذهب ابن دحون، وخالفه غيره في ذلك وذهب إلى أنه خلاف له، قال: لأنه يشهد له في المال وهو مما يشرف به، وليس بصحيح؛ لأنه لا يشرف هو بشرف أخيه بالمال ويشرف بشرفه بالنكاح، هذا مما لا يخفى الوجه به.
واختلف في تعديله ونفي التجريح عنه على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يعدله ويجرح من جرحه وهو الظاهر من مذهب ابن القاسم ومن قول مطرف وابن الماجشون في الواضحة.
والثاني: أنه لا يعدله ولا يجرح من جرحه، وهو قول ابن نافع وأشهب وأصبغ وأحد قولي ابن الماجشون.
والثالث: أنه يعدله ولا يجرح من جرحه وهو قول ابن الماجشون في الواضحة، واختيار ابن حبيب.
وهذا إذا جرح بالإسفاه، وأما إذا جرح بالعداوة فيجوز أن يجرح من جرحه بها.
قال (ذلك) سحنون في نوازله، وهو صحيح على مذهب من يجيز تعديله، وبالله التوفيق.
стр. 4415
[مسألة: سئل عن شهادة عنده وهو مريض فأنكرها]
مسألة قال مالك، فيمن سئل عن شهادة عنده وهو مريض فأنكرها، وقال: كل شهادة أشهد بها بين فلان وفلان فهي باطل، ثم شهد بها بعد ذلك بينهما، قال: يسأل لم قال ذلك؟ فإن قال: كنت مريضا فخشيت ألا أكون أثبت ما أشهد به وما أشبه هذا من القول الذي له وجه يعرف، فأرى أن تجوز شهادته إذا كان عدلا لا يتهم.
قال القاضي: قوله إذا كان عدلا لا يتهم معناه إذا كان عدلا مبرزا في العدالة.
وهذا إذا كان إنما سئل في مرضه عن الشهادة لتنقل عنه إلى الحكم أو ليشهد على شهادته بها تحصينا لها، وكذلك إذا سئل عنها عند الحكم ليشهد بها فأنكرها، وقال: لا علم عندي منها، ثم جاء يشهد على ما في رسم الكبش من سماع يحيى.
وأما لو لقيه الذي عليه الحق فقال له: بلغني أنك تشهد علي بكذا، فقال: لا أشهد عليك بذلك ولا عندي منه علم، وإن شهدت به عليك فشهادتي باطلة، ثم جاء فشهد، لم يقدح ذلك في شهادته ولم يضرها، وإن كان على قوله بينة، قال ذلك ابن حبيب في الواضحة، وهو يحمل على التفسير لقول مالك هذا، ولقول ابن القاسم في سماع يحيى.
والفرق بين الموضعين أن له أن يقول في الوجه الثاني إنما قلت ذلك معتذرا ولم أزل عالما بما شهدت به، وفي الوجه الأول لا عذر له فيما أقر به على نفسه من الجهل بالشهادة فوجب أن تبطل شهادته، إلا أن يأتي بأمر يشبه من أنه تذكر الشهادة بعد ذلك، وأنه خشي ألا يقوم بها في مرضه فيصدق في ذلك إذا كان مبرزا في العدالة، وكذلك إذا زاد في شهادته أو نقص منها بعد أن شهد بها لا تجوز شهادته إلا أن يكون مبرزا
следующие страницы →