Полный текст (9 112 стр.). Показаны 5006–5045 · переход к 5011.
стр. 5006
إذا اعتبرت اضطراب؛ لأنه قال فيها: إنه لا ينظر إلى الذين شهدوا لهذا ولا لهذا، وأرى أن يرسل ويدس في ذلك أهل الصلاح في السر.
وقوله فيها إنه لا ينظر إلى الذين شهدوا لهذا ولا لهذا، يريد إذا تكافأت البينتان في العدالة فوجب أن يبقى مسجونا على الأصل في أنه محمول على الملأ حتى يثبت عدمه، وهو قد قال: إنه يرسل، فيقوم من الرواية قولان: أحدهما: أنه ينظر إلى أعدل البينتين، فإن استوتا في العدالة سقطتا وبقي مسجونا على حاله فكانت بينة العدم على هذا أعمل عند تكافئ البينتين، والثاني: أنه ينظر إلى أعدل البينتين، فإن استوتا في العدالة سقطتا أيضا وأرسل من السجن حتى يسأل عنه في السر فينكشف من حاله ما يوجب أن يعاد إليه، فكانت بينة العدم على هذا أعمل عند تكافئ البينتين.
وفي المسألة قولان آخران: أحدهما: أن بينة العدم أعمل وإن كانت أقل عدالة، وقع هذا القول في أحكام ابن زياد لمحمد بن غالب وغيره من معاصيره، قالوا: إن شهادة الذين شهدوا على اليسار أعمل ويحبس بشهادتهم حتى تقوم بينة أنه أعدم بعد ذلك بجائحة أصابته.
ووجه ما ذهبوا إليه أنهم رأوا أن الذين شهدوا بملائه علموا من حاله ما جهلته البينة الأخرى التي شهدت بعدمه، فجعلوا ذلك من باب الزيادة في الشهادة.
والقول الثاني: أن شهادة العدم أعمل وإن كانت أقل عدالة وهذا القول يتركب على قياس قوله في هذه الرواية إنه ينظر إلى أعدل البينتين؛ لأنه لا ينظر إلى أعدل البينتين إلا عند استوائهما جميعا في ألا مزية عند أحدهما في زيادة معرفة أو علم على الآخر أو إذا لم يجعل للذين شهدوا بالملأ مزيد في العلم والمعرفة على الذين شهدوا بالعدم على مذهبه في هذه الرواية، وهو الصحيح في المعنى، إذ لم يثبتوا الشهادة بأنهم يعرفون له مالا أخفاه وإنما شهدوا أنهم يعلمونه عديما في ظاهر حاله كما شهدت البينة الأخرى أنهم يعلمونه عديما في ظاهر حاله، وجب أن تكون بينة العدم أعمل من بينة الملأ؛ لأن بينة العدم أوجبت حكما وهو إطلاقه من السجن إن كان قد سجن أو ارتفاع السجن عنه فيما ثبت عليه من الدين إن كان لم يسجن، وبينة الملأ لم توجب حكما؛ لأنها أبقته على حكم الأصل من كونه محمولا على الملأ الذي يوجب سجنه بما ثبت
стр. 5007
عليه من الدين حتى يثبت عدمه، اللهم إلا أن تكون الشهادتان بعد أن أطلق من السجن بما بان من عدمه؛ لأن شهادة الملأ هنا هي التي توجب الحكم برده إلى السجن، وشهادة العدم لا توجب إلا بقاءه على حكم الأصل الذي به وجب تسريحه من السجن.
ولو قال الشهود بملائه إنهم يعلمون له مالا باطنا أخفاه لما صح أن يختلف في أن شهادتهم أعمل من شهادة من شهد بعدمه، وبالله التوفيق.
[مسألة: المقارض إذا تداين في القراض بإذن رب المال]
مسألة وسئل: عن رجل أفلس وضرب على يده ولم يكن له مال فأتاه رجل من الناس فأعطاه مالا قراضا وهو يعلم بإفلاسه، فداين به الناس حتى فلس، ثم أراد الذي أعطاه المال أن يأخذ ماله، لم يكن ذلك له؛ لأن الناس إنما داينوه لما في يديه ولم يداينوه في ذمته، فالغرماء أولى بماله.
فإن فضل فضل كان له إلا أن يتعدى المقارض في المال بشيء، مثل أن يسلف أو يخالف إلى ما نهاه عنه، فكل ما تعدى فيه كان ضامنا له، بمنزلة ما لو أسلفه إياه فيكون في ذمته، فكذلك ما تعدى فيه.
قال ابن القاسم: كذلك قال لي مالك لا ينبغي أن يداين في القراض، فإن أدان فيه فهم أولى به.
قال: ولا يحل القراض على أن يقول داين، وإن كان تعدى وماله معروف في الذي تعدى فيه ببينة أو إقرار فهو أحق به من الغرماء.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة بينة صحيحة لا إشكال فيها أن المقارض إذا تداين في القراض بإذن رب المال فالغرماء أولى بالمال منه حتى يستوفوا ديونهم، وإذا تداين فيه بغير إذن رب المال وقد علموا أنه مال قراض فرب المال أولى بماله من الغرماء.
وكذلك إذا أسلف منه أو تعدى ما أمره به فهو أحق بماله في جميع ذلك، ولا يجوز على رب المال
стр. 5008
عداؤه. وقد مضى في أول سماع أصبغ ما فيه بيان لهذه المسألة، وبالله التوفيق.
[مسألة: أجير السقي في الزرع أو النخل إذا فلس صاحب الزرع أو النخل]
مسألة قال ابن القاسم، في أجير السقي في الزرع أو النخل إذا فلس صاحب الزرع أو النخل: إن الأجير أولى من الغرماء. وأما الأجير يحرس الزرع أو النخل فهو أسوة الغرماء.
قال الإمام القاضي: قد تكررت هذه المسألة في أول هذا السماع ومضى القول عليها مستوفى في أول سماع أشهب، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
[مسألة: رجل قام عليه غرماؤه ففلسوه فيما بينهم وأخذوا ماله ثم داينه آخرون]
مسألة قال ابن القاسم: قال مالك، في رجل قام عليه غرماؤه ففلسوه فيما بينهم وأخذوا ماله ثم داينه آخرون: إن الآخرين أولى بما في يديه من الأولين بمنزلة السلطان.
قال ابن القاسم: ولو قاموا فلم يجدوا في يديه شيئا وداينوه فلم يجدوا له شيئا فتركوه، لم أر هذا تفليسا، وروايته: إن داينه آخرون بعد ذلك ثم فلس أنه يدخل الأولون من الآخرين إلا أن يكون بلغوا به السلطان وكان السلطان هو الذي فلسه لهم فذلك تفليس، وإن لم يوجد له شيء، وذلك أن السلطان يكشفه ويبلغ من كشفه مَا لَا يَبْلُغُ هؤلاء ولو أعلم أنهم كانوا يبلغون من ذلك لرأيت أَنَا ذلك تفليسا، ولكن لا أحب أن أقوله مخافة ألا يكونوا يبلغون ذلك.
قال محمد بن رشد: قد مضت هذه المسألة والقول فيها في رسم البيوع الثاني من سماع أصبغ فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
стр. 5009
[مسألة: تزوج امرأة وأصدقها عبدين ودفعهما إليها ثم فلست المرأة وطلقها الزوج]
مسألة وقال في رجل تزوج امرأة وأصدقها عبدين ودفعهما إليها ثم فلست المرأة وطلقها الزوج، قال: هو أحق بأحد العبدين من الغرماء.
قال محمد بن رشد: قوله وطلقها الزوج، يريد قبل البناء. وقوله: إنه أحق بأحد العبدين من الغرماء، يريد: أنه يكون شريكا فيهما، قاله ابن أبي زيد وهو صحيح. والمسألة كلها صحيحة لا اختلاف فيها.
والأصل في أنه يكون أحق من الغرماء بما وجب له من الصداق إذا أدركه قول النبي ﷺ : «أيما رجل فلس فأدرك رجل ماله بعينه فهو أحق به من غيره» .
ولو فات الصداق في يديها باستهلاك منها له لكان له محاصة الغرماء بنصف قيمته، ولو فات في يديها بأمر من السماء لم يكن عليها فيه شيء على مذهب ابن القاسم روايته عن مالك في أنهما شريكين فيه إذا طلقها قبل البناء تكون المصيبة إن تلف منهما والغلة بينهما.
وعلى القول بأن الغلة لهما والمصيبة منها إن أصدقها عبدا فمات وطلقها قبل البناء وقد فلست - أنه يحاص الغرماء بنصف قيمته.
وقد قال ابن المواز على قياس قول ابن القاسم وروايته عن مالك: إن المرأة إذا طلقت قبل البناء وفلست فإن عرف المهر بيدها فالزوج أحق بنصفه، وإن لم يوجد إلا نصفه فإن عرف هلاكه بغير سببها فليس له إلا نصف ما وجد ولا محاصة له بما بقي، وإن هلك بسببها حاص بنصف ما ذهب فيه وفي سائر مالها، وهو صحيح، وبالله التوفيق.
[مسألة: يحاص الذي كان له عليك المائة مع غرماء العبد فيما في يد العبد]
مسألة قال ابن القاسم، في عبد كان لي وأذنت له في التجارة
стр. 5010
فداين الناس وكان لرجل علي مائة دينار فأحلته بها على عبدي ثم فلس العبد. قال: يحاص الذي كان له عليك المائة مع غرماء العبد فيما في يد العبد.
قيل له: فإنه حاص فصار له في المحاصة نصف حقه، قال: يرجع على السيد بنصف الحق ويرجع غرماء العبد على السيد بما صار لغريمه في المحاصة وهو خمسون دينارا؛ لأنه هو الذي أدخله عليهم، فإن لم يكن عنده شيء باعوا من العبد ما كان لهم أن يرجعوا به على السيد.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة فيها نظر، ولا تصح إلا على معنى ما، وهو أن يكون السيد أحال غريمه على عبده ولا دين له عليه، فلما فلس العبد لم يعلم إن كانت الإحالة قبل ديون الغرماء فيكون من حق المحال أن يحاص الغرماء ولا يكون للغرماء رجوع على السيد بشيء، أو بعد ديون الغرماء فلا يكون للمحال محاصة الغرماء، والسيد مقر أن الإحالة كانت بعد ديون الغرماء والمحال منكر لذلك ومدع أن الديون إنما لحقت العبد بعد الإحالة. فعلى هذا التأويل تستقيم المسألة.
وقد قال فيها ابن دحون: إنها مسألة غير مستقيمة؛ لأنه إن كان أحال الغريم على دين له على العبد فليس للمحال رجوع ولا للغرماء رجوع على السيد بما وقع للمحال في المحاصة، وإن كان أحاله على ماله الذي في يدي العبد فلا يخلو أن يكون ذلك قبل أن يتداين العبد أو بعد أن يتداين، فإن كان قبل أن يتداين فلم يقبض المحال حتى فلس العبد فلا رجوع له ولا للغرماء على السيد بما يقع للمحال في المحاصة؛ لأنه أحد أهل دين العبد، وإن كان بعد أن تداين العبد أحال عليه فذلك لا يجوز على الغرماء؛ لأنهم أولى بما في يدي العبد من السيد وممن أحاله السيد.
وليس قوله بصحيح لاحتمال المسألة سوى الوجوه التي قسم المسألة إليها وفسرها على معنى ما في المدونة وما في سماع ابن القاسم من كتاب الكفالة والحوالة.
فمن الوجوه التي تحتملها الوجه الذي ذكرنا أنه تصح عليه المسألة، وهو أن السيد أحال غريمه على العبد على غير أصل دين كان له على العبد؛ لأن الحوالة على غير أصل
стр. 5011
دين حمالة، وحمالة العبد لسيده إذا لم يكن عليه دين جائزة لازمة له في ذمته، وإن مات أو فلس كالحر سواء.
فلما أحاله عليه قبل أن يفلس ثم فلس كان له أن يحاص الغرماء ويرجع على الذي أحاله ببقية حقه لما ذكرناه من أن الحوالة على غير أصل دين حمالة، وكان لغرماء العبد أن يرجعوا على السيد بما صار لغريمه المحال في المحاصة على ما ذكرناه في تأويل المسألة من أن السيد مقر أنه أحاله على عبده بعد أن اغترقت الديون ذمته، وبالله التوفيق.
[مسألة: مفلسا ورث أباه أووهب له ماذا يكون للغرماء منه]
مسألة قلت: أرأيت لو أن مفلسا ورث أباه أو وهب له ماذا يكون للغرماء منه؟
قال: إن ورثه لم يعتق إذا كان الدين يحيط به وكان الدين أولى به كشيء أفاده. وأما إن وهب له فهو معتق عليه وليس لأهل الدين فيه شيء؛ لأنه لم يوهب له ليأخذه أهل الدين إنما أراد حين وهب له أن يعتقه، فإذا أخذه أهل الدين كان أضر به.
قال الإمام القاضي: أشهب يقول: إن العتق أولى به في الميراث كالهبة، وبه قال محمد بن المواز، ولا وجه للتفرقة في ذلك بين الميراث والهبة.
واعتلاله لوجوب العتق فيه بالهبة بأنه لم يوهب له ليأخذه أهل الدين، إنما أراد أن يعتقه - اعتلال فاسد، إذ لا يدرى حقيقة ما أراد، فلعله إنما أراد منفعة الموهوب له بأن تؤدى عنه ديونه من ثمنه، لا سيما إن كان ممن يجهل أنه لا يصح له ملكه.
ولا يصح في المسألة على مقتضى القياس إلا قولين (كذا) : أحدهما: أنه يعتق في الوجهين جميعا وهو قول أشهب، والثاني: أنه لا يعتق في الوجهين جميعا ويباع للغرماء فيهما.
والأصل في هذا الاختلاف اختلافهم فيمن ملك من يعتق عليه هل هو حر بنفس ملكه إياه أو ليس بحر حتى يعتقه أو يعتق عليه، فعلى القول بأنه حر بنفس ملكه إياه يكون حرا في الوجهين جميعا ولا يكون لأهل الدين فيه حق وهو قول أشهب، وعلى القول بأنه لا يكون حرا حتى يعتقه أو يعتق
стр. 5012
عليه بدليل ما روي عن النبي ﷺ من أنه قال: «لا يجزي ولد والدا إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه» ، لا يعتق عليه ويباع للغرماء في الوجهين جميعا.
وعلى هذا الاختلاف يأتي الاختلاف الواقع في كتاب العتق الأول من المدونة في الذي يشتري أباه وعليه دين يغترقه، هل يرد البيع أو يباع عليه في الدين؟
وإذا اشتراه وليس عنده ثمنه كله هل يرد البيع أو يباع منه ببقية الثمن للبائع ويعتق الباقي؟
فذهب مالك إلى أنه يرد البيع في المسألتين جميعا على قياس القول بأنه لا يصح أن يتقرر له عليه ملك، وذهب ابن القاسم إلى أنه يباع عليه إذا اشتراه وعليه دين ويباع عليه منه ببقية الثمن للبائع وبعتق الباقي إذا اشتراه وليس عنده ثمنه كله.
وقد تأول بعض الناس على ما في المدونة لمالك بظاهر قوله فيها إنه فرق بين المسألتين، فقال في الذي يشتري أباه وعليه دين: إنه يباع عليه في الدين، وفي الذي يشتريه وليس عنده ثمنه كله: إن البيع يرد، وليس ذلك بصحيح، إذ لا وجه للتفرقة بين المسألتين كما لا وجه للتفرقة بين الميراث والهبة.
وإنما أدخل سحنون قول المخزومي في المدونة حجة لمالك على ابن القاسم في المسألتين جميعا.
ويتخرج على قياس القول بأن من ملك من يعتق عليه لا يكون حرا بنفس الملك حتى يعتق عليه أنه لا يحد إن كانت أمة فوطئها عالما بوجوب عتقها عليه خلاف ما في سماع عيسى من كتاب الحدود من أنه يحد إلا أن يعذر بجهالة ولو اشترى الرجل من يعتق عليه من ورثته وهو صحيح أو مريض بثلث ماله فأقل فلم يعلم بذلك حتى مات، ورثه على القول بأنه حر بنفس الشراء، ولم يرثه على القول بأنه لا يكون حرا حتى يعتق.
وقد اختلف إذا اشتراه في مرضه بثلث ماله فأقل وعلم بذلك قبل أن يموت، فقيل: إنه يعجل له العتق في مرضه ويرث، وهو ظاهر ما في المدونة، وقيل: إنه لا ميراث له بحال؛ لأن فعل المريض لا ينظر فيه إلا بعد الموت وهو قول أشهب، وقيل: إنه ينظر فيه بعد الموت فإن خرج
стр. 5013
من الثلث ورث، وإن لم يخرج من الثلث لم يرث، وهو ظاهر قول ابن القاسم في أول سماع عيسى من كتاب الوصايا.
وأما إذا اشتراه في مرضه بأكثر من الثلث فقيل: إنه لا يرث بحال وهو قول أشهب، وقيل: إنه يرث إن حمله الثلث بعد الموت، وهو أحد قولي ابن القاسم، وقيل: إنه إن كان ممن له أن يستلحقه كان له أن يشتريه بجميع ماله ويرث، وإن لم يكن له أن يستلحقه لم يكن له أن يشتريه إلا بالثلث ولا يرث، وقيل: إنه إن كان ممن يحجب جميع الورثة عن الميراث كان له أن يشتريه بجميع ماله ويرث، وإن لم يكن ممن يحجب جميع الورثة عن الميراث لم يكن له أن يشتريه إلا بالثلث ولا يرث، وبالله التوفيق.
[مسألة: الجمال يفلس وفي يدي هذا جمل يركبه]
مسألة وسئل ابن القاسم: عن الجمال يفلس وفي يدي هذا جمل يركبه، قال: كل من كان في يديه جمل يركبه كان أولى به من غيره.
قال أصبغ: كذلك قال لنا ابن القاسم.
قيل له: إنه كان يدخل بينهم يجعل هذا البعير تحت هذا يوما ثم يجعل تحته غيره من الغد، ويجعل ذلك البعير تحت غيره.
قال: إنما ينظر إليه حين فلس، فكل من كان في يديه بعير حين فلس كان أحق به وإن كانت تحته أمس غيره.
قال محمد بن رشد: قد مضت هذه المسألة في رسم القبائل من سماع ابن القاسم من هذا الكتاب وكتاب الرواحل والدواب، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
[مسألة: المريض يبيع في مرضه فيحابي في بيعه بأكثر من الثلث]
مسألة قال سحنون: لو أن رجلا مرض فباع في مرضه دارا ثمنها ثلاثمائة دينار بمائتي دينار وحابى بمائة دينار ولا مال له غيرها ثم
стр. 5014
أخذ المائتين فاستنفقها ثم مات، فإنه يقال للورثة: إن صاحبكم قد حابى بمائة ولا يحمل ذلك ثلثه من قبل أنه استنفق المائتين، فإما أن تمضوا بيعه وإما أن تختلعوا من ثلثه للمشتري، فإن أجازوا مضى البيع، وإن لم يجيزوا بيع من الدار بقدر المائتين التي استنفقها، ثم يكون للمشتري ثلث ما بقي من الدار بعد الذي بيع منها.
قال الإمام القاضي: اختلف في المريض يبيع في مرضه فيحابي في بيعه بأكثر من الثلث، مثل أن يكون له عبد قيمته ثلاثمائة دينار فيبيعه بمائة دينار ثم يموت ولا مال له غيره على ثلاثة أقوال: أحدها: أن الورثة يخيرون ابتداء بين أن يجيزوا البيع وبين أن يمضوا للمشتري من العبد ثلثه بالوصية وثلثه بالمائة التي دفع، وهذا إذا كانت قيمته على حالها والمائة باقية، وهو قول ابن القاسم في سماع أبي زيد من كتاب الوصايا.
والثاني: أنه يمضي منه للمشتري بالثمن قدر ما لا محاباة فيه ثم يخير الورثة في المحاباة فإن شاءوا أجازوها وأمضوها وإلا قطعوا له بثلث الميت وهو ثلث العبد إذ لا مال له غيره، وهذا قول عيسى بن دينار من رأيه، وهو قريب من القول الأول، إذ لا فرق بينه وبينه إلا في تخيير الورثة هل يكون ابتداء أو بعد أن يمضي منه للمشتري بالثمن قدر ما لا محاباة فيه، ولا يئول ذلك إلى اختلاف في المعنى.
والقول الثالث: أن الورثة يخيرون ابتداء بين أن يجيزوا البيع وبين أن يردوه ويعطوا المشتري مِئَتَهُ التي كان دفع ويقطعوا له بثلث الميت في العبد المبيع وهو ثلثه إذ لا مال له سواه، وهو قول ابن القاسم في سماع سحنون من كتاب الشفعة ورواية أصبغ عن ابن القاسم عن مالك في الواضحة.
وعلى هذا القول يأتي قول سحنون هذا في الذي باع في مرضه دارا تساوي ثلاثمائة بمائتين ولا مال له غيرها فأخذ المائتين واستنفقها في مرضه ثم مات؛ لأن الثلث إنما ينظر فيه بعد الموت، فلما مات وهو قد استنفق المائتين التي قبضها من المشتري لم يصح أن يمضي له المائة التي
стр. 5015
حاباه بها في مرضه، إذ لا مال به سواها، فوجب ألا يكون له إلا ثلثها يقطع له بذلك في الدار، وكان وجه العمل في ذلك على ما قال، إن لم يجز الورثة البيع أن يباع من الدار للمشتري بالمائتين التي استنفقها الميت على التنقيص بأن يقال للمشترين كم تأخذون من هذه الدار بمائتين؟ فيقول أحدهم: أنا آخذ خمسة أسداسها بمائتين، ويقول الآخر: أنا آخذ أربعة أخماسها بذلك، ويقول الآخر: أنا آخذ ثلاثة أرباعها بذلك، ويقول الآخر: أنا آخذ ثلثيها بذلك، ويقول الآخر: أنا آخذ نصفها بذلك، فإذا وقفت على ما وقفت عليه من الأجزاء بيع منها ذلك الجزء بالمائتين ودفعت إلى المشتري، وكان له ثلث ما يبقى من الدار، السدس إن كان بيع منها بالمائتين النصف، والتسع إن كان بيع منها بالمائتين الثلثان، ونصف السدس إن كان بيع منها بالمائتين الثلاثة الأرباع، ويكون للورثة ما بقي، الثلث أو التسعان أو السدس، وهذا على القول بأن من أوصي له بشيء بعينه فلم يحمله الثلث ولا أجازه الورثة يقطع له بالثلث في الذي أوصي له به.
وأما على القول بأنه يكون له شائعا في جميع مال الميت فتباع الدار كلها فيعطى المشتري من ذلك المائتين التي استنفق الميت وثلث ما بقي إذ لا مال له سوى الدار، ولا يكون على ظاهر هذه الرواية للورثة أن يلزموا المشتري أن يأخذ في المائتين من الدار ما يجب لهما منها بغير رضاه ولا له أن يلزمهم ذلك بغير رضاهم، خلاف ظاهر ما في سماع أبي زيد من كتاب الوصايا.
وقد رأيت لابن دحون أنه قال في قول سحنون في هذه المسألة: لا يتم هذا الجواب حتى يكون المشتري يبرأ إليهم بما اشترى ويطلب رأس ماله فهناك تباع الدار ويعطى رأس ماله وثلث ما يبقى، فكأنه ذهب إلى أن يفسر قول سحنون هذا بما في سماع أبي زيد، وما في سماع أبي زيد بقول سحنون، والظاهر أنه اختلاف.
واختلف أيضا إن أراد المشتري أن يزيد ما حاباه به الميت زائدا على الثلث ويستخلص البيع هل يكون ذلك له أم لا؟ على قولين: أحدهما: أن ذلك له وهو قول ابن القاسم في سماع سحنون من كتاب الشفعة، والثاني: أن ذلك ليس له وهو ظاهر ما في سماع أبي زيد من كتاب الوصايا، وبالله التوفيق.
стр. 5016
[مسألة: يشتري البيض على أن تفقس]
مسألة وسئل مالك: عن الذي يشتري البيض على أن تفقس: أن ذلك جائز.
قال محمد بن رشد: قيل في التفقيس إن معناه: أن يكشف عن البيض ليعلم فاسدها من غير ذلك، ويحتمل أن يريد بالتفقيس الكسر، فإن كان اشتراها على أن يختبرها بما يصح اختبارها به من غير كسر فما وجد منها فاسدا رده فلا إشكال في جواز البيع على هذا الشرط، وإن كان اشتراها على أن يكسرها فما وجد منها فاسدا رده مكسورا فذلك جائز أيضا؛ لأن الحكم يوجب له رده إذا وجد فاسدا قبل الكسر وبعده، اشترط ذلك أو لم يشترطه، وبالله التوفيق.
[: سجن الرجل في دين امرأته فأراد أن تدخل عليه امرأته في السجن تبيت معه]
من نوازل سئل عنها سحنون قال سحنون: إذا سجن الرجل في دين امرأته فأراد أن تدخل عليه امرأته في السجن تبيت معه فإنه لا يكون له ذلك.
وكذلك إن سجن لغير امرأته فليس له أن تدخل امرأته عليه في السجن؛ لأنه إنما أدخل تأديبا له وتضييقا عليه، فإذا كان لا يمنع من لذته فلم يضيق عليه.
قال الإمام القاضي: قول سحنون هذا صحيح بين في المعنى.
وقد قال ابن المواز: إذا حبس الزوجان في دين فطلب الغريم أن يفرق بينهما وطلب الزوجان أن يجمعا فذلك لهما إن كان السجن خاليا، وإن كان فيه غيرها حبست المرأة مع النساء وحبس الرجل مع الرجال، ولا يفرق بين الأب والابن ولا بين الإخوة في السجن.
وقول ابن المواز: إن للزوجين أن يجمعا في السجن إذا كان خاليا خلاف لقول سحنون، وقول سحنون أظهر، والله أعلم.
стр. 5017
[مسألة: لا يجوز أن يشترى دين على الميت]
مسألة قال سحنون: إذا مات الرجل وعليه دين لقوم شتى فقام بعضهم إلى السلطان فأثبت عنده دينه فباع السلطان مال الميت وقضى هؤلاء الذين قاموا بحقوقهم، فقام الآخرون بعد ذلك يريدون الدخول مع الذين اقتضوا فيما اقتضوا: فإن ذلك لهم يدخلون عليهم فيأخذون منهم قدر حقوقهم، ولا يضرهم أن يكونوا علموا بموت صاحبهم، وأن ماله يباع لغرمائه؛ لأنهم يقولون كنا على حقوقنا، وعلمنا أنه لا يبطلها عنا قيام أصحابنا.
قيل له: فما الفرق بينه وبين المفلس إذا باع السلطان ماله لبعض غرمائه وبقيتهم حضور لا يقومون فلم ير لهم الدخول على الذين اقتضوا حقوقهم؟
فقال: إن المفلس له ذمة تتبع، وإن الميت قد انقطعت ذمته، فلذلك رأيت لهم الدخول على أصحابهم.
وقد أخبرني ابن القاسم أنه قال: لا يجوز أن يشترى دين على الميت؛ لأن الميت لا ذمة له يطلب فيها وقد انقطعت ذمته، وأن المفلس له ذمة يتبع بها، فهذا أيضا يدلك على مسألتك.
قال محمد بن رشد: قد مضى القول على هذه المسألة في نوازل عيسى فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
[مسألة: يكون له على النصراني الدين فيموت ويترك خمرا وخنازير]
مسألة وسئل سحنون: عن الرجل يكون له على النصراني الدين فيترك النصراني خمرا أو خنازير هل يجبر ورثة النصراني على بيع الخمر والخنازير حتى يقضوا المسلم حقه؟
قال: لا يجبرهم السلطان على بيعه، ولكن صاحب الدين يتربص بورثة الميت، فإذا باعوا وصارت الخمر والخنازير مالا قضى السلطان على الذين
стр. 5018
باعوها بدفع الدين إلى المسلم.
وكذلك المركب من الروم يرسي بساحلنا معهم الخمر وغير ذلك أن السلطان لا يجبرهم على بيعها للعشور، ولكن يوكل من يتحفظ بها حتى إذا بيعت أخذ من ثمنها العشور.
قال محمد بن رشد: أما قوله في الذي يكون له على النصراني الدين فيموت ويترك خمرا وخنازير: إن السلطان لا يجبر ورثته على بيع الخمر والخنازير، ولكن صاحب الدين يتربص بورثة الميت فإذا باعوا وصارت الخمر والخنازير مالا قضى السلطان على الذين باعوها بدفع الدين إلى المسلم - فهو صحيح بيّن في المعنى؛ لأن دين صاحب الدين ليس في عين الخمر والخنازير، وإنما هو في ذمة الميت، ولو كان في عين الخمر والخنازير لما وجب أن يبيعها ليستوفي حقه منها، ولما كان الواجب في ذلك، إلا أن يأخذ حقه منها المتعين له فيها فيهرق الخمر ويقتل الخنازير أو يسرحها إن لم يقدر على قتلها وتغييب جيفها، وخشي أن يضر ذلك بالناس.
وأما قوله في المركب من الروم يرسي بساحل المسلمين ومعهم الخمر وغير ذلك للبيع: إن السلطان لا يجبرهم على بيعها للعشور، ولكن يوكل من يتحفظ بها حتى إذا بيعت أخذ من ثمنها العشر، فهو بعيد، إلا أن يكون معنى ذلك أنهم صولحوا على أن يؤخذ منهم العشر إذا باعوا كأهل الذمة.
وأما إن كانوا صولحوا على العشر فالواجب أن يؤخذ منهم عشر ما معهم من الخمر والخنازير فتكسر الخمر وتقتل الخنازير أو تسرح؛ لأن المسلمين أشراك لهم في جميع ما نزلوا به باعوا أو لم يبيعوا، هذا قول ابن القاسم في سماع عيسى وسحنون وأصبغ من كتاب التجارة إلى أرض الحرب.
ألا ترى أنهم يمنعون عنده من وطء جواريهم للشرك الذي للمسلمين معهم، وأنهم إن أرادوا الرجوع بمن معهم من الرقيق أو بما معهم من الأموال قبل البيع أخذ منهم العشر من ذلك كله وانطلقوا بما بقي.
وقد قال سحنون في نوازله من كتاب القراض في النصراني يقارض النصراني، فيشتري المقارض بمال القراض خمرا أو خنازير ثم يسلم صاحب المال: إن ذلك مصيبة نزلت
стр. 5019
به، وينظر إلى قدر فضل النصراني فيها فيعطاه منها، ويهراق ما صار للمسلم.
فإذا قال هذا في مال القراض مع أن من حجة صاحب المال أن يقول إنما قارضته بمال ولم أقارضه بخمر، فأنا أنتظر حتى ينض المال فآخذ رأس مالي وحصتي من الربح فأحرى أن يقوله في مال الحربي الذي قدم للتجارة بأمان، فإنما يصح قول سحنون في هذه المسألة على قول ابن وهب في سماع أصبغ من كتاب التجارة إلى أرض الحرب، وما لأشهب في كتاب ابن المواز من أن أهل الحرب إذا قدموا للتجارة لا يؤخذ منهم ما صولحوا عليه من عشر أو غيره حتى يبيعوا كأهل الذمة، وبالله التوفيق.
[مسألة: لا تجوز شهادة خصم ولا ظنين ولا جار لنفسه ولا دافع مغرم]
مسألة وسئل: عن رجلين لهما دين بصك واحد على رجل، فشهد أحدهما أنهما قد تقاضيا دينهما ذلك، قال سحنون: أرى شهادته على شريكه ساقطة، لما يريد أن يدفع عن نفسه من رجوع صاحبه عليه، وأرى أن يرجع على شريكه بما ينوبه ويرجع المشهود عليه بتمام حقه على غريمه، ولا يكون للشاهد الرجوع على أحد.
قيل: لسحنون: وترى شهادته ساقطة، كان المشهود عليه مليئا أو معدما؟ قال: نعم.
قال محمد بن رشد: وهذا بيّن على ما قاله، لقول رسول الله ﷺ : «لا تجوز شهادة خصم ولا ظنين ولا جارٍّ لنفسه ولا دافع مغرم» فهو إذا شهد على شريكه في الدين أنه قد قبض حقه منه كما قبض هو يدفع عن نفسه بشهادته عليه ما يجب له عليه من الرجوع عليه بنصف ما قبض وتغريمه إياه ذلك.
وإذا بطلت شهادته عنه ورجع عليه لم يكن له هو الرجوع على الذي كان عليه الدين كما قال؛ لأنه مقر أنهما قد استوفيا
стр. 5020
حقهما منه فلا شيء لهما قبله. وسواء على ما قال كان المشهود عليه مليا أو معدما؛ لأن له الرجوع عليه في الحالتين جميعا، وبالله التوفيق.
[مسألة: له دين عليه فقال له اقضني خمسين وأنا أضع عنك الباقي]
مسألة وسئل سحنون: عن رجل كان له دين على رجل، فقال له قبل محل الأجل: اقضني من ديني خمسين دينارا وأنا أضع عنك ما بقي، فلم يعلم بمكروه ذلك إلا بعد الأجل أو قبل حلول الأجل.
قال: إن علم بذلك قبل حلول الأجل رد ما كان أخذ منه وكان المال إلى أجله، وإن لم يعلم بذلك إلا بعد الأجل فإن رب الحق يرجع بما وضع عنه عليه.
قال محمد بن رشد: هذا بيّن على ما قاله، وهو مما لا إشكال فيه؛ لأن تعجيل بعض الحق قبل حلول أجله على أن يوضع عنه بقيته سلف جر منفعة، وذلك رِبًا عند مالك وعامة أهل العلم، مقيس على الربا المحرم في التنزيل على ما أجمع عليه أهل التأويل، وهو أن يؤخره بدينه بعد حلول أجله على أن يزيده فيه، فإذا عثر على ذلك قبل حلول الأجل رد إليه ما عجل له؛ لأن التمادي على ذلك إلى الأجل حرام، وإن لم يعثر على ذلك حتى حل الأجل رجع عليه ببقية حقه؛ لأن إسقاطه عنه على أن يعجل له مما عجل ربا ولم يرد عليه شيئا مما عجل له؛ لأن ذلك قد فات، وبالله التوفيق.
[مسألة: لرجل على رجل ثلاثمائة درهم فدفع المطلوب منها إلى الطالب مائة]
مسألة قلت: أرأيت إن كان لرجل على رجل ثلاثمائة درهم كل مائة منها في صك على حدة، منها صك قرض، وصك منها كفالة عن رجل، وصك منها كفالة عن رجل آخر، ودفع المطلوب منها إلى الطالب مائة، من أيها تكون؟
قال: إن قال الذي عليه الحق
стр. 5021
قضيت حق فلان، وقال الطالب: ما قبضت منك إلا مبهما، رأيت أن يكون ثلث ما قبض عن كل صك؛ لأنه كان يقتضيه إياها كلها وهي حالّة.
وإن كان قضاه إياها ومنها الحالّ والآجل فهي من الحق الحال وليست من الآجل، وليس يقبل قول القاضي إنما قضيتك حق فلان؛ لأنه الآن يحابي من أحب منهم.
ولو أنه حين أتاه بالمال قال: أقضيك حق فلان - كان القول في ذلك قول القاضي؛ لأنه مال يقضي القاضي أيها شاء إلا أن يكون المطلوب مخوفا فيكون المال بينهم.
وكذلك لو مات الطالب قبل أن يبين من أي شيء اقتضى كان المال على الصكوك كلها إذا كانت حالّة، وإن ادعى القاضي غير ذلك. قال: فإن ماتا جميعا فكذلك يكون أيضا.
قال محمد بن رشد: في بعض الكتب: ولو أنه حين أتاه بالمال قال أقضيك حق فلان كان القول في ذلك قول الطالب؛ لأنه مال فيقتضي القابض أيه شاء.
والأول أصح؛ لأن القاضي وهو الدافع أملك بالقضاء، فوجب أن يكون من حقه أن يدفع أيها شاء إذا نازعه الطالب في ذلك عند القضاء.
وأما إذا اختلفا بعد القضاء، فقال القاضي: إنما قضيتك حق فلان، وقال الطالب: ما قبضت منك إلا مبهما - فالقول قول الطالب مع يمينه يحلف ما قبض إلا مبهما ويكون ذلك مفضوضا على الصكوك كلها، ولا يصدق الدافع القاضي؛ لأنه مدع ويتهم أيضا بمحاباة الذي يدعي أنه قضى عنه.
وكذلك لو قال الطالب: إنما قبضت حق فلان وقال القاضي: بل قضيتك مبهما - كان القول قوله مع يمينه ومضى ذلك على الصكوك كلها.
ولو اختلفا فقال الطالب: إنما دفعت إلي حق فلان، وقال القاضي: بل دفعت إليك حق فلان لوجب أن يفض ذلك على الصكوك جميعا بعد يمين كل واحد منهما على دعواه أو نكولهما جميعا عن اليمين، فإن حلف أحدهما ونكل الآخر عن اليمين كان القول قول الحالف منهما.
وهذا كله على قياس قول ابن القاسم في هذه الرواية ومذهبه في المدونة وروايته عن مالك فيهما. وقد
стр. 5022
قيل: إن القول قول القاضي المقتضي، وهو قول غير ابن القاسم في المدونة.
وقد قيل: إن القول قول القاضي الذي عليه الحق، وهو قول ابن كنانة ورواية محمد بن صدقة عن مالك في المدنية، فسواء على هذين القولين ادعيا البيان جميعا أو ادعى أحدهما البيان والآخر الإبهام يحلف على القول الواحد الطالب على ما يدعي من البيان أو على ما يدعي من الإبهام، فإن حلف على ما يدعي من الإبهام فض ذلك على جميع الصكوك، ويحلف على القول الثاني المطلوب على ما يدعي من البيان أيضا أو على ما يدعي من الإبهام، فإن حلف ما يدعي من الإبهام فض ذلك على جميع الصكوك، فإن نكل عن اليمين حلف الآخر، وكان القول قوله على حكم المدعي والمدعى عليه، وبالله التوفيق.
[مسألة: أوصى لرجل بألف درهم وقال لي عنده عشرون دينارا فاقتضوها منه]
مسألة وسئل سحنون: عمن أوصى عند موته لرجل بألف درهم، وقال: لي عنده عشرون دينارا فاقتضوها منه، فأخبر الموصى له بالوصية، وسئل: عن العشرين فتبرأ، وأنكر أن يكون له قِبَله شيء وطلب الوصية.
قال سحنون: يحاسب في الألف بالعشرين ثم يكون له ما بقي.
قال محمد بن رشد: قد مضت هذه المسألة والقول فيها في رسم البيوع الأول من سماع أشهب من هذا الكتاب فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
تم كتاب المديان والتفليس والحمد لله.
стр. 5023
[كتاب الرهون الأول] [ يبعث مع الرجل بالثوب يرهنه ويأمره بشيء فيزداد لنفسه بغير علم صاحب الثوب]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم كتاب الرهون الأول من سماع ابن القاسم عن مالك من كتاب الرطب باليابس أخبرني محمد بن عمر بن لبابة قال: أخبرني العتبي قال: قال سحنون: قال عبد الرحمن بن القاسم: قال مالك في الرجل يبعث مع الرجل بالثوب يرهنه ويأمره بشيء، فيزداد لنفسه بغير علم صاحب الثوب، فلما حل الأجل طلب المرتهن عشرة، فقال رب الثوب: ما دفع إليّ إلا خمسة، وما أمرته إلا بذلك، فأقر الرسول أو أنكر، فقال: يؤخذ من صاحب الثوب الآمر العشرة إن كان ثمن الثوب ذلك، وتكون الخمسة لصاحب الثوب قبل رسوله، فإن زعم أنه دفعها إليه كلها، حلف وبرئ، وإن أنكر أن يكون أخذ من المرتهن إلا خمسة، كان الغرم كله على صاحب الثوب أيضا، وكان على الرسول اليمين بالله ما أخذها، ويبرأ. قال سحنون وعيسى بن دينار: إذا قال: إنما أمرته بخمسة، وقال الرسول: ما ارتهنته إلا بخمسة، فإن كان للراهن بينة أنه أمره بخمسة غرم خمسة وأخذ رهنه، ولم يكن للمرتهن على الرسول إلا يمينه بالله ما رهنه إلا
стр. 5024
بخمسة، ويبرأ، وإن لم تكن له بينة، وإنما هو قوله وقول الرسول، وقال المرتهن: ارتهنته بعشرة، فالقول قول المرتهن فيما بينه وبين أن يحيط بالرهن مع يمينه، ثم يقال لصاحب الرهن: افد رهنك بقيمته أو دعه بما فيه، فإن كان الذي ادعى المرتهن أكثر من ثمن الرهن، أحلف الرسول بالله ما رهنته إلا بخمسة ويبرأ، ولا يكون لصاحب الرهن ولا للمرتهن أن يتبعاه بشيء، فإن قال الرسول: رهنته بعشرة، وما أمرني الراهن أن أرهنه إلا بخمسة، فكان لصاحب الرهن بينة، أنه إنما أمره بخمسة، غرم خمسة، وأخذ رهنه، واتبع الرسول المرتهن بخمسة، وإن لم تكن له بينة، وله البينة على أن الرهن له، أحلف أنه لم يأمره إلا بخمسة، ثم غرم قيمة الرهن إن كانت أدنى من عشرة، وأخذ رهنه، واتبع المرتهن الرسول بما نقص من العشرة، واتبعه الراهن، بما غرم فوق الخمسة. قال: وإن قال الرسول: أمرتني بعشرة، وقال الآمر: ما أمرتك إلا بخمسة، كان القول قول الرسول مع يمينه، وقيل لهذا افتك رهنك أو دعه، فإن فداه لم يتبع الرسول بقليل ولا كثير، إذا حلف أنه أمره بعشرة.
قال الإمام القاضي: قول مالك في أول هذه المسألة: إذا طلب المرتهن عشرة، وقال رب الثوب: لم آمره إلا بخمسة، إن العشرة تؤخذ من صاحب الثوب إذا كان ثمنه ذلك. أقر الرسول أو أنكر، معناه: أقر الرسول أنه رهنه بعشرة أو أنكر، وزعم أنه إنما رهنه بخمسة، وهو صحيح؛ لأن الرهن شاهد لمرتهنه بمبلغ
стр. 5025
قيمته، فالقول قوله مع يمينه أنه ارتهنه بعشرة، ويأخذ العشرة من صاحب الثوب، ويرجع صاحب الثوب على الرسول، فإن كان مقرا أنه رهنه بعشرة، فاستزاد الخمسة لنفسه، أخذها منه، وإن ادعى أنه إنما رهنه، فالعشرة له، ودفعها إليه، فالقول قوله مع يمينه على ذلك، وفي تصديقه على أنه قد دفع العشرة إليه اختلاف كثير، قيل: إنه يصدق مع يمينه، قرب أو بعد، وقيل: إنه لا يصدق بحال، وقيل: إنه يصدق في القرب مع يمينه، وفي البعد دون يمين، وقيل: إنه لا يصدق في القرب ويصدق في البعد مع يمينه. وإن أنكر وزعم أنه إنما رهنها بخمسة، لم يكن عليه إلا اليمين ويبرأ، وإذا أقر الرسول أنه رهنها بعشرة، وأن الخمسة استزادها لنفسه فرضي المرتهن أن يتبعه بالخمسة سقطت عنه اليمين.
والمسألة كلها صحيحة مبنية على أصل مالك ومذهبه، في أن الرهن شاهد لمرتهنه إلى مبلغ قيمته، إذا كان قائما بيده، أو بيد من جعلاه على يده على اختلاف في ذلك، أعني في كونه شاهدا له إذا لم يكن بيده، وإنما جعلاه على يدي عدل بدليل قول الله ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] ؛ لأنه تعالى لما جعل الرهن عوض التوثق بالكتاب، والإشهاد عند عدم الكتاب، وجب أن ينوب منابه في بعض أحواله، وهو ما ذهب إليه مالك ﵀، من أن يكون شاهدا له إلى مبلغ قيمته، قيل: ويستحق ذلك في ذمة الراهن، وهو قول مالك في هذه الرواية يؤخذ
стр. 5026
من صاحب الثوب الآمر العشرة دينار، خلافا لقول مالك في هذا. وفيما سواه تفسير له.
قولهما فإن كان للراهن بينة أنه أمره بخمسة، غرم خمسة، وأخذ رهنه، ولم يكن للمرتهن على الرسول إلا يمينه بالله ما رهنته إلا بخمسة، ويبرأ، صحيح لا اختلاف فيه؛ لأن الراهن إذا أخذ رهنه خرج من الرهن؛ ولم يبق بيد المرتهن ما يكون له شاهدا على دعواه وقولهما: وإن لم تكن له بينة، وإنما هو قوله، وقول الرسول، وقال المرتهن: ارتهنته بعشرة، فالقول قول المرتهن فيما بينه وبين أن يحيط بالرهن مع يمينه صحيح أيضا لا اختلاف فيه في المذهب؛ لأن الرهن إنما هو شاهد للمرتهن بقيمته، وأما قولهما: ثم يقال لصاحب الرهن: افد رهنك بقيمته أو دعه بما فيه، فقد ذكرنا أن ذلك خلاف لما تقدم من قول مالك.
وقوله: فإن كان الذي ادعى المرتهن أكثر من ثمن الرهن، يريد مثل أن يكون قيمة الرهن ثمانية، فيدعي أنه ارتهنه منه بعشرة، حلف الرسول بالله ما رهنته إلا بخمسة، ويبرأ، ولا يكون لصاحب الرهن ولا للمرتهن أن يتبعاه بشيء، يريد ويحلف المرتهن، لقد ارتهنته بعشرة، فيستحق بيمينه قيمة الرهن، ويبرأ صاحب الثوب بيمين الرسول الراهن فيما زاد على قيمة الرهن؛ لأن رسوله بمنزلته،
стр. 5027
لو كان هو الراهن، ولو نكل الرسول عن اليمين لغرم الخمسة تمام العشرة التي حلف المرتهن عليها؛ لأنه ضيع بتركه الإشهاد، وإن نكل المرتهن عن اليمين، وحلف الرسول، لم يكن له إلا الخمسة التي حلف عليها الرسول قبل صاحب الثوب، والقول قول الرسول أنه دفعها إليه إن أنكر أن يكون قبضها منه، وقد ذكرنا الاختلاف في ذلك.
وقولهما: فإن قال الرسول رهنته بعشرة، وما أمرني الراهن أن أرهنه إلا بخمسة، فكان لصاحب الرهن بينة، أنه إنما أمره بخمسة، غرم خمسة وأخذ رهنه، واتبع الرسول المرتهن بخمسة، صحيح لا اختلاف فيه؛ لأن الراهن إذا أخذ رهنه خرج من الرهن، ولم يبق بيد المرتهن ما يكون له شاهدا على دعواه، حسبما ذكرناه. وقولهما: وإن لم تكن له بينة وله البينة على أن الرهن له، أحلف أنه لم يأمره إلا بخمسة، ثم غرم قيمة الرهن إن كانت قيمته أدنى من عشرة، وأخذ رهنه. واتبع المرتهن الرسول بما نقص من العشرة، واتبعه الراهن، يريد صاحب الثوب الآمر بالرهن بما غرم فوق الخمسة صحيح، وبيانه: أن الرسول قد أقر أنه رهنه بعشرة، وأن صاحب الثوب لم يأمره إلا بخمسة، فإن أراد المرتهن أن يتبع صاحب الثوب بالخمسة التي أقر أنه تعدى فيها، لم يكن عليه يمين، وإن أراد أن يتبع صاحب الثوب بقيمة الرهن، والرسول ببقية العشرة، كما قال، لم يكن ذلك له إلا بعد أن يحلف أنه رهنه إياه
стр. 5028
بعشرة، فإن نكل عن اليمين لم يكن له قِبَل صاحب الثوب إلا الخمسة التي أمر بها، ويتبع الرسول بالخمسة التي أقر له بها وإذا حلف وأخذ من صاحب الثوب قيمته، كان لصاحب الثوب أن يرجع على الرسول بما غرم زائدا على الخمسة، لإقراره أنه لم يأمره إلا بخمسة، وأنه تعدى في الخمسة الأخرى، فهذا بيان قوله هذا.
وقولهما قال: وإن قال الرسول أمرتني بعشرة وقال الآمر: ما أمرتك إلا بالخمسة، كان القول قول الرسول مع يمينه. وقيل لهذا افد رهنك أو دعه، فإن لم يتبع الرسول بقليل ولا كثير، إذا حلف أنه أمره بعشرة صحيح، إلا أن فيه إجمالا، يفتقر إلى شرح.
وبيان ذلك، أن الرسول يحلف لقد أمره بالعشرة التي رهنتها به، ولقد دفعها إليه، فجمع ذلك في يمين واحدة، وقيل: بل يحلف يمينين، فإذا حلف كان صاحب الثوب مخيرا بين أن يفتك ثوبه بقيمته، أو يسلمه، ولم يكن له على الرسول شيء؛ لأنه قد حلف أنه أمره بعشرة، ودفعها إليه، ويرجع المرتهن على الرسول ببقية العشرة التي أقر بقبضها منه إن كانت قيمة الثوب أقل من عشرة، ولو ادعى المرتهن عشرين، وأقر الآمر بخمسة، وقال الرسول خمسة عشر، وقيمة الثوب عشرة، فليحلف المرتهن، ثم يحلف رب الثوب، فإن شاء الآمر ثوبه فليرد عشرة، ثم يحلف الرسول يمينين ويغرم خمسة التي زادت على قيمة الثوب؛ لأنه أقر أنه قبض من المرتهن خمسة عشر، ويحلف للآمر يمينا لقد أوصل إليه عشرة، وأخرى للمرتهن، ما قبضت منك إلا خمسة عشر. قال ذلك في كتاب ابن المواز، وهو صحيح على أصولهم. وبالله التوفيق.
стр. 5029
[مسألة: ارتهن زرعا فعجز عنه صاحبه فقال له زدني مالا آخر أصلح به زرعي]
مسألة وقال مالك من ارتهن زرعا فعجز عنه صاحبه، فقال صاحب الزرع: زدني مالا، آخر أصلح به زرعي ليلا، فأبى، فأخذ مالا من غيره. فأصلح به زرعه حتى انتعش، قال: يبدأ الذي أسلفه على المرتهن الأول في الزرع حتى يستوفي حقه.
قال محمد بن رشد: هذا نص ما في كتاب الرهون من المدونة في هذه المسألة، ومعناها: إذا أذن المرتهن في ذلك للراهن. وفي كتاب ابن المواز لمالك أن الأول يبدأ ثم الثاني. ولكلا القولين وجه. فوجه القول الأول أن المرتهن لما أذن للراهن أن يستسلف ما يصلح به الزرع ليلّا يهلك، فقد رضي بتبدئته على نفسه، وصار حائزا له.
ووجه القول الثاني أن المرتهن الأول قد حاز الزرع لنفسه، فلا يخرج مقدار دينه منه عن يده، ويكون فيه حائزا لغيره إلا بإفصاح وبيان، وحسبه أن يكون بإذنه في ذلك حائزا للثاني ما فضل عن حقه، ولو لم يأذن له في ذلك لوجب أن يكون الثاني أسوة الغرماء فيما فضل من الرهن عن حق المرتهن الأول وبالله التوفيق.
[مسألة: باع من غلام له سلعة بدين وارتهن منه رهنا فلحق العبد دين]
مسألة وقال مالك في رجل باع من غلام له سلعة بدين وارتهن منه
стр. 5030
رهنا فلحق العبد دين. قال: إن كان دين السيد معروفا ببينة، وكان دينه بقدر مال العبد، فهو أحق بالرهن، وإن كان على غير ذلك، ولو قامت له بينة، لم أر أن يكون أحق به من الغرماء. قال عيسى: قال ابن القاسم: أرى أن يفسخ للبائع رهنه؛ لأنه لم يكن ذلك على وجه الرهن، وإنما هو على وجه التاليج، فيحاص بقيمة ما باع عبده الغرماء، فيما ارتهن وفيما بقي من ماله، ولا يكون أولى بالرهن فيما له عليه؛ لأنه كان أوله غير جائز، والأجنبي لا يشبهه؛ لأن الأجنبي لو باع جارية قيمتها خمسون دينارا بألف دينار، وارتهن رهنا، وكان مشتريها من غير أهل السلعة، جاز ذلك، والسيد ليس كذلك في عبده، فهذا فرق ما بين مبايعة السيد عبده، والأجنبي لم يروها سحنون. قال سحنون: إذا تبين في ذلك محاباة، وارتهن به رهنا، كان أولى بالرهن بقيمة السلعة التي باع منه، ولا يكون أولى بالرهن بقيمة السلعة التي باع منه، ولا يكون أولى بالرهن بالزيادة التي ازدادها على قيمة سلعته، ولكنها تسقط الزيادة، وتثبت منه قدر قيمة السلعة ويكون أولى بالرهن بتلك القيمة من الغرماء.
قال محمد بن رشد: هذه المسألة قد مضى القول فيها مستوفى في أول سماع ابن القاسم من كتاب المديان والتفليس، فمن أحب الوقوف عليه. تأمله هنالك.
وفي قوله: والأجنبي لا يشبهه؛ لأن الأجنبي لو باع جارية قيمتها خمسون دينارا بألف دينار، وارتهن رهنا، وكان مشتريها من غير أهل السفه جاز ذلك، ما يدل على أنه لا قيام على بيع المكايسة بالغبن ولا أعرف في المذهب في ذلك نص خلاف، وكان من الشيوخ من يحمل مسألة سماع أشهب، الواقعة في أول رسم منه على الخلاف، ويتأول منها وجوب القيام بالغبن في بيع المكايسة؛ لقوله فيها: إن كان هذا المال رابحا كثير الفضل على ما باعه
стр. 5031
إياه، لا يشبه تغابن الناس في البيوع، فأرى أن يرد عليه ماله ويقضيه دينه، ويقع عليه الحنث، ليس ذلك عندي بصحيح؛ لأنه إنما رأى له الرد بالغبن من أجل اضطراره إلى البيع مخافة الحنث على ما ذكر في الرواية. وهذا من نحو تضعيفهم وكالة الراهن من المرتهن على بيع الرهن، حسبما يأتي القول عليه في الرسم الذي بعد هذا إن شاء الله.
وقد حكى بعض البغداديين على المذهب وأراه ابن القصار، أنه يجب الرد بالغبن إذا كان أكثر من الثلث، وليس ذلك بصحيح لقول رسول الله ﷺ «لا يبع حاضر لباد، دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض» . وفي قوله ﷺ «غبن المسترسل ظلم» دليل أنه لا ظلم في غبن المسترسل، وما لم يكن فيه ظلم، فهو حق لا يحب القيام به. وقد استدل بعض الناس على ذلك بقوله ﵇ في الأمة «إن زنت فبيعوها ولو بضفير» وبقوله لعمر بن الخطاب ﵁ «لا تشتره ولو باعكه بدرهم» وهذا لا دليل فيه؛ لأنه خرج على التقليل مثل قوله في
стр. 5032
الحقيقة: «ولو بعصفور» وقوله: «من بنى مسجدا ولو بقدر مفحص قطاة بنى الله له بيتا في الجنة» (١٢) وما أشبه ذلك كثير، وإنما الخلاف المعلوم في الرد بالغلط في بيع المكايسة، حسبما مضى القول فيه في الأقضية الثاني من سماع أشهب من كتاب جامع البيوع. وبالله التوفيق.
[مسألة: ارتهن رهنا دارا أو غلة ثم قال المرتهن للراهن استأجرني أتقاضى لك]
مسألة وقال مالك في رجل ارتهن رهنا: دارا أو غلة، ثم قال المرتهن للراهن: استأجرني أتقاضى لك، وآخذ الخراج وأتقاضى لك بإجارة معلومة، فما اجتمع من مال فضل عن إجارتي حبسته، فكلما حل شيء من حقي اقتضيته لمحله. قال مالك: لا بأس به إذا لم يتعجل القضاء إلا لمحله، ولم يكن في أصل البيع شرط. قال الإمام القاضي: يلزم على أصولهم أن يكون ما يقتضي مطبوعا عليه، حتى يحل نجم من حقه، فيقتضيه، ويطلع على الباقي حتى يحل نجم آخر هكذا أبدا.
وقوله ولم يكن في أصل البيع شرط أي لم يشترط عند عقد الصفقة أنه يستوفي دينه من الخراج؛ لأن هذا لا يجوز، إذ هو مجهول، وإذ لا يدري لعل الغلة لا تصح، إلا أن يشترط عليه ضمان
стр. 5033
ذلك، على ما وقع في آخر رسم الرهون من سماع عيسى بعد هذا. وإنما شرط ألا يتعجل القضاء؛ لأنه يخاف أن يكون أرخص عليه في الأجرة، ليعجل له بالقضاء، فيدخل له، ضع وتعجل. وكذلك لو تقاضى له الخراج دون أجر، على أن يستوفيه من دينه قبل محله، لم يجز إذ كان في اقتضائه عناء. وقد أجاز في كتاب حريم البير من المدونة أن يأذن راهن الدار لمرتهنها بعد عقد البيع أن يكريها ويأخذ حقه من كرائها، ومعنى ذلك إذا كان الدين حالا أو لم يكن في ذلك عناء. وبالله التوفيق.
[مسألة: قال للراهن قد حزت لك رهنك وقبضته فهل يضمن بذلك]
مسألة وقال له لو أن رجلا قال لرجل أراد أن يضع على يديه رهنا لرجل ويسلفه أو يبيعه قد حزت لك رهنك وقبضته، فدفع بقوله: إنه ضامن.
قال ابن القاسم: وذلك رأي، إنه ضامن لقيمة الرهن الذي أراد أن يرهنه.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله، لا إشكال في أنه ضامن لقيمة الرهن لأنه قد غره. وبالله التوفيق.
[يرهنه الرهن ويقول له إن لم آتك بحقك إلى وقت كذا فأنت موكل ببيعه]
ومن كتاب أوله شك في طوافه وسئل مالك عن الرجل يرهن الرجل الرهن، ويقول له: إن لم آتك بحقك إلى كذا وكذا من الأجل، فأنت موكل ببيعه، وتستوفي حقك، ويشهد له بذلك، قال مالك: لا يباع الرهن إلا
стр. 5034
بإذن السلطان، كان على يدي أحد، أو على يدي صاحب الرهن، وهو مما يكتبونه في رهونهم، إنه ليس في حرج وما أشبهه. وهذا كله فيه لا يباع رهن، اشترط فيه بيع إلا بأمر السلطان، وشدد في ذلك وقال: لا يباع رهن اشترط فيه بيع إلا بأمر السلطان. قال ابن القاسم: وقد بلغني عن مالك أنه قال: إذا أصاب وجه البيع إنه يمضي، فات أو لم يفت، ثم قال: إذا كان ذلك شيئا تافها رأيت أن يمضي البيع، فات أو لم يفت، وإن كان شيئا له بال، مثل الدور والأرضين وما أشبه ذلك، رد إذا لم يفت، وأحب قوله: إلى أن يمضي البيع إذا أصاب وجهه وكان تافها أو شيئا له بال؛ لأن صاحبه قد ضمن وباع المرتهن ما أذن له فيه فأرى البيع له جائزا إذا أصاب وجه البيع، فات أو لم يفت:
قال محمد بن رشد: الرهن وثيقة في يد المرتهن بحقه، وهو باق على ملك ربه، فليس له أن يبيعه إلا بإذنه، فإن أدى وغاب، رفع أمره إلى السلطان فباعه له عليه بعد أن يثبت عنده الدين والرهن. واختلف هل عليه أن يثبت عنده ملك الراهن له؟ على قولين، يتخرجان على المذهب، وذلك عندي إذا أشبه أن يكون له، وأما إذا لم يشبه أن يكون له، مثل أن يرهن الرجل حليا أو ثوبا لا يشبه أن يكون من لباسه ولا من تجارته، أو ترهن المرأة سلاحا أوثوبا لا يشبه أن يكون من لباسها، فلا يبيعه السلطان حتى يثبت عنده ملك الراهن له، فإن لم يكن في البلد سلطان، أو كان وعسر الرفع إليه باعه بحضرة العدول، وجاز البيع على الراهن، ولم يكن له على المشتري فيه سبيل، إلا أن يكون باعه بأقل من قيمته، فيكون له أن يأخذه بالثمن الذي اشتراه به، وهذا في العروض، وأما العقار والأصول فله أن يأخذها من المشتري بالثمن، إذا لم يبعها السلطان، وإنما باعها هو بحضرة العدول، وإن استقصى الثمن وباع بالقيمة، وقال أشهب: إن كان مقتاة أو قضبا أو ثمرا
стр. 5035
يجنى شيئا بعد شيء، فيخشى عليه الفساد، فبيع المرتهن له جائز، دون مؤامرة السلطان، ولا ملأ، ولا جماعة. وقوله عندي مفسر لما تقدم.
وقد حمله بعض الناس على أنه خلاف لمذهب مالك في رواية ابن القاسم عنه في المدونة وغيرها، واختلف إن شرط المرتهن على الراهن في أصل العقد أنه موكل على بيع الرهن، مثل أن يقول: أبيعك بكذا إلى أجل كذا، على أن ترهنني كذا، وأنا موكل على بيعه دون مؤامرة سلطان، أو يقول له بعد أن حل دينه عليه: أؤخرك بديني إلى أجل كذا، وعلى أن ترهنني كذا وأنا موكل على بيعه دون مؤامرة سلطان أو يقول له بعد أن حل دينه عليه: أؤخرك بديني إلى أجل كذا، على أن ترهنني كذا وأنا موكل على بيعه دون مؤامرة سلطان على قولين: أحدهما إن ذلك جائز لازم، ليس له أن يفسخ وكالته ولا يعزله عن بيعه، لما له في ذلك من الحق، وهو إسقاط العناء عنه في الرفع إلى السلطان، إذ أدى به، وإسقاط الإثبات عنه إن أنكر وكان غائبا، وهو قول إسماعيل القاضي، وابن القصار، وأبي محمد عبد الوهاب. والثاني إن ذلك لا يجوز ابتداء، وله أن يعزله. واختلف على هذا القول إن باع قبل أن يعزله على ثلاثة أقوال: أحدها إن ذلك جائز جملة من غير تفصيل بين الأصول والعروض، وهو قول مالك الأول الذي بلغ ابن القاسم على ما وقع هنا وفي المدونة، واختيار ابن القاسم هنا، وهو قول أصبغ. وهذا إذا أصاب وجه البيع، وأما إن باع بأقل من القيمة، فيكون للراهن أن يأخذه من المشتري بالثمن الذي اشتراه به، فإن تداولته الأملاك كان له أن يأخذه بأي الأثمان شاء على حكم الشفيع يأتي بعد أن تداولت الأملاك بالبيع في الشقص. والثاني إن ذلك جائز في العروض، إذا أصاب وجه البيع، ومردود في الأصول، وإن أصاب وجه البيع، ما لم تفت، يريد بما يفوت به البيع الفاسد في العروض، من حوالة الأسواق فما فوقه، فإن فات بشيء من ذلك،
стр. 5036
مضت، ولم يكن للراهن عليها سبيل، وإن كانت قائمة بيد المشتري لم تفت بوجه من وجوه الفوت، كان للراهن أن يأخذها بالثمن، وهو قول مالك الثاني الذي رجع إليه هاهنا. والثالث إن ذلك جائز في العروض إذا أصاب وجه البيع، ومردود في الأصول، فاتت أو لم تفت، وهو قول أشهب؛ لأنه قال: إن فاتت كان بائعها ضامنا. ومعنى قوله عندي: إن له أن يأخذها حيث وجدها، وعلى أي حال وجدها بالثمن الذي باعها به الراهن، واستوفاه لنفسه في حقه. ويكون الرجوع بالدرك عليه إن كان في ذلك درك، مثل أن يجد الدار في يد المشتري مهدومة، وقد اشتراها قائمة بمائة، وقيمتها مهدومة على ما وجدها عليه خمسون، فيدفع إلى المشتري المائة التي اشتراها به، ويرجع على البائع بخمسين، وإن وجدها عند مشتر اشتراها من المشتري من الراهن بأكثر من الثمن الذي باعها به الراهن، أخذها من المشتري الثاني بالثمن الذي اشتراها به المشتري الأول من الراهن، وانتقض البيع الثاني فيها، فرجع المشتري الثاني الذي أخذت من يده الدار، ببقية ثمنه، على الذي باع منه وهو المشتري الأول.
وإنما وقع هذا الاختلاف في توكيل الراهن للمرتهن، على بيع الرهن عند حلول الأجل، من غير مؤامرة سلطان، من أجل أنها وكالة اضطرار، لحاجته إلى ابتياع ما اشتري أو إلى استقراض ما اقترض أو إلى التأخير بما حل عليه من الدين بعد حلوله، ولأن الرهن لا يباع على الراهن إلا إذا أدى في بيعه أو بعد غيبته، ولم يوجد له مال يقضى عنه الدين منه فيحتاج إلى البحث عن ذلك وعن قرب غيبته من بعدها، وذلك ما لا يفعله إلا القاضي، فأشبه ذلك حكمه على الغائب. ولو طاع الراهن للمرتهن بعد البيع وقبل حلول أجل الدين بأن يرهنه رهنا ويوكله على بيعه عند حلول أجل دينه دون مؤامرة سلطان لجاز ذلك باتفاق؛ لأن ذلك كله معروف من الراهن المرتهن في الرهن والتوكيل على البيع. وبالله التوفيق.
стр. 5037
[هلك وعنده سيف رهنا فجاء صاحبه إلى الورثة فقال إنما رهنته بدينار]
ومن كتاب شك في طوافه قال وسئل مالك عن رجل هلك وعنده سيف رهنا فجاء صاحبه إلى الورثة فقال: إنما رهنته بدينار، وقال الورثة لا علم لنا بما رهنته، إلا أن سيفك قيمته خمسة دنانير، قال: أرى أن يحلف ويأخذه.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله لأن الورثة ينزلون منزلة موروثهم، فإذا لم يدعوا علم ما ارتهنه به، كانوا بمنزلة موروثهم لو كان حيا، فقال: لا أدري بكم ارتهنته، أو أعرف، إلا أني لا أريد أن أحلف، ووجب أن يكون القول قول الراهن فيما يقر أنه رهنه به، وإن كان ذلك أقل من قيمة الرهن، ولو ادعوا علم ما ارتهنه به موروثهم، لوجب أن يكون القول قولهم إلى مبلغ قيمة الرهن. وهذا إذا أقر الورثة بالرهن، أو قامت للراهن به بينة، ولو ادعى أنه رهن ولم يكن له على دعواه بينة، فقال الورثة: لا علم لنا بما تدعيه، وإنما وجدنا هذا المتاع في تركة موروثنا، ولا نعلم لك فيه حقا، لوجب أن يحلف على ذلك من كان منهم كبيرا يظن به علم ذلك على اختلاف في ذلك، إن لم يدع الراهن عليهم العلم، فإن نكلوا عن اليمين على القول بوجوبها عليهم، حلف الراهن، لقد علموا ذلك، على اختلاف في ذلك أيضا. وأما إن ادعى الراهن عليهم العلم، فلا اختلاف في وجوب اليمين عليهم ولا في وجوبها على الراهن إذا نكلوا عن اليمين، وكذلك لا اختلاف في وجوب اليمين على الورثة، ولا في ردها على الراهن إذا أنكروا الرهن وكذبوا الراهن، وادعوا أنهم يعرفون ملك السلعة لموروثهم.
وستأتي هذه المسألة في رسم صلى نهارا ثلاث ركعات من هذا السماع، بزيادة، وفي رسم إن أمكنتني من سماع عيسى. وتأتي أيضا في رسم أسلم منه وفي آخر رسم الرهون منه عكس هذه المسألة إذا مات الراهن،
стр. 5038
فتداعا ورثته مع المرتهن وسنتكلم عليها إذا مررنا بها إن شاء الله. وبه التوفيق.
[مسألة: رهنت السيف بخمسة فقضيته أربعة وبقي دينار وكان السيف يساوي خمسة]
مسألة قال ابن القاسم وسمعت مالكا قال: ولو رهنته بخمسة، فقضيته أربعة، وبقي دينار، فكان السيف يساوي خمسة، لم يأخذه حتى يغرم الخمسة، إنما كان على الميت اليمين، وقد سقطت عنه حين مات، فلا يأخذه حتى يؤدي الخمسة، من رواية عيسى عن ابن القاسم، وأما سحنون فلم يروه عن أحد وقد أجازه برأيه، قال ابن القاسم: وإنما ذلك للإقرار بأصل الدين.
قال محمد بن رشد: قوله في هذه المسألة: وكان السيف يساوي خمسة، لا فائدة له؛ لأن الغرم يلزمه، كان يساوي خمسة أو أقل أو أكثر، لإقراره أنه رهن بخمسة، وادعائه أنه قد قضى الأربعة، ويلزم من كان مالكا أمر نفسه من الورثة أن يحلف ما علم أن الميت قبض الأربعة التي ادعى أنه دفعها إليه، على اختلاف في لزومها له، وفي وجوب ردها عليه، إلا أن تحقق عليه الدعوى بالعلم، فتجب عليه اليمين ويكون له ردها باتفاق.
وقد مضى بيان هذا قبل هذا وبالله التوفيق.
[مسألة: كانت له جارية ولها بنت صغيرة فأراد سيدها أن يرهن الصبية]
مسألة وسئل عن رجل كانت له جارية، ولها بنت صغيرة بنت ست سنين أو أقل، فأراد سيدها أن يرهن الصبية من رجل، ويخرج بأمها إلى بلد وهي جارية يطؤها ويستمتع منها، وتخدمه، قال مالك: لا خير في ذلك، إلا أن تكون قد أثغرت وكأنه رأى إذا لم تثغر إثغارا يعجل عليها وضرب لذلك مثلا فقال: ابنة مخاض، وابنة لبون،
стр. 5039
ليستا سواء، كلها بنات المخاض، ولا بنات اللبون، وقال له رجل: إنه لا يبيعها، وهو يفتكها،. قال: ليس هذا بشيء أرأيت لو مات في سفره أو فلس ألم يبعها الغريم في حقه؟ ليس يصلح هذا.
قال محمد بن رشد: قوله: إنه لا خير في أن يرهن الرجل عبده ابن أمته الصغير، ويخرج بأمه إلى بلد آخر، صحيح، لا إشكال فيه، إذ لا كلام في أنه لا يجوز أن يفرق بين الوالدة وولدها في الحوز وإن جمعهما الملك، وإنما الكلام هل يفرق بينهما في الملك إذا جمعهما الحوز، فأجازوا ذلك في الهبة والصدقة، لما كان طريقها المعروف، ولم يجيزوه في البيع لما كان طريقه المكايسة، وكذلك لو رهنه عبده الصغير، لم يجز أن يحوزه إياه وحده دون أمه وإن لم يخرج بها عن البلد. وإذا رهن الرجل الرجل عبده الصغير دون أمه، فلا يخلو ذلك من ثلاثة أوجه: أحدها أن يرهنه إياه بشرط أن يحوزه إياه دون أمه، والثاني أن يرهنه إياه على أن يحوزه إياه مع أمه. والثالث أن يرهنه إياه دون شرط، فأما إذا رهنه إياه بشرط أن يحوزه إياه دون أمه، فهو رهن فاسد لا يجوز، ويفسخ، وأما إذا رهنه إياه على أن يحوزه إياه مع أمه، فهو رهن جائز، إلا أنه يختلف هل يكره ذلك ابتداء أم لا؟ فكره ذلك كله مالك في سماع يحيى بعد هذا، ولم ير ابن وهب به بأسا، وهو الأظهر، إذ لا يخرج الرهن بارتهانه عن ملك راهنه على أن تكون أمه معه في الرهن، فلم يفترقا في ملك ولا حوز، وكرهه مالك لوجهين ضعيفين: أحدهما أنه رأى المرتهن كأنه قد ملك الرهن لما كان أحق به من الغرماء، والثاني أنه لما كان لا يجوز أن يباع منفردا دون أمه، لم يكن فيه من الحق إلا ما يقع عليه من الثمن إذا بيع أمه، وذلك لا يعرف إلا بعد التقويم، فأشبه ذلك رهن الغرر، إذ قد اختلف فيه حسبما يأتي بيانه في تكلمنا على أول مسألة من سماع أصبغ إن شاء الله. وأما إذا رهنه إياه دون شرط، فإنه يجبر على أن يحوز معه أمه، وهو قول ابن القاسم في سماع أبي زيد. بعد هذا، قال: أمه تكون معه في الرهن؛ لأن معناه أنها تكون معه في الحوز، لا داخلة معه في الرهن ويتخرج
стр. 5040
في ذلك قول آخر على معنى ما في كتاب التجارة إلى أرض الحرب من المدونة، وهو أنه إذا أبى الراهن، أن يحوز الأم معه، وأبى المرتهن إلا أن يحوز رهنه أن يباعا جميعا من رجل واحد، فيكون للمرتهن رهنا ما ناب الولد من الثمن. وقوله: إن الإثغار ليس بحد لجواز التفرقة إلا إذا لم يعجل، صحيح في المعنى، منصوص عليه في كتاب التجارة إلى أرض الحرب من المدونة. وبالله التوفيق.
[أسلف رجلا سلفا ورهنه عبدا ووضعه على يدي رجل وشرط عليه]
ومن كتاب الشجرة تطعم بطنين في السنة وسئل عن رجل أسلف رجلا، سلفا ورهنه عبدا ووضعه على يدي رجل، وشرط الذي أسلف على الذي وضع الرهن على يديه، أنك ضامن لما أصاب الرهن، فهلك العبد، أتراه ضامنا؟ قال: نعم، أراه ضامنا، قيل له: فإن قال: ما نقص رهنك، قال ما أحراه أن يضمن، وأراه ضامنا، قال لا: ولكن الآخر أبين، وما أراه أن يضمن.
قال الإمام القاضي: قد مضى القول على هذه المسألة مستوفى في أول رسم، فلا معنى لإعادته. وبالله التوفيق.
[يرهن الدار من رجل ويضعها على يديه ثم يطلب أن يعطى في ذلك أجرا]
ومن كتاب طلق بن حبيب وسئل مالك عن الرجل يرهن الدار من رجل ويضعها على يديه، ويقتضي غلتها، ويقوم في ذلك، ثم يطلب أن يعطى في ذلك أجرا فيما قام به، قال: من الناس من يكون ذلك له، فأما الرجل الذي مثله يشبه أن يعمل، ومثله يؤاجر نفسه في مثله، فإن
стр. 5041
طلبه فأرى ذلك له، وأما من مثله يعين فلا أرى ذلك له.
قال محمد بن رشد: هذا نحو ما في رسم جاع فباع امرأته من كتاب الجعل والإجارة، أنه تكون له إجارة مثله إن كان يشبه أن يكون مثله يعمل بالإجارة، وإنما يكون ذلك له بعد يمينه أنه ما قام في ذلك وعني فيه احتسابا، وأنه إنما فعل ذلك ليرجع بحقه فيه، على معنى ما قاله في أول سماع يحيى من الكتاب المذكور، وبالله التوفيق.
[وضع حائطا مرهونا على يدي رجل فأراد الذي وضع على يديه أن يساقيه صاحبه]
ومن كتاب أخذ يشرب خمرا قال: وسئل عن رجل رهن رجلا حائطا له ووضعه على يدي رجل، فأراد الذي وضع على يديه أن يساقيه صاحبه الذي هو له، قال: أراه عيبا، وأراه قد رهن رهنه وكأنه لا يراه رهنا، فقيل له: أفيساقيه الذي له الدين من الذي وضع على يديه؟ قال: ما أرى بذلك بأسا، قيل له: أفيضع الرهن على يدي ابن الذي له الحائط؟ قال: أراه قد رهن رهنه، وضعفه، وقال: لا يعجبني أن يضعفه على يدي ابنه ولا امرأته ولا أخيه، وقال: هذا وهن للرهن وضعف له، فلا خير فيه. قال سحنون: معناه في الابن أنه صغير، ولو كان كبيرا بائنا عنه جاز.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله: إن العدل إذا ساقى في الحائط الراهن بطل الرهن، وإذا ساقى المرتهن صاحب الدين لم يكن بذلك بأس؛ لأن الرهن لا يكون رهنا إلا أن يحاز عن الراهن، لقول الله عز وجل
стр. 5042
﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] فإذا رجع إلى الراهن بأي وجه كان من مساقاة أو عارية أو إجارة بطل، وإذا رجع من العدل إلى المرتهن لم يؤثر ذلك في صحة الرهن، إذ لو حازه لنفسه من أول لجاز ذلك؛ لأن حيازته لنفسه أقوى من حيازة غيره له؛ لأنه إذا حاز لنفسه، كان الرهن شاهدا له على اتفاق في المذهب، وإذا حازه له غيره، لم يكن شاهدا إلا على اختلاف، وهو أحق به من الغرماء في الوجهين جميعا قولا واحدا، وقول سحنون في الابن، معناه: أنه صغير ولو كان كبيرا بائنا عنه جاز صحيح، مفسر لقول مالك، فقوله: إنه لا يعجبه أن يضع الرهن على يدي ابن الراهن، معناه: إذا كان ساكنا معه، وأما إذا كان بائنا عنه غير ساكن معه، فحيازته له جائزة إن كان كبيرا، أو غير جائزة إن كان صغيرا. هذا قول سحنون ها هنا. وقول ابن الماجشون في الواضحة والقياس أن يستوفي الصغير والكبير في أن حيازتهما للرهن جائزة إذا كانا بائنين عنه، كما يستويان في أن حيازتهما ليست بجائزة، إذا كانا ساكنين معه، وكذلك الزوجة والأخ لو كانا بائنين عن الرهن جاز أن يوضع الرهن على أيديهما. وقد نص على ذلك ابن الماجشون في الزوجة، وكذلك إن كانا ساكنين معه، فحازا ذلك في غير موضع سكناهما وبالله التوفيق.
[مسألة: أراد الذي له الدين أن يبيعه بيعا ويرتهن منه رهنا ويجعل آجالها واحدة]
مسألة وسئل عن رجل كانت له أذهاب إلى آجال مختلفة، فأراد الذي له الدين أن يبيعه بيعا، ويرتهن منه رهنا، ويجعل آجالها واحدة في الرهن، قال: لا خير فيه، فقيل له: أفيبيعه بيعا ويرهنه رهنا ويجعل فيه دينه كله الذي له عليه؟ قال: لا خير فيه، قال ابن القاسم: وإنما كره ذلك؛ لأن الرجل لو كان له على رجل دين إلى
стр. 5043
أجل، فقال له الذي له الحق، هل لك أن أعطيك دينارا أو دراهم على أن ترهنني بحقي الذي لي عليك أو أضع من حقي الذي عليك، على أن ترهنني، لم يكن في هذا خير، وهو وجه من وجوه الربا، كأنه ازداد في حقه، فإذا باعه بيعا على أن يرهنه رهنا بدين له آخر، فقد صار بمنزلة ما وصفت لك؛ لأنه يضع له من ثمنه على أن يرهنه، وهو أيضا يشبه الحمالة بالجعل، فالرهن والحمالة في هذا سواء، وهما قول مالك جميعا.
قال الإمام القاضي: أما إذا كانت له عليه أذهاب إلى آجال مختلفة فباعه بيعا على أن يرهنه رهنا بثمن ما باعه منه وبالأذهاب التي له عليه إلى آجال مختلفة، على أن يكون إلى أجل واحد، فلا اختلاف في أن ذلك لا يجوز؛ لأنه يدخله البيع والسلف، شرط أن تكون الأذهاب حالة، أو إلى أقرب الآجال أو إلى أبعدها، أو مؤخرة عن ذلك؛ لأنه إن شرط أن تكون معجلة أو إلى أقرب الآجال، كان السلف من المبتاع، وإن شرط أن تكون إلى أبعد الآجال، أو مؤخرة عن ذلك، كان السلف من البائع، ولا يجوز البيع على شرط السلف من أحد المتبايعين، وأما إن باعه بيعا على أن يرهنه رهنا بثمن ما باع منه، وبالأذهاب التي له عليه إلى آجالها بأعيانها فقال في هذه الرواية: إنه لا خير في ذلك؛ لأن قوله أفيبيعه بيعا ويرهنه رهنا ويجعل فيه دينه كله الذي له عليه؟ معناه: يجعله فيه كله إلى أجله، لا يعجله له ولا يؤخره هو عنه، وهو مثل ما في رسم أوصى من سماع عيسى من كتاب السلم والآجال. وعلى قياس ما قاله ها هنا من أنه لا يجوز أن يعطيه شيئا، ولا أن يضع عنه
стр. 5044
من دينه الذي له عليه شيئا على أن يرهنه به رهنا؛ لأنه إذا باعه على أن يرهنه، فقد وضع عنه من ثمن ما باعه، على أن يرهنه، وقد أجاز ذلك كله في رسم القضاء المحض من سماع أصبغ من كتاب الكفالة والحوالة، وهو الأظهر؛ لأن قوله في هذه الرواية: وهو وجه من وجوه الربا كأنه ازداد في حقه، ليس ببين، إنما العلة في ذلك الغرر في الرهن، حسبما بيناه في رسم أوصى من سماع عيسى من كتاب السلم والآجال، فيحتمل أن يكون أراد أن الغرر في الرهن، هو الذي ازداده في حقه بما زاد في ثمن السلعة التي ابتاع، أو في قيمة التي باع، فرأى ذلك مما يضارع الربا، وهو بعيد، والأظهر فيه الجواز، والله أعلم. وقوله أيضا: وهو شبه الحمالة بالجعل، ليس بشبه بين؛ لأن الحمالة بالجعل إنما هي أن يعطي الحميل شيئا، أو يضع عنه شيئا، على أن يتحمل عنه، وإنما أعطى أو وضع للمحتمل عنه على أن يعطيه حميلا أو رهنا، ولا يظهر للفساد في ذلك وجه، سواء ما بينه في رسم أوصى من سماع عيسى من الكتاب المذكور، والشبه الذي رآه بينهما، هو أنه ابتياع غرر في المسألتين جميعا، إلا أنه في الحمالة بالجعل، غرر في حق المتبايعين جميعا، وفي إعطاء العرض على أخذ الرهن غرر من جهة أخذ الرهن، لا من جهة معطيه. والله أعلم.
[أسلف رجلا مالا ورهنه دارا ووضعها على يدي رجل]
ومن كتاب كتب عليه ذكر حق وسئل مالك عن رجل أسلف رجلا مالا ورهنه دارا ووضعها
على يدي رجل، وقال الذي وضعت على يديه: أنا حميل بما نقص من رهنك، وأسلفه سلفا آخر، وأرهنه رهنا آخر، ووضع على يدي
стр. 5045
الرجل الذي وضع على يديه الرهن الأول الذي يحمل له بما نقص من رهنه، فحل أجلهما فقضاه بعض حقه، ثم لقيه بعد ذلك فقال: إنما قضيت لك الحق في الحمالة التي فيها الرهن، وقد أعلمتك ذلك عند القضاء، فأنكره ذلك وقال: بل هذا من الآخر. قال: قال مالك: أرى أن يقسم الذي اقتضى بينهما، فإن كان الأول ستين، والآخر ثلاثين، كان قد اقتضى من الأول عشرين؛ ومن الآخر عشرة، للأول الثلثين، وللآخر الثلث، يقسم عليهم بالحصص إذا كان مثل هذا، فعلى مثل هذا النحو يكون فيه الأمر.
قال محمد بن رشد: قوله: إنما قضيت لك الحق في الحمالة التي فيها الرهن غلط، وإنما صوابه في الرهن الذي فيه الحمالة؛ لأن السلفين في كل واحد منهما رهن، ولا حمالة إلا في أحدهما، وقوله: أرى أن يقسم الذي اقتضى بينهما، يريد بعد أيمانهما، يحلف كل واحد منهما على ما ادعاه، فإن حلفا جميعا، أو نكلا جميعا، قسم ما اقتضى بين المالين كما ذكر، وإن حلف أحدهما ونكل الآخر، كان القول قول الحالف. ووجه ذلك، أنه لم ير واحدا منهما أشبه بالدعوى فوجب إلا يبدأ أحدهما على صاحبه باليمين، وهذا مثل ما في كتاب الكفالة من المدونة في الجعل، أحدهما من قرض، والآخر من كفالة، ومثل ما في كتاب الرهون منها في الحقين يكون في أحدهما رهن دون الآخر. وقد قيل: إن القول قول القابض مع يمينه، وهو قول غير ابن القاسم في كتاب الكفالة من المدونة وقول ابن القاسم في سماع أبي زيد من كتاب المديان والتفليس. وقيل: إن القول قول الدافع مع يمينه، وهو قول ابن كنانة ورواية محمد بن صدقة بن حبيب عن مالك، وكذلك لو اختلفا عند القضاء، في أي الحقين يبدأ بالقضاء؟ لجرى الأمر فيه عندي على هذا الاختلاف، إلا أنه لا يمين في شيء من ذلك. وقد فرق في سماع أبي زيد، من كتاب المديان والتفليس، بين اختلافهما عند القضاء، وبعد القضاء، على اختلاف وقع في ذلك في الرواية، فانظر ذلك، وأنعم النظر فيه. وبالله التوفيق.
следующие страницы →