← Фикх малики

Фикх малики · id 21751

البيان والتحصيل

ابن رشد الجد

Полный текст (9 112 стр.). Показаны 5076–5115 · переход к 5081.

стр. 5076

قلت لابن القاسم: فلو لم تحمل وهو يطؤها حتى فلس سيدها، هل كانت تكون خارجة من الرهن ويكون الأمين ضامنا؟ قال: إن كان للأمين مال، كان ضامنا لقيمتها، وكان مع الغرماء فيها وفي غيرها من ماله أسوة، وكانت القيمة للمرتهن. قال عيسى: وإن لم يكن للأمين مال كان المرتهن أحق بالجارية. وهذا كله إذا لم يعلم المرتهن بالرد، فإذا علم فلا رهن له. قال محمد بن رشد: الأمين الموضوع على يديه الجارية المرتهنة، متعد على الراهن في دفعها إلى المرتهن، وعلى المرتهن في صرفها إلى الراهن، فإن صرفها إليه ضمن للمرتهن ما انتقص من حقه بسبب ذلك إن حملت من الراهن، أو قبلها، أو دخل عليه الغرماء فيها، على القول بأنها تخرج من الرهن بإسلامه إياها إلى الراهن. وقد اختلف في ذلك، قيل: إنها تخرج من الرهن، ويكون المرتهن فيها أسوة الغرماء إن قاموا بتفليسه، والجارية بيده قبل أن يقوم فيها المرتهن فيقبضها، وهو قول عيسى بن دينار ومحمد بن المواز، وقيل إنها لا تخرج من الرهن، ويكون المرتهن أحق بها، وهو مذهب ابن القاسم، وقول أصبغ. وهذا إذا لم يعلم المرتهن برد العدل إياها إلى الراهن، وأما إذا علم بذلك، فلا اختلاف في أنه لا رهن له فيها. والقول بأنها لا تخرج من الرهن على قياس القول بأن كون الرهن بيد العدل، ككونه في يد المرتهن يكون له شاهدا، والقول بأنها تخرج من الرهن على قياس القول: بأن الرهن لا يكون شاهدا للمرتهن إذا كان بيد عدل، فإذا دفع العدل الجارية إلى الراهن بغير إذن المرتهن فوطئها، فحملت نظر، فإن كان للغريم الراهن مال، يفي بحق المرتهن، أخذ منه الحق، فدفع إليه، وكانت الأمة أم ولد للغريم الراهن، وإن لم يكن للغريم مال، قال في الرواية: أخذ قيمة الأمة من الأمين يوم وطئها، يريد، إلا أن يكون الحق أقل من ثمنها، فلا يؤخذ منه إلا الحق، فيدفع ذلك إلى المرتهن، ويتبع الأمين للغريم الراهن، وإن لم يكن لسيد الأمة مال، ولا للأمين، قال

стр. 5077

في الرواية: بيعت الأمة إذا وضعت، وقضي حق الغريم إن كان الحق محيطا بقيمتها، أو بيع منها قدر حق الغريم، وأعتق ما بقي، يريد، إلا أن لا يوجد من يبتاع منها بقدر حق الغريم، فتباع كلها ويقضي المرتهن من ذلك حقه، ويتصدق الراهن بالفضل؛ لأنه ثمن لأم ولده، وقد قيل: إنها تباع كلها، وإن وجد من يبتاع منها بقدر حق الغريم، من أجل الضرر الذي عليها في تبعيض عتقها، ولا تباع إن كان الحق مؤجلا حتى يحل الأجل، قاله محمد بن المواز. وهذا على القول بأن الرهن لا يخرج من الرهن بإسلام العدل إياه إلى الراهن بغير إذن المرتهن، وهو نص قول أصبغ في آخر هذه الرواية، وأما على القول بأنه يخرج من الرهن فلا تباع، وتكون أم ولد للراهن، ويتبع المرتهن بحقه إياهما أيسر أولا، من الراهن أو الأمين، فإن أخذ حقه من الأمين، رجع به الأمين على الراهن، وإن أخذه من الراهن لم يكن له رجوع على أحد. وقوله: إنه يعتق من الأمة ما بقي إن كان الحق لا يحيط بقيمتها، هو على قياس قول ابن القاسم في كتاب أمهات الأولاد من المدونة وعلى قياس قول غيره فيه: يبقى الباقي أم ولد، فمتى ما اشترى ما بيع منها حلت له، وأما إذا دفعها إليه بغير إذن المرتهن، فلم تحمل، فعلى القول بأنها لا تكون خارجة من الرهن يكون المرتهن أحق بها، وعلى القول بأنها تكون خارجة من الرهن، يكون المرتهن فيها أسوة الغرماء، ويكون له الرجوع على الأمين فيما انتقص من حقه في كونه فيها أسوة الغرماء. وتفسير ذلك أن ينظر كم دين المرتهن؟ فإن كان عشرين، ودين الغريم الآخر عشرين، وقيمة الرهن عشرون، كان الرهن بينهما بنصفين، ورجع المرتهن على الأمين بعشرة؛ لأن ذلك هو الذي انتقصه من حقه بالمحاصة، ولو كان قيمة الرهن عشرة، وللغريم عشرة، ودين كل واحد منهما عشرون، لرجع المرتهن على الأمين بثلاثة وثلث؛ لأن مال الغريم على هذا التنزيل عشرون: عشرة نقدا وعشرة قيمة الرهن، فيصير لكل واحد منهما من ذلك بالمحاصة عشرة، عشرة، نصف حقه، ويقول المرتهن للأمين: لو كان الرهن بيدك لكنت

стр. 5078

أحق به، ولحاصصت في العشرة، ببقية حقي، وهو عشرة، فصار لى منها ثلاثة وثلث، فادفعها إلي فإنها هي التي انتقص من حقي بالمحاصة، ولو كان الرهن قد أفاته الراهن على الأمين، ووجدا له عشرين دينارا، فتحاصا فيها، وصار لكل واحد منهما منها عشرة، عشرة، لرجع المرتهن على الأمين بسبعة إلا ثلثا؛ لأنه يقول له: لو كان الرهن حاضرا بيدك، لأخذته وكنت أحق، وحاصصت الغريم في العشرين ببقية حقي، وهو عشرة، فصار لي منها سبعة إلا ثلث، فادفعها إلي، فإنها هي التي انتقص من حقي بالمحاصة، بجميع حقي في العشرين، إذ تلف الرهن الذي فوته علي، وكنت أحق به، ولو طرأ للغريم مال بعد المحاصة؛ لأنتقضت المحاصة، وتحاصا ثانية في جميع مال الغريم، مثال ذلك، أن يكون الأمر على ما ذكرناه، من أن قيمة الرهن عشرة، للغريم عشرة، ولكل واحد منهما عشرون، فتحاصا في ذلك على ما ذكرناه، ورجع المرتهن على الأمين بثلاثة وثلث، ثم طرأ للغريم عشرة، فإنه ينتقض المحاصة الأولى، ويتحاصان ثانية، على أن مال الغريم ثلاثون: عشرة قيمة الرهن، وعشرة كانت بيده، وعشرة طرأت له بعد المحاصة، فيصير لكل واحد منهما خمسة عشر، ثلاثة أرباع حقه، ثم يقول المرتهن للأمين: لو كان الرهن بيدك، لكنت أحق به، ولحاصصت في العشرين الباقية، ببقية حقي، وهو عشرة، فصار لي منها سبعة إلا ثلثا، فجملة ما كان يصير لي سبعة عشر إلا ثلثا، وأنا قد أخذت خمسة عشر، وبقي لي ديناران إلا ثلثا فادفعها إلي، وأرد عليك الثلاثة إلا ثلثا التي قبضت منك بالمحاصة الأولى التي انتقضت، أو قاصني بها وأرد عليك الباقية وذلك دينار. وكذلك كل ما طرأ بعد ذلك يستأنف فيه العمل، وينتقض ما تقدم. ولما سأله في الرواية هل تكون الأمة خارجة من الرهن إذا فلس سيدها وهو يطؤها ولم تحمل؟ لم يعطه في ذلك جوابا بينا، وقال: إن كان للأمين مال، كان ضامنا لقيمتها، وكان مع الغرماء فيها وفي غيرها من ماله إسوة، وكانت القيمة للمرتهن، ولا كلام في أن الأمين لا يكون أحق بها من الغرماء فيما

стр. 5079

يرجع به على الغريم، إذا رجع عليه المرتهن، إذ ليست له برهن، وإنما الخلاف هل يكون المرتهن أحق بها؟ فمذهب ابن القاسم أنها لا تكون خارجة من الرهن، ويكون المرتهن أحق بها، بدليل قوله: إنها تباع إذا حملت منه ولا مال له ولا للأمين، بمنزلة إذا تسور عليها فوطئها وهي عند المرتهن فحملت، على ما في المدونة. وقال عيسى: إن لم يكن للأمين مال، كان المرتهن في الجارية إسوة الغرماء، وقال أصبغ: إن لم يكن له مال، كان المرتهن أحق بالجارية، وكذلك إن كان للأمين مال، كان المرتهن في الجارية عند عيسى إسوة الغرماء إن لم يرد الرجوع على الأمين، وعند أصبغ أحق بها إن لم يرد الرجوع عليه، إذ لا فرق في كون المرتهن أحق بالجارية بين أن يكون الأمين مليا أو معدما، إذا لم يرد الرجوع عليه. وإنما تكلم كل واحد منهما على أنه إن كان مليا لا يختار الرجوع إلا عليه، فلا يقام من قول واحد منهما دليل على أن الملي عنده في ذلك بخلاف المعدم، وقد ذهب إلى ذلك بعض الناس، فيأتي في هذه المسألة على ما ذهب إليه أربعة أقوال: أحدها أن المرتهن أحق بالجارية من الغرماء في ملإ الأمين وعدمه؟ والثاني أنه إسوة الغرماء فيها في ملائه وعدمه، والثالث أنه أحق بها في ملائه، وإسوة الغرماء فيها في عدمه، وهو قول عيسى؛ والرابع بعكس ذلك أنه أحق بها في عدمه، وإسوة الغرماء في ملائه. وهو بعيد، وبالله التوفيق.

стр. 5080

[كتاب الرهون الثاني] [ غلة الحائط المرهون والدار والعبد] من سماع عيسى من كتاب الرهون قال في غلة الحائط المرهون والدار والعبد: إنها للراهن، وإنها لا تكون رهنا مع الرهن، إلا أن يشترط ذلك المرتهن في رهنه، ولا يصلح للمرتهن أن يشترط أن يتقاضى في البيع غلة الرهن في كل عام؛ لأن ذلك ليس بشيء ثابت معلوم، إنما ذلك يكون مرة ويخطئ مرة أخرى، ويكثر مرة، ويقل أخرى، ولا بأس به في السلف، ولا يلزم المرتهن في الوجهين جميعا كلاهما عمل الحائط، ولا مرمة الدار ولا إصلاحها، ولا نفقة العبد ولا كسوته، اشترط المرتهن الغلة أو لم يشترطها، وإنما ذلك على الراهن الذي له الغلة، يلزمه ذلك المرتهن، اشترط ذلك أو لم يشترطه عليه، ولا يترك الراهن وخراب الرهن وهلاكه؛ لأن ذلك يدخل على المرتهن في هلاك حقه وذهابه ضررا ووهنا. وقد كان الرهن وثيقة من حقه، ومن أجل ذلك جعلت الغلة في السنة للراهن؛ لأنه لا يقوى على عمل الراهن وإصلاحه ونفقته إلا بالغلة، وليس للمرتهن

стр. 5081

رهنا له غلة أن يحول بين الراهن وبين استعمال رهنه، وليس للراهن أن يفعل ذلك إلا بإذنه وعلمه، وإن لم يشترط المرتهن الغلة رهنا مع الأصل؛ لأن المرتهن قد قبض رهنه من الراهن، وحازه دونه أو وضع له على يد من حازه له وقبضه، فلو جاز للراهن أن يعامل في الحائط من أحب أو يكري الدار أو يؤاجر العبد ممن أحب، لأدخل عليه الراهن بذلك في رهنه ضررا إذ صار يقضي عليه بإذنه وبغير إذنه. وقال ابن القاسم: المرتهن هو الذي يعامل في عمل الحائط، ويبيع الغلة، ويؤاجر الدار، وليس للراهن في ذلك أمر. قال الإمام القاضي قوله في غلة الحائط المرهون والدار والعبد: إنها للراهن، وإنها لا تكون رهنا مع الرهن، إلا أن يشترط ذلك المرتهن في رهنه، هو المشهور في المذهب، لقول النبي ﵇ «الرهن لمن رهنه، له غنمه، وعليه غرمه وغنمه وغلته» . وقد وقع في المبسوطة من رواية ابن القاسم عن مالك، أنه سمعه يقول: من استرهن دارا أو عبدا قبضه أو لم يقبضه، فإن إجارة العبد وكراء الدار، لجمع لا يصل إلى الراهن ولا إلى المرتهن حتى يفك الرهن، فيكون تبعا للرهن، فإن كان في الدار أو العبد كفاف الحق، كانت الإجارة للراهن، قال ابن الماجشون: لا أعرف هذا، والخراج والكراء للراهن، إلا أن يشترطه المرتهن، وقال ابن نافع مثله، وزاد، إنما يجوز له أن يشترطه من مبايعة لا من سلف، وهذه الرواية عن مالك شاذة، لا تعرف في المذهب، وقول ابن

стр. 5082

الماجشون هو المعلوم، وأما قول ابن نافع: إنما يجوز للمرتهن أن يشترط ذلك من مبايعة لا من سلف، فهو غلط. والله أعلم؛ لأن ذلك إنما هو إذا اشترط ذلك المرتهن لنفسه، كذا وقع في المدونة وغيرها في اشتراط المرتهن الانتفاع بالرهن، وأما اشتراطه أن يكون الرهن رهنا معه، فلا اختلاف في جواز ذلك في أصل البيع وبعده، وفي أصل السلف وبعده، ولا تدخل الثمرة في رهن الأصول، إلا باشتراط المرتهن، كانت قد أبرت أو لم توبر، وإنما يفترق ذلك في البيع، لقول النبي ﵇: «من باع نخلا قد أبرت فثمرهما للبائع إلا أن يشترطه المبتاع» . فدل ذلك من قوله على أنها للمبتاع، إذا كانت لم تؤبر، كما يكون له ما ينبت بعد الابتياع والسنة قد أحكمت أن الغلة في الرهن للراهن، فوجب أن تكون له الثمرة أبرت أو لمن تؤبر أو نبتت بعد الارتهان، إلا أن يشترط ذلك المرتهن في الرهن، والجنين داخل في الرهن وإن لم يشترط، بخلاف الثمرة التي لم تؤبر، وإن استويا في البيع والفرق بين الجنين والثمرة التي لم تؤبر في الرهن، أن السنة قد أحكمت أن غلة الرهن للراهن، والجنين ليس بغلة، وإنما هو عضو من أعضاء أمه، فوجب أن تكون معه في الرهن، كما تدخل في البيع، والأصل في هذا أن النماء في الرهن على وجهين: متميز عن الرهن وغير متميز عنه، فأما غير المتميز عنه، فلا اختلاف في أنه يدخل في الرهن، وذلك مثل سمن الدابة والجارية، وكبرهما، ونماء النخل، وكبرها. وأما المتميز عنه فإنه على وجهين: أحدهما أن يكون على صورته

стр. 5083

وخلقته، والثاني ألا يكون على صورته وخلقته. فأما ما كان على صورته وخلقته، كالولد من بني آدم ومن سائر الحيوان، وكفسلان النخل، فإنه داخل مع الأصول في الرهن وإن لم يشترط وأما ما كان على غير صورته وخلقته، فإنه لا يدخل في الرهن إلا بشرط، كان متولدا عنه، كثمرة الحائط ولبن الغنم وصوفها، أو غير متولد عنه ككراء الدار، وخراج الغلام. هذا على ما ذكرناه من المشهور في المذهب. ودهب أبو حنيفة إلى أن ذلك كله داخل في الرهن، كان متميزا عنه أو غير متميز، متولدا عنه على خلفته وصورته، أو على غير خلقته وصورته، قياسا على نسل الحيوان، وعلى النماء المتصل بالرهن الذي لا يتميز منه. وذهب الشافعي إلى أنه لا يدخل في الرهن من النماء، إلا ما كان غير متميز منه كسمن الدابة والجارية وكبرهما. وأما قوله: إنه لا يصلح للمرتهن أن يشترط أن يتقاضى في البيع غلة الرهن في كل عام؛ لأن ذلك ليس بشيء ثابت معلوم؛ لأنه يكون ويخطئ ويقل ويكثر، ولا بأس به في السلف فهو صحيح، ومثله في كتاب حريم البئر من المدونة أن ذلك لا يجوز في عقد البيع، وهو جائز في أصل عقد السلف وبعده. وأما قوله ولا يلزم المرتهن عمل الحائط ولا مرمة الدار، ولا إصلاحها ولا نفقة العبد ولا كسوته، اشترط المرتهن الغلة أو لم يشترطها، وإنما ذلك على الراهن الذي له الغلة، فهو أمر صحيح لا اختلاف أعلمه فيه، لقول النبي ﵇: «الرهن لمن رهنه،

стр. 5084

له غنمه وعليه غرمه» وقوله: وليس للمرتهن رهنا له غلة أن يحول بين الراهن وبين استعمال رهنه، معناه: ليس له أن يحول بينه وبين مؤاجرته إن كان ممن يؤاجر، وكرائه إن كان ممن يكرى وأما استعماله بأن يستخدم العبد، أو يلبس الثوب، أو يركب الدابة وما أشبه ذلك، فله أن يمنعه منه؛ لأن ذلك إن أذن له فيه، خروج من الرهن، وقد وقع في هذه الرواية اضطراب ألفاظ فيمن يلي مؤاجرة ذلك وكراءه، فقال في أول كلامه: ليس للمرتهن رهنا له غلة أن يحول بين الراهن وبين استعمال رهنه، يريد ليس له أن يحول بينه وبين ولاية عقد الإجارة والكراء فيه. قال: وليس للراهن أن يفعل ذلك إلا بإذنه وعلمه، فدل ذلك من قوله على أن الراهن هو الذي يلي ذلك بإذن المرتهن، وقال في آخر المسألة: والمرتهن هو الذي يعامل في عمل الحائط، ويبيع الغلة، ويؤاجر الدار، وليس للراهن في ذلك أمر، فدل ذلك من قوله على أن المرتهن الذي يلي ذلك. والذي أقول به في تفسير ذلك، أنه إن كانت الغلة للراهن، لم يشترطها المرتهن، ولي المرتهن الكراء، ولم يجز أن يليه الراهن؛ لأنه إذا ولي الكراء بإذن المرتهن، وأخذ الغلة، فقد صار منتفعا بالرهن، وبطلت حيازة المرتهن، وهذا نص قوله في المدونة: إنه إذا أذن له أن يكري الدار، فقد خرجت من الرهن، معناه عندي: إذا أذن له أن يكريها ويأخذ كراءها، وعلى هذا يحمل قوله في آخر المسألة: والمرتهن هو الذي يعامل في ذلك، وليس للراهن فيه أمر، وإن كانت الغلة رهنا باشتراط المرتهن، وعلى هذا

стр. 5085

يلي الراهن عقد الكراء والإجارة لها بإذن المرتهن، وعلى هذا يحمل قوله في أول الكلام: وليس للراهن أن يفعل ذلك إلا بإذنه وعلمه. فيتحصل من هذا أنه لا يجوز للراهن أن يلي عقد الكراء والإجارة بغير إذن المرتهن، ويجوز أن يلي ذلك بإذنه إن كانت الغلة رهنا مع الأصل، ولا يجوز إن لم تكن الغلة رهنا مع الأصل؛ وأما ولاية المرتهن لعقد الكراء دون إذن الراهن ففي ذلك اختلاف. قال محمد بن المواز: لا يكري المرتهن الرهن إلا بإذن الراهن، معناه: إذا كان الكراء للراهن، ومثله في حريم البئر من المدونة، قال: إن لم يأمره الراهن أن يكري ترك ذلك ولم يكر، وإن أمره بذلك أكراه، وكان الكراء لرب الأرض، وأما إن كان الكراء في الرهن باشتراط المرتهن له، فله أن يكريه بغير إذنه، وليس للراهن أن يمنعه من كرائه؛ لأن ذلك من حقه. قال ذلك أشهب، وعلى ذلك تحمل رواية ابن عبد الحكم، أن للمرتهن أن يكري الرهن دون إذن صاحبه. وقد قيل: إن ذلك يجب على المرتهن، فإن لم يفعل ضمن إذا كان الرهن مما يتخذ للكراء، وله قدر، وهو قول ابن الماجشون. وقال أصبغ: لا ضمان عليه، وهو ظاهر ما في المدونة وغيرها من قول ابن القاسم وروايته عن مالك، إذ لم يفرق في شيء من ذلك بين ما كان متخذا للكراء، أو غير متخذ له، وبالله التوفيق. [مسألة: رهن لرجلين يقوم أحدهما ببيع الرهن وقد كان الآخر أنظره بحقه سنة] مسألة وقال في رجلين يكون لهما رهن بينهما، فيقوم أحدهما على بيع الرهن في حقه، وقد كان الآخر أنظره بحقه سنة، إنه إن كان

стр. 5086

يقدر على قسم الرهن بما لا ينقص الذي قام على أخذ حقه قسم، ثم بيع له نصف الرهن فأوفي حقة، وأوقف النصف الآخر للذي أنظره بحقه إلى الأجل. قلت: فإن كان لا يقدر على قسم الرهن إلا بما ينقص حق الذي قام على أخذ حقه، بيع الرهن كله، فأعطي الذي قام على الأخذ بحقه حقه كله من ذلك، فإن طابت نفس الذي أنظر بحقه سنة، أن يدفع بقية ثمن الرهن إلى الراهن إلى أن يحل حقه، دفع إلى الراهن، فإن كره أحلف بالله ما أنظرته بحقي إلا ليوقف في رهنه على هيئته، ثم أعطي حقه ولم يحبس عنه، ولم يوقف له إلى الأجل وقد بيع رهنه؛ لأن إيقاف الرهن على المرتهن في غير منفعة تصل منه إلى الراهن، وهو له ضامن، فدفع الحق إلى المرتهن، وإبراء الراهن من ضمانه خير لهما جميعا. قال ابن القاسم: قال مالك: إلا أن يأتي الراهن برهن يكون فيه وفاء بحق الذي أنظره، فيكون له أخذ ثمن الرهن إلى الأجل. قال محمد بن رشد: قول ابن القاسم عن مالك: إلا أن يأتي الراهن برهن يكون فيه وفاء بحق الذي أنظره، فيكون له أخذ ثمن الرهن إلى الأجل صحيح مبين لما تقدم من قوله ". والمسألة كلها صحيحة بينة، وهي متكررة في سماع أبي زيد، ولا اختلاف في شيء منها إلا إذا لم يأت الراهن برهن يشبه الرهن الأول يكون فيه وفاء بحق الذي أنظره، هل يوقف الثمن إلى الأجل الذي أنظره إليه أم يعجل له؟ فقيل: إنه يعجل له كما قال ها هنا، وقيل: إنه يوقف إلى الأجل ولا يعجل له، لعل الغريم يجد في باقي الأجل رهنا يضعه في مكان الثمن وينتفع به إلى الأجل. وقد مضى الاختلاف في ذلك في رسم كتب عليه ذكر حق من سماع ابن

стр. 5087

القاسم، وفي رسم الأقضية الثاني والثالث من سماع أشهب. والقولان قائمان من المدونة من كتاب الرهون وكتاب التجارة إلى أرض الحرب، وبالله التوفيق. [مسألة: ضمان المرتهن ما ضاع من الحلي والثياب والمتاع عنده] مسألة قال ابن القاسم: وإنما يضمن المرتهن ما ضاع من الحلي والثياب والمتاع عنده قيمة ما ضاع عنده يوم ضاع وليس قيمته يوم ارتهنه. قال الإمام القاضي: قال ها هنا إنه يغرم المرتهن قيمة ما ضاع عنده من الحلي والثياب يوم ضاع، وقال فيما يأتي قرب آخر هذا الرسم: إنه يغرم قيمته يوم ارتهنه، وليس ذلك عندي اختلافا من القول، ومعنى ما ها هنا أنه ظهر عنده المتاع والحلي في الوقت الذي ادعى أنه ضاع فيه، فعلم أنه لم يضع قبل ذلك؟ ومعنى ما يأتي في آخر هذا إذ لم يعلم متى ضاع ولا ظهر عنده منذ ارتهنه، وغاب عليه، فيلزمه قيمته يوم ارتهنه، إذ لا يصدق في وقت ضياعه، كما لا يصدق في ضياعه، إلا أن تكون قيمته في الوقت الذي ادعى أنه تلف فيه أكثر من قيمته يوم ارتهنه، فيلزمه قيمته يوم ضاع؛ لأنه مقر على نفسه، وكذلك لو ظهر عنده بعد ارتهانه إياه بمدة، لسقطت عنه قيمته يوم ارتهنه، إذ قد علم بظهوره عنده سقوط الضمان عنه فيه فيما مضى من المدة، ولزمته قيمته يوم ظهر عنده، ولم يصدق إن ادعى أنه تلف بعد ذلك بمدة، إلا أن تكون قيمته في اليوم الذي ادعى أنه تلف فيه أكثر. وذهب ابن دحون إلى أن ذلك اختلاف من القول. فقال: أكثر أقواله، إن الضمان إنما يكون يوم ارتهنه، قال: وهو القياس؛ لأن في ذلك اليوم دخل في ضمانه، وكل من دخل في ضمانه شيء ثم ضاع بعد ذلك بمدة، فإنما عليه قيمته يوم دخل ذلك في ضمانه كالغاصب والصانع ونحوهما، وليس قوله بصحيح، أما الغاصب فهو كما قال، وأما الصانع والمرتهن فالحكم فيهما بخلاف ما

стр. 5088

ذكر. وقد قال غيره: إنما يلزم المرتهن قيمة الرهن يوم ضاع، إذا لم يعلم قيمته يوم الرهن ولا بعده، فلم يجعل ذلك اختلافا من القول، ورد ما ها هنا بالتأويل، إلى الذي يأتي بعد هذا، من أن على المرتهن في الرهن إذا هلك عنده قيمته يوم ارتهنه، خلاف ما ذهبنا إليه من رد ما يأتي بعد هذا إلى ها هنا، من أن المرتهن يلزمه إذا ضاع الرهن عنده قيمته يوم ضاع بما ذكرنا من التأويل، فإن جهل وقت الرهن، كان القول فيه قول المرتهن، فإن ادعى أنه تلف بعد ذلك بمدة، وقيمته في ذلك الوقت أقل من قيمته يوم الرهن، لم يصدق في ذلك، على ما ذكرناه. وفي سماع أصبغ من كتاب الوديعة ما يبين ما ذهبنا إليه في هذه المسألة. وبالله التوفيق. [مسألة: ارتهن رهنا في حق له إلى أجل فأتى رجل يطلبه بدين قبل محل الأجل] مسألة وقال فيمن ارتهن غريمه دارا أو رقيقا في حق له إلى أجل، فيأتي رجل يطلبه بدين قبل محل الأجل، أجل المرتهن، إنه إن كان في الرهن فضل عما رهن فيه بيع فقضى صاحب الحق والغريم الذي جاء، وإن لم يكن في الرهن فضل لم يبع حتى يحل الحق الذي رهن فيه؛ لأنه رهن. قال الإمام القاضي: هذا مثل ما تقدم في المسألة التي قبل هذه المسألة، مسألة في تعجيل الحق قبل حلول الأجل. وقد مضى ذكر الخلاف في ذلك هنالك، وفي المواضع المذكورة فيه. ومعنى هذا: إذا كان الدين الذي لم يحل عينا أو عرضا من قرض، وأما إن كان عرضا من بيع لم يبع إلا أن يحل أجل المرتهن. وبالله التوفيق. [مسألة: رهنه رهنا فأتى الراهن إلى رجل فقال له بعني سلعتك هذه بدين إلى أجل] مسألة قال في رجل رهن رجلا رهنا في سلعة له: عليه إلى أجل، فأتى الراهن إلى رجل فقال له: بعني سلعتك هذه بدين إلى أجل،

стр. 5089

لأفتك به رهنا لي عند فلان، فسأله البائع حميلا، فلم يجد إلا صاحب رهنه، فلا ينبغي للمرتهن أن يتحمل عنه شيئا يصير من حقه إليه، كما لا ينبغي له أن يبيع له شيئا يصير له قضاء من حقه. قال محمد بن رشد: تنظيره مسألة الذي سأل الرجل أن يتحمل عنه بثمن شيء يصير من حقه إليه، بمسألة الرجل يبيع الرجل شيئا يصير له قضاء من حقه، ليس بتنظير صحيح؛ لأنهما مسألتان متغايرتان متباينتان مفترقتا المعنى، أما مسألة الحمالة فالعلة فيها أن الحميل تحمل بالرجل، رجاء أن يقضيه المتحمل عنه السلعة التي اشتراها فأشبه الحمالة بالجعل. وأما مسألة الذي يبيع الرجل شيئا يصير له قضاء من حقه، فمعناها أن يبيعه شيئا بثمن إلى أجل، يصير له قضاء من حقه الذي قد حل له. والعلة فيها أنه يدخلها فسخ الدنانير في أكثر منها إلى أجل، وهو الربا المحرم بالقرآن، مثال ذلك: أن يكون للرجل على الرجل عشرة دنانير حالة، فيبيعه سلعة قيمتها عشرة دنانير، بخمسة عشر إلى أجل، ليبيعها بعشرة، ويقضيها إياه، فيكون البائع قد رجع إليه ثمن سلعته، فكأنه باعها من غيره أو منه بعشرة دنانير، وأخره بالعشرة الحالة التي كانت عليه إلى أجل، على أن يزيده فيها خمسة دنانير ربا، ووجه التنظير بينهما على تغايرهما وافتراقهما، أن المكروه في كل واحدة من المسألتين، لم يشترطاه، وإنما رجواه، ولو اشترطاه، فقال الحميل: إنما أتحمل عنك بثمن السلعة، على أن تقضيني إياها في حقي، وقال البائع للشيء: إنما أبيعك إياه بالدين، على أن تبيعه أنت بالنقد، وتوفيني ثمنه فيما لي عليك، لكان المكروه في كل واحدة منهما أشد وأبين. وبالله التوفيق. [مسألة: الرهن يحل بيعه وصاحبه ناء عن السلطان فيأمره ببيعه] مسألة وعن الرهن يحل بيعه، وصاحبه ناء عن السلطان، فيأمره ببيعه، فلا يجد أحدا يعنى فيه إلا بجعل، على من يكون الجعل،

стр. 5090

أعلى صاحب الرهن أم على المرتهن؟ فقال: الجعل على من طلب البيع منهما والتقاضي، قال عيسى ما أرى الجعل إلا على الراهن. قال محمد بن رشد: قول عيسى بن دينار أظهر من قول ابن القاسم لأن الراهن مأمور بالقضاء، واجب عليه فعله، فهو أولى بغرم الإجارة على ما يتوصل به إلى أداء الواجب عنه. ووجه قول ابن القاسم: إن الراهن يقول: أنا لا أريد بيع الرهن؛ لأني أرجو أن يتيسر لي الحق دون بيع الرهن، فإذا أردت أنت تعجيله، فأد الجعل على بيعه. وبالله التوفيق. [مسألة: رهنه عبدا لامرأته بعلم منها فقال رجل للمرتهن أنا آخذه وأضمنه لك] مسألة وقال في رجل رهن رجلا عبدا لامرأته بعلم منها ورِضى، فقام رجل غير الذي عليه الحق، فقال للمرتهن: أنا آخذ هذا الرهن، فيكون بيدي وأضمنه لك من كل شيء إلا الموت، فإن حل الأجل أعطيتك حقك، فرضي بذلك صاحب الحق، وأقر الحميل العبد عند المرأة، ولم يقبضه، ولم يحزه، فلما حل الأجل، قام الحميل على العبد لبيعه في قضاء الحق، فحالت المرأة دونه، وقالت: غلامي بيدي، لم يفارقني ولم يقبضه، واحتج الحميل بإذنها في رهن العبد ورضاها، قال: يغرم الحميل لصاحب الرهن ما ضيع حين لم يقبض الرهن، وغر المرتهن من الرهن، ويطلب الحميل زوج المرأة بما غرم عنه وليس له قبل المرأة في عبدها شيء؛ لأن الرهن ليس مقبوضا. ولو باعت المرأة العبد أو أعتقته، جاز ذلك لها، ولم يرد، ولو أن الحميل أقر العبد عند المرأة أياما، ثم قام على أخذه قبل محل الأجل، لم يكن للمرأة تحول بينه وبين

стр. 5091

قبض العبد؛ لأنه يقدر في مثل هذا بالشغل يعرض له والسفر، فأما إذا أخر قبضه حتى يحل الحق، فإنه يعلم أن ليس ذلك برهن مقبوض؛ لأن الناس إنما يأخذون الرهن لأن يكون لهم وثيقة من حقوقهم إذا حلت. قال الإمام القاضي: هذا بين على ما قاله، من أن الحميل الضامن للرهن يلزمه أن يغرم لصاحب الرهن ما ضيع حين لم يقبض الرهن وتركه بيد المرأة حتى حل الأجل؛ لأنه إذا فعل ذلك فقد رضي بتركه عندها وإبطال حق المرتهن فيه، بخلاف إذا تركه عندها الأيام اليسيرة، ثم قام على قبضه حسبما قاله. وقد مضى في أول سماع ابن القاسم، القول فيما يلزم الضامن للرهن إذا قال أنا ضامن لرهنك، أو لما نقص من رهنك، أو لما نقص من حقك، أو لما أصاب رهنك مستوفى، فلا معنى لإعادته. والله الموفق. [مسألة: اشترى من رجل أرضا إلى أجل على أن يعطيه كل شهر دينارا] مسألة وعن رجل اشترى من رجل أرضا إلى أجل، على أن يعطيه كل شهر دينارا، فإذا حل الأجل أعطى له بقية الحق، وجعله له رهنا بحقه على يدي رجل، فهلك المشتري قبل أن يحل أجل الحق، ولا مال له، إلا الأرض، وليس في ثمن الأرض وفاء بحقه ذلك، وعليه ديون للناس، سوى هذا الحق، فأراد الورثة أن يعطوه دينارا كل شهر، على ما كان اشترط عند البيع، ولا يكسر عليهم أرضهم. قال: أما إذا مات الذي عليه الحق، فقد حل عليه كل حق عليه إلى أجل، وإن لم يأت ذلك الأجل، وتباع الأرض بما قامت، وإن لم يكن في ثمنها وفاء للحق الذي رهنت فيه، والمرتهن أولى بثمنها من الغرماء؛ لأنها رهنت في حقه.

стр. 5092

قال الإمام القاضي: وكذلك لو اشترط تكون الأرض رهنا بيده إلى ذلك الأجل، لجاز ذلك؛ لأن الأرض يجوز أن تباع على أن تقبض إلى أجل، بخلاف العروض والحيوان التي لا يجوز أن تباع على أن تقبض إلى أجل، فلو باع رجل شيئا من الحيوان أو العروض بثمن إلى أجل، واشترط أن يبقى ذلك بيده رهنا إلى ذلك الأجل لم يجز، وكان بيعا مفسوخا. كذلك روى ابن وهب عن مالك في الحيوان، قاله ابن القاسم في العروض، ولو وضع هذه الأشياء التي لا يجوز ارتهانه إياها عند بيعها على يدي غيره، لكان ذلك جائزا، وكان أحق به من الغرماء. وقد قيل: إنه لا يجوز أن يبيع الرجل شيئا من الأشياء بثمن إلى أجل، على أن يكون له رهنا بحقه وإن وضعه على يدي عدل، قال ذلك أصبغ ورواه عن أشهب في سماع سحنون من كتاب السلم، والآجال، وعلى قياس ذلك يأتي ما حكى ابن حبيب في الواضحة من رواية أصبغ عن ابن القاسم، أنه لا يحل أن يتواضع الثمن في البيع المضمون، ولا بأس بالرهن والحميل من البائع إذ انتقد الثمن، والعلة في ذلك عندهما أنه إذا حل الأجل وأعسر بالثمن، بيع الدار، فإن كان فيها فضل كان للمشتري، وإن كان نقصان فعليه، فكأنه باع منه دارا أو شيئا لا يقبضه، على أن يكون له ما زاد، وعليه ما نقص، وقد اختلف إذا وقع على هذا القول، فقيل: إنه بيع فاسد، يسلك به مسلك البيع الفاسد في كون الغلة للمشتري بالضمان، وسائر أحكام البيع الفاسد، وقيل: أنه ليس ببيع فاسد، وإنها هي إجارة فاسدة، كأن رب الدار استأجره على أن يبيعها له بثمن سماه، على أن يكون له ما زاد على الثمن إجارة له، فإن باعها كان الثمن لرب الدار، وكان للذي باعها أجر مثله، في بيعه إياها، وإلى هذا ذهب أصبغ، على ما اختاره من اختلافهم في الذي يبيع من الرجل السلعة على ألا نقصان عليه، فقد قيل فيها القولان جميعا، اختلف في ذلك قول مالك وعبد العزيز بن أبي سلمة. وقد مضى القول على هذا في سماع سحنون من كتاب السلم والأجال.

стр. 5093

وفي رسم أخذ يشرب خمرا من سماع ابن القاسم من كتاب الأيمان بالطلاق. وبالله التوفيق. [مسألة: باع رجلا بيعا فرهنه خدمة مدبر] مسألة وقال في رجل باع رجلا بيعا فرهنه خدمة مدبر له، فقال: لا يعجبني هذا، إلا أن يكون مؤاجرا أو مخارجا، فيرهنه أجرته. قال محمد بن رشد: إنما لم يُجز خدمة المدبر لأن ذلك غرر إذ لا يدري مبلغ ما يوأجره به، ومعنى ذلك، إذا كان الرهن في أصل البيع، على القول بأن رهن الغرر لا يجوز في أصل البيع، والمشهور أن ذلك جائز، وهو الظاهر من قول ابن القاسم في المدونة في إطلاقه إجارة رهن الثمرة التي لم يبد طلاحها، والزرع الذي لم يبد صلاحه، وقد أجاز في كتاب المدبر منها رهن المدبر، ولم يفرق بين أن يكون ذلك في أصل البيع وبعد عقده. وإذا جاز رهن المدبر مع ما فيه من الغرر، إذ لا يباع للمرتهن في حياة الراهن، وجاز ارتهان الثمرة قبل أن يبدو صلاحها فما الذي يمنع من ارتهان خدمة المدبر؟ وهو يقدر على أن يؤاجره في الوقت، فتكون إجارته رهنا له، وذلك أخف في الغرر والجعل من رهن الثمرة التي لم يبد صلاحها، والزرع الذي لي يبد صلاحه، وأما رهن إجارته إذا كان مؤاجرا فلا إشكال في جواز ذلك. والحيازة تصح في ذلك بإشهاد المرتهن على الراهن بحضرة المستأجر، فإذا حلت الإجارة عليه قبضها المرتهن، وطبع عليها عنده، لئلا ينتفع بها، وجعلت على يدي عدل، وفي قوله: إلا أن يكون مخارجا نظر؛ لأن كونه مخارجا هو أن يكون السيد قد ضرب عليه خراجا معلوما يأخذه منه مياومة أو مشاهرة، وإذا كان ذلك، فلا يصح ارتهانه؛ لأن الرهن لا يصح إلا بالحيازة لقول الله : ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] ولا يصح أن يكون العبد حائزا

стр. 5094

للمرتهن ما عليه من الخراج؛ لأن يده كيد سيده الراهن فيما ضرب عليه من الخراج. وبالله التوفيق. [مسألة: الرهن إذا لم يقبض من الراهن ويحز عنه بأمر الراهن فيه] مسألة قال ابن القاسم: وكل رهن لم يقبض من الراهن ويحز عنه بأمر الراهن فيه جاز، إن أعتق أو وطئ أو باع أو وهب أو نحل أو تصدق، وكل ما صنع فيه من شيء فهو جائز له إذا كان موسرا، ويؤخذ منه ما عليه من الدين، ويعطى صاحبه، وإن لم يكن موسرا لم يجز منه شيئا، إلا أن يطأ أمة فتحمل منه، أو شيئا فيبيعه فينفذ بيعه، فأما عتق أو هبة أو صدقة فإنه لا يجوز له أن يكون موسرا لأنه لم يقبض منه فليس هو برهن، وإن أفلس الراهن قبل أن يقبض المرتهن رهنه، ويقوم عليه، كان المرتهن فيه إسوة الغرماء، فإن قام المرتهن على قبضه وحوزه قبل أن يحدث الراهن فيه شيئا مما يفوت به، كان للمرتهن أن يخرجه من يد الراهن حتى يكون له رهنا مقبوضا يجعله المرتهن على يديه أو يدي من يرضى به، إن كره الراهن أن يكون على يدي المرتهن، ولم يكن المرتهن اشترط ذلك على الراهن عند ارتهانه الرهن، بجعله المرتهن على يدي من يرضى به، وكذلك كل من اشترط رهنا في بيع أو سلف، ولم يشترط قبضه، ثم طلب ذلك قبل أن يفوت الرهن، فإن ذلك له، وإن كره الراهن أن يكون في يدي المرتهن، فقال لا أرضى أن يكون رهني في يديك وضع لهما على يدي من يرضيان به جميعا، ولم يجعل على يدي المرتهن؛ لأنه لم يشترط ذلك على الراهن عند ارتهانه إياه. قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة بينة لا إشكال فيها ولا

стр. 5095

اختلاف في شيء من وجوهها ومعانيها. وقوله فيها: فإما عتق أو هبة أو صدقة، فإنه لا يجوز له، إلا أن يكون موسرا، معناه: موسرا بما عليه من الدين وقوله: إن للمرتهن أن يقوم على الراهن، بأن يخرج الرهن من يديه، حتى يكون له رهنا مقبوضا يجعله المرتهن على يديه، أو يدي من يرضى به، إن كره الراهن أن يكون بيد المرتهن، معناه: إذا رضي الراهن أن يكون بيد الذي رضي المرتهن أن يكون بيده، فإن لم يرض بذلك وضعه السلطان بيد من يرضى به إذا لم يتفقا جميعا على من يكون بيده، يبين هذا قوله في آخر المسألة: وضع لهما على يدي من يرضيان به جميعا، وإنما جاز تفويت الراهن للرهن بعد أن رهنه بما ذكره وإن كان الرهن يلزم بالعقد، ويحكم للمرتهن بقبضه، مراعاة لقول من يقول: إنه لا يكون رهنا، ولا يلزم الحكم به، وإن تشاهدا عليه، ما لم يقبض، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] والرهن في هذا بخلاف الهبة والصدقة ومن وهب أو تصدق، فلا يجوز له بيع ما وهب، ولا هبته لغيره، وإن لم يحز عنه ولا قبضت منه؛ لأن الحيازة في الرهن ألزم منها في الهبة والصدقة. قد قال ناس في الهبة والصدقة: إنهما لا يفتقران إلى حيازة، ولم يقل ذلك، أحد في الرهن، لقول الله : ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] . فصل وهذا إذا أطاع الراهن للمرتهن بالرهن بعد عقد البيع، أو بعد عقد السلف، وأما إن باعه بيعا أو أسلفه سلفا على أن يرهنه عبدا أسماه فباعه أو أعتقه قبل أن يقبضه المرتهن، فإن كان فرط في قبضه حتى باعه الراهن أو أعتقه، فلا حق للمرتهن فيه، ولا شيء له على الراهن المبتاع لأنه قد ترك رهنه بتفريطه في قبضه، وإن كان أعتقه أو باعه بفور رهنه إياه، دون أن يطول، ولم يكن من المرتهن تفريط في قبضه، مضى البيع والعتق أيضا، وكان للمرتهن أن يفسخ البيع عن نفسه؛ لأنه إنما بايعه على ذلك الرهن بعينه، فلما فوته عليه كان أحق بسلعته إن كانت قائمة، أو قيمتها إن كانت فائتة. هذا معنى ما في كتاب الرهون من المدونة. وقد قيل: إن الثمن يوضع

стр. 5096

له رهنا. قاله أبو إسحاق التونسي، على قياس قول أشهب في الراهن يكاتب العبد الرهن قبل أن يقبضه المرتهن إن الكتابة تكون رهنا. وفي كتاب ابن المواز: إنه يوضع له رهن مكانه، وقد سأله في المدونة عن هذا فلم يجبه عليه، وهذا إذا كان المرتهن قد دفع السلعة أو السلف، وأما إن كانت سلعته لم تخرج من يده ولا سلفه فهو أحق بسلعته أو سلفه، سواء فرط في القبض أو لم يفرط، ولم يختلفوا إذا دبر قبل الحوز أن خدمة المدبر، لا تكون رهنا؛ لأنها نحلة ولم يكن ارتهن شيئا من الغلة. وبالله التوفيق. [مسألة: ارتهن رهنا فكتب أنه قبضه المرتهن وحازه ولم يفعل ثم باعه صاحبه] مسألة ومن ارتهن رهنا فكتب أنه قبضه المرتهن، وحازه ولم يفعل، ثم إن صاحبه باعه، فبيعه جائز؛ لأنه ليس برهن مقبوض، فأمر صاحبه فيه جائز، وليس كتاب المرتهن أنه قبضه وحازه ولم يفعل بشيء. قال محمد بن رشد: وهذا كما قال: إن الشاهد في الرهن على الحيازة والقبض، لا معنى له في وجه من الوجوه، إذا علم أن ذلك لم يكن بإقرار المرتهن بذلك، ولو تشاهدا على القبض والحيازة، ولم تعاين البينة ذلك، ثم باع الراهن الرهن، فادعى المرتهن أنه باعه تعديا عليه، ومناقصة له فيه بعد أن قبضه منه على ما تشاهدا عليه، لوجب أن ينفذ البيع ويبطل الرهن، إن كان الرهن بيد الراهن أو بيد المبتاع، وأن لا ينفذ على اختلاف إن كان بيد المرتهن، وكذلك لو قام الغرماء على الراهن، فألفي الرهن بيد المرتهن، فقال: قبضته حين تشاهدنا على ذلك قبل قيام الغرماء، وقال الغرماء: بل قبضته بعد قيامنا، لكان المرتهن أحق به على اختلاف. والقولان في هذين الوجهين يتخرجان على القولين القائمين بين كتاب الهبة والصدقة من المدونة في الذي يهب الجارية لرجل، ويشهد له أنه قد

стр. 5097

قبضها وحازها ولم تعاين البينة القبض والحيازة، ثم مات الواهب وألفيت الجارية في يد الموهوب له، فقال: قبضتها في صحة الواهب، حين أشهد لي بقبضها، وقال الورثة: بل قبضتها بعد موته، ولما تشاهدا على الرهن والهبة دون القبض والحيازة، فألفي الرهن بيد المرتهن، أو الهبة بيد الموهوب له بعد الموت أو بعد قيام الغرماء، فادعيا أنهما قبضا ذلك، لم يصدق واحد منهما في ذلك باتفاق، إلا أن تكون لهما بينة على ذلك، ولا ينتفع في الرهن بإقامة البينة على أنه قد مضى قبضه وحازه قبل قيام الغرماء إلا أن تشهد البينة أنه قبضه وحازه بأمر الراهن وإذنه، والرهن في هذا بخلاف الهبة؛ لأن القبض فيه أوجه لقول الله : ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] ولأن من أهل العلم من يقول: لا يكون رهنا حتى يكون مقبوضا. وبالله التوفيق. [مسألة: ارتهن رهنا بحق له إلى أجل واشترط وضع الرهن على يد رجل] مسألة ولو أن رجلا ارتهن من رجل رهنا بحق له إلى أجل، واشترط وضع الرهن على يد رجل ضمن للمرتهن قبضه وحوزه، وتحمل له مع ذلك بالحق إلى الأجل الذي رهن الرهن إليه فيه، فتركه عند الراهن ولم يقبضه، فقام صاحب الحق على قبض الرهن وحوزه، فقال الحميل: أنا أخرته عند الراهن، إرادة الرفق به، وأنا له وللحق ضامن إلى الأجل، فإن الحجة في ذلك إلى المرتهن؛ لأنه يقول: أخاف أن يفلس الحميل، والذي عليه الحق، فيدخل معي في الرهن عندي ولا آخذ من حقي وفاء فأرى أن يؤمر الحميل بقبض الرهن من الراهن، فإن لم يفعل نزع منه، ووضع للمرتهن على يدي غيره. والحمالة بالحق عليه كما هي. قال محمد بن رشد؛ هذه مسألة بينة صحيحة، لا وجه للقول فيها، إذ لا إشكال في شيء من وجوهها ومعانيها. وبالله التوفيق.

стр. 5098

[مسألة: المرتهن يفتات على الراهن في بيع الرهن فيفوت] مسألة وقال في المرتهن يفتات على الراهن، في بيع الرهن، فيفوت، ولا يعرف له الراهن ولا المرتهن صفة ولا قيمة يؤخذ بها، ولا بينة بينهما، واختلفا على ذلك، واجتمعا على الحق، ولم يختلفا فيه: إن المرتهن يحلف على ما باع به الرهن، ثم يجعل ذلك ثمنه. قال محمد بن رشد: المعنى في هذه المسألة: أن الراهن يدعي أن قيمة الرهن رهنه أكثر مما باعه به المرتهن، والمرتهن يقول: بل قيمته ما بعته به، وهذا وجه قوله: واختلفا على ذلك، ويحتمل أن يكون وجه اختلافهما أن كل واحد منهما يدعي على صاحبه أنه يعلم صفته، فالراهن يقول للمرتهن: صفه فيتبين من وصفك إياه أنك بعته بأقل من قيمته، والمرتهن يقول للراهن: صفه أنت فيتبين من وصفك إياه أني بعته بقيمته. ووجه الحكم في ذلك إن ادعى الراهن أن قيمة الرهن أكثر مما باعه المرتهن، ولم يدع واحد منهما على صاحبه أنه يعلم صفته، أن يحلف المرتهن ما كانت قيمته أكثر مما باعه به، ويزيد في يمينه: ولقد باعه بكذا وكذا إن لم يكن له بينة على معرفة ما باعه به، فإن نكل عن اليمين حلف الراهن أن قيمته كذا وكذا، واستوجب ما حلف عليه، وأما إن ادعى كل واحد منهما على صاحبه أنه يعرف صفته، فيحلف كل واحد منهما على صاحبه أنه يعرف صفته لصاحبه ابتداء أنه ما يعلم صفته، فإن حلفا جميعا أو نكلا جميعا أو حلف الراهن، ونكل المرتهن عن اليمين، كان الحكم في ذلك على ما وصفت لك من يمين المرتهن، إن لم يدع واحد منهما على صاحبه أنه يعرف صفته، وإن حلف المرتهن أنه ما يعلم صفته، ونكل الراهن عن اليمين أنه ما يعلم صفته، لم يجب على المرتهن اليمين، بأن يحلف ما كانت قيمته أكثر مما باعه به، ويحلف لقد باعه بكذا وكذا، إن لم تكن له بينة على معرفة ما باعه به، وقوله

стр. 5099

في الرواية: إن المرتهن يحلف على ما باع به الرهن، ثم يجعل ذلك ثمنه، معناه: إذا لم تكن له بينة على معرفة ما باعه ولم يدع عليه الراهن أنه باعه بأقل من قيمته، ولو ادعى ذلك عليه، لوجب أن يزيد في يمينه وما كانت قيمته أكثر من ذلك، ولو لم يدع ذلك عليه وكانت له بينة على معرفة ما باعه، لم يجب عليه يمين. ووقع في بعض الكتب في هذه المسألة مكان واختلفا على ذلك: وحلفا على ذلك، ومعناه: إذا ادعى كل واحد منهما على صاحبه أنه يعلم صفته على ما ذكرناه، ورأيت لابن دحون أنه قال في ذلك: يمين الراهن لا معنى لها، هو يأخذ ما أقر به المرتهن من الثمن إذا جهلا الصفة، فلا معنى ليمين الراهن، وإنما يصح قوله إذا لم يدع واحد منهما على صاحبه، أنه يعرف صفته، وإنما اختلفا في مبلغ ما باع به الرهن. وظاهر الكلام خلاف هذا لأن قوله على ذلك، إنما هو إشارة منه إلى ما تقدم من أن كل واحد منهما يقول: لا أعرف صفته ومعناه، ويقول لصاحبه: وأنت تعرفها، فلا وجه للمسألة غير ما ذكرناه فيها. وبالله التوفيق. [مسألة: الراهن والمرتهن يختلفان في الرهن بعينه] مسألة وقال في الراهن والمرتهن يختلفان في الرهن بعينه فيقول الراهن: رهنتك ثوبا جديدا ويقول المرتهن: بل رهنتنيه ثوبا خلقا، وهو هذا بعينه، ولا بينة بينهما، واجتمعا على الحق، كان القول قول المرتهن مع يمينه. قال محمد بن رشد: أما إذا اتفق الراهن والمرتهن على الرهن بعينه، واختلفا في صفته يوم رهنه إياه، فقال الراهن: كان جديدا وقال المرتهن: كان خلقا على ما هو عليه، فلا اختلاف ولا إشكال في أن قول المرتهن، في أنه رهنه إياه خلقا على ما هو عليه؛ لأن الراهن مدع عليه أنه

стр. 5100

لبس الثوب حتى أخلقه، وقد أحكمت السنة أن البينة على من ادعى، واليمين على من أنكر. وأما إن أتى المرتهن بالثوب خلقا فقال الراهن: ليس هذا ثوبي؛ لأني رهنتك ثوبا جديدا وقال المرتهن: بل هو ثوبك بعينه، رهنتنيه إياه خلقا على ما هو عليه، قال ابن القاسم ها هنا: إن القول قول المرتهن، ظاهر قوله أشبه أن يكون ذلك الثوب خلقا على ما هو عليه، يرهن في مثل ذلك الحق، أو لم يشبه، إذ لم يفرق بين ذلك، خلاف قول أصبغ في نوازله بعد هذا ومثل قول أشهب. وبالله التوفيق. [مسألة: رهن عبدا فأعتقه الراهن أو دبره] مسألة وعن رجل رهن عبدا فأعتقه الراهن أو دبره، إن الراهن إذا كان موسرا بما عليه دفع إلى المرتهن حقه، وجاز عتقه أو تدبيره وإن كان غير موسر بما رهنه، فلا عتاقة ولا تدبير له، والمرتهن أحق برهنه حتى يستوفي حقه. قال محمد بن رشد: ساوى في هذه الرواية بين العتق والتدبير، في اليسر والعدم، فقال: إن كان موسرا بما رهنه به، عجل له حقه، وجاز عتقه أو تدبيره، وإن كان غير موسر بذلك، فلا عتاقة له ولا تدبير، وفرق بينهما في المدونة في اليسر والعدم أيضا، فقال في التدبير: إنه جائز، ويكون رهنا بحاله؛ لأن للرجل أن يرهن مدبره. قال محمد بن المواز: فإذا حل الأجل ولا مال له بيع، يريد: وإن كان موسرا يوم رهنه، بخلاف ما قاله في العتق، والذي يوجبه النظر الصحيح في هذه المسألة، أن يفرق فيها بين أن يكون الراهن يوم دبره موسرا بما رهنه فيه، أو غير موسر بذلك، فإن كان موسرا بذلك، عجل له حقه وجاز تدبيره على ما قاله في هذه الرواية، خلاف ما في المدونة؛ لأن التدبير إن أجيز على ما في المدونة دون أن يعجل للمرتهن حقه، فحل الأجل ولا مال للراهن غير

стр. 5101

المدبر، فإن لم يبع للمرتهن من أجل أن الراهن كان موسرا يوم دبره، والتدبير لا يرد. في حال الحياة الدين الحادث بعده دخل عليه ضرر في رهنه، وإن بيع له في رهنه على ما قاله محمد بن المواز، كان ذلك إبطالا للتدبير الذي قد توجه تنفيذه بإجازته، وإن لم يكن موسرا بذلك، جاز تدبيره على ماله في المدونة خلاف قوله في هذه الرواية: إنه إن كان غير موسر بما رهنه فلا عتاقة ولا تدبير له؛ لأنه إن لم يكن موص بما رهنه يوم دبره بما رهنه على المرتهن ضرر في تدبيره، إياه؛ لأن من حقه أن يباع له في دينه إذا حل أجله وإن كان قد دبره؛ لأن دينه قد سبق التدبير، فلا وجه لرد تدبيره إذا لم يكن موسرا يوم دبره بما رهنه به، وكذلك اختلف، إذا كاتب الراهن عبده بعد أن رهنه، فقال محمد بن المواز يبقى مكاتبا، وفي هذا نظر؛ لأنه قد يعسر يوم حلول الأجل، فلا يكون في ثمن الكتابة إذا بيعت وفاء بالدين، فتبطل الكتابة. وقال في المدونة: إن ذلك بمنزلة العتق، إن كان للسيد مال، أخذ منه ومضت الكتابة، يريد: وإن لم يكن له مال نقضت الكتابة، إلا أن تكون قيمة الكتابة مثل الدين، فيجوز بيع الكتابة في دينه، وإن لم يكن في قيمة الكتابة وفاء بالدين، نقصت كلها؛ لأنه لا يكون بعضه مكاتبا، بخلاف المدبر إذا كان بعضه يفي بالدين؛ لأنه يجوز أن يكون بعضه مدبرا عند ابن القاسم. وقال محمد: لا يكون بعضه مدبرا، كما لا يكون بعضه مكاتبا. والذي في المدونة من أن الكتابة في هذا بمنزلة العتق هو الصواب المشهور في المذهب، ولم يختلفوا في العتق أنه إن كان له مال أخذ منه الحق معجلا، ومضى العتق، وإن لم يكن له مال، وكان في العبد فضل، بيع منه، وقضي الدين، وأعتق الفضل، وإن لم يكن فيه فضل لم يبع حتى يحل الأجل، لعله أن يكون فيه حينئذ فضل، فقوله في هذه الرواية: وإن كان غير موسر بما رهنه، فلا عتاقة له ولا تدبير، معناه: إن لم يكن فيه فضل للعتق أو للتدبير، وقال أبو الزناد: إذا لم يكن مع السيد مال، فقضى العبد ما هو فيه مرهون أعتق ولم يتبع سيده بشيء من ذلك، والصواب أن يتبع سيده بذلك، إذا أداه

стр. 5102

عنه على سبيل السلف لأنه لما تعدى بعتق العبد، فقد رضي ببقاء الدين في ذمته، فلو رضي المرتهن بإجازة العتق واتباع ذمته بحقه، لكان ذلك له، ولو أدى ذلك الدين أحد عنه سلفا، لكان له أن يتبعه له، ويمضي عتق العبد، ولم يكن له في ذلك كلام، إذ قد رضي بعتق العبد، وبقاء الدين في ذمته. فلو رضي المرتهن بإجازة العتق واتباع ذمته بحقه، لكان ذلك له، ولو أدى ذلك الدين أحد عنه سلفا، لكان له أن يتبعه به ويمضي عتق العبد، ولم يكن له في ذلك كلام، إذ قد رضي بعتق العبد وبقاء الدين في ذمته، فكذلك العبد إذا أراد أن يسلف سيده المال، ويتبعه به دينا في ذمته. ووجه ما ذهب إليه أبو الزناد، أن عتقه لما لم يتم إلا بقضاء الدين، صار كأنه أداه، وهو في ملك سيده. وفي هذا نظر، قد ذكره أبو إسحاق التونسي في كتابه فمن شاء وقف عليه فيه. هذا كله إذا أعتق الراهن العبد المرهون أو دبره بعد أن حازه المرتهن. وقد مضى القول في هذا الرسم إذا فوت الراهن الرهن بشيء من وجوه الفوت، قبل أن يحوزه المرتهن، فلا وجه لإعادته، بالله التوفيق. [مسألة: يرتهن الجارية فيزوجها غلاما له بغير إذن سيدها فتلد وتموت] مسألة وعن الرجل يرتهن الجارية فيزوجها غلاما له، بغير إذن سيدها، فتلد له، فتموت من نفاس أو لا تموت، إن ولدها لسيدها، وهم رهن مع أمهم، ويفسخ نكاحها، وأما إن ماتت من نفاس نكاحها ذلك، فلا ضمان عليه. قال ابن القاسم بلغني هذا عن مالك ولست آخذ به، وأراه ضامنا لها إذا ماتت من قبل الحمل. قال محمد بن رشد: قد قال مالك في غير هذا الكتاب: إنه ضامن، مثل قول ابن القاسم. وقال أشهب: لا ضمان عليه في الموت من

стр. 5103

الولادة؛ لأن الحمل ليس بإرادة المرتهن. وقال أصبغ: لأنه إنما تعدى في النكاح لا في الوطء. وقول ابن القاسم، هو الصحيح؛ لأن الحمل سببه الوطء، وقد قال مالك ﵀: جل النساء على الحمل، فإذا زوجها المرتهن، فقد أباحها للوطأ وعرضها للحمل. وقد قالوا فيمن طرد صيدا من الحرم إلى الحل؛ إن عليه الجزاء، من أجل أنه عرضه للصيد. وهذا مثله في المعنى وبالله التوفيق. [مسألة: رهن رهنا في حق له إلى أجل فأقاما الرهن بأربعة دنانير فضاع الرهن] مسألة وقال في رجل رهن رجلا رهنا في حق له إلى أجل، فأقاما الرهن بأربعة دنانير، فضاع الرهن، فأرى قيمة الرهن، ما قوماه به، إلا أن يكونا قصرا في قيمة الرهن أو زادا فيه، فيرد إلى قيمته إذا علم ذلك. قال ابن القاسم: كل من ارتهن رهنا مما يغاب عليه، فالقيمة فيه يوم رهنه، وإن تداعيا في الحق والرهن قائم، فالقيمة فيه يوم يتداعيان فيه. قال محمد بن رشد: قال ها هنا في الرهن الذي يغاب عليه إذا أهلك عند المرتهن: إن عليه قيمته يوم ارتهنه. وقال فيما تقدم في هذا الرسم: إن عليه قيمته يوم ضاع عنده. وقد مضى القول على ذلك هناك مستوفى فلا معنى لإعادته. وإذا وجبت عليه قيمته يوم ارتهنه على ظاهر هذه الرواية، أو على ما حملناها عليه، وكانا قد قوما الرهن يوم الارتهان، فالواجب أن تكون قيمته ما قوماه به، إلا أن يكونا قصرا في تقويمه كما ذكر. وبالله التوفيق. [مسألة: ارتهن رهنا بغير بينة ثم زعم أنه قد رده إلى صاحبه وأخذ حقه منه] مسألة ومن ارتهن رهنا بغير بينة ثم زعم أنه قد رده إلى صاحبه، وأخذ حقه منه، فينكر ذلك صاحب الرهن، إن صاحب الرهن

стр. 5104

يحلف على ما قال، ويضمن المرتهن الرهن. قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله؛ لأن ما كان لا يصدق في دعوى الضياع فيه من العواري والرهون التي يغاب عليها، فلا يصدق في دعوى الرد فيه، سواء قبض ذلك ببينة أو بغير بينة. وهذا ما لا اختلاف فيه لحفظه في المذهب، إلا ما وقع في آخر سماع أبي زيد من كتاب الوديعة، فإن فيه دليلا على أنه يصدق في دعوى رد الرهن إذا قبضه بغير بينة، وهو بعيد، فلعله إنما تكلم على الرهن الذي لا يغاب عليه، فتصح المسألة وتأتي على الأصل. وقد مضى في أول سماع عيسى وسماع أصبغ من كتاب الرواحل والدواب، تحصيل القول في هذا الأصل. وبالله التوفيق. [مسألة: كان عنده رهن فمات المرتهن والرهن عنده] مسألة ولو أن رجلا كان عنده رهن فمات المرتهن والرهن عنده، واستخلف رجلا فأعطى الخليفة الرهن بعض ما يلي ممن استخلفه عليه من ورثة الميت أن يقتضي له دين أبيه، فانطلق المأمور برهنه، فطلب الخليفة نقض ذلك، وأخذ الرهن، قال: يحلف الخليفة بالله أنه لم يأمره أن يرهنه ثم يأخذه: قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله، إنه ليس له أن ينقض ذلك ويأخذ الرهن، إلا بعد يمينه أنه لم يأمره أن يرهنه إن ادعى عليه المرتهن أنه أمره بذلك، وحقق الدعوى وأما إن لم يحقق عليه الدعوى بذلك وأراد أن يحلفه من غير تحقيق الدعوى، فيجري ذلك على الاختلاف في وجوب لحوق يمين التهمة. وبالله التوفيق. [مسألة: جاء إلى ورثة رجل فقال إن أباكم رهنني سيفه هذا بكذا] مسألة وعن رجل جاء إلى ورثة رجل، فقال لهم: إن أباكم رهنني

стр. 5105

سيفه هذا بكذا وكذا، فهاتوا حقي، وخذوا سيف أبيكم، فقال الورثة: ما نعلم ما تدعي من الحق والرهن، فهات سيف أبينا، فقال: إن جاء ببينة على ما ذكر من الحق والرهن، أخذه، وإن لم يأت ببينة لم يصدق، ودفع السيف إلى أهله، وحلفوا إن كان فيهم من يظن أنه يعلم ذلك. قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة، على معنى ما في المدونة وغيرها. وقد تقدمت في رسم أسلم من سماع عيسى. والقول فيها. وبالله التوفيق. [مسألة: باع من رجل سلعة بثلاثين درهما وارتهن بها منه غلاما] مسألة وعن رجل باع من رجل سلعة بثلاثين درهما إلى شهر، وارتهن بها منه غلاما يغل كل يوم درهما، واشترط أنه يطرد حقه كل يوم في خراج غلام، وإن لم يجد الغلام كل يوم درهما، أخذه من سيده، وكان له ضامنا. قال: إذا كان مضمونا كما ذكرت، إن لم يجده عند الغلام أخذه من الراهن، كان جائزا لا بأس به، ولو لم يكن البيع على ذلك من الشرط أنه يضمن له درهما كل يوم، إلا أنه ارتهن العبد في حقه إلى محله، فطاع له الراهن بدرهم كل يوم من خراج غلامه، لم يكن بذلك بأس أيضا ما لم يرد المرتهن العبد على سيده لذلك فيكون الراهن إنما فعل ذلك للذي رد عليه من رهنه. قال عيسى: وهذا كله في البيع، فأما في السلف فلا بأس فيه. قال الإمام القاضي: أما إذا وقع البيع على أن يرهنه العبد وهو يغل كل يوم درهما على أن يقتضي غلته من حقه، فلا يجوز، إلا أن يكون السيد ضامنا لذلك، إن لم يجد عند الغلام الدرهم كل يوم أخذه من السيد الراهن. ولو رهنه الغلام بعد عقد البيع، وطاع له أن يأخذ غلته من حقه، لجاز ذلك

стр. 5106

من غير ضمان. وأما السلف فذلك جائز فيه من غير ضمان، كان شرطا في أصل السلف أو طوعا بعد ذلك، إلا أن يطوع له بذلك على أن يرد عليه العبد، فلا يجوز بحال، لا في البيع ولا في السلف، وإن التزم السيد ضمان ذلك، إلا أن يكون الأجل قد حل ففي قول عيسى بن دينار: وهذا كله في البيع، فأما في السلف فلا بأس به، وفيه نظر، إذ إنما يفترق البيع من السلف في موضع واحد، وهو أن يشترط ذلك في أصل البيع وأصل السلف، ولا يجوز في أصل البيع. وهو نص قول مالك في كتاب حريم البئر من المدونة وعلى هذا الوجه خاصة، ينبغي أن يرد قول عيسى بن دينار، ولا يحمل على عمومه في كل المواضع. وبالله التوفيق. [يموت المرتهن ويأتي الراهن ببينة أنه رهنه ولا يشهد له بكم رهنه] ومن كتاب إن أمكنتني من حلق رأسك وسألته عن الرجل يرهن الرهن ثم يموت المرتهن، ويأتي الراهن ببينة، أنه رهنه ولا يشهد له بكم رهنه، ويزعم أنه رهنه بدينار، أو يسمى شيئا هو أدنى من الرهن، ويقول للورثة: لا علم لنا بما رهنه به عندك، القول قول من يكون؟ قال ابن القاسم سمعت مالكا يقول في المرتهن يموت: إن القول قول الراهن فيما زعم، أنه رهنه به، إذا لم يكن الميت ذكر شيئا، ولم يدع الورثة علما، ويحلف على ذلك، وإن كانت قيمة الرهن أكثر مما ذكر. قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة بينة. وقد تقدمت والقول فيها في رسم صلى نهارا ثلاث ركعات من سماع ابن القاسم. ومضت أيضا في رسم شك منه. ومضى في الرسم الذي قبل هذا من هذا السماع، وفي رسم أسلم منه إذا أنكر الراهن ما ادعاه ورثة المرتهن من الرهن، فلا معنى لإعادة شيء من ذلك. وبالله التوفيق.

стр. 5107

[يرتهن الرهن على من يكون كراء موضعه] ومن كتاب العتق وسئل عن الرجل يرتهن الرهن، على من ترى كراء موضعه؟ قال: أما ما يحوزه المرتهن في منزله، مثل الرأس والثوب وما أشبه مما لا يكون في مثله مؤونة فلا كراء فيه لأن هذا يرتهنه الرجل ويحوزه معه في منزله، وعلى هذا أمر الناس، وأما إن كان الشيء له قدر وبال، مثل الشيء يخزنه وما أشبهه، فكراؤه على صاحبه؛ لأن هذا من النفقة، ونفقة الرهن على صاحبه. قال الإمام القاضي: أما الشيء الكثير مثل الطعام يختزن، أو المتاع أو العدد من العبيد الذين يحتاجون إلى مسكن يكونون فيه، فلا اختلاف ولا إشكال في أن الكراء في ذلك كله على الراهن، كما قال. وأما مثل الرأس وشبهه الذي يحوزه الرجل في منزله ولا يشغل له مكانا لكرائه، قدر وقيمة. فقال في هذه الرواية: إنه لا كراء للمرتهن في ذلك. وقال الشيوخ: إن هذا معارض لقول ابن القاسم في المدونة: إن للحاضنة على الأب السكنى مع النفقة والكسوة، يريد على عدد الجماجم، مثل قول ابن وهب في الدمياطية وأحد قولي ابن القاسم فيها: إنه لا سكنى لها ولا خدمة والاختلاف في هذا عندي جار على اختلافهم في الحضانة، هل هي من حق الحاضن، أو من حق المحضون؟ فمن رآها من حق الحاضن، لم يوجب نفقة ولا سكنى؛ إذ لا يستقيم أن يكون من حقه أن يكفله ويؤويه إلى نفسه ويجب له بذلك حق، ومن رآها من حق المحضون، أوجب له السكنى والنفقة، أجرة لحضانته فيجب على قياس هذا الذي قلناه أنه إن كان المرتهن اشترط كون العبد الرهن بيده فأخذه لحقه وحازه في بيته أن لا يكون له كراء إن طلبه، وإن كان لم يشترط كونه بيده فدفعه إليه الراهن بطوعه، ليحوزه لنفسه في بيته أن يكون له الكراء إن طلبه. وبالله التوفيق.

стр. 5108

[مسألة: يستعير الثوب من رجل ليرهنه بعشرة دنانير فرهنه بها ثم تلف الثوب] مسألة وسئل عن الرجل يستعير الثوب من رجل ليرهنه بعشرة دنانير، فرهنه بها ثم تلف الثوب، فقال: يضمن المرتهن للراهن، ويضمنه الراهن لصاحبه، وهو بمنزلة ما لو بيع في حقه؛ لأنه يقص به عن الراهن في حق المرتهن، فإذا كان يحط به من دينه لمكانه، فهو يغرم ذلك لصاحبه. قال الإمام القاضي: المعنى في هذه المسألة: أن الثوب ضاع بيد المرتهن، ولذلك قال: إنه يضمنه للراهن، ولو جعله الراهن المستعير للمرتهن بيد عدل فضاع عنده لضمنه الراهن لربه، ولم يكن على المرتهن شيء، ولو جعلاه جميعا المعير والمستعير للمرتهن بيد عدل فضاع عنده، لكان ضمانه من ربه المعير، ولم يكن على المستعير ولا على المرتهن شيء. وقال أشهب: إنه إذا ضاع عند المرتهن ضمن قيمته للراهن، وضمن الراهن المستعير قيمته لربه المعير يوم طلبه به، يريد أشهب والله أعلم إن المرتهن يغرم للراهن من قيمته يوم ضاع، إذا علم أنه كان عنده يوم ادعى ضياعه على ما ذكرناه في رسم الرهون، وفي قوله: إن المستعير يغرم للمعير قيمته يوم يطلبه نظر، فتدبره. قال: وإذا بيع للمرتهن في حقه، فليس على المستعير من ثمنه إلا ما قضى عنه منه، إن كله فكله، وإن بعضه فبعضه، ويرد الباقي إلى المستعير، يريد فيدفعه إلى المعير وإن ذهب عند الأمين الذي باعه بأمر السلطان، فضمانه من المعير، وليس على المستعير إلا ما قضى عنه منه. وبالله التوفيق. [مسألة: يرتهن الرهن ثم يعيره للراهن لبعض حوائجه فيغيب به الأيام ثم يرجع] مسألة وسئل عن الرجل يرتهن الرهن، ثم يعيره المرتهن الراهن، لبعض حوائجه، فيغيب به الأيام الثلاثة أو أقل أو أكثر، ثم يرجع،

стр. 5109

فيريد المرتهن قبضه على رهنه كما هو، ويأبى ذلك الراهن، ويقول: قد فسخت رهنك، وعاريتك إياي ترد، قال: لا أرى له رهنا ولا أرى له أخذه، إلا أن يرده إليه طائعا، وإن فلس قبل أن يرده إليه، لم يكن له رهن، وكان إسوة الغرماء، وقد اختلف في إن رده إليه بعد ذلك وفلس، هل يكون رهنا أو لا يكون رهنا؟ فمالك قال: ليس برهن، والغرماء أولى به، وهو معهم إسوة، وأما أنا فأحب إلي أن يكون رهنا إن هو حازه قبل أن يفلس. وفي كتاب أسد: قلت لابن القاسم: أيكون على الراهن أن يرده ويكون للمرتهن أن يقوم على الراهن فيأخذ رهنه؟ قال: لا إلا أن يكون أعاره على ذلك. قال محمد بن رشد: الرهن لا يكون إلا مقبوضا لقول الله ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] فإذا صرف المرتهن الرهن إلى الراهن بعارية أو إجارة أو إيداع، فقد نقض رهنه، وأبطله وأخرجه عن أن يكون رهنا، فإن أراد أن يقوم عليه بعد ذلك، فيأخذ منه رهنه ليرده إلى حالته الأولى، فأما في العارية فليس له ذلك، أراد أن يأخذه منه قبل أن ينتفع به الراهن القدر الذي يرى أنه إنما أعاره إياه لذلك، ولا اختلاف في هذا، بخلاف إذا أعار الرجل متاعه لرجل، ثم أراد أن يأخذه منه قبل أن ينتفع به، فقد قيل: إن ذلك له، وهو الذي يأتي على ما في كتاب العارية من المدونة؛ لأنه قال فيها: إن الرجل إذا أعار أرضه رجلا على أن يبني فيها، إن له أن يخرجه منها قبل أن يبني، وبعد أن يبني، ويعطيه قيمة بنيانه قائما إلا أن يكون قد مضى في المدة ما يرى أنه أعاره إلى مثله، فيكون له قيمة بنيانه منقوضا. وقيل إنه ليس له أن يخرجه منها بنى أو لم يبن حتى يمضي لعاريته من الأجل، ما يرى أنه أعاره إلى مثله. وأما إن أراد أن يأخذه منه بعد أن انتفع به الراهن القدر الذي يرى أنه أعاره إليه لذلك، ففي ذلك اختلاف. قال ابن القاسم في هذه الرواية: وفي المدونة

стр. 5110

ليس ذلك له. وقال أشهب: ذلك له، وأما إن كان أراد أن يأخذه منه بعد انقضاء أجل العارية، وقد كان ضرب لها أجلا فذلك له باتفاق، بمنزلة إذا أعاره إياه، على أن يرده إليه، فإن رده إليه في الموضع الذي يلزمه أن يرده إليه باتفاق، رجع رهنا على حاله باتفاق، وكذلك يرجع رهنا على حاله إن رده إليه في الموضع الذي يختلف هل يلزمه أن يرده إليه أم لا؟ على مذهب من يرى أنه يلزمه أن يرده إليه. واختلف إن رده إليه باختياره في الموضع الذي لا يلزمه أن يرده إليه باتفاق، أو في الموضع الذي يختلف هل يلزمه أن يرده إليه أم لا؟ على قول من يرى أنه لا يلزمه أن يرده إليه هل يرجع بمجرد رده إليه رهنا على حاله الأول أم لا؟ فأما مالك فقال في هذه الرواية: إنه لا يكون رهنا، يريد أنه لا يرجع بمجرد رده إليه، إلا أن ينص على أنه قد رهنه إياه برده إليه، إذ قد خرج من الرهن الأول بعاريته إياه، وأما ابن القاسم فقال فيها: إنه يكون رهنا، يريد أنه يرجع بمجرد رده إليه رهنا على حاله الأول، فالاختلاف في هذا راجع إلى الرهن، هل تفتقر صحته إلى التصريح به أم لا؟ ومن مذهب ابن القاسم في المدونة أن صحته تفتقر إلى التصريح به حسبما بيناه في سماع أبي زيد من كتاب المديان والتفليس، لكنه راعى في هذه المسألة تقدم الرهن، فأقام ذلك مقام التصريح به، فليس قوله بخلاف لمذهبه في المدونة من أن الرهن تفتقر صحته إلى التصريح به، وأما مالك فلم يراع تقدم رهنه، إذ قد بطل برده إلى الراهن، فرأى أنه إذا رده إليه لا يكون رهنا حتى يصرح بذكر الرهن، ويجب على مذهبه إذا لم يكن رهنا أن يكون أحق به، ما لم يكن ثم غرماء، على معنى ما في المدونة وفي سماع أبي زيد من كتاب المديان والتفليس، وأما إذا رد المرتهن الرهن إلى الراهن بإجارة، فله أن يقوم عليه ويأخذه منه، فيكون رهنا بيده على حاله الأول إذا انقضت الإجارة، وأما إن قام عليه فأراد أخذه منه قبل انقضاء أجل الإجارة، فليس ذلك له، وقد قيل: إنه إن ادعى أنه جهل أن ذلك يكون نقضا لرهنه، وأشبه ما قال، إنه يحلف على ذلك، ويكون له رده، ما لم يقم عليه

стр. 5111

الغرماء، وأما إذا رده إليه بإيداع، فلا أقف في وقتي هذا على نص الرواية في ذلك، والذي أقول به: إن له أن يقوم عليه فيأخذه منه، ويكون له رهنا. إن لم يكن عليه دين يستغرقه باتفاق، أو ما لم يقم عليه الغرماء على اختلاف قول مالك فيمن رهن رهنا وعليه دين محيط بماله. وبالله سبحانه التوفيق. [مسألة: يرتهن الدار وللدار طريق لجميع الناس فيسلكها الراهن معهم] مسألة وسئل عن الرجل يرتهن الدار، وللدار طريق لجميع الناس، فيسلكها الراهن معهم، فقال: إذا حاز المرتهن البيوت وأكراها، فلا يضره؛ لأنه حق لغير صاحب الدار. قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله؛ لأنه إنما رهنه البيوت التي له، ولم يرهنه الطريق الذي ليس له من الحق فيه إلا ما لغيره من المرور فيه. وبالله التوفيق. [يرتهن الحيوان فيهلك في يديه فيدعي أنه ارتهنه بعشرين دينارا] من سماع يحيى بن يحيى من ابن القاسم من كتاب الصلاة قال يحيى وسألت ابن القاسم عن الرجل يرتهن الحيوان فيهلك الرهن في يديه، فيدعي أنه ارتهنه بعشرين دينارا، أو يزعم الراهن أنه رهنه إياه بعشرة دنانير، والبينة تثبت أن قيمة الرهن الذي هلك عشرون دينارا، إن البينة على المرتهن فيما ادعى فوق العشرة دنانير التي أقر بها الراهن؛ لأنه لا يقاص شيء من قيمة الرهن الهالك، وهو فيها ادعى فوق العشرة، كمن ادعى مثل ذلك فيمن لم يرتهن شيئا، فليس له إلا ما أقر به غريمه إذا هلك الرهن في يديه. قيل له: أرأيت الذي يرهن المتاع الذي يغيب عليه، فتقوم البينة على هلاكه وقيمته، والقيمة عشرون دينارا، وادعى أنه ارتهنه

стр. 5112

بعشرين دينارا؛ وأنكر الراهن أن يكون رهنه بأكثر من عشرة دنانير؟ فقال: إذا هلك الرهن هلاكا ظاهرا يشهد به العدول حتى يبرأ بذلك المرتهن من ضمان الرهن، فلا حق له على الغريم الراهن، إلا ما أقر له به مع يمينه، أو ما أثبتته البينة، وإنما جعله مالك مصدقا فيما يدعي فيما بينه وبين قيمة الرهن، إذا كان هلاك الرهن غير معروف، ووجب ضمانه على المرتهن، فعند ذلك يصدق المرتهن مع يمينه فيما ادعى ما بينه وبين قيمة الرهن. قال محمد بن رشد: هذا مثل ما تقدم في سماع عيسى من أن الرهن إنما يكون شاهدا لمرتهنه إذا كان قائما بيده لم يفت، أو كان قد فات وادعى ضياعه، وهو مما يغيب عليه، فلزمته قيمته؛ لأن القيمة الثانية في ذمته، كالرهن القائم في يديه. وأما إن استحق من يده أو تلف تلفا ظاهرا؛ كان مما يغاب عليه، أو ادعى ضياعه وهو مما لا يغاب عليه، فصدق في ذلك مع يمينه، وسقط عنه ضمانه، فلا يكون شاهدا له. وهذا مما لا أعرف فيه نص خالف في المذهب، وهو بين، على القول بأن الرهن لا يكون شاهدا على ما في الذمة، وإنما يشهد على نفسه، وأما على القول بأنه يشهد على ما في الذمة، وهو ظاهر قول مالك في أول سماع ابن القاسم على ما ذكرناه هناك، فيتخرج على قياسه أن يكون شاهدا له بقيمته يوم رهنه، كان قائما بيده لم يفت باستحقاق ولا غيره، أو كان قد استحق أو تلف لزمته قيمته أو لم تلزمه، وهو القياس، إن كانوا لم يقولوا ذلك؛ لأنه إنما يكون شاهد له من أجل أنه يدل على صدق دعواه؛ لأنه يقال للراهن: إذا قال: إنه رهنه بخمسة في التمثيل، وادعى المرتهن أنه ارتهنه بعشرة، والرهن يساوي عشرة، قول المرتهن أشبه من قولك، إذ لو لم يكن له عليك إلا خمسة فما رهنته بها رهنا قيمته عشرة، فوجب على هذا التعليل، ألا يلتفت إلى ما أصاب الرهن بعد ذلك من نقصان قيمته بحوالة الأسواق، أو تلافه، أو استحقاقه. وبالله التوفيق.

стр. 5113

[مسألة: تواضعا الرهن بيد أمين ثم اختلفا فيمن رهن به ولا بينة] مسألة قيل له: أرأيت لو أن الرهن كان سالما ظاهرا بيد المرتهن، وقيمته خمسة عشر دينارا؟ فقال: إنما ارتهنته منك بعشرين دينارا، وقال الراهن بل رهنتكه بعشرة دنانير، فصدق المرتهن فيما ادعى إلى أن بلغ قيمة الرهن الخمسة عشر دينارا، فقال الراهن: أنا آخذ رهني وأقضيك الخمسة عشر التي صدقت بها، أيكون ذلك له؟ فقال: لا يكون له أن يأخذ الرهن إلا أن يعطيه العشرين التي ادعى كلها، قيل له: فإذا لم يكن ذلك له، فإن قال المرتهن للراهن: أنا أتطوع لك به على أن تعطيني الخمسة عشر التي صدقت بها، فكره ذلك الراهن، وقال: بل احبس رهنك بجميع حقك علي، فقال إن يرى المرتهن إلى الراهن بالرهن لم يكن له عليه إلا العشرة دنانير التي أقر بها. قال أصبغ: وكذلك لو تواضعا الرهن بيد أمين، ثم اختلفا فيمن رهن به، ولم تكن بينهما بينة: إن القول قول المرتهن مع يمينه؛ لأنه لم يتله في يديه ولم يقبضه على الائتمان. قال محمد بن رشد: لم ير ابن القاسم في هذه الرواية إذا اختلف الراهن والمرتهن في مبلغ ما رهن فيه الرهن، فادعى المرتهن أكثر من قيمته، وادعى الراهن أقل من قيمته، فحلف كل واحد منهما على ما ادعاه من حق الراهن على المرتهن أن يفتك الرهن منه بقيمته، ولا من حق المرتهن على الراهن، أن يسلمه إليه بقيمته، ورأى الراهن إذا حلفا جميعا بما فيه، ليس للراهن أن يأخذه من المرتهن، إلا أن يدفع إليه جميع ما ادعاه، وحلف عليه، ولا للمرتهن أن يسلمه إلى الراهن، ويأخذ منه قيمته، وإنما له أن يمسكه او يأخذ من الراهن ما أقر. وهذا هو حقيقة القياس، على القول بأن

стр. 5114

الرهن لا يكون شاهدا إلا على نفسه، خلاف قول عيسى بن دينار وقول سحنون في سماع ابن القاسم، وقول ابن القاسم في أول رسم العرية، من سماع عيسى إن الراهن مخير بين أن يفتك الرهن بقيمته، أو يتركه بما فيه، وخلاف ظاهر ما في المدونة، وما في أول سماع ابن القاسم من قول مالك: إن الراهن يلزمه أن يفتك الرهن بقيمته، فيتحصل في المسألة ثلاثة أقوال: أحدها قول مالك: إن الراهن يلزمه افتكاك الرهن بقيمته، والثاني: إنه مخير بين أن يكون يفتكه بقيمته، أو يسلمه، وهو قول سحنون وعيسى بن دينار وروايته عن ابن القاسم. والثالث إنه مخير بين أن يفتكه بما حلف عليه المرتهن، أو يسلمه، وكلا هذين القولين: الثاني والثالث، قد تؤولا على ما في الموطأ. وأما قول أصبغ: إن القول قول الراهن فيما رهن فيه الرهن، إذا وضع بيد أمين، فهو دليل ما في الموطأ خلاف المشهور في المذهب الذي تدل عليه ظواهر الروايات في المدونة وغيرها. وقد نص على ذلك ابن المواز في كتابه فقال: إن القول فيه قول المرتهن، وإن وضع بيد أمين. وحكى ذلك إسماعيل القاضي عن مالك في أحكام القرآن. وهو القياس، إذ لا فرق في كونه دليلا على صدق المرتهن، بين أن يكون في يديه، أو على يدي عدل، ويلزم على قياس قول أصبغ أن يكون من حق المرتهن الرهن، أن يكون على يديه، ليكون له شاهدا وإن كره ذلك الراهن، خلاف ما مضى في رسم الرهون من سماع عيسى. وبالله التوفيق. [مسألة: يرهن الرجل أمته ولها ولد صغير] مسألة قال يحيى: قال ابن القاسم: وسمعت مالكا كره أن يرهن الرجل أمته ولها ولد صغير، لا يجوز له أن يفرق بينهما، وينهى عن ذلك. قال يحيى: وسألت عنه ابن وهب فلم ير به بأسا. قال محمد بن رشد: قد مضى القول على هذه المسألة مستوفى في رسم شك في طوافه الثاني من سماع ابن القاسم، وفي رسم الأقضية الثالث

стр. 5115

من سماع أشهب فلا معنى لإعادة شيء من ذلك. وبالله التوفيق. [يرتهن الرهن بحق له على أن يضمن له رجل ما نقص الرهن من حقه] ومن كتاب يشتري الدار والمزارع وسئل عن الرجل يرتهن الرهن بحق له على أن يضمن له رجل ما نقص الرهن من حقه، فحالت الأسواق حتى قل ثمن الرهن جدا، أو دخله عيب أعطبه أو نقصه نقصانا فاحشا أو هلك، ماذا يضمن الحميل للمرتهن؟ قال: إن هلك الرهن بعطب أصابه من مرض أو مات، ضمن الحميل جميع الحق، وكذلك يضمن ما دخله من النقصان، قل أو كثر كان ذلك النقصان من عيوب حدثت به، أو حوالة الأسواق. قال محمد بن رشد: هذا كما قال، إنه إذا ضمن ما نقص الرهن من حقه، إنه ضامن لما نقص من حقه إذا بيع الرهن، ولكل ما أصاب الرهن، ولا اختلاف في ذلك. وقد مضى تحصيل القول في هذه المسألة في أول رسم من سماع ابن القاسم فلا معنى لإعادته. وبالله التوفيق. [يسأل الرجل سلفا ويأتيه برهن مما يغاب عليه ليدفعه إليه] ومن كتاب المكاتب قال وسألته عن الرجل يسأل الرجل سلفا ويأتيه برهن مما يغاب عليه ليدفعه إليه، فيقول له المستسلف: ضع رهنك عندي وعد إلي غدا أدفع إليك ما سألتني من السلف، فإذا غدا إليه ليقتضي ما وعده، وجد الرهن قد هلك عند الذي قبضه، أتراه له. ضامنا أو يكون مؤتمنا فيه؟ قال: بل يضمنه، وذلك أنه إنما أخذه على حال
следующие страницы →