Полный текст (9 112 стр.). Показаны 5916–5955 · переход к 5921.
стр. 5916
[: الرجل يوصي بطعام فيمكث فترة ثم يوصي بدراهم]
ومن كتاب الأقضية الثالث وسئل عن رجل بعث إلى رجل بطعام يقسمه، فقسمه، ثم أقام بعد ذلك سنين، ثم مات وأوصى بدراهم وغير ذلك، ولم يذكر الطعام، ثم قدم الباعث وكان غائبا، فأراد من ورثته تفسير ذلك القمح وقسمته، وهل قسمه أم لا؟ هل ترى ذلك يلزم الورثة؟ فقال: لا يلزمهم شيء، قيل له: أترى أن يستحلفوا؟ فقال: ما أرى ذلك عليهم. سمعت السائل يقرأ عليه المسألة، وسمعت من مالك الجواب، ولم أفهم كل ما قرأ عليه في المسألة، فأخبرني أصحابنا بما قرئ هذا عليه، وأما الجواب فقد سمعته من مالك، ورأيت السائل يقرأ عليه الكتاب.
محمد بن رشد: هذا كما قال: إنه لا يلزم الورثة إقامة البينة على أنه قد قسم الطعام الذي بعث إليه ليقسمه، كأنه إنما كانت تجب عليه اليمين لقد قسمه، فقد سقطت لموته. وأما الورثة فاستحلافهم بالتهمة أمر مختلف فيه، فجوابه على القول بأن اليمين لا تحلف بالتهمة. ولو حقق الباعث للطعام الدعوى على الورثة بأنهم يعلمون أنه لم يقسم الطعام، للحقت اليمين من كان منهم مالكا لأمر نفسه قولا واحدا. وبالله التوفيق.
[مسألة: أوصى لعبده بوصية فيشهد عليه ابناه وله ورثة سواهما]
مسألة وسئل عن رجل أوصى لعبده بوصية فيشهد عليه ابناه وله ورثة سواهما، فقال: شهادتهما له جائزة.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله، إذ لا تهمة عليهما في شهادتهما للعبد بالمال؛ لأنه عبد لجميعهم، ولا تعلق في المال الذي أوصى له به، فيتهم الشاهدان على إنفرادهما بولاية دون من سواهما ممن لا يرث
стр. 5917
الولاء بحال، أو دون من سواهما ممن هو أحق منهما بالولاء ما كانا حيين. وإنما يعتق العبد في وصية سيده له إذا أوصى له بثلث ماله؛ لأنه يكون موصى له حينئذ بثلث نفسه، ولا يصح للعبد ملك نفسه.
وقد مضى الكلام على هذا في رسم أخذ يشرب خمرا من سماع ابن القاسم. وتأتي المسألة أيضا في رسم أسلم ورسم الرهون من سماع عيسى، وفي رسم الصبرة من سماع يحيى وبالله التوفيق.
[: الرجل يوصي لأمهات أولاده بأغدق من حائط]
ومن كتاب الوصية الذي فيه الحج والزكاة قال وسمعته يسأل عمن أوصى لخمس مواليات له، أمهات أولاده، عزلهن وسماهن بأغدق من حائط قال: تعطى مولاتي فلانة من ثمر هذه الأغدق في كل سنة ما عاشت خمسة آصع، وتعطى فلانة منها في كل سنة ما عاشت عشرة آصع، وتعطى فلانة منها في كل سنة ما عاشت ثمانية آصع، حتى يسمى لكل واحدة منهن آصعا مسماة تعطاها في كل سنة ما عاشت، فكن يعطين كذلك، فماتت منهن أربع نسوة، وبقيت منهن واحدة، فقال الورثة: قد رجع إلينا ما كان يكون لهن، وقالت المولاة: لا بل ذلك لي. قال: بل يرجع إلى الورثة، ولا يكون لها منه شيء، ولا يكون لها إلا ما سمي لها، ويحاصها الورثة في ثمر تلك النخلات بالأربع نسوة، اللاتي متن، فما صار لهن من شيء من المحاصة كان للورثة، فقلت له: إنما هو رجل عزل خمس نخلات له فأوصى فيهن بخمس مولايات له ما عشن، لكل واحدة منهن خمسة آصع ما عشن في كل سنة، فمات الأربع نسوة منهن، وبقيت واحدة، ولم تخرج الخمس نخلات كلها إلا خمسة أصع في سنة منها، أيتم لها
стр. 5918
الخمسة الآصع التي أوصى لها بها؟ أم تحاص بوصية صواحبها في ثمرة تلك النخل، فلا يصير لها من الخمسة الآصع إلا خمسها، وهو صاع. فقال لي: لا يتم لها ذلك، ولكن يحاصها الورثة بوصية صواحبها فينقص بذلك، ويكون ذلك للورثة، فقيل له: فإن النخل أخرجت سنة ستين صاعا، فقالت الباقية: أعطوني ما أوصى لي به، واحسبوا لي ما بقي من الثمن، فإني أخاف أن لا يخرج النخل ثمرا فيما أستقبل، فقال: وربما قصرت النخل، قيل له: ربما كان الجراد فقصرت، فقال: أما لو كن كلهن، رأيت ذلك أن يحبس لهن، وأرى إذا قصرت النخل عاما أن يتم ذلك لهن من العام المقبل، فأما هذه الواحدة فلا أرى أن يوقف ذلك بها، ولكن يوقف لها منه ما يرى، فقيل له: أرأيت إن ضمنا لها مكيلة ما لها؟ فقال: ليس ذلك لكم، هي لا تريد ضمانكم ولا اتباعكم.
قال محمد بن رشد: في هذه المسألة أن حظ من مات من الخمس موليات من الثمرة في المحاصة يرجع إلى الورثة، ولا يكون للباقية منه شيء، هو على اختلاف قول مالك في المدونة في الذي يوصي لقوم بأكثر من ثلث ماله، فيموت بعضهم قبل موت الموصي، هل يرجع حظه إلى الورثة فيحاصون به من بقي منهم؟ أو لا يرجع إليهم ويكون لمن بقي من الموصى لهم حتى يستكملوا وصاياهم؟ إذ لا فرق بين المسألتين في المعنى والقياس؛ لأن حظ من مات من الموليات من الثمرة يبطل بموتها قبل وجوب الثمرة لهن، كما يبطل حظ من مات من الموصى لهن بالثلث بموته قبل موت الموصي، فيلزم في هذه المسألة على قياس القول بأن من مات من الموصى لهم قبل موت الموصي تبطل وصيته، ولا يحاص بها الورثة أهل الوصايا، لا يرجع حظ من مات من الموليات من الثمرة إلى الورثة، وتكون لمن بقي منهن حتى يستكملن وصاياهن، ولا اختلاف في أن ما نقص من حظهن في هذا العام
стр. 5919
يوفونه من ثمرة العام الذي بعده. إن كان فيه فضل عن حقوقهن. وقد مضى في رسم الوصايا القول في توقيف ما فضل من الثمرة عن حقوقهن، لما يخاف من تقصيرها فيما يأتي عن حقوقهن، وإن ذلك إنما يكون على الاجتهاد في كثرة ما أخرج الحائط وقلة ما أوصى به، وقلة ما أخرج الحائط وكثرة ما أوصى به، وفي أمن الحائط والخوف عليه، وهو معنى قوله في هذه الرواية. وقوله في الضمان: ليس ذلك لكم، هي لا تريد ضمانكم ولا اتباعكم، ظاهره خلاف ما في سماع سحنون بعد هذا. وقد يحتمل أن يتأول على ما يجمع به بين الروايتين، حسبما ذكرناه في رسم الوصايا المذكور، ولم يتكلم في هذه الرواية على توقيف الحائط، وذلك من حق الموصى لهم إذا حمله الثلث وأجاز الورثة الوصية، وهنا قال فيما يأتي في سماع سحنون: إن ضمنوا ذلك له، وإلا وقف العبد والحائط. ومعنى ذلك: إذا رضوا بضمانهم. وبالله التوفيق.
[: أوصى فقال في وصيته ثلثي لفلان ولفلان دينار ولفلان ثلاثة]
ومن كتاب الوصايا وسمعته يسأل عمن أوصى، فقال في وصيته: ثلثي لفلان، ولفلان دينار، ولفلان ثلاثة، قال: يخرج من الثلث الديناران والثلاثة، ثم يقسم ما بقي من الثلث. قيل له: أرأيت إن أراد أن يأخذه لنفسه؟ فقال: ليس ذلك له.
محمد بن رشد: قوله في هذه المسألة: ثلثي لفلان، معناه: إلى فلان يلي قسمته فيما يراه من وجوه البر، فلذلك قال: إنه يخرج من الثلث الديناران والثلاثة، ثم يقسم ما بقي منهم، وذلك بين مما وقع في كتاب ابن عبدوس لأنه ذكر الرواية فيه عن مالك، فقال: إلى فلان ثلثي، ولفلان ديناران ولفلان ثلاثة، فليبدأ بالتسمية، ثم يأخذ فلان باقي الثلث يلي قسمته
стр. 5920
في سبيل الخير. قال أشهب: وذلك أنه قال: إلى فلان ثلثي فيخرج ذلك أن يلي إنفاذه. وأما. إن قال: ثلثي لفلان، ولفلان ديناران، ولفلان ثلاثة، فيتحاصوا إذا لم يقل في التسمية من ثلثي. وهذا أحب إلي. وقد تقدم مثله في رسم اغتسل من سماع ابن القاسم. وفي رسم الوصايا الذي قبل هذا من هذا السماع. ويأتي مثله لابن القاسم في رسم الكبش من سماع يحيى. ولمالك قول آخر أنه بيد أهل التسمية. وقد روي عن مالك أنه بيد أهل الجزء. وقوله: إنه ليس له أن يأخذه لنفسه صحيح، إذ لا إشكال في أنه ليس أن يستأثر بجميعه على حال، وإنما الكلام هل له أن يأخذ منه مثل ما يعطي غيره.
وقد مضى الكلام على هذا في رسم سن من سماع ابن القاسم فلا وجه لإعادته. وبالله التوفيق.
[مسألة: له وصيان فسأل أحدهما ثلاثين دينارا من غلة دار له قد تفالس بها]
مسألة وسمعته يسأل عمن له وصيان فسأل أحدهما ثلاثين دينارا من غلة دار له قد تفالس بها وأمكن من نفسه وقال: اسجنوني، ولليتيم اثنان وعشرون دينارا عينا، ودار غلتها خمسة دنانير، فأراد اليتيم أن يسكن منزلا منها كراؤه دينار، فقال الوصي الذي ليس له قبله شيء: أنا أتكارى لك منزلا بخمسة دراهم، وأكري هذا البيت بدينار، فقال له: ثلاثون دينار عند مفلس، وله اثنان وعشرون دينارا، أرى إن كان يتكارى له نحوا من منزله قريبا منه من مسجده في عمران فذلك له، وإن كان إنما تكارى له قاصيا من منزله ومسجده، أو في خراب، فليس ذلك له، فقيل له: أرأيت هذا الوصي المنقطع بهذه الثلاثين دينارا يخرج من الوصية؟ فقال: نعم أرى أن يخرج منها إذا وجد من يدخل مكانه من أهل الثقة مع الوصي
стр. 5921
الباقي، فقيل له: أرأيت إن كان الوصي الباقي ثقة؟ أيدخلون معه؟ فقال: نعم، إذا كان أمرا يخاف ألا يقوى عليه وحده، فإن كان أمرا يقوى عليه لم يدخل عليه آخر.
محمد بن رشد: رأى مالك ﵀ ما ذهب إليه الوصي، من أن يكري لليتيم المسكن الذي أحب اليتيم سكناه بدينار، ويكري له منزلا سواه في موضع آخر بخمسة دراهم، نظرا لليتيم لغلة ماله، إذ قد ذهب منه عند الوصي ثلاثون دينارا فلم يبق منه إلا اثنان وعشرون دينارا، إذا كان الموضع الذي يتكاراه له قريبا من منزله ومسجده، وفي عمران، وذلك نظر صحيح لليتيم، لما عليه من الضرر في البعد عن مسجده ومنزله. وفي السكنى في خراب. والوصي الذي أكل من مال يتيمه ثلاثين دينارا، ثم تفالس بها، وقال: اسجنوني، واجب أن يعزل عن النظر له إن كان وحده، إذ لا يؤتمن مثله على مال اليتيم، وأما إن كان معه غيره، فلم يقم وحده بالنظر له، ولا وجد من يدخل معه سوى الأول، فمن النظر لليتيم أن يقر عن النظر له مع الوصي الآخر لأنه شاركه في النظر الذي لا يقوى عليه وحده، ولا يمكنه من أن يغيب على شيء من مال اليتيم، فهو معنى قول مالك: إنه يخرج عن الوصية إذا وجد ثقة يدخل مع الوصي الآخر مكانه، وأما إن قام الوصي الآخر بالنظر لليتيم وحده، أو وجد من أهل الثقة من يدخل معه مكانه فلا نبغي أن يقر على الإيصاء بحال، إن كان الوصي الآخر يقوم بالنظر وحده، فلا يدخل معه غيره كما قال مالك إذ يكره أن ينظر له مع غيره، إلا أن يرى ذلك الإمام. فقد تبين له أن الموصي لم يرد أن ينفرد بالنظر لولده وحده. وبالله التوفيق.
[مسألة: أوصى فقال بيعوا غلامي ممن أحب فقال أحب أن تبيعوني من فلان]
مسألة وسمعته يسأل عمن أوصى فقال: بيعوا غلامي ممن أحب، فقال: أحب أن تبيعوني من فلان، فباعوه منه بستين دينارا وهي قيمة
стр. 5922
العبد، ولم يعلموه ما أوصى به الميت، ثم علم، فقال: لم تعلموني بما أوصى به الميت، ولو أعلمتموني ما اشتريته بهذا الثمن، أترى له أن يرده؟ فأطرق فيها طويلا، ثم قال: ما أرى له شيئا، إنما قيل للعبد: ممن تحب أن نبيعك؟ فقال بيعوني من فلان، ولا أحب فلانا ولا فلانا، فلا أرى له شيئا.
قال محمد بن رشد: لأصبغ في الواضحة مثل قول مالك، وقال: إنما هذا وصية للعبد، وأما لو قال بيعوه من فلان، فباعوه منه ولم يخبروه وكتموا ذلك، فله الرجوع بثلث ثمنه؛ لأنها ها هنا وصية للذي اشتراه، بخلاف قوله ممن أحب. قال ابن نافع في المجموعة. ولو أوصى ببيع عبده ممن أحب، فأحب العبد من وارث الميت، فليوضع عنه ثلث الثمن. وبالله التوفيق.
[مسألة: حضرته الوفاة ولا وارث له وله ابن مملوك]
مسألة قال: وسمعته يسأل عمن حضرته الوفاة ولا وارث له، أو له ورثة مواليه، وله ابن مملوك، فلما خشي الموت، ابتاع ابنه ثم مات، فقال: إن استيقن أن ما اشترى به ابنه يخرج من الثلث، عتق وورث أباه، إن استوقن أن ما اشتراه به يخرج من ثلثه، فإنه ربما كان الشيء الذي يشك فيه، فلا يدري أيخرج ذلك من الثلث أم لا يكون له الدين والأموال الغائبة؟ قال: وليس له أن يشتريه بأكثر من ثلثه.
قال محمد بن رشد: هذا مذهب ابن القاسم، أن للمريض أن يشري في مرضه من يعتق عليه بثلث ماله، كان ابنا أو أبا أو أخا فيعتق بشرائه إياه حين اشتراه، كان وارثا يرث جميع المال إذا انفرد به، أو بعضه إن لم ينفرد به، أو لم يكن وارثا لكون غيره أحق منه بجميع المال. ووجه قوله أن
стр. 5923
المريض لما كان له التصرف في ثلث ماله من غير تحجير عليه فيه، كان له أن يشتري به من يعتق عليه، فإذا صح له العتق قبل موت المريض، وجب له الميراث، ولم يصح أن يحال بينه وبينه. هذا مذهب ابن القاسم، أن العتق يصح له عنده بنفس شرائه إياه بثلث ماله دون ترقب، وإن تلف باقي ماله قبل موته، لم ينتقض بذلك عتقه، كالرجل المريض يبتّل عتق عبده في مرضه، وله مال مأمون، فيعجل عتقه، ثم يتلف المال المأمون، إن العتق لا يرد، وكذلك في كتاب ابن المواز من اشترى ابنه في مرضه فهو حر مكانه، ويرثه إن اشتراه بثلث ماله، ويبدأ على ما سواه من عتق وغيره، وهو دليل هذه الرواية ومما في المدونة. وقال ابن القاسم في المدونة واحتج فقال: ولم ينظر فيه إلا بعد الموت ما ورث، وكذلك إن لم يحمله الثلث، فإنه يعجل منه عتق ما حمله الثلث. وأصبغ يرى أنه لا يرث بحال؛ لأنه لا يعتق إلا بعد الموت، قال ابو إسحاق التونسي: وهو القياس، غير أنه يستحسن أنه إذا خرج من الثلث، فكأنه لم يزل حرا من يوم اشتراه، ألا ترى أن المبتل في أحد القولين، إذا اغتل غلة بعد التبتيل أو النخل إذا أثمرت بعد موت الموصي إن الأصول وحدها هي التي تقوم، فإذا خرجت من الثلث اتبعتها الغلات، كأنها لم تزل من يوم بتلت ملكا لمن بتلت له، ولَلذي حملنا عليه قول ابن القاسم، من أن الذي ذهب إليه أن العتق يعجل عليه بنفس الشراء دون توقف هو الذي ينبغي أن يحمل عليه قوله، فبذلك يسلم من الاعتراض، وإن لم ينظر فيه إلا بعد الموت، على ما قاله ابن القاسم في أول رسم من سماع عيسى، فحمله الثلث ورث، كأن الغيب كشف أن العتق قد كان وجب له قبل موته، لحمل الثلث له. ولأشهب في أول رسم من سماع عيسى بعد هذا مثل قول أصبغ: إنه لا يجوز له أن يشتريه إلا بالثلث، كان ممن يحجب أو ممن لا يحجب، فإذا اشتراه بالثلث لم يصر له من الميراث قليل ولا كثير. وقد اختلف قول أشهب في ذلك، حكى عنه ابن المواز في كتابه: أن له شراءه بماله كله، إن لم يكن معه وارث يشاركه في الميراث وإن كان معه
стр. 5924
وارث يشاركه فيه فليس له اشتراؤه إلا بالثلث فأقل، يريد والله أعلم: فيرث بقية المال مع الوارث الذي يشاركه في الميراث. ووجه قول أشهب في تفرقته هذه بين أن يكون له وارث يشاركه في الميراث، وبين أن لا يكون له وارث يشاركه فيه، هو أنه إذا لم يكن له وارث يشاركه فيه، مثل أن يكون وارثه ابن عمه، فيشتري في مرضه أخاه، أو يكون وارثه أخاه، فيشتري ابنه هو من حجة المريض أن يقول لابن عمه إذا اشترى أخاه أو لأخيه إذا اشترى ابنه: لا منفعة لك في أن تمنعني من شرائه بجميع مالي؛ لأني إن اشتريته بالثلث أو بأقل من الثلث، كان أحق منك بجميع المال؛ لأنه يحجبك عن الميراث، إذ هو أقرب إلي منك. فإذا كان له وارث يشاركه في الميراث، مثل أن يكون له أخ، فيشتري في مرضه أخا له آخر، أو يكون له ابن، فيشتري في مرضه ابنا آخر، كان له أن يمنعه من أن يشتريه بجمع المال؛ لأنه إذا اشتراه بالثلث ورث معه بقية المال، وإذا اشتراه بجميع المال لم يبق له ما يرث. وقد وقع في أول سماع عيسى لابن وهب، أنه إن كان المشترى يحجب من يرث المشتري حين يصير جميع الميراث له، كان له أن يشتريه بجميع ماله أو بما بلغ، فيرث بقية المال، وإن كان ثم من شاركه في ميراثه ولا يحجبه، فلا يجوز له أن يشتريه إلا بالثلث، فإن اشتراه بالثلث لم يصر له من الميراث قليل ولا كثير؛ لأنه إنما يعتق بعد موت المشتري، وقد صار المال لغيره. والتفرقة على هذا الوجه لا وجه لها؛ لأنه إذا لم يكن له ميراث إذا اشتراه بالثلث فأقل، وليس له من يشاركه في الميراث وكذلك لا يكون له ميراث إذا اشتراه بالثلث فأقل، وليس له من يشاركه في الميراث وإذا لم يكن معه ميراث إذا اشتراه بالثلث فأقل، فمن حقه أن يقول: ليس لك أن تشتريه بجميع المال فتبطل ميراثي ولا بأكثر من الثلث فتبطل من حقي ما زدت على الثلث.
وحكى ابن حبيب في الواضحة عن ابن الماجشون، أنه يجوز للرجل أن يشتري ابنه بجميع ماله في مرضه إن شاء، ويرثه إن فعل، ولا يجوز له أن
стр. 5925
يشتري غيره، لا أبا ولا أما ولا جدا ولا أخا، يريد إلا بثلث ماله، ولا يرثه إن فعل ذلك. قال: وذلك لأن الرجل يستلحق الولد في صحته، فيلحق به، ولا يستلحق غيره ولا يلحق به إن فعل. وقول ابن الماجشون هذا، هو القول الذي وقع في أول رسم من سماع عيسى لغير ابن وهب وأشهب من الرواة. وهو أظهر الأقوال في هذه المسألة وأولاها بالصواب. وبالله التوفيق.
[مسألة: أعطته ذكر حق لها على زوجها ثم ماتت فطلب الزوج ذكر الحق]
مسألة وسمعته يسأل، فقيل له: إن امرأة أعطتني ذكر حق لها على زوجها ثم ماتت، فسألني زوجها أن أعطيه ذكر الحق، وهو زوجها ومولاها، ولا وارث لها غيره، فقال له يسأل: فإن كان على المرأة دين فلا تعطه إياه، وإن كانت لا دين عليها، فأشهد عليه وأعطه إياه. فقيل له: إن المرأة قد أوصت بوصايا، فقال له: إن كان لا دين عليها فأشهد عليه وأعطه إياه.
قال محمد بن رشد: قوله: فإن كان على المرأة دين، فلا يعطه إياه، معناه دين لا يفي به ما خلفت من المال سوى ما لها على زوجها في ذكر الحق، ومثل ذلك يلزم في الوصايا أيضا، لا يدفع إليه ذكر الحق إن كان لا يفي بها ثلث ما خلفت من المال سوى ما لها على زوجها في ذكر الحق وظاهر الرواية أنه فرق فيها بين الدين والوصايا، ولا فرق بينهما. وقد مضت هذه المسألة متكررة في رسم الأقضية من سماع أشهب من كتاب الوديعة والكلام عليها. وبالله التوفيق.
[مسألة: يتيم لرجل أمر نسيبا له بغلام له أن يضربه فقتله]
مسألة قال وسمعته يسأل عن يتيم لرجل أمر نسيبا له بغلام له أن يضربه، فجعل نسيبه يضرب الغلام، وهو يقول: اقتل
стр. 5926
اضرب فلم يزل يضربه حتى قتله، فقال: على نسيبه الذي ضربه له غرمه، فقال له وصي اليتيم: فإني استعديت عليه، فاغرم لي، ثم إن يتيمي حضرته الوفاة، فخاف مما كان يرى من ذلك فأوصى بوصايا وقال: قد كنت وقعت في أمر ذلك الغلام فيما تعلم فاشتر رقبة فأعتقها عني، فزاد ما أوصى به على الثلث فأردت أن أشتري الرقبة فأعتقها فأبى أهل الوصايا، فقال: إن لم يكن سمى ذلك العتق، فكان لما وقع فيه من أمر الغلام، فذلك بالحصص فإن كان سمى ذلك فهو مبدأ.
قال محمد بن رشد: كفارة قتل العبد ليست بواجبة، فإذا أوصى بها فلا تجب تبدئتها على الوصايا؛ لأنها تطوع، إذ ليست بواجبة، والعتق التطوع إذ لم يكن بعينه لا يبدأ على الوصايا عند مالك، وإن كان عنده آكد منه لقرب ما بينهما، وإنما أمر بتبدئة هذه الرقبة على الوصايا إذ قال: إنه إنما أوصى بها لما وقع فيه من أمر الغلام، إذ لم يقصد إلى قتله وإنما أراد ضربه، فجاء من موته من الضرب ما لم يرده، فأشبه الخطأ، إذ ليس بعمد على الحقيقة، وإنما هو شبه العمد، ومن أهل العلم من لا يرى فيه القصاص، فهو وجه ما أمر به مالك من تبدئة هذه الرقبة على الوصايا. والله أعلم.
[مسألة: أوصى أن تباع جارية له ممن أحبت وأوصى مع ذلك بوصايا]
مسألة قال وسمعته يسأل عمن أوصى أن تباع جارية له ممن أحبت، وأوصى مع ذلك بوصايا، وله حائط لا يدري ما تبلغ غلته ولا يدري ما يدخل عليها من القول فيما أوصى لها به؟ فقالت: بيعوني من فلان فقومت بمائتي دينار، فقال الذي هويت أن يشتريها أنا أشتريها بمائتي دينار، ولي ثلث ثمنها؛ لأن الميت أوصى أن تباع ممن
стр. 5927
أحبت. قيل له: إنا نخاف أن يدخل عليها عول في ثلث ثمنها، فقال: يصير لها من ذلك ما صار، فهو لي، فبعناه إياها بمائتي دينار، وعلى هذا من الشرط، فقال: هو الآن لا يدري بكم اشتراها؟ ففيه شيء، ولكن الصواب عندي أن لو بعتموها إياه بمائتي دينار، على أن لها وصية فما صار لها منها دفعناه إليها، وهي جاريتك، فإن شئت أن تأخذه بعد أخذته، وإن شئت أن تتركه تركته فقيل له: إنه لم يوص لها بشيء، إنما أوصى أن تباع ممن أحبت، فقال: هذا الصواب عندي، فروجع في ذلك مرارا، فقال: كنت أرى هذا الصواب أن يقول: ولها وصية، فما صار لها هناك دفعناه إليها، ولا يقولون: فما صار لها دفعناه إليك، هذا الوجه والذي هو أحسن.
قال محمد بن رشد: بيع الجارية من الرجل الذي أحبت أن تباع منه على هذا الوجه الذي قاله مالك حسن. كما استحسنه، يصل المشتري به إلى ما أراده على وجه جائز، كأن حقيقة الوصية إنما هي لها، إذا القصد بها أن يصل بذلك أن يبتاعها من تحب أن تباع منه. ألا ترى أنه لو اشتراها بقيمتها ولم يعلم بالوصية لما كان له أن يرجع على الورثة، على ما قاله فوق هذا. وقد يفترق الحلال من الحرام، وإن كان المعنى المقصود إليه فيها سواء بافتراق اللفظ، إذا افترق بذلك الحكم. ألا ترى أنه لو قال الرجل للرجل الغائص في البحر: استأجرك بدينار على أن تغوص لي في هذا الموضع فتخرج هذه النحلات مملوءة مما أصبت في قعره لجاز؟ ولو قال له: غص في هذا الموضع وأخرج هذه النحلات مملوءة مما أصبت في قعره وهي لي بدينار لم يجز؛ لأن هذا بيع غرر، والأول إجارة صحيحة. والغرض فيها سواء إلا أن الأحكام في ذلك مفترقة، لمخالفة حكم البيع لحكم الإجارة. وسيأتي في رسم استأذن من سماع عيسى أنها تبدأ بثلث ثمنها على أهل الوصايا، حسبما يأتي القول عليه فيه إن شاء الله. وبه التوفيق.
стр. 5928
[مسألة: كم يوضع من ثمن الذي أوصى فيه أن يباع للعتق]
مسألة قال: سمعته يسأل كم يوضع من ثمن الذي أوصى فيه أن يباع للعتق، فقال: الثلث، مثل الذي يوصي فيقول: بيعوا عبدي ممن أحب، فقيل له: أرأيت إن لم يوجد من يشتريه إلا بوضيعة الثلثين؟ فقال: لا يباع ولا تنفذ له الوصية.
قال محمد بن رشد: في كتاب الوصايا الأول من المدونة لمالك من رواية ابن القاسم عنه: إنه يقال للورثة: إما أن تبيعوا بما وجدتم وإما أعتقتم من العبد ثلثه. وقال ابن القاسم: هذا مما لم يختلف فيه قول مالك. وقد اختلف قوله على ما في هذه الرواية عنه. فقول سحنون في المدونة: وقد بينا هذا الأصل باختلاف الرواية قبل هذا، أصح من قول ابن القاسم فيها: إن هذا مما لم يختلف فيه قول مالك؛ لأنه أصل قد اختلف فيه قوله. فمرة رد قوله: بيعوا عبدي ممن يعتقه أو ممن أحب، وصية للعبد، فقال: إن لم يرد الذي أحب العبد أن يباع منه أن يشتريه إلا بأكثر من وضيعة ثلث ثمنه، قيل للورثة: إما بعتموه منه بما أراد وإلا أعتقتم ثلثه، وإن لم يجد الورثة من يشتريه للعتق إلا بوضيعة أكثر من ثلث ثمنه، قيل لهم: إما بعتموه للعتق بما وجدتم، وإلا أعتقتم ثلثه، ومرة ردها وصية للمشتري في المسألتين، فقال: ليس على الورثة أكثر من أن يبذلوه للعتق، وللذي أحب العبد أن يباع منه بوضيعة الثلث، ومرة فرق بين المسألتين، فرأى قوله: يبيعوا عبدي ممن يعتقه وصية للعبد إن لم يجد الورثة من يشتريه للعتق بوضيعة الثلث، قيل لهم: إما بعتموه بما وجدتم، وإما أعتقتم ثلثه، ورأى قوله: بيعوا عبدي ممن أحب وصية للمشتري إن لم يرد من أحب العبد أن يباع منه أن يشتريه بوضيعة الثلث، وعلى هذا الاختلاف، يختلف إذا دخل العبد عول بعد بيعه ونفوذ العتق له هل يرجع بالعول على المشتري وينفذ العتق، أو على العبد، فيباع منه بما دخله من العول، ولا يكون على المشتري شيء؟ وسيأتي في
стр. 5929
سماع موسى بن معاوية، إذا بيع للعتق بوضيعة الثلث، ثم جاء درك على المالك من دين ثبت عليه، فالاختلاف في ذلك، هل يرجع على العبد أو على المشتري جار على هذا الاختلاف. وبالله التوفيق.
[مسألة: أوصى فقال رقيقي وثيابي لفلان مات وقد هلك بعض رقيقه]
مسألة قال: وسمعته يسأل عمن، ثم أوصى فقال: رقيقي وثيابي لفلان مات وقد هلك بعض رقيقه، وخلق بعض ثيابه، واستفاد رقيقا وثيابا غير ثيابه ورقيقه، فقال: للموصى له رقيقه الذين استفاد، وثيابه، ومما يبينه أن يوصي بسدس ماله فله سدس ماله يوم مات.
قال محمد بن رشد: قد تقدمت هذه المسألة والقول فيها مستوفى في آخر رسم الأقضية الثاني من سماع أشهب، وفي أول رسم الوصايا الذي يتلوه، والله الموفق.
[: توفي وأوصى إلى أخ له وترك ابنا فزوج العم ابن أخيه ابنته]
ومن كتاب الطلاق وسئل عمن توفي وأوصى إلى أخ له، وترك ابنا، فزوج العم ابن أخيه ابنته، فأمهرها من مال اليتيم مالا كثيرا، نحوا من نصف مال اليتيم، فكان الذي أصدقها خمسين دينارا، ثم مات العم الذي أوصي إليه باليتيم فأوصى بهما جميعا إلى رجل، فقال: ما كنت أرى أن يجوز ذلك، ولو فعل ذلك لغير ابنته لجاز ذلك، فأما ابنته يزوجها بيتيمه ويستكثر لها من الصداق، فلا أرى ذلك له، فقيل له: فإن الجارية قد فني مالها أفترى للذي أوصي إليه بها أن ينقص من ذلك المهر؟ فقال: أرى أن ينقص الذي أوصي بها إليه عشرين
стр. 5930
دينارا من الخمسين، ويكتب بذلك كتابا ويشهد عليه يقول: ذهب مالها، ورأيت ذلك خيرا له، فأرجو أن يكون من ذلك في سعة، فقيل له: أفترى أن ينفق عليها من مال زوجها فإنه قد ذهب مالها؟ فقال: أبلغ؟. فقيل قد راهق، فقال: لا أرى أن ينفق عليها من مال زوجها حتى يبلغ زوجها.
قال محمد بن رشد: إجازته في هذه الرواية للموصى لهما أن يرد الصداق إلى ما يرى نظرا لهما بما أشار به عليه، ويشهد على ذلك من فعله ونظره واجتهاده، دون أن يرفع ذلك إلى السلطان أو يحضر لفعله ذلك عدولا يشهدون له بالسداد بينهما فيما فعله، دليل بين أنه حمل فعله على السداد، خلاف قوله قرب آخر رسم الوصايا قبل هذا، وخلاف ما في القسمة من المدونة، مثل ما في كتاب الرهون منها، حسبما مضى هناك بيانه. وأما قوله: إنه لا ينفق عليها من مال زوجها حتى يبلغ، فهو مثل ما في المدونة، خلاف ما في مختصر محمد بن شعبان عن مالك، من أنه إذا بلغ الصبي الوطء وإن لم يحتلم، وجب عليه الدخول على زوجه، وبالله التوفيق.
[: أوصى بوصايا من دينارين وثلاثة فدخل المال العول]
ومن كتاب العتق قال وسمعته يسأل عمن أوصى بوصايا من دينارين وثلاثة، وأشياء غير ذلك، وأن يشتري رقبة مكفولة أو معينة بعينها بعين مكتوب هذا في وصيته، فدخل المال العول، فقال: أرى كل ما أوصى يدخله العول، إلا الرقبة لأنه قال فيها: مكفولة أو معينة بعينها فإذا دخلها العول، لم تكن مكفولة ولا معينة بعينها.
قال محمد بن رشد: لمالك في كتاب ابن المواز من رواية أشهب
стр. 5931
أيضا وكذلك لو قال مستعينه أو محوزه، قيل لأشهب: فإن قال: مستعينه ابتديها. فقال: نعم، وهذا بين لا إشكال فيه؛ لأن الواجب في الوصايا أن يتبع فيها قول الموصي، فلا يخرج عما يظهر من إرادته، وعلى قياس هذا لو أوصى بوصايا أن تعتق عنه رقبة بغير عينها، وتعطى بعد العتق دنانير مسماة، لوجب أن تبدأ الرقبة على الوصايا دون الدنانير التي أوصى لها بها، فيحاص بها أهل الوصايا ولا يبدأ بها، وبالله التوفيق.
[مسألة: أوصى أن يشترى عبد لبعض ورثته فيعتق عنه]
مسألة قال: وسألته عمن أوصى أن يشترى عبد لبعض ورثته فيعتق عنه، أيزاد الوارث مثل ثلث ثمنه؟ فقال لي: نعم، فقيل له: أرأيت إن كان العبد ذا ثمن يكون ثمنه مائتي دينار ألا يتهم على التوليج لوارثه؟ فقال: وهل يعلم هو أن وارثه يزاد في ثمن العبد مثل ثلث ثمنه؟ فقيل: نعم، هو يعلم ذلك، فقال: إنما هذا قضاء مضى به، ولم أسمع أن أحدا اتهم في مثل هذا. قال أشهب: لا أرى ما قال مالك في هذا صوابا، وأرى إن كان العبد الذي أوصى أن يعتق عنه خسيسا لا ثمن له حتى لا يتهم الميت أن يكون أراد بذلك وارثه، فأراد أن يزاد في العبد ثلث ثمنه، وإن كان ذا ثمن فإنه يتهم أن يكون أراد بذلك وارثه، فلا أراه يجوز له أن يزاد ثلث ثمنه على قيمته، إن شاء أن يبيعه بقيمته باعه وعتق، وإن أبى إلا أن يزاد لم يزد وبطل عتقه.
قال محمد بن رشد: قول مالك هذا خلاف ما في المدونة في البيوع الفاسدة والوصايا. وقال أشهب: يأتي على مذهبه فيها، ولو فرق في هذا بين الغلام الذي يعلم وجه الحكم فيه من الجاهل به لكان قولا. وبالله التوفيق.
стр. 5932
[مسألة: أوصى لرجل بما يصيب رجلا من ولده فهلك بعضهم قبل أن يهلك الرجل]
مسألة وقال في رجل أوصى لرجل بما يصيب رجلا من ولده وهم يومئذ خمسة، فهلك بعضهم قبل أن يهلك الرجل، والوصية على حالها: إن للرجل الذي أوصى له ما يصيب رجلا منهم يوم يموت الهالك فإن ولد له قبل أن يموت الهالك حتى يكونوا أكثر من عددهم يوم أوصى فله أيضا ما يصيب رجلا، وإن هلكوا إلا رجلا واحدا، فهو حينئذ إن أخذ مثل ما يأخذ هذا الرجل الباقي من ولده أخذ أكثر من الثلث. قال مالك: ليس له ذلك، ولكن له الثلث حينئذ، وإنما ينظر في ذلك يوم يموت الموصي، فيكون له مصابة رجل يوم مات.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قال: إنه إذا وصى له بمثل حظ أحد أولاده، فإنما له مثل حظ أحدهم يوم وجوب الوصية له قل عددهم أو كثر، لا يوم أوصى، إذ لم يوص له بجزء معلوم، ولو أوصى له بجزء معلوم لكان له ذلك الجزء من ماله يوم وجوب الوصية له بموته، لا تنقص منه ولا تزاد عليه. هذا ما لا اختلاف فيه لوجهين: أحدهما: أن القصد من الموصي في ذلك كله مفهوم معلوم، والثاني: أن الموصي محمول على أنه علم بزيادة ماله ونقصانه، وبنقصان عدد ولده وزيادتهم، فأقر وصيته في ذلك كله على حالها، ولم يغيرها، فوجب أن يعتبر في ذلك كله قل الأمر عليه يوم الموت، لا ما كان عليه يوم الوصية، ومن هذا المعنى إذا أوصى له بدنانير غير موصوفة، فحالت السكة بزيادة أو نقصان أو إلى خلافها في الصفة، أو أوصى له بكيل فزيد فيه أو نقص منه قبل موته، فروي عن ابن نافع فيمن أوصى بدنانير غير موصوفة، أنه يخرج عنه من السكة الجارية يوم موته، لا يوم وصيته، وذلك عندي إذا علم بما حالت إليه السكة قبل موته، فأقر وصيته ولم يغيرها على ما قال ابن كنانة في من أوصى لرجل بدنانير، فحال وزن الناس
стр. 5933
فصار يجوز بينهم أنقص من ذلك، أو أوزن، إنه إنما يعطى ما كان يجوز بين الناس بين موت الموصي إن كان يعلم جواز الناس يومئذ، وإن لم يكن يعلم فإنما للموصى له الوزن الذي كان يعلم به الموصي. قال: وكذلك في المكائل تتغير. وقد نزلت بطليطلة مسألة من أوصى لرجل بدنانير، فحالت السكة إلى سكة أخرى فشاور فيها فقهاء قرطبة، فأفتوا بوجوب الوصية من السكة الجارية يوم مات الموصي لا يوم أوصى وأقاموها من مسألة الخيش والمسح والخريطة الواقعة في آخر رسم أوصى من سماع عيسى، وليست تشبهها؛ لأن الوصية بذلك إنما كانت بحضرة وفاته، والخيش والمسح مملؤان طعاما والخريطة مملؤة دراهم، وإنما كانت تشبهها لو أوصى بهما والخيش والمسح مملؤان قمحا والخريطة مملؤة دنانير، فتوفى والخيش والمسح مملؤان شعيرا والخريطة مملؤة دراهم، وما أشبه ذلك. فمسألة الذي أوصى بجزء من ماله، أو بمثل نصيب أحد ولده، أشبه بها، وقد بينا وجه الحكم فيها، وبالله التوفيق.
[مسألة: يوصي بثلثه إلى رجل ليس بوارث له]
مسألة قال مالك في رجل يوصي بثلثه إلى رجل ليس بوارث له، لينفذه حيث سمي الهالك، فيريد الورثة أن يقوموا منه، ويقولون: نحن نتهمه، إن ذلك ليس لهم، إلا أن يكون فيما أوصى به عتاقة، أو شيء تبقى منفعته للوارث، فيكون لهم أن يقوموا معه؛ لأن الولاء يصير إليهم، ويتهمونه أن يقول: قد أعتقت، ولم يعتق عنه أحدا، فلهم القيام معه في العتاقة، فإن كان الوصي وارثا فلهم القيام معه في العتاقة وفي غيرها حتى ينفذ كل ما جعل إليه الهالك من العتق وغيره.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضى الكلام عليها مستوفى في أول سماع ابن القاسم، فلا معنى لإعادته. وبالله التوفيق.
стр. 5934
[مسألة: يهلك ويوصي للرجل بخمسين دينارا يتجر فيها سنة له ربحها]
مسألة قال مالك في الرجل يهلك ويوصي للرجل بخمسين دينارا يتجر فيها سنة له ربحها، وللهالك عليه خمسون دينارا حالة هو بها معسر، فيقول الورثة عليك خمسون دينارا حالة فإن أحببت أن تنقدناها ونعطيك الخمسين التي أوصى لك بها، وإن أحببت فهي نظرة لك سنة، إنه إن لم يكن بيده شيء يقبضونه منه، دفعت إليه الخمسون التي أوصى له بها، وابتغوا منه بعد ذلك الذي عليه إن وجدوا عنده شيئا.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله؛ لأنه إذا كان معسرا بالخمسين التي عليه كان من حقه أن يؤخر بها حتى يوسر لقول الله : ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] . فإن لزم الورثة أن يؤخروه بها، لزمهم أن يدفعوا إليه وصيته، ولو كان ميسرا بها لكان من حقهم أن يؤخروه بها في الوصية التي أوصى له بها، ولو كان ميسرا ببعضها، لكان من حقهم أن يؤخروه بما أيسر به منها، ويدفعوا إليه بقية الخمسين يتجر بها سنة، وكذلك لو كان عليه دين لغيرهم لكان من حقهم أن يحاصوا أهل الديون بجميع الخمسين، فما نابهم في المحاصة من ماله أخذوه ودفعوا إليه الخمسين يتجر بها سنة كما أوصى. وإن شاءوا نزعوا بيده ما صار لهم في المحاصة ووفوه بقية الخمسين يتجر بها سنة، كما أوصى له به موروثهم. وفي آخر رسم التسمية من سماع عيسى مسألة من هذا المعنى سنتكلم عنها إذا مررنا بها إن شاء الله وبه التوفيق.
стр. 5935
[مسألة: توفي وترك مالا وورثة وأوصى إلى رجل]
ومن كتاب الأقضية وسئل عمن توفي وترك مالا وورثة وأوصى إلى رجل، كيف ترى أن ينفق عليهم؟ قال: ينفق على كل إنسان من مصابته بقدره، ليس الصغير كالكبير، فقيل له: من قدر حصته؟ فقال: ينفق عليه من حصته، وليس الصغير في ذلك كالكبير.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال، وهو مما لا إشكال فيه؛ لأن نفقة كل واحد منهم على نفسه، بقدر ما يحتاج إليه من ماله، قل أو كثر، فلا يصح أن تكون النفقة عليهم من جملة المال ملغاة، إذ لا يلزم أن يحمل بعضهم شيئا من ذلك عن بعض، وبالله التوفيق.
مسألة وسألته عمن أتاه أخ له من إخوته بكتاب وصيته، قد طبع عليها، فيقول له: اكتب شهادتك في أسفله على إقراري أنه كتابي، ولا يعلم الشاهد ما فيها، فيكتب شهادته في أسفلها على إقراره أنها شهادة وصيته. أترى أن يشهد بها؟ فقال: إن لم يشك في خاتمه، فليشهد، وإن شك فلا يشهد إذا كانت الوصية ليست عنده. قلت له: كيف لا يشك في الخاتم إذا غاب عنه؟ فقال: لا أدري إن شك فلا يشهد. وإن تيقن أنه خاتمه بعينه لم يفض فليشهد. قال: وكان من أمر الناس القديم إجازة الخواتم، حتى إن كان القاضي لم يكتب للرجل بالكتاب إلى القاضي، فما يزيد على خاتمه، فيجاز له، حتى أحدث عند اتهام الناس الشهادة على خاتم القاضي أنه خاتمه، وأن أول من أحدثه أمير المؤمنين وأهل بيته.
стр. 5936
قال محمد بن رشد: قوله: إن لم يشك في خاتمه أنه خاتمه، فليشهد، معناه: إن لم يشك في الطبع الذي أشهد هم عليه أنه هو بعينه لم يفض فليشهد، يبين ذلك قوله: وإن تيقن أنه خاتمه بعينه لم يفض فليشهد، وهذا ما لا سبيل للشاهد إلى تيقنه إذا لم تكن الوصية عنده، وقد بين ذلك بقوله: قلت له: وكيف لا يشك في الخاتم إذا غاب عنه؟ فقال: لا أدري، إن شك فلا يشهد، فذلك يرجع من قوله: إنه لا يجوز للشهود إذا أشهدوا على وصية مطبوع عليها أن يشهدوا فيها، إلا أن تكون الوصية عندهم قد دفعها الموصي إليهم على ما وقع في المدونة من قول مالك في رواية ابن وهب عنه: وإذا دفعها إليهم فدفعوها إلى أحدهم أو إلى من وثقوا به من غيرهم فكانت عنده، جاز لهم أن يشهدوا عليها. روى ذلك عبد الرحمن بن دينار عن ابن الماجشون. والذي يتوقع من هذا إذا شهد الشهود. على الوصية، وهي مطبوع عليها، ولم يدفعوها إليهم، وأمسكها عند نفسه أن يكون طبع عليها وهي بيضاء، فيكتب فيها بعدما شاء، ولعل غيره أيضا من أهله قد قبض خاتمه وكتب فيها ما شاء، وطبع عليها بذلك الخاتم، فلو طبع الشهود عليها مع طابعه لجاز لهم أن يشهدوا عليها إذا عرفوا خواتمهم. قال ذلك ابن الماجشون. والذي استحسنه الشيوخ ومضى عليه عمل الناس أنه إذا طوى الكتاب من أوله إلى موضع الإشهاد على نفسه، فطبعه، وقد أبقى الأشهاد على نفسه خارج الطبع، وكتب الشهود شهاداتهم على ذلك، فأمسك الموصي الوصية عند نفسه، فوجدت بعد موته خطا واحدا وعملا واحدا على صفة التقييد الذي كان خارج الطبع، ولم يظهر في الكتاب ريبة، جاز للشهود أن يشهدوا عليه، بخلاف إذا لم يبق من الكتاب خارج الطبع ما يستدل به على أن الوصية كانت مكتوبة، ولم تكن مطبوعة على بياض، ولو أراهم الوصية مكتوبة، وكتبها بحضرتهم فطبع عليها، وأشهدهم على نفسه بما فيها دون أن يقرأها عليهم أو يعلمهم بشيء مما فيها، فكتبوا شهادتهم فيها، لجاز لهم أن يشهدوا عليها بعد موته، وإن لم يدفعها إليهم وكانت عنده إلى أن توفي باتفاق
стр. 5937
إذا ذكروا الشهادة وعرفوا الكتاب على ما رواه ابن القاسم عن مالك في الوصايا الأول من المدونة، وأما إذا لم يذكر الشهادة ولا عرف الكتاب، إلا أنه عرف خطه في شهادته، فيجري ذلك على الاختلاف في شهادة الشاهد على خطه إذا لم يذكر الشهادة.
وقد مضى تحصيل ذلك في رسم الشجرة تطعم بطنين في السنة ضمن سماع ابن القاسم من كتاب الشهادات. وقد ذكر البخاري عن الحسن وأبي قلابة أنهما كرها أن يشهد على وصية حتى يعلم ما فيها؛ لأنه لا يدري لعل فيها جورا، وكذلك استحب للعالم أيضا إذا أشهده المتعاملان على أنفسها في كتاب ذكر الحق مما تعاملا فيه، لا يكتب شهادته، إذ الشهادة على أنفسهما بما تضمنه وأقرا عنده بمعرفة ما فيه، حتى يقراه، لئلا تكون المعاملة في ذلك بينهما فاسدة. وقوله في الشهادة على كتاب القاضي: إن أول من أحدثه أمير المؤمنين وأهل بيته، يريد بني العباس وفى البخاري: إن أول من سأل البينة على كتاب القاضي ابن أبي ليلى وسوار بن عبد الله العنبري. وأجاب ابن حبيب: الكتاب يأتي إلى القاضي من أعراض المدينة بمعرفة الخط ومعرفة الختم، وبالشاهد الواحد إذا لم يكن صاحب القضية لقرب المسافة، واستدراك ما يخشى من التعدي وقال بذلك ابن نافع وابن كنانة في الحقوق اليسيرة، وبالله التوفيق.
[مسألة: ابتاع رقبة للعتق فأعتقها عمن أوصى إليه]
مسألة قال: وسئل عمن ابتاع رقبة للعتق، فأعتقها عمن أوصى إليه أن يعتق عنه رقبة، ثم لحق تلك الرقبة عول سبعة عشر دينارا بعد ما عتقت، فقال: يمضي العتق، فيكون على الذي اشتراه فأعتقه سبعة عشر دينارا غرما عليه، فقال الرجل: أترى الغرم علي يا أبا عبد الله؟ فقال: نعم، إن الغرم عليك، فقال وكيف يكون الغرم
стр. 5938
علي وأنا إنما اشتريته لغيري في سوق المسلمين ببيع السلطان؟ فقال: أنت جعلت نفسك بهذه المنزلة، وأرى ذلك عليك، ولو شئت لم تشتره. فقال: وجدت أن يكون بيع السلطان أسلم لي، فقال له: قد أخطاك ذلك، فقال أفترى الغرم علي؟ قال: نعم.
قال محمد بن رشد: قوله: إن الغرم في ذلك على الوصي، خلاف مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك في المدونة لأنه قال في الذي يوصي أن يحج عنه، فينفذ الوصي ذلك، ثم يستحق رجل رقبة الميت، إنه إن كان الميت حرا عند الناس يوم التنفيذ، فلا يضمن له الوصي شيئا، ولا الذي حج عن الميت، وكذلك قال أيضا فيها في الذي يوصي أن يحج عنه فيدفع الوصي المال إلى عبد ليحج به عن الميت، وهو يظنه حرا، إنه لا ضمان عليه، والذي يأتي في هذه المسألة على ما في المدونة من أن الوصي لا ضمان عليه، إلا أن يفرط أو يتعدى أن يباع من الرقبة بالسبعة عشر دينارا التي لحقها من العول، وينفذ حرية باقيها، على قياس ما قاله في سماع موسى بن معاوية من هذا الكتاب، في الذي يوصي أن يباع غلامه رقبة، فبيع رقبة، ووضع المشتري ثلث الثمن، فأعتقه، ثم جاء درك على الهلاك من دين ثبت عليه، أنه يباع من العبد قدر ثلث الدين إن كان العبد ثلث المال، ويؤخذ من الورثة ثلثا الدين، وإن كان العبد أقل من ثلث المال، فعلى حساب ذلك؛ لأنه بنى جوابه في ذلك على أن الموصي لا ضمان عليه، على أن الوصية إنما هي للعبد، لا للمشتري، خلاف ما ذهب إليه ابن كنانة أن الوصية إنما هي على المشتري، الذي حط عند ثلث ثمنه، فيرجع بذلك عليه ويمضي عتق العبد، ولا يباع منه شيء، وقول ابن كنانة هذا يأتي على مما أوصى في رسم الوصايا من هذا السماع، إنه إن لم يوجد من يشتريه، إلا بوضيعة الثلثين، لا يباع ولا ينفذ له الوصية. وقد مضى الكلام على هذا هنالك. وظاهر ما في رسم الأقضية من سماع يحيى أنه لا ضمان على الوصي،
стр. 5939
مثل ما في المدونة وقول غير ابن القاسم في المدونة، وهو أشهب ليبين جهلهم، يريد: إلا وصاياه الذي يزيد عنهم الضمان، مثل روايته هذه عن مالك في أن السبعة عشر دينارا لعول يكون على الوصي، ورأيت لابن دحون أنه قال: إنما لزمه السبعة عشر دينارا لأنه فرط، إن لم يكشف الأمر قبل العتق، ولو علم أنه لم يفرط وأنه اجتهد في فعله لم يلزمه شيء، ورد من رقبته المعتقة بقدر الدين، ولا اختلاف عندي في أنه ضامن إذا تبين تفريطه، وإنما الاختلاف إذا لم يتبين ذلك، فحمله على التفريط في هذه الرواية وضمنه وهو قول أشهب في المدونة على ما ذكرناه، وحمله في المدونة على غير التفريط فلم يوجب عليه ضمانا، ولا اختلاف في ذلك من قول ابن القاسم منصوص عليه قرب آخر الرسم الأولى من سماع أصبغ في الوصي يشتري الرقبة فيعتقها عن الميت، فيستحق رجل نصفها ويأخذه؛ لأنه قال فيما حكى عنه أصبغ مرة: إنه يقوم على الوصي، وقال مرة: إنه يقوم على الورثة لا على الوصي، وإياه اختار أصبغ، وفي سماع أبي زيد: إن الوصي ضامن إذا اشترى نصرانية فأعتقها عن رقبة واجبة عن الميت، قال: لأنه فرط حين لم يسأل ويستحضر، وهو مثل أحد القولين. وفي قوله في الرواية: وكيف يكون الغرم علي وإنما اشتريته في سوق المسلمين ببيع السلطان إلى آخر قوله نظر إذ لا فرق فيما يوجبه الحكم فيما يلحق الرقبة من العول بين أن يشتريها فيما يبيع السلطان، أو ممن يبيع ماله. وكان مالك في ظاهر قوله قد سلم له اعتراضه، إذ لم يرده عليه بأن يقول له: وأي فرق بين أن يشتريها بما يبيع السلطان أم لا إذا لحقها العول؟ ولم يذهب مالك إلى تسليم اعتراضه، إذ لا يصح أن يسلم، وإنما ضرب على ذلك إذ رأى فساد اعتراضه فقال له: أرى ذلك عليك لو شئت لم تشتره أي لو شئت لم تشتره حتى يثبت فيعلم السلامة من أن يلحقها عول، وبالله التوفيق.
стр. 5940
[: وصية عمر بن الخطاب إلى حفصة زوج النبي]
ومن كتاب الطلاق قال مالك: أوصى عمر بن الخطاب إلى حفصة زوج النبي ﷺ . قال مالك: وأرى فعل ذلك لمكانها من رسول الله ﷺ .
محمد بن رشد: تأويل مالك ﵀ بين، إذ لا شك في أن لها بكونها زوجة لرسول الله ﷺ مزية على سائر أولاده. وبالله التوفيق.
[مسألة: أخوين مرض أحدهما وأوصى لآخر صحيح فزوج المريض ابنه بنت أخيه]
مسألة وسئل عن أخوين مرض أحدهما وأوصى لآخر صحيح، فزوج المريض ابنه بنت أخيه، وضمن الصداق عن ابنه وزوج الصحيح ابنه بنت أخيه وضمن الصداق على ابنه، وأعتق المريض أم ولده، وأصدقها ألفي درهم، ثم مات، فقال مالك: أما المريض الذي ضمن الصداق عن ابنه، فليس بجائز، والنكاح الذي أنكح ابنه جائز لازم، والمال الذي ضمن وسمى ليس بجائز في ماله، إن أحب الابن أن يعطي ذلك الصداق من مال نفسه جاز ذلك، وإن كره فارق ولا شيء عليه، وأما الذي أعطاه الأخ الآخر من مال نفسه وضمن وهو صحيح، فذلك جائز ثابت؛ لأنه يقضي في ماله ما بدا له، وأما ما ذكرت من عتق المريض أم ولده في مرضه، ونكاحه إياه في مرضه، فإن عتقه جائز؛ لأنها تعتق من بعد موته، لما مضى في ذلك من السنة، ولا يحسب في ثلثه ولا في غيره من رأى ماله، فأما نكاحه إياها فليس بجائز، ولا صداق لها ولا ميراث في ثلث ولا غيره من رأس ماله، إلا أن يكون دخل بها، فإن كان دخل
стр. 5941
بها، رأيت صداقها من الثلث مبدأ على أهل الوصايا. قلت له: أرأيت لو كان ذلك الصداق أكثر من صداق مثلها؟ قال: أرى ذلك كله لها، قلت له، وراجعته: فقال: ما شأنه أعطاها ذلك. فقلت: أرى أن يوجد لها ما أعطاها، وهو أضعاف صداقها بالدخول، فقال: إنما يكون ذلك كله لها وإن كان ذلك أكثر من صداق مثلها.
قال محمد بن رشد: قوله في المريض الذي زوج ابنه بنت أخيه، وضمن الصداق عنه: إن ذلك ليس بجائز، معناه: إن ذلك لا يلزم ورثته إن مات من مرضه ذلك، ولهم أن يردوه؛ لأنه وصية لوارث، وقوله: والنكاح الذي أنكح ابنه جائز لازم للزوجة، إن رضي الابن أن يعطي الصداق من ماله إن كان كبيرا أو رأى ذلك الوصي إن كان صغيرا، ولا اختلاف في أن الصداق لا يجب للابن في مال الأب إن مات من مرضه، وحمل عنه الصداق، فقيل؟ إنها وصية للبنت لا تجوز، إلا أن يجيزها الورثة. وقيل: إنها وصية للزوج تجوز له من ثلثه، إلا أن يكون الصداق الذي سمى لها، وحمله عن الزوج أكثر من صداق مثلها، فيكون الزائد على صداق مثلها وصية لها باتفاق، لا تجوز إلا أن يجيزها الورثة.
وقد مضى هذا كله والقول عليه مستوفى في رسم العرية من سماع عيسى من كتاب النكاح. وقد قال مالك في المدونة فيما يضمن الأب عن ابنه في مرضه: لا يعجبني هذا النكاح. ووجه كراهيته له ما دخله من الخيار. ووجه القول الآخر أنه خيار لم ينعقد عليه النكاح، وإنما وجب الحكم، فلم يكن فيه تأثير كالسفيه، يتزوج بغير إذن وليه، والعبد بغير إذن سيده. وأما الصحيح إذا زوج ابنه ابنة أخيه، فضمن عنه الصداق، أو زوج ابنته ابن أخيه، فضمن عنه الصداق، فلا اختلاف في لزوم الصداق، وجواز النكاح، وكذلك إذا فعل ذلك في مرضه فصح ولم يمت من ذلك المرض. وقوله في
стр. 5942
الذي أعتق أم ولده في مرضه وتزوجها فيه: إن العتق جائز، فلا صداق لها ولا ميراث في رأس مال ولا ثلث، صحيح لا اختلاف فيه. وأما قوله: إلا أن يدخل بها فيكون لها الصداق من الثلث مبدأ على أهل الوصايا وإن كان ذلك أكثر من صداق مثلها، فهذا يختلف عنه في موضعين: أحدهما: في الزائد على صداق المثل، قيل: إنه يبطل، وهو ظاهر ما في كتاب الأيمان بالطلاق من المدونة. وقيل: إنه يكون لها غير مبدأ، وهو قول أصبغ. وروي ذلك عن ابن القاسم، وقيل: إنه يبدأ جميع ما سمى لها وإن كان أكثر من صداق مثلها، وهو قوله في هذه الرواية وقول ابن الماجشون،. ورواية ابن نافع، وعلي بن زياد، وابن عبد الحكم، عن مالك، واختيار سحنون. والموضع الثاني قوله: إنه يبدأ على جميع الوصايا، فقيل: إنه يبدأ على جميعها المدبر في الصحة وغير ذلك، وقيل: إنه يبدأ على جميع الوصايا، حاشا المدبر في الصحة، فإنه يبدأ عليه، وقيل: إنه لا يبدأ أحدهما على صاحبه، والثلاثة الأقوال لابن القاسم، وبالله التوفيق.
[مسألة: أوصى بثلث ماله لرجال من ربع الثلث وجزء من الثلث]
مسألة وسئل عمن أوصى بثلث ماله لرجال من ربع الثلث، وجزء من الثلث، حتى استوعبه وأوصى لجارية له وغلام، أن يباعا ممن أحبا، وترك مدبرة، فوجد جميع الثلث مائتا دينار، فقال: يبدأ بالمدبرة، فتخرج حرة بقيمتها خمسين دينارا وبقيت خمسون ومائة دينار من الثلث فيتحاص فيها أهل الوصايا، فالذين أوصى لهم بالثلث بمائتي دينار، وهو ثلث المال، والجارية والغلام اللذان أوصى لهما أن يباعا ممن أحبا يحاصان الذين أوصى لهم بثلث أثمانهما بالغ مبلغ، يتحاصون في ذلك أهل الوصايا بالمائتي دينار، والجارية والغلام بثلث أثمانهما. قيل له: إنه قد كان قضى في
стр. 5943
العبد أن يبتاع بثلثي ثمنه ممن أحب، وأعتقه المشتري الذي اشتراه، فقال: أرأيت إن قضى القاضي بالخطأ لا يرد؟، فقيل: فكيف ترى؟ قال: أرى أن يأخذ ذلك العول الذي يصيب العبد ممن اشتراه فأعتقه، ولا يكون على العبد شيء، يؤخذ ذلك ممن اشتراه فأعتقه، يقال له: أنت أعتقته، ولو شئت لم تعتقه، قيل له: مما وضع عن المشتري في مثل هذا فهو له، ليس للعبد منه شيء، فقال: نعم، يوضع عن المشتري ثلث ثمن العبد، وذلك الذي أوصى به الميت للمملوك.
قال محمد بن رشد: ما قاله من أن المدبرة تبدأ في الثلث، ثم يتحاص أهل الوصايا في الباقي، فيضرب فيه الموصى لهم بالثلث، والجارية والغلام اللذان أوصى لهما أن يباعا ممن أحبا بثلث أثمانهما صحيح، لا إشكال فيه؛ لأنه هو الذي يكون من حقهما أن يوضع عمن أحبا أن يباعا منه، إذا لم يرد أن يشتريهما إلا بوضيعة من أثمانهما، وقد قيل: إن الجارية والغلام يبديان على أهل الوصايا بثلث أثمانهما. قاله ابن القاسم بعد هذا في رسم استأذن، وهو الذي يأتي على القول بأنها وصية لهما إن لم يرد الذي أحبا أن يباعا منه أن يشتريهما بوضعية الثلث، قيل للورثة: إما بعتموهما بما أراد، وإما أعتقتم منها أثلاثهما. وأما قوله: إنه إن بيع العبد بثلث ثمنه فأعتقه المشتري قبل المحاصة، إن ما دخله من العول في المحاصة يؤخذ ممن اشتراه فأعتقه، فالوجه في ذلك أنه رآها وصية للمشتري لا للعبد، ولو رآها وصية للعبد لقال: إنه يباع بما أصابه من العول في المحاصة، ولا يكون على المشتري شيء كما قال في سماع موسى بن معاوية في الذي أوصى أن يباع عبده رقبة، فبيع ووضع عن المشتري ثلث الثمن، ثم جاء درك على الهالك من دين ثبت عليه، إنه يباع من العبد ما نابه من الدين، ولا يرجع على المشتري بشيء.
стр. 5944
ويتحصل في المسألة ثلاثة أقوال: أحدها: أنها وصية للمشتري في المسألتين جميعا لا للعبد، فيرجع بالعول عليه، لا على العبد. والثاني: أنها وصية للعبد في المسألتين جميعا، فيرجع عليه بالعول لا على المشتري، ويباع منه بما نابه من العول. والقول الثالث: أنها وصية للعبد إذا أوصى أن يباع ممن أعتقه، فيكون الرجوع بالعول عليه، ووصية للمشتري، إذا أوصى أن يباع ممن أحب، فيكون الرجوع على المشتري لا على العبد.
وقد مضى بيان هذا في رسم الوصايا من هذا السماع، فقف عليه وبالله التوفيق.
ثم الثاني من الوصايا والحمد لله والصلاة الكاملة على سيدنا ومولانا النبي الكريم والحمد لله رب العالمين.
стр. 5945
[: كتاب الوصايا الثالث] [ أوصى فقال لفلان كذا وكذا وفضلوا فلانا]
من سماع عيسى بن دينار من ابن القاسم
من كتاب أوله نقدها قال عيسى بن دينار: وقال ابن القاسم في رجل أوصى. فقال: لفلان كذا وكذا، وفضلوا فلانا، قال: أرى أن يفضل على أكثرهم وصية على قدر المال.
قال محمد بن رشد: قوله: أرى أن يفضل على أكثرهم وصية على قدر المال، يدل على أنه أوصى لجماعة بشيء سماه لكل واحد منهم. وقال: فضلوا فرأى أن يفضل على أكثرهم وصية على قدر المال بالاجتهاد، ويتخرج فيها قول آخر، وهو أن يفضل بمثل ثلث أكثرهم وصية، وذلك أن ابن حبيب حكى عن أصبغ فيمن أوصى لرجل بوصية، ثم كلم أن يزيده فقال: زيدوه، ثم مات ولم يسم ما يزاد، قد قيل: يزاد مثل ثلث وصيته، ولا أراه، ولكن يزاد بقدر المال وقدر الوصية بالاجتهاد، مع مشورة أهل العلم، ولا فرق بين المسألتين، والقول باعتبار الثلث في ذلك حسن؛ لأنه آخر حد اليسير، وأول حد الكثير، وإذا زاد أحد الموصى لهما على الآخر، فقد فضله عليه، فلا فرق بين التفضيل والزيادة، والظاهر من الزيادة اليسير، فوجب ألا يزاد على الثلث الذي هو آخر حده. وبالله التوفيق.
стр. 5946
[مسألة: أوصى فقال لفلان عشرة ولفلان ما بقي من ثلثي]
مسألة وقال في رجل أوصى فقال: لفلان عشرة، ولفلان ما بقي من ثلثي، فمات صاحب العشرة قبل الموصي، قال: يحاص بالعشرة، مات الموصى له بها قبل الموصي أو بعده، علم الموصي أو لم يعلم، وهو بمنزلة ما لو أوصى ببعير أو بعبد لرجل، وأوصى ببقية الثلث لرجل، فمات البعير أو العبد قبل الموصي أو بعده. فإن الموصى له ببقية الثلث، يحاص بالبعير وبالعبد الميت، علم بموته الموصي أو لم يعلم.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة بينة لا يدخل فيها اختلاف قول مالك في المدونة فيمن أوصى لرجل بعشرة ولرجل آخر بعشرة وثلث عشرة، فمات أحد الموصى لهما قبل الموصي إنه قال مرة للباقي العشرة كلها ومرة قال: له نصف العشرة، ومرة فرق بين أن يعلم الموصي بموت أحد الموصى لهما أو لا يعلم، فإن علم كانت له العشرة، وإن لم يعلم لم يكن له إلا نصفها الواجب له بالمحاصة؛ لأن هذا إنما أوصى له بما بقي من الثلث بعد. العشرة، أو بعد البعير وبعد العبد، فلا يكون له أكثر من ذلك، صحت الوصية بالعشرة وبالبعير وبالعبد أو لم تصح. ومسألة المدونة إنما أوصى لكل واحد منهما بعشرة، ولم يبدأ أحدهما على الآخر فمرة رأى للباقي العشرة كلها؛ لأن الثلث يحملها، ومرة لم ير له إلا نصفها؛ لأن الورثة ينزلون منزلة الموصى له الآخر. إذا مات قبل الموصي، أو لم يقبل الوصية. وقد قال ابن دحون. كل ما ذكر فيه بقية الثلث، فإن الموصى له يحتسب عليه الورثة ما مات من مدبر أو من معتق كان في الوصية مات قبل الموصي أو بعده، فإن بقي له بعد ذلك شيء أخذه، وإلا فلا شيء له، فإن كان معه أهل وصايا مسماة، كانت لهم وصاياهم من الثلث كاملا، ولا يحاسبون بما مات من المعتقين والمدبرين، ماتوا قبل الموصي أو بعده يأخذون وصاياهم من
стр. 5947
الثلث كاملا، يحتسب على من أوصى له ببقية الثلث بمن مات من مدبر أو من معتق، ويأخذ ما بقي بعد ذلك إن بقي شيء. وقول ابن دحون صحيح، وهو بين في رسم إن أمكنتني من هذا السماع بعد هذا وبالله التوفيق.
[مسألة: يشتري أباه في مرضه بأكثر من الثلث ثم يموت]
مسألة وقال في الذي يشتري أباه في مرضه بأكثر من الثلث، ثم يموت، قال ابن القاسم: البيع جائز لا يرد، فإن خرج من الثلث عتق منه ما حمل الثلث، ورق ما بقي للورثة، فإن كان الورثة ممن يعتق عليهم، عتق ما بقي عليهم.
قلت فإن كان ثمن الأب ما له كله وورثه ممن يعتق عليهم، أيجوز الاشتراء؟ قال: الاشتراء جائز، ويعتق عليهم. وسئل عنها سحنون، فقال: اختلف الرواة فيما اشتراه الرجل في مرضه ممن يعتق عليه. أخبر ابن وهب في الرجل يشتري في مرضه ابنه أو بعض من يرثه، فقال: إن كان المشتري يحجب من يرث المشتري حتى يصير جميع الميراث له، كان ابنه أو غير ابنه، إذا كان كما وصفت لك، فإنه يجوز له أن يشتريه بجميع ماله أو بما بلغ، ويعتق عليه، ويرث ما بقي إن بقي شيء. قال لي ابن وهب: وإن كان ثم من يشركه في ميراثه ولا يحجبه، فلا يجوز له أن يشتريه إلا بالثلث، فإن اشتراه بالثلث لم يصر له من الميراث قليل ولا كثير؛ لأنه إنما يعتق بعد موت المشتري، وقد صار المال لغيره. قال سحنون: وقال لي أشهب: لا يجوز له أن يشتريه إلا بالثلث، كان ممن يحجب أو ممن لا يحجب، فإذا اشتراه بالثلث لم يصر له من الميراث قليل ولا كثير، ولا يكون له من الميراث شيء. وقال لي غيرهما من الرواة:
стр. 5948
كل من يجوز له استلحاقه، جاز له اشتراؤه بجميع ما يملك، شاركه في الميراث غيره أو لم يشاركه؛ لأنه لو استحلقه ثبت ميراثه ونسبه. وسألت عنها ابن القاسم، فقال لي: إذا اشتراه وكان الثلث يحمله جاز اشتراؤه، وعتق وورث بقية المال إن كان وحده، وإن كان مع غيره أخذ حصته من الميراث.
محمد بن رشد: قوله في الذي يشتري أباه في مرضه بأكثر من الثلث ثم يموت: إنه إن خرج من الثلث عتق وورث، يدل على أنه يرث إن خرج من الثلث، وإن لم ينظر فيه إلا بعد الموت، والوجه في ذلك أنه لما كان وجه الحكم فيه عنده أن ينظر فيه قبل الموت، فإن حمله الثلث عجل عتقه، كان إذا نظر فيه بعد الموت فوجد ثلثه يحمله، كشف الغيب أن الحرية قد كانت وجبت له قبل موته، فوجب أن يرث.
وقد مضى الكلام على هذه المسألة مستوفى في صدر رسم الوصايا الثاني من سماع أشهب. وقد ذكرنا هنا كاعتراض قول ابن وهب هذا، فلا معنى لإعادة شيء من ذلك، وبالله التوفيق.
[مسألة: أوصى لرجل بوصية فبلغ ذلك أبا الموصى له]
مسألة قال عيسى: وقال ابن القاسم في رجل أوصى لرجل بوصية، فبلغ ذلك أبا الموصى له، فوهب الموصي عبدا شكرا له لما أوصى به لابنه، فأعتقه الموصي، ثم مات، فإذا الوصية أكثر من الثلث، فأبى الورثة أن يجيزوا. قال: يمضي عتق الغلام ويخير الورثة بين الوصية يمضونها وبين قيمة الغلام يدفعونها، فإن كانت قيمة الغلام أكثر من الثلث، عتق منه ما حمل الثلث، وكان بقيته للورثة رقيقا، قال: ولو كان الغلام قائما بعينه لم يعتقه، وكان الثلث أقل مما
стр. 5949
أوصى له به، خير الورثة بين أن يمضوا الوصية، وبين أن يردوا العبد إذا لم يعتق.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة فيها نظر. وجواب ابن القاسم فيها خارج عندي عن الأصول؛ لأن الوصية لم يحملها الثلث، كأن الورثة قد استحقوا منها ما زاد على الثلث، وأب الوصي لم يهب العبد للموصي إلا على أن تتم الوصية لابنه، فكان وجه النظر فيها إن لم يحمل الثلث الوصية أن يكون بالخيار بين أن يجيزوا الوصية، وبين أن يردوا إلى أب الموصى له من قيمة عبده إذا فات بالعتق قدر ما نقص الموصى له من الوصية، كمن باع عبدا بدار، فاستحق بعض الدار، وقد فات العبد بعتق. مثال ذلك، أن يكون الموصي أوصى لرجل بدار، قيمتها مائة، فوهب أبو الموصى له للموصي عبدا قيمته مائة، شكرا على ما أوصى به لابنه، فأعتقه الموصي في صحته، ثم مات فتبلغت تركته بالدار الموصى بها مائتين، فيقال للورثة: إما أن تجيزوا له الوصية بالدار، فلا يكون عليكم في العبد شيء، وإما أن تنخلعوا من الثلث للموصى له شائعا أو في الدار، فيحصل للموصى له منها ثلثاها فيجب عليكم أن تؤدوا إلى أبي الموصى له ثلث قيمة العبد، إذ قد استحققتم من الوصية التي هي عوض العبد الذي قد فات بالعتق ثلثها، وكذلك لو كان العبد قائما بعينه، لم يعتقه الموصي على مذهب ابن القاسم، إذ لا يرجع عنده في عين العبد بمقدار ما نقص من الوصية إذا لم يجزها الورثة لضرر الشركة، وعلى مذهب أشهب، يرجع في العبد بقدر ذلك، فيكون به شريكا فيه، ولو أعتق الموصي العبد في مرضه، وقيمته الثلث فأكثر، لعتق منه ما حمل الثلث وكان باقيه رقيقا للورثة، وسقطت الوصية بالدار للموصى له بها، لكون العتق مبدأ عليها، ولزمهم غرم جميع قيمة العبد للأب إن لم يجيزوا الوصية بالدار لابنه. وقد رأيت لابن دحون، أنه سلم هذه المسألة من الاعتراض فقال في قول ابن القاسم فيها: معناه، يدفعون القيمة إلى الابن -
стр. 5950
الموصى له؛ لأن الأب قد وهب ذلك لابنه، إذ أخرجه من يده شكرا عن ابنه إذ أوصى له، وليس ذلك عندي بينا؛ لأن الأب لم يهب العبد لابنه، وإنما وهب للموصي جزاء على وصيته لابنه، فالحق في ذلك إنما هو للأب؛ لأنه يقول: إنما وهبت له العبد لسروري بوصيته لابني، فالحق في ذلك إنما هو له، لا للابن، فإن مات نزل ورثته في ذلك منزلته. ووجه ما ذهب إليه ابن القاسم، إن الأب يقول: إنما وهبت له العبد لتحصل الوصية لابني كاملة، ولو علمت أن الثلث لا يحملها، وأن الورثة لا يجيزونها لم أهبه شيئا، والذي ذكرته هو وجه القياس. والله أعلم. وبالله التوفيق.
[مسألة: يوصي لرجل بمائة دينار هي له عليه دين]
مسألة وعن الرجل يوصي لرجل بمائة دينار، هي له عليه دين، ويوصي لقوم بوصايا، ثم يرسل إلى الذي عليه المائة، فيأخذها منه في مرضه، ثم يموت، فيطلب الرجل المائة، وقد أنفقها الموصي، أو استودعها رجلا، فقال: لا وصية له، إن كان قال: ما لي على فلان فهو له، ثم أخذه منه، فليست له وصية. وهو أمر رجع فيه، إلا أن يكون أوصى بمائة مبهمة، أو عرفت المائة بعينها، لم تحرك، وإنما مثل ذلك مثل الرجل يوصي للرجل بدين لي على رجل آخر، فيقول: ما لي على فلان فهو لفلان، فإن أخذه فأنفقه فلا شيء له، وإنما نفقته إياه بمنزلة ما لو وهبه لغيره وإن لم ينفقه واقتضاه، فكان على حاله فالوصية له.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال إنه إذا أوصى لرجل بمائة دينار له عليه، فأخذها منه، إن أخذه إياها منه رجوع منه في الوصية له بها، إذ لا وجه لأخذها منه إلا الرجوع فيها، فسواء أنفقها أو لم ينفقها، فكانت عنده، أو استودعها. ومعنى قوله: أو عرفت المائة بعينها، لم تحرك أي لم تقبض
стр. 5951
وعرف أنها باقية عنده على ما أوصى بها ويختلف، هل يحاص الورثة بها أهل الوصايا إن كان الثلث لا يحملها كلها أم لا؟ على اختلاف قول مالك في المدونة في الذي يوصي لرجلين بعشرة عشرة، وثلاثة عشر فيموت أحدهما في حياة الموصي، ويعلم ذلك قبل موته. وأما إذا أوصى لرجل بمائة له على رجل آخر، فلا تبطل وصية له بها بقبضه إياها إذا لم ينفقها ووجدت عنده بعينها، لاحتمال أن يكون إنما قبضها من الذي هي عليه ليحفظها على الموصى له بها، ولا تبطل الوصية بها إلا بيقين. هذا وجه قول ابن القاسم في هذه الرواية. وقد وقع له في المجموعة ما يعارض قوله هذا. وذلك أنه قال: وإن أوصى له بزرع ثم حصده، وبثمرة ثم جدها فليس برجوع، إلا أن يدرس القمح ويكتاله ويدخله منزله فهذا رجوع، فإذا جعل اكتياله القمح، وإدخاله منزله رجوعا منه في الوصية به، فكذلك الدين إذا قبضه على قياس ذلك. قال في المجموعة: وإن أوصى له بعبد فرهنه فليس برجوع، وليبدأ من رأس المال، ولو أجره فالعبد للموصى له به. وقاله مالك. وبالله التوفيق.
[مسألة: أوصى بعتق عبده وما بقي من ثلثه لفلان]
مسألة وسئل عن رجل أوصى بعتق عبده، وما بقي من ثلثه لفلان، فمات، فقامت بينة للعبد أنه كان حرا أعتقه سيده هذا في صحته واستحق العبد، قال: لا أرى له إلا ما بقي من ثلثه بعد قيمته.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله: إنه لا شيء للموصى له ببقية الثلث، إلا ما فضل بعد قيمة العبد الموصى بعتقه سواء أعتق العبد من الثلث، أوثبت أنه كان حرا أعتقه سيده قبل ذلك في صحته، أو استحق بحرية أو ملك، وإن أخذ له ثمن في استحقاقه، لم يكن للموصى له ببقية الثلث فيه شيء ولو أوصى مع عتق العبد بوصايا، وما بقي من ثلثه لفلان، فاستحق
стр. 5952
العبد بحرية أو ملك بعد أن قدم على أهل الوصايا، لرجع أهل الوصايا بوصاياهم في ثلث ما بقي بعد العبد الموصى بعتقه المستحق.
واختلف إن رجع فيه بثمن، هل يدخل فيه أهل الوصايا أم لا؟ فقال في رسم أسلم بعد هذا: إنها لا تدخل فيه؛ لأنه مال لم يعلم به، وذكر في رسم باع شاة منه أن قول ابن القاسم اختلف فيه، وبالله التوفيق.
[مسألة: قال في وصيته فلانا أعطاني مائة دينار أتصدق بها عنه وإني تسلفتها]
مسألة قال ابن القاسم: إذا قال الرجل في وصيته: إن فلانا كان أعطاني مائة دينار أتصدق بها عنه، وإني تسلفتها. وليس لفلان ذلك ورثة يسألون عن ذلك، فإنه إن كان يورث كلالة، لم يحز منه قليل ولا كثير، لا في ثلث ولا في رأس المال، وإن كان ورثته ولدا جاز قوله، وأخرجت من رأس المال، وإن كان فلان ذلك المسمى حيا سئل، فإن صدقه في ذلك أجيز، وإن لم يصدق لم يجز منه قليل ولا كثير، وإن كان فلان ذلك قد مات، سئل ورثته أيضا، فإن صدقوه جاز، وإن كان يورث كلالة أو بولد، وإن لم يصدقوه لم يجز منه قليل ولا كثير. قال مالك: لا يجوز إلا أن يكون الشيء اليسير التافه الذي لا يتهم عليه. قال ابن القاسم: وأصل هذا التهمة.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضى الكلام عليها في رسم اغتسل من سماع ابن القاسم من هذا الكتاب، وفي رسم حلف ليرفعن أمرا من سماع ابن القاسم من كتاب المديان والتفليس؛ لأنه إذا لم يكن لفلان ذلك ورثة يسألون عن ذلك، فهو كمن أوصى بدين لمن لا يعرف. وبالله التوفيق.
стр. 5953
[مسألة: أوصى فقال لفلان مائة ولفلان مائتان]
مسألة وقال في رجل أوصى، فقال: لفلان مائة، ولفلان مائتان، قيل له: ففلان قال: هو شريك معهما، قال: تجمع المائة والمائتان، فيكون له ثلثها، ثم تكون المائتان بين الرجلين، لصاحب المائة ثلثها، ولصاحب المائتين ثلثاها. وقد قال ابن القاسم في غير هذا الكتاب في كتاب بع ولا نقصان عليك، يكون له نصف وصية كل واحد منهما مما أوصى لهما به، ليس من بقية الثلث، ولكن من وصاياهم.
قال محمد بن رشد: القول الأول الذي قال فيه: إنه تجمع المائة والمائتان فيكون له ثلثها، ثم تكون المائتان بين الرجلين على الثلث والثلثين، هو الذي يأتي على ما في كتاب السلم الثالث من المدونة في اللذين اشتريا العبد، فلقيهما رجل فقال لهما: أشركاني فيه، فأشركاه، إن العبد يكون بينهم أثلاثا، ووجه هذا الاختلاف أن قوله: هو شريك معهما، هو لفظ محتمل، يحتمل أن يكون أراد أنه شريك مع كل واحد منهما بالسواء فيما أوصى له به، فيأخذ نصف وصية كل واحد منها، على ما قاله في رسم بع ولا نقصان، ويحتمل أن يكون أراد أنه شريك معهما جميعا بالسواء فيما أوصى لهما به، إن كانا اثنين أو مع جميعهم بالسواء، فيما أوصى لهم به، إن كانوا جماعة، فيأخذ ثلث ما بيد كل واحد منهما إن كانا اثنين، أو ربع ما بيد كل واحد منهم إن كانوا ثلاثة أو خمس ما بيد كل واحد منهم إن كانوا أربعة، وكذلك ما زاد عددهم. وسواء على ظاهر الرواية قال: هو شريك معهما أو معهم بالسواء، أو لم يقل بالسواء؛ لأن قوله بالسواء، لا يرفع الاحتمال من المسألة لجواز أن يريد الموصي بالسواء مع كل واحد منهم على انفراد أو بالسواء مع جميعهم على اجتماعهم. فما وقع في رسم بع ولا نقصان عليك، بعد هذا من تفرقته بين أن يقول بالسواء، أو يسكت عن ذلك، قول ثالث في
стр. 5954
المسألة، والرجوع في هذا إنما هو إلى ما يغلب على النظر بأن الموصي أراده بلفظه، فالأظهر عنده من الاحتمالين، فمرة رأى قوله: هو شريك معهم، أظهر في أنه شريك مع كل واحد منهم على انفراده فيما أوصى له به على السواء، ومرة رأى قوله: هو شريك معهم، أظهر في أنه أراد أنه شريك مع جميعهم فيما أوصى لهم به على السواء، ومرة رأى إذا قال بالسواء أظهر في أنه أراد إن يساوي بينه وبين جميعهم، وإذا لم يقل بالسواء أظهر في أنه أراد أن يساوي بينه وبين كل واحد منهم فيما أوصى له به على انفراده. والذي أقول به: إنه إن كانت وصاياهم متفقة، فالأظهر أن يكون شريكا مع جميعهم، فيستوي هو وكل واحد منهم فيما يصير له على ما في المدونة في مسألة العبد، وإن كانت وصاياهم مختلفة، فالأظهر أن يكون شريكا مع كل واحد منهم في وصيته، إذ لا بد من اختلاف وصاياهم، إذ قد فضل بعضهم على بعض. وبالله التوفيق.
[مسألة: أوصى بعتق نصيبه من عبد فأبى صاحبه أن يبيع]
مسألة قال مالك في رجل أوصى بعتق نصيبه من عبد، وأن يعتق عنه نصيب صاحبه، فأبى صاحبه أن يبيع، قال: ذلك عليه إن شاء وإن أبى من بيعه.
قال محمد بن رشد: مثل هذا في رسم العتق من سماع أشهب من كتاب العتق. وقال سحنون: رأيت فيه رواية لابن وهب عن مالك وهي: ولعل أن شريكه إن أبى لا يستقيم نصيب شريكه ويعتق نصيبه وحده، قال أبو إسحاق التونسي: والأشبه ما روى ابن وهب ولا أدري من أين أنكرها سحنون، وإنما قال أبو إسحاق: إن الأشبه ما روى ابن وهب؛ لأنه إذا لم يلزم الشريك ذلك إذا لم يوص به، لوجب ألا يلزمه إذا أوصى به؛ لأن وصيته في مال غيره غير جائزة، والذي يوجب النظر أن يلزمه ذلك وإن لم يوص به؛ لأن الثلث له بعد
стр. 5955
وفاته، فإذا أعتق فيه حظه من العبد بإيصائه بذلك، وجب أن يقوم فيه حظ شريكه وإن. لم يوص بذلك، كما إذا أعتق حظه من العبد في مرضه، يقوم على شريكه شاء أو أبى على ما في المدونة.
فيتحصل فيمن أوصى بعتق حظه من عبده ثلاثة أقوال: أحدها: إنه يقوم في ثلث حظ شريكه، وإن لم يوص بذلك. والثاني: إنه لا يقوم فيه، وإن أوصى بذلك إلا أن يشاء ذلك الشريك، والثالث: الفرق بين أن يوصي بتقويم حظ شريكه في ثلثه، وبين ألا يوصى بذلك وبالله التوفيق.
[مسألة: يوصي أن يباع عبده ممن أحب]
مسألة ومن كتاب أوله استأذن سيده وسألته من الرجل يوصي أن يباع عبده ممن أحب، فيوصي بوصايا، فيضيق الثلث عن ثلث رقبة العبد، وعن الوصايا فقال: قال مالك: إذا لم يجد من يشتريه، عتق منه ثلثه، فأرى إذا جعله مالك عتقا أن يبدأ. قلت: ولم صار عتيقا؟ ألأنه ملك بعض رقبته حين أوصى له سيده بثلثها فلم يجد من يشتريه بذلك؟ قال ليس هذا من هذا الوجه، ولو كان من هذا الوجه لعتق بقيته في سائر ماله إن كان للعبد مال، ولكنه لما سماه مالك عتقا فصارت فيه المحاصة، بدئ على أهل الوصايا.
قال محمد بن رشد: قوله: إنه يبدأ العبد بثلث ثمنه على الوصايا، إذا لم يجد من يشتريه بثلثي ثمنه، خلاف ما تقدم في رسم الطلاق، ومن سماع أشهب، وهو صحيح على القول بأنها وصية للعبد، إن
следующие страницы →