Полный текст (9 112 стр.). Показаны 6056–6095 · переход к 6061.
стр. 6056
العدد، وقيل: إنهما يتحاصان وهو المشهور في المذهب، والثلاثة الأقوال لمالك، إلا أن يقول لفلان ثلثي، ولفلان منه كذا وكذا، فيبدأ العدد على الجزء، وقد مضى الكلام على هذا مستوفى في رسم اغتسل، من سماع ابن القاسم، وفي رسم الوصايا من سماع أشهب، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
[: يقول في وصيته ثلث عبدي فلان حر وأعطوه ثلث بقية مالي]
ومن كتاب الصبرة
وقال في رجل يقول في وصيته: ثلث عبدي فلان حر، وأعطوه ثلث بقية مالي؛ أنه لا يعتق منه إلا الثلث الذي جعله عتيقا من رقبته، ولا يعتق ما بقي منه في بقية الثلث، ولا يعطاه إلا ما لا يجعل في رقبته منه شيء، وليس هو مثل العبد الذي يوصي له سيده بثلث جميع ماله، فيجعل ذلك الثلث في عتق رقبته.
قال محمد بن رشد: في قوله: إنه لا يعتق من العبد إلا ثلثه الذي أوصى السيد بعتقه، وهو قد أوصى له بثلث بقية ماله نظر؛ لأن ثلثي رقبته الباقيين منه من ماله، وهو قد أوصى له بثلث بقية ماله، فوجب على قياس قوله أن يعتق على نفسه ثلث الثلثين الباقيين من رقبته؛ لأنه قد ملكه ذلك؛ إذ أوصى له بثلث ما بقي من ماله، وإذا أعتق على نفسه شيء منه وجب أن يقوم عليه بقيته في ماله، على قياس قوله، فلم يعرف في هذه الرواية بين أن يوصي له بعتق ثلثه، وبثلث ما بقي من ماله، وبين أن يوصي له بعتق ثلثه وبقية ثلث ماله، وهما مفترقان في وجه القياس.
وقد مضى هذا في رسم أسلم من سماع عيسى، وبالله التوفيق.
[: يوصي فيقول أعطوا فلانا مائة ولا يذكر دراهم ولا دنانير]
ومن كتاب الصلاة وسئل عن الرجل يوصي فيقول: أعطوا فلانا مائة، ولا ينص
стр. 6057
دنانير ولا دراهم، قال: سمعت مالكا يقول: يعطى مائة درهم، فإن أوصى في وصيتين، فقال في إحداهما: أعطوه عشرين دينارا، وقال في الأخرى: أعطوه ثلاثين دينارا، لم يعط ما في الوصيتين، ولكن يعطى الأكثر مما في الوصيتين، وذلك ثلاثون دينارا، قال: وإن قال في إحدى الوصيتين: أعطوه مائة درهم، وقال في الأخرى: أعطوه مائة دينار، أعطي ما فيهما جميعا؛ المائة درهم والمائة دينار. قال: وكذلك لو أوصى له في إحداهما بفرسين، وفي الأخرى بثلاثة، أعطي ثلاثة، ولم يعط ما في الوصيتين، ولو أنه أوصى له في إحداهما بفرسين، وفي الأخرى بجملين، أعطى ما في الوصيتين جميعا قال: وعلى هذا النحو الذي بينت لك، يحمل كل ما أوصى به المرء في وصيتين، يختلف ما فيهما من الثياب والحيوان والدنانير والدراهم، وجميع العروض، إذا كان ما في الوصيتين من صنف واحد مختلف العدد، أعطي الأكثر ولم تجمع له الوصيتان، وإذا كان ما فيهما من صنفين مختلفين، اتفق العدد أو اختلف، فله ما فيهما جميعا.
قال محمد بن رشد: أما إذا أوصى له بمائة، ولم يقل دنانير ولا دراهم، فقوله: إنه يعطى الدراهم، معناه إذا كان البلد إنما يجري فيه الدراهم، أو كان تجري فيه الدراهم والدنانير، ولم يكن في وصية الميت ما يدل على أنه أراد الدنانير، مثل أن يقول: لفلان عشرون دينارا، ولفلان مائة، ولا يسمي دنانير ولا دراهم، فله الدنانير: هذا كله قاله في سماع أصبغ في أول رسم منه، وهو مفسر لهذه الرواية، وكذلك إذا أوصى له بعدد محدود من الطعام، ولم يقل قمحا ولا شعيرا يجري على هذا القياس، إن كان غالب ما يتقوت به الناس في البلد القمح، أو كان في وصيته ما يدل على أنه أراد القمح، فله القمح، وإلا فله الشعير، وأما إذا أوصى له بوصيتين، في
стр. 6058
الأولى بعشرين دينارا، وفي الثانية بثلاثين دينارا، فقوله في هذه الرواية: إنه يعطى الأكثر منهما ولا يعطهما جميعا، هو نص قول ابن القاسم وروايته عن مالك في المدونة وغيرها، وسواء على مذهبه كانت الأولى هي الأقل أو الأكثر، وسواء أيضا كانتا في كتاب واحد، أو في كتابين، وقال مطرف: إن كانت الأولى هي الأكثر، أو كانتا متساويين، فله الوصيتان جميعا؛ لأن أمره يحمل على أنه استقل ما أوصى له به أولا، فزاده عليه ما أوصى له به في الثانية، وإن كانت الأولى هي الأقل، فله الثانية وحدها؛ لأن أمره يحمل على أنه استقل ما أوصى له به أولا، فرجع إلى ما أوصى له به آخرا؛ إذ لا يزاد الكثير على القليل، وسواء كان ذلك في كتاب واحد أو في كتابين، وقال ابن الماجشون كما قال ابن القاسم: إن كانت الوصيتان في كتابين، وكما قال مطرف: إن كانت في كتاب واحد، قال: وذلك إذا كان بين الوصيتين وصايا لغيره، وأما إن لم يكن بينهما إلا كلام من غير الوصية، فذلك بمنزلة إذا نسق الوصيتين، أحدهما بعد الأخرى، فقال لزيد عشرة، ولزيد عشرون، فإنه يكون له العشرة والعشرون، قال: ولو قال لزيد عشرة لزيد عشرون بغير ولو لم يكن له إلا العشرون، وكذلك على مذهبه لو قال: لزيد عشرون لزيد عشرة، بغير واو، لم يكن له إلا العشرة، قال ذلك تأويلا على ما رويناه عن مالك، من أن له الوصيتين إن كانت الأولى أكثر.
والثانية وحدها إن كانت الأولى أقل؛ إذ لم يسهما منه تفرقة بين أن تكون الوصيتان في كتابين، أو في كتاب واحد، ولا مساواة بين ذلك، ووجه قول ابن القاسم: إن له الأكثر من الوصيتين كانت الأولى أو الآخرة، هو أنه إن كانت الأولى أكثر، فقد تحققت الوصية بها، وشككنا في الثانية إن كانت ناسخة لها، أو زيادة عليها، فلم تنسخ الأولى بالشك، ولا حكمنا للثانية بأنها زيادة على الأولى بالشك أيضا فبطلت، وأما إن كانت الثانية أكثر، فالوجه ما قاله مطرف، وأما إذا أوصى له بوصيتين، إحداهما دنانير، والأخرى دراهم، فاختلف قول ابن القاسم في ذلك، قال في هذه الرواية، وهو قوله في رواية سحنون عنه: إنهما له
стр. 6059
جميعا كالصنفين، وروى عيسى عنه في المدونة: أن له الأكثر منهما، كالصف الواحد، وهو قول مطرف وابن الماجشون في الواضحة: إنهما كالصنف الواحد، فإن كانت الثانية الأقل، كانتا له جميعا، وإن كانت الأكثر، لم يكن له سواها على أصلها في الوصيتين من الدنانير والدراهم، إحداهما أكثر من الأخرى، ويعتبر ذلك بمعرفة الصرف والقولان قائمان من المدونة والحيوان والعروض والدور والمكيل والموزون من الطعام وغيره عند ابن القاسم، سواء إن أوصى له بوصيتين من صنف واحد من ذلك كله، كان له الأكثر من الوصيتين، كانت الأولى أو الآخرة، وإن أوصى له بوصيتين من صنفين من ذلك كله، كانت الوصيتان جميعا، كان ذلك في كتاب واحد أو في كتابين، أو في لفظ بغير كتاب.
وذهب مطرف وابن الماجشون، إلى أنه إن كانت الوصيتان من العروض، فله الوصيتان جميعا، كانتا من صنفين أو من صنف واحد، اتفق عددهما أو اختلف، بمنزلة إذا أوصى له بعين وعرض، سواء كانت الوصيتان في كتابين، أو في كتاب واحد، ولابن الماجشون في ديوانه، أنه إذا أوصى له بعرضين مختلفين، فإن كان ذلك في وصية واحدة، كانتا له جميعا، وإن كان ذلك في وصيتين كان له الأكثر من قيمتهما، وبالله التوفيق.
[مسألة: يوصي للرجل بعشرة دنانير ولآخر بعشرين]
مسألة وقال في الرجل يوصي للرجل بعشرة دنانير، ولآخر بعشرين، ثم يقول: وبقية ثلث مالي لفلان، ثم يوصي بعد يوم أو أيام بوصايا ينصها من تسمية مال أو شيء بعينه، مثل العبد أو الدار أو الثوب أو الدابة، إن الذي أوصى ببقية الثلث، لا يعطي شيئا حتى يكون في الثلث فضل عن الوصايا المسماة للذين أوصى لهم حين جعل لهذا ببقية الثلث، والوصايا والآخرة التي أوصى بها بعدما جعل لهذا بقية الثلث، تنفذ للأولين وللآخرين وصاياهم، فإن فضل من الثلث
стр. 6060
بعد، فهو للموصى له ببقية الثلث.
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما تقدم في رسم أسلم، من سماع عيسى، ويفسره ما ذكره محمد بن المواز، وقد مضى الكلام عليه هناك، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
[مسألة: قال في وصيته ثلث مالي في سبيل الله ثم قال يقسم ثلثي أثلاثا]
مسألة قال: وإن قال رجل في وصيته: ثلث مالي في سبيل الله، ثم قال بعد ذلك بيوم أو بيومين: يقسم ثلثي أثلاثا فثلثه للمساكين، وثلثه في الرقاب، وثلثه يحج به عني، قال: الثلث يقسم نصفين، فنصف في سبيل الله، ويقسم النصف الثاني أثلاثا على ما نص في وصيته، وذلك لأنه يحاص بين الوجه الذي أوصى فيه بالثلث كاملا، وبين الوجوه التي أوصى فيها بالثلث، فيصير لأهل كل ثلث نصفه.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة بينة على معنى ما في المدونة وغيرها، من أن الرجل إذا أوصى بشيء بعينه لرجل، ثم أوصى به بعد ذلك لرجل آخر؛ أنه يكون بينهما، إلا أن يكون في الوصية الثانية ما يدل أنه قد رجع عن الأولى، ومثل أن يقول: الشيء الكذا الذي أوصيت به لفلان، فهو لفلان رجل آخر بخلاف الحرية؛ إذ لا يشترك فيها، وبالله التوفيق.
[مسألة: يقول في وصيته وفروا لأمي لضعفها سهما في كتاب الله]
مسألة وقال في الرجل يقول في وصيته: وفروا لأمي لضعفها سهما في كتاب الله، وثلثي ما عدا ما ينقص الثلث بتوفير سهم أمي صدقة على فلان، يريد: أن يخرج الثلث من جميع ما له، إلا سهم أمه،
стр. 6061
لا يخرج منه ما يقع عليه من قسمة الثلث. قال: ويخرج الثلث للموصى له على حال ما أوصى به، ثم ترد الأم سهما، فيضاف إلى بقية المال، فيقسم على الورثة على كتاب الله، وذلك أن رسول الله ﷺ قال: «لا وصية لوارث» ، فهو يريد أن يفضل أمه لتوفير سهمها، فلا يدخل عليها أهل الوصايا، ويدخلون على سواها فينقصون كلهم سواها، فهذا لا يجوز، قيل له: فلو قال: أعطوا أمي سهمها، ثم قال: لفلان سدس مالي. قال: تنفذ الوصية على حال ما قال، ثم يجمع سهم الأم إلى بقية المال، فتعاد فيه القسمة على كتاب الله.
قال محمد بن رشد: هاتان المسألتان بيِّنتان لا اختلاف فيهما، ولا إشكال في شيء من معانيهما، وما قاله من وجه العمل فيهما صحيح، إذا لم يجز الورثة للأم الوصية بتوفير سهمها، وبالله التوفيق.
[مسألة: كاتب جميع رقيقه في مرضه فلم يجز ذلك الورثة]
مسألة قلت لابن القاسم: أرأيت إن كاتب جميع رقيقه في مرضه، فلم يجز ذلك الورثة، والثلث بهم ضيق، أليس يعتق من كل واحد منهم ثلثه؟ قال: بلى، قلت: ولم لا يقرع بينهم في الثلث؟ قال: أرى إذا قطع الورثة الثلث أن يسهم بينهم فيه كالموصى لهم بالعتق.
стр. 6062
قال محمد بن رشد: قوله: والثلث بهم ضيق، يدل على أن له مالا سواهم، وإذا كان له مال سواهم، فلم يحملهم الثلث، ولا أجاز الورثة الوصية بكتابتهم، فالواجب إذا قطع الورثة لهم بالثلث أن يعتقوا فيه بالحصص، مثال ذلك: أن يترك ثلاثة أعبد، قيمة كل واحد منهم ثلاثون دينارا، وله سواهم ثلاثون دينارا، فجميع المال مائة وعشرون الثلث من ذلك أربعون، يكون بين العبيد بالحصص، فيعتق من كل واحد منهم أربعة أتساعه؛ لأن الأربعين من قيمة العبيد، وهي تسعون، أربعة أتساعها، وإنما يعتق من كل واحد منهم ثلثه على ما قال، إذا لم يكن له مال سواهم، وهذا على قوله أولا.
وقوله آخرا: إنه يسهم بينهم في الثلث إذا قطع لهم به الورثة، خلاف قوله أولا، فوجه قوله أولا: إنه لا يقرع بينهم، ويعتقون بالحصص في الثلث، هو أن السنة في القرعة إنما جاءت في الوصية بالعتق، وقيس المبتلون في المرض عليهم، والوصية بالكتابة بخلاف ذلك، ووجه قوله آخرا: إنه يقرع بينهم، هو أن الوصية بالكتابة لما لم تنفذ إذ لم يحملها الثلث، ورجعت إلى العتق في الثلث، كانت كالوصية بالعتق، وأيضا فإنها أعدل؛ لأنه إذا أعتق من كل واحد ثلثه، إذا لم يكن له مال غيرهم، أو أعتق منهم بالحصص مبلغ الثلث إن كان له مال غيرهم، فقد أخذ الميت أكثر من ثلث ماله؛ لأن العبد إذا أعتق بعضه نقصت قيمته، وبالله التوفيق.
[: يقول في وصيته ساجي الطرازي لفلان]
ومن كتاب أوله يشتري الدار والمزارع وسألته عن الرجل الذي يقول في وصيته: ساجي الطرازي لفلان، أو عبدي فيوجد له عبيد بذلك الاسم، أو سيجان طرازية. قال: ينظر إلى عدة السيجان أو العبيد، فإن كانوا خمسة، فله
стр. 6063
خمس قيمة كل واحد منهم، وإن كانوا ثلاثة، فله ثلث قيمتهم، ويعطى ثلث القيمة في العبيد أو السيجان بالسهم بالغا ما بلغت، صار له فيها ساج أو ساجان، أو عبد أو عبدان.
قلت: ولم أمضيت له الوصية، والشهود لم يثبتوا العبد بعينه، والساج بعينه؟ قال: إنما ترد هذه الشهادة التي ذكرت، إذا شهدوا عليه في صحته أنه أعتق عبده فلانا، أو تصدق به على رجل، وله عبيد بذلك الاسم، وهو منكر لما شهدوا به عليه، فيقال لهم: أي عبد تشهدون أنه أعتقه أو تصدق به على فلان؟ فيقولون: لا نعرفه بعينه، إلا أنه قال: عبدي فلان، وله عبيد بذلك الاسم، فتسقط شهادتهم، فلا يثبت العتق، ولا تجوز الصدقة لإنكاره إذا لم يقطعوا الشهادة عليه، فأما في الوصية، فإنه إذا قال: ساجي الطرازي، أو عبدي فلان، فلا يعرف بعينه، فهو كمن قال: ساج من سيجاني، أو عبد من عبيدي صدقة على فلان، فيكون شريكا فيهم أجمعين، فإن كانوا عشرة فبعشرهم، وإن كانوا عشرين فبنصف عشرهم.
قال: وإنما هذا عندنا من نحو الرجل يوصي بعتق عبد من عبيده ولا ينصه، فإن كانوا عشرة عتق عشرهم بالسهم، وإن كانوا خمسة عتق خمسهم بالسهم، بالغا ما بلغ من عددهم، قلت: أتجريه في الصدقة مجرى العتاقة إذا هلك بعض السيجان أو بعض العبيد، فيكونون شركاء فيما بقي منهم بقدر السهم الذي كان وجب لهم؟ قال: نعم.
قال محمد بن رشد: إذا سمى الشهود العبد أو الثوب، ولم يعينوه من جملة الثياب والعبيد، ولا عينه الميت لهم، واتفقت أسماء العبيد أو
стр. 6064
صفات الثياب، فقال في هذه الرواية: إن ذلك بمنزلة أن يقول: عبد من عبيدي حر، أو ثوب من ثيابي لفلان، ولا أعرف في هذا نص خلاف، إلا أن يدخل فيه الخلاف بالمعنى، فإن أدخلنا فيه الاختلاف بالمعنى، تحصل في المسألة ثلاثة أقوال في الصحة، وثلاثة أقوال في المرض أيضا، أحدها: أن الشهادة لا تجوز. والثاني: أنها جائزة. والثالث: الفرق بين أن يعينه المشهود عليه للشهود فينسوه، أو لا يعينه لهم ويسميه باسمه، فيوجد له عبيد بذلك الاسم سواه.
وأما إن عينه الموصي للشهود في صحته، أو في مرضه، فنسيه الشهود، أو عينه المشهود عليه للشهود في غير الوصية، فنسوه أو شكوا فيه، ففي ذلك ثلاثة أقوال؛ أحدها: أن الشهادة باطلة في الوصية بعد الموت، وفي الشهادة في الصحة في غير الوصية. روى ذلك أصبغ عن ابن القاسم، وهو قول أشهب في أول سماع سحنون، وقول ابن كنانة في المجموعة. والثاني: أن الشهادة عاملة في الوجهين جميعا، وهو قول ابن القاسم في أصل الأسدية من كتاب الأيمان بالطلاق، وقول ابن وهب في رسم الوصايا والأقضية من سماع أصبغ من كتاب الصدقات والهبات؛ لأنه إذا جازت الشهادة في الصحة، فأحرى أن تجوز في الوصية بعد الموت. والثالث: الفرق بين الشهادة في الصحة وبين الشهادة في الوصية بعد الموت.
وقد مضى هذا في رسم سلف، من سماع عيسى، من هذا الكتاب، وفي رسم يدير من سماع عيسى أيضا، من كتاب المديان والتفليس، فعلى القول يجوز الشهادة، وهو قوله في هذه الرواية، يكون الحكم في ذلك حكم من قال في مرضه: عبد من عبيدي حر، أو ساج من سيجاني لفلان، وفي ذلك ثلاثة أقوال؛ أحدها: قوله في هذه الرواية: أنهم إن كانوا ثلاثة، عتق ثلثهم بالسهم، خرج فيه واحد أو أقل أو أكثر، أو ربعهم إن كانوا أربعة أو خمسهم، إن كانوا خمسة، أو نصفهم إن كانوا اثنين، إلا أن يحمل نصفهما الثلث، فيعتق منهما بالسهم ما حمله الثلث، وكذلك في الثياب عن هذا القياس،
стр. 6065
ومثله في العتق الأول من المدونة في باب السهم. والقول الثاني: أنه يعتق منهم واحد بالسهم، قلت قيمته أو كثرت، إلا أن يكون أكثر من الثلث، فيعتق منه قدر الثلث، وكذلك إن أوصى بعتق عدد سماه من عبيده، يعتق عددهم بالسهم، ولا ينظر في ذلك إلى الجزء، وهذا القول بين في كتاب الوصايا الأول من المدونة.
وقد قيل: إنه يقوم أيضا بدليل من كتاب العتق الأول منها ذهب إلى ذلك ابن لبابة، وليس ذلك عندي بصحيح. والقول الثالث: أنه إن أوصى بعتق عبد من عبيده، عتق من كل واحد منهم ثلثه إن كانوا ثلاثة، أو ربعه إن كانوا أربعة، على الحصص دون سهم، لا على الأجزاء، ولا على العدد، وهو الذي يأتي على ما مضى في رسم سلف، من سماع عيسى، ويختلف متى ينظر إلى عددهم؟ فقيل يوم التقويم، ومن مات منهم قبل ذلك، فكأن لم يكن، وهو مذهب ابن القاسم، وروايته عن مالك في المدونة وغيرها، وقيل يوم أوصى، ولا يلتفت إلى من مات بعد ذلك وقبل التقويم، وهو قول ابن الماجشون، وابن كنانة، فهذا تحصيل القول في هذه المسألة، وبالله التوفيق.
[مسألة: يوصي لرجل بثلث ماله ولرجل بعبد له فأجاز الورثة الوصية كلها]
مسألة وقال في الرجل يوصي لرجل بثلث ماله، ولرجل بعبد له، فأجاز الورثة الوصية كلها؛ أنه ليس عليهم أن يخرجوا لصاحب الثلث إلا ثلث جميع المال، يحسب على الموصى له بالثلث في وصيته ثلث العبد الموصي به للرجل الآخر، وليس عليهم أن يوفروا له قدر ثلث الميت، ويخلص للموصى له بالعبد ذلك العبد، ولكن إذا بروا من ثلث جميع المال سوى العبد الموصى له بالثلث، وبروا من العبد إلى الموصى له به، فقد أجازوا الوصية، ثم تصير الدعوى في ثلث العبد بين الموصى له بالعبد، والموصى له بالثلث، فكلاهما قد أوصى له بثلث العبد؛ لأن الثلث يجري في جميع مال
стр. 6066
الميت، فيكون للموصى له ثلثا، ويقسم ثلثه بينه وبين الموصى له بثلث مال الميت؛ لأن ذلك الثلث قد أوصى به لهما جميعا من العبد، فلذلك قسم بينهما.
قال محمد بن رشد: سحنون يقول: إنه إذا أجاز الورثة كان العبد للموصى له به، والثلث كامل للموصى له به، ولا يحمل على أنه أدخل للموصى له بالثلث على صاحب العبد، ولا يكون رجوعا عن العبد، وبذلك قال أشهب، وهو الذي يأتي على مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك في المدونة، ورواية علي بن زياد عنه فيها أيضا في الذي يوصي بسدس ماله لرجل، وبعبده لرجل وقيمته نصف الثلث؛ أن العبد يكون كاملا للموصى له به، ويكون الموصى له بالسدس شريكا للورثة بالخمس؛ لأن الواجب في ذلك على قياس رواية يحيى هذه، أن يكون للموصى له بالعبد خمسة أسداسه، وللموصى له بسدس المال، سدس ما سوى العبد من المال، ويكون سدس العبد بينهما، وقد روى ذلك أصبغ عن ابن القاسم، وأنكر ذلك محمد بن المواز، ولم يعجبه. فقال: إنه يأخذ الموصى له بالعبد جميع العبد، وللآخر خمس العين، وذلك مائة دينار، قاله إذا كانت قيمة العبد مائة دينار، وباقي مال الميت خمسمائة دينار، ولم يختلف إذا أوصى لرجل بثلث ماله، ولآخر بمائة دينار، فأجاز الورثة ذلك، كأن عليهم أن يدفعوا الثلث كاملا للموصى له بالثلث، والمائة كاملة، للموصى له بها، لا يدخل عليه الموصى له بالثلث في شيء منها، وإجماعهم على الوصية بالعين مع الثلث إذا أجاز ذلك الورثة، يقضي على اختلافهم في الوصية بالعرض المعين مع الثلث، إذا أجاز ذلك الورثة، وبالله التوفيق.
[مسألة: يوصي لقوم بوصايا لرجل بدار ولرجل بعبد]
مسألة وقال في الرجل يوصي لقوم بوصايا لرجل بدار، ولرجل بعبد، ولرجل بحائط، وما أشبه هذا من العروض، ولم يوص لأحد
стр. 6067
منهم بدنانير، ولا بدراهم، فضاق الثلث عن الوصايا، فلا يجيزها الورثة، فيردون إلى المحاصة في الثلث؛ أن وصاياهم تجعل لكل واحد منهم في الذي أوصى به لهم، يتحاصون في ثلث مال الميت، فيضرب كل واحد منهم بقيمة ما أوصى به، فإذا عرف ما ينوبه في المحاصة من قيمة وصيته، جعل ذلك له في الذي أوصى له به خاصة، لا ينقل منه إلى غيره.
قال: وإن كان أوصى لهم بمثل هذه الوصايا، وأوصى لرجل معهم بمائة دينار، فقطع الورثة لهم بالثلث، تحاصوا فيه، وقطع لهم الثلث من جميع مال الميت، ولم توضع وصاياهم فيما سمى لهم خاصة؛ لأن الثلث لا بد من أن يباع أو بعضه من الذي أوصى له بالمائة الدينار، فلذلك حالت وصاياهم، فصارت في الذي أوصى لهم به وفي غيره من جميع مال الميت.
قال محمد بن رشد: لم يفرق في المدونة هذه التفرقة، وذكر أن قول مالك اختلف في ذلك، فتفرقته في هذه الرواية قول ثالث في المسألة، ولو ترك الميت من الناض ما يخرج منه المائة الدينار التي أوصى بها للرجل؛ لكان ذلك بمنزلة إذا لم يوص بعين؛ لأنه علل ما ذهب إليه من التفرقة بين أن يكون أوصى بعين، أو لم يوص به، فإن الثلث لا بد أن يباع أو بعضه فيما أوصى به من العين، وسيأتي في الرسم الذي بعد هذا، وفي أول رسم من سماع أصبغ، إذا أوصى من العين بأكثر من ثلث ما ترك منه، والكلام عليه، وبالله التوفيق.
[: الرجل يعتق عبدا له إلى أجل ثم يوصي في مرضه بوضع الخدمة عنه]
ومن كتاب المكاتب قال: وسألته عن الرجل يعتق عبدا له إلى أجل، ثم يوصي
стр. 6068
في مرضه بوضع الخدمة عنه، وبعتاقة عبيد سواه يحاصهم أيهم يبدأ؟ قال: أرى له المحاصة مع الموصى لهم بالعتاقة، وأما إن كان معه مبتول العتاقة، أو مدبر مهم يبدءون عليه. قلت: فما يحسب في ثلث سيده مما يحاص به، أقيمته أم قيمة الخدمة مما بقي من أجلها؟ قال: بل، قيمة الخدمة.
قال محمد بن رشد: إنما قال: إن المعتق إلى أجل، إذا أوصى له بوضع الخدمة عنه يتحاص مع الموصى بعتقهم؛ لأن المعتق إلى أجل أحكامه أحكام العبد في جميع الأشياء، فلا فرق في التأكيد بين أن يوصي بتعجيل عتقه، وبين أن يوصي بعتق عبد آخر، فوجب أن يتحاصا إن ضاق الثلث عنهما، والقياس على هذا أن يحاص بقيمة رقبته، لا بقيمة خدمته، وهو قول ابن القاسم وروايته عن مالك في رسم إن أمكنتني، من سماع عيسى، من كتاب العتق.
وقال أشهب فيه: لا يقوم في الثلث إلا قيمة خدمته، مثل قول ابن القاسم في هذه الرواية، وهو أظهر؛ لأن العتق في الرقبة قد ثبت، وإنما بقي لسيده فيه الخدمة، ووجه القول الآخر ما ذكرناه من أن الحرية تبع للرق، وأما قوله: إنه إن كان معه مبتول العتاقة، يريد: في المرض، أو مدبر، فهم يبدءون عليه، يريد وعلى الموصى بعتقه، فالوجه فيه، إن له أن يرجع على الموصى بعتقه، وعن الموصي بوضع الخدمة عنه، وليس له أن يرجح عن المدبر، ولا عن المبتل في المرض، وقد قيل: إن له أن يرجع عنه، فعلى هذا القول، يتحاص الموصي بوضع الخدمة عنه، والموصى بعتقه، والمبتل في المرض.
وقد مضى هذا في رسم العتق من سماع عيسى، وفي رسم طلق ابن حبيب، من سماع ابن القاسم، وبالله التوفيق.
стр. 6069
[مسألة: يوصي لرجل بعشرة دنانير فيموت ولا يترك إلا مالا غائبا]
مسألة قال يحيى: وسألته عن الرجل يوصي لرجل بعشرة دنانير، فيموت ولا يترك إلا مالا غائبا أو ديونا على الناس، فيريد الموصى له بالعشرة أن يتعجلها، ويقول الورثة: إذا تقاضينا أعطينا لها، قال: يخير الورثة بين أن يعجلوها وبين أن يقطعوا له بالثلث، فينظر قدوم الغائب، أو يتقاصاها لنفسه، بمنزلة الإخوة للأم في فريضة ثلثهم.
قال محمد بن رشد: قوله: ولا يترك إلا مالا غائبا أو ديونا على الناس، معناه لا يترك مالا تخرج العشرة من ثلثه، إلا بماله من المال الغائب أو الديون؛ فقوله: يخير الورثة بين أن يعجلوها وبين أن يقطعوا له بالثلث، معناه أنهم يخيرون بين أن يعجلوها من الناض الذي ترك، وإن أحاطت به، وبين أن يقطعوا له بالثلث، ولو لم يكن له ناض أصلا لما لزمهم أن يعجلوا له العشرة من أموالهم، وإنما عليهم أن يعجلوها له من أول ما يقبض من الديون، وأن يبيعوا فيها أعجل ما يمكن بيعه من العروض، وكذلك يبيعون فيها من الديون إن كانت مؤجلة.
هذا معنى قول ابن القاسم في هذه الرواية، وهو مذهبه في المدونة؛ لأنه قال فيها: إن الرجل إذا أوصى للرجل من النقد بما لا يحمله ثلث ما ترك من العين، خير الورثة بين أن يعجلوا له ذلك، أو يقطعوا له بالثلث من جميع مال الميت، ومثله حكى أصبغ عنه وعن مالك وأصحابه كلهم في صدر سماعه بعد هذا من هذا الكتاب، وهو قول سحنون، قال: إذا أوصى الرجل بوصية، وماله ناض وغرض، فأراد الموصى له أخذ الناض، وقالت الورثة: لا نرضى في العروض، ونأخذ العين، فإنه يقال لهم: إن شئتم أن تسلموا العين، وإلا فأخرجوا الثلث كله، وزعم أنه أصل من العلم جسيم قال: وهو بمنزلة العبد يجني جناية
стр. 6070
تسوى درهمين، فيقال للسيد: افتكه، وإلا فأسلم العبد بالجناية. وذهب أصبغ إلى أنه لا يلزم الورثة أن يدفعوا إلى الموصى له بالعين إلا ثلث الناض، وثلث كل ما ينض، إلى أن يستوفي وصيته، ولا يقال للورثة: إما أن تعجلوا للموصى له وصيته من العين، وإما أن تقطعوا بجميع الثلث، إلا أن يكون الذي أوصى له به من العين معينا، مثل أن يقول: ادفعوا إليه المائة التي تركت ناضة، أو التي لي عند فلان، وما أشبه ذلك، ولا اختلاف في الدنانير المعينة أنه يلزم الورثة أن يدفعوها إليه، أو يقطعوا له بجميع الثلث، وإنما الاختلاف في غير المعينة على ما ذكرناه، فذهب أصبغ إلى أنه لا يلزم أن يعجلوها له، وهو قول ابن القاسم في رواية ابن أبي جعفر عنه، فإنه قال: سألت ابن القاسم عن رجل أوصى لرجل عشرين دينارا، فلم يكن له من الناض إلا ثلث دينار، أو له دين على الناس، فطلب الموصى له أن يعطى ما أوصى له به، قال: ينتظر حتى يبيعوا ويقتضوا، وليس له أن يراكضهم، وإنما ذلك في الديون الغائبة التي يعطى ما سمى له أو يقطع له بالثلث، وبالله التوفيق.
[: كتبت عند خروجها كتابا لبني زوجها وليس لها ولد]
ومن كتاب الأقضية قال يحيى، وسألت عبد الله بن وهب عن امرأة خرجت من الأندلس تريد الحج، ثم تسكن الشام، فكتبت عند خروجها كتابا لبني زوجها، وليس لها ولد، إن أصابها قدرها في وجهتها، فلهم من رقيقها كذا وكذا رأسا سمتهم لهم، وجعلتهم في أيديهم وحازتهم لهم؛ ليكون لهم منفعتهم، وتركت رقيقا سواهم، وأنصبا في قرى، فلما بلغت مصر كتبت إلى رجل من الأندلس، تأمره في كتابها ببيع ما كان لها بالأندلس من رأس أو غيره، ولم تذكر في كتابها الذي أوصت به لبني زوجها أن يباع أو يترك، فأراد وكيلها بيع ما في
стр. 6071
أيدي بني زوجها من الرقيق التي أوصت بها لهم. وقال: إنها قد فسخت عليكم الوصية؛ إذ أمرت ببيع ما خلفت بالأندلس، وقال بنو زوجها: إنها قد تركت بالأندلس غير الذي أوصت به لنا، فذلك الذي أمرت ببيعه، ولم يذكر بيع ما أوصت به لنا، ولو أرادت أن يباع ذلك لذكرته، في كتابها باسمه، ولها بالأندلس رقيق وعقار، فذلك الذي أمرت ببيعه وسكتت عما في أيدينا، قال ابن وهب: أرى أن يوقف الرقيق التي أوصت بها لبني زوجها في أيديهم بحالها، ويكتب إليها لتبين أمرها، ويمنع الوكيل من بيعها، فإن رجعت عن وصيتها كان ذلك بيدها، وإن أمضت فالأمر إليها.
قلت: أرأيت إن ماتت قبل أن يعرف رأيها؟ قال: الوصية ماضية في ثلثها إذا لم يثبت رجوعها عن الوصية بالأمر البين حتى ماتت، وسألت عن ذلك ابن القاسم فقال: أرى الذي كتبت به من بيع كل ما كان لها بالأندلس نقضا لوصيتها؛ لأن تلك الرقيق من مالها حتى تموت، فتثبت الوصية لأهلها، ومما يبين ذلك أنها لو أشهدت في موضعها الذي سكنت، أو في سفرها بعد تلك الوصية أني قد تصدقت على فلان بكل مالي بالأندلس، إن ذلك يؤخذ منهم، وتكون الصدقة أثبت من الوصية، ولو أعتقت كل ما كان لها بالأندلس من رأس، لوجب العتق بجميع الرقيق، وكان ذلك نقضا للوصية.
قال محمد بن رشد: قد استدل ابن القاسم لقوله بما ذكره من التعلق بظاهر ما كتبت له، إذا أمرت ببيع كل ما كان لها بالأندلس من رأس، فرأى ذلك نقضا لوصيتها؛ لأن تلك الرقيق من مالها. وقول ابن وهب عندي أظهر؛ لأنها لما أوصت لبني زوجها بما أوصت به لهم من رقيقها وحوزتهم
стр. 6072
إياهم لتكون لهم منفعتهم طول حياتها، وجب لهم الانتفاع بها حياتها، ولم يكن لها أن ترجع عنه بأن تأمر وكيلها ببيع الرقيق بعد موتها؛ إذ قد وهبت منفعتهم حياتها هبة صحيحة مقبوضة، وإن كان لها أن ترجع عن الوصية بالرقيق لهم بعد موتها؛ لأن من أخدم رجلا عبدا حياته وحوزه إياه، فليس له أن يرجع فيه، فلما لم يصح لها ما كتبت به من بيعهم وإخراجهم عن أيديهم طول حياتها، وبطل توكيلها على ذلك بقيت الوصية على حالها، وبالله التوفيق.
[مسألة: كان وصيا لأبيه فزعم أنه باع وصيفة لأخت له كانت في حجره]
مسألة قال يحيى: وسألت ابن وهب عن رجل كان وصيا لأبيه، فزعم أنه باع وصيفة لأخت له كانت في حجره، كان يليها يوم باع، فزعم أنه باعها بمائتي دينار، وأنه اشترى لها بثمن الوصيفة رأسين بمائتي دينار، وزاد من عنده سبعين دينارا، فسئل البينة على ما ذكر من ذلك، فأتى بشهود، فشهدوا أنه أدخلهم على أخته تلك، فأشهدهم عليها أنه قد اشترى لها رأسين بمائتي وسبعين دينارا، فسئل الشهود عن تفسير ما أشهدهم عليه، أذلك من ثمن الوصيفة أم لا؟ فقالوا: لا علم لنا، إنما أشهدنا عليها بأنه اشترى لها رأسين بمائتين وسبعين دينارا، فقبلت ورضيت، وقبضت الرأسين، ثم ادعت الأخت بعدما خرجت إلى زوجها، أن ثمن الوصيفة قبله، وأن الذي اشترى لها به الرأسين من غير ذلك من مورثها أو غيره، فجاء الوصي بالبراءة من جميع مورثها، وزعم أن ابتياعه الرأسين لها بعد قبضها مورثها من أبيها، ولم يكن لها عنده إلا مورثها، وثمن الوصيفة التي باع لها، فهل ترى أن يبريه ما شهد به الشهود من ثمن الوصيفة أم لا يكون له براءة حتى يشهد الشهود أن
стр. 6073
الرأسين من ثمن الوصيفة بعينها؟ قال: أما إذ هو وصي ناظر. فأرى أن يحلف بالله ما اشترى الرأسين لها، إلا من ثمن الوصيفة، ويبرأ من ثمنها إلا أن تأتي أخته بالبينة أن لها قبله شيئا سوى ثمن الوصيفة، فينظر لها. قلت: فالسبعون دينارا التي زعم أنه زادها من عنده، أيتبعها بها؟ قال: إن مات الرأسان اللذان اشترى لها بالمائتين والسبعين، فلا تباعة له قبلها في السبعين، من أجل أنه أرادها من له بغير أمرها، وفي حين ولايته، ولم يكن ينبغي له أن يشتري عليها بأكثر مما لها قبله، فيجعلها غارمة مطلوبة بدين: قال: وإن كان الرأسان بحالهما لم يتغيرا خيرت، فإن شاءت غرمت السبعين، وحبست ما اشترى لها، وإن كرهت ردتهما وأغرمته المائتي دينار ثمن وصيفتها.
قلت: أرأيت إن رضي أن يمضيها لها بالمائتي دينار، وتسقط عنها تباعته في السبعين التي زاد من ماله، أيلزمها حبسها أم ترد عليه الذي كان من زيادته في الثمن بغير أمرها؟ فقال: يلزمها حبسها؛ لأنه لا عدد لها في ردها إذا أوضع عنها تباعته فيما زاد بغير أمرها. قال: وسألت عن ذلك ابن القاسم فقال: أرى يحلف بالله لقد أدخل المائتي دينار ثمن الوصيفة في الرأسين، ثم يبرأ، فقلت: لابن القاسم: فالسبعون الدينار، أيتبعها بها؟ قال: لا أرى ذلك عليها، وذلك أنه إن كانت البراءة قبل بيع الوصيفة، فهو أمر طاع به لها، أو شيء تورع عنه كان عنده من مالها، وإن كانت البراءة بعدما اشترى الرأسين ودفعهما إليها، فالبراءة حسم لما كان لها قبله من مورثها ومن ثمن وصيفتها، ونرى السبعين حينئذ قد دخلت في البراءة، فلا تباعة لواحد منهما قبل صاحبه بعد أن يحلفا.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذه المسألة أن الرجل كان وصيا
стр. 6074
لأبيه على أخته، وكانت في حجره، فلما خرجت إلى زوجها، وملكت أمر نفسها، ادعت عليه أنه كان باع لها وصيفة إذا كان ناظرا لها بمائتي دينار، ولم يدفع إليها ثمنها، فزعم أنه باعها بمائتي دينار، كما ذكرت، وأنه اشترى لها بثمن الوصيفة رأسين بمائتي دينار، وزاد من عنده سبعين دينارا، وأتى على ما ذكر من ذلك بشهود، فشهدوا أنه أدخلهم على أخته، فأشهدهم عليها بما ذكر من أنه اشترى لها رأسين بمائتين دينار، وسبعين دينارا، فقبلت وقبضت الرأسين، ولم يعلم الشهود إن كان ذلك من ثمن الوصيفة أم لا، فلما شهد له عليها بهذا، ادعت أنه إنما اشترى لها الرأسين مما كان لها بيده من مورثها، وغير ذلك من غير ثمن الوصيفة، فأتى هو بالبراءة من جميع مورثهما، وزعم أن ابتياعه الرأسين لها كان بعد أن ملكت أمر نفسها، وبعد أن قبضت مورثها، فهي تقول: المائتان والسبعون التي اشترى بها الرأسين، وأشهد علي بقبضها، إنما هي من غير ثمن الوصيفة، وثمن الوصيفة باق عنده، وهو يقول: لم يكن لها عندي غير ثمن الوصيفة، فقد ابتعت لها بذلك الرأسين بسبعين دينارا، زدتها من مالي سلف لها، فهي تطالبه بثمن الوصيفة، وهو يطالبها بالسبعين، فرأى ابن القاسم أن يحلفا جميعا، ولا يكون لواحد منهما على صاحب تباعة، يحلف هو لقد دخلت المائتان ثمن الوصيفة في ثمن الرأسين؛ إذ لم يكن بقي عنده لها من تركة أبيها سوى ما دفعه إليها، وأتى بالبراءة منه، وتحلف هي على ما ادعت من أنه إنما اشترى لها الرأسين بالمائتين وسبعين مما كان لها عنده سوى ثمن الوصيفة.
وقد بين ابن القاسم وجه قوله في أن السبعين تسقط عنها بيمينها بتوجيه ظاهر، وذلك أنه لما ابتاع لها الرأسين بأكثر من ثمن الوصيفة، ودفعها إليها، ولم يذكر لها الزيادة حتى قامت تطلبه بالأصل، كان ذلك شبهة لها، توجب أن تسقط عنها بها الزيادة مع يمينها، ولم ير ابن وهب هذه شبهة توجب أن تسقط عنها بها الزيادة مع يمينها.
فقال: إن القول قوله مع يمينه في أن الرأسين من ثمن الوصيفة؛ إذ لم يكن لها عنده مال سواه من مورث ولا غيره كما ادعت، فإذا حلف برئ من ثمن الوصيفة، وكان له معها في
стр. 6075
الزيادة التي زاد في ثمن الرأسين، حكم من أمر رجلا أن يبتاع له عبدا، فابتاع أكثر مما أمره، بزيادة لا تزاد على مثل الثمن، ودفعه إليه، ولم يعلمه بالزيادة، حتى فات بموت أو عتق؛ أنه لا شيء له منها عليه. وقوله: إن كان الرأسان بحالهما لم يتغيرا خبرت إلى آخر قوله، يحتمل أن يكون معناه إذا قام عليها بالزيادة، وطلبها منها بقرب ما دفع إليها الرأسين، على ما مضى القول فيه في رسم العرية، من سماع عيسى، من كتاب البضائع والوكالات، وقول ابن القاسم أظهر أن الزيادة تبطل؛ إذ لم يذكر ذلك لها حتى قامت تطلبه، وفي المبسوطة ليحيى بن يحيى أن قول ابن القاسم أحب إليه من قول ابن وهب، وبه يقول: وإنما اختاره عليه للمعنى الذي ذكرناه، والله أعلم.
[مسألة: يوصي بوصايا وعتاقة]
مسألة وسألته عن الذي يوصي بوصايا وعتاقة، فتنفذ الوصايا والعتاقة، ثم يطلع على الموصي دين يحيط بماله، وقد شهد العبيد المعتقون على حقوق، فطال زمان ذلك، فاقتسم الورثة، ونما ذلك في أيديهم أو نقص أو استهلك، فقال: ترد الوصايا التي أخذ أهلها منها بحال ما توجد في أيديهم، نامية أو ناقصة، وما هلك منها، فلا ضمان عليهم فيها إلا أن يستهلكوا شيئا، فيغرموه أو يكونوا اشتروا شيئا فحوسبوا به في وصاياهم، فيكون لهم نماؤه، وعليهم ضمانه، ويردون الثمن الذي حوسبوا به، قال: والورثة بهذه المنزلة فيها اقتسموا ما أخذوا على حال الاقتسام، فنماؤه للغرماء، ولا ضمان على الورثة فيه، إلا أن يستهلكوا شيئا، فيكون عليهم غرمه، وما اشتروا على حال البيع، وليس على وجه الاقتسام، فنماؤه لهم وضمانه عليهم، يغرمون الثمن الذي كان وجب لهم. قال: وما اقسموا من ناض ذهب، أو ورق، أو طعام، أو إدام، فإنهم يغرمون ذلك
стр. 6076
كله، وإنما يوضع عنهم ضمان ما هلك من العروض والحيوان والعقار الذي يقسم بالقيمة، قلت: أرأيت ما اقتسموا من العروض بالقيمة، فغابوا عليه، ولم يعرف هلاكه إلا بقولهم، أيبرءون من ضمانه؟ أو الطعام أو الإدام الذي يوجب عليهم ضمانه، وتراه كالذهب والورق إذا عرف هلاكه بعينه، أيبرءون من ضمانه؟ فقال: ضمانهم في كل ما غابوا عليه كضمان المرتهن والمستعير، وبراءتهم مما عرف هلاكه بالبينة، كبراءة المرتهن والمستعير، وحالهم فيما لم يغب عليه كحالهما.
قال محمد بن رشد: قد مضت هذه المسألة متكررة على نصها في رسم الكبش، من سماع يحيى، من كتاب القسمة، ومضى الكلام عليها هناك مستوفى، فلا معنى لإعادته، وظاهر هذه الرواية أن العتق يرد وإن طال زمانه.
وقد روى أشهب عن مالك في رسم الأقضية الأول، من كتاب المديان والتفليس في الذي يعتق وعليه دين يغترق ماله، وتطول المدة؛ أن العتق لا يرد، والذي يعرف من قول ابن القاسم، وروايته عن مالك، أن العتق يرد دون تفرقة بين قرب ولا بعد، وقد قيل: إن قول ابن القاسم ليس بخلاف لرواية أشهب، وإن معنى قوله: إذا لم يطل الأمر، وقد مضى الكلام على ذلك هذا لك، وظاهر هذه الرواية أنه لا ضمان على الموصي فيما نفذ من الوصايا إذا طرأ دين يردها خلاف ما مضى في رسم الأقضية، من سماع أشهب قبل هذا من هذا الكتاب، وسيأتي من هذا المعنى في سماع موسى، وفي سماع أبي زيد الاختلاف من قول ابن القاسم فيه، قرب آخر الرسم الأول من سماع أصبغ، وبالله التوفيق.
[: يوصي بأكثر من ثلثه بإذن ورثته في مرضه ثم يصح فيقر بذلك]
ومن كتاب أوله أول عبد ابتاعه فهو حر قال: وسألته عن الرجل يوصي بأكثر من ثلثه بإذن ورثته، ثم
стр. 6077
صح صحة بينة معروفة، وقد كتب بالذي أوصى به كتابا فأقره حين صح، ثم مرض بعد ذلك، فمات من مرضه الآخر؛ أيلزم الورثة ما أحازوا له في وصيته التي صح بعدها أم لا؟ فقال: لا يلزمهم إنفاذه؛ لأنه قد صح صحة بينة، وملك القضاء في جميع ماله، واستغنى عن استيذانهم، فإذا حدث به مرض بعد صحة قد ملك فيها القضاء في جميع ماله، فعليه استيذانهم أيضا، وإلا فقد سقط عنهم ما كانوا أذنوا فيه.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله؛ لأنه إذا صح بعد أن استأذنهم فهو بمنزلة إذا أذنوا له، وهو صحيح كمن أقر في مرضه لمن لا يجوز له إقراره في المرض، ثم صح بعد ذلك؛ أن إقراره يلزمه. وقال ابن كنانة بعد أن يحلفوا ما سكتوا إلا عن غير رضا ولا يلزمهم ذلك، وهو بعيد، وبالله التوفيق.
[مسألة: يوصي فيقول اشتروا أخي بكذا وكذا ولا يقول أعتقوه]
مسألة قال: وسألته عن الرجل يوصي فيقول: اشتروا أخي بكذا وكذا، ولا يقول: أعتقوه عني، غير أنه أمر بشرائه أو بشراء بعض من إذا ملكه في حياته عتق عليه، أترى ما أمر به من اشترائه يوجب له العتاقة؟ قال: نعم، يشترى ويعتق عليه، وذلك إن وجه ما يريد الموصي بمثل هذا، عتاقة الذي يوصي باشترائه. قلت: أرأيت إن لم يبعه سيده بالذي نص الموصي أن يشترى به؟ فقال: يتربص به وينتظر، لعله أن يبدوا له فيه. قلت: وترى انتظاره السنة تجزي؟ قال: ذلك ونحوه وأكثر أحب إلي. قلت: فإن أيسر منه أيستحب أن يوضع ذلك الثمن في عتاقة؟ قال: لا أرى ذلك على الورثة، إن شاءوا فعلوا، وإن كرهوا فهم أحق بذلك الثمن ميراثا لهم.
стр. 6078
قلت: أرأيت لو كان قال: اشتروه، ولم ينص ثمنا، فامتنع السيد من بيعة بقيمته؟ قال: يلزمه أن يزاد في ثمنه ما بينه وبين ثلث قيمته، فإن امتنع فلا شيء عليهم أكثر من ذلك، إلا الاستيناء في أمره، والانتظار لرجوعه.
قلت: فإن نص شيئا يشترى به، فلم يكن في ذلك مبلغ ثمنه، فأجاب سيده إلى بيعه منهم بالمبلغ الذي نص أولا يحمل الثلث ما نص، فإذا رد ذلك إلى ثلث ماله، كان الثلث لا يبلغ ثمن العبد، فيجيب السيد إلى أن يبيعهم من العبد بقدر الثلث، أيلزمهم أن يشتروا قدر ذلك ويعتقوه؟ قال: أرى ذلك لازما لهم.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة بينة على معنى ما في المدونة وغيرها، لا اختلاف فيها إلا في وجه واحد منها، وهو إذا أبى سيده أن يبيعه بما سمى الموصي من الثمن، أو بزيادة مثل ثلث ثمنه على قيمته، فقال في هذه الرواية: إنه يستأنى به سنة ونحو ذلك، فإن أيس منه رجع الثمن ميراثا، ولم يلزم الورثة أن يجعلوه في عتاقة، إلا أن يشاءوا، وهو ظاهر ما في كتاب الوصايا الأول من المدونة؛ أن الثمن يرجع ميراثا بعد الاستيناء لذلك، وروى ابن وهب وغيره عن مالك فيه أن المال يوقف ما كان يرجى أن يشترى العبد إلا أن يفوت بموت أو عتاق. قال سحنون: وعليه أكثر الرواة. ومثله في الثاني من الوصايا لابن القاسم؛ لأنه قال فيه: بعد الاستيناء والإياس من العبد، ولابن كنانة في المدنية في الذي أوصى أن يشترى عبد بعينه فيعتق؛ أنه إن أيس منه بعتق أو موت اشترى به رقبة أو رقاب، فيعتقون عنه؛ لأنه إنما أراد أن يعتق عنه، وجعل ذلك في عبد صالح توسمه، فإن لم يجد سبيلا إلى اشترائه ففي غيره، وقال: إنما أمرنا بإيقاف الثمن انتظارا بالغلام، لعله أن يحتاج سيده أو يموت فيبيعه الورثة.
قال: فمن أجل ذلك أوقفناه، ولا يدخل قول ابن كنانة في الذي يوصي أن يشتري
стр. 6079
من يعتق عليه؛ لأنه إنما أراد به عتقه بعينه لقرابته منه، فإذا أيس منه رجع ثمنه ميراثا قولا واحدا، والله أعلم.
[: يقول أعتقوا عبدي الذي حج معي في وصيتي]
من سماع سحنون وسؤاله أشهب وابن القاسم قال سحنون: وسألت أشهب عن الذي يقول: أعتقوا عبدي الذي حج معي في وصيتي، وقد علم أنه حج معه عبد إلا أنه لا يعرف، وادعى ذلك عبيده؛ قال: الوصية باطل، وهو رقيق.
قال محمد بن رشد: قول أشهب هذا في أن الشهادة لا تجوز، والوصية باطل، معارض لقول ابن القاسم في رسم سلف، من سماع عيسى، وليس بمعارض لقوله في رسم يشتري الدور والمزارع من سماع يحيى، ولو كان العبيد كلهم حجوا معه، وكان قد قال في وصيته: أعتقوا عبدي الذي حج معي؛ لكان بمنزلة إذا قال: أعتقوا عني عبدي فلانا، وله عبيد بذلك الاسم، وبمنزلة إذا قال: أعتقوا عني عبدا من عبيدي على ما قاله ابن القاسم في رسم يشتري الدور من سماع يحيى، وقد مضى هناك بيان هذه المسألة، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
[مسألة: قال الرجل في وصيته خيروا جاريتي بين العتق والبيع]
مسألة قال ابن القاسم: إذا قال الرجل في وصيته خيروا جاريتي بين العتق والبيع، فاختارت البيع، ثم بدا لها في العتق قبل أن تباع، قال: ذلك لها.
قلت: فإن اختارت العتق، فلم تقوم، ثم بدا لها البيع.
стр. 6080
قال: لم أسمعه. وذلك لها عندي.
قلت: فإن اختارت البيع، وقالت: بيعوني من فلان، وقالوا: نبيعك في السوق. قال: ذلك لهم؟ وليس لها ذلك، ولا يوضع من ثمنها شيء.
قلت: فإن اختارت البيع، فقالوا لها: إذا رضيت بالملك فنحن نحبسك ولا نبيعك، قال: ليس ذلك لهم إلا برضاها، فإن رضيت بترك البيع، وأن تكون ملكا لهم، ثم أحبوا بيعها فذلك لهم.
قال محمد بن رشد: قوله في الذي أوصى أن تخير جاريته بين العتق والبيع: إنه لا يلزمها ما اختارت من ذلك، ولها أن ترجع عنه ما لم ينفذ فيها باختيارها بيع أو عتق، هو مثل ما تقدم في رسم القطعان من سماع عيسى، ومثل ما يأتي في أول سماع أصبغ، ولا خلاف في هذا أحفظه؛ لأن معنى قوله: خيروا جاريتي بين العتق والبيع، معناه: أعلموها أني قد جعلت لها الخيار في ذلك، فإذا أعلموها بذلك، كان لها أن ترجع من كل واحد منهما إلى الآخر ما لم ينفذ لها ما اختارته أولا، وذلك بخلاف تخيير الرجل أمته بين العتق والبيع؛ لأن تخيير الرجل أمته بين العتق والبيع، فإن اختارت العتق لزمه، وإن اختارت البيع لزمها، ولم يكن لها أن ترجع إلى العتق، وإن لم تختر شيئا حتى انقضى المجلس، جرى ذلك على اختلاف قول مالك في التمليك، ولا إشكال في أنها إذا اختارت البيع فلهم أن يبيعوها ممن شاءوا؛ أنه لا حق لها في أن تباع ممن أحبت، إذ لم يوص لها بذلك، ولا يوضع من ثمنها شيء كما قال.
وأما إذا اختارت البيع، فأرادوا حبسها فقوله: إن ذلك ليس لهم إلا برضاها صحيح؛ لأن لها حقا فيما أوصى لها به من بيعها، ولعله أراد أن يخرجها عن ملكهم لسوء ملكتهم، أو لما علم من أنها تكره البقاء عندهم، فيكون قد أراد القربة بما أوصى به من ذلك، وإنما الاختلاف إذا أرادت هي ألا تباع، هل يلزمهم بيعها، تنفيذا لما أوصى به الموصي أم لا؟ إذ لا قرابة
стр. 6081
في الوصية ببيعها، إذا لم ترد هي ذلك؛ إذ قد اختلف في وجوب تنفيذ الوصية بما لا قربة فيه من الأمور الجائزات، وفيما يختلف هل فيه قربة أم لا على مذهب من لا يرى فيه قربة؟ وبالله التوفيق.
[مسألة: يوصي للرجل ببعض من يعتق عليه فلا يقبل]
مسألة قال ابن القاسم في الرجل يوصي للرجل ببعض من يعتق عليه، فلا يقبل. قال: إن كان يحمله الثلث عتق.
قلت: فلمن ولاؤه؟ قال: للذي أعتقه، وكذلك قال لي: ولا أطيق خلافه، وهو أعلم مني.
قال محمد بن رشد: هذا خلاف نص قوله في كتاب الولاء والموارث من المدونة: إنه إن حمله الثلث يعتق عليه، ويكون الولاء له قبله أو لم يقبله، والقولان في الولاء إذا حمله الثلث، ولم يقبله في رسم القطعان، من سماع عيسى، من كتاب العتق؛ ولكلا القولين وجه، فوجه هذه الرواية أنه لما علم أنه يعتق عليه، فأوصى له به، فقد قصد إلى عتقه، فكان كأنه قد قال: إن قبله، وإلا فهو حر.
ووجه ما في المدونة أن الموصي لما علم أنه يعتق عليه إذا ملكه، ولم يكن على يقين من قبوله إياه، حمل عليه أنه أراد عتقه عنه، فكان الولاء له، وكذلك إذا تصدق به عليه أو وهبه إياه ولم يقبل، يختلف في الولاء لمن يكون، والقياس في هذا كله إذا لم يقبل أن يرجع في الوصية إلى ورثة الموصي، وفي الهبة والصدقة إلى الواهب، والمتصدق كما قال مالك في رواية علي بن زياد عنه إذا أوصى له بشقص فلم يقبل، ففي المسألة ثلاثة أقوال إذا لم يقبل.
قيل: يرجع إلى الموصي أو الواهب أو المتصدق، وقيل: يعتق على الذي أوصى له به أو وهبه إياه، أو تصدق به عليه، ويكون الولاء له، وقيل: يعتق على الموصي وعلى الواهب والمتصدق، ويكون الولاء له.
стр. 6082
وقد مضى القول على هذه المسألة في رسم المكاتب، من سماع يحيى، من كتاب الصدقات والهبات، وبالله التوفيق.
[مسألة: يوصي لرجل بدينار من غلة حائطه]
مسألة وسألت ابن القاسم عن الذي يوصي لرجل بدينار من غلة حائطه، وغلته عشرة دنانير، أو بدينار من غلة كل شهر من خراج غلامه، قال: إن ضمنوا له ذلك، وإلا أوقفوا العبد والحائط، وكانت الوصية في ثمرة غلة الحائط.
قلت لابن القاسم: فإن عالت وصاياه ووقعت المحاصة، ثم يضرب هؤلاء، قال: يعمرون وينظر إلى ما أوصى لهم به من الغلة، فيتحاصون به، ويضربون بذلك في ثلث المال، إلا أنه في وصيته في غلة العبد إنما التعمير في أقصرهم حياة من العبيد إن كانوا أقصر حياة، أو الموصى له بالغلة إن كان أقصر حياة.
قال محمد بن رشد: قوله في الذي يوصي لرجل بدينار من غلة حائط معناه حياته، فعلى ذلك يأتي جوابه. وأما قوله: أو بدينار من غلة كل شهر من خراج غلامه، فإنه لفظ وقع على غير تحصيل؛ لأنه إذا أوصى له بدنانير من غلة كل شهر، فلا اختلاف في أنه لا يجبر ما نقص في العام من العام الذي بعده. وقوله: إن ضمنوا ذلك له، وإلا أوقفوا الحائط، يدل على أن من حقهم أن يأخذوا العبد والحائط فيفوتهما إن شاءوا بضمانهم، خلاف ما في رسم الوصية الذي فيه الحج والزكاة من سماع أشهب.
ويحتمل أن لا يحمل ذلك على أنه اختلاف من القول، فيكون معنى قول ابن القاسم في هذه الرواية إذا كانوا أملياء، يؤمن العدم عليهم في غالب الحال، ومعنى قول مالك في سماع أشهب إذا لم يكونوا أملياء، وخيف عليهم العدم، والصواب أن يفسر قول ابن القاسم في هذه الرواية بما في سماع أشهب، فيقال: معناه إذا
стр. 6083
رضي الموصى لهم بضمانهم، وإنما يوقف العبد والحائط إذا حملها الثلث أو أجاز الورثة الوصية، وقوله: إن الوصايا إذا عالت فلم يجزها الورثة، ورجع في ذلك إلى التحاص في الثلث، فما قاله من التعمير في ذلك بين، وبالله التوفيق.
[مسألة: المرأة توصي لزوجها بالوصية ثم تموت وقد كان طلقها]
مسألة وسألت عبد الرحمن بن القاسم عن المرأة توصي لزوجها بالوصية ثم تموت، وقد كان طلقها، فقال ابن القاسم: إن كانت علمت بطلاقه فوصيتها جائزة له، وإن كانت لم تعلم بالطلاق لم تجز الوصية؛ لأنها أوصت يوم أوصت، وهي تظن أنه لها وارث، والوصية للوارث لا تجوز، قال سحنون: وقال لي أشهب: هي جائزة علمت أو لم تعلم. قال سحنون: وأخبرني القرشي عن المخزومي، وابن أبي حازم، وابن كنانة، وابن نافع أنهم قالوا: تجوز وصيتها له، وهي جائزة.
قال محمد بن رشد: قول ابن القاسم في هذه المسألة صحيح، واعتلاله ضعيف، فلو قال: إن وصيتها له لا تجوز، إلا أن تعلم بطلاقها إياها؛ لأنها إنما أوصت له لما بينهما من حرمة الزوجية، ولما بين الزوجين من المودة، فأرادت أن تزيده بالوصية على ما فرضه الله له بالميراث، ورجت أن يجيز ذلك له الورثة، ولعلها لو علمت أنه يطلقها لما أوصت له بشيء، أو قد طرد ابن القاسم اعتلاله في هذا على ضعفه، فقال في المدونة: إنه إذا أوصى لأخيه بوصية وهو وارثه، ثم ولد له ولد يحجبه عن الميراث، فالوصية له جائزة؛ لأنه قد تركها بعد الولادة، فصار مجيرا لها بعد الولادة، فالأظهر في هذه المسألة قول أشهب، والمخزومي، وابن أبي حازم، وابن كنانة: إن الوصية له جائزة، وإن لم يعلم بالولادة، والأظهر في أوصت لزوجها ثم طلقها.
стр. 6084
قول ابن القاسم: إن الوصية له لا تجوز، إلا أن تكون علمت بطلاقه من أجل ما ذكرناه، لا من أجل أن الوصية للوارث لا تجوز؛ لأن ذلك إنما هو من حق الورثة، إن أجازوها جازت، ليست بحق الله فتفتسخ على كل حال، إلا أن يجيزها بعد أن علم أنه غير وارث، فكما تبطل وصيته إذا أوصى له وهو غير وارث، ثم صار وارثا، فكذلك ينبغي أن تجوز إذا أوصى له وهو وارث، ثم صار غير وارث، إلا أن يدخل ذلك ما دخل الزوجة توصي لزوجها ثم يطلقها، وقد روى عن ابن القاسم مثل قول أشهب وابن كنانة، وابن أبي حازم، وذلك عندي في غير الزوجة، وبالله التوفيق.
[مسألة: وصية الرجل للرجل بدنانير ودراهم]
مسألة وقد قال ابن القاسم في وصية الرجل للرجل بدنانير ودراهم، أو بثمر صيحاني وبرني وصية أو وصيتين، أرى الصنفين جائزين له، وأرى الدنانير والدراهم جائزة له.
قال محمد بن رشد: قد تقدمت هذه المسألة والقول عليها في رسم الصلاة، من سماع يحيى، فلا وجه لإعادته، وبالله التوفيق.
[: يوصي بثلث ماله للمساكين ويترك دورا وقرى]
من نوازل سحنون بن سعيد وسئل عن الرجل يوصي بثلث ماله للمساكين، ويترك دورا وقرى، هل يباع ثلث دوره وقراه فيمن يزيد، ثم يعطى ثمنها للمساكين؟ أو تعرض على الورثة؟ فإن أحبوا اشتروا، وإن لم يريدوا الشراء قسم الثلث، وبيع فيمن يزيد. قال: بل يقسم ثلث مال الميت، ثم يباع فيمن يزيد، ثم يجتهد في ذلك السلطان للمساكين، ولا يكون الورثة أولى به، وإنما يكون أولى به من زاد
стр. 6085
في ثمنه، وإنما المساكين هاهنا بمنزلة أحد الورثة، ألا ترى أنه لو أوصى لرجل بعينه بثلث ماله؛ لكان الموصى له أولى به من الوارث؟ فكذلك وصيته للمساكين. قال: وسألت أصبغ عن رجل أوصى بثلث جميع ماله في المساكين صدقة، فوقعت الوصية في داره وأرضه، وجميع ماله، فقال ورثته: نحن نأخذ هذا الثلث في الأرضين والدار؛ لأننا لا نريد الخروج من الدار، ولا من الأرضين، أترى أن يعطوا ذلك بقيمة أم يصاح عليه فيمن يزيد، فيزيدون ويأخذونه؟ قال أصبغ: لا أرى أن ينادى عليه؛ لأنه يدخل في ذلك الضرر وعلى الورثة إذا علم الناس رغبتهم فيه، زادوا إضرارا بهم، ولا حاجة بهم إلى الشراء، لما يعلمون من رغبتهم فيه.
قال: وأرى إن كان الميت وكل بذلك الثلث من يقوم به، وبإخراجه وتفريقه أن يعامل الورثة في ذلك يأتي بصراء فيقومون ذلك، ثم يعطيهم إياه بقيمته، وإن لم يكن الميت جعل ذلك إلى أحد، كان أمره إلى السلطان، ووكل السلطان به رجلا ينظر فيه على نحو ما قلت لك، فإن قال الناظر في ذلك: فإني أرى اقتسامهم، فأفرز ثلث الدار والأرضين ثم أبيعه مفروزا؛ لأنه إنما ... بثمنه، فقال لي: ليس ذلك له، وهذا ضرر بهم، ولكن يأخذونه بالقيمة؛ لأن أصل الوصية لم يكن بالرقبة، إنما كانت بمال يخرج، ألا ترى أنه قال: ثلث مالي في المساكين صدقة، فقد علم أن ثلث داره لا يقسم في المساكين، وإنما وصيته على المال، فلا أرى أن يقسم، ولا ينادى عليه، ولكن يعطوه بقيمته على العدل؟ قلت: فإن قال: الورثة لا نريده، وتبرءوا منه، فإن أبى الناظر في ذلك أن يقسمه ثم يبيعه
стр. 6086
مفروزا، وقال الورثة: لا، بل بعه مشاعا فتأخذ، إن شئنا شفعتنا. فقال لي: أرى أن يبيعه مشاعا ولا يقسمه؛ لأن وصيته معناها وقعت على مال، ولم تقع على شرك ولا على ربع، وليس المساكين فيه كرجل أو كرجال بأعيانهم لو كان أوصى بذلك لمن هو بعينه، كان شريكا لهم إن شاء فأسهم، وإن شاء أقره مشاعا، وإن شاء باع، وإن شاء أمسك، وإن وصيته للمساكين، إنما وقعت على مال وعلى التفرقة، قال: وأرى إن كان للميت مال سوى الربع من عين أو ثمن سقط، أو حرثي أو حيوان مما يباع في الفصول؛ لأن للوصي أن يستوفي من ذلك على ما أحبوا أو كرهوا، ولا يحبس ذلك لدعواهم للبيع وللمقاسمة بعد أن يعدل ذلك، فإن لم يكن ثم مال، فهذا الذي يكون للوصي بيع الربع شريكه كوارثه.
قال محمد بن رشد: قول سحنون هذا، مثل قول مالك في رسم الوصايا من سماع أشهب، خلاف قول ابن القاسم وأصبغ.
وقد مضى هناك تحصيل القول في هذه المسألة، وأنه يتحصل فيها خمسة أقوال؛ فلا معنى لإعادة ذلك، وبالله التوفيق.
[مسألة: يوصي بوصايا وبعبد أبق]
مسألة وسألته عن الرجل يوصي بوصايا وبعبد أبق. قال: إن كان إباقه قريبا يرجى ضرب به على الرجاء والخوف.
قال محمد بن رشد: هذا إذا لم يحمل الثلث الوصايا ولا أجازها الورثة، فقطعوا لهم بالثلث، فتحاصوا فيه بقدر وصاياهم، يقوم العبد
стр. 6087
الموصى به، وهو أبق على الرجا والخوف، أن لو كان يحل بيعه على ما هو عليه من إباقه، فيحاص أهل الوصايا في الثلث بتلك القيمة، وأما إن حمل الثلث الوصايا، أو لم يحملها، فأجازها الورثة، فإن العبد الآبق يكون للموصى له به يتبعه، وجده أو لم يجده، وبالله التوفيق.
[مسألة: يوصي بالثوب فيصبغه]
مسألة قال سحنون في الرجل يوصي بالثوب فيصبغه، أو يكون مصبوغا فيغسله: إن ذلك لا يحيل الوصية، وأرى الورثة شركاء في الثوب بقيمة الصبغ. وقال غير سحنون: يكون له مصبوغا. وقال سحنون: إذا قطع الثوب خرجت منه الوصية بالاسم الذي دخله، يكون ملحفة فيصير قميصا، أو يكون دارا مبنية فيهدمها، أو تكون عرصة فيبنيها، فإن الوصية فيه ثابتة، ويكون الورثة فيه شركاء مع الموصى له بالبنيان، وقال غير سحنون: إذا خرجت العرصة من اسمها حتى تصير دارا، فقد خرجت من الوصية، وإذا خرجت الدار من أن تكون دارا، وصارت عرصة، فقد خرجت من البنيان، وكذلك الثوب إذا كان ملحفة فقطعه قميصا، فقد تغير اسمه، وخرجت عنه الوصية، وقول سحنون خير من هذا إن شاء الله.
قال محمد بن رشد: قول سحنون في هذه الرواية، في الذي يوصي بالعرصة ثم يبنيها: إن الوصية فيها ثابتة، ويكون الورثة شركاء مع الموصى له بالبنيان، خلاف قوله في سماع أبي زيد بعد هذا، والذي يتحصل في الذي يوصي بالبقعة ثم يبنيها، أو بالدار ثم يهدمها، ثلاثة أقوال؛ أحدها: أن الوصية تبطل في الوجهين جميعا. والثاني: لا تبطل في الوجهين جميعا. والثالث: الفرق بين المسألتين، فتبطل إذا أوصى بالبقعة ثم بناها، ولا تبطل إذا أوصى بالدار، ثم هدمها، ويختلف على القول في أن الوصية
стр. 6088
بالعرصة لا تبطل ببنيانها، هل تكون لا موصى له ببنيانها، أو يكون شريكا مع الورثة بالعرصة؟ ويختلف أيضا على القول بأن الوصية بالدار لا تبطل بهدمها، هل يكون له النقض مع البقعة أم لا؟ فقيل: إنه لا يكون له النقض، وقيل: إنه يكون له، وهو قول ابن القاسم في المجموعة، وكذلك يختلف في الثوب يوصي به، ثم يصبغه أو يغسله على هذا الاختلاف سواء قيل: إنه يكون فيه شريكا مع الورثة، بقيمة الصبغ من قيمة الثوب، وقيل يكون له الثوب مصبوغا، وهو قول ابن القاسم وأشهب في كتاب ابن المواز، وقال أشهب: وكذلك لو غسله أو كانت دارا فجصصها، أو زاد فيها بناء؛ لأنه لم يتغير الاسم عن حاله، وأما الثوب يوصي به، ثم يقطعه ويخيطه، فيتحصل فيه ثلاثة أقوال؛ أحدها: أن الوصية تبطل. والثاني: أنها لا تبطل. والثالث: الفرق بين أن يقول: شقتي أو ملحفتي لفلان، فيقطع ذلك قميصا أو سراويل، وبين أن يقول: ثوبي لفلان، فيقطعه قميصا أو سراويل، فتبطل الوصية إذا قال: شقتي أو ملحفتي، ولا تبطل إذا قال: ثوبي؛ لأنه إذا قال: شقتي أو ملحفتي، فقد انتقل اسمها بما أحدث فيها؛ إذ لا يسمى القميص ولا السراويلات شقة ولا ملحفة، وإذا قال: ثوبي، فلم ينتقل اسمه بما أحدث فيه؛ لأن القميص والسراويلات يسمى كل واحد منهما ثوبا، وإذا لم تبطل الوصية على القول بأنها لا تبطل، فيختلف هل يكون له الثوب مخيطا؟ أو هل يكون مع الورثة شريكا؟ وليس في هذا شيء يرجع إليه، وينبني فيه الخلاف عليه سوى ما يغلب على الظن، من أن الموصي أراده بما فعل، وبالله التوفيق.
[مسألة: أوصى بعتق أحد عبيده دون تعيين]
مسألة وسئل عن رجل حضرته الوفاة، وله ثلاثة أعبد، فدخل عليه أحد ولده في مرضه، فقال له: أوص، فقال: ميمون حر، ثم دخل عليه آخر من ولده، فقال: أوص، فقال: أحد هؤلاء الثلاثة حر، ثم مات، قال: قد قيل: إن الشهادة باطلة، وقد قيل يقرع
стр. 6089
بين الثلاثة، فإن وقع السهم على الذي شهد له أحد الورثة بالعتق فيما اجتمع على عتقه، أقسم فيعتق إن كان الورثة رجالا كلهم، وإن وقع السهم على غيره، فالشهادة باطل، إلا أن يصير العبد الذي شهد بعتقه لمن شهد له.
قال محمد بن رشد: الاختلاف الذي ذكره سحنون في جواز هذه الشهادة، يتخرج على الاختلاف في جواز تلفيق الشهادة إذا اختلف فيها اللفظ والمعنى، واتفق ما يوجبه الحكم، مثل أن يشهد أحد الشاهدين أن له عليه مائة دينار من سلف، ويشهد آخر أن له عليه مائة دينار من مبايعة، ومثل أن يشهد أحدهما أنه قال: امرأتي طالق إن فعلت كذا وكذا، ويشهد الآخر أنه قال: إحدى امرأتي طالق إن فعلت كذا وكذا لذلك الشيء بعينه، وله امرأتان، وما أشبه ذلك؛ لأن القرعة إذا وقعت على ميمون، فقد وجب له العتق بشهادة كل واحد منهما، وقد مضى بيان هذا المعنى، في رسم العرية، من سماع عيسى، من كتاب الشهادات، وقوله: إن كان الورثة رجالا كلهم صحيح؛ لأنه إن كان في الورثة نساء لم تجز الشهادة باتفاق؛ لأنهما يتهمان جميعا في جر الولاء لأنفسهما دون من يرث الميت من النساء، إلا أن يكون العبدان ممن لا يرغب في ولائهما، وبالله التوفيق.
[مسألة: قال عشرة من رقيقي أحرار وله خمسون رأسا]
مسألة قلت لسحنون: كيف تكون القرعة إذا قال: عشرة من رقيقي أحرار، وله خمسون رأسا. قال: إن كانوا ينقسمون، قسموا أخماسا بالقيمة، ثم يكتب جزء العبد، فيكتب فيه العتق ويكتب في الآخر رق، ثم يعطى لرجل لا يقرأ، فيلقي تلك البطائق عليهم، فعلى أي جزء وقع سهم العتق عتق ذلك القسم، وإن كانوا لا ينقسمون قوموا كلهم، ثم ينظر إلى الثلث كم هو؟ فإن كان مائة
стр. 6090
دينار، كتبت أسماؤهم اسم كل واحد عنهم على حدة، ثم جمعها في كمه، ثم ضرب بيده، فيخرج واحدة، فينظر من خرج سهمه، فإن كان كفاف الثلث عتق، وإن كان أقل ضرب بيده، ثم أخرج أخرى.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما في المدونة وغيرها، ولا اختلاف فيه، فقد يخرج في الثلث على هذا بعض عبد إن كان الذي خرج سهمه قيمته أكثر من الثلث، وقد يخرج فيه عبد كامل لا أكثر ولا أقل، إن كانت قيمة الذي خرج سهمه من الثلث سواء، وقد يخرج فيه أكثر من عبد إن كان الذي خرج سهمه قيمته أقل من الثلث؛ لأنه يعتق الذي خرج سهمه، ثم يضرب مرة ثانية، فإن كان الذي خرج سهمه أقل مما بقي من الثلث أعتق أيضا ثم يضرب مرة ثالثة، وهكذا أبدا حتى يعتق من العبيد مبلغ الثلث، وبالله التوفيق.
[مسألة: وصى لرجل بداره في مرضه ثم هدمها ثم بناها]
مسألة وسئل سحنون فقيل له: لو أن رجلا أوصى لرجل بداره في مرضه، ثم هدمها، ثم بناها كما كانت أول مرة، ثم مات من مرضه ذلك، هل ترى ذلك نقضا لوصيه؟ فقال: أما الذي أقول أنا إذا بناها إن الموصى له بالدار له قاعة الدار، ولا يكون له البنيان؛ لأن القاعة لم يزلها عن حالها، وإنما غير البنيان وأزاله عن حاله، فقد نقض وصيته في البنيان، قيل له: أرأيت لو أوصى له في مرضه بعرصة لا بناء فيها، ثم بناها دارا في مرضه، هل يكون هذا نقضا؟ قال: نعم، يكون هذا نقضا؛ لأنه قد أحال العرصة من حالها، فقد نقض وصيته.
قال محمد بن رشد: قوله: إنه إذا أوصى له بعرصة ثم بناها؛ أن
стр. 6091
ذلك يكون نقضا لوصيته، هو خلاف قوله قبل هذا، ومثل ماله في سماع أبي زيد، ولا يدخل هذا الاختلاف من قوله في هذه المسألة في المسألة الأولى التي أوصى بداره لرجل، ثم هدمها، ثم بناها؛ لأنه إنما لم ينقض وصيته في العرصة ببنيانه إياها على قوله فيمن أوصى لرجل بعرصة ثم بناها؛ لأنه لم يوص له بعرصة، وإنما أوصى له بدار، ثم هدمها، فصارت عرصة، فلم ير أن تنتقض وصيته ببنيانه لها.
وقد مضى قبل هذا تحصيل القول فيمن أوصى لرجل بعرصة ثم بناها، أو بدار ثم هدمها، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
[مسألة: أوصى لعبده بثلث ماله وللعبد ولد]
مسألة وسئل سحنون عن رجل أوصى لعبده بثلث ماله، وللعبد ولد، هل يقدم عتق العبد في الثلث قبل الابن، أو يدخلان فيه جميعا؟ قال: بل يكون الأب أولى بالعتق في الثلث، فإن بقي من الثلث شيء دخل فيه الابن في العتق بالغا ما بلغ.
قال محمد بن رشد: قد تقدم قول سحنون هذا في رسم الرهون الأول، من سماع عيسى، ومضى الكلام عليه هنا، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
[مسألة: أوصى لرجل بمتاعه وأمره أن يوجه متاعه إلى ورثته]
مسألة وسألته عن رجل من أهل الأندلس هلك بمصر، وأوصى لرجل بمتاعه وأمره أن يوجه متاعه إلى ورثته، ولا يحدث فيه بيعا، فقام الوصي فباع ذلك المتاع، واشترى لنفسه أكثر ذلك المتاع، وضمنه نفسه على حال ما أعطى به، فوجه الوصي ذلك المتاع بعينه إلى أهل نفسه، وأمرهم أن يبيعوا ذلك المتاع، ويقضوا
стр. 6092
ورثة الميت بمصر، فعثر ورثة الميت على ذلك المتاع بعينه، فقاموا يريدون أخذه، أذلك لهم أم لا؟ وقال أهل الوصي: قد ضمن صاحبنا وتعدى فيه، وأكرى عليه من أرض نائية، فليس لكم علينا إلا الثمن الذي وقع به هذا المتاع على صاحبنا، فهل ترى لورثة الميت أخذ المتاع منهم أم لا؟ قال سحنون: الورثة يخير بين إن أحبوا أن يأخذوا المتاع بعينه، فذلك لهم، ولا شيء عليهم من كراء ذلك المتاع، وإن أحبوا كان لهم على الوصي الثمن الذي اشترى به المتاع والقيمة، إن كانت أكثر. قال: وسألت أبا زيد بن أبي العمر عن ذلك، فقال لي مثله.
قال محمد بن رشد: قوله ويقضوا ورثة ذلك الميت بمصر غلط، والله أعلم، وإنما صوابه بالأندلس على ما ساق عليه المسألة؛ أن الرجل كان من أهل الأندلس، ومات بمصر. وقوله: إن الورثة بالخيار، بين أن يأخذوا متاعهم دون كراء يكون عليهم، وبين أن يكون لهم الثمن الذي اشترى به المتاع، فذلك بين لا اختلاف فيه؛ لأنه متاعهم بعينه، فلهم أن يأخذوه إن شاءوا، وإن شاءوا أن يأخذوا الثمن، كان ذلك لهم، من أجل أنه قد ألزمه نفسه ورضي به، وأما قوله: إن لهم أن يأخذوا القيمة إن كانت أكثر من الثمن، فهو خلاف المعلوم من مذهبه في أن من تعدى على متاع رجل، فحمله من بلد إلى بلد، فليس له إلا أخذ متاعه، إذا لم يفت بذلك عنده؛ لأنه رأى نقله من بلد إلى بلد مثل حوالة الأسواق، مثل قول ابن القاسم وأشهب وغيرهما من أصحاب مالك.
وقد مضى تحصيل القول في هذا المعنى، في رسم أسلم، من سماع عيسى، من كتاب الوديعة في العروض والحيوان والرقيق والطعام، فقف على ذلك هنالك، وبالله التوفيق.
стр. 6093
[مسألة: يوصي إليه الرجل بماله وولده]
مسألة وسئل سحنون عن الرجل يوصي إليه الرجل بماله وولده، فتحضر الوصي الوفاة، فيوصي إلى رجل بماله وولده، أو يقول: فلان وصي مجملا، ولم يذكر مال الميت ولا ولده الذين كان أوصى بهم إليه، هل يكون الموصى له وصيا فيما كان هذا فيه وصيا للذي أوصى إليه فيه؟ فقال: لا يكون وصيا إلا في مال هذا الميت إذا لم يذكر في وصيته، وأنه وصي على ما أوصى به إلى فلان.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال: إنه لا يكون وصيا على ما كان أوصى إليه به من مال الرجل وولده، وإن اتهم الإيصاء فقال فيه فلان وصي، فلم يفسر شيئا؛ لأنه إنما يحمل على العموم في ماله وولده خاصة، لا في مال غيره، وبالله التوفيق.
[مسألة: يقول إن أصابني قدري في سفري هذا ففلان وكيلي]
مسألة وسئل عن رجل يقول: إن أصابني قدري في سفري هذا، ففلان وكيلي، هل يكون وصيا إن أصابه قدره؟ قال: نعم، يكون وصيا وإن لم يقل وصي، وهو عندنا واحد.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال؛ لأن الوصي وكيل الميت، فسواء قال في وصيته: إن مت ففلان وصيي، أو إن مت ففلان وكيلي، فكل وصي وكيل، وليس الوكيل بوصي، وبالله التوفيق.
[مسألة: قال إن أدركني موت في سفري هذا ففلان وصيي]
مسألة وعن رجل أوصى إلى رجل بالأندلس، فقال: إن أدركني موت في سفري هذا، ففلان وصيي وخرج في سفره، فلما انتهى
стр. 6094
إلى القيروان مات الموصي، ولم يبلغ الموصى إليه خبر موته حتى أدركه أجله بالأندلس، فأوصى بأهله وماله إلى فلان، ولم يسم الهالك بالقيروان؛ لأنه لم يبلغه خبر موته، ولم يعلم به هل يكون هذا الموصى إليه وصيا للميتين جميعا؟ فقال: لا يكون إلا للذي أوصى إليه.
قال محمد بن رشد: ولو علم بموته، لم يكن الموصى إليه وصيا على ما أوصى به إليه، إلا ببيان على ما تقدم قبل هذا، وبالله التوفيق.
[مسألة: النصراني أله أن يوصي بجميع ماله]
مسألة وسئل سحنون عن النصراني أله أن يوصي بجميع ماله؟ فقال: ذلك يختلف، أما إذا كان من أهل العنوة فليس ذلك له؛ لأنه ورثته المسلمون إذا مات، فليس له أن يغر بميراثه واله؛ لأنه من أهل العنوة، ومن كان أيضا من أهل الصلح ممن عليه الجزية على جمجمته، وكل واحد منهم إنما عليه شيء يؤديه عن نفسه، ليس يؤخذ غنيهم بمعدمهم، فإن ذلك أيضا ليس له أن يوصي بجميع ماله، وليس له أن يوصي إلا بثلثه إذا كان لا وارث له من أهل دينه؛ لأن ورثته المسلمون، فأما إذا كان من أهل الصلح، فصالحوا على أن عليهم وظيفة معلومة من الخراج، ليس ينقصون منها أبدا لموت من مات، ولا لعدم من أعدم منهم، وهم بعضهم مأخذون ببعض، فليس يعرض لهم في وصاياهم، وليس لنا أموالهم إن مات منهم أحد ولا وارث له، كان لأهل خراجه، ليقووا في خراجهم؛ لأنهم هم المأخذون بخراجهم، وهم بعضهم قوة لبعض.
стр. 6095
قال محمد بن رشد: وقع قول سحنون هذا على نصه في رسم العرية، من سماع عيسى، من كتاب السلطان، ومضى القول عليه هناك، فلا معنى لإعادته هنا، وبالله التوفيق.
[مسألة: إذا أسلم أهل العنوة فهل يجوز بيع رقيقهم]
مسألة قال سحنون: أخبرني ابن القاسم عن مالك: إذا أسلم أهل العنوة أخذ منهم دنانيرهم ودراهمهم وعبيدهم، وكل مال لهم.
قلت لابن القاسم: أفيجوز بيع رقيقهم؟ قال: أراه جائزا من قبل أن أمرهم، كأنهم تركوا على ذلك، وكأنهم أذن لهم في التجارة، وإنما منعوا أن يهبوا أو يتصدقوا أو يفسدوا أموالهم.
قلت: فتزويدهم بناتهم، فقال: إني لا أحبه، وما أراه حراما.
قال محمد بن رشد: هذه الرواية على نصها قد مضت متكررة في سماع سحنون، من كتاب التجارة إلى أرض الحرب، ومضى الكلام عليها هناك، فأغنى عن إعادته، وبالله التوفيق.
[مسألة: أوصى عند موته لرجل بألف درهم]
مسألة وعن رجل أوصى عند موته لرجل بألف درهم، وقال: لي عنده عشرون دينارا، فاقبضوها منه، فأخبر الموصى له بالوصية، وسئل عن العشرين، فأنكر أن يكون له عليه شيء قال: يحاسب في الألف الدرهم بالعشرين دينارا، ثم يكون له ما بقي.
следующие страницы →